Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ. (وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ثَنِيَّتَيْهِ) فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ فَقَالَ: ((أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا
يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لاَ دِيَةَ لَهُ)).
قوله: (فنزع ثنيته) يعني: نزع المعضوض ثنية العاض بشدة جبذ يده من فم العاض.
قوله: (قال ابن المثنى: ثنيتيه) يعني: سقطت كلتا ثنيتيه، ووقع في رواية ابن سيرين
الآتية، وفي رواية الكشمهيني لصحيح البخاري: (ثناياه) بصيغة الجمع، فاختلفت الروايات بين
الإفراد، والتثنية، والجمع، وقال العيني رحمه الله في عمدة القاري (١١: ٢٠٧): ((والتوفيق بين
هذه الروايات أن الإثنين يطلق عليهما صيغة الجمع، وأن رواية الإفراد على إرادة الجنس، كذا
قيل، ولكن يعكر عليه رواية محمد بن علي: (فانتزع إحدى ثنيتيه)، فعلى هذا يحمل على
التعدد)). ولكن استبعد الحافظ حمله على التعدد، لاتحاد مخرج الحديث. فالظاهر أن أحد
الرواة وَهِمَ في تعيين عدد الساقطة من الثنايا وقَدَّمْنَا مراراً أن الرواة إنما يعتنون بحفظ أصل
القصة، ولا يبالون بتفصيل جزئياتها في كثير من المواقع، فمن الطبيعي أن يجري مثل هذه
الخلافات البسيطة فيما بين الرواة، ولا سبيل إلى القطع بتصحيح بعض الروايات في مثلها، ولا
حاجة إلى تحصيل القطع واليقين فيها، فإنه لا يقدح ذلك في ثبوت أصل الحديث. فالرجوع في
مثل هذه الخلافات إلى حمل الروايات على تعدد القصة تكلف لا داعي له.
قوله: (أبعض أحدكم) بفتح العين، من باب سمع.
قوله: (كما يعض الفحل) أي: الذكر من الإبل، ويطلق على غيره من ذكور الدواب.
قوله: (لا دية له) به أخذ الجمهور، فقالوا: لا يلزم المعضوض قصاص، ولادية، لأنه في
حكم الصائل، واحتجوا أيضاً بالإجماع على أن من شهر على آخر سلاحاً ليقتله، فدفع عن
نفسه، فقتل الشاهر، أنه لا شيء عليه، فكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها، وهو مذهب أبي
حنيفة رحمه الله كما في مبسوط السرخسي (٢٦: ١٩١)، غير أنه قيده الحافظ في الفتح (١٢ :
٢٢٢) بأن يتألم المعضوض، وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك، من ضرب في شدقيه، أو فك
لحيته ليرسلها، ومهما أمكن التخليص بدون ذلك، فعدل إلى الأثقل لم يهدر، وعند الشافعية
وجه أنه يهدر على الإطلاق، ووجه أنه لو دفعه بغير الجذب من الجرح في موضع آخر ضمن.
وروي في هذه المسألة خلاف مالك رحمه الله تعالى، وأنه يقول بتضمين المعضوض سن
العاض، وهو مذهب ابن أبي ليلى أيضاً، كما حكى عنه ابن قدامة في المغني (١٠: ٣٥٤)،
ولكن قال الحطاب من فقهاء المالكية: ((قال ابن المواز: الحديث لم يروه مالك، ولو ثبت عنده
لم يخالفه وتأوله بعض شيوخ المأزري على أن المعضوض لا يمكنه النزع إلا بذلك، وحمل
تضمين بعض الأصحاب على أنه يمكنه النزع برفق، بحيث لا تنقلع أسنان العاض، فصار متعدياً
بالزيادة، فلذلك ضمنوه)) كذا في مواهب الجليل للحطاب (٦: ٣٢٢)، وعليه فلا فرق اليوم بين

٣٠٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٣٤٣ - ٢/٠٠٠ - وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَىْ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ،
بِمِثْلِهِ.
مذهب المالكية ومذهب غيرهم، ولذلك جزم الدردير في شرحه بعدم التضمين إذا لم يمكنه النزع
برفق، وراجع الصاوي على الدردير (٤: ٥٠٦) وإليه يظهر جنوح الأبي المالكي في شرحه
لمسلم (٤: ٤١٥ و٤١٦).
مبدأ الدفاع الشرعي:
إن هذا الحديث من الأصول التي ثبت بها مبدأ الدفاع الشرعي، وهو أن من حق الإنسان
أن يحمي نفسه، أو نفس غيره أو ماله، أو مال غيره من المعصومين عن كل اعتداء حَالِّ غير
مشروع، بالقوة اللازمة لدفع هذا الاعتداء.
ويصطلح الفقهاء على تسمية الدفاع الشرعي بدفع الصائل. وعلى تسمية المعتدي صائلاً .
والمعتدى عليه مصولاً عليه .
والأصل في دفع الصائل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾
[سورة البقرة، الآية: ١٩٤] وحديث الباب. ثم هناك فرق بين الدفاع عن النفس، والدفاع عن المال.
فالدفاع عن النفس واجب شرعاً، لو لم يفعله الرجل أثم بذلك، وقد صرح الفقهاء الحنفية
بذلك. وجاء في الدر المختار (٥: ٤٨١): ((ويجب قتل من شهر سيفاً على المسلمين، يعني:
في الحال ... ولو بقتله إن لم يمكن دفع ضرره إلا به .. لأنه من باب دفع الصائل)) وهو الرأي
الراحج في مذهبي مالك والشافعي، كما يظهر من تحفة المحتاج (٤: ١٢٤) ومواهب الجليل
(٦: ٣٢٣)، وبه قال أحمد في رواية، غير أن الراجح عنده أن الدفع جائز، وليس بواجب، كما
في المغني لابن قدامة (١٠ : ٣٥٠).
وأما الدفع عن المال، فأغلب الفقهاء يرونه جائزاً، لا واجباً، فللمعتدى عليه أن يدفع
الصائل إن شاء، وأن لا يدفعه إن شاء، لأن المال يباح بالإباحة، وأما النفس فلا تباح بالإباحة.
وأما الدفع عن الأعضاء، فلم أراه صريحاً في كتب الحنفية، غير أنهم يذكرون أن
الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، فيجري فيها البذل (راجع بدائع الصنائع (٧: ٢٣٦)، وابن
عابدين ٥: ٤٨٨) وقياسه أن يكون جائزاً، لا واجباً، والله سبحانه أعلم، وراجع أيضاً ما كتبناه
في كتاب اللعان.
ثم لمبدأ الدفاع الشرعي فروع وتفاصيل مبعثرة في كتب الفقه، ليس هذا موضع بسطها،
وقد جمعها الأستاذ عبد القادر عودة في التشريع الجنائي الإسلامي (١: ٤٧٣ إلى ٤٨٩) على
صعيد واحد في بسط واستقصاء، كعادته رحمه الله، وقارنها بالقوانين الوضعية اليوم، ومن

٣٠٣
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
٤٣٤٤ - ٣/١٩ - حدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ (يَعْنِي ابْنَ هِشَام).
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَجُلاً عَضَّ ذِرَاعَ
رَجُلٍ. فَجَذَبَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِّئُهُ. فَرُفِعَ إِلَى النَّبِّ ◌َّةٍ فَأَبْطَلَهُ. وَقَالَ: ((أَرَّدْتَ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَهُ؟)).
٤٣٤٥ _ ٤/٢٠ - حدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ بُدَيْلِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى؛ أَنَّ أَجِيراً لِيَعْلَى بْنِ
مُنْيَةَ، عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ. فَجَذَبَهَا فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ. فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ فَأَبْطَلَهَا. وَقَالَ:
((أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟».
اللازم على كل دارس للتشريع الجنائي الإسلامي أن يراجعها، والله سبحانه الموفق.
١٩ - (٠٠٠) - قوله: (المسمعي) بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، وقد تقدم قبيل كتاب
القسامة .
قوله: (ذراع رجل) هذا هو المشهور في أكثر الروايات، ولكن وقع عند البخاري في
الإجارة من طريق ابن علية عن ابن جريج: ((فعض أصبع صاحبه، فانتزع إصبعه)) والجمع بين
الذراع والإصبع عسير، والحمل على تعدد الواقعتين بعيد. ورجح الحافظ روايات الذراع
لكثرتها، وقال: ((وانفراد ابن علية عن ابن جريج بلفظ الإصبع لا يقاوم هذه الروايات المتعاضدة
على الذراع)) وتذكر ما ذكرناه غير مرة أن الرواة ربما لا يحتفظون بالجزئيات، وأن ذلك لا يقدح
في ثبوت أصل الحديث، والله أعلم.
٢٠ - (١٦٧٤) - قوله: (حدثني أبي) يعني: هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وقد مَرَّ
ترجمته وترجمة ابنه معاذ في باب العمرى من كتاب الهبة.
قوله: (عن بديل) مصغراً، وهو ابن ميسرة العقيلي (بضم العين) روى عن أنس، وجماعة
من التابعين، وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال العجلي: بصري ثقة، ولم يخرج عنه
البخاري إلا أثراً معلقاً هو موصول من طريقه، مات (سنة: ١٣٠هـ). وراجع التهذيب (١: ٤٢٤
و ٤٢٥).
قوله: (عن صفوان بن يعلى) هذا الحديث أخرجه البخاري في الديات، باب إذا عض
رجلاً فوقعت ثناياه، (رقم: ٦٨٩٣)، وفي الإجارة، باب الأجير في الغزو، (رقم: ٢٢٦٥)،
وفي الجهاد. باب الأجير، (رقم: ٢٩٧٣)، وفي المغازي، باب غزوة تبوك، (رقم: ٤٤١٧)،
وأبو داود في الديات، باب في الرجل يقاتل الرجل فيدفعه عن نفسه، (رقم: ٤٥٨٤ و٤٥٨٥)،
والنسائي في القسامة، باب الرجل يدفع عن نفسه، وابن ماجه في الديات، باب من عض رجلاً،
فنزع يدعه إلخ (رقم: ٢٦٥٦).
قوله: (أردت أن تقضمها) بفتح الضاد في الأفصح، من باب سمع، والقضم: الأكل

٣٠٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٣٤٦ - ٥/٢١ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ. حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ
عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَجُلاً عَضٍَّ يَدَ رَجُلٍ. فَانْتَزَعَ يَدَهُ
فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ أَوْ ثَنَايَاهُ. فَاسْتَعْدَى رَسُولَ اللّهِ بَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: (مَا تَأْمُرُنِي؟
تَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ادْفَعْ يَدَكَ حَتَّى يَعَضَّهَا ثُمَّ
انْتَزِغْهَا».
٤٣٤٧ - ٢٢ /٦ - حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َهِ رَجُلٌ، وَقَدْ عَضَّ يَدَ رَجُلٍ،
فَانْتَزَعَ يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ (يَعْنِي الَّذِي عَضَّهُ). قَالَ: فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ وَّهِ. وَقَالَ: ((أَرَدْتَ أَنْ
تَقْضَمَهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟».
٤٣٤٨ - ٧/٢٣ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ. أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ
النَّبِيِّ بَّهَ غَزْوَةَ تَبْوكَ. قَالَ: وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ عَمَلِي عِنْدِي. فَقَالَ
عَطَاءٌ: قَالَ صَفْوَانُ: قَالَ يَعْلَى: كَانَ لِي أَجِيرٌ. فَقَاتَلَ إِنْساناً فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخَرِ
(قَالَ: لَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ أَيُّهُمَا عَضََّ الآخَرَ) فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِ.
فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنَّتَيْهِ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ ◌َّهِ. فَأَهْدَرَ ثَنِّتَهُ.
بأطراف الأسنان، والخضم: الأكل بجميعها، أو أقصاها، وراجع الصحاح للجوهري.
٢١ - (١٦٧٣) - قوله: (قريش بن أنس) هو الأنصاري البصري، وثقه ابن المديني، وأبو
حاتم، ولكنه تغير في آخر عمره، وكان صحيح العقل إلى ٢٠٣هـ، ومات (سنة: ٢٠٨هـ)،
وسماع المتأخرين منه بعد اختلاط، مثل ابن أبي العوام، ويزيد بن سنان البصري، وأبي قلابة،
وظهر في حديثه مناكير زمن الاختلاط، وراجع التهذيب (٨: ٣٧٥).
قوله: (ادفع يدك حتى بعضها) قال النووي: «ليس المراد بهذا أمره بدفع يده لبعضها،
وإنما معناه الإنكار عليه، أي: إنك لا تدع يدك في فيه بعضها، فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده من
فيك، وتطالبه بما جنى في جذبه لذلك؟)).
٢٣ - (٠٠٠) - قوله: (غزوة تبوك) وزاد البخاري في الجهاد من طريق سفيان، عن ابن
جريج: ((فحملت على بكر)).
قوله: (أيهما عض الآخر) وزاد البخاري في المغازي من طريق محمد بن بكر، عن ابن
جریج: ((فنسیته)) .

٣٠٥
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
٤٣٤٩ - ٨/٠٠٠ - وحدّثناه عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ:
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(٥) - باب: إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها
٤٣٥٠ - ١/٢٤ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا
حَمَّادٌ. أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّع، أُمَّ حَارِثَةَ، جَرَحَتْ إِنْسَاناً. فَاخْتَصَمُوا
(٠٠٠) - قوله: (بهذا الإسناد نحوه) وإن هذا الحديث من جملة ما استدركه الدارقطني
على مسلم، وطعن في إسناد الحديث من جهة أنه مضطرب عن عطاء، ومن جهة أن ابن سيرين
لم يصرح بسماعه من عمران بن حصين، ورد النووي كلا الطعنين بأن الاختلاف على عطاء لا
يضعف الحديث، (ولعله يريد أن جميع الطرق صحيحة)، وبأن عدم تصريح ابن سيرين بسماعه
من عمران لا يستلزم أن لا يكون سمعه منه. ثم لو ثبت ضعف بعض الطرق لم يلزم منه ضعف
المتن، فإنه صحيح بالطرق الباقية. وإن مسلماً يذكر في المتابعات من هو دون شرط الصحيح،
والله أعلم.
(٥) - باب: إثبات القصاص في الأسنان إلخ
٢٤ - (١٦٧٥) - قوله: (عن أنس) يعني: ابن مالك بن النضر، هذه القصة أخرجها
البخاري في الديات، باب السن بالسن، (رقم: ٦٨٩٤)، وفي الصلح، باب الصلح في الدية،
(رقم: ٢٧٩٣). وفي الجهاد، باب قول الله عز وجل: ((من المؤمنين رجال صدقوا)) إلخ، (رقم:
٢٨٠٦)، وفي تفسير سورة البقرة، باب ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص)) إلخ (رقم:
٤٤٩٩، و٤٥٠٠)، وفي تفسير المائدة، باب والجروح قصاص، (رقم: ٤٦١١)، وأبو داود في
الديات، باب القصاص من النس، (رقم: ٤٦٩٥)، والنسائي في القسامة، باب القصاص من
الثنية، وابن ماجه في الديات، باب القصاص في السن، (رقم: ٢٦٤٩).
قوله: (أن أخت الربيع إلخ) بضم الراء، وفتح الباء، وكسر الياء المشددة، وهي السريع
بنت النضر بن ضمضم، وهي عمة أنس بن مالك رظه، وأخت أنس بن النضر بنظ ◌ُبه، وما وقع
في أول جنايات البيهقي أنها الربيع بنت معوذ، فهو وهم، كما صرح به الحافظ في باب
القصاص بين الرجال والنساء من الفتح (١٢: ٢١٥).
قوله: (أم حارثة) يعني: حارثة بن سراقة بن حارث، وقد استشهد يوم بدر، وقالت أمه
الربيع لرسول الله وَّير عندئذ: ((أخبرني عن حارثة، فإن يكن في الجنة صبرت واحتسبت وإن كان
غير ذلك اجتهدت في البكاء))، فقال لها النبي ◌َّر: ((إنه أصاب الفردوس))، وراجع الإصابة (١:
٢٩٧ و٤: ٢٩٤).

٣٠٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلَى النَّبِيِّ نَِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((الْقِصَاصَ. الْقِصَاصَ)) فَقَالَتْ أُمُ الرَّبِيعِ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلاَنَةَ؟ وَاللَّهِ! لاَ يُقْتَصُ مِنْهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ!
يَا أُمَّ الرَّبِيع! الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ)) قَالَتْ: لاَ. وَاللَّهِ، لاَ يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَداً. قَالَ: فَمَا زَالَتْ
قوله: (القصاص، القصاص) منصوب على الإغراء، قال القرطبي: ((الرواية بالنصب في
اللفظتين. ولا يجوز غير النصب، والنصب بإضمار فعل، ولا يجوز إظهاره، لأن تكرار اللفظ
ناب منابه، كقولهم: الحذر، الحذر، فالتقدير: الزموا القصاص، كذا في شرح الأبي (٤ :
٤٤٧) .
قوله: (لا، والله! لا يقتص منها أبداً) واستشكل هذا الإنكار منها مع ما سمعت من
رسول الله ◌َ﴾ من الأمر بالقصاص. وأجابوا عنه بوجوه (أحسنها عندي أنه لم يكن اعتراضاً على
الحكم، وإنما كان على طريق الثقة بالله تعالى، والتوكل عليه، أنه يلهم الخصوم الرضا، حتى
يعفوا، أو يقبلوا الأرش، وبه جزم الطيبي، فقال: ((لم يقله رداً للحكم، بل نفى وقوعه، لما كان
له عند الله من اللطف به في أموره، والثقة بفضله أن لا يخيبه فيما حلف به، ولا يخيب ظنه فيما
أراده بأن يلهمهم العفو، وقد وقع الأمر على ما أراد)» حكاه الحافظ في الفتح (١٢: ٢٢٥).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه، ويؤيده قوله ﴿ في آخر هذه القصة: ((إن من عباد الله من
لو أقسم على الله لأبره)) فإنه نوع ثناء على الحالف، ولو لم يكن مراد الحالف ما ذكره الطيبي
رحمه الله لما كان ذلك موضع ثناء، وإنما كان موضع إنكار، فلما لم ينكر عليه رسول الله والت
عرفنا أن قول الحالف لم يكن على سبيل رد حكم الله ورسوله، ولا على سبيل إنكاره، وإنما
كان على سبيل الثقة واليقين بالله سبحانه.
لا يحكم على الظاهر دائماً
وبهذا يستنبط أنه لا ينبغي أن يحكم على المتكلم بظاهر لفظه دائماً، بل يجب أن ينظر إلى
ما يقصد بذلك، ولا يجوز التسارع إلى الحكم على الرجل بالكفر أو العصيان بظاهر بعض أقواله
إذا كان ذلك الرجل معروفاً بالإيمان والتقوى، ويستبعد منه أن يريد بقلبه ما يظهر من لفظه، ولا
سيما في أحوال غلبة بعض العواطف، من الغضب، والغيرة والفرح، والحزن، فإن الإنسان ربما
يفرط منه في مثل هذه الأحوال لفظ يقصر عن تعبير ما يقصده، ويوهم خلاف ما يعنيه، فينبغي
أن يتسامح عن تقصيره في التعبير. ويلاحظ ما يضمره في الصدر. وهذا كما وقع لسعد بن
عبادة رَظُله، حين سأل رسول الله وَالر: ((لو وجدت مع أهلي رجلاً لم أمسه حتى آتي بأربعة
شهداء؟ قال رسول الله وَ* نعم، قال: كلا، والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل
ذلك)) وقد مر في كتاب اللعان فظاهره معارضة لحكم النبي وثير، ولكنه لم يقصد إلا عرض شبهة
سنحت له، ولذلك لم ينكر عليه رسول الله وَيقول، بل مدحه بقوله: إنه لغيور.

٣٠٧
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَّةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لِأَبَرَّهُ)).
قوله: (لو أقسم على الله لأبره) يعني: لو أقسم أن الله سبحانه يعامله بكذا من اللطف،
جعله الله باراً في يمينه بتحقيق ما حلف عليه، وذلك لو فور تعلقه بالله سبحانه واعتماده على
فضله ورحمته .
رفع تعارض الروايات في هذه القصة:
ثم قد وقع التعارض بين رواية مسلم وبين روايات البخاري في هذه القصة في ثلاثة أمرو :
الأول: أن الجانية في رواية مسلم أخت الربيع، وقد علقها البخاري أيضاً في باب
القصاص بين الرجال والنساء، ولكن في أكثر روايات البخاري أن الجانية هي الربيع نفسها،
دون أختها .
الثاني: الجناية في رواية مسلم هي الجرح فقط، وفي أكثر روايات البخاري أنها كسر
الثنية .
والثالث: أن الحالفة في رواية مسلم أم الربيع، وفي أكثر روايات البخاري أن الحالف
أنس بن النضر، عن مالك بن أنس، وأخو الربيع، رضي الله عنهم أجمعين.
وجمع النووي رحمه الله بين هذه الروايات بأنهما قصتان متغايرتان، قد جرحت أخت
الربيع في إحداهما إنساناً، فحلفت أم الربيع(١) وكسرت الربيع في أخراهما ثنية جارية. فحلف
أنس بن النضر، وبه جزم الكرماني في شرح البخاري (٢٤: ٢١) وإليه مال العيني في عمدة
القاري (١١: ٢٠٣)، والأبي في شرح مسلم (٤: ٤١٧)، وغيرهم.
ولكن حمل الروايتين على تعدد القصتين بعيد، لأن الراويتين على تعدد القصتين بعيد، لأن
الراوي واحد، وسياق القصة واحد، وربما يخطر بالبال احتمال أن رواية ثابت عند مسلم كانت
في الأصل هكذا: ((عن أنس أن أخته الربيع جرحت إنساناً)) فصارت في بعض الكتابات: ((عن
أنس أن أخت الربيع جرحت))، بما يظهر منه أن أخت الربيع هي الجارحة، مع أنه كان لبيان أن
الربيع أخت أنس، ومثل ذلك لا يبعد من النساخ، لأن الفرق في كتابة ((أخت)) و((أخته)) يسير
جداً. فإن كان هذا صحيحاً - والله سبحانه أعلم - فيرتفع الخلاف في الأمر الأول.
وأما الأمر الثاني فرفع الاختلاف فيه أيسر، لأن الجرح شامل لكسر الثنية؛ فلا منافاة
بينهما، وبقي الاختلاف الأخير في تعيين الحالف، ويحتمل أن يكون أحد الرواة وهم في تعيينه.
ووقع مثل ذلك لكثير من الرواة الثقات، وقدمنا مراراً أن ذلك لا يقدح في ثبوت أصل الحديث،
(١) وذكر النووي أن الربيع ههنا بفتح الراء، وكسر الباء، وفي ((أخت الربيع)) بضم الراء، وفتح الباء، وتشديد
الياء، ولم يظهر لي وجهه، والله أعلم.

٣٠٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ويظهر من كلام الحافظ في الفتح (١٢: ٢١٥) أنه يميل إلى تصحيح رواية ثابت، ونسبة الوهم
إلى غيره، وجزم شيخنا التهانوي في إعلاء السنن (١٨: ١١٠) بأنها قصة واحدة، وإن رواية
حميد مفسرة لما أبهمه ثابت في حديث الباب والله سبحانه أعلم.
مسألة القصاص بين الرجال والنساء:
واحتج الجمهور بحديث الباب على أن القصاص بين الرجال والنساء يجري في النفس.
وفي الأطراف. وجملة الكلام في هذا الباب أن القصاص يجري بين الرجال والنساء في النفس
باتفاق الأئمة الأربعة، وجمهور أهل العلم، وحكي عن علي، والحسن، وعطاء وعثمان البتي
أنهم قالوا: يقتل الرجل بالمرأة، ولكن يعطى أولياؤه نصف الدية، لأن ديتها نصف دية الرجل،
فإذا قُتِلَ الرجل بها بقي له بقية، فاستوفيت ممن قتله. كذا في المغني لابن قدامة (٩: ٣٧٧)،
وعمدة القاري (١١: ٢٠٢). وذكر النووي عن الحسن وعطاء أنهمالا يجوزان الاقتصاص من
الرجل بالمرأة مطلقاً .
وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿الْخُرّ
بِالْحُرُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٨] مع عموم سائر النصوص، وما مر قبل باب واحد أن رسول الله،وَل
رض رأس اليهودي بجارية، وأدلة أخرى كثيرة، واختلاف الأبدال لا عبرة به في القصاص،
بدليل أن الجماعة يقتلون بالواحد، ويقتل العبد بالعبد، مع اختلاف أبدالها .
وأما القصاص في الأطراف فاختلف فيه الأئمة الأربعة، فقال مالك، والشافعي وأحمد،
رحمهم الله: يجري القصاص بينهما في الأطراف أيضاً، وقال أبو حنيفة: لا يجري بينهما
القصاص في الأطراف، لأن التكافؤ معتبر في الأطراف، بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء،
ولا الكاملة بالناقصة.
واحتج البخاري لمذهب الجمهور بحديث الباب، لأن أخت الربيع جرحت إنساناً
والمتبادر منه الرجل، فحكم رسول الله وَل بينهما بالقصاص، فهذا يدل على أن القصاص يجري
بينهما في الأطراف أيضاً. وأجاب عنه شيخنا العثماني التهانوي رحمه الله في إعلاء السنن (١٨ :
١١٠) بأن لفظ الإنسان شامل للرجل والمرأة، فلا دليل فيه على أن الإنسان كان رجلاً، وقد
ثبت في روايات حميد عند البخاري أنها كسرت ثنية جارية، وهذه الروايات مفسرة لما أبهمه
ثابت في حديث الباب وقد ذكرنا أن القصة واحدة، لأن السياق واحد، والراوي واحد. فإنما
حكم النبي ◌َّلة بينهما بالقصاص لكونهما امرأتين، فلا يؤخذ منه جواز القصاص فيما بين
الرجل، والمرأة في الأطراف.
واحتج البخاري والحافظ في الفتح (١٢: ٢١٤) أيضاً ببعض الآثار، وقد أجاب عنها
شيخنا في إعلاء السنن، فمن شاء راجعه، والله أعلم.

٣٠٩
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
(٦) - باب: ما يباح به دم المسلم
٤٣٥١ - (٢٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةً
وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ، وأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ،
إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النِّيِّبُ الزَّانِ. وَالنّفْسُ بِالَنَّفْسِ. وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ. الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ)).
(٦) - باب: ما يباح به دم المسلم
٢٥ - (١٦٧٦) - قوله: (عن عبد الله بن مرة) بضم الميم، الهمداني، الخارفي الكوفي،
من ثقات التابعين، وثقه ابن معين، وأبو زرعة. والنسائي، وابن سعد، والعجلي، وذكره ابن
حبان في الثقات، وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وأرخه ابن قانع (سنة:
٩٩هـ)، كذا في التهذيب.
قوله: (عن عبد الله) يعني ابن مسعود ظُبه. وحديثه هذا أخرجه البخاري في الديات،
باب قول الله تعالى: ((النفسَ بالنفس))، ((والعين بالعين))، وأبو داود في الحدود، باب الحكم
فيمن ارتد، (رقم: ٤٣٥٢)، والترمذي في الديات، باب ما جاء لا يحل دم امرىء مسلم إلا
بإحدى ثلاث، (رقم: ١٤٠٢)، والنسائي في تحريم الدم، باب ذكر ما يحل به دم المسلم، وفي
القسامة، باب القود، وابن ماجه في فاتحة الحدود، باب لا يحل دم امرىء مسلم إلا في ثلاث،
(رقم: ٢٥٣٤).
٢٦ - (٠٠٠) - قوله: (التارك الإسلام، المفارق للجماعة) قال الحافظ في الفتح (١٢:
٢٠١): ((والمراد بالجماعة جماعة المسلمين، أي: فارقهم، أو تركهم بالارتداد، فهي صفة
للتارك أو المفارق، لا صفة مستقلة، وإلا لكانت الخصال أربعاً)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لعل النبي ◌َ﴾و ذكر مفارقة الجماعة كصفة كاشفة لترك
الإسلام، لبيان أن الردة لا تختص برفض الإسلام صراحة، بل تعم الزنادقة الذين يدعون
الإسلام ولكنهم يفارقون جماعة المسلمين بإنكار إحدى ضروريات الدين، فحكمهم وحكم من
رفض الإسلام سواء، ولو اقتصر على ترك الإسلام فقط، ولم يذكر مفارقة الجماعة، ربما توهم
متوهم أن قتل المرتد إنما يختص بمن يترك الإسلام برفضه صراحة، ولا يعم الزنادقة المدعين
للإسلام. فلما أعقب ترك الإسلام بمفارقة الجماعة شمل الزنادقة أجمعين.
ومما يدل على ذلك أيضاً أن هذه الأصناف الثلاثة مستثناة في الحديث ممن يشهد بالتوحيد
والرسالة، والأصل في الاستثناء أن يكون متصلاً، فتبين أن الردة قد تجامع شهادة التوحيد
والرسالة، والإقرار بالإسلام، فحكمها وحكم رفض الإسلام سواء.
ومن هنا قال النووي رحمه الله: ((فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، فيجب

٣١٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٣٥٢ - (٠٠٠) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ.
كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤٣٥٣ - (٢٦) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ) قَالاً:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مُرَّةَ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ فَقَالَ: ((وَالَّذِي لاَ إِلَّهَ غَيْرُهُ! لاَ يَحِلُّ
دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلاَّ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ الإِسْلاَمَ،
الْمُفَارِقُ لِلْجَمَّاعَةِ أَوِ الْجَمَاعَةَ (شَكَّ فِيهِ أَحْمَدُ). وَالنِّيِّبُ الزَّانِي. وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ)).
قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ. فَحَدَّثَنِي، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ.
٤٣٥٤ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بَالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً، نَحْوَ حَدِيثٍ سُفْيَانَ.
وَلَمْ يَذْكُرَا فِي الْحَدِيثِ قَوْلهُ: ((وَالَّذِيَ لاَ إِلّهَ غَيْرُهُ)) .
(٧) - باب: بيان إثم من سنّ القتل
٤٣٥٥ - (٢٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ (وَاللَّفْظُ
لابْنِ أَبِي شَيْبَةَ) قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ
قتله إن لم يرجع إلى الإسلام، ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة، أو بغي أو غيرهما)).
ثم إن هذا الحديث دليل على وجوب قتل المرتد، وما أوله بعض المعاصرين بأنه محمول
على البغاة قد تقدم تفنيده في باب حكم المحاربين والمرتدين، مسألة قتل المرتد، والله أعلم.
قوله: (والثيب الزاني) يعني: يحل قتله بالرجم، وقد وقع صريحاً في حديث عثمان عند
النسائي بلفظ: ((رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم)).
قوله: (والنفس بالنفس) يعني: من قتل عمداً بغير حق قتل بشرطه، ووقع في حديث عثمان
المذكور: ((قتل عمداً، فعليه القود)) وهو مفسر لهذا الحديث.
(٧) - باب: إثم من سن القتل
٢٧ - (١٦٧٧) - قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن مسعود تظلبه، وحديثه هذا أخرجه
البخاري في الديات، باب قول الله: ((ومن أحياها)) إلخ، وفي الأنبياء، باب خلق آدم صلوات
الله عليه، وذريته، وفي الاعتصام، باب إثم من دعا إلى ضلالة، أو من سَنَّ سنة سيئة، وأخرجه

٣١١
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً، إِلَّ كَانَ عَلَى
ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا. لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)).
٤٣٥٦ - (١٠٠) وحدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كُلُّهُمْ
عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ: ((لأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ)) لَمْ
يَذْكُرًا: أَوَّلَ.
الترمذي في العلم، باب الدال على الخبر كفاعله، (رقم: ٢٦٧٥)، والنسائي في تحريم الدم،
في فاتحته، وابن ماجه في الديات، باب التغليظ في قتل مسلم ظلماً، (رقم: ٢٦١٦).
قوله: (على ابن آدم) يعني: قابيل، وهو الذي قتل أخاه هابيل، كما هو المشهور، وعكس
القاضي جمال الدين بن واصل في تاريخه، فجعل قابيل مقتولاً، وهابيل قاتلاً كما ذكره الحافظ
في الفتح، واستشهد بأن قابيل مشتق من قبول قربانه، ولكن الأكثرين على أن قابيل هو القاتل،
ومجرد اشتقاق قابيل من القبول لا يصلح دليلاً على أنه هو المقتول.
قوله: (الأول) هذا يؤيد ما هو المشهور من أن هابيل وقابيل كانا ولدي آدم لصلبه، وبه
صرح مجاهد فيما زوي ابن أبي نجيح عنه، وذكر الطبري عن الحسن ((لم يكونا ولدي آدم
الصلبه، وإنما كانا من بني إسرائيل)) ولكن ظاهر حديث الباب يرده، هذا ملخص ما في فتح
الباري (١٢ : ١٩٣).
قوله: (كفل من دمها) الكفل، بكسر الكاف: النصيب، وأكثر ما يطلق على الأجر،
والضعف على الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٢٨] ووقع على
الإثم في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِّئَةٌ يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [سورة النساء، الآية: ٨٥].
قوله: (أول من سن القتل) فيه أن من سَنَّ شيئاً كتب له، أو عليه، وهو أصل في أن
المعونة عى ما لا يحل حرام، وقد صرح به في حديث جرير عند مسلم وغيره: ((من سن في
الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة
سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)) وهو محمول على من لم يتب من ذلك
الذنب، كذا في فتح الباري.
(٠٠٠) - قوله: (عثمان بن أبي شيبة) اسمه عثمان بن محمد، وكنيته أبو الحسن، صاحب
المسند والتفسير، وهو الأخ الأكبر لأبي بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف، روى عنه الجماعة
إلا الترمذي، وراجع التهذيب (٧: ١٤٩).

٣١٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٨) - باب: المجازاة بالدماء في الآخرة،
وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة
٤٣٥٧ - (٢٨) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً.
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَوَكِيعُ، عَنِّ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي الدِّمَاءِ)).
٤٣٥٨ - (٠٠٠) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ
حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفٍَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةً، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ عَنْ
شُعْبَةَ (يُقْضَىْ)). وَبَعْضُهُمْ قَالَ: ((يُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ)).
(٨) - باب: المجازاة بالدماء في الآخرة إلخ
٢٨ - (١٦٧٨) - قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن مسعود رَُّه، وحديثه هذا أخرجه
البخاري في فاتحة الديات، (رقم: ٦٨٦٤)، وفي الرقاق، باب القصاص يوم القيامات، (رقم:
٦٥٣٣)، والنسائي في تحريم الدم، باب تعظيم الدم، والترمذي في الديات، باب الحكم في
الدماء، (رقم: ١٣٩٦) وابن ماجه في فاتحة الديات، (رقم: ٢٦١٥).
قوله: (أول ما يقضى بين الناس) إلخ: ولا يعارضه ما أخرجه أصحاب السنن من حديث
أبي هريرة مرفوعاً: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته)) لأن حديث الباب محمول
على ما يتعلق بحقوق العباد، وحديث الصلاة متعلق بحقوق الله. وقد جمع النسائي بينهما في
حديث ابن مسعود ربه، ولفظه: ((أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يُقضى بين الناس
في الدماء))، نقله الحافظ فى الفتح (١١: ٣٩٦).
وقد أخرج البخاري في تفسير سورة الحج (رقم: ٤٧٤٤) عن علي بن أبي طالب رقپته،
قال: ((أنا أول من يجثوبين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)) قال قيس: وفيهم نزلت ﴿هَذَانِ
خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ [سورة الحج، الآية: ١٩] قال: ((هم الذين بارزوا يوم بدر: علي، وحمزة،
وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة)).
والحديث يدل على عظم أمر القتل، لأن الابتداء إنما يقع بالأهم، كذا في فتح الباري
(١٢ : ١٨٩).

٣١٣
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
(٩) - باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال
٤٣٥٩ - (٢٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ (وَتَقَّارَبًا فِي
اللَّفْظِ). قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِي
بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ
(٩) - باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال
٢٩ - (١٦٧٩) - قوله: (عن ابن أبي بكرة) يعني: عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي. هو
أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة، فأطعم أبوه أهل البصرة جزوراً، فكفتهم، ولي بيت المال
لزياد، وهو ثقة روى عنه الجماعة، وراجع التهذيب .
قوله: (عن أبي بكرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الحج، باب الخطبة أيام منى
(رقم: ١٧٤١)، وفي الأضاحي، باب من قال: الأضحى يوم النحر (رقم: ٥٥٥٠)، وفي
المغازي، باب حجة الوداع (رقم: ٤٤٠٦)، وفي التفسير، باب تفسير سورة براءة (رقم:
٤٦٦٢)، وفي بدء الحلق، باب ما جاء في سبع أرضين (رقم: ٣١٩٧)، وفي الفتن، باب لا
ترجعوا بعدي كفاراً إلخ (رقم: ٧٠٧٨)، وفي العلم، باب رُبَّ مبلغ أوعى من سامع (رقم:
٦٧)، وأبو داود في الحج، باب الأشهر الحرم (رقم: ١٤٧).
قوله: (الزمان قد استدار كهيئته) إلخ: ووقع عند البخاري في المغازي: ((كهيئة يوم خلق
الله السموات)) بدون هاء الضمير. واختلف الشراح في تفسير هذه الجملة على أقوال:
١ - فقال بعضهم: إنها متعلقة بما كان أهل الجاهلية يفعلون من النسيء. قال أبو عبيد:
((كانوا ينسئون، أي: يؤخرون، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّمَا الشَّيِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾
[سورة التوبة، الآية: ٣٧] فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرم، فيؤخرون تحريمه إلى صفر، ثم
يؤخرون صفر في سنة أخرى، فصادف تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه)) حكاه النووي
رحمه الله .
ثم اضطربت كلمات القوم في تفسير النسيء، فمنهم من فسره بتأخير تحريم المحرم إلى
صفر، وعلى ذلك لا يختل أيام السنة، ومنهم من فسره بالكبس، وذلك أنهم يزيدون في كل سنة
أحد عشر يوماً، أو في كل ثلاث سنوات شهراً، وبه يعقل اختلال الأيام والشهور.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه: أن نسيء العرب كان على ضربين: أحدهما
تأخير شهر المحرم إلى صفر، لحاجتهم إلى شن الغارات، وطلب الثأرات، والآخر: تأخير
الحج عن وقته تحرياً منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يوماً حتى يدور
الدور فیه إلى ثلاثة وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته.
فإلى الضرب الأول أشار أبو عبيد فيما حكينا من قوله، وفصله أبو علي القالي حكاية عن

٣١٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ابن الأنباري، فقال: ((إنهم كانوا إذا صدروا عن منى قام رجل من بني كنانة يقال له: نعيم بن
ثعلبة، فقال: أنا الذي لا أعاب، ولا يرد لي قضاء، فيقولون له: أنسئنا شهراً، أي: أَخَرَّ عَنَّا
حرمة المحرم، فاجعلها في صفر، وذلك أنهم كانوا يكرهون أن يتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا
تمكنهم الإغارة فيها، لأن معاشهم كان من الإغارة، فيحل لهم المحرم، ويحرم عليهم صفراً،
فإذا كان في السنة المقبلة حرم عليهم المحرم، وأحل لهم صفراً)) راجع الأمالي لأبي علي القالي
(١ : ٤) .
وإلى الضرب الثاني أشار البيروني في الآثار الباقية (١١، ١٢، ٦٢، ٣٢٥) حيث قال:
((كان يدور حجهم في الأزمنة الأربعة (يعني: في الصيف، والشتاء، والخريف، والربيع). ثم
أرادوا أن يحجوا في وقت إدراك سلعهم من الأدم، والجلود والثمار، وغير ذلك، وأن يثبت ذلك
على حالة واحدة، وفي أطيب الأزمنة وأخصبها، فتعلموا الكبس من اليهود المجاورين لهم.
وذلك قبل الهجرة بقريب من مائتي سنة. فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود من إلحاق فضل
ما بين سنتهم وسنة الشمس شهراً بشهورها إذا تم .... ويسمون هذا من فعلهم النسيء، لأنهم
ينسأون أول السنة في كل سنتين، أو ثلاث، شهراً، على حسب ما يستحقه التقدم)).
وأوضحه السهيلي فيما حكى عنه القلقشندي في صبح الأعشى (٢: ٣٨٧)، فقال: ((كانوا
يؤخرون في كل عام أحد عشر يوماً، حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته،
فلما كانت سنة حجة الوداع، وهي سنة تسع من الهجرة، عاد الحج إلى وقته اتفاقاً في ذي
الحجة كما وضع أولاً، فأقام رسول الله وم ير فيه الحج، ثم قال في خطبته التي خطبها يومئذ: إن
الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، بمعنى أن الحج قد عاد في ذي
الحجة)) .
وراجع لتفصيل النسيء والكبس في الجاهلية مروج الذهب للمسعودي (٢: ٥٧ و١٨٨)،
والتفسير الكبير للرازي (٤: ٤٤٧)، وتفسير ابن جرير (١٠: ٩١)، وتفسير القرطبي ٨: ١٣٧،
وقد استقصى الدكتور جواد على هذا الموضوع في كتابه ((المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام))
(٨: ٤٨٨ إلى ٥٠٨).
٢ - والقول الثاني في تفسير هذا الحديث ما ذكره يوسف بن عبد الملك في كتابه ((تفضيل
الأزمنة)) أن هذه المقالة صدرت من النبي وَّر في شهر مارس، وهو آذار، وهو برمهات بالقبطية.
وفيه يستوي الليل والنهار، عند حلول الشمس برج الحمل. ذكره الحافظ في بدء الخلق من فتح
الباري (٦ : ٢٩٥).
فكأنه يريد أن المراد من استدارة الزمان إلى هيئة أول خلق السماوات والأرض استواء
الليل والنهار.

٣١٥
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. السَّنَّةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ. ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ:
.
٣ - ويقاربه قول الخوارزمي، حيث قال: ((إن الله تعالى لما خلق الشمس أجراها في أول
برج الحمل، والزمان الذي تكلم فيه النبي ◌ّ ر بهذا، كانت الشمس في أول برج الحمل)) حكاه
الأبي. واعترض عليه بوجهين:
الأول: ما ذكره القرطبي من أن مقتضى قول الخوارزمي أن الله تعالى خلق البروج أولاً،
ثم خلق الشمس، وأجراها في أول برج الحمل، وهذا لا يوصل إليه إلا بنقل عن الأنبياء ولا
نقل عنهم في ذلك
والثاني: ما ذكره الأبي، فقال: ((لما وقفت له على هذا التأويل دعا ذلك لتعديل ذلك
اليوم، فعدل لاختيار ما قال، فلم يوجد كما زعم، بل وجدت الشمس في تاسع ذي الحجة سنة
عشر قطعت من برج الحوت نحو العشرين درجة، لكنها فيما أظن في مثل هذا اليوم من سنة تسع
كانت في أول الحمل)) وحكي مثله عن القاضي عياض، وراجع للتفصيل شرح الأبي لصحيح
مسلم (٤: ٤٢٠ و٤٢١).
٤ - والوجه الرابع في تفسير هذه المقالة ما سمعته عن بعض أساتذتي، وذلك أن المراد من
استدارة الزمان رجوعه إلى الفطرة التي فطره الله عليها. وذلك أن الإسلام دين الفطرة، فلما خلق
الله السماوات والأرض لم يكن هناك دين إلا الإسلام، فكان هذا الدين من فطرة الزمان، فلما
أحدث الناس أدياناً أخرى ابتعد الزمان عن فطرته، فلما جاء النبي الكريم وَلَّ وأعاد الناس إلى
الدين القديم رجع الزمان إلى فطرته يوم خلق الله السماوات والأرض.
ولم أر هذا التفسير في كلام شراح الحديث، ولكنه غير بعيد، والله سبحانه أعلم.
قوله: (منها أربعة حرم) فالمحرم في أول السنة، ورجب في وسطها، وذو القعدة وذو
الحجة في آخرها، وقد ذكر العلامة ابن أبي جمرة الأندلسي رحمه الله في سبب تفريقها في السنة
وجهاً لطيفاً، فقال:
((فأما من طريق حكمة النظام، فإن الأفخر من الأشياء يزين به أول النظام، ووسطه وآخره.
فلما نظمت القدرة درر الأشهر في سلك الاجتماع جعلت لاستفتاح النظام بشهر حرام. ووسطه
بشهر حرام، وهو رجب، ثم ثالثهما في مناظرة الحسن شهر رمضان. وفصل بينهما بدرة شهر
شعبان، الذي فهم سيدنا ◌َّ حسن نظم القدرة في الأشهر، فزاد وسطها حسناً بترفيع شعبان
بكثرة الصوم فيه ..... حتى أضيف الشهر إليه عليه السلام، فقيل: شهر نبيكم شعبان، فجاءت
حرمة محمدیة وسط حرمتین ربانیتین، شعبان شهر محمد قليلا، ورجب ورمضان شهران ربانیان،
فحسن النظام واستنار)).
((وختم آخر نظام النسة بشهرين حرامين، وفي تفضيل آخر السنة بأن كان فيه شهران حرامان

٣١٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ. وَرَجَبٌ، شَهْرُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)). ثُمَّ
وجوه من الحكمة: منها: أن الختام له أبداً علم زائد بمقتضى الحكمة الربانية قال تعالى: ختامه
مسك، وقال عليه السلام: الأعمال بخواتمها، فإذا حسنت الخاتمة حسن الكل، وزاد حسناً
على حسن، ... وفيه إشارة إلى اللطف منه جل جلاله بعباده، لأنه من غفل، أو كان له عذر في
السنة كلها جعل له في آخرها تكثير في عدد ذوي الحرمة لعله يحصل له حرمة، فيا لله ما أحسن
نظمه سبحانه)) وراجع بهجة النفوس لابن أبي جمرة (٤: ١١٢ و١١٣).
قوله: (ذو القعدة) بفتح القاف وكسرها، سمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال
لكونه أول الأشهر الحرام، ويجمع على (ذوات القعدة)، وحكى الكوفيون (أولات القعدة).
وربما قالوا في الجمع ذات القعدة أيضاً. كذا في صبح الأعشى، للقلقشندي (٢: ٣٦٦).
قوله: (وذو الحجة) بكسر الحاء، ووجه تسميته ظاهر، لكون الحج يقع فيه، والكلام في
جمعه، كالكلام في ذي القعدة. وتسميه العرب العاربة: (برك)) على وزن عمر، غير مصروف،
لأنه تبرك فيه الإبل للموسم.
قوله: (والمحرم) سمي بذلك لأنهم كانوا يحرمون فيه القتال، ويجمع على (محرمات).
و(محارم) و(محارم)، وتسميه العرب العاربة: (المؤتمر) بكسر الميم، أخذا من أمر القوم: إذا
كثروا. بمعنى أنهم يحرمون فيه القتال، فيكثرون. وقيل: أخذا من الائتمار، بمعنى أنه يؤتمر فيه
بترك الحرب، ويجمع على مؤتمرات.
قوله: (ورجب) سمي بذلك لتعظيمهم له، أخذا من الترجيب، وهو التعظيم، ويجمع على
(رجبات) و(أرجاب).
قوله: (شهر مضر) إلخ: قال النووي: ((وإنما قيده هذا التقييد مبالغة في إيضاحه، وإزالة
للبس عنه. قالوا: وقد كان بين بني مضر وبين ربيعة اختلاف في رجب، فكانت مضر تجعل
رجباً هذا الشهر المعروف الآن، وهو الذي بين جمادى وشعبان، وكانت ربيعة تجعله رمضان.
فلهذا أضافه النبي (َّ إلى مضر)).
((وقيل: لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم. وقيل: إن العرب كانت تسمي رجباً
وشعبان: الرجبين، وقيل: كانت تسمي جمادى ورجباً: جمادين، وتسمى شعبان رجباً)).
قوله: (الذي بين جمادى وشعبان) فأما جمادى فبضم الجيم والقصر بعد الدال، سمي
بذلك لجمود الماء فيه. لأن الوقت الذي سمي فيه بذلك كان الماء فيه جامداً لشدة البرد. ويقال
في التثنية: جماديان الأوليان، وفي الجمع: جماديات الأوليات.
وأما شعبان فبفتح الشين، سمي بذلك لتشعبهم فيه، لكثرة الغارات عقب رجب، وقيل:
لتشعب العود في الوقت الذي سمي فيه. وقيل لأنه شعب بين شهري رجب، ورمضان، ويجمع

٣١٧
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
قَالَ: ((أَيُّ شَهْرِ هُذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرٍ
اسْمِهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟)) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَأَيُّ بَلَدٍ هُذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟)) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَأَيُّ
يَوْمِ هُذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكْتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ:
((أَلَيِّسَ يَوْمَ النَّخْرِ؟)) قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ (قَالَ مُحَمَّدٌ:
وَأَحْسِبُهُ قَالَ) وَأَغْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ. كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هُذَا، فِي بَلَدِكُمْ هُذَا، فِي شَهْرِكُمْ
هُذَا. وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ. فَلاَ تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّاراً (أَوْ ضُلاَّلاً) يَضْرِبُ
بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ
بَعْضٍ مَنْ سَمِعَهُ)). ثُمَّ قَالَ: ((أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟)).
على (شعبانات) و(شعابة) على حذف الزوائد. وحكى الكوفيون: شعابين. كذا في صبح
الأعشى (٢: ٣٦٥).
قوله: (أي شهر هذا؟) قال القرطبي: ((سؤاله ◌َلول عن الثلاثة، وسكوته بعد كل سؤال منها
كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه)) كذا في
الفتح.
وقال النووي: ((وقولهم: الله ورسوله أعلم، هذا من حسن أدبهم، وأنهم علموا أنه وَّ لا
يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، فعرفوا أنه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفون)).
قوله: (كحرمة يومكم هذا) قال الحافظ في الفتح (١: ١٥٩): ((ومناط التشبيه في قوله:
كحرمة يومكم، وما بعده ظهوره عند السامعين، لأن تحريم البلد، والشهر، واليوم، كان ثابتاً في
نفوسهم، مقرراً عندهم، بخلاف الأنفس، والأموال، والأعراض، فكانوا في الجاهلية
يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم، وماله، وعرضه أعظم من تحريم البلد،
والشهر، واليوم. فلا يُرَدُّ كَون المشبه به أخفض رتبة من المشبه، لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة
لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع)).
قوله: (يضرب بعضكم رقاب بعض) الصواب: يضرب، برفع الباء، وقيل: بجزمها، على
كونه جواباً للنهي. وقد تقدم شرح هذه المقالة بما فيها في كتاب الإيمان، باب بيان معي قول
النبي ◌ُّل: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)).
قوله: (ليبلغ الشاهد الغائب) أمر غائب من التبليغ، وعليه فالباء مفتوحة، واللام مشددة،
وقيل: إنه من الإبلاغ، فباؤه ساكنة، ولامه مخففة. والمراد من الشاهد: الحاضر في المجلس،
والمقصود إما تبليغ القول المذكور، وإما تبليغ جميع الأحكام. وفيه الأمر بالتبليغ والحض عليه.
قوله: (يكون أوعى له) الوعي: مجموعة الحفظ والفهم والقبول، قال الزبيدي: ((وعاه،

٣١٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي رِوَايَتِهِ: ((وَرَجَبُ مُضَرَ)). وَفِي رِوَايةِ أَبِي بَكْرٍ: ((فَلاَ تَرْجِعُوا
بغدِي)) .
٤٣٦٠ - (٣٠) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيِهِ. قَالَ:
لَمَّا كَانَ ذُلِكَ الْيَوْمُ. فَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ. فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هُذَا؟))
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. حَتَّى ظَنَّا أَنْهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. فَقَالَ: ((أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟))
قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَأَيُّ شَهْرِ هُذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالْ: ((أَلَيْسَ
بِذِي الْحِجَّةِ؟)) قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَأَيُّ بَلَدٍ هُذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِيهِ سِوَى اسْمِهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ بِالْبَلْدَةِ؟)) قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ. كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا. فِي شَهْرِكُمْ
هذَا. فِي بَلَدِكُمْ هُذَا. فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ)).
قَالَ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحْنٍ فَذَبَحَهُمَا .
أي: الشيء والحديث، يعيه وعياً: حفظه، وفهمه، وقبله، فهو واع، وهو حديث أبي أمامة: ((لا
يعذب الله قلباً وعى القرآن)). قال ابن الأثير: أي عقله إيماناً به وعملاً، فأما من حفظ ألفاظه،
وضيع حدوده، فإنه غير واع له))، كذا في تاج العروس.
واحتج به العلماء لجواز رواية الفضلاء وغيرهم من الشيوخ الذين لا علم لهم عندهم، ولا
فقه، إذا ضبط ما يحدث به، كذا في شرح النووي.
وفيه جواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطاً في الأداء، وأنه قد يأتي في
الآخر من يكون أفهم ممن تقدمه. لكن بقلة. كذا في فتح الباري (١: ١٥٩).
٣٠ - (٠٠٠) - قوله: (الجهضمي) بفتح الجيم والضاد، نسبة إلى الجهاضمة، وهي محلة
بالبصرة، نسبت إلى الجهاضمة، وهم بطن من الأزد، ينسبون إلى جهضم بن عوف بن مالك.
ونصر بن علي هذا من العلماء المتقنين، روى عنه الجماعة. وكان المستعين بالله دعاه إلى
القضاء، فدعاه عبد الملك أمير البصرة بذلك أيضاً فقال: أرجع، فأستخير الله؛ فرجع إلى بيته
نصف النهار. فصلى ركعتين، وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فنام، فأنبهوه،
فإذا هو ميت، وكان ذلك في ربيع الآخر (سنة: ٢٥٠هـ) كذا في الأنساب للسمعاني (٣ :
٤٣٥).
قوله: (ثم انكفأ إلى كبشين) وذكر الدارقطني أن هذا وهم من ابن عون فيما قيل، وإنما
رواه ابن سيرين عن أنس، فأدرجه ابن عون هنا في هذا الحديث. فرواه عن ابن سيرين، عن

٣١٩
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا .
٤٣٦١ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ.
قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَال عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَّ ذُلِكَ الْيَوْمُ
جَلَسَ النَّبِيُّ وَّهِ عَلَى بَعِيرٍ. قَالَ: وَرَجُلٌ آخِذٌ بِزِمَامِهِ (أَوْ قَالَ: بِخِطَامِهِ). فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ
يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعِ .
٤٣٦٢ - (٣١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنَْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ
هُوَ فِي نَفْسِي أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنٍ جَبَلَةَ
وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا قُرَّةُ بِإِسْنَادٍ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ (وَسَمَّى الرَّجُلَ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. قَالَ: خَطَبَنَا
رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَوْمَ النَّحْرِ. فَقَالَ: ((أَيُّ يَوْم هُذَا؟)) وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ .
غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَذْكُرُ ((وَأَعْرَاضَكُمْ)) وَلاَ يَذْكُرُ؛ ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنٍ، وَمَّا بَعْدَهُ. وَقَالَ فِي
الْحَدِيثِ: (كَحُزْمَةِ يَوْمِكُمْ هُذَا. فِي شَهْرِكُمْ هُذَا. فِي بَلَدِكُمْ هُذَا إِلَّى يَوْمٍ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ. أَلَا
هَلْ بَلَّغْتُ؟)) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ)).
عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. وقد حذف البخاري هذه الزيادة عن ابن عون، وقد ذكره
المصنف عن أيوب، عن قرة، فلم يذكر هذه الزيادة أيضاً. وقال القاضي: ((الأشبه أن هذه
الزيادة إنما هي في حديث آخر في خطبة عيد الأضحى، فوهم فيها الراوي، فذكرها مضمومة إلى
خطبة الحجة، أو هما حديثان ضم أحدهما إلى الآخر)) كذا في شرح النووي، والله أعلم.
قوله: (إلى جزيعة) بضم الجيم، وفتح الزاي، وهي القطعة من الغنم، تصغير جزعة،
بكسر الجيم، وهي القليل من الشيء. وضبطه ابن فارس بفتح الجيم، وكسر الزاي، وكأنها فعلية
بمعنى مفعولة، كضفيرة بمعنى مضفورة. والمشهو في رواية المحدثين هو الأول. كذا في شرح
النووي .
(٠٠٠) - قوله: (حماد بن مسعدة) بفتح الميم، وسكون السين، وفتح العين، التميمي
البصري، من رواة الجماعة.
(٣١) - (٠٠٠) - قوله: (وسمى الرجل حميد بن عبد الرحمن) يعني: سمى الرجل الذي
أبهمه يحيى بن سعيد بقوله: ((وعن رجل آخر هو في نفسي أفضل إلخ)) والظاهر أن حميد بن
عبد الرحمن هذا هو ابن عبد الرحمن بن عوف الصحابي ولكني لم أجد في أساتذته أبا بكرة،
ولا في تلامذته ابن سيرين، والله أعلم.

٣٢٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٠) - باب: صحة الإقرار بالقتل وتمكين وليّ
القتيل من القصاص، واستحباب طلب العفو منه
٤٣٦٣ - (٣٢) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ،
عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: ((إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ
النَّبِيِّ وَّهِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُذَا قَتَلَ أَخِي. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَقَتَلْتَهُ؟)) (فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيْنَةَ) قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتُهُ.
قَالَ: ((كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟)) قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ. فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي. فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ
عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْتُهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّ: ((هَل لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟)) قَالَ: مَالِي مَالٌ
(١٠) - باب: صحة الإقرار بالقتل
٣٢ - (١٦٨٠) - قوله: (أن أباه حدثه) يعني: وائل بن حجر رُّله، وهذه القصة لم يخرجها
من حديث وائل بن حجر إلا المصنف رحمه الله، وأخرج النسائي في القسامة، باب القود، وابن
ماجه في الديات، باب العفو عن القاتل (رقم: ٢٦٩١) عن أنس بن مالك نظ به: ((أن رجلاً أتى
بقاتل وليه رسولَ اللهِ وَّر. فقال النبي ◌َّ: اعف عنه، فأبى، فقال: خذ الدية، فأبي؛ فقال:
اذهب فاقتله، فإنك مثله، فذهب، فلحق الرجل، فقيل له: إن رسول الله وَّيه قال: إن قتله فإنه
مثله، فخلى سبيله، فمر بي الرجل، وهو يجر نسعته))، فيحتمل أن تكون قصة هذا الحديث
وحديث الباب واحدة، والله سبحانه أعلم.
قوله: (بنسعة) بكسر النون، وسكون السين، قال النووي: هي حبل من جلود مضفورة،
وقال في مجمع البحار (٢: ٣٥٢): ((سير مضفور يجعل زماماً للبعير وغيره، وقد ينسج عريضة
يجعل على صدر البعير، وجمعه نسع، وأنساع)).
قوله: (نختبط من شجرة) الاختباط: جمع الخبط (بفتحتين)، وهو ورق الثمر، أن يضرب
الشجر بالعصا، فيسقط ورقه، فيجمعه علفاً .
قوله: (فضربته بالفأس على قرنه) أما الفأس فهو سلاح معروف، يصنع لقطع الخشب
ونحوه، ثم ربما يستعمل للقتل أيضاً، ويسمى بالأردية: ((كلهازي)). وأما القرن فقد فسره النووي
رحمه الله بجانب الرأس، وقيل: إنه أعلى الرأس. والأصل أن القرن يستعمل في كلا المعنيين،
فربما يراد به موضع القرن من الحيوان، وهو جانب الرأس، وربما يراد الجانب الأعلى من
الرأس، وراجع تاج العروس للزبيدي (٩: ٣٠٥).
لا تجب الدية على القاتل في العمد إلا برضائه:
قوله: (هل لك من شيء تؤديه؟) يعني: صلحاً عن القصاص، وفي سؤاله ◌َّ القاتل عن