Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب: الجهاد والسّير
إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ. فَأَنَاخَهُ. ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقاً مِنْ حَقَبِهِ فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ. ثُمَّ تَقَدَّمَ
يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ. وَجَعَّلَ يَنْظُرُ. وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ. وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ. إِذْ خَرَجَ
يَشْتَدُّ. فَأَتَى جَمَّلَهُ فَأَظْلَقَ قَيْدَهُ. ثُمَّ أَنَاخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ. فَأَثَارَهُ. فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ. فَاتَّبَعَهُ
رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ.
قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ. فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ. ثُمَّ تَقَدَّمْتُ. حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ
وَرِكِ الْجَمَلِ. ثمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِظَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ. فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الأَرْضِ
وقال ابن الأثير في جامع الأصول (٨: ٣٩٨): ((والأصل أن العرب كانوا يسيرون في
ظعنهم، فإذا مرّوا ببقعة من الأرض فيها كلا وعشب، قال قائلهم: ألا! ضحّوا رويداً، أي:
أرفقوا بالإبل حتى تتضحى، أي: تنال من هذا المرعى، ثم وضعت التضحية مكان الرفق،
لرفقتهم بالمال في ضحائها لتصل إلى المنزل وقد شبعت، وصار ذلك يقال لكل من أكل في
وقت الضحى، هو يتضحى، أي: يأكل هذا الوقت)).
قوله: (إذا جاء رجل) وكان جاسوساً للمشركين، وقد صرح به في رواية أبي العميس عند
البخاري، وأبي داود، ولفظها: ((أتى النبيّ وَّل عين من المشركين)).
قوله: (من حقبه) بفتح الحاء والقاف، حبل يشد على بطن البعير مما يلي مؤخره، كما في
جامع الأصول (٨: ٣٩٩)، والمراد أنه أخرج عقالاً من تحت الحبل المشدود على بطن البعير،
وذكر النووي من بعض شيوخه أنه بإسكان القاف، وهو ما احتقب خلفه وجعله في حقيبته، وهي
الرفادة في مؤخر القتب، والله أعلم.
ووقع في رواية لأبي داود: ((فانتزع طلقاً من حقو البعير)) يعني: من مؤخره.
قوله: (وفينا ضعفة) بفتح الضاد وإسكان العين، أي: حالة ضعف وهزال. وقيل: هو بفتح
العين، جمع ضعيف، وقال القاضي: الأول أوجه. كذا في شرح الأبيّ.
- قوله: (ورقّة في الظّهر) قال ابن الأثير في جامع الأصول: ((الظهر: المركوب، والرقّة في
حال الضعف)). والمراد: أننا كنّا في ذلك الوقت يظهر فينا وفي مراكبنا الضعف.
قوله: (يشتدّ) أي: يعدو. وقوله: «فأثاره)) أي: بعثه قائماً، كذا في شرح السنوسي.
قوله: (فاتبعه رجل) يعني: من المسلمين، لما شعر أنه جاسوس.
قوله: (ناقة ورقاء) يعني: ذات لون أسمر، والورقة (بضم الواو): السمرة، كذا في جامع
الأصول، وقال الأبي: والورقاء: هي التي في لونها سواد كالغبرة، وهو الموافق لما ذكره أهل
اللغة، فذكر في القاموس أن الأورق من الإبل ما في لونه بياض إلى سواد، وهو من أطيب الإبل
لحماً، لا سيراً وعملاً، وراجع تاج العروس (٧: ٨٧).

٦٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
اخْتَرَظْتُ سَيْفِي فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ. فَتَدَرَ. ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ، عَلَيْهِ رَحْلُهُ
وَسِلاَحُهُ. فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَالنَّاسُ مَعَهُ. فَقَالَ: ((مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟)) قَالُوا: ابْنُ
الأَْوَعِ. قَالَ: ((لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ)) .
(١٤) - باب: التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى
٤٥٤٨ _ (٤٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ
عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: غَزَوْنَا فَزَارَةً
قوله: (اخترطت سيفي) يعني: سللته.
قوله: (فندر) أي: سقط، وأصل معناه: زال عن مكانه. وهو من باب نصر ندوراً، كما
في تاج العروس.
قوله: (له سلبه أجمع) فيه سجع، وبه استدل النووي على استحباب مجانسة الكلام إذا لم
يكن فيه تكلف، ولا فوات مصلحة.
ودل الحديث على جواز قتل الجاسوس الحربيّ، وعليه الإجماع. وأما الجاسوس
المعاهد، أو الذمي، فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضاً للعهد، فإن رأى الإمام استرقاقه أرقّه،
ويجوز قتله، وعند الجمهور لا ينتقض عهده بذلك إلا أن يشترط عليه انتقاضه به. وأما
الجاسوس المسلم فعند أبي حنيفة والشافعي وبعض المالكية يعزر بما يراه الإمام إلا القتل. وقال
مالك: يجتهد فيه الإمام. وقال عياض: قال كبار أصحابه: يقتل، واختلفوا في تركه بالتوبة،
فقال ابن الماجشون: إن عرف بذلك قتل، وإلا عزر. كذا في عمدة القاري (١٤: ٢٩٧).
وراجع أيضاً إعلاء السنن، باب الجاسوس (١٢: ٥٦) وباب لا ينتفض العهد بدلالة الذمي
أهل الحرب على عوراتنا إلا إذا شرطنا عليهم تركها (١٢: ٥١٥ و٥١٦).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن عقد الذمة اليوم يشترط فيه دلالة أن لا يكون عيناً
للعدو، وإن لم يشترط ذلك صراحة، فنبغي أن ينتقض عهد الذمي بتجسسه للعدو، والله أعلم.
(١٤) - باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى
٤٦ - (١٧٥٥) - قوله: (حدثني أبي) إلخ: يعني: سلمة بن الأكوع ◌َظُبه، وحديثه هذا
أخرجه أيضاً ابن ماجة في الجهاد، باب فداء الأسارى، (رقم: ٢٨٤٦)، وأحمد في مسنده
(٤ : ٤٧) .
قوله: (غزونا فزارة) الذي يذكره أصحاب السّير في سبب هذه الغزوة أن زيد بن
حارثة ربه خرج في تجارة إلى الشام، فلما كان بقرب من وادي القرى لقيه ناس من بني فزارة
من بني بدر، فضربوه وضربوا أصحابه حتى ظنّوا أنهم قد قتلوا، وأخذوا ما كان معه من مال،

٦٣
كتاب: الجهاد والسّير
وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ. أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَلَيْنَا. فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةٌ. أَمَرَنَا أَبُو
بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا. ثُمَّ شَنَّ الْغَارَةَ. فَوَرَدَ الْمَاءَ. فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ، وَسَبَى.
فرجع زيد إلى المدينة بعد برئه؛ فبعث النبيّ وَّر سريّة إلى بني فزارة وكان ذلك في رمضان سنة
ست، كما أرخه الواقدي. هذا ملخص ما في سيرة ابن هشام مع الروض الأنف (٢: ٣٥٧)،
ومغازي الواقدي (٢ : ٥٦٤).
قوله: (وعلينا أبو بكر أمّره رسول الله وَ (*) هذا صريح في أن أمير السرية كان أبا
بكر ربه ولكن لم يذكر أصحاب السير أمارته، والذي يظهر من رواياتهم أن الأمير كان زيد بن
حارثة ربه، ولذلك سمى الواقدي هذه السريّة سريّة زيد بن حارثة إلى أم قرفة، وسماه ابن
هشام في سيرته غزوة زيد بن حارثة بني فزارة. ويمكن الجمع بين هذه الروايات وحديث الباب،
بأن أبا بكر له كان أمير السرية، وكان زيد بن حارثة رائدهم لكونه أعرف بمكان بني فزارة،
ولما كان هو السبب لبعث هذه السرية سميت السرية باسمه، والله سبحانه أعلم. ثم رأيت أن
الواقدي حمل الروايتين على التعدد.
فذكر سرية أبي بكر الصديق إلى نجد مستقلة في وقائع شعبان سنة سبع (٢: ٧٢٢)، وذكر
فيه حديث سلمة بن الأكوع: ((بعث رسول الله وَ ل﴿ أبا بكر ◌َدُه، وأمّره علينا، فبيتنا ناساً من
هوازن، فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات، وكان شعارنا: أمت أمت))؛ ولكن لم يذكر قصة المرأة.
وذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٢٢٠) قصة حديث الباب برواية أحمد في وقائع
سنة سبع، وسماها (سريّة أبي بكر الصديق إلى بني فزارة)، ولكن لم يذكر (سرية زيد بن حارثة
إلى أم قرقة)، كما أن ابن هشام لم يذكر (سرية أبي بكر الصدّيق)، فالذي يبدو أن ما اخترناه من
وجه الجمع أرجح، ويظهر من كلام السهيلي في الروض الأنف (٢: ٣٦١) أنه يزعم أن قصة
حديث الباب، وقصة سرية زيد بن حارثة واحدة، غير أنه يرجح حديث مسلم على حديث ابن
إسحاق فيما لا يمكن فيه الجمع، كما سيأتي. والله أعلم.
قوله: (فلما كان بيننا وبين الماء ساعة) يعني: الماء الذي يجتمع إليه بنو فزارة، وربما
يطلق لفظ (الماء) على القرية الصغيرة أيضاً، لأنها كانت تعمر بقرب من ماء. وقد وقع في بعض
النسخ (المساء) بدل (الماء)، ولكن رجح القاضي عياض ما هو المثبت في المتن، وبه جزم
النووي كثّفُ. قوله: (فعرّسنا) التعريس النزول في آخر الليل للاستراحة. وأكثر ما يقال إذا نزلوا
ساعة ثم ارتحلوا، كما في مقاييس اللغة لابن فارس (٤: ٢٦٣ و٢٦٤).
قوله: (ثمّ شنّ الغارة) الشنّ في الأصل: صبّ الماء وتفريقه، ثمّ استعير للإغارة، يقال:
شنّ الغارة عليهم شنّاً: أي: صبّها وبثها وفرّقها من كل وجه، وذكر الزمخشري في أساس
البلاغة أنه مجاز. كذا في تاج العروس للزبيدي (٩: ٢٥٦).

٦٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَنْظُرُ إِلَىْ عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ. فِيهِمُ الذَّرَارِيُّ. فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الْجَبَلِ. فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلٍ. فَلَمَّا رَأَوُا السَّهْمَ وَقَفُوا. فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ. وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِيَ
فَزَارَةَ. عَلَيْهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمِ. (قَالَ: الْقَشْعُ النِّطَعُ) مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا منْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ. فَسُقْتُهُمْ
حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ. فُنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرِ ابْتَتَهَا. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْباً. فَلَقِيَنِي
رَسُولُ اللّهِ وَ فِي السُّوقِ. فَقَالَ: ((يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأَةَ)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
واللهِ! لَقَدْ أَعْجَبَثْنِي. وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْباً. ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ مِن الْغَدِ فِي السُّوقِ.
فَقَالَ لِي: ((يَا سَلَمَةُ! هَبْ لِي الْمَزْأَةَ. لِلَّهِ أَبُوكَ)) فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَوَاللَّهِ! مَا
كَشَفْتُ لَهَا ثَوْباً. فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ. فَفَدَى بِهَا نَاساً مِنَ الْمُسْلِمِينَ،
كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ.
قوله: (إلى عنق من الناس) يعني: جماعة منهم. والعنق (بضم العين والنون) ربما يطلق
مجازاً على جماعة من الناس، أو على الرؤساء منهم، والكبراء والأشراف، وبهما فسر قوله
تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ﴾ [سورة الشعراء، آية: ٤]. كذا في تاج العروس (٧: ٢٦).
قوله: (وفيهم امرأة من بني فزارة) هي أم قرفة، واسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وكانت
عجوزاً كبيرة عند مالك بن حذيفة بن بدر، وكانت في بيت شرف من قومها، كانت العرب تقول:
لو كنت أعز من أم قرفة ما زدت كذا في سيرة ابن هشام مع السهيلي (٢: ٣٥٧).
قوله: (قشع) بكسر القاف وفتحها، والشين ساكنة، وهو الفرو الخلق، كما في تاج
العروس (٦: ٤٦٧)، وفسره الراوي بالنطع، وهو (على وزن عنب) بساط من الأديم، وهو
تفسير صحيح أيضاً .
قوله: (وما كشفت لها ثوباً) يعني: ما استمتعت بها، وفيه استحباب الكناية عن الاستمتاع
بالمرأة.
قوله: (هب لي المرأة) فيه جواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه ليفادي به
مسلماً، أو يصرفه في مصالح المسلمين، أو يتألف به من في تألفه مصلحة، كما فعل وَلّ هنا،
وفي غنائم حنین.
قوله: (لقد أعجبتني) وفي رواية الواقدي في مغازيه (٢: ٥٦٥): ((جارية يا رسول الله
رجوت أن أفتدي بها امرأة منا من بني فزارة)).
قوله: (الله أبوك) كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، ولهذا
يقال: (بنت الله) و(ناقة الله) فإذا وجد من الولد ما يحمد قيل: لله أبوك، حيث أتى بمثلك. كذا
في شرح النووي، وقد مر في كتاب الإيمان.
قوله: (فقدى بها ناساً من المسلمين) فيه جواز المفاداة، وجواز فداء الرجال بالنساء

٦٥
كتاب: الجهاد والسّير
(١٥) - باب: حكم الفيء
٤٥٤٩ - (٤٧) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هُذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَِّ.
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَّالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، وَأَقَمْتُمْ فِيهَا،
فَسَهْمُكُمْ فِيهَا. وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ)).
الكافرات، وفيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه. كذا في شرح
النووي.
ثم حديث الباب صريح في أن المرأة قد فدى بها ناساً من المسلمين، ويعارضه ما رواه
ابن إسحاق، أن النبيّ ◌َ﴿ بعد أخذه من سلمة أهداها لخاله حزن بن أبي وهب، فولدت له.
ولكن قال السهيلي في الروض الأنف (٢: ٣٦١): ((وهذه الرواية (يعني: رواية مسلم) أصح
وأحسن من رواية ابن إسحاق، فإنه ذكر أن رسول الله وَ لقر وهبها لخاله بمكة، وهو حزن بن أبي
وهب بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وفاطمة جدة النبيّ وَ طّ أم أبيه، هي بنت عمرو بن عائذ،
فهذه الخؤولة التي ذكر، وحزن هذا هو جد سعيد بن المسيب بن حزن)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: يمكن التوفيق بين الروايتين بأن النبيّ وَ ◌ّ # فدى بها ناساً
من المسلمين بمكة، فلما بلغت مكة وقعت في سهم حزن بن أبي وهب، لأنه كان يومئذٍ كافراً،
وإنما أسلم يوم الفتح، كما في الإصابة (١: ٣٢٤). والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١٥) - باب حكم الفيء
٤٧ - (١٧٥٦) - قوله: (هذا ما حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في
الخراج والأمارة والفيء، باب في إيقاف أرض السواد وأرض العنوة، (رقم: ٣٠٣٦)، وأحمد
في مسنده، (رقم: ٨٢٠٠) نسخة أحمد شاكر (٦: ٢٨٠١).
قوله: (فسهمكم فيها) فسّره القاضي عياض كثّفُ بأن المراد من هذه القرية ما غلب عليه
المسلمون صلحاً، دون إيجاف خيل أو ركاب، فتكون أموال تلك القرية فيئاً، ويصرف الفيء في
مصالح المسلمين، منها عطاياهم، فالمراد أن سهمكم يبلغ إليكم عن طريق العطاء الذي يخرج
لكم من بيت المال. وفيه أن الفيء لا يقسم به الغانمين، ولا يخمس، وإنما يكون بيد الإمام
يصرفه في مصالح المسلمين كيف شاء.
قوله: (عصت الله ورسوله) يعني: حاربت المسلمين، فغلب عليها المسلمون عنوة، فإن
أموالها غنيمة يجوز قسمتها بين الغانمين بعد تخميسها لبيت المال.
قوله: (ثم هي لكم) يعني: للغانمين.

٦٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٥٥٠ _ (٤٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لابْنٍ أَبِي شَيْبَةَ) (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ. قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ
بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ. مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ.
٤٨ - (١٧٥٧) - قوله: (سفيان، عن عمرو) سفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دینار.
قوله: (عن مالك بن أوس، عن عمر) ما أخرجه المصنف في هذه الرواية جزء من حديث
طويل سيأتي بعد رواية واحدة.
ومالك بن أوس هذا هو مالك بن أوس بن الحدثان (بفتح الحاء والدال) أبو سعيد
المدني، مختلف في صحبته، وروى عن النبيّ وَّ مرسلاً، وقيل: إنه رأى أبا بكر، وروى عن
جمع من الصحابة، وذكره ابن سعد في طبقة من أدرك النبيّ وَلّ ورآه، ولم يحفظ عنه شيئاً،
ولكن قال البخاري، وأبو حاتم، وابن معين، لا تصح له صحبة، مات (سنة ٩١هـ أو ٩٢هـ).
كذا في التهذيب (١٠ : ١٠).
وحديثه هذا أخرجه البخاري في الفرائض، باب قول النبيّ وَّ: لا نورث ما تركنا صدقة،
(رقم: ٦٧٢٨)، وفي الجهاد، باب المجن ومن يتترس بترس صاحبه (رقم: ٢٩٠٤) وفي فرض
الخمس، باب فرض الخمس (رقم: ٣٠٩٤)، وفي المغازي، باب حديث بني النضير ومخرج
رسول الله وَلّ إليهم في دية الرجلين، (رقم: ٤٠٣٣)، وفي تفسير سورة الحشر، باب قوله
تعالى: ﴿َّآ أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦]، (رقم: ٤٨٨٥)، وفي النفقات، باب حبس الرجل
قوت سنة على أهله، (رقم: ٥٣٥٧)، وفي الاعتصام، باب ما يكره من التعمق والتنازع في
العلم، والغلو في الدين والبدع، (رقم: ٧٣٠٥)، والترمذي في السير، باب ما جاء في تركة
رسول الله وَ يره (رقم: ١٦١٠)، وأبو داود في الخراج والأمارة، باب في صفايا رسول الله وَل،
(رقم: ٢٩٦٣ و٢٩٦٤ و٢٩٦٥)، والنسائي في قسم الفيء.
قوله: (كانت أموال بني النضير) تقدم قصة إجلاء بني النضير في باب جواز قطع أشجار
الكفار وتحريقها، وتقدم هناك أنه أبيح لهم أن يحملوا معهم من أموالهم ما تحمله الإبل، وما
بقي منها صار فيئاً .
قوله: (ممّا أفاء الله على رسوله) يعني: جعله فيئاً. والفيء في اللغة معناه الرجوع، وفي
الاصطلاح هو مال الكفار الذي استولى عليه المسلمون من غير حرب. وإنما يقال له الفيء لأنه
يرجع إلى ملك الله سبحانه وتعالى.
قوله: (ممّا لم يوجف عليه المسلمون) الإيجاف: الإسراع. قال الراغب: ((الوجيف:
سرعة السير. وأوجفت البعير: أسرعته، قال: فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب. وقيل:

٦٧
كتاب: الجهاد والسّير
فَكَانَتْ لِلنَّبِّ وَِّ خَاصَّةً. فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ. وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ
وَالسِّلاَحِ. عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ.
أدلّ، فأملّ، وأوجف، فأعجف: أي: حمل الفرس على الإسراع فهزله بذلك. قال: ﴿قُلُوبٌ
(٨) [النازعات: ٨]، أي: مضطربة)) . - والمراد من إيجاف الخيل الاستيلاء على
يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ
الأموال عنوة .
قوله: (فكانت للنبيّ ◌َِّ خاصة) يعني: كان له الخيار في صرفها في مصالح المسلمين. قال
ابن رشد في بداية المجتهد (١: ٣٨٩): ((قال قوم: الفيء يصرف لجميع المسلمين، الفقير
والغني، ويعطي الإمام منه المقاتلة، والولاة والحكام، وينفق منه في النوائب التي تنوب
المسلمين، كبناء القناطر، وإصلاح المساجد وغير ذلك، ولا خمس في شيء منه. وبه قال
الجمهور، وهو الثابت عن أبي بكر وعمر ها. وقال الشافعي: بل فيه الخمس، والخمس مقسوم
على الأصناف الذين ذكروا في آية الغنائم، وهم الأصناف الذين ذكروا في الخمس بعينه من
الغنيمة، وأن الباقي هو مصروف إلى اجتهاد الإمام، ينفق منه على نفسه، وعلى عياله، ومن رأى)).
وقال الإمام أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٣: ٤٢٩): ((فهذا من الفيء الذي جعل
الأمر فيه إلى رسول الله وَّر، ولم يكن لأحد فيه حق إلا إن جعله النبيّ وَّر، فكان النبيّ ◌َّل
ينفق منها على أهله، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح .... وكذلك كان حكم فدك وقرى
عرينة فيما ذكره الزهري .... وفي هذه الآية دلالة على أن كل مال من أموال أهل الشرك لم
يغلب عليه المسلمون عنوة، وإنما أخذ صلحاً أنه لا يوضع(١) في بيت مال المسلمين، ويصرف
على الوجوه التي يصرف فيها الخراج والجزية)).
وأما الشافعي كثّفُ فذهب إلى أن الفيء يخمس كما تخمس الغنائم، فيصرف خمسه إلى
المصارف الخمسة المذكورة في الكتاب، وتقسم الأربعة الأخماس بين المقاتلة، فما بقي من
ذلك صرف إلى مصالح المسلمين من إصلاح الحصون والثغور. راجع حاشية البجيرمي على
الخطيب (٤ : ٢٢٩).
قوله: (فكان ينفق على أهله نفقة سنة) قال القاضي عياض: ((فيه جواز إدخار قوت سنة،
ولم يكن له يدخر لنفسه شيئاً، وإنما يدخر لغيره. وفيه أن الادخار لا يقدح في التوكل. ولا
خلاف في جواز ادخار ما يرفع الإنسان من أرضه)) كذا في شرح الأبي والنووي.
ثم إن أزواج رسول الله لر كن ينفقن منه على الفقراء، حتى لا يبقى في بيوت النبيّ وَل ◌ّ
إلا شيء يسير، ولذلك توفي النبيّ وُّ ل ودرعه مرهونة عند يهودي بشعير.
قوله: (يجعله في الكُرَاع) بضم الكاف، يعني: الخيل: وأصل الكراع: مستدق الساق من
(١) لعله خطأ من أحد النساخ، ولعل الصحيح ((ليوضع)).

٦٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٥٥١ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
٤٥٥٢ - (٤٩) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ. حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ
مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَوْسٍ حَدَّثَهُ. قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَجِثْتُهُ
حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ. قَالَ: فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِساً عَلَى سَرِيرٍ. مُفْضِياً إِلَى رُمَالِهِ. مُتَّكِئاً عَلَى
وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمِ. فَقَالَ لِي: يَا مَالُ! إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ. وَقَدْ
البقر والغنم، وما دون الرسغ من ذوات الحوافر، ثم استعملت الكلمة للإبل والفرس تسمية الكل
باسم الجزء. وراجع تاج العروس (٥: ٤٩٢).
٤٩ - ( ... ) - قوله: (الضبعي) بضم الضاد، وفتح الباء، نسبة إلى بني ضبيعة بن قبيس،
اشتهر بهذه النسبة جماعة من العلماء، كما في الأنساب للسمعاني (٨: ٣٧٦).
وعبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي من ثقات أهل البصرة، روى عنه البخاري اثنين
وعشرين حديثاً، ومسلم سبعة عشر حديثاً، مات (سنة: ٢٣١هـ)، كذا في التهذيب (٦: ٦).
قوله: (حدثنا جويرية) بتخفيف الياء، وهو ابن أسماء بن عبيد، وهو عم عبد الله بن
محمد بن أسماء الراوي عنه قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أحمد: ثقة ليس به بأس، وقال
أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان صاحب علم كثير، مات (سنة: ١٧٣ هـ) كذا في
التهذيب (٢ : ١٢٥).
قوله: (حين تعالى النهار) أي: ارتفع، وفي رواية للبخاري في فرض الخمس: ((حين متع
النهار)) وهو بمعناه.
قوله: (مفضياً إلى رماله) بكسر الراء، وقد تضم، وهو ما ينسج من سعف النخل، وقوله:
((مفضياً إلى رماله)) يعني: ليس بينه وبين رماله شيء من الفراش، وإنما قال هذا لأن العادة أن
يكون فوق الرمال فراش أو غيره. كذا في شرح النووي.
قوله: (فقال: يا مال) هو ترخيم مالك، ويجوز فيه الضم والكسر على ما هو المشهور من
قواعد النحو.
قوله: (دفّ أهل أبيات) الدفّ: (من باب خفّ) المشي بسرعة، كأنهم جاؤوا مسرعين
لضرّ نزل بهم، وقيل: الدفّ السّير اليسير، كذا في شرح النووي. وبهذا الأخير جزم في
القاموس وفتح الباري.
قوله: (من قومك) أي: من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، وكأنهم كانوا قد
أصابهم جدب في بلادهم، فانتجعوا المدينة. كذا في فتح الباري (٦: ٢٠٥).

٦٩
كتاب: الجهاد والسّير
أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ. فَخُذْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهُذَا غَيْرِي؟ قَالَ: خُذْهُ.
يَا مَالُ! قَالَ: فَجَاءَ يَرْفَأ. فَقَالَ: هَلْ لَكَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ. فَدَخَلُوا. ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي
عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمَا. فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضٍ بَيْنِي وَبَيْنَ هُذَا
الْكَاذِبِ الآئِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: أَجَلْ. يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ
قوله: (أمرت فيهم برضخ) بفتح الراء، وسكون الضاد، أي: عطية غير كثيرة ولا مقدرة.
قوله: (لو أمرت به غيري) قاله تحرجاً من قبول الأمانة. ولم يبيّن ما جرى له فيه اكتفاء
بقرينة الحال، والظاهر أنه قبضه لعزم عمر عليه ثاني مرة. كذا في الفتح.
قوله: (فجاء يرفا) بفتح الياء، وسكون الراء، وفتح الفاء بعدها ألف غير مهموزة، وقد
تهمز. ويرفا هذا كان من موالي عمر، أدرك الجاهلية، ولا تعرف له صحبة، وقد حج مع عمر
في خلافة أبي بكر، وكان حاجب سيدنا عمر ربه في خلافته، عاش إلى خلافة معاوية، وراجع
فتح الباري (٦: ٢٠٥).
قوله: (وسعد) وزاد في رواية للنسائي وعمر بن شبة: ((وطلحة بن عبيد الله)).
قوله: (اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم) إلخ: قال النووي: قال المازري: هذا اللفظ
الذي وقع لا يليق ظاهره بالعباس، وحاش لعليّ أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف، فضلاً عن
كلها ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبيّ وَل ـ، ولمن شهد له بها، لكنا مأمورون بحسن الظنّ
بالصحابة ميّ أجمعين، ونفي كل رذيلة عنهم. وإذا انسدت طرق تأويلها نسبنا الكذب إلى
رواتها وقد حمل هذا المعنى بعض الناس على أن أزال هذا اللفظ من نسخته تورعاً عن إثبات
مثل هذا، ولعله حمل الوهم على رواته. قال المازري: وإذا كان هذا اللفظ لا بد من إثباته،
ولم تضف الوهم إلى رواته، فأجود ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على
ابن أخيه، لأنه بمنزلة ابنه، وقال ما لا يعتقده وما يعلم براءة ذمة ابن أخيه منه، ولعله قصد بذلك
ردعه عما يعتقد أنه مخطىء فيه، وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن قصد،
وأن علياً كان لا يراها إلا موجبة لذلك في اعتقاده. وهذا كما يقول المالكي: شارب النبيذ
ناقص الدين، والحنفي يعتقد أنه ليس بناقص، فكل واحد محق في اعتقاده)).
(( ... ولا بد من هذا التأويل، لأن هذه القضية جرت في مجلس فيه عمر رُه، وعثمان،
وسعد، وزبير، وعبد الرحمن ﴿ه، ولم ينكر أحد منهم هذا الكلام مع تشدّدهم في إنكار
المنكر. وما ذلك إلا لأنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر.
قال المازري: وكذلك قول عمر تُله: إنكما جئتما أبا بكر، فرأيتماه كاذباً آئماً، غادراً خائناً،
وكذلك ذكر من نفسه أنهما رأياه كذلك. وتأويل هذا على نحو ما سبق، وهو أن المراد أنكما

٧٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَرِحْهُمْ. (فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ: يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ) فَقَالَ عُمَرُ:
اتَّهِدَا. أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ! أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ قَالَ:
((لاَ نُورَثُ.
تعتقدان أن الواجب أن نفعل في هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر، فنحن على مقتضى
رأيكما لو أتينا ما أتينا، ونحن معتقدان ما تعتقدانه، لكنا بهذه الأوصاف، أو يكون معناه أن
الإمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف، ويتهم في قضاياه فكان مخالفتكما لنا تشعر من
رآها أنكما تعتقدان ذلك فينا، والله أعلم)».
وقال الإمام أبو الحسن السندي تَُّ في حاشيته على صحيح مسلم (ص: ٦٨): قوله:
(بيني وبين هذا الكاذب الآثم إلخ) أي: وبين من يعاملني معاملة من يتصف بهذه الأوصاف،
وهذا بناء علي أنه ما رضي بمعاملته، وأن معاملة علي في نفسها لا تكون كذلك، وهذا يجري
بين الأكابر في المعاملات، ومن هذا القبيل قوله: (فرأيتماه كاذباً إلخ) أي: عاملتماه معاملة من
يرى صاحبه متصفاً بهذه الأوصاف)).
ثم إن الخصومة بين عليّ والعباس ﴿ها كانت في تولية صدقات النبيّ وَّر بالمدينة، فإنهما
قد طلبا من عمر رَظُله توليتها، وأمرهما جميع، فقضى بها عمر لهما أن يعملا فيه بمثل ما كان
رسول الله رَ* يعمل كما سيأتي في الحديث، فلعلّه وقع بينهما نزاع في بعض مصروفاته، فأرادا
أن يقسم عمر رُبه الأرض بينهما، ليتولى كل منهما أرضاً مستقلة ليس للآخر فيها ولاية، فأبى
عمر ظله ذلك، لأن قسمة الأرض ربما يتوهم منها متوهم أنها قسمة تمليك، مع أن الأرض لم
تكن ملكاً لأحدهما، فكان يخاف عمر ربه أنه بعد مرور مدة من الزمن يزعم الناس أنه قسم
الأرض بينهما على سبيل التمليك، فيحصل منه خلاف المقصود، فما رضي بالقسمة، وإنما
أجابهما بأنهما لو استطاعا أن يتولياه كما مضى، بقيت توليته بيدهما، وإلاّ سلّما توليته إلى
ليتولاه بنفسه .
عمر رضي
قوله: (وأرحهم) أمر من الإراحة، يعني: اجعلهم في راحة عمَّا هم فيه من التخاصم.
قوله: (قدومهم لذلك) يعني: إنما تقدم عثمان، وعبد الرحمن، وسعد قبل عليّ والعباس
ليشفعوا لهما عند عمر رضي ثه، ولفظ أبي داود: ((خُيِّل إليّ أنهما قدما أولئك النفر لذلك)).
قوله: (اتئدا) يعني: والتؤودة: الصبر والتأنّي.
قوله: (أنشدكم بالله) أي: أسألكم بالله، مأخوذ من النشيد، وهو رفع الصوت، يقال:
أنشدتك ونشدتك بالله. كذا في شرح النووي.
قوله: (لا نورث) بفتح الراء على البناء للمجهول، يعني: لا يرثنا أحد، هكذا في الرواية،
ولو روي بالكسر (على البناء للمعروف) لصح المعنى أيضاً، نبه عليه الحافظ في فرائض الفتح
(١٢ : ٧).

٧١
كتاب: الجهاد والسير
مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ
تقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّرَ قَالَ: (لاَ نُورَثُ. مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ)) قَالاً:
نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ وَّهِ بِخَاصَّةٍ لَمْ يُخَصِّصْ بِهَا أَحَداً
غَيْرَهُ. قَالَ: ﴿ََّ أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]، (مَا أَدْرِي هَلْ قَرَأَ
الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا أَمْ لاَ) قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ،
قوله: (ما تركنا صدقة) برفع (صدقة) على أنه خبر، وادعى بعض جهلة الشيعة أنه
منصوب، و(ما) نافية، يعني: لم نترك صدقة، وهذا على كونه مخالفاً للرواية، يرده ما سيأتي من
حديث عائشة فيها: ((لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)).
قوله: (قالا: نعم) فيه دليل على أن عليّاً والعباس ﴿ه قد اعترفا بأن النبيّ وَّ لا يقسم له
ميراث، وأن النبيّ ◌َ ﴿ أمر بذلك.
ويتبيّن من بعض روايات الشيعة أيضاً أن أهل البيت كانوا يقولون بعدم قسمة ميراث
النبيّ وَّه، وأن الأنبياء ظلَّلا لم يتركوا ميراثاً ..
فقد أخرج أبو جعفر الكليني: ((عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن
محمد بن خالد، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله (يعني: جعفر الصادق) علّ* قال: إنّ
العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنّما أورثوا أحاديث من
أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه؟ فإنّ
فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل
الجاهلين)) .
راجع له أصول الكافي للكليني (١ : ٣٢) كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله
وفضل العلماء، وإنّ هذه الرواية صريحة في أن الأنبياء فلّ لم يورثوا إلّ أحاديث، لأن كلمة
(إنما) للحصر.
قوله: (فقسم رسول الله وَله بينكم أموال بني النضير) وفسّره في رواية معمر عند البخاري
في النفقات: ((أن النبيّ وَّ كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم))، وفي رواية
عمرو بن دينار عند البخاري في التفسير: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله،
فكانت له خاصة، وكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة
في سبيل الله)).
ووقع في رواية أبي داود من طريق أسامة بن زيد، عن ابن شهاب: ((كانت لرسول الله دولية
ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك. فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك،
فكانت حبساً لأبناء السبيل، وأما خيبر، فجزأها بين المسلمين ثم قسم جزء النفقة أهله، وما
فضل منه جعله في فقراء المهاجرين)).

٧٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَوَ اللَّهِ! مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ. وَلاَ أَخَذَهَا دُونَكُمْ. حَتَّى بَقِيَ هُذَا الْمَالُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
يَأْخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ. ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ. ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ
السَّمَاءُ وَالأَرْضُ! أَتَعْلَمُونَ ذُلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ نَشَدَ عَبَّساً وَعَلِيًّا بِمِثْلٍ مَا نَشَدَ بِهِ الْقَوْمَ:
أَتَعْلَمَانِ ذُلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ
قال الحافظ في الفتح (٦: ٢٠٦): ((ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يقسم في فقراء
المهاجرين، وفي مشترى السلاح والكراع)).
وحاصل هذه الروايات أن هذه الأموال كانت مملوكة لرسول الله وَ ل# خاصة، ولكنه كان
يصرفها بعد نفقة أهله في مصالح المسلمين.
والخلاصة ما ذكره النووي كثَُ في آخر شرح الباب الآتي عن القاضي عياض تَُّ، قال
في تفسير صدقات النبيّ وَّر: ((صارت إليه بثلاثة حقوق: أحدها: ما وهب له ◌َّر، وذلك وصية
مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد، وكانت سبع حوائط في بني النضير. الثاني: حقه من
الفيء من أرض بني النضير حين أجلاهم، كانت له خاصة، لأنها لم يوجف عليها المسلمون
بخيل ولا ركاب.
وأما منقولات بني النضير فحملوا منها ما حملته الإبل غير السلاح، كما صالحهم، ثم
قسم ﴿ الباقي بين المسلمين، وكانت الأرض لنفسه، ويخرجها في نوائب المسلمين. وكذلك
نصف أرض فدك، صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها، وكان خالصاً له، وكذلك ثلث
أرض وادي القرى أخذه في الصلح حين صالح أهلها اليهود، وكذلك حصنان من حصون خيبر،
وهما الوطيح والسلالم، أخذهما صلحاً. الثالث: سهمه من خمس خيبر وما افتتح فيها عنوة،
فكانت هذه كلها ملكاً لرسول الله وَ له خاصة، لا حَقَّ فيها لأحد غيره، لكنه ◌َّو كان لا يستأثر
بها، بل ينفقها على أهله، والمسلمين، وللمصالح العامة، وكل هذه صدقات محرمات التملك
بعده، والله أعلم)).
فعلى هذا، المراد من قسمة أموال بني النضير فيما بين أهل البيت في حديث الباب قسمة
سهم ذوي القربى من حصة الفيء، وَأوْهِبَتُه بَّر من حصته إلى أقربائه أو المهاجرين، والله أعلم.
قوله: (فوالله ما استأثر عليكم) يعني: ما استأثر رسول الله وَل له نفسه عليكم بأن يخلصها
لنفسه، وإنّما أنفقها عليكم، وفي رواية للبخاري في الفرائض: ((فكانت خالصة لرسول الله وَلاه،
والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثّها فيكم)).
قوله: (حتى بقي هذا المال) يعني: المال الذي وقع فيه الخصومة بين علي والعباس.
قوله: (ثم يجعل ما بقي أسوة المال) يعني: مالاً مشتركاً يصرف في حوائج العامة، يفسره
ما في رواية معمر الآتية: ((ثم يجعل ما بقي منه مجعل مال الله عز وجل)).

٧٣
كتاب: الجهاد والسّير
رَسُولِ اللّهِ وَلهَ. فَجِئْتُمَا، تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِن ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هُذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ
أَبِهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((مَا نُوَرَثُ. مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِباً آئِماً
غَادِراً خَائِناً، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقْ بَارِّ رَاشِدٌ تَابِعْ لِلْحَقْ. ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ. وَأَنَا وَلِيُّ
"رَسُولِ اللَّهِ وَهِ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ. فَرَ أَيْتُمَانِي كَاذِباً آئِماً غَادِراً خَائِناً. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّيَ لَصَادِقٌ بَارٌ
رَاشِدٌ تَابِعْ لِلْحَقِّ. فَوَلِيتُهَا. ثُمَّ جِئْتَنِي أَنْتَ وَهُذَا. وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ. وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ. فَقُلْتُمَا:
اذْفَعْهَا إِلَيْنَا. فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَعْمَلاَ فِيهَا بِالَّذِي
كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ. فَأَخَذْتُمَاهَا بِذَلِكَ. قَالَ: أَكَذَلِكَ؟ قَالاَ: نَعَمْ. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُمَانِي
لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا. وَلاَ، وَاللَّهِ، لاَ أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذُلِكَ. حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. فَإِنْ عَجَزْتُمَا
عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ.
٤٥٥٣ - (٥٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ ابْنُ
رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ. قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ أَهْلُ
أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ. بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ. غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: فَكَانَ يُنْفِقُّ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةً. وَرُبَّمَا
قَالَ مَعْمَرٌ: يَحِْسُ قُوتَ أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةً. ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(١٦) - باب: قول النبيّ وَّ: «لا نُورَثُ، ما تركنا فهو صدقة))
٤٥٥٤ - (٥١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ وَهِ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَله
قوله: (وأنتما جميع) يعني: متفقان على كلمة واحدة، ليس بينكما خلاف.
قوله: (على أن تعملا فيها بالذي كان يعمل) إلخ: يعني: أن يصرفا دخله في نفقة
أهله وَير، والباقي في مصارف الخير.
قوله: (لا أقضي بينكما بغير ذلك) يعني: بأن أقسم توليته بينكما بما يوهم أنّني قسمت
الأرض بينكما تمليكاً. قال أبو داود بعد رواية هذا الحديث: ((أراد أن لا يوقع عليه اسم قسم)).
(١٦) - باب قول النبيّ وَّ: ((لا نورث إلخ
٥١ - (١٧٥٨) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري فى الفرائض، باب قول
النبيّ وَّل: لا نورث، ما تركنا صدقة، (رقم: ٦٧٢٧ و٦٧٣٠)، ومالك في الموطأ، في الكلام،
باب ما جاء في تركة النبيّ وَّر، وأبو داود في الخراج والفيء والأمارة، باب في صفايا
رسول الله خير من الأموال، (رقم: ٢٩٧٦ و٢٩٧٧).

٧٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَمَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ. فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنَ النَّبِيِّ وَّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ
لَهُنَّ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((لاَ نُورَثُ. مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَّةٌ»؟.
قوله: (أليس قد قال رسول الله (وَ ل*) وفي رواية أسامة بن زيد عن الزهري عند أبي داود
(رقم: ٢٩٧٧): ((قلت: ألا تتقين الله؟ ألم تسمعن رسول الله و 9 يقول: لا نورث، ما تركنا فهو
صدقة، وإنما هذا المال لآل محمد، لنائبتهم ولضيفهم، فإذا مت فهو إلى ولي الأمر من بعدي)).
قوله: (لا نورث) تقدم أن الرواية بفتح الراء، ويجوز الكسر لغة. وفي حديث عمر عند
البخاري في الفرائض أن عمر ظبه قال بعد رواية هذا الحديث: ((يريد رسول الله وَلّ نفسه)).
قال الحافظ في الفتح (١٢: ٨): ((وفي قول عمر: ((يريد نفسه)) إشارة إلى أن النون في
قوله: (نورث) للمتكلم خاصة، لا للجمع. وأما ما اشتهر في كتب الأصول وغيرهم بلفظ:
((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))، فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ
(نحن)، لكن أخرجه النسائي من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بلفظ: ((إنا معاشر الأنبياء لا
نورث)) ... وهو كذلك في مسند الحميدي عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه،
وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور، وأخرجه الطبراني
في الأوسط بنحو اللفظ المذكور، وأخرجه الدارقطني في العلل من رواية أم هانىء عن فاطمة
عن أبي بكر الصديق بلفظ: ((إن الأنبياء لا يورثون)).
((قال ابن بطال وغيره: ووجه ذلك - والله أعلم - أن الله بعثهم مبلغين رسالتهم وأمرهم أن
لا يأخذوا على ذلك أجراً، كما قال: ﴿قُل لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [سورة الشورى، آية: ٢٣]، وقال
نوح وهود وغيرهما نحو ذلك، فكانت الحكمة في أن لا يورثوا لئلا يظن أنهم جمعوا المال
لوارثهم. قال: وقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ﴾ [سورة النمل، آية: ١٦] حمله أهل العلم بالتأويل
على العلم والحكمة، وكذا قول زكريا: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنِكَ وَلِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِى﴾ [سورة مريم، الآيتان: ٥
و٦]، وقد حكى ابن عبد البر أن للعلماء في ذلك قولين، وأن الأكثر على أن الأنبياء لا يورثون،
وذكر أن ممن قال بذلك من الفقهاء إبراهيم بن إسماعيل بن علية (١)، ونقله عن الحسن البصري
عياض في شرح مسلم. وأخرج الطبري من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله
تعالى حكاية عن زكريّا: ﴿وَ إِنِّى خِفْتُ الْمَوَالِىِ﴾ [سورة مريم، آية: ٥].
قال: العصبة، ومن قوله: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِى﴾ [سورة مريم، الآيتان: ٥ و٦]
قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، ومن طريق قتادة عن الحسن نحوه، لكن لم يذكر
(١) وقدمنا في باب تحريم طلاق الحائض أن إبراهيم بن إسماعيل ابن علية كان من فقهاء المعتزلة، قال فيه
الشافعي: ضالّ حبس في باب السؤال، وله مسائل ينفرد بها، كذا في لسان الميزان.

٧٥
كتاب: الجهاد والسّير
٤٥٥٥ - (٥٢) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. أَخْبَرَنَا حُجَيْنٌ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنَّ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَهَـ مِمَّا أَفَاءَ
اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ
المال، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن، رفعه مرسلاً: رحم الله أخي زكريّا ما كان عليه
من یرث ماله)».
قال الحافظ بعد ذلك: ((قلت: وعلى تقدير تسليم القول المذكور، فلا معارض من القرآن
لقول نبينا ظليلا: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))، فيكون ذلك من خصائصه التي أكرم بها، بل قول
عمر: (يريد نفسه) يؤيد اختصاصه بذلك. وأما عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِىّ
أَوْلَدِكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ١١] فأجيب عنها بأنها عامة فيمن ترك شيئاً كان يملكه، وإذا ثبت أنه
وقفه قبل موته، فلم يخلف ما يورث عنه، فلم يورث. وعلى تقدير أنه خلف شيئاً مما كان
يملكه، فدخوله في الخطاب قابل للتخصيص، لما عرف من كثرة خصائصه، وقد اشتهر عنه أنه
لا یورث، فظھر تخصیصه بذلك دون الناس».
((وقيل: الحكمة في كونه لا يورث حسم المادة في تمني الوارث موت المورث من أجل
المال، وقيل: لكون النبي كالأب لأمته، فيكون ميراثه للجميع، وهذا معنى الصدقة العامة)).
٥٢ - (١٧٥٩) - قوله: (أخبرنا حجين) بتقديم الحاء على الجيم مصغراً، هو ابن المثنى
اليمامي، كان قاضياً بخراسان، ثم نزل بغداد، وثقه الجارودي وابن سعد وغيره، كما في
التهذيب (٢: ٢١٦).
قوله: (عقيل) بضم العين مصغراً، من أثبت أصحاب الزهري، مَرّ في أوائل كتاب
الأيمان.
قوله: (عن عائشة) أخرجه أيضاً أبو داود في الخراج والأمارة باب صفايا رسول الله وَ له،
(رقم: ٢٩٦٨ و٢٩٦٩)، والنسائي في قسم الفيء، وأخرجه البخاري في الفرائض، باب قول
النبيّ ◌َّير: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))، (رقم: ٦٧٢٦). وأخرجه أيضاً في المغازي، باب
حديث بني النضير، (رقم: ٤٠٣٥ و٤٠٣٦) وباب غزوة خيبر، (رقم: ٤٢٤٠ و٤٢٤١)، وفي
المناقب، باب مناقب قرابة رسول الله وَلقر، (رقم: ٣٧١١)، وفي فرض الخمس، باب فرض
الخمس، (رقم: ٣٠٩٢).
قوله: (أرسلت إلى أبي بكر) وفي رواية معمر من الزهري عند البخاري في الفرائض: ((أن
فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما)) مما يدل على أنهما أتيا جميعاً.
قوله: (مما أفاء الله عليه بالمدينة) يعني: من أموال بني النضير، وروى أبو داود حديثاً في

٧٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَفَدَك. وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسٍ خَيْبَرَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لاَ نُورَثُ مَا
تَرَكْنَا صَدَقَةٌ. إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ (َّةَ) فِي هُذَا الْمَالِ)). وَإِنِّي، وَاللَّهِ، لاَ أُغَيِّرُ شَيْئاً مِنْ
الخراج والأمارة في باب بني النضير (رقم: ٣٠٠٤) عن رجل من أصحاب النبيّ وَّر: ((فكان
نخل بني النضير لرسول الله وَ﴿ خاصة، أعطاه الله إيّاها وخصه بها، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى
رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] يقول: بغير قتال، فأعطى النبيّ وَّلـ
أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة، لم يقسم
لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله وَ طير التي في أيدي بني فاطمة ﴿يّا)).
وكذلك كانت له ◌َّ أموال مما أوصى له به المخيريق، وكان يهودياً من بقايا قينقاع نازلاً
ببني النضير، فأسلم وشهد أحداً فقتل به ظلله، كما رواه عمر بن شبة وغيره، وحكاه الحافظ في
فتح الباري (٦: ٢٠٣).
قوله: (وفدك) بفتح الدال والفاء، بلد بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وبينها وبين خيبر
يومان، وحصنها يقال له الشمروخ، كذا في معجم ما استعجم للبكري (٢: ١٠١٥)، وذكر
الحموي في معجم البلدان (٤: ٢٤٠) عن الزجاجي أنها سميت بفدك بن حام، وهو أول من
نزلها .
وكان من شأنها ما ذكره أصحاب المغازي قاطبة أن أهل فدك كانوا من يهود، فلما فتحت
خيبر أرسل أهل فدك يطلبون الأمان من النبيّ ◌َ﴿ على أن يتركوا البلد ويرحلوا، فصالحهم
النبيّ والر على النصف من فدك، فكانت فدك لرسول الله وَ ﴿ خالصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل
ولا ركاب، كذا في سيرة ابن هشام مع الروض الأنف (٢: ٢٤٨).
قوله: (وما بقي من خمس خيبر) وقد أخرج أبو داود (رقم: ٣٠١٠) عن سهل بن أبي
حثمة، قال: ((قسم رسول الله وَ ل خيبر نصفين، نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين
قسمها بينهم على ثمانية عشر سهماً))، وأخرج عن بشير بن يسار عن نفر من أصحاب النبيّ وَل
(رقم: ٣٠١١) «فكان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله رَله، وعزل النصف للمسلمين
لما ينوبه من الأمور والنوائب)».
وقال ابن إسحاق: ((وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشق، ونطاة، والكتيبة (كلها
أسماء مواضع بخيبر) فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله وسهم
النبيّ وَّة، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النبيّ وَّر، وطعم رجال مشوا
بين رسول الله (َّ* وبين أهل فدك بالصلح)) كذا في سيرة ابن هشام مع السهيلي (٢: ٢٤٦).
قوله: (إنما يأكل آل محمد ﴿ في هذا المال) هذا صريح في أن أبا بكر رعظ ته لم يمنع
شيئاً من حق ذوي القربى، فبذل لهم منافع ذلك المال كما كان يبذلها رسول الله صل# غير أنه

٧٧
كتاب: الجهاد والسير
صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ. وَلأَعْمَلَنَّ
فِيهَا، بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ.
امتنع من أن يملكهم إياها بطريق الوراثة لقول رسول الله وَله: ((لا نورث)).
قوله: (ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله وَ (*) وزاد شعيب في روايته عن الزهري عند
البخاري في المناقب: ((فتشهد عليّ، ثم قال: إنّا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وذكر قرابتهم من
رسول الله وَ﴾ وحقّهم، فتكلم أبو بكر، فقال: والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله وَل ◌ّ أحبّ إليّ
أن أصل من قرابتي)).
وهذا من أصرح الروايات على أن أبا بكر ربه قام بأداء حقّ أهل البيت حسب أوامر
الشرع، ولم يعدل فيه عن الصواب، وقد ثبت اعتراف أهل البيت أنفسهم بذلك، وإليك
الروايات الآتية:
١ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلة، قال: ((سمعت عليّاً يقول: قلت: يا رسول الله! إن رأيت
أن تولّيني حقّنا من الخمس فاقسمه في حياتك كي لا ينازعناه أحد بعدك فافعل، قال: ففعل،
فولآنيه رسول الله وَلقر، فقسمته في حياته، ثمّ ولآنيه أبو بكر ظ ◌ُه، فقسمته في حياته، ثمّ ولآنيه
عمر، فقسمته في حياته، حتى إذا كان آخر سنة من سنّ عمر، فأتاه مال كثير، فعزل حقّنا، ثمّ
أرسل إليّ، فقال: خذه فاقسمه، فقلت: يا أمير المؤمنين! بنا عنه العام غنّى، وبالمسلمين إليه
حاجة، فردّه عليهم تلك السنة)).
أخرجه أبو يوسف في كتاب الخراج، قسمة الغنائم (ص: ٦١ و٦٢، رقم: ٦٤) وهذا
لفظه، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (١: ٨٤ و٨٥) إلى قوله: (فإنه أتاه مال كثير).
٢ - قد سبق في الحديث الماضي أن عمر ظله ولّى عليّاً والعباس ◌ًُّا صدقات
رسول الله وَّر، فكانا يقومان بصرف ما يخرج منها، ثمّ انفرد بولايتها عليّ رُله، ثم كانت بيد
الحسن بن عليّ، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد عليّ بن حسين وحسن بن حسن، كلاهما
يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسن. وراجع باب حديث بني النضير من مغازي صحيح البخاري،
وغيره.
٣ - أخرج ابن شبة عن كثير النوى، قال: ((قلت لأبي جعفر (يعني: محمد الباقر): جعلني
الله فداءك، أرأيت أبا بكر وعمر ﴿يا هل ظلماكم من حقكم شيئاً أو ذهبا به؟ قال: لا، والذي
أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، ما ظلمانا من حقّنا مثقال حبة من خردل. قلت:
جعلت فداك، فأتولاهما؟ نعم، ويحك تولّهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي. ثم
قال: فعل الله بالمغيرة وتبيان، فإنهما كذبا علينا أهل البيت)).
أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة ؛ ١: ٢٠١)، قال: ((حدثنا محمد بن الصباح، قال:

٧٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَىْ فَاطِمَةَ شَيْئاً. فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذُلِكَ. قَالَ:
فَهَجَرَتْهُ. فَلَمْ تُكلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِيَتْ. وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ بَِّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ
حدثنا يحيى بن المتوكل أبو عقيل، عن كثير النوى)) (١)، وذكره السمهودي في وفاء الوفاء
(٣: ١٠٠١)، وذكره أيضاً ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (٤: ٨٢) برواية أبي بكر
الجوهري.
قوله: (فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً) يعني: من ميراث رسول الله و لو تمليكاً لها،
وإلا فقد ثبت بالروايات الماضية، أنه كان يعولها وينفق عليها من صدقات رسول الله وَاليهود .
قوله: (فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك) وفي رواية يونس عند البخاري في فرض
الخمس: ((فغضبت فاطمة بنت رسول الله ( 98)) قال شيخ مشايخنا الكنكوهي تَّثُ في لامع
الدراري (٢: ٥٠٠): ((هذا ظن من الراوي، حيث استنبط من عدم تكلمها إياه أنها غضبت
علیه)) .
يؤيد الشيخ تكثُ أن هذه الزيادة غير مذكورة في كثير من الروايات، فقد ذكر أبو داود هذا
· الحديث من طريق عقيل، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح، كلهم يرويه عن الزهري، ولكن لم
يذكر هذه الزيادة في شيء من رواياتهم. وكذلك أخرجه البخاري في الفرائض من غير هذه
الزيادة. وأخرجه البيهقي بما يدل على أن هذه الزيادة مدرجة من الراوي، وليس من كلام
عائشة ثا، ولفظه في كتاب قسم الفيء من سننه (٦: ٣٠٠): ((قال: فغضبت فاطمة ◌َّا،
فهجرته فلم تكلمه حتى ماتت)) وهذا صريح في إدراجه من الراوي.
قوله: (قال: فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت) هذا أيضاً مدرج من الراوي، وليس من كلام
عائشة رضيّا، كما يدل عليه لفظ (قال) في أوّله.
وقد حقّق فضيلة مولانا الشيخ محمد نافع حفظه الله في كتابه القيّم (رحماء بينهم) (باللغة
الأردية) (١: ١٢٦ و١٢٧) أن قصة مراجعة فاطمة أبا بكر فيها مروية بست وثلاثين طريقاً، وإن
أحد عشر طريقاً منها مروية عن غير الزهريّ، وليس في واحد منها أدنى ذكر لغضب فاطمة، أو
(١) أما محمد بن الصباح، فلعله الدولابي البزاز من رواة الجماعة، وأما يحيى بن المتوكل أبو عقيل، فهو من
رجال أبي داود، ومسلم في مقدمته، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، وضعفه الأكثرون،
كما في التهذيب ١١: ٢٧١ وذكره المامقاني الشيعي في تنقيح المقال ٣: ٣٢١ رقم ١٣٠٧٤، فقال:
((وذكره ابن حجر وضعفوه، والظاهر أنه للتشيع، كما هو المعروف من طريقتهم)) فالظاهر منه أنه مقبول عند
الشيعة، وأما كثير النوى فقال فيه ابن عدي: ((كان غالياً في التشيع مفرطاً فيه)) وروى عن محمد بن بشر
العبدي أنه قال: لم يمت كثير النواء حتى رجع من التشيع)) كما في التهذيب ٨: ٤١١. وذكره المامقاني في
تنقيح المقال، وعده من أصحاب الباقر والصادق، ونقل عن رجال البرقي أنه من أصحاب الصادق عاميّ.

٧٩
كتاب: الجهاد والسّير
هجرانها لأبي بكر ربه، وإن خمسة وعشرين طريقاً تدور على الزهري، التسعة منها خالية عن
ذكر الغضب والهجران، وإنّما ورد ذكر الغضب والهجران في ستة عشر طريقاً كلّها تنتهي إلى
الزهري .
فالظاهر من هذا التتبع أن قصة الغضب والهجران مدرجة في هذا الحديث من قبل
الزهريّ، وقد عرف من عادة الزهريّ أنه كان ربّما أدرج في الحديث شيئاً من رأيه، ويقول
الحافظ في النكت على ابن الصلاح (١: ٨٢٩): ((وكذا كان الزهري يفسر الأحاديث كثيراً،
وربما أسقط أداة التفسير، فكان بعض أقرانه ربما يقول له: افصل كلامك من كلام النبيّ وَّ)»
وساق الحافظ قبله عدة أمثلة من إدراجات الزهريّ.
وقد أخرج الخطيب البغدادي في كتابه ((الفقيه والمتفقه)) (٢: ١٤٨) عن الليث، قال: ((قال
ربيعة (وهو الرأي، شيخ مالك بن أنس) لابن شهاب: يا أبا بكر: إذا حدثت الناس برأيك
فأخبرهم أنه رأيك، وإذا حدثت الناس بشيء من السنة فأخبرهم أنه سنة، فلا يظنون أنه رأيك)).
فلما ثبت كونه مدرجاً من الزهريّ، فإمّا أن يكون ظناً منه، فلا حجة فيه، وإمّا أن يكون قد
سرد ما سمعه من بعض الناس بدون إسناد، وغايته أن يكون إرسالاً منه، وإن مراسيل الزهري
ليست قوية عند المحدثين، قال أحمد بن سنان: ((كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهريّ
وقتادة شيئاً، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علّقوه))
كما في تهذيب التهذيب (٩: ٤٥١).
وقال السيوطي في تدريب الراوي (١: ٢٠٥): ((مراسيل الزهري: قال ابن معين ويحيى بن
سعيد القطان: ليس بشيء، وكذا قال الشافعي، قال: لأنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم.
وروى البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكلما
قدر أن يسمّي سمَّى، وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه)).
وقد عارض مرسل الزهريّ هذا عدة روايات:
١ - أخرج أبو داود من طريق أبي الطفيل به، قال: ((أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت
ورثت رسول الله ﴿ أم أهله؟ قال: لا، بل أهله، قالت: فأين سهم رسول الله وَّ؟ قال:
سمعت رسول الله وَلو يقول: ((إن الله إذا أطعم نبياً طعمة ثم قبضه، جعلها للذي يقوم من بعده))،
فرأيت أن أرده على المسلمين، قالت: فأنت وما سمعته)) راجع سنن أبي داود، (رقم: ٢٩٧٣)،
باب في صفايا رسول الله ﴿، كتاب الخراج والفيء. وسكت عليه أبو داود، وقال المنذري في
تلخيصه (٤: ٢١٨): ((في إسناده الوليد بن جميع، وقد أخرج له مسلم وفيه مقال)) قلت: وثقه
أحمد وأبو داود وابن معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم وابن سعد، وأخرج له البخاري في

٨٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الأدب المفرد، ولم يرو تضعيفه إلا من العقيلي، وذكره ابن حبان في الثقات وفي الضعفاء
جميعاً، كما في التهذيب (١١: ١٣٨ و١٣٩).
وقد سكت الحافظ في الفتح (٦: ٢٠٢) على إسناده، ولكن أنكر فيه قول أبي بكر: ((لا،
بل أهله)) لأنه معارض للحديث المشهور: ((لا نورث))، ويمكن تأويله بأن المراد أنه لو ورث
النبيّ وَ ﴿ أحد، لورثه أهله، ولكن الوراثة عنه منتفية، فيقوم من بعده بتوليته.
فقول فاطمة في هذا الحديث: ((فأنت وما سمعته)) يدل على أنها سلمت له ما قال، ولهذا
يقول الحافظ ابن كثير كثّفُ في البداية والنهاية (٥: ٢٨٩): ((وقد روينا أن فاطمة مؤيّها احتجت
أولاً بالقياس، وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في
حق النبي، وأنها سلمت له ما قال، وهذا المظنون بها رضيوينا ...
.... فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد :.... عن أبي الطفيل ... وهكذا رواه أبو
داود ... ففي لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة، (يشير إلى ما نسب فيه إلى أبي بكر من قوله:
(لا، بل أهله) ولعله روي بمعنى ما فهمه بعض الرواة، وفيهم من فيه تشيع (وهو الوليد بن
جميع) فليعلم ذلك، وأحسن ما فيه قولها: (أنت وما سمعت من رسول الله ( 9) وهذا هو
ـا)) .
الصواب، والمظنون بها، واللائق بأمرها، وسيادتها، وعلمها، ودینها ،
٢ - قد أخرج عمر بن شبة حديث مراجعة فاطمة لأبي بكر ◌ًّا من طريق معمر عن
الزهري، ولفظه في آخره: ((فلم تكلمه في ذلك المال حتى ماتت)) راجع تاريخ المدينة لابن شبة
(١: ١٩٧)، وهذا صريح في أن ترك كلامها مع أبي بكر ظُّه لم يكن مطلقاً، وإنما لم تكلمه
في ذلك المال فقط.
٣ - أخرج البيهقي في سننه (٦: ٣٠١) عن الشعبي، قال: ((لما مرضت فاطمة شيّا أتاها
أبو بكر الصديق به فاستأذن عليها، فقال عليّ رَظ ◌ُله: يا فاطمة! هذا أبو بكر يستأذن عليك،
فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها يترضاها، وقال: والله ما تركت
الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم
ترضاها حتی رضیت)).
وقال البيهقي بعد إخراجه: (هذا مرسل حسن بإسناد صحيح)).
وأخرجه أيضاً ابن سعد في طبقاته (٨: ٢٧) في ترجمة فاطمة رؤيتنا. وذكره المحب الطبري
في الرياض النضرة (١: ١٥٦)، وترجم عليه: (ذكر أن فاطمة لم تمت إلا راضية عن أبي بكر)
وقال العيني في عمدة القاري (١٥: ٢٠): ((وهذا قويّ جيّد، والظاهر أن الشعبي سمعه من عليّ
أو ممن سمعه من عليّ)».