Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب: الجهاد والسّير
حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْم اللَّهِ، فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْم اللَّهِ. وَلْكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى
حُكْمِكَ. فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ)).
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: هُذَا أَوْ نَحْوَهُ. وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي آخِرٍ حَدِيثِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ.
قَالَ: فَذَكَرْتُ هُذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ (قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي أَنَّ عَلْقَمَةَ يَقُولُهُ لابْنِ حَيَّانَ)
فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ نَحْوَهُ.
٤٤٩٨ - (٤) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْئَدٍ؛ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ بُرَيْدَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ:
الله للكفار، ويتمسك بظاهر الحديث، فمقتضى مطلق النهي حرمة المنهي عنه .... وإنما كره له
ذلك عندنا لمعنى في غير المنهي عنه، وهو أنهم قد يحتاجون إلى النقض لمصلحة يرونها في
ذلك. وأن ينقضوا عهدهم فهو أهون من أن ينقضوا عهد الله وعهد رسوله .... وذلك لا بأس به
عند الحاجة إليه. قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَنَبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾ [سورة الأنفال،
آية: ٥٨] .... وفي قوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [سورة
التوبة، آية: ١]ما يدل على ذلك. وأيد ما قلنا قوله ظلَّل: ((ثلاثة أنا خصهم، ومن كنت خصمه
خصمته، وقال في تلك الجملة: رجل أعطى ذمّتي(١) ثم غدر .... )) ففيه بيان أنه لا بأس بإعطاء
ذمته، ولكن يحرم الغدر. وأمراء الجيوش كانوا يعطون الأمان بالله ورسوله، ولم ينكر عليهم أبو
بکر، وعمر څ، فدل أنه لا بأس به».
قوله: (فلا تنزلهم على حكم الله) حمله الإمام محمد تَتُ على التحريم، وأبو يوسف على
التنزيه، راجع لتفصيله بدائع الصنائع (٧: ١٠٧ و١٠٨).
وقال شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٢: ٤٤): ((وقول محمد عندي أولى وأحوط،
وقول أبي يوسف أقيس وأضبط، وقد احتج بعض العلماء بقوله وَالر: ((فإنك لا تدري أتصيب
حكم الله فيهم أم لا؟)) على أن ليس كل مجتهد مصيباً، بل الحق عند الله واحد، والحديث لا
ينتهض للاستدلال به على ذلك، لاحتمال أن يكون منصرفاً إلى زمان جواز ورود النسخ، كذا في
النيل)).
قوله: (مسلم بن هيصم) كذا هو بالصاد المهملة في سائر النسخ المطبوعة عندي، ووقع
في التهذيب والتقريب: ((هيضم)) بالضاد المعجمة.
(١) الحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب إثم من باع حرّاً، رقم ٢٢٢٧ وفي الإجارة، باب إثم منع أجر
الأجير ٢٢٧٠ بلفظ ((رجل أعطى بي، ثم غدر، وهكذا هو عند ابن ماجه وأحمد، ولم أجد لفظ ((الذمة)) في
روايتهم، ويمكن أن يكون عند غيرهم، وعلى كل حال، فالمقصود واحد.

٢٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ إِذَا بَعَثَ أَمِيراً أَوْ سَرِيَّةً دَعَاهُ فَأَوْضَاهُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ
سُفْيَانَ.
٤٤٩٩ - (٥) حدّثنا إِبْرَاهِيمُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْفَرَّاءُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ
الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهُذَا .
(٣) - باب: في الأمر بالتيسير وترك التنفير
٤٥٠٠ _ (٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ). قَالاً:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى. قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله، إِذَا بَعَثَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضٍ أَمْرِهِ، قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلاَ تُنْفِّرُوا.
وَيَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا)).
٤٥٠١ - (٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
(٣) - باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير
٦ - (١٧٣٢) - قوله: (عن أبي موسى) حديثه هذا بهذا اللفظ أخرجه أيضاً أبو داود في
الأدب، باب في كراهية المِراء، (رقم: ٤٨٣٥)، ولم يخرجه غيرهما من الأئمة الستة.
قوله: (بشّروا ولا تنفّروا) قال النووي: ((في هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله، وعظيم
ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة،
من غير ضمها إلى التبشير)).
وقال المازري: ((فيه ما يجب من التيسير في الأمور، والرفق بالناس، وتحبيب الإيمان إلى
القلوب، وترك التشديد خوفاً من أن تنفر القلوب، لا سيما فيمن كان قريب العهد من الإيمان،
وكذلك يجب فيمن قارب من التكليف من الأطفال، ولم يتمكن رسوخ العمل في قلوبهم، فلا
يشدّد عليهم، خوف أن ينفروا من عمل الطاعات. وكذلك يجب على الإنسان في نفسه أن لا
يشق عليها في العمل في بدء الأمر خوف الترك وعدم الدوام على العمل، بل يدرّبها فيه،
فإنه رَ ﴿ ذمّ عدم الدوام، وحضّ على الأحسن؛ بقوله: كلفوا من العمل ما تطيقون، فإنّ الله لا
يملّ حتى تملّوا. فإن أخذها بالرفق والتدريج في العمل حتى تأنس، دامت على العمل)). حكاه
الأميّ.
وقال الحافظ في الفتح (١: ١٦٣): ((والمراد تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه
في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل. وكذا تعليم العلم ينبغي
أن يكون بالتدريج، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً، حبّب إلى من يدخل فيه، وتلقاه
بانبساط، وكانت عاقبته غالباً الازدياد، بخلاف ضدّه)).

٢٣
كتاب: الجهاد والسّير
أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ النَّبِيِّ وَهَ بَعَثَهُ وَمُعَاذَاً إِلَى الْيَمَنِ. فَقَالَ: ((يَسِّرَا وَلاَ
تُعَسِّرَا. وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرًا. وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا)).
٤٥٠٢ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو. ح وَحَدَّثَنَا
٧ - (١٧٣٣) - قوله: (عن جدّه) يعني: أبا موسى الأشعري ◌ُله، لأنه والد أبي بردة،
وجدّ سعيد بن أبي بردة،
وحديثه هذا: أخرجه البخاري في الجهاد، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في
الحرب، (رقم: ٣٠٣٨)، وفي المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن، (رقم: ٤٣٤١،
و٤٣٤٢ و٤٣٤٥). وفي الأدب، باب قول النبيّ وَّ: يسّروا ولا تعسّروا، (رقم: ٦١٢٤)، وفي
الأحكام، باب أمر الوليّ إذا وجّه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا، ولا يتعاصيا، (رقم: ٧١٧٢).
قوله: (بعثه ومعاذاً إلى اليمن) كان النبيّ وَّر قد قسّم اليمن إلى جهتين، فاستعمل معاذاً
على الجهة العليا إلى صوب عدن، وكان من عمله ((الجَنَد)) بفتح الجيم والنون، وله بها مسجد
مشهور إلى اليوم، واستعمل أبا موسى ته على الجهة السفلى. كذا في فتح الباري (٨: ٦١).
قوله: (يسّروا ولا تعسّروا) هو في معنى ما تقدم. وقال النووي: ((إنما جمع في هذه
الألفاظ بين الشيء وضدّه، لأنه قد يفعلهما في وقتين، فلو اقتصر على ((يسّروا)) لصدق ذلك على
من يسّر مرة أو مرات، وعسّر في معظم الحالات. فإذا قال: ولا تعسّروا، انتفى التعسير في
جميع الأحوال من جميع وجوهه، وهذا هو المطلوب)).
قوله: (وبشّرا ولا تنفّرا) قال القرطبي: ((هو من باب المقابلة المعنوية، لأن الحقيقية أن
يقال: بشّرا ولا تنذّرا، وآنسا ولا تنفّرا، فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة، والتأنيس والتنفير)).
وقال الحافظ بعد حكايته: ((قلت: ويظهر لي أن النكتة في الإتيان بلفظ البشارة وهو الأصل،
وبلفظ التنفير وهو اللازم، وأتى بعده على العكس، للإشارة إلى أن الإنذار لا ينفى مطلقاً،
بخلاف التنفير، فاكتفى بما يلزم عنه الإنذار، وهو التنفير، فكأنه قيل: إن أنذرتم فليكن بغير
تنفير)) وراجع فتح الباري (٨: ٦١).
قوله: (وتطاوعا ولا تختلفا) فيه أمر الولاة بالرفق، واتفاق المتشاركين في ولاية ونحوها .
وهذا من المهمات فإن غالب المصالح لا يتم إلا بالاتفاق، ومتى حصل الاختلاف فات. وفيه
وصية الإمام الولاة وإن كانوا أهل فضل وصلاح، كمعاذ وأبي موسى ﴿ًا، فإن الذكرى تنفع
المؤمنین)» .
( ... ) - قوله: (حدثنا محمد بن عباد حدثنا سفيان) يعني: ابن عيينة، وعمرو هو عمرو بن
دينار استدركه الدارقطني في التتبع على الصحيحين (ص: ٢٣٠) وفي علله (٢: ١٢٠) لأن ابن

٢٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، عَنْ زَكْرِيَّاءَ بْنِ عَدِيٍّ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
أبِي أُنَيْسَةَ. كِلاَهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ، نَحْوَ
حَدِيثِ شُعْبَةَ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ((وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا)).
٤٥٠٣ _ (٨) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
التَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيْدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ. قَالَ:
سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا. وَسَكِّنُوا وَلاَ
تُنَفِّرُوا» .
(٤) - باب: تحريم الغدر
٤٥٠٤ - (٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ (يَعْنِي أَبَا قُدَامَةَ السَّرَخْسِيَّ). قَالاَ: حَدَّثَنَا
يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ). كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ (وَاللَّفْظُ
لَهُ). حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ:
عبّاد لم يتابع في رواية هذا الحديث عن سفيان، عن عمرو، ولكن أجاب عنه النووي أن ابن
عباد ثقة وقد جزم بروايته عن سفيان، وتفرد الثقة برواية لا يضر.
٨ - (١٧٣٤) - قوله: (سمعت أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم،
باب ما كان النبيّ وَّه يتخوّلهم في الموعظة، (رقم: ٦٩)، وفي الأدب، باب قول النبيّ وَّ:
(يسّروا ولا تعسّروا)) (رقم: ٦١٢٥).
قوله: (وسكّنوا) قال الحافظ في الفتح: (١: ١٦٣): ((وهي التي تقابل)) ولا تنفّروا «لأن
السكون ضدّ النفور، كما أن ضدّ البشارة النذارة)).
(٤) - باب تحريم الغدر
٩ - (١٧٣٥) - قوله: (أبا قدامة السرخسيّ) إلخ: بفتح السين والراء، وسكون الخاء، هو
حافظ مشهور من رجال الصحيحين، قال النسائي: ثقة مأمون قلّ من كتبنا عنه مثله، وقال ابن
حبان في الثقات: هو الذي أظهر السنة بسرخس، ودعا إليها، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على
ثقته، مات (سنة: ٢٤١ هـ) وفي الزهرة: روى عنه البخاري ثلاثة عشر، ومسلم ثمانية وأربعين
حديثاً، كذا في التهذيب (٧: ١٧).
قوله: (عن ابن عمر) أخرجه البخاري في الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم،

٢٥
كتاب: الجهاد والسّير
((إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ
فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ)» .
(رقم: ٦١٧٧)، وفي الجهاد (الجزية والموادعة) باب إثم الغادر البر والفاجر، (رقم: ٣١٨٨)،
وفي الحيل، باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت، (رقم: ٦٩٦٦)، وفي الفتن، باب إذا قال
عند قوم شيئاً فخرج بخلافه؛ (رقم: ٧١١١)، وأبو داود في الجهاد، باب في الوفاء بالعهد،
(رقم: ٢٧٥٦)، والترمذي في السّير، باب ما جاء أن لكل غادر لواء يوم القيامة،
(رقم: ١٥٨١).
قوله: (لكلّ غادر) الغدر: نقض العهد، أو عدم الوفاء به.
قوله: (لواء) قال القرطبي: «هذا خطاب منه للعرب بنحو ما كانت تفعل، لأنهم كانوا
يرفعون (يعني: في احتفالات الأسواق) للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء، ليلوموا الغادر
ويذمّوه، فاقتضى الحديث وقوع مثل هذا للغادر، ليشتهر بصفته في القيامة، فيذمّه أهل الموقف.
وأما الوفاء فلم يرد فيه شيء، ولا يبعد أن يقع كذلك، وقد ثبت لواء الحمد لنبيّنا وَّر)) كذا في
فتح الباري (٦: ٢٨٤).
وقال النوويّ كَّلُ: ((وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر، لا سيّما من صاحب
الولاية العامّة، لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين. وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر،
لقدرته على الوفاء، كما جاء في الحديث الصحيح في تعظيم كذب الملك. والمشهور أن هذا
الحديث وارد في ذم الإمام الغادر، وذكر القاضي عياض احتمالين: أحدهما: هذا، وهو نهي
الإمام أن يغدر في عهده لرعيته، وللكفار وغيرهم، أو غدره للأمانة التي قلدها لرعيته، والتزم
القيام بها، والمحافظة عليها، ومتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم، أو الرفق بهم فقد غدر بعهده.
والاحتمال الثاني: أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقّوا عليها العصا، ولا
يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة لسببه، والصحيح الأول، والله أعلم)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويؤيد المعنى الأول ما سيأتي في آخر الباب من حديث
أبي سعيد، وفيه: ((ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة)) ولكن الذي يظهر أن راوي الحديث - وهو
ابن عمر ◌ًا - قد حمل الحديث على العموم في كلّ غدر، سواء كان غدر الإمام لرعيته، أو
بالعكس، وذلك لما أخرج البخاري كثّفُ في الفتن عن نافع، قال: ((لما خلع أهل المدينة يزيد بن
معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: إنّي سمعت النبيّ وَله يقول: ((ينصب لكلّ غادر لواء
يوم القيامة))، وإنّا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن
يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال، وإنّي لا أعلم أحداً منكم خلعه، ولا تابع
في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه)).
فهذا صحيح في أن ابن عمر ها حمل الحديث على العموم، واستعمله في غدر الرعية

٢٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٥٠٥ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّدٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ. كِلاَهُمَا عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَّه بِهِذَا الْحَدِيثِ.
٤٥٠٦ - (١٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسِمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: (إِنَّ الْغَادِرَ
يَنْصِبُ اللَّهُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَيُقَالُ: أَلاَ هُذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنٍ)) .
٤٥٠٧ - (١١) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِم ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: (لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
٤٥٠٨ - (١٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ.
ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ). كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِّ وَِّ. قَالَ: (لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنٍ)).
٤٥٠٩ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّصْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنِي
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ. جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِي
حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: ((يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنٍ)).
٤٥١٠ - (١٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
للإمام، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦: ٢٨٤): ((ولا أدري ما المانع من حمل
الخبر على أعم من ذلك وسيأتي .... أن الذي فهمه ابن عمر راوي الحديث هو هذا)).
( ... ) - قوله: (أبو الربيع العتكيّ) بفتح العين والتاء، نسبة إلى العتيك، وهو بطن من
الأزد، كما في الأنساب للسمعاني (٩: ٢٢٧)، وأبو الربيع هذا اسمه سليمان بن داود الزهراني
البهري، وهو من أثبت تلامذة حماد بن زيد، وقال الحافظ: ((لا أعلم أحداً تكلم فيه بخلاف ما
زعم ابن خراش)) راجع التهذيب (٤: ١٩١).
١٢ - (١٧٣٦) - قوله: (عن أبي وائل، عن عبد الله) يعني: ابن مسعود نظُبه، وحديثه هذا
أخرجه أيضاً البخاري في الجهاد، باب إثم الغادر للبر والفاجر، (رقم: ٣١٨٦)، وابن ماجه في
الجهاد، باب الوفاء بالبيعة، (رقم: ٢٨٧٢)، والدارمي في البيوع، باب في الغدر، (رقم:
٢٥٤٥).

٢٧
كتاب: الجهاد والسّير
عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((لِكُلِّ
غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ. يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنٍ)) .
٤٥١١ - (١٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
(ِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ)) .
٤٥١٢ - (١٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمُنِ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُلَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ.
قَالَ: (لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)».
٤٥١٣ - (١٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا
الْمُسْتَمِرُّ بْنُ الرَّيَّانِ. حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِ: ((لِكُلِّ
غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرٍ غَدْرِهِ. أَلاَ وَلاَ غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْراً مِنْ أَمِيرٍ عَامَّةٍ)).
١٣ - ( ... ) - قوله: (عن شقيق) يعني: ابن سلمة، وهو أبو وائل الكوفي، فراوي هذا
الحديث عن عبد الله في جميع الروايات رجل واحد، وهو هذا، ولكن ذكره شعبة بكنيته،
والأعمش باسمه. وهو من أجلة التابعين المخضرمين، أدرك سبع سنين من الجاهلية، وكان يعد
من أعلم أهل الكوفة بحديث ابن مسعود، وكان من عبّادها، كذا في التهذيب (٤: ٣٦١ - ٣٦٣).
١٤ - (١٧٣٧) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري مقروناً بحديث ابن مسعود
في الجهاد، باب إثم الغادر للبرّ والفجر، (رقم: ٣١٨٧).
١٥ - (١٧٣٨) - قوله: (عن أبي سعيد) أخرجه أيضاً ابن ماجه في الجهاد باب الوفاء
بالبيعة، (رقم: ٢٨٧٣).
١٦ - ( ... ) - قوله: (المستمر بن الريّان) المستمرّ، بضمّ الميم الأولى، وكسر الثانية،
وشدّ الراء، والريّان بفتح الراء، من التابعين، قد رأى أنساً، ولم يرو عنه، وثقه الجميع، وقال
النسائي: ثقة، وكان من الأبدال، كذا في التهذيب (١٠: ١٠٥).
قوله: (بقدر غدره) يعني: كلما كان الغدر أعظم، كان اللواء أرفع.
قوله: (ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامّة) لكونه من أكثر الناس قدرة على الوفاء،
والآمال معقودة عليه بذلك، فكلّما خيّب هذه الآمال بغير عذر استحق وزراً أكثر من غيره، والله
أعلم.

٢٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٥) - باب: جواز الخداع في الحرب
٤٥١٤ - (١٧) وحدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ
(وَاللَّفْظُ لِعَلِيِّ وَزُهَيْرٍ) (قَالَ عَلِيٍّ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو
جَابِراً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((الْحَرْبُ خُدْعَةٌ)).
(٥) - باب: جواز الخداع في الحرب
١٧ - (١٧٣٩) - قوله: (سمع عمروٌ جابراً) حديث جابر هذا: أخرجه البخاري في الجهاد،
باب الحرب خدعة، (رقم: ٣٠٣٠)، والترمذي في الجهاد، باب في الرخصة في الكذب
والخديعة في الحرب، (رقم: ١٧٣٩)، وأبو داود في الجهاد، باب المكر في الحرب، (رقم:
في الجهاد، باب الخديعة
٢٦٣٦). وأخرج ابن ماجه هذا اللفظ عن عائشة، وابن عباس،
في الحرب.
قوله: (الحرب خدعة) فيه ثلاث لغات مشهورة:
١ - خَذْعَة، بفتح الخاء، وسكون الدال، وهي مرّة من الخدع، والمراد على ذلك أن أمر
الحرب ينقضي بمرة واحدة من الخداع، أي: أنّ المقاتل إذا خُدع مرّة واحدة لم يكن لها إقالة.
٢ - خُذْعة، بضم الخاء، وسكون الدال، وهي اسم من الخداع، والمراد حينئذٍ أن الحرب
تشتمل على الخداع، فيخدع كل فريق مقابله، كأنها عبارة عن الخداع.
٣ - خُدَعة، بضم الخاء، وفتح الدال، وهي مبالغة من الخداع، مثل هُمزة، ولُمزة،
وضُحكة، للذي يكثر الضحك، والمعنى على هذا: أن الحرب تكثر من الخداع، فتخدع
الرجال، وتمنّيهم، ولا تفي لهم.
هذه خلاصة ما حكاه ابن الأثير في جامع الأصول (٢: ٥٧٥ و ٥٧٦) عن الخطابي، وزاد
بعض العلماء لغتين سوى ما ذكر:
١ - خَدَعة، بفتح الخاء والدال كلتيهما، حكاه المنذري، وقال: وهو جمع (خادع)، أي:
أن أهل الحرب خدعة، يخدعون خصومهم.
٢ - خِدْعة، بكسر الخاء، وسكون الدال، حكاه مكيّ، ومحمد بن عبد الواحد، ولعلّه
اسم هيئة من الخداع، كأنه قال: الحرب هيئة مخصوصة من الخداع.
وهذان الوجهان ذكرهما الحافظ في فتح الباري (٦: ١٥٨).
ورجح الخطابي، وابن الأثير، والنووي وأكثر العلماء الوجه الأول (وهو بفتح الخاء
وسكون الدال)، ورجح شيخ مشايخنا الأنور تتُّ الوجه الثالث، فقال: ((الأبلغ فيه أن يكون
صيغة مبالغة من اسم الفاعل. والمراد أن الحرب لا تُدرى عاقبتها، ولا يتأتى فيها الاعتماد على

٢٩
كتاب: الجهاد والسّير
٤٥١٥ - (١٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ سَهْم. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
الأسباب، فإنه قد تبدو النصرة في أول الأمر، ثم تنقلب هزيمة، وقد تنعكس)) راجع فيض الباري
(٣: ٤٥).
حكم الكذب في الحرب:
وبهذا الحديث استدل بعض الفقهاء على جواز الكذب في الحرب، حملاً للحديث على
المعنى الثاني، وحملاً للخدعة على معنى الكذب، والمسألة قد اختلف فيها الفقهاء قديماً، قال
شيخ مشايخنا الأنور كثّفُ في كتاب الصلح من فيض الباري (٣: ٣٩٦): ((واعلم أن الكذب جائز
في بعض الأحوال عند الشافعية. أما الحنفية فلا أراهم يجوزونه صراحة في موضع، نعم!
وسّعوا بالكنايات والمعاريض، وأمثالهما)). وقال النووي: ((الظاهر إباحة حقيقة الكذب في
الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى)).
واستدل المبيحون للكذب الصريح في الحرب بما أخرجه الترمذي في البر والصلة من
حديث أسماء بنت يزيد مرفوعاً: ((لا يحل الكذب إلا في ثلاث: تحدث الرجل امرأته ليرضيها،
والكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس)). واستدلوا أيضاً بقصة قتل كعب بن الأشرف،
فإن محمد بن مسلمة به استأذن رسول الله وَو قبل ذهابه إلى كعب اليهودي في التحيّل على
قتله بالكذب، فقال: ((ائذن لي أن أقول)) فأجاب رسول الله وَليقول: ((قد فعلت)) كما أخرجه
البخاري في باب الفتك من أهل الحرب من كتاب الجهاد.
ولكن حمله معظم الحنفية، وجماعة من غيرهم، على المعاريض، قال شمس الأئمة
السرخسي كثُّ بعد رواية حديث الباب في شرح السير الكبير (١: ٨٣): ((فيه دليل على أنه لا
بأس للمجاهد أن يخادع قرينه في حالة القتال، وإن ذلك لا يكون غدراً منه. وأخذ بعض العلماء
بالظاهر، فقالوا: يرخص في الكذب في هذه الحالة، واستدلوا بحديث أبي هريرة .... لا
يصلح الكذب إلا في ثلاث .... والمذهب عندنا أنه ليس المراد به الكذب المحض، فإن ذلك
لا رخصة فيه، وإنما المراد استعمال المعاريض، وهو نظير ما روي أن إبراهيم ظل كذب ثلاث
كذبات، والمراد أنه تكلم بالمعاريض، إذ الأنبياء معصومون عن الكذب المحض)).
وكذلك يمكن حمل حديث محمد بن مسلمة على التورية والتعريض، ويقول شيخنا
العثماني في إعلاء السنن (١٢: ٦٠): ((الظاهر من السياق أنه طلب الإذن في المعاريض، ولذا
قال: ائذن لي أن أقول، ولم يقل: ائذن لي أن أكذب، فمن لم يرض بطلب الإذن في الكذب
تصريحاً، فمثله لا يرضى بالكذب الصريح أبداً. والذي وقع منهم في قتل كعب بن الأشرف كان
كله تعريضاً، لا كذباً صريحاً، لأن قولهم: (عنانا) أي: كلفنا بالأوامر والنواهي إلخ .... كما
اعترف به الحافظ في الفتح أيضاً».

٣٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْمُبَارَك. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ :
(الْحَرْبُ خُدْعٌَ)).
ولذلك قال في الدر المختار: ((الكذب مباح لإحياء حقه، ودفع الظلم عن نفسه، والمراد
التعريض، لأن عين الكذب حرام)) وقال ابن عابدين تحته ناقلاً عن المجتبى: ((قال الطحاوي
وغيره: هو محمول على المعاريض. لأن عين الكلام حرام، قلت: وهو الحقّ)) ثمّ أيده ابن
عابدين بما ورد [عن] عليّ، وعمران بن حصين وغيرهما أن في المعاريض مندوحة عن الكذب،
ثم قال: ((وذلك كقول من دعي لطعام: أكلت، يعني: أمس، وكما في قصة الخليل ظلَّا.
وحينئذٍ فالاستثناء في الحديث لما في الثلاثة من صورة الكذب، وحيث أبيح التعريض لحاجة لا
يباح لغيرها، لأنه يوهم الكذب، وإن لم يكن اللفظ كذباً)) راجع رد المحتار، كتاب الحظر
والإباحة (٥: ٢٧٥) من طبع بولاق.
ولم أجد في فقهاء الحنفية القدامى من جوّز صريح الكذب في حالة ما، إلا في حالة
الاضطرار، ولكن حكى الشيخ ظفر أحمد العثماني عن الإمام الشيخ أشرف على التهانوي تقََّثُ أنه
قال: ((والحقّ جواز الكذب الصريح إذا لم يقدر على التعريض في المواضع الثلاثة المذكورة في
حديث أسماء، وعدم جوازه إذا قدر عليه، وأمّا ما ذكره في شرح السّير أن الكذب المحض لا
رخصة فيه، فمبني على الاحتياط)).
ويؤيّد الشّيخ تَّلُ ما روي عن بعض الصحابة: ((إن في معاريض الكلام مندوحة من
الكذب)) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وترجم به باباً في كتاب الأدب من صحيحه،
وأخرجه الطبري في التهذيب، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. وأخرجه ابن عدي من وجه
آخر عن قتادة مرفوعاً، ووقّاه، وأخرجه ابن عدي أيضاً من حديث عليّ مرفوعاً بسند واه أيضاً.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد من طريق أبي عثمان النهديّ، عن عمر، قال: أما في
المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب، ذكر هذه الروايات الحافظ في الفتح (١٠ : ٥٩٤) وإنّها
تدلّ على أن الكذب إنما يحرم إذا كان عنه مندوحة بالمعاريض. وظاهر مفهومها أنه إن لم يكن
عنه مندوحة فالكذب لا يحرم عند حاجة معتبرة شرعاً، وهي التي وقع ذكرها في حديث أسماء
من الأمور الثلاثة.
ويؤيده أيضاً قصة الحجاج بن علاط التي أخرجها النسائي والحاكم في استئذانه النبيّ وَله
أن يقول عنه ما شاء لمصلحة في استخلاص ماله من أهل مكة، وأذن له النبيّ بَّر، فأخبر أهل
مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين، ذكره الحافظ في الفتح (٦: ١٥٩)، فإنه لا يحتمل
التعريض، إلاّ أن يقال: إن الرواة تصرفوا في حكاية لفظه، أو يقال: إنه كان من مواضع
الضرورة البالغة إلى حد الاضطرار، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٣١
كتاب: الجهاد والسّير
(٦) - باب: كراهة تمني لقاء العدوّ، والأمر بالصبر عند اللقاء
٤٥١٦ - (١٩) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو
عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحِزَامِيُّ)، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((لاَ تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ. فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ
فَاصْبِرُوا)).
(٦) - باب كراهية تمني لقاء العدو إلخ
١٩ - (١٧٤١) - قوله: (العقديّ) إلخ: بفتح العين والقاف، وقد مرّ تحت باب حدّ السرقة
ونصابها .
قوله: (ابن عبد الرحمن الحزاميّ) بكسر الحاء، وتخفيف الزاي، نسبة إلى حزام جدّه
الأعلى، وقيل: إنه نسبة إلى حكيم بن حزام الصحابيّ رَضْ لُله، وهو ثقة من رواة الجماعة، ضعفه
ابن معين، ووثقه الأكثر، راجع التهذيب (١٠ : ٢٦٦).
قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب لا تتمنوا لقاء
العدو، (رقم: ٣٠٢٦)، وأشار إليه في كتاب التمنّ، باب كراهية تمني لقاء العدو.
قوله: (لا تمنّوا) قال النووي: ((إنما نهى عن تمنّي لقاء العدوّ لما فيه من صورة الإعجاب
والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي، وقد ضمن الله تعالى لمن بغى عليه أن
ينصره، ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحزم، وتأوله
بعضهم على النهي عن التمني في صورة خاصة، وهي إذا شك في المصلحة فيه، وحصول
ضرر، وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة، والصحيح الأول، ولهذا تمّمه وَله بقوله وَلهو: ((واسألوا
الله العافية))، وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة
لدفع جميع المكروهات في البدن، والباطن، في الدين، والدنيا والآخرة)).
ثمّ هذا لا يعارض فضيلة تمنّ الشّهادة، لأن حاصله أن يؤول أمره إلى الشّهادة المقبولة
عند الله، بأيّ طريق كان، وإنه أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً، بخلاف تمنّي لقاء العدوّ، لأن
الإنسان لا يدري إلى ما يؤول أمره بعد اللّقاء، أيثبت أم يفرّ؟ أيقاتل حسبة، أو رياء؟ أم يلتزم
بأحكام الشريعة في القتال، أم لا يلتزم؟ فلذلك نهى عنه، والله سبحانه أعلم.
واستدل بهذا الحديث على منع طلب المبارزة، وهو رأي الحسن البصري، وكان عليّ
يقول: ((لا تدعُ إلى المبارزة، فإذا دعيت فأجب، تنصر)) كذا في فتح الباري (٦: ١٥٧). ولكن
الاستدلال بهذا الحديث على المنع من المبارزة فيه نظر، لأن الحديث إنما ورد في التمنّي قبل
أن يقع اللقاء، فأمّا بعد ما وقع، فقد أمر المسلمون بالصبر والثبات وربما يكون من جملة الثبات
أن يبارز المسلم الكفار، إذا كان أنكى فيهم، فلا يتعلق النهي بذلك. وقد ثبتت المبارزة والإقدام

٣٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٥١٧ - (٢٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ.
أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ كِتَابٍ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِّ وَّةَ، يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى. فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، حِينَ سَارَ إِلَى
الْحَرُورِيَّةِ. يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ كَانَ، فِي بَعْضٍ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، يَنْتَظِرُ
حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لاَ تَتَمَّنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ
الْعَافِيَةَ. فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ)). ثُمَّ قَامَ
النَّبِيُّ وَ ◌ّهِ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ! مُنْزِلَ الْكِتَابِ. وَمُجْرِيَ السَّحَابِ. وَهَازِمَ الأَحْزَابِ. اهْزِمْهُمْ
وَانْصُزْنَا عَلَيْهِمْ)).
في غير ما رواية عن جمع من الصحابة، وراجع للتفصيل إعلاء السنن (١٢: ٢٣ و٢٤).
٢٠ - (١٧٤٢) - قوله: (يقال له عبد الله بن أبي أوفى) أخرجه البخاري في الجهاد، باب
لا تمنوا لقاء العدو (رقم: ٣٠٢٥)، وباب الجنّة تحت بارقة السيوف، (رقم: ٢٨١٨)، وباب
الصبر عند القتال، (رقم: ٢٨٣٣)، وباب كان النبيّ وَّل﴿ إذا لم يقاتل أول النهار أخّر القتال حتى
تزول الشمس، (رقم: ٢٩٦٥)، وفي التمنّي، باب كراهية تمني لقاء العدو، (رقم: ٧٢٣٧)،
وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب كراهية تمني لقاء العدو، (رقم: ٢٦٣١).
قوله: (ينتظر حتى إذا مالت الشمس) يعني: إذا لم يقاتل أول النهار، وقد صرح به في
حديث النعمان بن مقرن عند البخاري في الجزية: «كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب
الأرواح وتحضر الصلوات)) وقال الحافظ في الفتح (٦: ١٢٠): ((أي: لأن الرياح تهب غالباً
بعد الزوال، فيحصل بها مزيد حدة السلاح والحرب، وزيادة النشاط)). وأشار بقوله: ((وتحضر
الصلوات)) أن المصلين يدعون للمجاهدين في صلواتهم، فينصرون ببركة دعاءهم.
قوله: (تحت ظلال السيوف) قال القرطبي: ((وهو من الكلام النفيس الجامع الموجز
المشتمل على ضروب من البلاغة، مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد،
والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، واستعمال السيوف، والاجتماع حين
الزحف، حتى تصير السيوف تظل المتقاتلين)) وقال ابن الجوزي: ((المراد أن الجنة تحصل
بالجهاد)» كذا في فتح الباري (٦: ٣٣).
قوله: (اللهم منزل الكتاب) إلخ: قال الحافظ: ((أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر
عليهم، فبالكتاب إلى قوله تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [سورة التوبة، آية: ١٤]،
وبمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب، حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى،
. وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح، وحيث تمطر تارة، وأخرى لا تمطر، فأشار بحركته
إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم، وبإنزال

٣٣
كتاب: الجهاد والسّير
(٧) - باب: استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدوّ
٤٥١٨ - (٢١) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى. قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللّهِ و ◌َ ﴿ عَلَى الأَحْزَابِ فَقَالَ:
((اللَّهُمَّ! مُنْزِلَ الْكِتَابِ. سَرِيعَ الْحِسَابِ. اهْزِمِ الأَخْزَابَ. اللَّهُمَّ! اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ)).
٤٥١٩ - (٢٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَذَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِمِثْلٍ
حَدِيثٍ خَالِدٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((هَازِمَ الأَحْزَابِ)) وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: ((اللَّهُمَّ!)).
٤٥٢٠ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةً،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ ((مُجْرِيَ السَّحَابِ)).
٤٥٢١ - (٢٣) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ
ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ : ((اللَّهُمَّ! إِنَّكَ إِنْ تَشَأُ،
المطر إلى غنيمة ما معهم .... وأشار بهازم الأحزاب إلى التوسل بالنعمة السابقة، وإلى تجريد
التوكل، واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل كذا في فتح الباري (٦: ١٥٧)».
(٧) - باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدوّ
٢٣ - (١٧٤٣) - قوله: (عن أنس) أخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٣: ١٥٢ و٢٥٢) من
طريق حماد بهذا اللفظ، ولم أجده عند غير مسلم من الأئمة الستة.
قوله: (يوم أحد) كذا وقع في رواية أنس هذه، وأخرج أحمد في مسنده (٣: ١٢١) من
طريق يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس قوله: ((كان من دعاء النبيّ ◌َّ بعد حنين: اللهمّ إن
شئت أن لا تعبد بعد اليوم ... )).
وقد روي عن ابن عباس ظه، أن النبيّ وَّ ر قال يوم بدر: («اللّهم أنشدك عهدك، ووعدك،
اللّهم إن شئت لم تُعبد)) أخرجه البخاري في الجهاد، (رقم: ٢٩١٥) وفي المغازي (رقم:
٣٩٥٣).
وكذلك روي عن عمر بن الخطاب ﴿به، أن النبيّ وَِّ دعا يوم بدر، فقال: ((اللّهمَّ أَنْجِزْ لِي
ما وعدتني، اللّهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض)). أخرجه الترمذي
في التفسير (سورة الأنفال) (رقم: ٥٠٧٥).
قال النووي: ((جاء في هذه الرواية أنه يَّ و قال: هذا يوم أحد، وجاء بعده أنه قاله يوم
بدر، وهو المشهور في كتب السير والمغازي، ولا معارضة بينهما، فقاله في اليومين، والله
أعلم».

٣٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ».
(٨) - باب: تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب
٤٥٢٢ - (٢٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. قَالاَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضٍ
مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ وَهِ مَقْتُولَةً. فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَهِ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
٤٥٢٣ - (٢٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو أُسَامَةً.
قَالاَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي
بَعْضٍ تِلْكَ الْمَغَازِي. فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَه عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
قوله: (لا تعبد في الأرض) قال الحافظ في الفتح (٧: ٢٨٩): ((وإنما قال ذلك لأنه علم
أنه خاتم النبيّين، فلو هلك هو، ومن معه حينئذٍ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، ولاستمر
المشركون يعبدون غير الله، فالمعنى: «لا يعبد في الأرض بهذه الشريعة)).
(٨) - باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب
٢٤ - (١٧٤٤) - قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن عمر، بدليل الرواية الآتية، وإلاّ
فالمعروف عند المحدثين أنهم إذا أطلقوا (عبد الله)، فإنهم يريدون به ابن مسعود رائه.
وحديثه هذا أخرجه البخاري في الجهاد، باب قتل الصبيان في الحرب، (رقم: ٤٠١٤)،
وباب قتل النساء في الحرب، (رقم: ٣٠١٥)، ومالك في الجهاد، باب ما جاء في النهي عن
قتل النساء والصبيان والولدان، والترمذي في الجهاد، باب ما جاء في النهي عن قتل النساء
والصبيان، (رقم: ١٥٦٩)، وأبو داود في الجهاد، باب في قتل النساء، (رقم: ١٦٦٨)، وابن
ماجه في الجهاد، باب الغارة والبيات وقتل النساء، (رقم: ٢٨٤١)، والدارمي في السير، باب
النهي عن قتل النساء والصبيان، وأحمد في مسنده (٢: ١٢٢ و١٢٣).
٢٥ - ( ... ) - قوله: (في بعض تلك المغازي) وأخرج الطبراني في الأوسط أن ذلك وقع
بمكة. وأخرج أبو داود في المراسيل عن عكرمة: أن النبيّ وَلو رأى امرأة مقتولة بالطائف،
فقال: ألم أَنْهَ عن قتل النساء؟ من صاحبها؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله أردفتها، فأرادت أن
تصرعني، فتقتلني فقتلتها، فأمر بها أن توارى. ذكرها الحافظ في الفتح.
قوله: (عن قتل النساء والصبيان) وإن هذا الحكم من ميزات الإسلام البارزة، فإنه أول من
حكم بحرمة قتل هؤلاء في الحرب، حين كان الناس يعتدون عند الحرب على النساء، والشيوخ،
والولدان، ولم تكن في العالم أمّة أكثر احتفاظاً بهذا الحكم، وأعظم اعتناء به، من الأمة
الإسلامية .

٣٥
كتاب: الجهاد والسير
(٩) - باب: جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد
٤٥٢٤ - (٢٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. جَمِيعاً
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ. قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ عَنِ الذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّئُونَ
فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؟ فَقَالَ: ((هُمْ مِنْهُمْ)).
(٩) - باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد
٢٦ - (١٧٤٥) - قوله: (عن الصعب بن جثامة) بفتح الجيم، وتشديد الثاء - كما في المغني
- وهو من مهاجري الصحابة، وكان ينزل بودان، وشهد فتح فارس، والظاهر أنه مات في خلافة
عثمان رظه، راجع التهذيب (٤: ٤٢١).
وحديثه هذا أخرجه البخاري في الجهاد، باب أهل الدار يبيّتون، فيصاب الولدان
والذراري، (رقم: ٣٠١٢ و٣٠١٣)، وأبو داود في الجهاد، باب في قتل النساء، (رقم:
٢٦٧٢)، وابن ماجه في الجهاد، باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان، (رقم: ٢٨٣٩).
قوله: (سئل النبيّ وَّ) قال الحافظ في الفتح (٦: ١٤٧): ((لم أقف على اسم السائل، ثم
وجدت في صحيح ابن حبان من طريق محمد بن عمرو، عن الزهري، بسنده عن الصعب، قال:
سألت رسول الله ﴿ عن أولاد المشركين، أنقتلهم معهم قال: نعم. فظهر أن الراوي هو
السائل)).
قوله: (عن الذراري) بتشديد الياء، جمع الذريّة، وهي بمعنى نسل الإنسان ذكراً أو أنثى،
كما في مجمع البحار.
قوله: (يُبَيَّتُون) بفتح الياء الثانية مشددة، على البناء للمجهول من التبييت، وهو الإغارة
وقت الليل. والمراد أنه يصعب في التبييت أن تميز النساء والصبيان من الرجال، فيصابون من
غير قصد، فهل يجوز ذلك أو لا؟.
قوله: (هم منهم) يعني: لا بأس إذن في إصابة النساء والصبيان. وليس المراد إباحة قتلهم
بطريق القصد إليهم، بل المراد: إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطأ الذرية، فإذا أصيبوا
لاختلاطهم بهم جاز قتلهم. كذا في فتح الباري.
وبه يؤخذ حكم قذف القنابل في زماننا، فإنه يجوز إذا لم يقصد بها النساء والصبيان، بل
أريد بها النكاية في العدوّ، فإن أصيب بها النساء والصبيان من غير قصد فلا بأس، والله أعلم.
ثم إن تحريم قتل النساء والصبيان مقيد عند الجمهور بما إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا فلا
بأس بقتلهم، والدليل على ذلك ما أخرجه أبو داود، والنسائي من حديث رباح (بكسر الراء) بن
الربيع، قال: (كنّا مع رسول الله وَير في غزوة، فرأى الناس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولة،

٣٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٥٢٥ - (٢٧) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَتَّامَةً.
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نُصِيبُ فِي الْبَيَاتِ مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: ((هُمْ مِنْهُمْ)).
٤٥٢٦ - (٢٨) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ؛ أَنَّ النَِّيَّ وَّهِ قِيلَ لَهُ: لَوْ أَنَّ خَيْلاً أَغَارَتْ مِنَ اللَّيْلِ
فَأَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: ((هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ)) .
(١٠) - باب: جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها
٤٥٢٧ - (٢٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. قَالاَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ حَرَّقَ
نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ.
فقال: ما كانت هذه لتقاتل)) فدل على أن علّة عدم قتلها عدم قتالها، فإن قاتلت قتلت. وقال
مالك والأوزاعي رحمهما الله: لا يجوز قتل النساء والصبيان لم يجز رميهم، ولا تحريقهم. وما
روينا حجة عليهما، وراجع فتح الباري (٦: ١٤٧) للتفصيل.
(١٠) - باب جواز قطع أشجار الكفّار وتحريقها
٢٩ - (١٧٤٦) - قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن عمر ــ
جًا .
وحديثه هذا أخرجه البخاري في المغازي، باب حديث بني النضير، (رقم: ٤٠٣١)، وفي
الحرث والمزارعة، باب قطع الشجر والنخيل، (رقم: ٢٣٢٦)، وفي الجهاد، باب حرق الدور
والنخيل، (رقم: ٣٠٢١)، وفي التفسير، سورة الحشر، (رقم: ٤٨٨٤)، والترمذي في التفسير،
سورة الحشر، (رقم: ٣٢٩٨)، وأبو داود في الجهاد، باب في الحرق في بلاد العدو، (رقم:
٢٦١٥)، وابن ماجه في الجهاد، باب التحريق في أرض العدوّ، (رقم: ٢٨٤٤).
قوله: (حرّق نخل بني النضير) وهم قبيلة كبيرة من اليهود، وكانت قبائلهم الكبيرة في
المدينة ثلاثة: قريظة، والنضير، وقينقاع، وكانوا قد عاهدوا النبيّ وَّر على أن لا يحاربوه، ولا
يمالئوا عليه عدوّه، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم رسول الله وَّل في
شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبيّ، وكانوا
حلفاءه، فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات. ثم نقض العهد بنو النضير، وكان
رئيسهم حييّ بن أخطب، فحاصرهم، وقطع أشجارهم، وحرّق نخيلهم، حتى نزلوا على
الجلاء، فأجلاهم.

٣٧
كتاب: الجهاد والسّير
قصة غزوة بني النضير:
وأما نقض عهدهم فقد وردت فيه روايتان مختلفتان:
١. أخرج أبو داود في الخراج والإمارة (رقم: ٣٠٠٤) عن عبد الرحمن بن كعب بن
مالك، عن رجل من أصحاب رسول الله ير: أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبيّ، وإلى جميع من
كان عنده من عبدة الأوثان بالمدينة من الأوس والخزرج، ورسول الله وَلو يومئذٍ بالمدينة قبل
وقعة بدر، يقولون: إنكم آويتم الصُّباة، وإنا نقسم باللات والعزّى لتقتلنّه، أو لتخرجنّه، أو
لنسيرنّ إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح ذراريكم فلمّا بلغ ذلك عبد الله (يعني: ابن
أبيّ) وكل من كان لم يسلم من الأوس والخزرج، أجمعوا على قتال من أسلم منهم، وعلى قتال
رسول الله ◌َ في، ومن كان معه، وأجمع المسلمون منهم لقتالهم، فجاءهم رسول الله وَلقره، فقال:
قد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت قريش تكيدكم بأكثر ممّا تريدون أن تكيدوا به
أنفسكم؛ تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم. فلما سمعوا ذلك من رسول الله وَلفور تفرّقوا.
فبلغ ذلك كفّار قريش، ثم كانت وقعة بدر، فكتبت قريش إلى اليهود، إنكم أهل الحلقة
(يعني: السلاح) والحصون، فلتُقاتلنّ صاحبنا، أو ليكوننّ بيننا وبينكم أمر، فلما بلغ كتابهم
إليهم، اجتمعت بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى رسول الله وَّ ر أن اخرج إلينا في ثلاثين من
أصحابك، ويخرج منّا ثلاثون حبراً، فنلتقي بمكان منصف، فيسمعون منك، فإن صدّقوك،
وآمنوا بك، آمنًا أجمعون، فأعلمه جبريل بكيدهم، فغدا عليهم بالكتائب، فحاصرهم، فقال:
إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومهم
ذلك، ثم غدا من الغد على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه،
فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا على بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء،
فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلّت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبها)).
٢ . والرواية الثانية ذكرها جلّ أصحاب السير والمغازي، وذلك أن عمرو بن أمية الضمريّ
كان قد قتل رجلين من بني عامر، وكان بنو عامر لهما عهد وعقد من رسول الله مَّ ر، وكانوا
أيضاً حلفاء لبني النضير، فأتى رسول الله وَله بني النضير ليستعينهم في دية ذينك القتيلين،
فقالوا: نعم، يا أبا القاسم! نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض،
فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، ورسول الله وي طفو إلى جنب جدار من بيوتهم
قاعد، فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن
جحاش بن كعب أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله دولته
في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر، وعمر، وعليّ، رضوان الله عليهم، فأتى رسولَ اللهِ وَه
الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام، وخرج راجعاً إلى المدينة، فلما استلبث النبيّ وَل

٣٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ .
زَادَ قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْح فِي حَدِيثِهِمَا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ أَوْ
تَكْتُهَا قَآئِعَةً عَلَىَ أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اَللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥].
٤٥٢٨ - (٣٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرْ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي
النَّضِيرِ، وَحَرَّقَ. وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ :
حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
وَهَانَ عَلَى سَرَاةٍ بَنِي لُؤَيٍّ
وَفِي ذُلِكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِيِنَةٍ أَوْ تَرَكْشُهَا قَبِمَةٌ عَلَى أُصُولِهَا﴾ [الحشر: ٥].
الآيَةَ.
أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلاً
المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله وَ ﴿ حتى انتهوا إليه ◌َّطاهر، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود
أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله وَّله بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم. وذلك في شهر ربيع
الأول، فحاصرهم ستّ ليال، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله وَير بقطع النخيل
والتحريق فيها، فتربصوا أن ينصرهم عبد الله بن أبي ومن معه، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم
الرعب، وسألوا رسول الله وَلقر أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من
أموالهم إلا الحلقة (يعني: السلاح)، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل
منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من
سار إلى الشام.
هذا ملخص ما في سيرة ابن هشام، مع الروض الأنف للسهيلي (١ : ١٧٨).
ولا تعارض بين الروايتين، فيمكن أن يكون نقض عهدهم في كلتا الصورتين، والله أعلم.
قوله: (وهي البويرة) بضم الباء، وفتح الواو، هي موضع نخل بني النضير بين المدينة
وتيماء، يريد أن التحريق والقطع وقع بالبويرة.
قوله: (ما قطعتم من لينة) قال النووي: ((واللينة المذكورة في القرآن هي أنواع الثمر كلها
إلا العجوة، وقيل: كرام النخل، وقيل: كل النخل، وقيل: كل الأشجار للينها)) وقال السهيلي
في الروض الأنف (١: ١٧٧): ((واللينة ألوان التمر ما عدا العجوة والبرنيّ، ففي هذه الآية أن
النبيّ ◌َلو لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت للناس، وكانوا يقتاتون العجوة .... ولم يقل
((من نخلة)) على العموم، تنبيهاً على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو، إذا رجى أن
يصير إلى المسلمين، وقد كان الصديق ظه يوصي الجيوش ألاّ يقطعوا شجراً مثمراً، وأخذ
بذلك الأوزاعي، فإمّا تأولوا حديث بني النضير، وإمّا رأوه خاصاً للنبي علَلا)).

٣٩
كتاب: الجهاد والسّير
٤٥٢٩ - (٣١) وحدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ. أَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ خَالِدِ السَّكُونِيُّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ وَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ.
(١١) - باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة
٤٥٣٠ - (٣٢) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ
مَعْمَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هُذَا مَا حَدَّثَنًّا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا؛
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَهِ: ((غَزَا نَبِيِّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ:
٣٠ - ( ... ) - قوله: (وهان على سراة) هان: أي: سهل، والسّراة جمع السريّ، بمعنى
سيّد القوم والسّراة: السّادة والأشراف، والمراد من بني لؤيّ: قريش، والمستطير: المشتعل
المنتشر يعرّض حسَّان بن ثابت ه في هذا الشّعر على كفار قريش، فإنّهم حملوا بني النضير
وأثاروهم على نقض عهدهم مع النبيّ وَّر، ووعدوهم بنصرهم، فلم يفعلوا. يقول: سهل على
بني لؤيّ من القريش هذا الحريق المستطير بالبويرة الذي أشعله المسلمون على بني النّضير، فلم
يحتفلوا به، ولم ينصروهم، مع ما أثاروهم عليه من نقض العهد.
٣١ - ( ... ) - قوله: (سهل بن عثمان) بن فارس الكندي، أبو مسعود العسكري الحافظ،
نزيل الري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو الشيخ: كان كثير الفوائد، وله غرائب كثيرة، مات
(سنة: ٢٣٥)، كذا في التهذيب (٤: ٢٥٦).
قوله: (السّكوني) بفتح السين، وضم الكاف، نسبة إلى السكون، وهو بطن من كندة، كما
في الأنساب للسمعاني (٧: ١٦٤ و١٦٥)، وعقبة بن خالد هذا من ثقات أهل الكوفة، روى عنه
الجماعة، وثقه أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وابن حبان وغيرهم، مات (سنة: ١٨٨ هـ) كما في
التهذيب (٧: ٢٤٠).
(١١) - باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة
٣٢ - (١٧٤٧) - قوله: (حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في فرض الخمس،
باب قول النبيّ وَّر: أحلت لكم الغنائم، (رقم: ٣١٢٤) وفي النكاح، باب من أحب البناء قبل
الغزو (رقم: ٥١٥٧).
قوله: (غزا نبيّ من الأنبياء) وهو يوشع بن نون علّلا، والقرية التي غزاها، هي أريحا، كما
وقع التصريح بالأمرين في رواية كعب الأحبار عند الحاكم، ذكرها الحافظ في الفتح (٢٢١:٦
و٢٢٢) وسكت عليها، ثم قال: ((وقد ورد أصله من طريق مرفوعة صحيحة أخرجها أحمد من

٤٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ. وَلاَ آخَرُ قَدْ بَنَى
بُنْيَاناً، وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا. وَلاَ آخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَماً أَوْ خَلِفَاتٍ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلاَدَهَا. قَالَ:
طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الشمس لم
تحبس لبشر، إلا ليوشع بن نون، ليالي سار إلى بيت المقدس)).
قوله: (لا يتبعني) بجزم العين، على كونه نهياً، وقيل: بضمها، على أنه نفي، قاله
الكرماني.
قوله: (ملك بضم امرأة) قال الحافظ في الفتح (٦: ٢٢٢): ((بضم الموحدة، وسكون
المعجمة، البضع يطلق على الفرج، والتزويج، والجماع، والمعاني الثلاثة لائقة هنا)).
قوله: (ولمّا يبن) مضارع مجزوم من البناء، والبناء بالمرأة، الدخول عليها، أي: ولم
يدخل عليها، لكن التعبير بلما يشعر بتوقع ذلك. وفي التقييد بعدم الدخول ما يفهم أن الأمر بعد
الدخول بخلاف ذلك، فلا يخفى فرق بين الأمرين، وإن كان بعد الدخول ربما استمر تعلق
القلب، لكن ليس هو كما قبل الدخول غالباً. كذا في الفتح.
قوله: (لمّا يرفع سقفها) بضم السين والقاف، جمع السّقف وَوَهَّمَ الحافظ من ضبطه بفتح
السين، وإسكان القاف.
قوله: (أو خلفات) بفتح الخاء، وكسر اللام، جمع خلفة، وهي الحامل من النوق، وقد
يطلق على غير النوق، و((أو)) في قوله: ((غنماً، أو خلفات))، للتنويع، ويكون قد حذف وصف
الغنم بالحامل لدلالة الثاني عليه، أو هو على إطلاقه، لأن الغنم يقلّ صبرها، فيخشى عليها
الضياع، بخلاف النوق، فلا يخشى عليها إلا مع الحمل. وقد وقع في رواية أبي يعلى، عن
محمد بن العلاء: ((ولا رجل له غنم، أو بقر، أو خلفات)) كذا في فتح الباري.
قوله: (وهو ينتظر ولادها) بكسر الواو، وهو مصدر ولد ولاداً، وولادة.
والحكمة في منع هؤلاء من الغزو أن قلبهم مشغول بما ذكر. ولذلك قال النووي: ((في
هذا الحديث أن الأمور المهمة ينبغي أن لا تفوض إلا إلى أولي الحزم وفراغ البال لها، ولا
تفوض إلى متعلق القلب بغيرها، لأن ذلك يضعف عزمه، ويفوت كمال بذل وسعه فيه)).
وقال الأبيّ في شرحه (٥: ٥٨): ((الأظهر أن الحديث من باب: ((لا يقضي القاضي وهو
غضبان))، فهو من باب تنفيح المناط، وقد تقدم تقريره في ذلك الحديث، فالمعنى: لا يتبعني من
قلبه عامر بأيّ شيء كان).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه تؤيده رواية سعيد بن المسيب عند النسائي وغيره، وفيها :
((أو له حاجة في الرجوع)) ذكرها الحافظ في الفتح. ثم الظاهر أن هذا الحكم مختص بما إذا كان