Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كتاب: الجهاد والسّير
كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ. وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ .
قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابٍ رَسُولِ اللّهِ وَه فَقَرَأَهُ. فَإِذَا فِيهِ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ. مِنْ
مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ
ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم)). ولكن لو تفطن هرقل
لقوله قيم في الكتاب الذي أرسل إليه: ((أسلم، تسلم))، وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا
والآخرة لسلم لو أسلم من كل ما يخافه، ولكنّ التوفيق بيد الله تعالى. كذا في فتح الباري.
قوله: (لغسلت عن قدميه) وزاد عبد الله بن شداد عن أبي سفيان: ((لو علمت أنه هو
لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه)) وهذا يدل على أنه كان بقي عنده بعض الشك. وزاد
فيها: ((ولقد رأيت جبهته تتحادر عرقاً من كرب الصحيفة)) يعني: لما قرىء عليه كتاب النبيّ وَّر،
قال أبو سفيان: ((فما زلت مرعوباً من محمد ﴿﴿ حتى أسلمت)) أخرجه الطبراني، ورجاله رجال
الصحيح، كما في مجمع الزوائد (٥: ٣٠٧).
وفي اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه - إذا وصل إليه سالماً -
لا ولاية، ولا منصباً، وإنما يطلب ما تحصل له به البركة، كذا في فتح الباري.
قوله: (ليبلغنّ ملكه ما تحت قدميّ) يعني: بيت المقدس، وكنى بذلك لأنه موضع
استقراره، أو أراد الشام كله، لأن دار مملكته كانت حمص. كذا في الفتح.
قوله: (فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم) قال العيني كثُّ في العمدة (١: ١١٦ و١١٧):
((فيه تصدير الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان المبعوث إليه كافراً .... وفيه دليل لمن
قال بجواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوشة فيها اسم الله تعالى للضرورة، وإن كان عن مالك
الكراهة، لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش من ذكر الله تعالى)).
قوله: (من محمد رسول الله) قال العيني: «قال الشيخ قطب الدين: وفيه أن السنة في
المكاتبات أن يبدأ بنفسه، فيقول: من فلان إلى فلان، وهو قول الأكثرين، وكذا في العنوان
أيضاً يكتب كذلك، واحتجوا بهذا الحديث، وما أخرجه أبو داود عن العلاء بن الحضرميّ ◌ُته،
وكان عامل النبيّ وَّر على البحرين، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه، وفي لفظ: بدأ باسمه ....
وكره جماعة من السلف خلافه، وهو أن يكتب أولاً باسم المكتوب إليه، ورخص فيه بعضهم،
وقال: يبدأ باسم المكتوب إليه. روي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية.
وعن محمد بن الحنفية وأيوب السختياني أنهما قالا: لا بأس بذلك. وقيل: يقدم الأب ولا يبدأ
ولد باسمه على والده، والكبير السنّ كذلك قلت: يرده حديث العلاء، لكتابته إلى أفضل البشر،
وحقه أعظم من حق الوالد وغيره)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويستفاد منه أن العناية بإراحة المخاطب والمكتوب إليه

١٢٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَع الْهُدَىْ. أَمَّا بَعْدُ. فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةٍ
الإِسْلاَمِ. أَسْلِمْ تُسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنٍ. وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ
الأَرِيسِييَّنَ.
أقدم على العناية بأدبه وتعظيمه. لأن الحكمة في تقديم الكاتب اسمه أن المكتوب إليه يعرف
اسم الكاتب في أول نظرة، ولولا ذلك لوقع في التشويش، ورجح هذا المعنى على معنى الأدب
والتعظيم الذي يقتضي تقديم اسم المكتوب إليه، والله سبحانه أعلم.
قوله: (إلى هرقل عظيم الروم) فيه أن المكتوب إليه يخاطب بملاطفة وتعظيم يليق بمرتبته
المعروفة بين الناس، ولو كان كافراً أو فاسقاً، فإن النبيّ وَل و لم يخاطبه بمجرد اسمه، بل وصفه
بكونه عظيم الروم. وذكر العلماء أنه وّلقر لم يصفه بقوله (ملك الروم) لما فيه من تسليم الملك
والسلطنة له، ولم يكن ذلك مقصوداً، والله سبحانه أعلم.
قوله: (سلام على من اتبع الهدى) قال العيني في العمدة (١١٧:١): ((فيه حجة لمن منع
أن يبتدأ الكافر بالسلام، وهو مذهب الشافعي وأكثر العلماء. وأجازه جماعة مطلقاً. وجماعة
للاستئلاف أو الحاجة، وقد جاء عنه النهي في الأحاديث الصحيحة. وفي الصحيحين أن
رسول الله ﴿ قال: لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام الحديث، وقال البخاري وغيره: ولا
يسلم على المبتدع، ولا على من اقترف ذنباً كبيراً ولم يتب عنه)).
قوله: (بدعاية الإسلام) بكسر الدال، أي: دعوة الإسلام، وفي الرواية الآتية: بداعية
الإسلام، وكلاهما بمعنى.
قوله: (أسلم تسلم) بفتح الهمزة، أمر من باب الإفعال، و((وتسلم)) بفتح التاء واللام
مجزوماً على كونه جواب الأمر. وهذا كلام في غاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني، مع ما فيه
من بديع التجنيس وشموله لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل وأخذ الديار والأموال
ومن عذاب الآخرة.
قوله: (يؤتك الله أجرك مرتين) لما ورد في الحديث الصحيح أن من آمن من أهل الكتاب
على نبينا ◌َّ فله أجران.
قوله: (فإن عليك إثم الأريسيّين) وفي الرواية الآتية: ((اليريسيّين)) واختلفوا في المراد به
على أقوال:
الأول: أنهم الأكارون والفلاحون، وكني به عن رعاياه، لأنهم أكارون في الغالب.
والمراد أنك لو امتنعت عن الإسلام امتنع معك رعاياك من أجلك، فيكون عليك إثم امتناعهم.
وهذا القول هو الراجح عند أكثر الشراح، لأنه وقع في رواية ابن إسحاق عن الزهري: ((عليك
إثم الأكارين)) وكذا رواه الطبراني والبيهقي في دلائل النبوة. وزاد البرقاني في روايته: يعني:

١٢٣
كتاب: الجهاد والسّير
و﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا
يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اَللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ. وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا. قَالَ:
فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنٍ أَبِي كَبْشَةَ. إِنَّهُ لَيَخَافُهُ
الحراثين، وفي رواية المديني من طريق مرسلة: ((فإن عليكم إثم الفلاحين)). كذا في عمدة
القاري (١ : ١٠٣).
والثاني: المراد منهم الخدم والخول، يعني بصده إياهم عن الدين. قاله أبو عبيدة، كما
في العمدة (١: ١٠١).
والثالث: أنهم أتباع عبد الله بن أريس من النصارى، الملقبون بالأريسيّة.
والرابع: أنهم الملوك والرؤساء الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة. فعلى هذا
يكون المراد: عليك إثم من تكبر عن الحق من الملوك والرؤساء.
وقال الحافظ في الفتح (١: ٣٩): ((ولا يعارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا فِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ [سورة الزمر، آية: ٧]، لأن وزر الآثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبب والمتلبس
بالسيئات يتحمل من جهتين: جهة فعله، وجهة تسببه)).
قوله: (ويا أهل الكتاب) إلخ: قال الحافظ: ((هكذا وقع بإثبات الواو في أوله، وذكر
القاضي عياض أن الواو ساقطة من رواية الأصيلي وأبي ذر، وعلى ثبوتها فهي داخلة على مقدر
معطوف على قوله: ((أدعوك)) فالتقدير: أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك ولأتباعك امتثالاً
لقول الله تعالى: ﴿يَأَهْلَ اُلْكِنَبِ﴾ [سورة آل عمران، الآيتان: ٧ و٧١] ويحتمل أن تكون من كلام أبي
سفيان، لأنه لم يحفظ جميع ألفاظ الكتاب، فالواو من كلامه لا من نفس الكتاب، وقيل: إن
النبيّ وَ طله كتب ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظه لفظها لما نزلت، والسبب في هذا أن هذه الآية
نزلت في قصة وفد نجران، وكانت قصتهم سنة الوفود سنة تسع، وقصة أبي سفيان كانت قبل
ذلك سنة ست، وسيأتي ذلك واضحاً في المغازي، وقيل: بل نزلت سابقة في أوائل الهجرة،
وإليه يومىء كلام ابن إسحاق، وقيل: نزلت في اليهود. وجوز بعضهم نزولها مرتين، وهو
بعید)) .
قوله: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة) (أمر) بفتح الهمزة وكسر الميم، أي: عظم. وابن أبي
كبشة أراد به النبيّ ◌َه، لأن أبا كبشة أحد أجداده، وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد
غامض. وقد ذكر الحافظ في الفتح (١: ٤٠) عدة توجيهات لهذه النسبة، وذكر أن ابن حبيب
ذكر جماعة من أجداد النبيّ وَ ﴿ من قبل أبيه ومن قبل أمه، كل واحد منهم يكنى أبا كبشة.
وقيل: هو أبوه من الرضاعة واسمه الحارث بن عبد العزى، قاله أبو الفتح الأزدي وابن ماكولا

١٢٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ .
قَالَ: فَمَا زِلْتُ مُوقناً بِأَمْرٍ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ
الإِسْلاَمَ.
٤٥٨٤ - (٠٠٠) وحدّثناه حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمْيْدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ
(وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ). حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ
فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَّ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ مَشَىْ مِنْ حِمْصَ إِلَى إِبِلِيَاءَ.
شُكْراً لِمَا أَبْلاَهُ اللَّهُ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ((مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسولِهِ)). وَقَالَ: ((إِثْمَ
الْيَرِيسِيِّينَ)). وَقَالَ: ((بِدَاعِيَّةِ الإِسْلاَمِ)).
(٢٧) - باب: كتب النبيّ وَّ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ
٤٥٨٥ - (٧٥) حدّثني يُوسُفُ بْنُ حَمَّادِ الْمَعْنِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ
وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن أبيه عن رجال من قومه أنه أسلم، وكانت له بنت تسمى
کېشة یکنی بها .
وقال ابن قتيبة والخطابي والدارقطني: هو رجل من خزاعة خالف قريشاً في عبادة
الأوثان، فعبد الشعرى، فنسبوه إليه، للاشتراك في مطلق المخالفة. وكذا قاله الزبير، قال:
واسمه وجز بن عامر بن غالب. كذا في الفتح.
قوله: (ملك بني الأصفر) يعني: الروم. ويقال: إن جدهم روم بن عيص، تزوج بنت ملك
الحبشة، فجاء لون ولده بين البياض والسواد، فقيل له الأصفر، وقيل: إنما لقب به لأن جدته
سارة زوج إبراهيم حلته بالذهب. كذا في فتح الباري.
( ... ) - قوله: (شكراً لما أبلاه الله) قال النووي: ((معناه: شكراً لما أنعم الله به عليه،
وأناله إياه، ويستعمل ذلك في الخير والشرّ. قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلشَرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾ [سورة
الأنبياء، آية: ٣٥]، والله أعلم)».
(٢٧) - باب كتب النبيّ وَّ إلى ملوك الكفار إلخ
٧٥ _ (١٧٧٤) - قوله: (يوسف بن حمّاد المعنيّ) بفتح الميم وسكون العين، نسبة إلى
معن بن زائدة، كما في الأنساب للسمعاني (١٢: ٣٥٧)، وهو أبو يعقوب البصري من شيوخ
مسلم والترمذي وابن ماجه، وأخرج له النسائي أيضاً ووثقه مات (سنة: ٢٤٥هـ)، وثقه ابن
حبان، والبزار، ومسلمة بن قاسم. كذا في التهذيب (١١: ٤١٠).
قوله: (عن سعيد) يعني: ابن أبي عروبة.

١٢٥
كتاب: الجهاد والسّير
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَ لِهِ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَبْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِي، وَإِلَى
كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىْ. وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِي الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َِله .
٤٥٨٦ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ
قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذيّ في الاستئذان، باب في مكاتبة
المشركين، (رقم: ٢٧١٦).
قوله: (كتب إلى كسرى) قال النووي: ((أما كسرى فبفتح الكاف وكسرها، وهو لقب لكل
ملك من ملوك الفرس، وقيصر: لقب من ملوك الروم، والنجاشي لكل من ملك الحبشة،
وخاقان لكل من ملك الترك، وفرعون لكل من ملك القبط، والعزيز لكل من ملك مصر، وتبّع
لكل من ملك حمیر)) .
قوله: (وإلى كل جبار) قال الأبيّ: ((هو من العام المخصوص، لأن من المعلوم أن من
تقاصى وبعد لم يكتب إليه، وإنما كان الكتاب إلى الثلاثة المذكورين، وإلى المقوقس صاحب
الإسكندرية، وإلى المنذر بن ساوى العبدي صاحب هجر، وإلى جعفر وأخيه عبد ابني الجلندي
الأسديين ملكي عمان، وإلى هودة بن علي صاحب اليمامة الحنفي، وإلى الحارث بن أبي شمر
الغساني عامل قيصر على غوطة دمشق، وقيل: إنما كتب إلى جبلة بن أيهم، وكان جبلة ولي
الأمر لقيصر بعد الحارث ... وكتب أيضاً إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن، ولا
خلاف بين أهل السير أن ملوك حمير أسلموا وبعثوا بإسلامهم إلى رسول الله وَات)).
قوله: (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبيّ وَّر) النجاشي، بفتح الجيم وتخفيف الجيم
وأخطأ ثعلب من شددها كما في الإصابة (١: ١١٧). مراده أن النجاشيّ الذي كتب إليه
رسول الله ﴿ غير النجاشي الذي أسلم وصلّى عليه النبيّ ◌َّه. ولكن قال الأبيّ: ((الذي ذكره
الواقدي وغيره من أهل السير أنه النجاشي الذي صلى عليه رسول الله وَطير، وأنه كتب جواباً
لكتاب رسول الله ويّيقول: إلى محمد رسول الله وَلقول من أصحمة النجاشيّ، سلام عليك يا رسول الله
ورحمة الله وبركاته، فأشهد أنك رسول الله صدوقاً، وقد بايعتك)) والله سبحانه أعلم.
وذكر الحافظ في الإصابة: (١: ١١٧) أن اسم النجاشي الذي أسلم أصحمة بن أبجر،
واسمه بالعربية عطية، والنجاشي لقب له.
( ... ) - قوله: (محمد بن عبد الله الرُّزّيّ) بضم الرّاء، وتشديد الزاي المكسورة، نسبة إلى
الرُّزّ، وهو الأرزّ، ويقال له الأرزيّ أيضاً، وهو منسوب إلى طبخ الأرز، وهو من شيوخ الإمام
مسلم، حدث عنه في غير موضع من كتابه، تفرد به، وقد حدث عنه أبو داود السجستاني، كذا
في الأنساب للسمعاني (١: ١٦٥، و٦: ١١٦) وهو أبو جعفر البغدادي، ويقال: أصله من
البصرة، وثقه يعقوب بن شيبة، وصالح بن محمد الأسدي، وعبد الله بن أحمد، وذكره ابن حبان
في الثقات، وقال: كان من الحفّاظ ربما خالف، مات (سنة: ٢٣١هـ) وراجع التهذيب.

٠,٠
١٢٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهُ بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَقُلْ:
وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِي الَّذِي صَلى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌ََّ.
٤٥٨٧ - (١٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. أَخْبَرَنِي أَبِي. حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ
قَيْسٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِي الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ.
(٢٨) - باب: في غزوة حنين
٤٥٨٨ - (٧٦) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْح. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلِبِ. قَالَ: قَّالَ
عَبَّاسٌ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَه يَوْمَ حُنَّيْنٍ. فَزِمْتُ
(٢٨) - باب: غزوة حنين
٧٦ - (١٧٧٥) - قوله: (قال عباس) هذا الحديث تفرد به المصنف من بين الأئمة الستة،
لم يخرجه غيره فيما أعلم والله أعلم.
قوله: (يوم حنين) بضم الحاء مصغراً، قال النووي: ((حنين واد بين مكة والطائف وراء
عرفات بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً، وهو مصروف كما جاء به القرآن العزيز)) وقال الحموي
في معجم البلدان (٧: ٣١٣): ((وهو يذكّر ويؤنّث، فإن قصدت به البلد ذكّرته وصرفته، كقوله عز
وجلّ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [سورة التوبة، آية: ٢٥]، وإن قصدت به البلدة والبقعة
أنّثته ولم تصرفه، كقول الشاعر:
بحنينَ يوم تواكل الأبطال
نصروا نبيّهم وشدّوا أزره
ولكن ذكر البكري في معجم ما استعجم (١: ٤٧١) أن الأغلب عليه التذكير، لأنه اسم
ماء. وذكر السهيلي في الروض الأنف (٢: ٢٨٦) أن هذا الموضع سمّي بحنين بن قانية بن
مهلايل، والله أعلم.
وكان سبب هذه الغزوة، على ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير، أنه لما
سمعت هوازن بأن الله تعالى فتح مكة على يد رسول الله و شهر جمعت جيشاً لقتاله ◌َّر، فيهم مع
هوازن ثقيف كلها، ونصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال. فلما سمع بهم
النبيّ ◌َّل بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم
علمهم ثم یأتیه بخبرهم، فانطلق، فدخل فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب
رسول الله وَّل، ثم أقبل حتى أتى رسول الله وَله فأخبره الخبر، فأجمع رسول الله وَّو السير إلى
هوازن ليلقاهم، ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معهم لفتح

١٢٧
كتاب: الجهاد والسّير
أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ. فَلَمْ نُفَارِقْهُ.
وَرَسُولُ اللَّهِ وَ هِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، بَيْضَاءَ. أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَائَةَ الْجُذَامِيُّ. فَلَمَّا الْتَّقَى
مكة، فكانوا اثني عشر ألفاً، حتى التقى الجيشان بوادي حنين. هذا ملخص ما في سيرة ابن
هشام (٢٨٧:٢ - ٢٨٩).
قوله: (وأبو سفيان بن حارث) إلخ: هو ابن عم رسول الله وَلّر وأخوه من الرضاعة
أرضعتها حليمة السعدية، وكان ممن يشبه رسول الله و لر، وكان ممن يؤذي النبيّ وَّل ويهجوه
ويؤذي المسلمين في حالة كفره، وإلى ذلك أشار حسان بن ثابت في قصيدته المشهورة:
وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمداً، فأجبت عنه
أسلم أبو سفيان عند الفتح، ويقال: إن عليّاً به أشار عليه أن يأتي النبيّ وَّ من قبل
وجهه فيقول: تالله لقد آثرك الله علينا الآية، ففعل، فأجابه الطيار:
لا تثریب علیکم اليوم، فأنشده أبو سفيان:
لتغلب خيل اللات خيل محمد
لعمرك إني يوم أحمل راية
فهذا أواني حين أهدى فأهتدي
فكالمدلج الحيران أظلم ليله
ويقال: إنه لم يرفع رأسه إلى رسول الله ◌َ﴿ حياء منه. كذا في الإصابة للحافظ (٤: ٩٠).
قوله: (على بغلة له بيضاء) قال النووي: ((قال العلماء: لا يعرف له وَّر بغلة سواها، وهي
التي يقال لها دلدل)) وأخرج البخاري في الجهاد وغيره أن ملك أيلة أهدى له وَّيه بغلة بيضاء،
ورجح الحافظ في الفتح (٦: ٧٥) أن تلك البغلة غير البغلة التي كانت معه يوم حنين.
قوله: (أهداها له فروة بن نفاثة) بضم النون، وفي الرواية الآتية: (فروة بن نعامة)، ويقال:
(ابن نناتة) ويقال: (ابن عامر) أو (ابن عمرو) الجذاميّ، وكان عاملاً للروم على من يليهم من
العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام (وهي اليوم في المملكة الأردنية) أسلم في
عهد النبيّ وَّهِ، وبعث إليه بإسلامه، ولم ينقل أنه اجتمع به. قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن
عمرو بن الناقرة البناني الجذامي إلى النبيّ وَّه رسولاً بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء. فبلغ
الروم إسلامه، فطلبوه، فحبسوه، ثم قتلوه، فقال في ذلك أبياتاً منها قوله:
أبلغ سراة المسلمين بأنني
سلم لربّي أعظمي وبناني
هذا ملخص ما في الإصابة للحافظ ابن حجر تكَّتُهُ (٣: ٢٠٧).
ثم ركوبه يقر البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد الناس هو النهاية في الشجاعة والثبات.
ولأنه أيضاً يكون معتمداً يرجع المسلمون إليه وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإنما فعل هذا عمداً،
وإلا فقد كانت له ﴿ أفراس معروفة. ومما ذكره في هذا الحديث من شجاعته وَظهور تقدمه يركض

١٢٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ. فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ
بغلته إلى جمع المشركين وقد فرّ الناس عنه، وفي الرواية الأخرى: أنه نزل إلى الأرض حين
غشوه. وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلاً على
الأرض من المسلمين. وقد أخبر الصحابة ظنّه بشجاعته ◌َّ في جمع المواطن. وفي صحيح
مسلم قال: إن الشجاع منا الذي يحاذي به، وإنهم كانوا يتقون به. كذا في شرح النووي.
قوله: (ولّى المسلمون مدبرين) وأخرج محمد بن إسحاق بسنده عن جابر نظرته، قال: ((لما
استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف ذي خطوط إنما ننحدر فيه انحداراً.
قال: وكان في عماية الصبح، وكان القوم (يعني: هوازن) قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في
شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيؤوا وأعدّوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا
الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وتشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد. وانحاز
رسول الله وَ﴿ ذات اليمين، ثم قال: أين أيها الناس؟ هلمّوا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن
عبد الله. قال: فلا شيء حملت الإبل بعضها على بعض. فانطلق الناس إلا أنه قد بقي مع
رسول الله وَ﴿ نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر
وعمر، ومن أهل بيته علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث،
وابنه، والفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن ابن أيمن بن عبيد، قتل
يومئذٍ)). راجع له سيرة ابن هشام مع الروض الأنف (٢: ٢٨٩).
ثمّ ليس المراد أنه فرّ جميع المسلمين في تلك الغزوة، بل الذي يظهر من مجموع
الروايات أنه قد انقسم جيش المسلمين إلى ثلاث طوائف: طائفة قد ولّت مدبرة لما فوجئت به
من رشق السهام التي لا تكاد تخطىء، وطائفة ثبتت في موطنها، ولكنها كانت بعيدة عن
رسول الله ◌َ، ولم تجد إليه وَله سبيلاً، وذلك لما مرّ من حديث جابر أن النبيّ ◌َّو قد انحاز
إلى اليمين. والطائفة الثالثة قد ثبتت مع رسول الله صل﴿ وكانت قريبة منه.
وقد اختلفت الروايات في عدد هذه الطائفة الثالثة، وتعيين أسمائهم، فوقع عند الترمذي
من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: ((لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الناس لمولين، وما مع
رسول الله ◌َ﴿ مائة رجل)) وأخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن مسعود رعَ لُه، قال: ((كنت مع
النبيّ ◌َّه يوم حنين، فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار، فكنا
على أقدامنا، ولم نولّهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة»، ووقع في شعر العباس بن
عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط، وذلك قوله:
وقد فرّ من قد فرّ عنه فأقشعوا
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة
لما مسه في الله لا يتوجع
وعاشرنا وافى الحمام بنفسه

١٢٩
كتاب: الجهاد والسّير
الْكُفَّارِ. قَالَ عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ. أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لاَ تُسْرِعَ. وَأَبُو
سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَيْ عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ
السَّمُرَةِ)). فَقَالَ عَبَّاسٌ: (وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتاً): فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟
قَالَ: فَوَاللَّهِ! لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ، حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي، عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلاَدِهَا. فَقَالُوا:
ووقع في رواية أنس ظ له عند البخاري: ((قال: فأدبروا عنه، حتى بقي وحده)) مما يدل
على أن رسول الله وَليم لم يبق معه أحد. وراجع لهذه الروايات فتح الباري (٨: ٢٩ و٣٠).
ويمكن الجمع بين هذه الروايات بحملها على أوقات مختلفة، فمن الطبيعي في مثل هذه
الزحمة أن ينتقل الناس من مكان إلى مكان، فتارة كان معه و # نحو مائة من الصحابة، ومرة
كانوا ثمانين، وأخرى كانوا عشرة. وأما ما وقع في حديث أنس عند البخاري أنه وَّ بقي
وحده، فلعلّه كان عند ما تقدم وَلّ إلى العدوّ راجلاً، فلم يكن معه أحد في ذلك المكان
المتقدم، ولا ينافي ذلك أن يكون بعض الصحابة خلفه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (نادٍ أصحاب السّمرة) بفتح السين وضمّ الميم، شجرة معروفة صغيرة الورق قصيرة
الشوك، وله برمة صفراء يأكلها الناس، وليس في العضاه شيء أجود خشباً منها، ينقل إلى القرى
فتغمى به البيوت، كما في تاجر العروس للزبيدي (٣: ٢٧٨).
والمراد ههنا الشجرة التي بايع الصحابة تحتها بيعة الرضوان يوم الحديبية، وإنما ناداهم
بأصحاب السمرة لتذكيرهم عهدهم الذي عاهدوا به عند الحديبية.
قوله: (وكان رجلاً صيّتاً) يعني: مديد الصوت وقويّه، وحكى النووي عن الحازمي أن
العباس به كان يقف على سلع، فينادي غلمانه في آخر الليل وهم في الغابة، فيسمعهم، وبين
سلع والغابة ثمانية أميال. وقال الشيخ ذهني في تعليقه: ((ومرّ بي في بعض الكتب أن العباس
كان يزجر السباع عن الغنم، فيفتق مرارة السبع في جوفه. وهذا أغرب مما ذكره النووي)).
قوله: (لكأنّ عطفتهم) تقديره: (لكأنّي عطفتهم))، أو (لكأنّ عطفتهم)) فحذف اسم ((كأنّ»،
ومثل ذلك يقع في استرسال الكلام. والمراد أن صوتي حذب المسلمين إلى رسول الله وَالر، كما
تعطف البقرة على أولادها عند سماع حنينها. وفيه دليل على أن فرار المسلمين لم يكن بعيداً،
وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة
المؤلفة، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا. قاله النووي.
وزاد ابن إسحاق في روايته من طريق الزهري إلى العباس: ((قال: فأجابوا لبيك لبيك،
قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه
وترسه ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله (ضمير)) راجع له
سيرة ابن هشام (٢ : ٢٩٠).

١٣٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَا لَبَّيْكَ! يَا لَبَّيْكَ! قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ. وَالدَّعْوَةُ فِي الأَنْصَارِ. يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ
الأَنْصَارِ! يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّغْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ! فَقَالُوا:
يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ! يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ بَلَ وَهُوَ عَلَى
بَغْلَتِهِ، كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا، إِلَى قِتَالِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهُ: (هُذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ)).
قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ. ثُمَّ قَالَ: ((انْهَزَمُوا. وَرَبِّ
مُحَمَّدٍ!)) قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى. قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ
رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ. فَمَا زِلْتُ أَرَىْ حَدَّهُمْ كَلِيلاً وَأَمْرَهُمْ مُذْبِراً.
٤٥٨٩ - (٧٧) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.
جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَّحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
فَرْوَةُ بْنُ نُعَامَةَ الْجُذَامِيُّ. وَقَالَ: ((انْهَزَمُوا. وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! انْهَزَمُوا. وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!)) وَزَادَ فِي
الْحَدِيثِ: حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ.
قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِّ وَّهِ يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَىْ بَغْلَتِهِ.
٤٥٩٠ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
قَالَ: أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَسَاقَ
قوله: (فاقتتلوا والكفار) بنصب الكفّار على أنه مفعول معه، والواو بمعنى مع.
قوله: (والدّعوة في الأنصار) لعلّ مراده أن الدعوة وجّهت إلى الأنصار خاصة بعد ما رجع
المهاجرون .
قوله: (ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن خزرج) يعني: لمّا حضر الأنصار جميعهم
سوى بني الحارث بن خزرج، قصرت الدعوة عليهم، لحصول الرجوع من غيرهم. ووقع في
رواية ابن إسحاق: ((وكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار! ثم خلصت أخيراً: يا للخزرج!
وكانوا صبراً عند الحرب)) كذا في سيرة ابن هشام (٢: ٢٩٠).
قوله: (هذا حين حمي الوطيس) يعني: هذا حين قد حمي فيه الوطيس، ويتضح ذلك
برواية ابن إسحاق المذكورة، ولفظها: ((الآن حمي الوطيس)).
قال السهيلي في الروض الأنف (٢: ٢٨٦): ((الوطيس نقرة في حجر توقد حوله النار،
فيطبح به اللحم، والوطيس: التنور، وفي غزوة أوطاس (وهي غزوة حنين) قال النبيّ ◌َّ: الآن
حمي الوطيس، وذلك حين استعرت الحرب. وهي من الكلم التي لم يسبق إليها وَّر)).
والمراد: أن الحرب قد استعرت نارها الآن، وإنها كلمة جمعت بين بليغ الاستعارة وبديع
التورية، فإن الموضع الذي وقعت فيه هذه الغزوة تسمى ((أوطاساً)).

١٣١
كتاب: الجهاد والسّير
الْحَدِيثَ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ يُونُسَ وَحَدِيثَ مَعْمٍَ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَتَّمُّ .
٤٥٩١ - (٧٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ:
قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةً! أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لاَ. وَاللَّهِ! مَا وَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ. وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسِّراً لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلاَحٌ، أَوْ كَثِيرُ
سِلاَحِ، فَلَقُوا قَوْماً رُمَاةً لاَ يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ. جَمْعُ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ. فَرَشَقُوهُمْ رَشْقَاً
٧٨ - (١٧٧٦) - قوله: (قال رجل للبراء) بتخفيف الراء، يعني ابن عازب، وأبو عمارة
كنيته. وحديثه هذا أخرجه البخاري في المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ
كَثْرَتُكُمْ﴾ [سورة التوبة، آية: ٢٥]، (رقم: ٤٣١٥ و٤٣١٦ و٤٣١٧)، وفي الجهاد، باب من قاد
دابة غيره في الحرب، (رقم: ٢٨٦٤)، وباب بغلة النبيّ وَّر البيضاء، (رقم: ٢٨٧٤)، وباب من
صفّ أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابّته فاستنصر، (رقم: ٢٩٣٠)، وباب من قال: خذها وأنا
ابن فلان، (رقم: ٣٠٤٢). وأخرجه الترمذي في الجهاد، باب ما جاء في الثبات عند القتال،
(رقم: ١٦٨٨)، وفي الشمائل، باب ما جاء في صفة كلام رسول الله وَّر في الشّعر.
قوله: (أفررتم يوم حنين؟) وفي رواية للبخاري في المغازي: ((أولّيتم مع النبيّ ◌َّل يوم
حنين؟)) وأوضحت هذه الرواية أن السائل كان يزعم أن النبيّ وَّر كان مع من ولّى، وبهذا طابق
جواب البراء الآتي سؤاله، ولا حاجة إلى أيّ تأويل.
قوله: (لا والله، ما ولّى رسول الله وَل﴿) وفي رواية للبخاري: ((أما أنا فأشهد على
رسول الله وَ﴿ أنه لم يولّ)). وقال الحافظ في الفتح (٨: ٢٨): ((ويحتمل أن البراء فهم من
السائل أنه اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع الذي أخرجه مسلم بلفظ: ((مررت
برسول الله ﴿ منهزماً)) فلذلك حلف أن النبيّ وَلّ لم يولّ، ودل ذلك على أن ((منهزماً)) حال من
سلمة ... ويحتمل أن يكون السائل أخذ التعميم من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [سورة
التوبة، آية: ٢٥]، فبين أنه من العموم الذي أريد به الخصوص.
قوله: (وأخفّاؤهم) جمع خفيف، وهم المسارعون المستعجلون. ووقع في رواية إبراهيم
الحربي والهروي وغيرهم: ((جُفاؤهم)) بضم الجيم في آخره مدّ، وفسّره بسرعانهم تشبيهاً بجفاء
السيل، وهو غثاؤه. قال القاضي: ((إِن صحت هذه الرواية فمعناها ما سبق من خروج من خرج
معهم من أهل مكة، ومن انضاف إليهم ممن لم يستعدوا، وإنما خرج للغنيمة من النساء
والصبيان، ومن في قلبه مرض، فشبهه بغثاء السيل)) كذا في شرح النووي والأبيّ.
قوله: (حُسّراً) بضم الحاء وتشديد السين المفتوحة، جمع حاسر، وهو في اللغة من ليس
على رأسه شيء من العمامة أو القلنسوة، والمراد هنا من ليس معه سلاح، أو درع.
قوله: (فرشقوهم رشقاً) بفتح الراء وسكون الشين، مصدر، وهو الرمي بالسهام، وأمّا

١٣٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ. فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِهِ. وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَلَى بَغْلَتِهِ
الْبَيْضَاءِ. وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلِبِ يَقُودُ بِهِ. فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ. قَالَ:
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))
((أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ
ثُمَّ صَفَّهُمْ.
٤٥٩٢ - (٧٩) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابِ الْمِصِّيصِيُّ. حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ
زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَّى الْبَرَاءِ، فَقَالَ: أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا
الرِّشق بكسر الراء، فهو اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة، وضبط القاضي الرواية
هنا بكسر الراء، وضبطه غيره بالفتح كما ذكرنا أولاً، وهو الأجود. قاله النووي.
قوله: (فنزل فاستنصر) يعني: دعا الله سبحانه للنصر، وسيأتي هذا الدعاء مصرحاً في
الرواية الآتية.
قوله: (أنا النبيّ لا كذب إلخ) ظاهره شعر موزون، قد استشكل بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ
الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُهْ﴾ [سورة يس، آية: ٦٩] وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بطرق مختلفة، قال
الحافظ: ((وقد أجيب عن مقالته ◌َ﴿ هذا الرجز بأجوبة: أحدها: أنه نظم غيره، وأنه كان فيه:
أنت النبيّ لاكذب، أنت ابن عبد المطلب، فذكره بلفظ ((أنا)) في الموضعين، وثانيهما: أن هذا
رجز وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود. ثالثها: أنه لا يكون شعراً حتى يتم قطعة، وهذه
كلمات يسيرة ولا تسمى شعراً، رابعها: أنه خرج موزوناً ولم يقصد به الشعر، وهذا أعدل
الأجوبة)).
قوله: (أنا ابن عبد المطلب) نسب النبيّ وَلّ نفسه إلى جدّه، دون أبيه، لأنه كان معروفاً
بين الناس بهذه النسبة، لوفاة أبيه عبد الله قبل ولادته، وكان من المعروف بين الناس أن
عبد المطلب بشّر بالنبيّ وَل، وأنه سيظهر وسيكون شأنه عظيماً، فأراد النبيّ وَلّ تذكيرهم بذلك
وتنبيههم بأنه لا بد من ظهوره وَّر على الأعداء، وإعلامهم بأنه ثابت ملازم للحرب لم يولّ مع
من ولّی.
٧٩ - ( ... ) - قوله: (أحمد بن جناب المصّيصي) أمّا ((جناب)) فهو بفتح الجيم وتخفيف
النون، وأمّا ((المِصّيصي)) فهو بكسر الميم والصّاد المشددة، نسبة إلى المصّيصة، وهي بلدة كبيرة
على ساحل بحر الشام، وذكره بعضهم بفتح الميم وتخفيف الصّاد، وردّ عليهم السمعاني في
الأنساب (١٢: ٢٩٨) بأنّ أهل تلك البلاد إنما يذكرونها مشددة بكسر الميم، وذكر أن البلدة قد
استولى عليها الإفرنج.
وأحمد بن جناب هذا من رواة مسلم والنسائي وأبي داود، وهو ثقة صدوق، مات
(سنة: ٢٠٣هـ) كما في التهذيب (١: ٢٢).

١٣٣
كتاب: الجهاد والسّير
عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ فِيهِ مَا وَلَّى. وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ، وَحُسَّرٌ
إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ هَوَازِنَ. وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ. فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلِ. كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ.
فَانْكَشَفُوا. فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ. وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ.
فَزَلَ، وَدَعَا، وَاسْتَنْصَرَ، وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))
((أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ
اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ».
قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا، وَاللَّهِ، إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ. وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّ للَّذِي يُحَاذِي بِهِ.
يَعْنِي النَّبِيَّ ◌َلَ.
٤٥٩٣ - (٨٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى) قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ
مِنْ قَيْسٍ: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: وَلَكِنْ رَسُولُ اللّهِ وَهِ لَمْ
يَفِرَّ. وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رُمَاةً. وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنًا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا. فَأَكْبَيْنَا عَلَى الْغَنَائِم.
فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ. وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بَّنَ
الْحَارِثِ آَخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَهُوَ يَقُولُ:
((أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))
٤٥٩٤ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّدٍ. قَالُوا:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ: حَدَّثَّنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ. قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ:
يَا أَبَا عُمَارَةَ! فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ. وَهُؤُلاَءٍ أَتَمُّ حَدِيثاً.
٤٥٩٥ _ (٨١) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنِي أَبِي. قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَِل
قوله: (كأنها رجل) بكسر الراء، يعني: جماعة.
قوله: (فانكشفوا) يعني: انتشر المسلمون وانهزموا .
قوله: (إذا احمرّ البأس) قال القاضي: ((كناية عن اشتداد الحرب واحمرارها، إما لحمرة
الدم وجريانه من الجراح، وإما لاستعار الحرب كاحمرار الجمر، كذا في شرح الأبي.
٨١ - (١٧٧٧) - قوله: (حدثني أبي) يعني سلمة بن الأكوع ◌َظُه، وحديثه هذا لم يخرجه
غير مسلم من بين الأئمة الستة.

١٣٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حُنَيْنَاً. فَلَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ تَقَدَّمْتُ. فَأَعْلُو ثَنِيَّةً. فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ. فَأَرْمِيهِ بِسَهْم.
فَتَوَارَى عَنِّي. فَمَا دَرَيْتُ مَا صَنَعَ. وَنَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَنِيَّةٍ أُخْرَىٌّ.
فَالْتَّقَوْا هُمْ وَصَحَابَةُ النَّبِيِّ نَّهِ. فَوَلَّى صَحَابَةُ النَّبِيِّ ◌َ. وَأَرْجِعُ مُنْهَزِماً. وَعَلَيَّ بُرْدَتَانٍ.
مُتَّزِراً بِإِحْدَاهُمَا. مُرْتَدِياً بِالأُخْرَىُ. فَاسْتَظْلَقَ إِزَارِي. فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعاً. وَمَرَرْتُ عَلَى
رَسُولِ اللّهِ وََّ، مُنْهَزِماً. وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لَقَدْ رَأَىُ ابْنُ
الأَكْوَعِ فَزَعاً)) فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ
الأَرْضَِ. ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ. فَقَالَ: ((شَاهَتِ الْوُجُوهُ) فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَاناً إِلَّ مَلأَ
عَيْنَيْهِ تُرَاباً، بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ. فَوَلَّوْا مُذْبِرِينَ. فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
(٢٩) - باب: غزوة الطائف
قوله: (فأعلو ثنيّة) مضارع بمعنى الماضي، وأكثر ما يستعمل في حكاية واقعة ماضية،
كأنها حاضرة بين يدي الحاكي الآن.
قوله: (فنظرت إلى القوم) يعني به هوازن، والمراد أني نظرت إليهم ماذا يصنعون، فإذا هم
قد طلعوا إلخ.
قوله: (فجمعتها جميعاً) لعله يريد أني أمسكت الرداء والإزار بيد واحدة، يشير إلى أنه لم
يجد فرصة لشدّ الإزار لشدة الفزع.
قوله: (ومررت على رسول الله﴿ منهزماً) حال من فاعل ((مررت)) وهو سلمة نفسه،
وليس حالاً من ((رسول الله (وَّر)) لما ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه وُّ لم ينهزم.
قوله: (شاهت الوجوه) قال السنوسي: ((أي: قبحت، بردها خائبة من أغراضها منهزمة
مأسورة تقاد بالقيود ذليلة)) وشاه من باب نصر شوها، يقال: رجل أشوه، أي: قبيح الوجه، كما
في القاموس.
(٢٩) - باب: غزوة الطائف
وقعت هذه الغزوة بعد حنين متصلاً، وذلك أن بني ثقيف، وهم أهل الطائف، كانوا قد
اجتمعوا مع هوازن وحاربوا رسول الله وَّيقال في حنين، فلما انهزموا بحنين رجع من بقي منهم ومن
هوازن إلى الطائف، وكانت الطائف بلدة عليها سور، فأغلقوا أبوابها وصنعوا الصنائع للقتال،
فسار رسول الله وَيقول إليهم وحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة، وقد حمل الصحابة خلال هذه المدة
عدة مرات على سور الطائف، وبها استعمل رسول الله وَلقر المنجنيق أول مرة، حتى شدخ به
جدار الطائف فدخل نفر من أصحاب رسول الله وَ﴿ تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف

١٣٥
كتاب: الجهاد والسّير
٤٥٩٦ - (٨٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. جَمِيعاً عَنْ
سُفْيَانَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّاعِرِ الأَعْمَى،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَهْلَ الطَّائِفِ. فَلَمْ بَنِلْ مِنْهُمْ شَيْئاً.
ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف
بالنبل، فاستشهد بذلك رجال من الصحابة
وبالجملة، لم يفتح الطائف حينذاك، حتى عزم رسول الله وسير على القفول، ورجع إلى
المدينة، ودعا الله سبحانه وتعالى: ((الّلهمّ اهد ثقيفاً وائت بهم)).
ولما انصرف عنهم رسول الله بَل اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفي، سيد أهل الطائف حتى
وصل إلى المدينة قبل أن يصل إليها رسول الله - *، فأسلم، وسأله وَّر أن يرجع إلى قومه
لدعوتهم إلى الإسلام، فمنعه رسول الله ◌َ﴿ لما كان يخشى عليه أن يقتله قومه، ولكن قال
عروة: ((أنا أحب إليهم من أبكارهم)). فخرج يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته
فيهم. فلما دعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل، فأصابه سهم فقتله ظه، ودفن في الموضع الذي
دفن فيه شهداء غزوة الطائف.
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهراً، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم
بحرب من حولهم من العرب، فجاؤوا إلى رسول الله وَلّ بعد مرجعه من تبوك سنة تسع، فبايعوا
وأسلموا. هذا ملخص ما في سيرة ابن هشام، مع الروض الأنف للسهيلي (٢: ٣٠١ إلى ٣٠٣
و ٣٢٥:٢).
٨٢ - (١٧٧٨) - قوله: (عن عبد الله بن عمرو) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي،
باب غزوة الطائف، (رقم: ٤٣٢٥)، وفي الأدب، باب التبسم والضحك، (رقم: ٦٠٨٦)، وفي
التوحيد، باب في المشيئة والإرادة وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله، (رقم: ٧٤٨٠).
ثم إن هذا الحديث وقع في نسخة الجلودي عن عبد الله بن عمرو، يعني ابن عمرو بن
العاص، ظه، ووقع في نسخة ابن ماهان: ((عن عبد الله بن عمر بن الخطاب))، وصوّبه القاضي
الشهيد والدارقطني، كذا في شرح الأبي عن القاضي عياض كثّثُ. وأطال الحافظ في الفتح
(٨: ٤٤) في ذكر اختلاف النسخ والرواة في هذا، ويبدو أنه مائل إلى ترجيح رواية من رواه عن
ابن عمر بن الخطاب ◌َ الله، - والله أعلم - ..
قوله: (لم ينل منهم شيئاً) وذكر أهل المغازي أن النبيّ ◌َّ لما استعصى عليه الحصن،
وكانوا قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة، ورموا على المسلمين سكك الحديد المحماة،
ورموهم بالنبل، فاستشار نوفل بن معاوية الديلي، فقال: (هم ثعلب في حجر إن أقمت عليه
أخذته، وإن تركته لم يضرك)) فرحل عنهم. كذا في الفتح.

١٣٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ: ((إِنَّا قَافِلُونَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) قَالَ أَصْحَابُهُ: نَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَتِخْهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ وَلّ: ((اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ)) فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ. فَقَالَ لَهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّا قَافِلُونَ غَداً)) قَالَ: فَأَعْجَبَهُمْ ذُلِكَ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَرِ.
(٣٠) - باب: غزوة بدر
٤٥٩٧ - (٨٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ شَاوَرَ، حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ.
قوله: (إنّا قافلون) إلخ: أي: راجعون إلى المدينة، وقد ثقل على بعض الصحابة الرجوع
دون الفتح، فأذن لهم بالقتال، حتى إذا أصيب بعضهم بالقتال ولم ينالوا من الحصن شيئاً تبين
لهم تصويب الرجوع، فلما أعاد عليهم القول بالرجوع أعجبهم حينئذ، ولهذا ضحك
رسول الله وَلو. ولعل رسول الله ﴿ علم بالوحي أن أهل الطائف سيأتون بدعائه مسلمين
بأنفسهم، فلا حاجة إلى الاستمرار في القتال.
(٣٠) - باب: غزوة بدر
أما ((بدر)) فبفتح الباء وسكون الدال فاسم الموضع المعروف، وهو في الأصل اسم ماء بين
مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء، ويقال: إنه سمّي باسم بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة،
وقيل: بل هو رجل من بني ضمرة، سكن هذا الموضع فنسب إليه، ثم غلب اسمه عليه. كذا في
معجم البلدان للحموي (١ : ٣٥٨).
وأما غزوة بدر، فقصته معروفة من أن أبا سفيان كان قد خرج في تجارة لكفار مكة قد بعث
أهل مكة معه كل ما يملكونه من نقد، ويبدو أن ذلك العير كان أهبة لقتال المسلمين، فأراد
رسول الله 8* أن يغير على عير أبي سفيان، فخرج ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من
المهاجرين والأنصار. فلما سمع أبو سفيان بقدومه وم عدل عن الطريق إلى ساحل البحر،
وبعث ضمضم بن عمرو إلى مكة يخبر أهلها بخروج رسول الله وَالر. فخرج أبو جهل بنحو ألف
من المقاتلة، حتى التقى الفريقان ببدر، ووقعت هناك المعركة المباركة التي أحقّ الله فيها الحقّ
وأبطل الباطل، وقتل رؤساء المشركين منهم أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة وغيرهم.
٨٣ - (١٧٧٩) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه أبو داود بسند أعلى من سند
مسلم، عن موسى بن إسماعيل عن حماد، وذلك في كتاب الجهاد من سننه، باب في الأسير
ينال منه ويضرب، (رقم: ٢٦٨١). وليس في حديثه الفقرة الأولى من رواية مسلم، وإنما ابتدأ
بقوله: ((أن رسول الله ﴿ ندب أصحابه، فانطلقوا إلى بدر إلخ)).
قوله: (شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان) قال الأبي: ظاهره أنه إنما شاور في الخروج

١٣٧
كتاب: الجهاد والسّير
قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ
للعير التي مع أبي سفيان. والذي في السير أنه إنما شاور في لقاء أهل مكة حين بلغه إقبال قريش
إلى بدر، وأما وهو بالمدينة، فإنه لما سمع بإقبال العير مع أبي سفيان ندب الناس إلى الخروج،
فقال: هذه عير قريش أقبلت من الشام فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها .
فخف بعض الناس للخروج وتثاقل بعض الناس، وإنما تثاقل من تثاقل لظنه أنه لا يلقى حرباً)).
ولم يتعرض الأبي لرفع التعارض بين حديث الباب وبين ما رواه أصحاب السير، وتعرض
له الحافظ في الفتح (٧: ٢٨٨)، فقال: ((ويمكن الجمع بأن النبيّ ◌َّر استشارهم في غزوة بدر
مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بيّن في رواية مسلم،
ولفظه: أن النبيّ ◌َ﴿ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان. والثانية: كانت بعد أن خرج كما في
حديث الباب)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ولكنّ الظاهر أن المشاورة المذكورة في أول حديث
الباب التي تكلم فيها أبو بكر وعمر وسعد ظه إنما وقعت بعد الخروج من المدينة بموضع
الصفراء، حين بلغه وَّ ر أن قريشاً قصدت بدراً، وأن أبا سفيان نجا بمن معه، لأن هذه المشاورة
الطويلة والحماس الذي أظهره الصحابة حينذاك يدلّ على أنّ أمامهم معركة شديدة، وإنما ظهر
لهم ذلك عند وصولهم إلى الصفراء، ولو كان الأمر مجرد الإغارة على عير أبي سفيان، كما كان
بين أيديهم في المدينة، لما احتاجوا إلى هذه المشاورة الطويلة، ولا إلى إبداء هذا الحماس
والتفاني. وبذلك يظهر رجحان ما رواه سائر أصحاب السّير من أن هذه المشاورة وقعت بعد
الخروج من المدينة.
قوله: (فأعرض عنه) يعني: أنه ◌ٍَّ لم يقنع بقول أبي بكر وعمر، لأنه كان يريد أن يسمع
مثل ذلك من الأنصار، لأن العهد معهم ليلة العقبة إنما كان بأنهم ينصرونه بَلّ إن دهمه أحد
بالمدينة، وأما أن يخرج رسول الله وسلم إلى عدوّ خارجها، فلم يكن مصرحاً في ذلك العهد، ولا
أن يسانده الأنصار على مثل هذا الخروج، فكان يحبّ أن يعرف رأيهم في قتال أهل مكة.
قوله: (ثم تكلم عمر) ذكر ابن عقبة وابن عائذ أنه قال: ((يا رسول الله! إنها قريش وعزّها،
والله ما ذلّت منذ عزّت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبته، وأعد لذلك
عدته)) كذا في شرح الزرقاني للمواهب اللدنية (١: ٤١٢).
قوله: (فقام سعد بن عبادة) كذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم، ولكنه مشكل جدّاً،
لأن المعروف أن سعد بن عبادة لم يشهد بدراً، كان يتهيأ للخروج، فنهس فأقام، ولكن ضرب له
رسول الله وَّر بسهم لكونه حريصاً على الخروج، وقعوده من أجل عذر مفاجىء، كما في
الإصابة (٢: ٢٧)، وفتح الباري (٧ : ٢٨٨).
فالصحيح المحفوظ في سائر الروايات أن الذي قال هذا الكلام إنما هو سعد بن معاذ، لا

١٣٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ
لأَخَضْنَاهَا. وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا. قَالَ: فَنَذَبَ
سعد بن عبادة، بذلك اتفقت روايات أصحاب السّير، وراجع لها المواهب اللدنية مع شرح
الزرقاني (١: ٤١٣)، والبداية والنهاية لابن كثير (٣: ٢٦٢)، وعيون الأثر لابن سيد الناس
(ص: ٢٤٧)، وسيرة ابن هشام مع الروض الأنف (٢: ٦٤)، وقال الحافظ في الفتح
(٧: ٢٨٨): ((ووقع في مسلم أن سعد بن عبادة هو الذي قال ذلك، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة
من مرسل عكرمة، وفيه نظر، لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدراً)) ثم قال: ((ووقع عند الطبراني أن
سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب)).
فالظاهر أنه وقع في الفقرة الأولى من حديث الباب وهم من أحد الرواة في جهتين:
الأولى: أنه ذكر هذه المشاورة التي تكلم فيها سعد وغيره بالمدينة، مع أنها كانت بعد الخروج
منها، والثانية: أنه سمى المتكلم من الأنصار سعد بن عبادة، والصحيح أنه سعد بن معاذ. وقد
أخرج أبو داود حديث أنس هذا من طريق موسى بن إسماعيل عن حمّاد، فلم يذكر هذه الفقرة،
وقد مرّ غير مرّة في هذا الكتاب أن وقوع مثل هذه الأوهام في بعض تفاصيل القصة وحواشيها لا
يجرح في صحة أصل الحديث، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (فقال: إيّانا تريد يا رسول الله؟) كأنه فهم ما أراد النبيّ وَّر من أن يتكلم الأنصار،
واختصر الراوي كلمته ههنا، وفصّلها الزرقاني في شرحه للمواهب (١: ٤١٣) مجموعة من
روايات ابن إسحاق، وابن عائذ، وابن أبي شيبة وغيرهما، ولفظها :
((قد آمنًا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهوداً
ومواثيق على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، ولعلك تخشى أن تكون الأنصار
ترى عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإنّي أقول عن الأنصار وأجيب عنهم. ولعلك
يا رسول الله خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع
حبال من شئت، وسالم من شئت وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت،
وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر، فأمرنا تبع لأمرك، لئن سرت حتى
تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر
فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا، إنا لصُبرٌ عند
الحرب، صُدُق عند اللقاء، ولعل أنه أن يريك ما تقرّ به عينك، فسر على بركة الله)).
قوله: (لو أمرتنا أن نخيضها البحر) الضمير ههنا للخيل، وكانت العرب قد تضمر بعض
الأشياء بدون ذكرها، كأنها معهودة في الذهن، منها الخيل والنوق.
قوله: (إلى برك الغماد) بفتح الباء وإسكان الراء، وهو المشهور في كتب الحديث، وذكره
بعض أهل اللغة بكسر الراء، وبعضهم بفتحها، ولكن الأصح الإسكان. وأما ((الغماد)) فالغين فيه

١٣٩
كتاب: الجهاد والسير
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ النَّاسَ. فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْراً. وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ. وَفِيهِمْ
غُلاَمٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ. فَأَخَذُوهُ. فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ وَّه يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي
سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ؟ فَيَقُولُ: مَالِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ. وَلُكِنْ هُذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُثْبَةُ وَشَيْبَةُ
وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. فَإِذَا قَالَ ذُلِكَ، ضَرَبُوهُ. فَقَالَ: نَعَمْ. أَنَا أُخْبِرُكُمْ. هُذًّا أَبُو سُفْيَانَ.
فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: مَالِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ. وَلَكِنْ هُذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُثْبَةُ وَشَيْبَةُ
وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاسِ. فَإِذَا قَالَ هُذَا أَيْضاً ضَرَبُوهُ. وَرَسُولُ اللَّهِ وَلَه قَائِمٌ يُصَلِّي.
فَلَمَّا رَأَىُ ذُلِكَ انْصَرَفَ. قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ. وَتَتْرُكُوهُ إِذَا
گَذَبَكُمْ)).
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: ((هُذَا مَصْرَعُ قُلاَنٍ)) قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، هُهُنَا
وَهَاهُنَا. قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ وَرَ .
مكسورة أو مضمومة، لغتان مشهورتان لكن الكسر أفصح، وهو المشهور في روايات المحدثين،
والضم هو المشهور في كتب اللغة.
وبرك الغماد موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل، وقيل: إنه موضع بأقاصي
هجر، وقال إبراهيم الحربي: ((برك الغماد)) و((سعفات هجر)) كناية يقال فيما تباعد. كذا في
شرح النووي.
قوله: (روايا قريش) يعني الإبل التي يستقى عليها، واحدتها ((راوية)). وأصل الراوية
المزادة، فقيل للبعير: راوية، لحمله المزادة. كذا في معالم السنن للخطابي (٤: ١٩).
قوله: (ولكن هذا أبو جهل) إلخ: كأن الغلام قد رأى هؤلاء في جيش قدم من مكة، ولم
ير أبا سفيان، فإنه هرب عادلاً عن الطريق، ولم يكن الصحابة عارفين بقدوم أبي جهل وغيره،
فظنوا أنّ الغلام يكذب، فضربوه.
قوله: (ضربوه) قال الخطابي: ((فيه دليل على جواز ضرب الأسير الكافر إذا كان في ضربه
طائل)» .
قوله: (هذا أبو سفيان) إنما قال ذلك خوفاً من الضرب.
قوله: (انصرف) يعني عن الصلاة، والمراد تسليمه من صلاته، ففيه استحباب تخفيفها إذا
عرض أمر في أثنائها . قاله النووي.
قوله: (لتضربوه) اللام في أوله مفتوحة تأكيدية، وأصله ((لتضربونه)) فحذفت النون بغير
ناصب ولا جازم، وهو لغة في كلام العرب.
قوله: (فما ماط) يعني: ما زال ولا تباعد. وفيه معجزتان للنبيّ الكريم وَّر: الأولى:

١٤٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣١) - باب: فتح مكة
٤٥٩٨ - (٨٤) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ
الْبُنَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةً. وَذُلِكَ فِي
رَمَضَانَ. فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَاً لِبَعْضِ الطَّعَامَ. فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُونَا إِلَى
رَحْلِهِ. فَقُلْتُ: أَلاَ أَصْنَعُ طَعَاماً فَأَذْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِي؟ فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنَعُ. ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا
هُرَيْرَةَ مِنَ الْعَشِيِّ. فَقُلْتُ: الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ. فَقَالَ: سَبَقْتَنِي. قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَوْتُهُمْ.
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلاَ أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ؟ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةً
فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ. فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ. وَبَعَثَ
إخباره عن الغلام بأنه صادق في أنه رأى أبا جهل وغيره. والثانية: في إخباره عن مصارع رؤساء
قریش .
(٣١) - باب فتح مكة
٨٤ - (١٧٨٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث اختصره أبو داود في الخراج
والإمارة، باب ما جاء في خبر مكة، (رقم: ٣٠٢٤).
قوله: (قال: وفدت) إلخ: قائله عبد الله بن رباح الراوي عن أبي هريرة. والمراد أنه وفد
إلى معاوية رضيُه، وهو بالشام، وكان في الوفد أبو هريرة وعبد الله بن رباح.
قوله: (فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام) كانوا مسافرين، فيصنعون طعامهم في رحالهم،
ويتناوبون في ذلك، كما سيأتي في الطريق الثاني من هذا الحديث. وقال القاضي عياض: ((لم
يكن ذلك على وجه المعاوضة، بل مكارمة، لقول أبي هريرة: سبقتني، ولقول عبد الله: وكان
أبو هريرة كثيراً ما يدعونا إلى رحله. ففيه ما كان عليه السلف من الكرم، والمنافسة فيه، وبر
بعضهم بعضاً)) كذا في شرح الأبّي.
قوله: (ألا أعلمكم) ظاهره أنه المبتدىء بالحديث، وسيأتي في الطريق الثاني أنهم كانوا
في انتظار إدراك الطعام، فقال عبد الله بن رباح: لو حدثتنا عن رسول الله وَّر حتى يدرك
طعامنا. ووجه الجمع أن عبد الله بن رباح طلب منه التحديث، فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم
إلخ، فذكر في كل من الطريقين ما لم يذكر في الآخر.
قوله: (ثم ذكر فتح مكة) قال القاضي: ((اختار ذكر فتح مكة ليعلم من لم يحضره من أبناء
الأنصار. ولذا قال: ألا أحدثكم بحدیثکم)).
قوله: (إحدى المجنّبتين) بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون، ومجنّبة العسكر: جانبه،
وهما الميمنة والميسرة، ويكون القلب بينهما .