Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ كتاب: الحدود زَائِدَةُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، تحریه، وتثبته، فيمدح به)). وقد سبق في باب رجم الثيب البسط في تاريخ واقعات الرجم، وأن جميعها وقعت بعد نزول سورة النور. والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه، أن عبد الله بن أبي أوفى مظ لته لم ينكر علم تاريخ جميع واقعات الرجم، وإنما نفى علم تاريخ رجم اليهوديين فقط. وذلك لما أخرجه أحمد في مسنده (٤: ٣٥٥) من طريق هشيم، عن أبي إسحاق الشيباني. قال: ((قلت لابن أبي أوفى: رجم رسول الله وَليه؟ قال: نعم، يهودياً، ويهودية، قال: قلت: بعد نزول النور، أو قبلها؟ قال: لا أدري)) وظاهره أن قوله (لا أدري) مرتبط برجم اليهوديين فقط، والله سبحانه وتعالى أعلم. حكم زنی الأمة: ٣٠ - (١٧٠٣) - قوله: (عن سعيد بن أبي سعيد) يعني المقبري كما هو مصرح في الرواية الآتية وهو بضم الباء وفتحها، والضم أشهر، وذكر الحافظ في التهذيب (٤: ٣٨) أنه نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاوراً لها. وذكر السمعاني في الأنساب (١٢: ٣٨٦) أنه نسب إلى مقبرة كان يسكن بالقرب منها، ثم ذكر عن المدائني أنه كان يحفظ مقبرة بني دينار، وكان قد بلغه أنه يبعث بها ستون ألفاً يدخلون الجنة وهو ثقة من رجال الجماعة، اختلط قبل أربع سنين من وفاته (سنة: ١١٧ أو ١٢٣ هـ). وأما أبوه فاسمه كيسان المدني، صاحب العباء، مولى أم شريك، وهو من ثقات التابعين، روى عن جمع من الصحابة، راجع له التهذيب (٨: ٤٥٣). قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري في المحاربين، باب لا يثرب على الأمة إذا زنت، (رقم: ٦٨٣٩)، وفي البيوع، باب بيع العبد الزاني، (رقم: ٢١٥٢)، وباب بيع المدبر، (رقم: ٢٢٣٤)، وفي العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق، (رقم: ٢٥٥٥) وأخرجه الآخرون مقروناً برواية زيد بن خالد. وسيأتي لفظه عند المصنف رحمه الله، وسيأتي تخريجه هناك إن شاء الله. قوله: (فتبين زناها) يعني: بالبينة فقط، وهذا عند الحنفية القائلين بأن الحدود لا يقيمها إلا الإمام. وأما عند من يجيز للسيد أن يقيم الحد على مماليكه، ويجوز إقامة الحدود بعلم القاضي، فيمكن عنده أن يتبين زناها بعلم السيد، أو رؤيته. قوله: (فليجلدها الحد) به استدل الأئمة الثلاثة على أنه يجوز للسيد أن يقيم حد الزنا على عبده، أو أمته، وفيه مذاهب: ١ - يجوز للسيد إقامة جميع الحدود على مماليكه، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وهو المروي عن جمع من الصحابة، كابن عمرو ابن مسعود وأنس بن ٤٢٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ. قَالَ: خَطَبَ عَلِيٍّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ. فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِ زَنَتْ. فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا. فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ. فَخَشِيتُ، إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا، أَنْ أَقْتُلَهَا. فَذَكَرْتُ ذُلِكَ مالك ټچئه . ٢ - يقم المولى حد الزنا فقط، دون الحدود الأخرى، وهو قول سفيان الثوري، والأوزاعي. ٣ - يقيم المولى حد الزنا، والقذف، والشرب، ولا يقيم حد السرقة والحرابة، وهو قول مالك، والليث بن سعد رحمهم الله تعالى. ٤ - لا يقم المولى شيئاً من الحدود، وإنما إقامة الحدود إلى سلطان، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين. هذا ملخص ما في عمدة القاري (١١: ١٧٢). واستدل الحنفية بما أخرجه الطحاوي عن مسلم بن يسار، قال: كان أبو عبد اللّه رجل من الصحابة يقول: ((الزكاة، والحدود، والفيء، والجمعة إلى السلطان)) ذكره الحافظ في الفتح (١٢ : ١٦٣) وسكت عن إسناده، وذلك يدل على أنه صحيح، أو حسن عنده، كما هو معروف من صنيعه . وقد أخرجه ابن حزم في المحلى (١١: ١٦٥) عن مسلم بن يسار، عن أبي عبد اللّه رجل من أصحاب النبي وَلّ، قال: ((كان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه، قال: هو عالم فخذوا منه، فسمعته يقول: الزكاة، والحدود، والفيء، والجمعة إلى السلطان)) ولم يُعَلَ ابن حزم إسناده بشيء. وقد علق مثله عن الحسن البصري، وابن محيريز رحمهما الله تعالى، ووصل آثارهما ابن أبي شيبة في مصنفه (٩: ٥٥٣ و٥٥٤، رقم: ٨٤٨٧ و٨٤٨٨)، وأسند أيضاً عن عطاء الخراساني، قال: إلى السلطان الزكاة والجمعة والحدود)). وللحنفية أيضاً ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٣٩٨، رقم: ١٣٦٢٣) عن صالح بن كريز: ((أنه جاء بجارية زنت إلى الحكم بن أيوب، قال: فبينا أنا جالس إذ جاء أنس بن مالك، فجلس، فقال: يا صالح! ما هذه الجارية معك؟ قال: قلت جارية لي بغت، فأردت أن أدفعها إلى الإمام ليقم عليها الحد، فقال: لا تفعل، رد جاريتك، واتق الله، واستر عليها، قال: ما أنا بفاعل حتى أدفعها، قال له أنس: لا تفعل، وأطعني، قال صالح: فلم يزل يراجعني حتى قلت: له: أردها على أنه ما كان على فيها من ذنب، فأنت ضامن، قال: فقال أنس: نعم، قال: فردها)) ولكن في إسناده رجل لم يسم(١). ثم إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿الَِّيَةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةً جَلْدَةٍ﴾ [سورة النور، الآية: ٢] والخطاب ههنا للأئمة بالإجماع فليكن قوله تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُعْصَنَتِ مِنَ ٤٢٣ كتاب: الحدود لِلنَّبِّ وَهِ. فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ)). ٤٤٢٦ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ؛ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ((اتْرُكُهَا حَتَّى تَمَاثَلَ)). (٨) - باب: حدّ الخمر ٤٤٢٧ - (٣٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّ ◌ُنِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ. فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ، نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ . اَلْعَذَابِ﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٥] متجهاً إلى الأئمة أيضاً، ولأن في تفويض الحدود إلى غير الإمام فوضوية ظاهرة، ولا يؤمن على سادات العبيد من أن يجاوزوا الحد المشروع في العقوبات، ويغمضوا عن الشروط القاسية التي فرضتها الشريعة لإقامة الحدود. وإن هناك أحكاماً لإقامة الحدود لا تتأتى إلا إذ أقامها الإمام. قال شيخنا العثماني التهانوي رحمه الله في إعلاء السنن (١١ : ١٨٥): ((ويدل على ذلك أيضاً أنه لو جاز لمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، ثم يرجع الشهود عن شهادتهم، أن يكون له تضمين الشهود. ومعلوم أن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة، لأنه لو لم يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئاً، فكان يصير حاكماً لنفسه بإيجاب الضمان عليهم. وذلك لا يجوز. ولو لم يكن له تضمين الشهود كان هو والأجنبي سواء، ولا بد لذلك من دليل، فإن من له إقامة الحد يكون له تضمين الشهود أيضاً إذا رجعوا عن شهادتهم» . وأما حديث الباب فليس نصاً في أن المولى هو الذي يقيم عليها الحد. بل يحتمل أن يكون المراد من الجلد رفعها إلى السلطان ليجلدها، ومثل هذا المجاز في نسبة الفعل إلى المسبب سائغ شائع، فيكون هو المتعين نظراً إلى ما أسلفنا من الدلائل ومثل ذلك يقال في قوله عليه الصلاة والسلام: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)) والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (ولا يثرب عليها) التثريب: التعنيف، والتوبيخ، والملامة، وقد ورد عند النسائي: ((لا يعنفها))، وعند عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٣٩٢): ((ولا يعيرها ولا يفندها)) وكل ذلك يفسر التثريب. ويحتمل هذا النهي أمرين: ٤٢٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ. الأول: أن الأمة إذا جلدت الحد، فقد قضت ما عليها في الدنيا، فلا ينبغي للسيد أن يؤبخها بعد ذلك على ما ارتكبت من الفاحشة. وهذا لا ينافي جواز توبيخها قبل إقامة الحد على ما قالوا، وراجع فتح الباري (١٢ : ١٩١). والثاني: المراد أن المولى لا ينبغي له أن يكتفي بالتثريب والملامة، وأن لا يرفعها إلى الإمام لإقامة الحد. وذلك أن زنا الإماء لم يكن عند العرب مكروهاً، ولا منكراً، كما في مجمع البحار (ص: ٥٣) فأمرهم بأن يحدوها بالزنا كما يحد به الأحرار. قوله: (فليبعها) هذا الأمر للندب عند الجمهور، خلافاً لأبي ثور وداود الظاهري، فإنهما يحملانه على الوجوب. وبه استدل الحافظ في الفتح (١٢ : ١٦٤) على أن المأمور به استحباباً يجوز عطفه على المأمو به وجوباً، لأن إقامة الحد واجب، بخلاف البيع. ثم قد يستشكل الأمر ببيع الجارية الزانية بأن كل مؤمن مأمور بأن يحب لأخيه ما يجب لنفسه، فكيف أمر بأن يبيعها إلى آخر، فإنه يتضرر بها، كما تضرر بها البائع وأجاب عنه النووي والحافظ بأن السبب الذي باعه لأجله ليس محقق الوقوع عند المشتري، لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج، فإن الإخراج من الوطن المألوف شاق، ولجواز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه، أو بغيره، وقال ابن العربي: يرجى عند تبديل المحل تبديل الحال، ومن المعلوم أن المجاورة تأثيراً في الطاعة وفي المعصية. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إذا تكرر زنا الجارية عند البائع، فإن ذلك دليل على أنه لا يحسن القيام بها، والإشراف عليها، وظاهر أن هذا الأمر بالبيع مقيد بأن يخبر المشتري بتكرر زناها، لأن ذلك عيب، وبيع المعيب بغير التنبيه عليه لا يجوز بالنص، فيأخذها المشتري حين يأخذها على بصيرة منه بعد ما تيقن بأنه يستطيع أن يشرف عليها أحسن مما أشرف عليها البائع، وحينئذ لا يكون البيع إليه إيقاعه في مكروه لا يرضاه المشتري لنفسه، وإنما يكون تسليماً للمبيع إلى من يقوم به أحسن قيام، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣١ - (٠٠٠) - قوله: (البرساني) بضم الباء، وسكون الراء، نسبة إلى بني برسان، وهو (١) كذا في النسخة الموجودة من شرح معاني الآثار، وذكره السيوطي في الجامع الصغير (رقم ٨٧٧٠) بلفظ (بصقة)) بالصاد، وكذا الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٩/٦، وفسره المناوي في فيض القدير ١٥٨/٦ بقوله: ((أي شيئاً قليلاً بقدر ما يخرج من الفم من البصاق)). (٢) لعله تردد من أجل عبد الرحمن بن صخر الإفريقي، وجميل بن كريب، ومن أجلهما حكم ابن حزم على هذا الحديث بالوضع. لكن ذكر الحافظ في لسان الميزان ١٣٥/٢ أنه تصحف عليه اسم جميل، فقال: جميل = ٤٢٥ كتاب: الحدود بطن من الأزد، كما في الأنساب للسمعاني (٢: ١٦٢)، وهو ثقة من رواة الجماعة، وكان ظريفاً صاحب أدب، وقد يكون من أجل هذا قال ابن عمار الموصلي: لم يكن صاحب حديث، تركناه لم نسمع منه، ولكن وثقه الكثيرون، مات سنة ثلاث ومائتين، وراجع التهذيب (٩: ٧٨). قوله: (كلاهما عن أيوب بن موسى) يعني: أن ابن عيينة، وهشام بن حسان كلاهما رویاه عن أيوب. قوله: (كل هؤلاء عن سعيد المقبري) يعني أن أيوب بن موسى، وعبيد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمد بن إسحاق، كلهم رووه عن سعيد المقبري. قوله: (عن أبي هريرة) وفي الرواية الآتية: عن أبي هريرة وزيد بن خالد، ولفظ هذه الرواية يختلف قليلاً عن الرواية السابقة، ويمثل هذا اللفظ أخرجه البخاري في المحاربين، باب إذا زنت الأمة، (رقم: ٦٨٣٨)، وفي البيوع، باب بيع المدبر، (رقم: ٢٢٣٣)، والترمذي في الحدود، باب ما جاء في إقامة الحد على الإماء، (رقم: ١٤٤٠)، وأبو داود في الحدود، باب في الأمة تزني ولم تحصن، (رقم: ٤٤٦٩ إلى ٤٤٧١)، وابن ماجه في الحدود، باب إقامة الحدود على الإماء، (رقم: ٢٥٦٥). ٣٢ - (٠٠٠) - قوله: (ولو بضفير) يعني: بحبل مضفور، وأصل الضفر نسج الشعر، وإدخال بعضه في بعض، ومنه ضفائر الشعر والرأس. وقال ابن العربي: ((المراد من الحديث الإسراع بالبيع، وإمضاؤه، ولا يتربص طلب الراغب في الزيادة، وليس المراد بيعه بقيمة الحبل حقيقة)) حكاه الحافظ في الفتح (١٢ : ١٦٤). ثم في الحديث إشارة إلى أن البائع يلزمه بيان العيب في المبيع، ولأن الثمن إنما ينقص بعدما يعلم المشتري بعيب زنا الجارية. بن جرير، وإنما هو جميل بن كريب وهو المعافري من أهل إفريقية، ذكره ابن يونس في تاريخ مصر، وأثنى على سيرته في القضاء. وأما عبد الرحمن بن صخر الإفريقي، فقد ذكر الحافظ في اللسان ١٩/٣، عن ابن يونس أنه روى عنه تمام بن يوسف الصنعاني لقيه بمكة، وروى عنه ابن عفير، ومعارك النصري. والحديث أخرجه الطبراني أيضاً، كما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٩/٦، ولم يعله إلا بأنه لم يعرف حميد بن كريب، وتصحف عليه هذا الاسم أيضاً وذكر: ((حميد)) بدل ((جميل)). وكذلك عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى الطبراني، وقد رمز عليه بالحسن، والله سبحانه أعلم. ٤٢٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٠٠٠) - قوله: (والشك في حديثهما جميعاً في بيعها في الثالثة، أو الرابعة) وقد وردت الروايات بكلا الطريقين، فوقع في حديث أبي صالح عند الترمذي: ((فليجلدها ثلاثاً، فإن عادت، فليبعها))، وظاهره أنه يبيعها في الرابعة، وقد تقدم في أول الباب حديث سعيد المقبري: (ثم إن زنت الثالثة، فتبين زناها، فليبعها)) وظاهره أنه يبيعها في الثالثة. قال الحافظ: ((ومحصل الاختلاف: هل يجلدها في الرابعة قبل البيع، أو يبيعها بلا جلد؟ والراجح الأول، ويكون سكوت من سكت عنه للعلم بأن الجلد لا يترك، ولا يقوم البيع مقامه: ويمكن الجمع بأن البيع يقع بعد المرة الثالثة في الجلد، لأنه المحقق، فيلغي الشك، والاعتماد على الثلاث في كثير من الأمور المشروعة)). راجع فتح الباري (١٢: ١٦٤). (٧) - باب: تأخير الحد عن النفساء ٣٤ - (١٧٠٥) - قوله: (المقدمي) بضم الميم، وفتح الدال المشددة، وقد مر في باب نذر الكافر. قوله: (سليمان أبو داود) يعني: الطيالسي، صاحب المسند، وهو سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري الحافظ، قال الفلاس: ((ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود، سمعته يقول: أسردُ ثلاثين ألف حديث، ولا فخر)) وعن وكيع، قال: ((أبو داود جبل العلم))، ولكن ذكر عدة من العلماء أنه كان يخطىء كثيراً، ومن أجل ذلك لم يخرج البخاري حديثه، ولكنه كنى عنه في حديث أخرجه في تفسير سورة المدثر، فقال: ((حدثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، وغيره، قالا: ثنا حرب بن شداد إلخ)) والمكنى عنه في هذا الحديث هو أبو داود الطيالسي. وراجع التهذيب (٤: ١٨٦). قوله: (عن السدي) بضم السين، هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي، المفسر المشهور، وهو منسوب إلى سدة باب جامع الكوفة، والسدة هي الطاق الذي يبقى بعد سد باب أو نافذة، وكان السدي هذا يبيع المقانع والخمر بسدة جامع الكوفة، كما في الأنساب للسمعاني (٧: ١٠٩). والكلام في إسماعيل السدي معروف، وثقه أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي والعجلي وقال القطان: لا بأس به، ما سمعت أحداً يذكره إلا بخير، وما تركه أحد. وقال النسائي في الكنى: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات (٤: ٢٠) وقال: مات (سنة: ١٢٧ هـ) (١) وقد حكى الحافظ في الفتح ٧٢/١٢ عن القرطبي قريباً من هذا، حيث قال: لم يكن أولاً في شرب الخمر حد، ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شرع الحد، ولم يطلع أكثر هم على تعيينه صريحاً . ٤٢٧ كتاب: الحدود في أمارة ابن هبيرة. ولكن رماه كثيرون بالتشيع، والكذب، فقال الجوزجاني: كذاب شتام، وقيل للشعبي: إنه أعطي حظاً من القرآن، فقال قد أعطى حظاً من جهل بالقرآن، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقال حسين بن واقد: سمعت من السدي، فأقمت حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر، فلم أعد إليه، وقال العقيلي: ضعيف، وكان يتناول الشيخين. كذا في تهذب التهذيب (١: ٣١١ و٣١٢). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما تشيعه فقد ذكره غير واحد من العلماء، وهو مذكور في كتب رجال الشيعة، فذكره الممقاني الشيعي في تنقيح المقال (٢: ١٣٧)، وذكر أنه معدود تارة من أصحاب السجاد، ومرة من أصحاب الباقر، وأخرى من أصحاب الصادق، ثم حكى عن تقريب الحافظ أنه صدوق، وقال: ((وصف ابن حجر إياه بكونه صدوقاً مع اعترافه بالتشيع كاف في ذلك، لأن الفضل ما شهدت به الأعداء ... والمتحصل من ذلك كله كون الرجل من الحسان)). ولكن المتشيع مثله يقبل روايته ما لم يكن داعية، أو كانت الرواية مما يقوي بدعته، كما تقرر في أصول الحديث. فأما صدقه في الرواية فاعترف به غير واحد، وقال ابن عدي في كامله (١: ٢٧٦) بعد حكاية أقوال العلماء فيه: ((والسدي له أحاديث يرويها عن عدة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق لا بأس به)). وإن الإمام البخاري رحمه الله وإن لم يخرج حديث في صحيحه، ولكنه ذكره في التاريخ الكبير (١: ٣٦١، رقم: ١١٤٥) ولم يذكر فيه جرحا، وإنما ذكر قول ابن أبي خالد: ((السدي أعلم بالقرآن من الشعبي))، ثم ذكر قول يحيى القطان: ((ما رأيت أحداً يذكر السدي إلا بخير، وما تركه أحد)) ولم يعقبه بشيء. ثم قد ثبت أن السدي قد روى عنه شعبة، وهو متعنت في الرجال، لا يروي إلا عن ثقة. وقال الحاكم في المدخل في باب الرواة الذين عيب على مسلم إخراج حديثهم: ((تعديل عبد الرحمن بن مهدي أقوى عند مسلم ممن جرحه بجرح غير مفسر)) كما في التهذيب (١ : ٣١٤) . قوله: (عن أبي عبد الرحمن) يعني السلمي، بضم السين، وفتح اللام، نسبة إلى بني سليم، قبيلة معروفة، كما في أنساب السمعاني (٧: ١٨١)، وهو مقرىء الكوفة وعالمها من أجلة التابعين، واسمه عبد الله بن حبيب، روى عنه إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، وعلقمة، وغيرهم. ويشاركه في الكنية والنسبة أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي صاحب ((طبقات الصوفية)) المتوفى (سنة: ٤١٢ هـ). ٤٢٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قوله: (خطب علي) هذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذي في الحدود، باب ما جاء في إقامة الحد على الإماء، (رقم: ١٤٤١)، وأبو داود في الحدود، باب في إقامة حد المريض (رقم: ٤٤٧٣). قوله: (من أحصن منهم، ومن لم يحصن) ولعل علياً رَؤُّه صرح بهذا دفعاً لما يتوهم من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٥] أن حد الإماء مقصور على من أحصنت منهن فذكر أن ذلك ليس مراد، وإنما يقام الحد على الإماء. سواء كانت متزوجات أو لا . وأما قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٥] فالذي يبدو أن الله سبحانه وتعالى إنما خص المتزوجات بالذكر لبيان أنه لا فرق في مقدار الحد بين المتزوجات من الإماء وغير المتزوجات منهن، فإنه كان يتوهم أن عقوبة المتزوجات منهن تغلظ، كما تغلظ عقوبة الحرائر،، فذكر أنها لا تغلظ فيهن، وإنما يعاقبن بنصف ما على الحرائر من العذاب في كلتا الصورتين. وإن عذاب الحرائر الذي يمكن تنصيفه هو الجلد، فيضربن خمسين جلدة، سواء كانت متزوجات أو لا، والله سبحانه أعلم. قوله: (فإن أمة لرسول الله (*) لم أقف على اسمها، والظاهر أنها لم تكن جارية للنبي وَله، وإنما كانت جارية لبعض أهله وَالر، وذلك لما أخرجه أبو داود بلفظ: ((فجرت جارية لآل رسول الله (وَ ل﴿)). ويستبعد من جواري النبي وقبل أن يقع منهن مثل ذلك. وكانت الرسول وَله أربع جوار: مارية القبطية، وريحانة، وجميلة، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش، وذكر بعضهم فيهن ربيحة القرظية، وراجع عيون الأثر لابن سيد الناس (ص: ٣١١). قوله: (أحسنت) فيه أن الحد لا يقام على من يخاف عليه الموت بإقامته. (٠٠٠) - قوله: (حتى تماثل) أصله: (تتماثل) بتائين، فحذفت إحداهما تخفيفاً، والمعنى حتى تصح، وتبرأ . (٨) - باب: حد الخمر ٣٥ - (١٧٠٦) - قوله: (عن أنس بن مالك) أخرجه البخاري في الحدود، باب ما جاء في ضرب شارب الخمر، (رقم: ٦٦٧٣)، وباب الضرب بالجريد والنعال، (رقم: ٦٧٧٦)، والترمذي في الحدود، باب ما جاء في حد السكران، (رقم: ١٣٤٣)، وأبو داود في الحدود، باب الحد في الخمر، (رقم: ٤٤٧٩)، وابن ماجه في الحدود، باب حد السكران، (رقم: ٢٥٧٠). قوله: (أتي برجل قد شرب الخمر) لم أقف على اسمه في شيء من روايات أنس رضيُه، ٤٢٩ كتاب: الحدود ومال الحافظ في الفتح (١٢ : ٦٤) إلى أنه النعيمان، الذي أخرج البخاري قصته (في باب من به . أمر بضرب الحد في البيت، (رقم: ٦٧٧٤) عن عقبة بن الحارث قوله: (فجلده بجريدتين أربعين) الجريد والجريدة: غصن النخل جرد عنه الورق. وبه استدل الحنفية على أن حد الخمر ثمانون جلدة، لأن أربعين ضرباً من جريدتين تبلغ ثمانين، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. قوله: (فقال عبد الرحمن) يعني: ابن عوف ◌ُّه . قوله: (أخف الحدود ثمانين) كذا في أكثر الروايات، وهو مخالف للقياس النحوي، وكان ينبغي أن يكون: ((أخف الحدود ثمانون)) على أنه مبتدأ وخبر. فمن العلماء من أوله بتقدير ((اجعله ثمانين))، ومنهم من نسب فيه الوهم إلى الراوي، وبسط فيه الحافظ الكلام على الوجهين. والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه: أن مثل ذلك ربما يتسامح عنه في الكلام الجاري على طريق العامة، والعامة ربما لا يبالون في كلامهم بوجوه الإعراب، ولا سيما في الأعداد، فيحتمل أن يكون جرى ذلك على لسان عبد الرحمن بن عوف ظُه من هذا الوجه، فحكاه الراوي كما سمعه، والله سبحانه أعلم. قوله: (فأمر به عمر) يعني: جعل حد الخمر ثمانين جلدة. وههنا مسائل: ١ - مقدار حد الشارب: اختلف الفقهاء في مقدار حد الشارب فقال أبو حنيفة، والثوري رحمهم الله تعالى: حده ثمانون جلدة، وهو مذهب المالكية كما في الكافي لابن عبد البر (٢: ١٠٢)، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، جزم بها الخرقي، وصاحب المقنع، وغيره، وقال المرداوي في الإنصاف (١٠: ٢٢٩): ((هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب)) وهو قول الأوزاعي وإسحاق، والحسن بن حي، وعبيد الله بن حسن، والشعبي، والحسن البصري رحمهم الله كما في عمدة القاري (١١: ١٢٥)، وهو أحد قولي الشافعي، واختاره ابن المنذر، كما في فيض القدير للمناوي (٦: ١٥٨). وقال الشافعي رحمه الله: حده أربعون جلدة، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر وغيره كما في المغني لابن قدامة (١٠: ٣٢٩). استدل الشافعي رحمه الله بفعل النبي ◌ّ﴾ في حديث الباب وغيره، أنه ضرب الشارب (١) وقد أخطأ الأستاذ المرحوم عبد القادر عوده في ((التشريع الجنائي الإسلامي)) ص ٤٩٨ ج ٢ حيث ذكر أن هذه الأشربة الثلاثة أيضاً تسمى خمراً عند أبي حنيفة رحمه الله، فليتنبه. ٤٣٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٤٢٨ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ؛ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ بِرَجُلٍ : فَذَكَّرَ نَحْوَهُ. ٤٤٢٩ - (٣٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أربعين، وكذلك روي عن أبي بكر الصديق، وعلي ـا . واستدل الحنفية بما يأتي: ١ - عن عبد الله بن عمرو أن النبي و للر قال: ((من شرب بسقة(١) خمر فاجلدوه ثمانين)) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ٧٧)، وتردد في ثبوته إسناداً (٢)، وقال: ((فإن كان ذلك ثابتاً، فقد ثبت به الثمانون، وإن لم يكن ثابتاً فقد ثبت عن أصحاب رسول الله وَالّ ما قد تقدم إلخ)). ٢ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٣٧٩، رقم: ١٣٥٤) عن الحسن مرسلاً ((أن النبي ◌ُّ ضرب في الخمر ثمانين)) رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عوف أو غيره عن الحسن . ٣ - وأخرج عبد الرزاق أيضاً، عن ابن عيينة، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: ((هَمَّ عمر بن الخطاب أن يكتب في المصحف أن رسول الله وَ ر ضرب الخمر ثمانين)). ٤ - دل حديث أنس في الباب أن النبي ◌ّ # جلد أربعين بجريدتين، فصارت ثمانين. وأصرح منه ما أخرجه الإمام محمد في كتاب الآثار من طريق أبي حنيفة، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، يرفع الحديث إلى النبي وَله: «أنه أتي بسكران، فأمرهم أن يضربوه بنعالهم، وهم يومئذ أربعون رجلاً، فضربه كل واحد بنعليه)) كما في جامع المسانيد للخوارزمي (٢: ١٨٦) والكلام في عبد الكريم بن أبي المخارق معروف، وأن مالكاً رحمه الله أخرج حديثه في الموطأ وعاب عليه بعض العلماء ذلك. ويعارضه ما أخرجه عبد الرزاق (٧: ٣٧٦) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، قال: «أتي النبي ◌َّه برجل شرب الخمر، فأمر النبي وَل* من كان عنده، فضرب كل واحد منهم ضربتين بنعله، أو سوطه، أو ما كان في يده، وهم حينئذ عشرون رجلاً أو قريبه)). ومثله ما أخرجه أحمد، والبيهقي، عن همام، عن قتادة بلفظ: ((فأمر قَريباً من عشرين رجلاً فجلده كل رجل جلدتين بالجريد والنعال)) ذكره الحافظ في الفتح ١٢ : ٦٤ وسكت عليه. يحتمل أن يكون هذا حين لم يكن في حد شارب الخمر شيء معين، وتعينت ثمانون جلدة بعد ذلك، ويدل عليه قوله: ((قريباً من عشرين رجلاً)) و((عشرون رجلاً أو قريبه))، لأنه لو كان ٤٣١ كتاب: الحدود قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَيهِ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجِرِيدِ وَالنِّعَالِ. ثُمَّ جِلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَىُ، قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ. قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِینَ . ٤٤٣٠ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٤٣١ - (٣٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا. وَلَمْ يَذْكُرٍ: الرِّيفَ وَالْقُرَى. ٤٤٣٢ - (٣٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةً) عَنِ ابْنٍ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى ابْنِ عَامِرِ الدَّانَاجِ. حَدَّثَنَا العدد معيناً لما احتاج الراوي إلى التقريب. ٥ - ثبت بحديث الباب، وبأحاديث أخرى أن عمر بنظ له استشار فيه الصحابة، فآل الأمر إلى ثمانين جلدة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فصار إجماعاً منهم على ذلك. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: يمكن أن يقال من قبل الحنفية أنه لم يكن في(١) ابتداء عهد رسول الله ◌َّل عدد مقدر في ضرب الشارب، فكانوا يضربونه بالعصي، والثياب، والنعال، وجرائد النخل دون اعتبار عدد معين من الضربات، ثم تعينت ثمانون جلدة، فربما حصل هذا العدد بضرب النعلين أربعين، كما في حديث الباب، وربما حصل بضرب السوط ثمانين كما في حديث عبد الله بن عمرو، ومراسيل الحسن، وقد خفي هذا الأخير على كثير من الصحابة، فاستمر عمل أبي بكر الصديق به على الأول، فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٣٧٩) عن أبي سعيد الخدري رضيبه أن أبا بكر الصديق رضيُه ضرب في الخمر بالنعلين أربعين. فلعل الصحابة ◌ّ اشتبه عليهم العدد المقصود من ذلك، هل هو أربعون جلدة؟ أو ثمانون بالنظر إلى كون الآلة اثنين؟ فتشاوروا في ذلك فأشار عليهم عبد الرحمن ابن عوف، وعلي ◌ًّا بأن المقصود ثمانون ضرباً، لمشاكلته لحد القذف الذي هو أخف الحدود، ولأن شرب الخمر ربما يؤدي إلى الهذيان والقذف. فاستقر الأمر على ذلك. ويتأيد ما قلنا بما سيأتي في حديث أبي ساسان عند المصنف أنه لما جلد الوليد بن ٤٣٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ، أَبُو سَاسَانَ. قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ، قَدْ صَلَّى الصُبْحَ رَكْعَتَيْنٍ. ثُمَّ قَالَ: عقبةَ نظُه، وعليّ ◌َظُه يعد، حتى أبلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: ((جَلدَ النبي ◌ِّ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذه أحب إلي)). ولكن أخرج البخاري في مناقب عثمان (رقم: ٣٦٩٦) في هذه القصة بعينها أنه جلده ثمانين. وأخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ٧٦) عن محمد بن علي: ((أن علياً جلد الوليد أربعين بسوط له طرفان)) فلم يكن يريد علي رظله في حديث أبي ساسن إلا أن كلا الطريقين سنة، إما أن يضرب ثمانين بسوط واحد، أو يضرب أربعين بنعلين، أو سوط له طرفان، لا أن يضرب أربعين بسوط واحد. ويدل على ذلك ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٣٨٢) والبيهقي في سننه (٨: ٣٢١) عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه: ((أن علياً ضرب النجاشي الحارثي الشاعر شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم حبسه، فأخرجه الغد، فضربه عشرين، ثم قال له: إنما جلدتك هذه العشرين لجرأتك على الله، وإفطارك في رمضان)). وأخرج عبد الرزاق أيضاً عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: ((أتي عمر بشيخ شرب الخمر في رمضان، فقال: للمنخرين، للمنخرين، وولد إننا صيام؟ قال: فضربه ثمانين، ثم سيره إلى الشام)) وهذه الواقعة غير الواقعة الأولى، لأنه عزر الجاني ههنا بتغريبه إلى الشام، دون عشرين جلدة . ففي كل من هاتين الواقعتين جلد علي وعمر ها ثمانين جلدة، فالظاهر أنه كان لا يخالف عمر في عدد الثمانين حين يقول: ((وكل سنة))، وإنما يقصد أن كلا الطريقين للوصول إلى عدد الثمانين سنة. والله سبحانه وتعالى أعلم. واختار الطحاوي رحمه الله في شرح معاني الآثار والقرطبي في المفهم، والمأزري في شرحه (كما حكى عنهما الأبي في شرحه (٤: ٤٧١). أن شرب الخمر لم يكن فيه حد مقدر من قبل النبي وَّر، وإنما ثبت بإجماع الصحابة، وإن إجماع الصحابة حجة مستقلة. ٢ - ضرب الشارب حد، أو تعزير: واختلف الفقهاء في ضرب الشارب، هل هو حد، أو تعزير، فجمهور العلماء على أنه حد، ولكن حكى الطبري وابن المنذر عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حَدَّ فيها، وإنما فيها التعزير، كما في فتح الباري (١٢: ٧٢) وإليه ذهب الطحاوي في مشكل الآثار (٣: ١٧٠) (باب مشكل ما روى من قوله ظلّلا: لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله)، فقال بعد سرد الأحاديث الواردة في الباب: ((لم يكن في الخمر من زمن النبي ◌َّ حد معلوم، ولا من ٤٣٣ كتاب: الحدود أَزِيدُكُمْ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلاَنٍ، أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ؛ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ. وَشَهِدَ آخَرُ؛ أَنَّهُ رَآهُ بعده، كان من أصحابه فيمن كان منهم فيه، وإذا كان الذي من رسول الله وَّل في ذلك لم يكن حداً، كان تعزيراً)). واستدل هؤلاء بالأحاديث المعروفة التي ورد فيها أن رسول الله وتلهو ضرب الشاربين دون تقدير في ذلك، بل وقد ورد أنه وي * تجاوز عن الشارب رأساً، فلم يضربه شيئاً. وذلك كما أخرج أبو داود في سننه (رقم: ٤٤٧٦) عن ابن عباس: ((أن رسول الله وَّر لم يفت في الخمر حداً، وقال ابن عباس: شرب رجل، فسكر، فلقي يميل في الفج، فانطلق به إلى النبي وَّ، فلما حاذى بدار العباس انفلت، فدخل على العباس، فالتزمه، فذكر ذلك للنبي وَطِّ، فضحك، وقال: أفعلها؟ ولم يأمر فيه بشيء)). وكما أخرج البيهقي في سننه (٨: ٣١٥) عن ابن عباس، قال: ((ما ضرب رسول الله وَل في الخمر إلا أخيراً، لقد غزا غزوة تبوك، فغشي حجرته من الليل أبو علقمة بن الأعور السلمي، وهو سكران، حتى قطع بعض عرى الحجرة، فقال: من هذا، فقيل: أبو علقمة سكران، فقال رسول الله ﴾﴾ لیقم إلیه رجل منكم، فليأخذ بيده، حتی یرده إلى رحله)). ولكن يحتمل أن تكون هاتان الواقعتان قبل أن ينزل الحد في الخمر، كما يدل عليه قول ابن عباس: ((ما ضرب رسول الله وَله إلا أخيراً)). ويحتمل أيضاً أنه وليه تركه لأنه ما ثبت عليه شرب الخمر بشهادة شرعية، وإنما وجد الرجل سكران، وهذا ليس فيه حد حتى يثبت شربه ببينة، أو إقرار. وإن أقوى ما استدل به الطحاوي رحمه الله ما سيأتي عند المصنف من قول علي بن أبي طالب ظُه: ((ما كنت أقيم على أحد حداً، فيموت فيه، فأجد منه في نفسي. إلا صاحب الخمر، لأنه إن مات وديته، لأن رسول الله وَي﴿ لم يسنه))، وأخرجه الطحاوي في مشكله (٣: ١٦٧) بلفظ: ((من شرب الخمر، فجلدناه، فمات، وديناه، لأنه شيء صنعناه)). ولكن يحتمل هذا الأثر أن يؤول على طريق الشافعية بأن الحدّ كان أربعين جلدة، وزاد عليه الصحابة أربعين باجتهادهم تعزيراً، فقول عَليَّ هذا متعلق بهذا القدر الزائد، لا بأصل الأربعين، وأما على طريق الحنفية فيمكن أن يؤول بما قلنا في المبحث السابق أن الذي ثبت عند أكثر الصحابة أن رسول الله و هو ضرب الشارب بنعلين أربعين، فأولوه في عهد عمر مظ له بأن المقصود منه ثمانون، نظراً إلى تثنية الآلة، فضربوا الشارب بعد ذلك ثمانين بسوط واحد، فقول علي ظُه متعلق بخصوص هذا الطريق، لا بأصل عدد الثمانين، فكأنه يريد أن الثابت من رسول الله والله بلوغ الثمانين بضرب النعلين أربعين مرة، وقسنا نحن على ذلك بلوغ الثمانين بضرب سوط واحد ثمانين مرة. وهذا شيء فعلناه بالقياس. لا أن أصل العدد غير ثابت من النبي گۆ. ٤٣٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وربما يستدل على كون عقوبة الخمر تعزيراً بقصة أبي محجن الثقفي في القادسية، فإنه تركه سعد بن أبي وقاص ربه بعد ما كان موثقاً في القيود من أجل الخمر، فقال: ((لا نجلدك في الخمر أبداً» فتاب أبو محجن بعد ذلك، كما في مصنف عبد الرزاق (٩: ٢٤٣ و٢٤٤). ويمكن أن يجاب عنه أنه لم يثبت عليه في هذه المرة ما يوجب الحد بطريق شرعي. فكان موثقاً للتعزير فقط، فلما رأى سعد رَبُبه فيه صلاحاً تركه لأن التعزير ربما يسامح عنه، والله سبحانه أعلم. ٣ - قدر الشرب الموجب للحد: ثم اختلف الفقهاء في قدر الشرب الموجب للحد، فذهب الأئمة الثلاثة والإمام محمد رحمهم الله تعالى إلى أن شرب كل مسكر موجب للحد، سواء شرب الرجل منه قليلاً. أو كثيراً، وسواء سكر منه أولاً، فيحد الرجل بشرب قطرة من أحد الأشربة المسكرة، وهو قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والأوزاعي كما في المغني لابن قدامة (١٠: ٣٢٨). وأما أبو حنيفة، وأبو يوسف، رحمهما الله تعالى فالحكم يختلف عندهم باختلاف الأشربة، والأشربة عندهما على ثلاثة أقسام: (١) الخمر، وهي النيء من ماء العنب إذا اشتد، وغلا، وقذف بالزبد، (ولا يشترط أبو يوسف قذف الزبد، ويكتفي بالشدة والغليان). فحكم هذا القسم فقط أنه يحرم قليله وكثيره، ويجب الحد بشربه مطلقاً، سواء كان القدر المشروب قليلاً، أو كثيراً، وسواء أسكر أو لا. ففي هذا القسم فقط يتفق أبو حنيفة وأبو يوسف مع الجمهور. (٢) الأشربة الثلاثة المحرمة الأخرى(١)، وهي: (أ) الطلاء، وهو عصير العنب إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه. (ب) نقيع التمر، المسمى بالسكر، وهو النيء من ماء التمر. (ج) نقيع الزبيب، يعني هو الماء النيء الذي ألقى فيه الزبيب أياماً حتى اشتد وغلاً. وحكمها أنها يحرم شربها مطلقاً، سواء كان القدر المشروب قليلاً أو كثيراً، ولكن لا يجب الحد على شاربها حتى يسكر، فإن أسكر منها وجب عليه الحد. كما في كتاب الأشربة من الهداية، وفتح القدير (٨: ١٥٩ و١٦٠). (٣) الأنبذة والأشربة الأخرى غير الأربعة السابقة، مثل نبيذ التمر أو الزبيب المطبوخ أدنى طبخة، أو عصير العنب المطبوخ الذي ذهب ثلثاه، وكذلك نبيذ العسل، والتين، والحنطة، ٤٣٥ كتاب: الحدود يَتَقَيَّأُ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأُ حَتَّى شَرِبَهَا. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ عَلِيٍّ: والشعير، والحبوب الأخرى. وحكم هذا القسم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، رحمهما الله أنه لا يحرم شرب القليل منها إذا شربه الرجل بقصد التقوي، أو التداوي، من غير أن يقصد منه لهواً، أو طرباً، وإنما يحرم منها القدح المسكر. وهل يحد من سكر منه؟ فيه عن الشيخين روايتان، الأولى أنه لا يحد شاربه، وإن سكر، فيقول صاحب الهداية في كتاب الأشربة: ((ما يتخذ من الحنطة والشعير والعسل والذرة حلال عند أبي حنيفة، ولا يحد شاربه عنده، وإن سكر منه)). راجع فتح القدير (٨: ١٦٠). والرواية الثانية عنهما: أنه يحد من سكر من هذه الأشربة أيضاً، وهي الرواية التي ذكرها صاحب الهداية بعد ذلك بنحو صفحة، فقال: ((وهل يحد في المتخذ من الحبوب إذا سكر منه؟ قيل: لا يحد، وقد ذكرنا الوجه من قبل، قالوا: والأصح أنه يحد)) وهذه الرواية رجحها ابن الهمام أيضاً في كتاب الحدود من فتح القدير (٤: ١٨٤)، وهي التي أفتى بها مشايخ الحنفية، ورجحها ابن عابدين في رد المحتار (٣: ٢٢٥) تحت قول الدر المختار ((أو سكر من نبیذ ما)). وليس تصحيح هؤلاء المشايخ لوجوب الحد اختياراً منهم لقول محمد في هذا القسم، كما يتوهم من عبارة الهداية ورد المحتار، ولكنه رواية عن أبي حنيفة نفسه، لأن محمداً رحمه الله قال في باب حد السكران من كتاب الآثار (ص: ١٠٩): ((نرى الحد على السكران من نبيذ كان أو غيره ثمانين جلدة .... وهو قول أبي حنيفة رحمه الله)). فتلخص أن مذهب أبي حنيفة وجوب الحد في الخمر مطلقاً، وفي سائر الأشربة غيرها إذا أسكرت، لا قبل الإسكار. والجمهور على وجوب الحد في الأشربة المسكرة مطلقاً، سواء سكر منها الشارب أو لا . استدل الجمهور بالأحاديث التي تحرم القليل من كل مسكر، ولما كانت الأشربة المسكرة في معنى الخمر حرمة، كانت في معناها في وجوب الحد. وحجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن في شرب غير المسكر من غير الخمر شبهة، لأنه لم يرو في شيء من الأحاديث أن رسول الله وله حد رجلاً في غير خمر إلا وهو سكران. وإن الحدود لا تثبت بالقياس، فلا يحد شاربها إلا إذا سكر منها، وسيأتي تمام الكلام على هذه المسألة في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى وقد أطال المحقق ابن الهمام رحمه الله في تحقيق هذه المسألة، وأيد قول الإمام أبي حنيفة في عدم وجوب الحد على شارب غير الخمر إلا إذا سكر، وقول الجمهور في حرمة الأشربة المسكرة مطلقاً، قليلها وكثيرها. فمن شاء فليراجع كتاب الحدود من فتح القدير (٤: ١٨١ إلى ١٨٤). والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤٣٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم استطراد: حكى الحافظ ابن حجر رحمه الله عن علي بن خشرم قال: ((قلت لوكيع: رأيت ابن علية شرب النبيذ حتى يحمل على الحمار يحتاج من يرده، فقال وكيع: إذا رأيت البصري يشرب النبيذ فاتهمه، وإذا رأيت الكوفي يشربه فلا تتهمه، قلت: وكيف ذلك؟ قال: الكوفي يشربه تدينا، والبصري يتركه تدينا)) راجع له ترجمة إسماعيل ابن علية في تهذيب التهذيب (١: ٢٧٨). ٣٦ - (٠٠٠) - قوله: (ودنا الناس من الريف والقرى) الريف: أرض الزرع والخصب، يقال: أرافت الإبل رباعياً، أي: أخصبت، ورافت الماشية ثلاثياً، إذا رعت الريف، وجمع الريف أرياف. ومعنى هذه الفقرة أنه لما فتحت الشام وغيرها، وكثرت الكروم والنخيل، وجعل الناس يسكنون بقرب منها، أكثروا في شرب الخمر، فاستشار عمر الناس في التشديد في العقوبة. هذه خلاصة ما حكاه الأبي في شرحه (٤: ٤٧١ و٤٧٢) عن القرطبي. وبمثله فسره النووي رحمهم الله تعالی. قوله: (فقال عبد الرحمن بن عوف) وأخرج مالك في أشربة الموطأ (ص: ٣٥٧) عن ثور بن زيد الديلي: ((أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها رجل، فقال له علي بن أبي طالب: ((نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى))، ولا تعارض بين الخبرين فإنه أشار عليه بثمانين كل من عبد الرحمن بن عوف، وعلي فيها. ٣٨ - (١٧٠٧) - قوله: (عن عبد اللّه الداناج) اسمه عبد الله بن فيروز الداناج، وهو مولى ابن عامر كما سيأتي في السند التالي بعد هذا الإسناد، والداناج معرب (دانا) وهو بالفارسية: العالم أو العاقل، قال أبو زرعة: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، كذا في التهذيب (٥: ٣٥٩)، وتكلم عليه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ٧٨). قوله: (عبد الله بن فيروز) بفتح الفاء، وبكسرها، وضم الراء، كذا في المغني (ص: ٦١)، ومثله في إعجام الأعلام (ص: ١٦٦). قوله: (حضين بن المنذر) بضم الحاء، وفتح الضاد المعجمة، أبو ساسان البصري، كان صاحب راية علي يوم صفين، ثم ولاه اصطخر، وكان من سادات ربيعة، ولا يعرف في الرواة حضين بالضاد المعجمة غيره، وثقه النسائي والعجلي، وذكره ابن حبان الثقات، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، أدرك سليمان بن عبد الملك، كذا في التهذب (٢: ٣٩٥). وحديثه هذا أخرجه أيضاً أبو داود في الحدود، باب الحد في الخمر، (رقم: ٤٤٨٠ و٤٤٨١) وابن ماجه في الحدود، باب حد السكران، (رقم: ٢٥٧١)، والبيهقي في سننه (٨: ٣١٦). ٤٣٧ كتاب: الحدود قوله: (وأتي بالوليد) يعني الوليد بن عقبة رضا ئه، وهو ابن لعقبة بن أبي معيط الذي كان من رؤساء قريش، وأسر يوم بدر، فقتله النبي وَّر، وأسلم الوليد بن عقبة وأخوه عمارة يوم الفتح، فبعثه النبي ◌َّ مصدقاً إلى بني المصطلق، ويقال: إنه نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَّوًا﴾ [سورة الحجرات، الآية: ٦] في قصة مشهورة ليس هذا موضع بسطها. ونشأ الوليد بعد ذلك في كنف عثمان ﴿يا، لأنه كان أخاً لأمه، إلى أن استخلف، فولاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص، وكان الوليد شجاعاً شاعراً جواداً، كما في الإصابة (٣: ٦٠٣). وكان الوليد ولاه عمر شبه الجزيرة، فحدث بينه وبين بني تغلب عداوة، لأنه ما كان يقبل منهم إلا الإسلام، فخاف عمر رضيته أن يخرج عليه بنو تغلب، فعزله، ثم ولاه عثمان الكوفة، ويقول الطبري في تاريخه (٣: ٣٢٥): ((وكان أحب الناس في الناس، وأرفقهم بهم، فكان كذلك خمس سنين، وليس على داره باب))، ويقول ابن كثير في البداية والنهاية (٧ : (١٥): ((فأقام بها خمس سنين، وليس على داره باب، وكان فيه رفق برعيته)). حتى لما عزله عثمان رظُه بسبب قصة الباب تفجع عليه الأحرار والعبيد، وكانت الولائد يقلن، وعليهن الحداد : وجاءنا مجوعاً سعيد يا ويلنا قد عزل الوليد فجوع الإماء والعبيد ينقص في الصاع ولا يزيد (حكاه الطبري في تاريخه (٣: ٣٣٠ و٣٣١)، والحافظ في مناقب الفتح (٧: ٥٧) وابن عبد البر في الاستيعاب). قوله: (قد صلى الصبح ركعتين) وقد ذكر ابن عبد البر في الاستعياب (٣: ٥٩٨) من نفس طريق عبد العزيز بن المختار أنه صلى أربعاً، ولكنه لم يذكر الرواة قبل عبد العزيز، والصحيح المعروف في حديث مسلم أنه صلى ركعتين، وأما أبو داود وابن ماجه فلم يذكرا قصة صلاة الصبح، ولا شك أن رواية مسلم راجحة على رواية الاستعياب، على أنه يستعبد أن يصلي الرجل في الفجر أربع ركعات، وفي القوم أمثال ابن مسعود، كما صرح به ابن عبد البر، ولا ینبهونه علیه . قوله: (أزيدكم؟) حمله الطاعنون فيه على أنه كان سكران، فقال ذلك من أجل السكر، ومن اعتذر له قال: إنه نسي العدد، ولم يكن سكران، والله أعلم. قوله: (أحدهما حمران) بضم الحاء، وهو ابن أبان، مولى عثمان بن عفان وحاجبه، وهو من تابعي أهل المدينة ومحديثهم، وكان كثير الحديث، لكن قال ابن سعد: لم أرهم يحتجون بحديثه، ولكن روى له الجماعة، وكان أحد العلماء الجلة، أهل الوجاهة والرأي والشرف. ٤٣٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قُمْ، يَا حَسَنُ، فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا، (فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ)، ويقال: إنه أفشى سراً أسَرَّ إليه عثمان فغضب عليه عثمان من أجل ذلك ونفاه، وراجع التهذيب (٣: ٢٤ و٢٥). قوله: (أنه شرب الخمر) وقد أورد الطبري عدة روايات على أن الوليد لم يكن يشرب الخمر، وإنما دسه عليه بعض أعدائه. وخلاصة ما ذكره أن زهير بن جندب، ومورع بن أبي مروع، وشبيل بن أبي الأزدي كانوا فتياناً في الكوفة قتلوا ابن الحيسمان الخزاعي، فقتلهم الوليد بن عقبة قصاصاً، فحقد عليه آباؤهم، وهم: جندب، وأبومورع، وأبو زينب، فكانوا يرتقبون فرصة للثورة على الوليد بن عقبة رائه . وكان الوليد يتردد إليه أبو زبيد، وهو رجل من نصارى بني تغلب الذين كان الوليد أميراً عليهم زمن ولايته للجزيرة في عهد عمر رڅله، ولم يزل الولید به حتى أسلم وحسن إسلامه، فاتهمه جندب، وأبو مورع، وأبو زينب بأنه يشاربه الخمر، وأثاروا عليه الناس، حتى دخلوا يوماً بيته، ولم يكن له باب، ففاجؤوه، فنحى شيئاً، فأدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده، فأخرجه، فإذا طبق عليه تفاريق عنب، وإنما نحاه الوليد استحياء من أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفاريق عنب. فقام الناس، ولاموا جندباً، وأبا مورع، وأبا زينب، وسبوهم، ولعنوهم من أجل قذف الأمیر بما ليس فيه. فازداد هؤلاء حقداً على الوليد من أجل ذلك، واجتمعوا على رأي، وتغلفوا الوليد يوماً، وهو نائم في بيته مع أهله، ولم يكن على بيته باب، فأخذوا خاتمه من يده، وذهبوا إلى عثمان بن عفان ظُه، ومعهم نفر ممن يعرفهم عثمان ربه فشهدوا عليه بشرب الخمر، فدعا عثمان رُه الوليد بن عقبة، وسأله عن ذلك، فقال: ((يا أمير المؤمنين! أنشدك الله، فوالله إنهما لخصمان موتوران)) فقال عثمان رَُّه: ((لا يضرك ذلك، وإنما نعمل بما ينتهى إلينا، فمن ظَلَمَ فالله وليُّ انتقامه ومن ◌ُلِمَ، فالله ولي جزائه)). وكان عثمان رُّه متردداً في مبدء الأمر في إقامة الحد على الوليد، كما يظهر من رواية عبيد الله بن عدي بن الحيار عند البخاري في مناقب عثمان (رقم: ٣٦٩٦)، ولكنه لما شهد عليه الشهود أقام عليه الحد، وقال للوليد: ((نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار، فاصبر يا أخي)). راجع تاريخ الأمم والملوك للطبري (٣: ٢٢٦ إلى ٣٣٠). واستنكر الحافظ ابن عبد البر رحمه الله هذه الروايات لضعف إسنادها، ورجح رواية أبي ساسان، وأنه أقيم عليه الحد حقاً . ولكن الذي يظهر لهذا العبد الضعيف، عفا الله عنه - أنه لا ينبغي القطع بطلان روايات الطبري، ولا بأن الوليد كان شرب الخمر في نفس الأمر، وذلك لوجوه: ٤٣٩ كتاب : الحدود فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَجَلَدَهُ. وَعَلِيٍّ يَعُدُّ. حَتَى بَلَغَ أَرْبَعِينَ. فَقَالَ: أَمْسِكْ. ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ وَّهِ أَرْبَعِينَ. وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. وَعُمَرُ ثَمَانِينَ. وَكُلٌّ سُنَّةٌ. وَهُذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. زَادَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ فَلَمْ أَحْفَظُهُ. ٤٤٣٣ - (٣٩) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ: مَا كُنْتٌُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ ١ - إن رواية صحيح مسلم إنما تدل على أن الوليد أقيم عليه الحد بشهادة شهود، ولا تدل على شرب الخمر في نفس الأمر، وإن الإمام إنما يعمل بظاهر الشهادات، وإن عمله في إقامة الحد على رجل لا يستلزم أن يكون الرجل جانياً في الواقع، كما هو مقتضى قوله عليه الصلاة والسلام: ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر)) فرواية مسلم لا تنافي روايات الطبري إلا في أن حمران كان أحد الشهود، وهو ثقة، ولكن لم يذكر اسم حمران في الشهود إلا في هذه الرواية، ولا يستبعد أن يكون أحد الرواة، مثل عبد الله الداناج الذي تكلم فيه الطحاوي، وَهِمَ في تسميته، وقدمنا مراراً أن وَهْمَ الراوي في بعض أجزاء الرواية لا ينافي كون الرواية صحيحة من حيث المجموع. وإن نسبة الوهم إلى بعض الرواة في هذا الجزء البسيط من القصة أهون من نسبة اختلاق القصة الطويلة التي ذكرها الطبري إلى رواتها، وهم أكثر من واحد. ٢ - إن روايات الطبري أوفق بسير الصحابة، والوليد بن عقبة ظه من الصحابة الذين حسن إسلامهم، وكان له من المناقب أيام إمرته ما ذكرنا في ترجمته آنفاً . ٣ - إن الوليد بن عقبة تربى في كنف عثمان بن عفان رضيُه، ويستبعد من مثله أن يتعاطى مثل هذه الفضائح، وإن روايات الطبري تبين له عذراً في ذلك. ٤ - قد ذكرنا في ترجمة الوليد أنه لم يكن على منزله باب، وظاهر أن ذلك لكثرة من يأيته من الناس لحاجاتهم. وإن الرجل إذا كان شريب خمر، فإنه لا يترك أبوابه مفتوحة لكل من يقتحم عليه، وإنما يهتم بأن تتهيأ له خلوة لا يتدخل أحد فيها. فروايات الطبري تؤديها الدراية أيضاً . ٥ - قد أخرج عمر بن شبة في أخبار المدينة (٣: ٩٧٢) عن أبي الضحى، قال: كان أبو زينب الأسدي، وأبو مروع يلتمسان عثرة الوليد)) ثم ذكر أنهما رأيا الوليد يقيء فنزعا خاتمه، وذهبا إلى عثمان، ثم قال: ((فشهدوا عليه - أبو زينب، وأبو مروع، وجندب الأسدي، وسعد بن مالك الأشعري)) فذكر أن الوليد إنما حد بسبب هؤلاء الذين كانوا يلتمسون عثرته، ولم يذكر حمران في الشهود. فهذا مما يؤيد روايات الطبري وسنده حسن، وقد أشار إلى هذه الرواية ٤٤٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ، فَأَجِدَ مِنْهُ فِي نَفْسِي، إِلَّ صَاحِبَ الْخَمْرِ. لأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ. لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ لَمْ يَسُنَّهُ. الحافظ في الفتح (٧: ٥٧) وحسن إسنادها . ٦ - وأخرج عمر بن شبة (٣: ٩٧٤) أيضاً عن خالد بن سعد، قال: ((لما ضرب عثمان الوليد الحد، قال: أبصرتني اليوم بشهادة قوم ليقتلنك عاماً قابلاً)). ٧ - ثم الذي يظهر أن سيدنا عثمان بن عفان به لم يزل يشك في صحة شهادة الشهود على الوليد، ويتبين ذلك مما كتبه إلى أهل الكوفة بعد عزل الوليد فقد أخرج ابن شبة في أخبار المدينة (٣: ٩٧٤) عن سلمة بن أبي اليقظان، قال: ((لما ولى عثمان رُه سعيد بن العاص الكوفة كتب إلى أهلها: من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة، سلام، أما بعد، فإني استعملت عليكم الوليد بن عقبة، حتى تولت منعته، واستقامت طريقته، وكان من صالحي أهله، وأوصيته بكم ولم أوصكم به، فلما بذل لكم خيره، وكف عنكم شره، وغلبتكم علانيته، طعنتم في سريرته، والله أعلم بکم وبه إلخ)). فهذه الروايات والقرائن كلها تؤيد روايات الطبري وأما ضعف إسناد روايات الطبري، فإن الراوي الضعيف لا يكذب أو يخطىء دائماً، فرما تقبل روايته إذا تأيدت بقرائن، كما تقرر في أصول الحديث، وإنما يرفع الملام عن أحد من الصحابة، بعد تأييد هذه القرائن، لا يقطع ببطلانه لمجرد ضعف إسناده، والله سبحانه أعلم. وجوب الحد بقيء الخمر قوله: (إنه لم يتقيأها حتى شربها) فيه حجة للإمام مالك رحمه الله تعالى في أن الشهادة بتقيؤ الخمر مثبتة للشرب، وموجبة للحد، كما في شرح الأبي (٤: ٤٧٤)، وهو رواية عن أحمد، قواها ابن قدامة بالدلائل في المغني (١٠: ٣٣٢)، وقال المرداوي في الإنصاف (١٠ : ٢٣٤): ((هذا المذهب، على ما اصطلحناه في الخطبة)) ولكن قيده بما إذا وجد سكران. وقال أبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله: إن الشهادة بتقيؤ الخمر غير كافية لإثبات الحد، لاحتمال أن يكون مكرها في الشرب، أو مضطراً، فلا يثبت الحد عندهما إلا إذا شهدا بمعاينته حالة الشرب، وراجع لمذهب الحنفية فتح القدير (٤: ١٨٤)، ورد المحتار (٣: ١٨٠)، ولمذهب الشافعية نهاية المحتاج (٨: ١٤). استدل المالكية والحنابلة بحديث الباب، فإن عثمان رضيئه حد الوليد بن عقبة بشهادة القيء، وكان ذلك بمحضر من الصحابة. وأجاب عنه شيخنا التهانوي رحمه الله في إعلاء السنن (١١: ٦٨١) بما أورده الحافظ في الفتح (٧: ٥٧) من رواية أبي الضحى عند عمر بن شبة في أخبار المدينة، أنه شهد عليه أبو