Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب: الأيمان
وقد أسند البيهقي عن الشافعي كَّلُ، قال: ((قال لي علي بن ظبيان: كنت أحدث به
مرفوعاً، فقال لي أصحابي: ليس بمرفوع، وهو موقوف علي ابن عمر، فوقفته)) ولكن ذلك يدل
على تلقنه في الوقف، لا في الرفع، فلا يقطع بضعف ما رواه مرفوعاً.
وبالجملة، فروي هذا الحديث مرفوعاًبطريق متعددة، ولو سلم ضعف جميعها، فلا أقل
من أن يكون حسناً لغيره بتعدد الطرق، وقد رأيت أن دعوی تفرد عبيدة حسان به، كما ادعاه
الدار قطني وغيره، دعوى غير صحيحة، لأنها مروية بطرق أخرى أيضاً .
واستدل الحنفية أيضاً بما أخرجه البيهقي (١٠ : ٣١١) من طريق محمد بن طريف، عن ابن
فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال
رسول الله ثر: ((لا بأس ببيع خدمة المدبر إذا احتاج)) فإن تخصيص بيع الخدمة عند الاحتياج
يدل على أن الجائز إنما هو إجارة المدبر، لا بيعه. وليس ذلك استدلالاً بالمفهوم، لأننا قدمنا
غير مرة أن مذهب الحنفية في عدم اعتبار المفهوم حاصله أن الشيء المسكوت يبقى على ما كان
قبل حكم المنطوق. ولا شك أن عقد التدبير بطبيعته يقتضي منع بيع المدبر، فلو لم يجىء نص
في جواز بيع المدبر أو حرمته لكان مقتضى القياس الحرمة، لأن فيه إبطال حق المدبر، ورد
الحرية إلى الرق، فلما أجاز النص بيع خدمة المدبر بقي بيع رقبته على أصله، وهو عدم الجواز.
وأعل البيهقي هذا الحديث بأنه خطأ من محمد بن طريف، والحديث الصحيح ما رواه
غيره عن عبد الملك، عن أبي جعفر مرسلاً: ((أن النبي ◌َّر باع خدمة المدبرة)) وأدخل محمد بن
طريف حديثاً في حديث، واشتبه عليه الأمر، فرواه كحديث قولي.
وتعقبه المارديني في الجوهر النقي (١٠: ٣١١)، فقال: ((اعترض ابن القطان على هذا بما
ملخصه أنه إن كان فيه خطأ فهو عن ابن فضيل، لأنه الذي خولف فيه، ولا يبعد أن يكون عند
عبد الملك حديثان: أحدهما عن أبي جعفر مرسلاً: ((أنه ظلَّلا باع خدمة المدبر))، والآخر عن
عطاء، عن جابر، قال ظلّل: ((لا بأس ببيع خدمة المدبر))، فرواه عبد الملك كذلك مرسلاً،
ومسنداً، وليس من قصر به فلم يسنده، حجة على من حفظه وأسنده إذا كان ثقة. وابن طريف
وابن فضيل صدوقان مشهوران من أهل العلم، فلا ينبغي أن يخطأ واحد منهما)).
وحاصل ذلك أن المحدثين اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه، ومثل ذلك يصح للاستدلال.
لا سيما إذا كان قول المصحح مبنياً على رد دلائل الجارح، والله أعلم.
ثم عند الحنفية آثار قوية لعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت،
وعبد الله بن عمر رضي ﴿ه، أخرجها البيهقي، كلهم يرون عدم جواز بيع المدبر، ونفاذ عتقه
من الثلث فقط .

٢٢٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
وأما واقعة حديث الباب فاعتذر عنها بعض الحنفية بأنه يحتمل أن يكون العبد مدبراً
مقيداً، وبيعه يجوز عند الحنفية أيضاً، ولكن معظم الروايات تنابذ هذا التأويل، وقد وقع
التصريح في رواية الباب أنه: ((أعتق غلاماً له عن دبر))، وإن هذا اللفظ لا يحتمل التدبير المقيد.
فلا ينبغي التعويل عليه.
والأحسن عندي في الجواب عن قصة الباب ما أشار إليه ابن التركماني في الجوهر النقي
(١٠: ٣١٣) بقوله: ((ويمكن أن يحمل بيع المدبر على بيع خدمته فيتفق الحديثان، والحاصل أن
رسول الله وَّي لم يبع رقبة ذلك المدبر، وإنما أجاره وأكراه واستشهد له المارديني بما روى عن
جابر: قال ظلّل: ((من كان له أرض فليزرعها أو يزارعها ولا يبيعوها))، قلت له: يعني الكراء،
قال: نعم)) فأطلق لفظ البيع على الكراء، فكذلك لفظ (أو يزارعها) في حديث الباب محمول
على الكراء.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويؤيد هذا التأويل ما أخرجه الدارقطني في كتاب
المكاتب من سننه (٤: ١٣٧) عن عبد الغفار، عن أبي جعفر قال: ((ذكر عنده أن عطاء وطاوس
يقولان عن جابر في الذي أعتقه مولاه في عهد رسول الله وَلّ، كان أعتقه عن دبر، فأمره أن
يبيعه، ويقضي دينه، فباعه بثمانمائة درهم، قال أبو جعفر: شهدت الحديث من جابر، إنما أذن
في بیع خدمته)).
وأعله الدارقطني بعبد الغفار بن القاسم، فإنه متهم بالكذب، والغلو في التشيع، وهو
مذكور في كتب رجال الشيعة، كرجال النجاشي (ص: ١٧٣)، ومقدمة وسائل الشيعة. (١:
يب). ولكن قال صاحب التنقيح: ((وعبد الغفار من غلاة الشيعة. وقد روى عنه شعبة، قال ابن
عدي: ومع ضعفه يكتب حديثه)) كما في التعليق المغني. ومعروف أن شعبة متعنت في الرجال،
فروايته عنه دليل لكونه مقبولاً عنده، فلا أقل من أن تكون هذه الرواية مؤيده لما ذكرنا من تأويل
حديث الباب.
على أنها تشهد لها رواية أخرى، وهي ما أخرجها الدارقطني بعد ذلك من طريق
عبد الملك بن أبي سليمان عن أبي جعفر، قال: (باع رسول الله وَ ل خدمة المدبرة)) ولم يختلف
المحدثون في تصحيح هذه الرواية، وغاية ما انتقد عليها الدارقطني أنها مرسلة، ولكنه صرح بأن
أبا جعفر ثقة، فمرسل مثله مقبول عندنا، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فاشتراه نعيم بن عبد الله) نعيم مصغر، وقد وقع في الرواية الآتية: ((فاشتراه ابن
النحام)) وظاهره أن النحام كان لقب أبيه، ولكن غَلّط النووي هذه الرواية، وقال: إن النحام لقب
النعيم، لا لأبيه، واستدل بما جاء في حديث من قول النبي وّلهو: ((دخلت الحنة، فسمعت فيها

٢٢٣
كتاب : الأيمان
بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم. فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ.
قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: عَبْداً قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ.
٤٣١٥ - (٥٩) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِراً يَقُولُ: دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ
الأَنْصَارِ غُلاَّمَاً لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ. فَبَاعَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ.
قَالَ جَابِرٌ: فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ. عَبْداً قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ، فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ .
٤٣١٦ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ رُمْحِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ فِي الْمُدَبَّرِ. نَحْوَ حَدِيثٌ حَمَّادٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ .
نحمة لنعيم)) والنحمة: بفتح النون، وسكون الحاء: الصوت، وقيل: هي السلعة، وقيل:
النحنحة .
ولكن تعقبه الحافظ في الفتح (٥: ١٦٦) بأن الحديث المذكور رواه الواقدي وهو ضعيف،
ولا ترد الروايات الصحيحة برواية مثله فلعل النحام كان لقباً له ولأبيه جميعاً .
ونعيم هذا هو ابن عبد الله بن أسيد، قرشي عدوي أسلم قديماً قبل عمر، فکتم إسلامه،
وأراد الهجرة، فسأله بنو عدي أن يقيم على أي: دين شاء، لأنه كان ينفق على أراملهم
وأيتامهم، ففعل، ثم هاجر عام الحديبية، ومعه أربعون من أهل بيته، واستشهد في فتوح الشام
زمن أبي بكر، أو عمر ﴿ه، وروى الحارث في مسنده بإسناد حسن أن النبي ◌َّ سماه صالحاً،
وكان اسمه الذي يعرف به نعيماً، كذا في فتح الباري.
قوله: (بثمانمائة درهم) قال الحافظ في بيوع الفتح (٤: ٤٢٢): ((اتفقت الطرق على أن
ثمنه ثمانمائة درهم، إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم، عن إسماعيل، قال: سبعمائة، أو
تسعمائة)) ولا شك أن رواية ثمانمائة أكثر، وأوثق، لأن الجازم مقدم على الشاك، والله أعلم.
قوله: (مات عام أول) بالصرف وعدمه، على أنه فوعل، أو أفعل، ويجوز بناؤه على
الضم، كذا في مجمع البحار، يعني: العام الماضي.
٥٩ - (٠٠٠) - قوله: (دَبَّر رجل من الأنصار) قد وقع في رواية لأبي داود والنسائي أن كنية
المولى أبو مذكور، واسم الغلام يعقوب، وعزاه الحافظ في الفتح (٤: ٤٢١) إلى مسلم أيضاً
ولم أجده في النسخ الموجودة عندي.
قوله: (ابن النحام) بفتح النون، والحاء المثقلة، كما ضبطه الجمهور، وضبطه ابن
الكلبي: بضم النون، وتخفيف الحاء، ومنعه الصغاني، كذا في الفتح (٥: ١٦٦)، وقد مر
الاختلاف في أنه لقبه، أو لقب أبيه.

٢٢٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٣١٧ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَذَّثَنَا الْمُغِيرَةُ (يَعْنِي الْحِزَامِيَّ) عَنْ
عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. حٍ وَحَدَّثَنِي
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم. حَدُّنَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ)ً عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّم. حَدَّثَنِي
عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ. حَ وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذْ، حَدَّثَنِي أَبِىٍ، عَنْ مَطَرٍ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، وَأَبِيِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُمْ فِي
بَيْعِ الْمُدَبَّرِ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ وَِِّّ بِمَعْنَى حَدِيثٍ حَمَّادٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو،
عَنَّ جَابِرٍ .
(٠٠٠) - قوله: (حدثنا المغيرة، يعني الحزامي) بكسر الحاء، وتخفيف الزاء، إنما يقال له
ذلك لأنه من ولد حكيم بن حزام عظته، وقيل: إنه من ولد خالد بن حزام، واسم أبيه
عبد الرحمن، قال الجوزجاني عنأحمد: ما بحديثه بأس، وقال الدوري، عن ابن معين: ليس
بشيء، وقال أبو داود: رجل صالح كان ينزل عسقلان، وقال النسائي: ليس بالقوى، وقال أبو
زرعة: هو أحب إليَّ من ابن أبي الزناد وشعيب، يعني: في حديث أبي الزناد. وقال ابن عدي:
ينفرد بأحاديث، وأورد منها جملة، ثم قال: عامتها مستقيمة، وذكره ابن حبان في الثقات. كذا
في التهذيب (١٠ : ٢٦٦).
قوله: (عن عبد المجيد بن سهيل) هو حفيد لعبد الرحمن بن عوف وَلچر، وكنيته أبو محمد،
ويقال: أبو وهب المدني، وثقه ابن معين، والنسائي، وابن البرقي، وذكره ابن حبان في الثقات،
وقال الحاكم: شيخ من ثقات المدنيين، عزيز الحديث أخرج عنه الشيخان. والنسائي، وأبو
داود، كما فى التهذيب (٦: ٣٨٠).
قوله: (أبو غسان المسمعي) بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، وسكون السين بينهما،
اسمه مالك بن عبد الواحد، قال ابن حبان في الثقات: يغرب، مات (سنة: ٢٣٠هـ)، وفيها
أرخه ابن قانع، وقال: ثقة ثبت، كما في التهذيب (١٠: ٢٠)، والمسمعي: نسبة إلى المسامعة،
بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية، محلة بالبصرة، كما في الأنساب للسمعاني (١٢: ٢٦٣).
قد تم شرح كتاب صحبة المماليك الثالث من شهر شوال المكرم سنة أربع وأربعمائة بعد
الألف من الهجرة النبوية، على صاحبها السلام، بعون الله تعالى وحسن توفيقه، وإياه أسأل
لإكمال باقي الأبواب، إنه على كل شيء قدير.

٢٢٥
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والدّيات
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
من هنا ينتقل المؤلف رحمه الله تعالى من أحاديث الحقوق المدنية إلى أحاديث تتعلق
بالحقوق الجنائية. ومن المناسب قبل الخوض في شرحها أن نأتي بمقالة وجيزة حول أصول
الأحكام الجنائية في الإسلام، وأسرارها، وأثرها على المجتمع، وما أثير حولها من شبه في
عصرنا الحاضر، وبالله التوفيق.
قد أثار أهل الغرب في هذه القرون الأخيرة شغباً ضد التشريع الجنائي الإسلامي، بأن
أحكامه قاسية أشد القساوة، والعياذ بالله، فإنها توجب رجم إنسان حي حتى يموت، وقطع يده
ورجله، وصلبه على الخشبة، وقد تأثر بهذا الشغب بعض المنتمين إلى الإسلام، فشرعوا
يحرفون أحكام الشريعة الخالدة، ويتأولون في النصوص الواردة في هذا الشأن تأويلات باردة
يمجها المذاق العلمي السليم، كأن أحكامها الجنائية وصمة في جبين الإسلام يريد هؤلاء أن
يغسلوها أو يمحوها بهذه التأويلات الباردة، والعياذ بالله العظيم.
والحق أن الشريعة الإسلامية من أكثر التشريعات مرونة في أحكام الجنايات، فإنها لم
تحدد العقوبات، كتشريع أبدي خالد، إلا في جرائم مخصوصة لا يجاوز عددها السبعة وهي
جرائم القتل، والسرقة، والحرابة، والزنا، والقذف، وشرب الخمر، والردة؛ وتركت تحديد
العقوبات في جرائم سواها، وهي أكثر من أن تحصى إلى حاكم كل زمان ومكان، فيجوز
للحاكم بعد النظر في أحوال القضية المعروضة لديه، أن يترك الجاني بعد نظرة شزرة، أو تهديد
وتبكيت، ويجوز له أن يحكم عليه بما ناسبه من عقوبة أخرى تصلح لزجره وردعه عن ارتكاب
الجريمة مرة أخرى، حتى لو بدا للحاكم أن الجاني ممن لا يرجى صلاحه، ويخشى منه أن
يسري فساده إلى أعضاء المجتمع الآخرين، جاز أن يحكم عليه بالموت والإعدام.
فلا مرونة أكثر من أن يترك تحديد العقوبات على حكام كل زمان ومكان، يتخيرون من
العقوبات ما يناسب الجناة فى عصرهم ومصرهم، وإنما حددت الشريعة العقوبة في ست جرائم
ذكرناها، وذلك لأن هذه الجرائم من منابع الشر والفساد، وإن المضرة الناشئة منها تعم المجتمع

٢٢٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وتسري إلى الناس الآخرين، فعينت فيها الشريعة العقوبات، لتكون رادعة للجناة، وعبرة
لغيرهم، ولم يفوض تعيينها إلى الحكام، لما يخشى منهم التخفيف في ما ينبغي فيه التشديد.
وقال الإمام ولي الله الدهلوي رحمه الله في حجة الله البالغة (٢: ١٥٨): ((اعلم أن من
المعاصي ما شرع الله فيه الحد، وذلك كل معصية جمعت وجوهاً من المفسدة، بأن كانت فساداً
في الأرض، واقتضاباً على طمأنينة المسلمين وكانت لها داعية في نفوس بني آدم لا تزال تهيج
فيها، ولها ضراوة لا يستطيعون الإقلاع منها، بعد أن أشربت قلوبهم بها، وكان فيه ضرر لا
يستطيع المظلوم دفعه عن نفسه في كثير من الأحيان، وكان كثير الوقوع فيما بين الناس، فمثل
هذه المعاصي لا يكفي فيها الترهيب بعذاب الآخرة، بل لا بد من إقامة ملامة شديدة عليها،
وإيلام ليكون بين أعينهم ذلك، فيردعهم عما يريدونه؛ كالزنا، فإنها تهيج من الشبق، والرغبة في
جمال النساء، ولها شرٌ، وفيها عار شديد على أهلها، وفي مزاحمة الناس على موطوءة تغيير
الجبلة الإنسانية، وهي مظنة المقاتلات والمحاربات فيما بينهم، ولا يكون غالباً إلا برضاً الزانية
والزاني، وفي الخلوات حيث لا يطَلّع عليها إلا البعض، فلو لم يشرع فيها حد وجيع لم يحصل
الردع)) .
((وكالسرقة، فإن الإنسان كثيراً ما لا يجد كسباً صالحاً، فينحدر إلى السرقة، لها ضراوة في
نفوسهم، ولا يكون إلا خفاء بحيث لا يراه الناس، بخلاف الغصب، فإنه يكون باحتجاج وشبهة
لا يثبتها الشرع، وفي تضاعيف معاملات بينهما، وعلى أعين الناس، فصار معاملة من
المعاملات، وكقطع الطريق، فإنه لا يستطيع المظلوم ذبه عن نفسه وماله، ولا يكون في بلاد
المسلمين، وتحت شوكتهم، فيدفعوا، فلا بد لمثله أن يزاد في الجزاء والعقوبة)).
((وكشرب الخمر، فإن لها شرة، وفيها فساداً في الأرض، وزوالاً لمسكة عقولهم التي بها
صلاح معادهم ومعاشهم؛ وكالقذف، فإن المقذوف يتأذى أذى شديداً، ولا يقدر على دفعه
بالقتل ونحوه، لأنه إن قَتَلَ قُتِلَ به، وإن ضَرَبَ ضُرِبَ به، فوجب في مثله زاجر عظيم)).
فهذا هو السر في تعيين العقوبات في الحدود، وعدم تعيينها في تعزير الجرائم الأخرى ولا
شك أن العقوبات المعينة في أكثر الحدود شديدة جداً، ولكن الجرائم التي شرعت هذه
العقوبات بإزائها أشد فتنة، وأكثر فساداً، وأبعد عن المروءة الإنسانية، فالعجب من هؤلاء
المستغربين أنهم يسترحمون على الجناة والمجرمين، ولا يترحمون على المجتمع الذي يريد
هؤلاء المجرمون أن يسلبوا منه سلامه، وعافيته، وعصمته، ويتعدوا على نفوس المعصومين،
وأموالهم، وأعراضهم.
ثم إن الإسلام لم يكتف بأن يشرع هذه العقوبات فحسب، وإنما أحدث بأحكامه المتنوعة
بيئة تفتح أبواب الخير، وتسد أبواب الشر والفساد، وتحض الإنسان على المعروف وتنهى عن

٢٢٧
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
المنكر، وتُقوي فيها دواعي الحسنات، وتضمحل دواعي الفسق والعصيان ويتضح ذلك بمثال:
يعد الزنا من جملة الجنايات التي تعاقب بالحدود، ولكن الإسلام لم يكتف للقضاء على
هذه الجريمة بتشريع الحدود، بل شرع قبل ذلك أحكاماً تعوق الإنسان عن ارتكاب هذه
الفاحشة. فأمر النساء بالحجاب، وغض البصر، والقرار في بيوتهن إلا في مواضع الحاجة،
وعدم التبرج أمام الأجانب، وأن لا يبدين زينتهن إلا عند محارمهن، وأن لا يخضعن للأجانب
بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض، وأن لا يخرجن من البيوت إلا بجلابيبهن وفرض نفقتهن
على الرجال كي لا يحتجن إلى الخروج لكسب.
وأمر الرجال بغض البصر، وحضهم على النكاح، والمبادرة إليه بعد البلوغ، فإن النكاح
من أقوى أسباب العفاف، وتحصين الفرج، وجعل النكاح عقداً سهلاً لا مؤونة فيه إلا مؤونة
المهر والنفقة، ولم يشترط له القاضي، ولا الحفلات، ولا الجهاز الثقيل الذي يمنع الأولياء من
تزويج بناتهم حتى يحصل لهم المال الكثير الذي يجهزونهن به، فتبقى النساء في بيوت آبائهن
أيامى، وتحدث منهن الفتنة والفساد الكبير.
وأباح للرجال التزوج بالنساء مثنى، وثلاث، ورباع، بشرط أن يعدلوا بينهن، لأن كثيراً من
الناس لا يسكن شبقهم بالزوجة الواحدة التي تعرض لها فترات طويلة من الحيض، والحمل
والنفاس التي لا تصلح فيها المرأة للرجال، فأغناه الإسلام بالحلال عن الحرام، لئلا يطمع في
النساء الأجانب من طريق الزنا .
ثم جعل الإسلام لتنفيذ عقوبات الحدود شروطاً لا تكاد تتوفر إلا في قضايا شاذة، فلا
يجوز إقامة حد الزنا إلا بإقرار الجاني نفسه، أو بشهادة أربع شهود عاينوا هذه الفاحشة دون أيِّ
شبهة أو اشتباه، وشهدوا أمام القاضي بأنهم رأوا الجاني يرتكب هذه الفاحشة كالمِيْلِ في
المكحلة، وكالرشاء في البئر.
فمن تعدى هذه الحدود كلها، وارتكب الزنا بما جعل الشهود الأربعة يعاينونه دون أية
شبهة، فإنه لم ينتهك حرمة الحكم الواحد للشريعة فحسب، وإنما انتهك سائر الحرم التي جعلها
الإسلام كمقدمة لسد باب الزنا، فإنه خالف أحكام الحجاب، وغض البصر، والخلوة بالأجنبية،
وأتبع نفسه هواها، وارتكب هذه الفاحشة بمرأى من أربعة رجال عدول أحرار، بما أخرجه من
كرامة الإنسانية، وألحقه بالبهائم، وجعله في جسد الملة الإسلامية كالعضو الفاسد المنتن، الذي
يخشى سريان فساده إلى سائر الجسد، وما عاقبة مثل هذا العضو إلا أن يقطع من الجسد، ليأمن
باقي أعضائه من مثل هذا الفساد.
ولم يلم أحد طبيباً أو دكتوراً، أو جراحاً قطع مثل هذا العضو. وأفرده من الجسد، ولا

٢٢٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
اتهمه بالظلم والقساوة فإن هذه القساوة هي التي تصلح بها حياة المجتمع ولولا هذه القساوة
لظهر في العالم فساد كبير.
ومن العجيب أن المعترضين على هذه الحدود - وهم أهل الغرب ــ هم الذين أعناقهم مدينة
بدماء الألوف من النساء والشيوخ والصبيان الذين أحرقتهم قنابلهم الذرية في يابان، ولم تكن
جريمتهم إلا أنهم ولدوا في أرض عدوهم، فلم تمنعهم رأفتهم عن قتل هؤلاء وإعدامهم،
وإحراقهم، رغم أنهم لم يجنو على نفس أحد، أو ماله أو عرضه، ولكنهم يترحمون على الجناة
الطغاة، ويعترضون على من يرومهم بإقامة الحدود الشديدة، كأنه لم يخلق على وجه الأرض قوم
أرحم بالإنسانية منهم! فوالله ما هذه الاعتراضات على الحدود إلا وليدة العصبية العمياء، ونتيجة
الشحناء، وعنادهم الكامن في صدورهم ضد الإسلام والمسلمين.
وبعد هذا التمهيد نذكر جملة من ميزات التشريع الجنائي في الإسلام وخصائصه التي لا
توجد في تشريع سواه:
١ - تقسيم العقوبات إلى حدّ وتعزير:
إن الشريعة الإسلامية قد قسمت العقوبات الجنائية قسمين:
الأول: ما قدرت الشريعة مقداره وكيفيته بأحكام القرآن، أو السنة، وهو القصاص والحد،
هو تقدير أبدي خالد، لا يسع لأحد من الحكام، أو القضاة، أو الجماعة من مجلس النواب
وغيره، أن يحدث فيه تغيراً بالزيادة أو النقصان، وهي عقوبة الجرائم الستة التي ذكرناها، وقد
ذكرنا سر ذلك بلسان الإمام ولي الله الدهلوي رحمه الله تعالى.
والثاني: ما لم يقدر الشريعة مقداره، وكيفيته، وإنما فوضت تقديره إلى حاكم كل زمان
ومكان، فيختار للجاني ما بدا له من العقوبات المناسبة لزجره وردعه، وإن الزجر والردع في مثل
هذه الجنايات يختلف باختلاف الجاني، واختلاف أحوال الجناية، واختلاف البيئات التي
ترتكب فيها الجناية، فكان من حكمة التشريع الإسلامي أن لا يقدر فيها عقوبة مستقرة لا تقبل
أي تغير، لئلا يضيق الأمر على الحاكم، ولا يلجأ على التشديد في موضع التخفيف، أو على
التخفيف في موضع الشدة. ولذلك ذكر الفقهاء أن التعزير لا يختص بالضرب، بل قد يكون به
وقد يكون بالصفح، وبفرك الأذن، وقد يكون بالكلام العنيف بالضرب، وقد يكون بنظر القاضي
إليه بوجه عبوس، وراجع البحر الرائق (٥: ٤٠).
وقال ملك العلماء الكاساني رحمه الله في بدائع الصنائع (٦: ٦٤): ((ومن مشايخنا من
رتب التعزير على مراتب الناس، فقال: التعازير على أربعة مراتب: الأشراف، وهم: الدهاقون
والقواد، وتعزير أشراف الأشراف، وهم: العلوية والفقهاء، وتعزير الأوساط، وهم: السوقة،

٢٢٩
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
وتعزير الأخساء، وهم: السفلة. فتعزير أشراف الأشراف بالإعلام المجرد، وهو أن يبعث
القاضي أمينه إليه، فيقول له: بلغني أنك تفعل كذا وكذا. وتعزير الأشراف بالإعلام والجر إلى
باب القاضي، والخطاب بالمواجهة. وتعزير الأوساط: الإعلام، والجرّ والحبس. وتعزير
السفلة: الإعلام، والجر، والضرب، والحبس، لأن المقصود من التعزير هو الزجر، وأحوال
الناس في الانزجار على هذه المراتب)).
وليس المراد من ذلك أن هذه المراتب معينة لا يجوز للقاضي أن يعدوها، فلا يجوز أن
يعزر الأشراف بالضرب والحبس، كما فهم بعض الناس، وإنما هذا تمثيل لتفاوت الناس في أمر
الانزجار، والمقصود أن يعزر كل جان بما ناسب حاله، فإن حصل الانزجار بعقوبة أدنى، لا
يتجاوز إلى الأعلى، ولكن القاضي إن رأى أن الجاني على كونه من الأشراف لا ينزجر إلا
بالضرب والحبس، أو لا يحصل العبرة والنكال إلا بعقوبة أشد، فله أن يختار ما شاء من تعزير.
وهل يجوز له أن يعزر بأكثر من جلدات الحدود؟ فيه خلاف. وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب
الحدود، باب قدر أسواط التعزير، إن شاء الله تعالى.
هل يجوز تحديد التعزير بتقنين من الحكومة؟
ثم إن تعيين العقوبة ومقدارها مفوض في التعزير إلى رأي القاضي، ولم يزل عليه العمل
طوال القرون في البلاد الإسلامية، ولكن تشعر الحكومات اليوم بحاجة إلى تحديد قدر العقوبات
في جرائم التعزير، وذلك لظهور الفساد في الزمان، وتغير أحوال القضاة، فإن هذه الفسحة
الواسعة في اختيار القاضي ربما يشجعه على الرشوة، والجناية، والتشديد في موضع التخفيف،
والتخفيف في مواضع الشدة؛ وعدم التسوية بين جناة نوع واحد فهل يجوز للحكومة أن تضيق
دائرة اختيار القاضي؟ وتعين من قبلها العقوبات في جرائم ليس فيها حد معين؟ قد اختلفت في
ذلك أنظار علماء عصرنا .
فمن العلماء من يقول: لا خيار للحكومة أن تضيق من اختيار القاضي في التعزير، أو تعين
العقوبات في جرائم التعزير بتقنين من قبلها، لأنه لا يَبْقى حينئذ فرق بين الحد والتعزير، ولأن
ذلك يفوت المصلحة التي فوض من أجلها التعزير إلى رأى القاضي.
ولكن الراجح عندنا أنه لا مانع للحكومة من تضييق اختيار القاضي إذا رأت المصلحة في
ذلك، فيجوز لها أن تعين العقوبات في جرائم ليس فيها حد شرعي معين، والأحسن أن تترك
للقاضي دائرة يعمل اختياره في نطاقها. مثل أن تقول. من دخل دار غيره بغير إذنه السابق، أو
اللاحق، يعاقب بالحبس إلى مدة لا تقل من شهر، ولا تكثر على سنة، وحينئذ تضيق دائرة
اختيار القاضي من حيث أنه يلزمه أن يعاقب الجاني بحبس لا تقل مدته من شهر، ولا تجاوز

٢٣٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سنة واحدة، ولكن يكون له الخيار فيما بين شهر وسنة، فيعاقب الجناة فيما بين ذلك حسب
اختلاف أحوال القضية، واختلاف خطورة الجناية.
ويدل على جواز ذلك دلائل :
١ - إن تعيين العقوبة في التعزيز مفوض في الأصل إلى رأي الإمام. دون القاضي، كما
صرح به غير واحد من الفقهاء، (وراجع مثلاً فتح الباري (١٢: ٧٣) كتاب الحدود، باب
الضرب بالجريد والنعال) وإنما يفوض ذلك إلى القاضي كنائب عن الإمام. فلما كان الخيار
الأصلي لإمام، وهو الذي يفوضه إلى القاضي، جاز له أن يفوض قدراً معيناً من ذلك، ويمسك
قدراً .
٢ - قد ثبت في بعض الأحاديث أن النبي ◌ّ له عين العقوبات في بعض الجرائم التي ليس
فيها حد شرعي معين، مثل ما أخرجه الترمذي (رقم: ١٤٨٧) عن ابن عباس، عن النبي وَّل،
قال: ((إذا قال الرجل للرجل: يا يهودي، فاضربوه عشرين، وإذا قال: يا مخنث! فاضربوه
عشرین)) .
وأعله الترمذي بضعف إسماعيل بن إبراهيم ابن أبي حبيبة، ولكنه أخرج عنه أبو داود وابن
ماجه أيضاً، ووثقه الإمام أحمد بن حنبل، والعجلي، والحربي، وابن عدي، وقال محمد بن
سعد: ((كان مصلياً، عابداً، صام ستين سنة، وكان قليل الحديث)) كما في التهذيب (١: ١٠٤)
وقال فيه ابن معين مرة: صالح الحديث، كما في ميزان الاعتدال (١: ١٩)، فحديث مثله لا
يترك رأساً .
ولم يقل أحد من الفقهاء فيما نعلم، أن عشرين جلدة حد لمن قال لغيره: يا يهودي!، أو
يا مخنث! وقد أجمع العلماء على أنه تعزير، وقد عينه النبي ◌َّ لا من حيث الشارع، بل من
حيث الإمام والحاكم، فدل على جواز تعيين عقوبات أخرى في التعزير أيضاً .
وكذلك ثبت في غير حديث أن النبي وهو أمر بتغريب الزاني، وإن هذا التغريب لم يكن
حداً عند الحنفية، وإنما كان تعزيراً، ولكنها كانت عقوبة معينة من قبل الإمام لجناة نوع واحد.
وكذلك ثبت في حديث عبادة بن الصامت ظنه أن النبي وَّ أمر بالجلد مع الرجم للزاني
المحصن، وإن الجلد في المحصن تعزير عند بعض الفقهاء، وإنها عقوبة معينة من قبل الإمام
أيضاً.
٣ - قد ثبت عند الحنفية أن عقوبة اللوطي ليست حداً، ولكنهم مع ذلك عينوا له بعض
العقوبات، مثل أن يرمى من الجبل، أو يحبس في بيت مظلم منتن حتى يموت، وظاهر أنه تعيين
العقوبة في جريمة ليس فيها حد شرعي معين عندهم.

٢٣١
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
وأما ما استشكله بعض العلماء في ذلك من أنه لا يبقى بعد التعيين فرق بين الحد
والتعزير، فممنوع، لأن تعيين عقوبة التعزير بالتقنين الحكومي لا يجعل التعزير حداً، فإنه ليس
تقديراً شرعياً أبدياً، وإنما هو تقدير لمملكة مخصوصة في زمان مخصوص، وتبقى الفسحة بيد
كل حكومة أن تغير هذا التقدير متى شاءت إلى ما شاءت؛ وهذا بخلاف الحدود الشرعية المقدرة
من قبل الشارع، فإنها تقديرات أبدية خالدة، لا مجال لأية حكومة أن تغيرها بتقنين من عندها .
ومن هنا يندفع أيضاً ما زعمه بعضهم من أن جواز تعيين العقوبات من قبل الحكومة يؤدي
إلى تفويت المصلحة التي شرع من أجلها التعزير، لأن هذا التعيين لا يكون تعييناً شرعياً، بل
يكون بمثابة التغيير كل حين، ويجوز لكل حكومة أن تغيره إذا تغيرت المصلحة، فليس فيه تفويت
للمصلحة التي شرع من أجلها التعزيز.
وهذا الرأي الذي ذكرناه هو الرأي الذي اختاره والدي العلامة المفتي محمد شفيع رحمه
الله تعالى في تفسيره معارف القرآن (٣: ١١٦) و١١٧ في تفسير سورة المائدة، تحت قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٣] الخ.
٢ - العقوبات للتنكيل:
ثم العقوبات التي شرعها الإسلام في الحدود والقصاص، لا يقصد بها جزاء الجاني
فحسب، بل يقصد بها أيضاً أن تكون نكالاً وعبرةً لغيره، قال الله تعالى: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِنَ الَّهِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٨] ومن أجل ذلك جعلت
عقوبات الحدود شديدةً، لتقشعر بها جلود المجرمين الآخرين، ويرتدعوا من ارتكاب الجرائم
والجنايات، ومن أجل ذلك استحبت الشريعة الإسلامية أن تكون إقامة الحدود بمرأى من الناس
وبمشهد من العامة، قال الله تعالى في الزانية والزاني: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة
النور، الآية: ٢].
فلا تستحب الشريعة الإسلامية أن تقام هذه العقوبات في زوايا السجون بمعزل عن الناس،
كما يفعل ذلك في النظام الإنكليزي، وإنما تريد أن تشاهدها العامة بأعينهم، فتكون عبرةً لهم،
وسبباً لتقليل الجرائم في المجتمع .
وكذلك لا تستحسن الشريعة الإسلامية الإكثار من عقوبة الحبس في السجن، كما يفعل
ذلك في زماننا، فإن الإكثار من هذه العقوبة يؤدي إلى مفاسد أخرى، ويجعل السجون مأوى
للمجرمين، يتلقى فيها المجرمون أساليب الجرائم، بعضهم من بعض، وتكون نفقات هذه
السجون عبأ ثقيلاً على بيت مال المسلمين. ومن ثم لم يجعل الحبس والسجن جزاء لأحد من
الجرائم التي تعاقب بالحدود.

٢٣٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وإنما تستحسن الشريعة الإسلامية أن تكون العقوبات جسمانية. إما أليمةً وإن مثلة، فقطع
الأيدي والأرجل، والرجم، والصلب عقوبات أليمة رادعة، وعقوبة الأسواط في الحدود مذل،
وإن لم يكن أليماً بمثابة القطع، والرجم. ومن أجل ذلك اشترطوا في الجلدة أن لا تكون فيها
عقد، وأن لا يرفع الجلاد يده فوق رأسه، وأن يفرق الضرب على سائر جسده، وأن يجتنب
الوجه والفرج، وأن يضربه بقوة متوسطة. وهذا كله لأن المقصود الأصلي بهذه العقوبة هو إذلال
الجاني أمام الناس، وأن يكون نكالاً لمن بين يديه، والإيلام والإيذاء تابع لهذا المقصود، ولا
تقصد الشريعة إعدامه بهذه العقوبة.
٣ - الحدود تندرىء بالشبهات:
وكما أن الإسلام شرع في الحدود عقوبات شديدة، فإنه جعل لإقامتها شروطاً شديدة
كذلك، فلا يقام الحد على أحد من الناس حتى تثبت جريمته أمام القاضي كضوء النهار، دون
أية شبهة قوية أو ضعيفة، ولا يجوز إقامة الحد ما دامت هناك شبهة، ولو ضئيلة في ارتكاب
الجريمة، حتى لا تصيب هذه العقوبة الشديدة من لا يستحقها. وقد روي عن عائشة رضيينا عن
النبي ◌َ* أنه قال: ((إدرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله،
فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة)) أخرجه الترمذي في الحدود،
باب ما جاء في درء الحدود، (رقم: ١٤٢٤)، وروي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله :
((ادرؤوا الحدود بالشبهات)) رواه أبو حنيفة رحمه الله، كما في جامع المسانيد (٢: ١٨٣).
وقال سيدنا عمر بن الخطاب وله: ((لأن أعطل الحدود بالشبهات، أحب إلى من أن
أقيمها بالشبهات)) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٩: ٥٦٦، رقم: ٨٥٤٢).
وإن هذا مبدأ عظيم قد أقره الإسلام في حين كان يقضى فيه على الناس بالعقوبات بمجرد
القرعة، والتوهمات الأخرى، وكان سخط الحاكم على رجل كافياً للحكم بإعدامه، وسلخ
جلده، وقطع أعضائه.
ولعل الإسلام أول من أقر مبدأ درء العقوبات بالشبهة في المحل، وفي الفعل، ليس هذا
موضع بسطه، ومحله كتب الفقه. ثم أخذ بهذا المبدء قوانين أخرى، حتى ثبت اليوم في قوانين
كل بلد أن فائدة الشبهة ترجع إلى المتهم بالجريمة.
٤ - الفرق بين الحد والتعزير في الشبهة:
قد ذكر بعض الفقهاء أن الشبهة تسقط الحد، دون التعزير، فالتعزير يثبت مع الشبهات
(وراجع مثلاً: الأشباه والنظائر للسيوطي (١: ١٢٣)، قاعدة الحدود تدرأ بالشبهات، وشرح
أدب القاضي، للصدر الشهيد رحمه الله (٢: ١٨٠ ب ٢١ و٢: ٢٨٤ باب ٢٩).

٢٣٣
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
(١) - باب: القسامة
ولا يفهم بعض الناس مراد ذلك، فيزعمون أن التعزير جائز، وإن كان هناك شبهة في
ثبوت ارتكاب الجريمة، وليس الأمر كذلك.
والحقيقة أن الشبهة على قسمين:
الأول: ما كان مانعاً من غلبة الظن بأن المتهم قد ارتكب ما لا يحل له.
والثاني: ما لم يكن مانعاً من ذلك، فالقسم الأول يسوى فيه الحد والتعزير، وإن هذا
النوع من الشبهة يسقط الحد والتعزير كليهما، مثل أن يشهد شاهدان على رجل بأنه قبل امرأة
أجنبية في وقت كذا، ومكان كذا، ويشهد الشاهدان الآخران بأنه كان في ذلك الوقت في بلد
آخر، بحيث لم يكن يمكن له أن يلاقي تلك المرأة، ولا يرجح عند القاضي صدق إحدى البينتين
على الأخرى، ويستوي عنده الاحتمالان بما يورث شبهة قوية في أن المتهم ارتكب هذه
الجريمة، فإن هذه الشبهة تسقط التعزير، ولا يسع للقاضي حينئذ أن يعاقب المتهم بعقوبة
التعزير، بل يخلي سبيله، حتى يظهر عنده ما يغلب به الظن أن المتهم قد ارتكب الجريمة.
وأما النوع الثاني من الشبهة فهي شبهة فنية تعرض في صدق تعريف ما يوجب الحد، وهي
الشبهة التي ذكرها الفقهاء باسم الشبهة في المحل، والشبهة في الفعل، مثل من وطىء جارية
ابنه، أو جارية زوجته على ظن أنها حلال له، أو نكح محرمة على ظن أنها حلال له، فإنه وإن
ثبت قطعاً أنه ارتكب ما لا يحل له، غير أن هناك شبهة فنية في صدق تعريف الزنا الموجب
للحد، فإن هذه الشبهة تسقط الحد، ولا تسقط التعزير.
وكذلك لو سرق رجل متاعاً من آخر، وقد وقعت الشبهة في كون المتاع محرزاً، فإن هذه
الشبهة تسقط الحد، ولكن لا يسقط بها التعزير، لأنه قد ثبت منه ارتكاب ما لا يحل له. فكلما
يقول الفقهاء: إن الشبهة لا تسقط التعزير، فإن مرادهم هذا النوع من الشبهة، دون الأول. لأن
قوله ظلّلا: ((فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير له من أن يخطىء في العقوبة)) عام لعقوبة الحد
والتعزير جميعاً، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) - باب: القسامة
القسامة، بفتح القاف، اسم من الإقسام وضع موضع المصدر، بمعنى اليمين، ثم استعير
لجماعة يقسمون على الشيء، ويشهدون، ويمين القسامة منسوبة إليهم، كذا في لسان العرب
(١٥: ٣٨١ و٣٨٢).
والقسامة في الاصطلاح: أيمان يقسم بها أهل المحلة التي وجد فيها أحد مقتولاً، ولم
تظهر البينة الكاملة على قاتله، بأنهم لم يقتلوه، ولا يعرفون له قاتلاً، وهذا على رأي الحنفية.
والقسامة عند الشافعية أيمان يقسم بها أولياء المقتول بأن فلاناً قتله، إذا كان هناك لوث، أو

٢٣٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أيمان يقسم بها أولياء المدعى عليه بأنهم لم يقتلوه، ولا يعرفون له قاتلاً، إذا لم يكن هناك
لوث، وموجب القسامة الدية عند أكثر الفقهاء، والقصاص في بعض الأحوال عند بعضهم
وسيأتي بسط مذاهب الفقهاء في ذلك في شرح الحديث الأول من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
والقسامة من سنن الجاهلية التي أقرها الإسلام، فقد أخرج البخاري في المناقب، باب
القسامة في الجاهلية، عن ابن عباس وقتًا، قال:
((إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم. كان رجل من بني هاشم (١) استأجره
رجل من قريش(٢) من فخذ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت
عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي، لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالاً، فشد به
عروة جوالقه، فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيراً واحداً، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير؟
ولم يعقل من بين الإبل، قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فخذفه بعصاً كان فيها
أجله، فمر به (يعني بالأجير) رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد،
وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكنت إذا أنت
شهدت الموسم فناد: يا آل قريش! فإذا أجابوك فناد: يا آل بني هاشم! فإن أجابوك فاسأل عن
أبي طالب، فأخبره أن فلاناً قتلني في عقال. ومات المستأجر (بفتح الجيم)، فلما قدم الذي
استأجره أتاه أبو طالب، فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض، فأحسنت القيام عليه، فوليت
دفنه، قد كان أهل ذاك منك. فمكث حيناً، ثم إن الرجل اليماني الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه
وافي الموسم، فقال: يا آل قريش! قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم! قالوا: هذه بنو
هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلاناً
قتله في عقال، فأتاه أبو طالب: فقال: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل،
فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به فأتى
قومه فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا
أبا طالب! أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين، ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان،
ففعل. فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب! أردت خمسين رجلاً أن يحلفوا مكان مائة من
الإبل، يصيب كل رجل بعيران، هذان بعيران! فاقبلهما يميني، ولا تصبر عني حيث تصير
الأيمان، فقبلهما وجاء ثمانية وأربعون، فحلفوا. قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال
الحول، ومن الثمانية وأربعين عين تطرف)).
(١) قال القسطلاني في إرشاد الساري ١٧٩/٦: ((هو عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف، كما قال
الزبير بن بكار، وكأنه نسبه إلى بني هاشم لما كان بين بني هاشم وبني الطلب من المودة والإخاء)).
(٢) اسمه خداش بن عبد الله بن أبي قيس العامري، كما عند الزبير بن بكار، كذا في إرشاد الساري.

٢٣٥
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
٤٣١٨ - (١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ)، عَنْ
بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ (قَالَ يَحْيَى: وَحَسِبْتُ قَالَ) وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ؛
أَنَّهُمَا قَالاَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ.
وذكر ابن حبيب هذه القصة في المحبر (ص: ٣٣٥ - ٣٣٧) فسمى المستأجر خداشاً،
والأجير عامراً، أو عمروا، ابن علقمة بن المطلب، وذكر أنهما خرجا إلى اليمن، وذكر فيه أن
الذي حكم بالقسامة هو الوليد بن المغيرة: ((فحكم أن يحلف خداش في خمسين من بني عامر
بن لؤي أنه لبريء من دم عامر، ثم يعقلوه بعد، فرضى بنو عبد مناف بذلك)) وذكر في آخر القصة
أن الذين حلفوا ماتوا كلهم قبل حولان الحول، وصارت رباعهم لحويطب، فكان أكثر أهل مكة
رباعاً .
وذكر ابن قتيبة عن وهب بن منبه أنه قال: ((الحكم بالقسامة أوحاه الله إلى موسى في كل
قتيل وجد بين قريتين أو محلتين، فلم تزل بنو إسرائيل تحكم بها وقضى بها رسول الله (وَ لات)) راجع
المعارف لابن قتيبة (ص: ٢٤٠) ذكر الأوائل.
١ - (١٦٦٩) - قوله: (عن بشير بن يسار) بضم الباء مصغراً، الحارئي الأنصاري مولاهم
المدني، وقد تقدم في باب العرايا .
قوله: (عن سهل بن أبي حثمة) بسكون الثاء، من صغار الصحابة، كان ابن ثمان سنوات
عند وفاة النبي ◌َّلتر، كما في الإصابة (٢: ٨٥).
وحديثه هذا أخرجه البخاري في الديات، باب القسامة، (رقم: ٦٨٩٨)، وفي الصلح،
باب الصلح مع المشركين، (٢٧٠٢) وفي الجهاد، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين
بالمال وغيره، (رقم: ٣١٧٣) وفي الأدب، باب إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال،
(رقم: ٦١٤٣)، وفي الأحكام، باب كتاب الحاكم إلى عماله، والقاضي إلى أمنائه، (رقم:
٧١٩٢)، وأخرجه مالك في القسامة، باب تبرئة أهل الدم في القسامة، وأبو داود في الديات،
باب القتل بالقسامة، وباب ترك القود بالقسامة، (رقم: ٤٥٢٠)، وفي (٤٥٢١ و٤٥٢٣)،
والترمذي في الديات، باب ما جاء في القسامة، (رقم: ١٤٢٢)، والنسائي في القسامة، باب
تبرئة أهل الدم في القسامة، وابن ماجه في الديات، باب القسامة، (رقم: ٢٦٧٧ و٢٦٧٨).
قوله: (ومحيصة بن مسعود بن زيد) محيصة، بضم الميم، وفتح الحاء، وتشديد الياء
المكسورة، وكذا ضبط أخوه (حويصة)، وحكي التخفيف في الاسمين معاً، ورجحه طائفة، كما
في فتح الباري (١٢: ٢٣٣)، ورجح النووي الأول لكونه أشهر.
وروى ابن إسحاق من حديث محيصة: أن النبي و * قال بعد قتل كعب بن الأشرف: من
ظفرتم به من يهود فاقتلوه، فوثب محيصة على تاجر يهودي، فقتله، فجعل حويصة يضربه، وكان

٢٣٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِي بَعْضٍ مَا هُنَالِكَ. ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ
قَتِيلاً. فَدَفَنَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
سَهْلٍ. وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ. فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ. فَقَالَ لَهُ
رَسُولَّ اللَّهِ وَلِ: (كَبِّرْ)) (الْكَبْرَ فِي السِّنِّ) فَصَمَتَ. فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ. وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا. فَذَكَرُوا
أسن منه، وذلك قبل أن يسلم حويصة كذا في الإصابة (١: ٣٦٣)، وراجع لتفصيل هذه القصة
الروض الأنف للسهيلي (٢: ١٢٥ و١٢٦) قبيل غزوة أحد.
قوله: (حتى إذا كانا بخيبر) ووقع في رواية ابن إسحاق أنهما خرجا إلى خيبر يمتارون
تمراً، ذكره الحافظ في ترجمة عبد الله بن سهل من الإصابة (٢: ٣١٤)، وقعت هذه الواقعة بعد
فتح خيبر، وهو المراد بقول الراوي في رواية آتية: ((وهي يومئذ صلح)) كما صرح به الحافظ في
الفتح (١٢ : ٢٣٣).
قوله: (تفرقا في بعض ما هنالك) يعني: افترقا، فذهب واحد منهما إلى موضع، وآخر إلى
موضع آخر .
قوله: (يجد عبد الله بن سهل قتيلاً) وسيأتي في رواية سليمان بن بلال أنه وجده مقتولاً في
شربة، أي: حوض في أصل النخلة، وفي رواية أبي ليلى أنه قد قتل، وطرح في عين أو فقير،
ووقع في رواية ابن إسحاق المذكورة في الإصابة: ((فوجد في عين قد كسرت عنقه، ثم طرح
فيها))، ووقع في رواية لبشر بن المفضل عند البخاري في الجهاد: ((فأتى محيصة إلى عبد الله بن
سهل، وهو يتشحط في دمه قتيلاً)) أي: يضطرب، فيتمرغ في دمه .
قوله: (وكان أصغر القوم) يعني: أن عبد الرحمن بن سهل كان أصغر هؤلاء الثلاثة سناً،
وإنما شرع المتكلم قبل صاحبيه لكونه أولى بالمقتول منهما، لأنه كان شقيقه، والآخران ابنا عم
له .
قوله: (كبر الكبر) أما (كبر) فهو صيغة أمر من التكبير، وأما (الكبر) فيحتمل وجهين:
الأول أن يكون بكسر الباء بوزن عنب، وعليه فقول رسول الله وَّر قد انتهى على قوله: كبر، ثم
فسره الراوي بقوله: ((الكبر في السن)) يعني: يريد رسول الله وَّر الكبر في السن، فالكبر منصوب
بفعل محذوف، وهو (يريد) أو (يعني)، وهذا الوجه اختاره النووي في شرحه.
والاحتمال الثاني: أن يكون ((الكبر)) بضم الكاف، وسكون الباء، بمعنى الأكبر، يقال:
هو كبرهم، يعني: أكبرهم، وفلان كبر قومه، يعني: أنه أقعدهم في النسب إلى جده بآباء أقل
عدداً من غيره، كما في تاج العروس (٣: ٥١٤)، ومجمع البحار (٣: ١٨٩)، وعليه فهو من
جملة كلام النبي ◌ّر، على أنه مفعول لقوله: ((كبر)) يعني: أعط الأكبر حق كبره، والتكبير
والاستكبار: أن يرى الرجل الآخر كبيراً، ويعظمه.

٢٣٧
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ. فَقَالَ لَهُمْ: ((أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً فَتَسْتَحِقُونٍ
صَاحِبَكُمْ؟)) (أَوْ قَاتِلَكُمْ) قَالُوا: وَكَيْفَ نُخْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ: ((فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ
يَمِيناً؟)) قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْم كُفَّارٍ؟ فَلَمَّا رَأَىْ ذُلِكَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ أَعْطَى عَقْلَهُ.
وذكر ابن أثير في جامع الأصول (١٠: ٢٨٢) أن الكبر بالضم جمع الأكبر، والمراد حينئذ
بيان قاعدة كلية، يعني: أعط الكبراء حقهم بتقديمهم، وتعظيمهم.
ووقع في رواية سعيد بن عبيد عند البخاري في الديات: ((الكبر، الكبر)) بضم الكاف
والتكرار، والنصب فيهما على الإغراء، وفي رواية بشر بن المفضل عند البخاري في الجهاد:
((كَبِّرْ، كَبِّرْ)) بتكرار صيغة الأمر، وسيأتي في رواية حماد بن زيد عند المصنف: ((ليبدأ الأكبر))،
هو مفسر .
قوله: (في السن) هذا مقحم من الراوي للتفسير على الوجوه كلها، وسيأتي في رواية أبي
ليلى: ((يريد السن)) وهو صريح في الإقحام.
قوله: (أتحلفون؟) ووقع في رواية سعيد بن عبيد عند البخاري في الديات: ((تأتون بالبينة
على من قتله؟ قالوا: ما لنا بينة)) وليس فيه ذكر تحليفهم، وجمع بينهما النسائي (٢: ٢٣٧) في
روايته عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولفظه: ((فقال رسول الله وَلجر: أقم شاهدين
على من قتله، أدفعه إليك برمته، قال: يا رسول الله: من أين أصيب شاهدين؟ وإنما أصبح قتيلاً
على أبوابهم، قال: فتحلف خمسين قسامة إلخ)).
قوله: (خمسين يميناً) به استدل الشافعية ومن وافقهم على أن الأيمان في القسامة تبدأ
بأولياء المقتول، وحمله الحنفية على إتمام الحجة عليهم، وإلا فالأيمان على المدعى عليهم من
أهل المحلة التي وجد فيها القتيل، وسيأتي بسط المذاهب والدلائل في هذه المسألة قريباً إن شاء
الله تعالى .
قوله: (فتستحقون صاحبكم) يعني: تستحقون القصاص، أو الدية من القاتل، على
اختلاف أقوال الفقهاء كما سيأتي في بيان المذاهب إن شاء الله تعالى.
قوله: (فتبرئكم يهود بخمسين يميناً) يحتمل أن يكون ((تبرئكم)) بتخفيف الراء من الإبراء،
ويحتمل أن يكون بتشديدها من التبرئة. والمعنى: أن اليهود يخلصونكم من الأيمان، بأن
يحلفوهم، فإذا حلفوا وجبت لكم الدية، وخلصتم أنتم من الأيمان.
قوله: (وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟) وفي رواية أبي قلابة عند البخاري في الديات: ((ما
يبالون أن يقتلونا أجمعين، ثم يتنفلون)) يعني: يحلفون، والنفل: القَسْم، والمراد أنهم لا يبالون
بالأيمان الكاذبة، فكيف نقبل أيمانهم؟ .
قوله: (أعطى عقله) يعني: من بيت المال، كما سيأتي في الرواية الآتية صريحاً، وبه

٢٣٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
استدل الإمام أحمد رحمه الله تعالى على أنه إذا لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى
عليه، فدية المقتول في بيت المال. كما في المغني لابن قدامة، والشرح الكبير (١٠: ٢٢).
وقال الجمهور، ومنهم الحنفية: لا شيء لأولياء المقتول إذا لم يرضوا بأيمان المدعى
عليهم، وأما واقعة حديث الباب، فقد اختلفت فيها الروايات، فالمذكور في أحاديث الباب،
وأحاديث الصحيح للبخاري وغيره أن النبي ◌ّ أعطى دية عبد الله بن سهل من بيت المال،
ولكن روى سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وغيرهما أنه ألزم اليهود القسامة والدية، فقد
أخرج ابن أبي شيبة من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب حديث خيبر، وفيه: ((فبدأ
رسول الله للر باليهود، فكلفهم قسامة خمسين، فقالت يهود: لن نحلف، فقال رسول الله وَله
للأنصار: أفتحلفون؟ فأبت الأنصار أن تحلف، فأغرم رسول الله وَّر اليهود ديته، لأنه قتل بين
أظهرهم)) راجع مصنف ابن أبي شيبة (٩: ٣٧٦، رقم: ٧٨٥٥).
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (١٠: ٢٧، رقم: ١٨٢٥٢) عن أبي سلمة، وسليمان بن
يسار، عن رجل من أصحاب النبي وَّر من الأنصار: ((أن النبي ◌ِّ قال ليهود، وبدأ بهم:
أيحلف منكم خمسون؟ قالوا: لا، فقال للأنصار: هل تحلفون؟ فقالوا: أنحلف على الغيب يا
رسول الله! فجعلها رسول الله وَ﴿ دية على اليهود، لأنه وجد بين أظهرهم)).
وأخرج عبد الرزاق أيضاً (رقم: ١٨٢٥٥) عن الحسن: ((أن النبي ◌َّر بدأ باليهود، فأبوا أن
يحلفوا، فرد القسامة على الأنصار، فأبوا أن يحلفوا، فجعل النبي ◌ّ العقل على يهود)).
فإن أخذنا هذه الروايات، فلا دليل في هذه القصة للإمام أحمد رحمه الله، لأنه وَ ليل جعل
الدية على اليهود، دون بيت المال، وإن أخذنا أحاديث الصحيحين، ورجحناها لقوة إسنادها،
أو جمعنا بينها وبين روايات سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وغيرهما بأن النبي وَلّ فرض
الديه على اليهود، ثم تحملها عنهم بنفسه(١)، فالجواب عن استدلال الإمام أحمد رحمه الله ما
ذكره صاحب النهاية، ومعراج الدراية، من الحنفية، فقالا: ((إنما ودى رسول الله ◌َّ ر من عنده،
أو بمائة إبل من الصدقة على سبيل الحمالة عنهم، لأنه تجوز الحمالة عن أهل الذمة، فإن قضاء
دين الغير بر له، وأهل الذمة من أهل البر إليهم، حتى جاز عندنا صرف الكفارات إليهم، ولا
يجوز من مال الزكاة إلا على سبيل الاستقراض من بيت المال)) حكاه قاضي زاده في تكملة فتح
القدير (٩: ٣٠٨).
(١) وبهذا جمع المارديني بين الروايات المختلفة، فقال في الجوهر النقي ١٢٢/٨: ووجه التوفيق بين هذه
الأحاديث وبين ما في حديث سهل أنه عليه السلام أوجبها عليهم، ثم تبرع بهما عنهم.

٢٣٩
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
اختلاف الفقهاء في أحكام القسامة
ثم إن القسامة من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء اختلافاً شديداً، حتى ذكر ابن المنذر
في كتاب الإجماع (ص: ١٥٣) أنه ليس في القسامة شيء مجمع عليه، إلا أن الحلف بالله
يجزىء في القسامة. وموضع بيان هذه المذاهب المختلفة كتب الفقه، غير أننا نذكر ههنا جملة
ما له علاقة قوية بحديث الباب، والله الموفق.
١ - مسألة مشروعية القسامة:
قد اتفق الأئمة الأربعة والجمهور على أن القسامة مشروعة فيما إذا وجد رجل مقتولاً ولا
تظهر بينة على قاتله، على اختلاف فى كيفية القسامة، وفي طريقها، وفي موجبها .
وقد نسب إلى بعض السلف من الفقهاء أنهم أنكروا القسامة، ولم يثبتوا بها قصاصاً،
ولادية، ومنهم الحكم بن عتيبة، أبو قلابة، وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله، وقتادة،
ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري، كما ذكره الحافظ في الفتح (١٢ :
٢٣٥).
ومن حجتهم أن الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء، وأن الأصل في الشرع أن لا
يحلف أحد إلا على ما علم قطعاً، أو شاهد حساً، فكيف يقسم أولياء الدم على مذهب
الشافعية، وهم لم يشاهدوا القتيل؟ وكيف يفرض على المدعى عليهم الدية على مذهب الحنفية
بعد ما حلفوا أنه لم يقتلوه ولا علموا له قاتلاً، مع أن يمين المدعى عليه يدفع دعوى المدعي؟
وأما حديث خيبر، فلم ير هؤلاء الفقهاء أن رسول الله بَّله حكم بالقسامة، وإنما كانت
حكماً جاهلياً، فتلطف لهم رسول الله وبلير ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام،
ولذلك قال لهم: أتحلفون خمسين يميناً؟ أعني: لولاة الدم، وهم الأنصار، قالوا: كيف
نحلف، ولم نشاهد؟ قال: فيحلف لكم اليهود، قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار. فلو كانت
السنة أن يحلفوا وإن لم يشهدوا لقال لهم رسول الله وَّر: هي السنة.
قالوا: وإذا كانت هذه الآثار غير نص في القضاء بالقسامة، والتأويل يتطرق إليها فصرفها
بالتأويل إلى الأصول أولى. كذا في بداية المجتهد (٢: ٤١٩ و٤٢٠).
وحجة الجمهور أن سنة القسامة سنة مفردة بنفسها، مخصصة للأصول كسائر السنن
المخصصة. وإن العلة في ذلك حفاظة الدماء عن الإهدار، وإن القتل يكثر، ويقل قيام الشهادة
عليه لكون القاتل إنما يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، فجعلت هذه السنة حفظاً للدماء وصيانة
لها من الإهدار. وأما إيجاب الدية على المدعى عليهم بعد ما حلفوا، كما هو مذهب الحنيفة
فسيأتي وجه ذلك عند الكلام عليه إن شاء الله تعالى.

٢٤٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢ - اختلاف الفقهاء في تصوير القسامة:
ثم اختلف القائلون بالقسامة في تصوير موقعها، وكيفيتها، والموجب بها، اختلافاً يتطرق
إلى كثير من الجزئيات، ولا يسهل فهم هذه المذاهب الفقهية حتى نأتي بتصوير القسامة على رأي
كل مذهب على حدة.
فأما الحنفية فالقسامة تجب عندهم إذا وجد شخص قتيلاً وبه أثر القتل من جراحة، أو أثر
ضرب، أو خنق، بشرط أن يكون الموضع الذي وجد فيه ملكاً لأحد، أو في يد أحد، أو ملكاً
لجماعة يحصون، أو مقبوضاً لهم، ولا يعلم قاتله، واتهم أولياءه رجلاً، أو رجالاً من أهل ذلك
الموضع، وطالبوهم بالقسامة، فيستحلف منهم خسمون يختارهم أولياء المقتول: بالله ما قتلناه،
ولا علمنا له قاتلاً، فإن حلفوا وجبت الدية على عاقلتهم، سواء كان دعوى القتل عمداً أو خطأ،
وإن نكلوا حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا بالقتل، وروي عن أبي يوسف: أنهم لا يحبسون، بل
تجب الدية على عاقلتهم بمجرد نكولهم، ذكره القاضي في شرحه لمختصر الطحاوي، كذا في
بدائع الصنائع (٧: ٢٨٧ إلى ٢٨٩).
وأما الشافعية فالقسامة تجب عندهم إذا تحقق موت القتيل في محلة منفصلة عن بلد كبير،
أو في قرية صغيرة، ولا يعرف قاتله، ولا بينة بقتله، وادعى أولياء القتيل على شخص معين، أو
أشخاص معينين بأنهم قتلوه عمداً، أو خطأً، أو شبه عمد، ثم يختلف عندهم حكم القسامة
باعتبار وجود اللوث، وعدمه.
واللوث عندهم قرينة ظاهرة تصدق دعوى الأولياء، مثل أن يكون بين القتيل والمدعى عليه
عداوة ظاهرة، أو يكون أصحاب القرية أو المحلة التي وجد فيها المقتول أعداء له، أو ثبت أن
المدعى عليهم ازدحموا على المقتول، ثم تفرقوا عنه فوجد مقتولاً، أو تقابل صفان لقتال،
وانكشفوا عن قتيل، أو شهد واحد عدل على المدعى عليه أنه قتله، أو شهد بذلك من لا تقبل
شهادته في القصاص، كالنساء، والعبيد، والكفار، والفسقة، والصبيان، فجميع هذه الأشياء
قرائن ظاهرة على صدق دعوى الأولياء، وتسمى لوثاً في اصطلاح الشافعية.
فإن اقترن دعوى الأولياء بلوث يقع به في نفس القاضي أنهم صادقون، حلف الأولياء
خمسين يميناً يبينون في كل يمين صفة القتل، ويشيرون إلى المدعى عليه عند حضوره، ويذكرونه
باسمه ونسبه عند غيبته، فيقولون: والله إن هذا قتل ابني مثلاً عمداً، أو شبه عمد، أو خطأ، فإن
حلف الأولياء بذلك وجبت على المدعى عليه الدية إن كانت الدعوى دعوى المد، وعلى عاقلته
إن كانت دعوى الخطأ أو شبه العمد. فإن نكل الأولياء عن الحلف ردت الأيمان على المدعى
عليه، فيقسم خمسين يميناً أنه لم يقتل فلاناً، وحينئذ تبرأ ذمته، فلا يثبت عليه للأولياء شيء.