Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كتاب: الوصية قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهِذَا الْحَدِيثِ. ٤٢٠٩ - ٧/٢١ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيْسِ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ. حَتَّى رَأَيْتُ عَلَّىَ خَذَّيَّهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اقْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ (أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ) أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابَاً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً)) فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَهْجُرُ . ٤٢١٠ - ٨/٢٢ - وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِع: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَّنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لاَ تَضِلُّونَ بَعْدَهُ)). فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ له قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ. وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ. حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ. فَاخْتَلَفَ أَهَلُ الْبَيْتِ. فَاخْتَصَمُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالإِخْتِلاَفَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: «قُومُوا)» . قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ ٢١ - (٠٠٠) - قوله: (قال أبو إسحاق إبراهيم) هو تلميذ الإمام مسلم رحمه الله الذي روى عنه كتابه هذا، فذكر أن هذا الحديث بلغه أيضاً بإسنادٍ عال من غير واسطة الإمام مسلم رحمه الله، فساوى فيه أستاذه، لأن الحديث بلغ الإمام مسلماً كثّفُ بواسطة رجل واحد إلى سفيان بن عيينة، وكذلك بلغ تلميذه بواسطة رجل واحد إليه . قوله: (ائتوني بالكتف والدواة) وكانوا يستعملون كتف الشاة أو البعير للكتابة عليها، لعوز القرطاس أو ندرته، وذكر الحافظ في الفتح (١: ١٨٦) أن المأمور به كان عليا رضيته، واستدل له برواية في مسند أحمد، وسيأتي لفظها وما فيها عن قريب إن شاء الله تعالى. ٢٢ - (٠٠٠) - قوله: (فكان ابن عباس يقول) ووقع في رواية البخاري في العلم: ((فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية إلخ)) وظاهره أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلاً هذه المقالة، ولكن حقق الحافظ في الفتح (١ : ١٨٦) أن الأمر ليس في الواقع كما يقتضيه هذا الظاهر، بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث، وأيد الحافظ ذلك بروايات عدة. قوله: (إن الرزية) أصله: الرزيئة، وكذلك وقع في بعض روايات البخاري، ومعناها ١٢٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَسُولِ اللهِ وَلَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذُلِكَ الْكِتَابَ، مِنِ اخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ. المصيبة، وقد تسهل الهمزة، وتشدد الياء كما في النسيئة والنسية. قوله: (من اختلافهم ولغطهم) بفتح الغين وإسكانها، يعني: الضجة، واختلاف الصوت، كما في جامع الأصول لابن أثير. مطاعن الشيعة في قصة القرطاس والرد عليها ـته، ولا سيما في سيدنا وقد طعنت الشيعة الرافضة من أجل هذا الحديث في الصحابة عمر بن الخطاب رضيُه، بوجوه متعددة: ١ - إن عمر رُبه ومن وافقه من الصحابة خالفوا أمر رسول الله وَله، حيث أمرهم بأن يأتوا باللوح والدواة، فأبوا عليه ذلك. ٢ - إنهم قد منعوا الأمة المسلمة حقها، فإن الكتاب الذي كان ** هل يريد كتابته إنما كان الوقاية الأمة عن الضلالة، وقد أدى عدم كتابته إلى اختلاف كثير وقع في مختلف طوائف، الأمة، وجميع ذلك يرجع سببه إلى من امتنع من الكتابة. ٣ - إنه سي كان يريد أن يكتب الخلافة لعلي ظه، ولذلك تعرض عمر بن الخطاب فمنعه عن ذلك، لتسليط غير أهل البيت عليها . ٤ - إن عمر رضيالله قد نسب رسول الله ( ﴾ إلى الهذيان، حيث قال: أهجر رسول الله وَليل، مع أن رسول الله وَ ◌ّل معصوم عن الجنون والهذيان وأمثالها من العوارض. فأما الطعن الأول والثاني فنجيب عنهما إجمالاً وإلزاماً، ثم تفصيلاً وتحقيقاً: فأما الجواب الإجمالي، فإنه لو كان امتناع الصحابة عن الإتيان باللوح والدواة في مثل ذلك الحال معصية - والعياذ بالله - فإنه لم ينفرد به عمر ره، بل شاركه فيه جميع أهل البيت الذين كانوا حاضرين في ذلك الوقت والمقام، ولا سيما سيدنا علي بن أبي طالب ظُه، فإنه فعل في تلك الحال عين ما فعله سيدنا عمر رضي الله . فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده (١: ٩٠) عن علي بن أبي طالب رضابه، قال: ((أمرني النبي والّ أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده، قال: فخشيت أن تفوتني نفسه، قال: قلت: إني أحفظ، وأعي، قال: أوصي بالصلاة، والزكاة، وما ملكت أيمانكم))(١). (١) هذا الحديث في إسناده نعيم بن يزيد، وهو مجهول كما في التهذيب، غير أن الحافظ ذكر جزأ منه في الفتح ١٨٦/١ ولم يتكلم عليه بشيء مما يدل على كونه مقبولاً عنده، على أن الشيعة يستدلون بروايات في إسنادها من هو أكثر جهالة من هذا . ١٢٣ كتاب: الوصية ٠٠ وإن هذه الرواية تقطع جميع مطاعن الشيعة من شأفتها، فإنها صريحة في أنه لم يكن في ذلك الوقت أيما فرق بين موقف سيدنا عمر وسيدنا علي ◌ًا، فإن كان واقعة هذه الرواية عين واقعة الباب فإن كليهما امتنعا عن الكتابة إشفاقاً على رسول الله وَله، فقال عمر: ((إن رسول الله (َّير غلب عليه الوجع)) وقال: علي: ((فخشيت أن تفوتني نفسه)) وإن كانت واقعة هذه الرواية غير واقعة الباب، فإن جميع ما طعنت به الشيعة في سيدنا عمر رضيبه يتوجه إلى سيدنا علي في واقعة مسند أحمد، فما هو جوابهم فيه فهو جوابنا في سيدنا عمر ◌ًا. وبالتالي، تدل هذه الرواية على أن الوصية التي كان رسول الله وَ ل* يريد أن يكتبها في ذلك الوقت لم تكن في شيء من أمر الخلافة، وإنما كانت تأكيد أحكام الصلاة، والزكاة، والعبيد، والإمام، وأمثالها . وأما الجواب التحقيقي عن الطعن الأول فإن عمر رضيته، ومن وافقه لم يخالفوا أمر رسول الله وَالر معصية منهم أو عناداً، وحاشاهم عن ذلك، وإنما قصدوا أن لا يلحق النبي وقل تعب في هذه الحالة الشديدة من المرض، وقد صرح ابن عباس في أول هذا الحديث أن رسول الله ور اشتد وجعه ذلك اليوم، وإنما اجتمع أصحابه وأهل بيته لعيادته وتمريضه، وكم يقع مثل ذلك لرجلٍ مريض يشتد مرضه، فيجتمع حوله أهل بيته، ويريد أن يفعل شيئاً، فيمنعه أهل البيت من ذلك مخافة اشتداد مرضه، فلا يفهم أحد أنهم يعاندونه أو يعصونه، وإنما يستحسن منهم مثل هذا في مثل ذلك الوقت، لأنه يدل على عنايتهم بأحوال المريض، وإشفاقهم عليهم، واجتهادهم في صيانته عن الوقوع في المتاعب. ثم إن عمر رُله إنما فعل ذلك لأنه كان يزعم أن رسول الله وَلو لا يموت حتى يفني المنافقين، ويظهر كلمة الإسلام على فارس والروم، فكان يقدر أنه ظلكلا لو امتنع عن الكتابة في مثل هذه الشدة لأمكن له ذلك في وقت آخر يخف فيه مرضه، أو يبرأ فيه تماماً، فلم يكن في زعمه شيء يفوت الأمة لو لم يكتب ذلك الكتاب في مثل تلك الشدة. ويدل على ذلك ما أخرجه ابن سعد في طبقاته (٢: ٢٤٤) من طريق الواقدي، عن ابن عباس: (إن النبي ◌ّ قال في مرضه الذي مات فيه: ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقال عمر بن الخطاب من لفلانة وفلانة مدائن الروم؟ إن رسول الله وَلو ليس بمیت حتی نفتتحها)). لم يعترف بوفاة رسول الله الله، حتى قال: ((لن يموت وقد ثبت فى غير رواية أنه رضپئه رسول الله (َّم حتى يفني المنافقين)) كما في طبقات ابن سعد (٢: ٢٦٧)، وقال من الغد: ((كنت ١٢٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أرجو)) أن يعيش رسول الله ولو حتى يدبرنا يريد بذلك أن يكون آخرنا كما رواه البخاري في الأحكام. فهذا كله يدل على أن عمر رضيبه لم يخطر بباله أبداً أن رسول الله وس* سيتوفى في مرضه هذا، وإنما كان يعتقد أنه يبرأ، فيعيش حتى يفني المنافقين، ويظهر على فارس والروم، حتى يكون آخر من في عهده وفاة، ثم كان يعتقد في جانب آخر أنه وَ لّ لم يكن ليترك شيئاً مما أمر بتبليغه إلا بلغه إلى الأمة، ولئن كان شيء يريد أن يوصي به لأمكن أن يوصي به في وقت آخر بعد برءه، أو خفة مرضه، فلا حاجة إلى هذا التعجيل في مثل هذه الشدة التي يخاف فيها التعب على رسول الله وَ ل، ومن أجل هذا قال في حديث الباب: ((إن رسول الله وَّيو غلب عليه الوجع، وعندکم القرآن، حسبنا کتاب الله)). وكم أبدى سيدنا عمر رضي الله أمام النبي الكريم وَليه من آراء وافقه عليها رسول الله صل﴾ فكان هذا القول أيضاً رأيا رآه في ذلك الوقت، فأبداه، ولو كان خطأ لمنعه النبي وَلّ، وما أقره على ذلك، ولكن رسول الله وَلو لم ينكر عليه، ولا منعه، فظهر أنه لم يكن عناداً، ولا معصية، والعياذ بالله العظيم. ثم لو فرضنا أن ذلك الرأي كان خطأ، فإنما كان ذلك باجتهاد، ولم ينفرد به عمر رقڅله بل شاركه فيه جميع أهل البيت لأنه لم يأتي أحد بالصحيفة، ولا بالدواة، ولم يكن سيدنا عمر رهـ ليمسك بيد أحد يأتي بهما، وإنما كان يرى رأياً فتكلم به، فلما لم يتقدم أحد بذلك تبين أن ذلك الأمر لم يكن للوجوب عند سائر أهل البيت، وإلا لامتثله من يزعمه للوجوب، رغم رأي الآخرین . وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية كذُّ في منهاج السنة (٣: ١٣٦) وهو يتحدث عن طعن الروافض في سيدنا عمر من أجل حديث الباب، يقول: ((ولو أن عمر رضيبه اشتبه عليه أمر ثم تبين له، أو شكّ في بعض الأمور، فليس هو أعظم ممن يفتي ويقضي بأمور، ويكون النبي وَ لّ قد حكم بخلافها مجتهداً في ذلك، ولا يكون قد علم حكم النبي ◌َّر، فإن الشك في الحق أخف من الجزم بنقيضه، وكل هذا باجتهاد سائغ كان غايته أن يكون من الخطأ الذي رفع الله المؤاخذة به، كما قضى على ظنه في الحامل المتوفى عنها زوجها أنها تعتد أبعد الأجلين، مع ما ثبت في الصحاح عن النبي وَلّ أنه لما قيل له: إن أبا السنابل بن بعكك أفتى بذلك سبيعة الأسليمة، فقال رسول الله وَ ر: كذب أبو السنابل، حللت فانكحي من شئت، فقد كذب النبي ◌َّر هذا الذي أفتى بهذا، وأبو السنابل لم يكن من أهل الاجتهاد، وما كان له أن يفتي بهذا مع حضور النبي ◌َّر، وأما علي وابن عباس وإن كانا أفتيا بذلك لكن كان ذلك عن اجتهاد، وكان ذلك بعد موت النبي ◌ُّ، ولم يكن بلغهما قصة سبيعة، ١٢٥ كتاب: الوصية . وهكذا سائر أهل الاجتهاد من الصحابة ه إذا اجتهدوا، فأفتوا، وقضوا، وحكموا بأمر والسنة بخلافه، ولم تبلغهم السنة كانوا مثابين على اجتهادهم)). ثم إن رسول الله وَيول لم يعاقب أحداً ممن امتنع عن الكتابة، ولم يعاتبه، سوى ما قال: ((قوموا عني))، مع أنه قد عاقب في مرض وفاته أهل البيت الذين لدوه بّ زعماً منهم بأنه مبتلى بذات الجنب، فلم يكتف و98َّ بمعاتبتهم في ذلك قولاً، وإنما عاقبهم جميعاً باللدود إلا العباس ظُه، وقصته مشهورة. فلو كان الامتناع عن الكتابة في ذلك الوقت معصية أو ذنباً لما تركهم رسول الله رَحقر دون عتاب أو عقاب. الجواب عن الطعن الثاني: وأما الطعن الثاني، فالجواب عنه أن الأمر الذي أراد النبي ◌َّير كتابته في ذلك الوقت لا يخلو من حالين: إما أن يكون شيئاً تحتم عليه تبليغه، ويخشى بجهله الضلال على الأمة قطعاً، وإما أن يكون تأكيداً لما بلغه في الماضي، فأراد أن يكتبه ليكون أبقى أثراً . فإن كان الحال هو الأول، فلا يمكن من رسول الله وَ ر أن يترك تبليغ ما أمر بتبليغه لمنع بعض المانعين، أو مخالفة بعض المحالفين، فإنما المعهود منه وزير أنه بلغ كل ما أمر به، ولو على قيمة نفسه وماله ووطنه، فكيف يترك بيان ما تضل الأمة بغيره لمجرد أن بعض الصحابة منعوه من ذلك؟ وقال الإمام البيهقي رحمه الله في أواخر كتابه دلائل النبوة: ((ولو كان مراده وَالّ أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم، ولا لغيره، لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦٧] كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه ومعادة من عاداه حكاه النووي تثاثهُ . ثم إن النبي وَير عاش بعد هذه الواقعة نحواً من أربعة أيام، لأن واقعة القرطاس وقعت يوم الخميس، وتوفي رسول الله وَل يوم الاثنين، فلو كان الشيء الذي أراد كتابته وصية واجبة عليه لأوصى به في هذه الأيام، وقد ثبتت عنه وَلّ في هذه الأيام عدة أحكام، وقد ثبت في عدة روايات خفة مرضه 85* خلال هذه المدة، فلو كانت الكتابة شيئاً لا تستغني عنه الأمة لما تركها رسول الله گالڼ وإن كان الحال هو الثاني ولم يكن الشيء المقصود بالكتابة شيئاً جديداً يبلغه إلى الأمة، وإنما كان تأكيداً لما بينه من قبل، فلا سبيل إلى الطعن فيمن خالف الكتابة لشدة وجعه وَ لغيره، فإنهم لم يفوتوا الأمة شيئاً من رسول الله وَاليه . فتبين من هذا أن ما قصد النبي وَلّ إما أن يكون تأكيداً محضاً لما بينه من قبل، ولذلك تركه اعتماداً على بيانه السابق، أو كان شيئاً لا يجب عليه تبليغه، وإنما أراد بيانه شفقة على ١٢٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الأمة، ثم بداله باجتهاده أو بوحي من الله تعالى أن ترك كتابته أولى، فتركه، ولا يتصور من رسول الله وَ﴿ أن يمنعه بعض أصحابه عن إبداء ما فيه خير وصلاح للمسلمين. الجواب عن الطعن الثالث: وأما الطعن الثالث، فإنما هو مجرد دعوى لا سبيل للتدليل عليه، ومن أين علم هؤلاء أن رسول الله * كان يريد أن يكتب الخلافة لعلي رضيالله؟ ولئن كان يريد ذلك لما منعه الثقلان عنه، وكيف يمسك عن إظهار هذا الحق بمجرد مخالفة سيدنا عمر رظُله؟ أفكان - والعياذ بالله - يخاف عمر بن الخطاب؟ وهو الذي لم يخف عمر بن الخطاب، ولا أحداً أقوى منه ولا أشجع في حالة كفره، فكيف يخافه بعد إسلامه؟ أفلا يرى هؤلاء الطاعنون أن طعنهم هذا ليس طعناً في سيدنا عمر رضيه فحسب، وإنما هو طعن في تبليغ رسول الله وَّر، وفي رسالته، وفي شجاعته، وفي حميته، وهكذا الشحناء تعمي أبصار الرجال، والعصبية تجعل الرجل لا يعرف ما يقول. ولئن كان المقصود بهذه الكتابة استخلاف أحد لكان المقصود كتابة الخلافة لأبي بكر الصديق ربه قطعاً، فإنه هو الذي استخلفه رسول الله وَلير في الحج، وفي الصلوات طول مرضه الذي توفي فيه، وكان ذلك إشارة واضحة إلى استخلافه في الإمامة الكبرى، ولذلك قال علي رد ◌ُته : ((فلما قبض رسول الله وَّلو نظرت، فإذا الصلاة علم الإسلام، وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﴿ لديننا، فبايعنا أبا بكر)) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٢: ٢٤٢). وقد أخرج ابن قتيبة في غريب الحديث (٢: ١٢٤) من طريق الربيع بن نافع الحلبي، عن إبراهيم بن يحيى المديني، عن صالح مولى التوءمة حديث على أنه قال: ((أسلم والله أبو بكر، وأنا جذعمة، أقول فلا يسمع قولي، فكيف أكون أحق بمقام أبي بكر؟)). وروي عن سعيد بن المسيب قال: ((خرج علي بن أبي طالب لبيعة أبي بكر، فبايعه، فسمع مقالة الأنصار، فقال علي: يا أيها الناس: أيكم يؤخر من قدم رسول الله (وَّ)) ذكره علي المتقي في كنز العمال (٣: ١٤١) في كتاب الخلافة من قسم الأفعال، وعزاه إلى العشاري، واللالكائي، والأصبهاني في الحجة، وذكر روايات أخرى من هذا النوع. وقد ثبت عن النبي ◌ّر أنه قال لعائشة: ((لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر، وابنه، فأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون)) كما رواه البخاري في المرضى، وفي الأحكام. فلم لا يجوز أن يكون النبي و # دعا الكتف والدواة، ليكتب الخلافة لسيدنا أبي بكر الصديق رُه؟ ثم بداله أن يترك الأمر شورى على المسلمين، لما كان يعرف أن المؤمنين يأبون إلا أبا بكر نظر ١٢٧ كتاب: الوصية .. وقد ثبت في بعض كتب الشيعة أيضاً أن سيدنا علي بن أبي طالب ربه قد اعترف بأنه لم يعهد إليه رسول الله وَ جه شيئاً، وإنما أخذ منه الميثاق لبيعة أبي بكر ظُه، فقد ذكر في نهج البلاغة أنه قال: ((رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره، أتراني أكذب على رسول الله وَله؟ والله لأنا أول من صدقه، فلا أكون أول من كذب عليه، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري)) راجع الخطبة (٣٦) من نهج البلاغة (١: ٨٩). والظاهر من هذا الكلام أنه رظُه يتحدث عن بيعته لأبي بكر الصديق رضي ◌ُه، وأنه بايع أبا بكر ربه وفاء لميثاق يظهر أن رسول الله وَله واثقه به، والله سبحانه وتعالى أعلم. الجواب عن الطعن الرابع: وأما الطعن الرابع فهو أن عمر بن الخطاب به نسب إلى رسول الله وَر الهذيان في الكلام بقوله: ((أهجر رسول الله وَليه؟)). والجواب عنه أني لم أجد في شيء من الروايات الصحيحة أن قائل هذا الكلام هو سيدنا عمر بن الخطاب رضيه، وإنما ذكر ابن عباس رضيًّا أن الصحابة اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: ((أهجر رسول الله (وَلّ)) ولم يصرح بأن قائله عمر. وحينئذ فهذا الكلام يحتمل وجوهاً : منها ما ذكره العلامة الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي كَُّ في كتابه الفارسي المعروف ((التحفة الاثنا عشرية)) (ص: ٤٥٣)، أن هذا الكلام قاله الذين كانوا يحبون أن يكتب لهم رسول الله وَّ الكتاب، وكان استفهامهم هذا للإنكار، وأرادوا أننا يجب علينا الامتثال بما أمر به النبي وَّر، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يهجر في كلامه، وإنما هو مجد في أمره بالكتابة، فكأنهم خاطبوا سيدنا عمر ومن وافقه بقولهم: ((أهجر رسول الله وَّر في زعمكم؟ حيث لا تمتثلون بأمره؟ والمراد أنه لم يهجر، وأمره هذا جد. وحينئذ فلا إشكال على أحد، فإنه لم ينسب أحد رسول الله ◌َ و إلى الهذيان، وإنما كان ذلك استفهاماً للإنكار. ومنها: أن يكون هذا من كلام عمر، أو من أحد ممن وافقه، والمراد: استفهموا رسول الله وعلى: هل أمره هذا جد وعزيمة؟ أو أنه جرى على لسانه في شدة المرض، كما يجري على ألسنة المرضى كلام لا عزيمة فيه؟ وإنما قالوا ذلك لأن النبي الكريم وَيّو لا يمتنع عليه المرض، ولا آثاره وعلائمه، وكان إذ ذاك في شدة الوجع فعلاً، ولا يمكن لنا أن نتصور مدى اضطراب الصحابة في ذلك الوقت، وكان من أهم المهمات عند الصحابة حينئذ أن يزول عنه ذلك الوجع، ولا يلحقه تعب يفضي إلى ازدياد فيه، وكانوا في جانب آخر مستيقينين بأنه وَلفقر لم يقصر في أداء الرسالة وتبليغ الأمانة، وكانوا في جانب ثالث يعرفون أن كتابة غير القرآن مما لا ١٢٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يستحسنه رسول الله وَه إلا في الضرورة الشديدة لئلا يلتبس بالقرآن، فلو زعم منهم زاعم في هذه الأحوال أن أمره بالكتابة في هذا المرض الشديد ليس عزيمة، فأراد أن يستفهمه: هل هو من عزائم الأمور أو هو شيء جرى على لسانه دون جد أو عزيمة؟ فإنه ليس من سوء الأدب في جنابه و 18 في شيء، وإنما هو من الاضطراب الطبيعي الذي ابتلي به الصحابة في ذلك الحين الشدید . ومنها: أن يكون (الهجر) في هذا الكلام بمعنى الفراق، لا بمعنى الهذيان، وقد صرح علماء اللغة بأن قولهم: (هجر يهجر) يستعمل بمعنى الترك والمفارقة أيضاً، وراجع تاج العروس (٣: ٦١١)، وعليه فالمراد: ((استفهموا رسول الله ◌َلهو: هل هو يفارقنا؟ حيث يأمرنا بكتابة وصيته؟)) ويؤيده ما ذكرنا في الجواب عن الطعن الأول أن عمر رضي الله عنه كان يزعم أن رسول الله ◌َ لا يتوفى حتى يفني المنافقين، ويظهر الإسلام على فارس والروم، فلو كان هو أو أحد غيره من الصحابة أراد أن يسأله ◌َّلتر: هل حان فراقه إيانا؟ لما كان فيه شيء يطعن به فيهم، وإنما كان هذا الكلام صادر الفرط حبهم لرسول الله وَطير، وكراهيتهم لفراقه. فاندحضت المطاعن جميعاً بحذافيرها، والحمد لله رب العالمين. ثم كتاب الوصايا بتوفيق الله سبحانه للعشرين من شهر رجب الخير سنة أربع وأربعمائة بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها ألف ألف تحية، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لإكمال باقي الأبواب، إنه تعالى سمعی قریب مجيب وإنه على كل شيء قدير. ١٢٩ کتاب: النذر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ (٢٦) - كتاب: النذر (١) - باب: الأمر بقضاء النذر ٤٢١١ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. قَالاً: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى كتاب: النذر النذر، على ما عرفه الراغب: إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، فهو شيء من العبادات، يوجبه الرجل على نفسه، إما مطلقاً، وإما بوقوع واقعة، كقوله: للّه عليَّ أن أصوم يوم كذا، أو كقوله: إن شفى الله مريضي فعليَّ صوم شهر. وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (٥: ٤١٤): ((النون والذال والراء كلمة تدل على تخويف، أو تخوف، منه الإنذار: الإبلاغ؛ ولا يكاد يكون إلا في التخويف. وتناذروا: خوف بعضهم بعضاً، ومنه النذر، وهو أنه يخاف إذا أخلف، قال ثعلب: نذرت بهم فاستعددت لهم وحذرت منهم، والنذير: المنذر، والجمع النذر (بضمتين)، والنذر أيضاً: ما يجب، كأنه نذر، أي: أوجب)). (١) - باب: الأمر بقضاء النذر ١ - (١٦٣٨) - قوله: (عن عبيد الله بن عبد اللّه) يعني: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان معلم عمر بن عبد العزيز، وأستاذ الزهري، فقيهاً، محدثاً، شاعراً، قال الزهري: ((ما جالست أحداً من العلماء إلا وأرى أني قد أتيت على ما عنده، وقد كنت اختلفت إلى عروة، حتى ما كنت أسمع منه إلا معاداً، ما خلا عبيد الله بن عتبة، فإنه لم آته إلا وجدت عنده علماً طريفاً)) مات (سنة: ٩٨ هـ أو ٩٩هـ)، كذا في التهذيب (٧: ٢٤). قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، وفي الوصايا، باب ما يستحب لمن توفي فجأة أن يتصدقوا عنه، وفي الحيل، باب في الزكاة، ومالك، في الموطأ، في النذور والأيمان، باب ما يجب من النذور في المشي، وأبو ١٣٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ﴿ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُؤُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: «فَاقْضِهِ عَنْهَا)). داود في الأيمان والنذور، باب في قضاء النذر عن الميت، (رقم: ٣٣٠٧)، والترمذي في النذور والأيمان باب ما جاء في قضاء النذر عن الميت، (رقم: ١٥٤٦)، والنسائي في الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، وابن ماجه في الكفارات، باب من مات وعليه نذر، (رقم: ٢١٣٢). قوله: (سعد بن عبادة) وهو الصحابي الأنصاري المشهور، سيد الخزرج، شهد العقبة، وكان أحد النقباء، وكان يكتب بالعربية، ويحسن العوم والرمي، فكان يقال له: (الكامل))، وكان مشهوراً بالجود، هو وأبوه، وجده، وولده، وكان لهم أطم ينادى عليه كل يوم: من أحب الشحم واللحم فليأت أطم دليم بن حارثة، وكانت جفنة سعد تدور مع النبي بَّر في بيوت أزواجه، وروى ابن أبي الدنيا من طرق ابن سيرين، قال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة، فأما سعد فكان ينطلق بثمانين. وقال مقسم عن ابن عباس: كان لرسول الله 18 في المواطن كلها رايتان: مع علي راية المهاجرين، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار. وقصته في تخلفه عن بيعة أبي بكر مشهورة، الله أعلم بها، وخرج إلى الشام، ومات بحوران (سنة: ١٥هـ)، وقيل (سنة: ١٦هـ). هذا ملخص ما في الإصابة (٢: ٢٨). قوله: (في نذر كان على أمه) اختلف العلماء في تعيين هذا النذر، فقيل: كان صوماً، وقيل: كان عتقاً، وقيل: كان صدقة، وقيل: كان نذراً مطلقاً مبهماً، وليس عند أحد دليل صريح على قوله، وقد ساق الحافظ في الفتح (١١: ٥٠٧) جميع الأقوال، والروايات التي استدلوا بها، وتعقب جميعاً، ورجح أن النذر كان معيناً لا مبهماً، قلت: قد ذكر ابن أثير في جامع الأصول (١١: ٥٥٤) رواية عزاها للنسائي وفيها: ((إن سعداً أتى النبي ◌َّر، فقال: إن أمي ماتت، وعليها نذر، أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: أعتق عن أمك)) ولم أجد هذا اللفظ في النسخة المطبوعة من المجتبى، فإن يكن ثابتاً في نسخة أخرى منه، كما يظهر من عزو ابن أثير، فإن هذا الرواية ترجح أن النذر كان إعتاقاً، والله سبحانه أعلم. قوله: (فاقضه عنها) وزاد البخاري في النذور من طريق شعيب: ((فكانت سنة بعد)). يعني: صار قضاء الوارث على المورث طريقة شرعية، أعم من أن يكون وجوباً، أو ندباً. وإن هذه الزيادة مما تفرد بها شعيب من بين تلامذة الزهري، ورجح الحافظ في الفتح أنها من كلام الزهري، ويحتمل أن تكون من شيخه، والله أعلم. ثم ههنا مسألتان: الأولى: هل يجب على الوارث أن يقضي ما نذره وارثه في حياته، ثم مات قبل الوفاء به؟ ١٣١ كتاب: النذر ٤٢١٢ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو فقال أهل الظاهر: يجب عليه ذلك، واستدلوا بصيغة الأمر في حديث الباب، فإنها تدل على الوجوب. وقال الجمهور من الفقهاء ومنهم الحنفية، : إنه لا يجب على الوارث، وإنما هو مستحب له، إلا أن يكون حقاً في المال، ويكون للميت تركة، فيقضي عنه منها. واستدلوا بما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس ◌ًا، قال: ((أتي رجل النبي ◌َّ، فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي ◌َّر: (لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟)) قال: نعم، قال: ((فاقض الله، فهو أحق بالقضاء)). ووجه الاستدلال أن النبي ◌َّللر شبه النذر بالدين، وإن قضاء الدين عن الميت لا يجب على الوارث، ما لم يخلف المورث تركة يقضي منها . وأما صيغة الأمر في حديث الباب، فأجاب عنها ابن قدامة تخلُّهُ بقوله: ((إن السائل سأل النبي ◌َلو: هل يفعل ذلك أولاً؟ وجوابه يختلف باختلاف مقتضى سؤاله، فإن كان مقتضاه السؤال عن الإباحة فالأمر في جوابه يقتضي الإباحة، وإن كان السؤال عن الإجزاء فأمره يقتضي الإجزاء، كقولهم: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: ((صلوا في مرابض الغنم))، وإن كان السؤال عن الوجوب فأمره يقتضي الوجوب ... وسؤال السائل في مسألتنا كان عن الإجزاء، فأمر النبي (َّه بالفعل يقتضيه لا غير)) وراجع المغني مع الشرح الكبير (١١: ٣٧٠). والمسألة الثانية: هل يجوز للوارث أن يقضي كل ما نذره مورثه؟ سواء كان كان نذراً مالياً أو بدنياً؟ أو يختص ذلك بنذر دون نذر. وخلاصة القول في هذه المسألة أن النذر إن كان مالياً محضاً كالصدقة، فإن أوصى المورث بالوفاء به، وخرج ذلك من ثلث ماله، وجب أن يوفي بنذره من تركته، فإن لم يوص بوفاء النذر لم يجب ذلك على الورثة عند أبي حنيفة كَّثُ، وقال الشافعي كَّلُ: إنه بمنزلة الدين، فيجب قضاؤه على الورثة، وإن لم يوص به المورث؛ ولنا أنه عبادة، ولا بد فيه من الاختيار، وذلك في الإيصاء، دون الوراثة، لأنها جبرية. وراجع للتفصيل الهداية، وفتح القدير (٢: ٨٤) من كتاب الصوم. وأما النذر بالعبادات البدنية، فإن كانت ماليةً أيضاً، كالحج، فمذهب الجمهور أنها تجري فيها النيابة، فإن أوصى به المورث وخرج نفقته من الثلث، وجب الوفاء به من تركته، وإلا فالوفاء به مستحب للورثة، وليس بواجب. وخالفهم مالك رحمه الله في المشهور عنه، فقال: لا تجري النيابة في الحج، وقد مرت هذه المسألة بتفاصيلها في كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت. ١٣٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ. بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ. وَمَعْنَى حَدِيثِهِ . (٢) - باب: النهي عن النذر، وأنه لا يردّ شيئاً ٤٢١٣ - (٢) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ وأما النذر بالعبادات البدنية المحضة، فإن كانت صلاة فلا يصلي الوارث عن مورثه بالإجماع، لأنها لا بدل لها بحال إلا في رواية مرجوحة عن أحمد بن حنبل، وأما سائر الأعمال غيرها كالصوم فقال أحمد بن حنبل: إنه ينوب الولى عنه فيها وليس بواجب عليه، ولكن يستحب له ذلك، على سبيل الصلة والمعروف، كما في المغني لابن قدامة، مع الشرح الكبير (١١ : ٣٦٩)، واستدل له بما تقدم عند المصنف في كتاب الصوم من حديث ابن عباس قال: ((جاءت امرأة إلى رسول الله وَطير، فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين، فقضيته، أكان ذلك يؤدي عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك)». والمشهور عن الإمام أحمد تغذّقُ أنه يقول بجواز النيابة في الصوم المنذور فقط، وأما في صوم رمضان فلا . وخالفه أبو حنيفة مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، فقالوا: لا تجري النيابة في شيء من العبادات البدنية، غير أنه يجوز للوارث أن يفدي عن مورثه مكان الصلاة والصوم، واستدلوا بما أخرجه الترمذي عن نافع، عن ابن عمر، رفعه في رجل مات وعليه صيام: ((يطعم عنه عن كل يوم مسكين)) وصحح الترمذي والدارقطني وقفه على ابن عمر. وأجابوا عما استدل به أحمد بن حنبل من حديث ابن عباس أن مراده الفداء عن الميت، أو التطوع بالصوم، وإهداء ثوابه له. وقد مرت هذه المسألة مبسوطة في كتاب الصوم، باب قضاء الصوم عن الميت، فليراجع، وليراجع أيضاً إعلاء السنن (٩: ١٣٧) من كتاب الصوم، و(١٥: ٣٣٣) من كتاب الوكالة، وفتح القدير (٢: ٨٤). (٢) - باب: النهي عن النذر إلخ ٢ - (١٦٣٩) - قوله: (جرير عن منصور) أما جرير فهو جرير بن عبد الحميد الرازي القاضي، كان ثقة يرحل إليه، وكان من العباد الخشن، وثقه أكثر المحدثين، وقد نسبه بعضهم ١٣٣ كتاب: النذر عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ يَوْماً يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ. إلى التدليس والاختلاط، وقال قتيبة: سمعته يشتم معاوية علانية كما في التهذيب، والله أعلم، وأما منصور فهو ابن المعتمر، وقد تقدم مراراً. قوله: (عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي الكوفي، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي : ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال ابن سعد: مات فى خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال عمرو بن علي: مات سنة مائة، كذا في التهذيب (٦: ٢٤). قوله: (عن عبد اللّه بن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في القدر، باب إلقاء العبد النذر إلى القدر، وفي الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر، وأبو داود، (رقم: ٣٢٨٧)، والنسائي، كلاهما في النذور والأيمان، باب النهي عن النذر، وباب النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره، وابن ماجه في الكفارت، باب النهي عن النذر، (رقم: ٢١٢٢). قوله: (ينهانا عن النذر) اعلم أن النذر إن كان مطلقاً من غير شرط، كقول الناذر: لله علي أن أصلي ركعتين، فلا خلاف في جوازه بغير كراهة، وإنما النهي في حديث الباب متعلق بالنذر المعلق، مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي صمت يومين، والدليل عليه الفقرة التالية من الحديث، وهي: ((إنه لا يرد شيئاً، وإنما يستخرج به من الشحيح)) والمراد أنه لا يرد القدر، فلا فائدة في تعليق النذر. ثم اختلف العلماء في معنى النهي عن النذر في حديث الباب، ونجد هناك أقوالاً آتية: ١ - قال ابن الأثير الجزري في جامع الأصول (١١: ٥٣٩): ((النهي عن النذر إنما هو تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم الوفاء به، وإنما وجه الحديث: أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعاً، ولا يصرف عنهم ضراً، ولا يرد قضاء، فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم، أو يصرف به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم)). وحاصل هذا القول أن النهي عن النذر ليس للمنع منه، فلا تثبت به حرمة النذر أو كراهته، وإنما هو تعظيم لأمره، وتحذير عن التهاون به، وإن هذا القول منقول عن أبي عبيد، والخطابي أيضاً، كما حكاه الحافظ في الفتح (١١: ٥٠٠)، وهو الذي جزم به ابن الملك في مبارق الأزهار (١ : ٢٣٤) . ولكن هذا القول مدخول من وجوه: الأول: إن أدنى ما يثبت بالنهي هو الكراهة، وإن هذا القول ينفي الحرمة والكراهة جميعاً، فلو لم تكن في النذر كراهة ولو تنزيهاً لما بقي للنهي معنىً. ١٣٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم والثاني: إن قول ابن الأثير: ((ولو كان معناه الزجر عنه لكان في ذلك إبطال حكمه)» يرد عليه على أصلنا أن النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي مشروعية أصلها، كما تقرر في الأصول، فلا يستلزم النهي عن الشيء إبطال حكمه، كالتطليقات الثلاث، فإنها منهية عنها ولكن حكمها ثابت. وأما قوله: ((إذ كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم الوفاء به)) فيجاب عنه بأن عدم لزوم الوفاء إنما يتأتى فيما إذا كان المنذور به حراماً، ولا يستلزم كراهة نفس فعل النذر أن يصير المنذور به حراماً، فلو قلنا بكراهة النذر لم يلزمنا أنه يستلزم إبطال حكمه، كما أن الظهار مكروه، ولكنه يستلزم وجوب الكفارة. والثالث: أن حديث الباب إنما رواه ابن عمر رضيًّا في واقعة أخرجها الحاكم في المستدرك، والإسماعيلي في معجمه عن سعيد بن الحارث، قال: ((كنت عند ابن عمر فأتاه مسعود بن عمرو أحد بني عمرو بن كعب، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إن ابني كان مع عمر بِن عبيد اللّه بن معمر بأرض فارس، فوقع فيها وباء وطاعون شديد، فجعلت على نفسي: لئن سَلَّم الله ابني ليمشين إلى بيت الله تعالى، فقدم علينا وهو مريض، ثم مات، فما تقول؟ فقال ابن عمر: أو لم تنهوا عن النذر؟ إن النبي ◌ّ﴿ إلخ)) فذكر الحديث المرفوع. وسياقه يدل على أن ابن عمر رضيًّا فهم من الحديث كراهة النذر المعلق، وإنَّ فَهْمَ الصحابي الفقيه مثل ابن عمر أولى من فهم غيره . ٢ - قال المأزري كثّفُ: ((يحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقربة مستثقلاً لها، لما صارت عليه ضربة لازب، وكل ملزوم فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار. ٣ - وقال رحمه الله أيضاً: ((ويحتمل أن يكون سببه أن الناذر لما لم ينذر القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب ... ويشير إلى هذا التأويل قوله : إنه لا يأتي بخير، وقوله: إنه لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره له، وهذا كالنص على هذا التعليل)). ٤ - قال القاضي عياض كثّفُ: ((ويقال إن الإخبار بذلك وقع على سبيل الإعلام من أنه لا يغالب القدر، ولا يأتي الخير بسببه، والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ظن بعض الجهلة)) حكى هذه الأقوال الثلاثة الحافظ في الفتح. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وحاصل القول الأخير أن النهي إنما يتوجه إذا نذر الرجل باعتقاد أنه يرد من قدر الله وقضائه، وأما إذا وقع النذر بدون هذا الاعتقاد فلا منع فيه ولا كراهة، وحاصل قَوْلَيْ المأزري ◌َّفهُ أنه يكره، وإن لم يكن بهذا الاعتقاد، والذي يظهر لي أنه إن كان باعتقاد فاسد فحرام، وإن لم يكن باعتقاد فاسد فإنه لا يخلو عن الكراهة أيضاً لعموم لفظ ١٣٥ کتاب: النذر وَيَقُولُ: (إِنَّهُ لاَ يَرُدُّ شَيْئاً. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ)). ٤٢١٤ - (٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيم، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((النَّذْرَّ لاَ يُقَدِّمُ شَيْئاً وَلاَ يُؤَخِّرُهُ. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلٍ)). ٤٢١٥ - (٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا الحديث، ووجهه ما قدمناه عن المأزري تغَّفُهُ، ويمكن أن يضاف إليه أن النذر المعلق صورته صورة إطماع، وكأن الناذر يطمع الله سبحانه وتعالى في عبادته إن أنجز له ما يريده، والله سبحانه وتعالى غني عن ذلك. فالمسنون المأثور للعبد إذا عرضته حاجة أن يدعو الله سبحانه، ويعبده ويتصدق لوجهه، فإن جميع ذلك مفيد في دفع البلايا، وأما أن يعلق عبادته بحصول ما يريد، فإنه بظاهره ينافي إخلاص العبادة، والله سبحانه أعلم. وقال شيخ مشايخنا الكنگوهي تغذّفُهُ، في الكوكب الدري (ص: ٤١٢): وجملة الأمر أن الاعتقاد بتأثير النذر بحيث يغني عن قدر الله شيئاً منهي عنه مطلقاً، وللبخيل الذي لا ينفق إلا في النذر سبب مذمة، وإن لم يعتقد التأثير، كأنه لامه على صنيعه ذلك، وهو أنه لا يعطي الله إلا لغرض دنيوي، وأما ما سوى هذين فلا بأس به)). قوله: (إنه لا يرد شيئاً) يعني: أنه لا يرد قضاء الله سبحانه، وأوله بعضهم بالقضاء المبرم، فإنه لا يرده شيء، ولكن الذي يظهر لهذا العبد الضعيف أن المراد به ههنا هو القضاء الذي يرده الدعاء، وهو القضاء المعلق، فإن عدم رد المبرم من القضاء يعم جميع الأشياء، ولا يختص بالنذر، فالمراد - والله أعلم - أن النذر لا يؤثر في إنجاز ما يريده الإنسان، حتى في درجة الأسباب، بخلاف الدعاء فإنه مؤثر في درجة الأسباب، ولذلك فإنه يرد القضاء المعلق، والله أعلم . ٣ - (٠٠٠) - قوله: (يزيد بن أبي حكيم) بفتح الحاء، هو أبو عبد اللّه الكناني العدني، قال أبو داود: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مات (سنة: ١٢٠ هـ)، وقال الحافظ في التقريب: صدوق من التاسعة . قوله: (وإنما يستخرج به من البخيل) وفي الرواية السابقة: (من الشحيح) والشحيح والبخيل كلاهما بمعنى واحد. والمراد أن النذر شيء يخرج من البخيل ما لولاه لم يكن يريد أن يخرجه، وقال الطيبي: ((إن الله تعالى يحب البذل والإنفاق، فمن سمحت أريحته فذلك، وإلا فشرع النذر، ليستخرج به مال البخيل)) كذا في مرقاة المفاتيح (٧: ٣٥). (٠٠٠) - قوله: (غندر) بضم الغين وفتح الدال، لقب لمحمد بن جعفر، وقد تقدم وجه تلقيبه بذلك فى كتاب المساقاة، باب جواز اقتراض الحيوان، والغنادر في المحدثين عشرة، ١٣٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ؛ أَنَّهُ نَّهَى عَنِ النَّذْرِ. وَقَالَ: ((إِنَّهُ لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ)) . ٤٢١٦ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُفْيَانَ. كِلَاَهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ جَرِيرٍ . ٤٢١٧ - (٥) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنِ ذكرهم الذهبي في تذكرة الحفاظ (٣: ٩٦١ - ٩٦٤) في ترجمة غندر أبي بكر محمد بن جعفر البغدادي الوراق. ٤ - (٠٠٠) - قوله: (إنه لا يأتي بخير) الحاصل: إن النذر غير مؤثر في إيجاد الخير الذي يريده الإنسان، وإن الله سبحانه وتعالى يستجيب الدعوات في كل حال، فلا ينبغي أن تعلق العبادات بشروط، وإنما يأتي العباد بعبادته خالصة لوجهه الكريم، ويدعوه في حاجاته، فإن ذلك يأتي بخير إن شاء الله تعالى. قوله: (حدثنا مفضل) هو المفضل بن مهلهل السعدي، أبو عبد الرحمن الكوفي، كان ثبتاً صاحب سنة، وفضل، وفقه، ولما مات الثوري جاء أصحابه إلى المفضل، وقالوا: تجلس لنا مكانه، فأبى، وقال ابن حبان في الثقات: كان من العباد الخشن ممن يفضل على الثوري، مات (سنة: ١٦٧ هـ) كذا في التهذيب. قوله: (حدثنا عبد الرحمن) لعله عبد الرحمن بن مهدي، وهو غني عن الترجمة، والله أعلم. ٥ - (١٦٤٠) - قوله: (يعني الدراوردي) بفتح الدال والواو، وسكون الراء الثانية، وكان أبوه من دارا بجرد، مدينة بفارس، وكان مولى لجهينة، فاستثقلوا أن يقولوا: ((دارا بجردي)) فقالوا: دراوردي، وقيل: إنه من أندرابة، كذا في الأنساب للسمعاني (٥: ٣٣٠). وذكر الحافظ عن أحمد بن صالح أنه كان يقول للرجل إذا أراد أن يدخل: أندرون درا، فلقبه أهل المدينة الدراوردي، واسمه: عبد العزيز بن محمد بن عبيد، أبو محمد المدني، قال ابن سعد: ولد بالمدينة، ونشأ بها، وسمع بها العلم والأحاديث، ولم يزل بها حتى توفى (سنة: ١٨٧ هـ)، وكان ثقة كثير الحديث، يغلط، قال المزي: روى له البخاري مقروناً لغيره، وقال الساجي: كان من أهل الصدقة والأمانة، إلا أنه كثير الوهم. كذا في التهذيب (٦: ٣٥٣ - ٣٣٥). ١٣٧ كتاب: النذر الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((لاَ تَنْذُرُوا. فَإِنَّ النَّذْرَ لاَ يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئاً. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ)). ٤٢١٨ - (٦) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاَءَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّر؛ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ. وَقَالَ: (إِنَّهُ لاَ يَرُدُّ مِنَ الْقَدَرِ. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ)). ٤٢١٩ - (٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَليُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ أَبْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَمْرٍو (وَهُوَ أَبْنُ أَبِي عَمْرٍو)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ بِّرِ قَالَ: ((إِنَّ النَّذْرَ لاَ يُقَرِّبُ مِنْ ابْنِ آدَمَ شَيْئاً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ. وَلَكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ. فَيُخْرَجُ بِذْلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ)). ٤٢٢٠ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْقَارِيَّ) وَعَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ). كِلَهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، بِهِذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. قوله: (عن العلاء) يعني: العلاء بن عبد الرحمن، تقدم في الوصايا، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت. قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري، في القدر، باب إلقاء العبد النذر إلى القدر، وفي الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر، وأبو داود في الأيمان والنذور، باب النهي عن النذر، (رقم: ٣٢٨٨)، والترمذي في النذور والأيمان، باب ما جاء في كراهية النذر، (رقم: ١٥٣٨)، والنسائي في الأيمان والنذور، باب النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره، وباب النذر يستخرج به من البخيل، وابن ماجه في الكفارات، باب النهي النذر، (رقم: ٢١٢٣). ٧ - (٠٠٠) - قوله: (ولكن النذر يوافق القدر) يعني: أن النذر من جملة القدر، فقدر الله سبحانه وتعالى. (٠٠٠) - قوله: (ابن عبد الرحمن القاريّ) بتشديد الياء، نسبة إلى بني قارة، وهم بطن معروف من العرب، وقد قيل في المثل السائر: ((قد أنصف القارة من راماها)) لصفتهم بالرمي والإصابة، والقارة لقب، لقبوا به لأن يعمر بن عوف الشداخ أراد أن يفرقهم في بطون بني كنانة، فقال رجل منهم : فنجفل مثل إجفال الظليم دعونا قارة لا تنفرونا فسموا قارة، كذا في الأنساب للسمعاني (١٠: ٢٩٤ و٢٩٥). ويعقوب بن عبد الرحمن ١٣٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٣) - باب: لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد ٤٢٢١ - (٨) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ). قَالاَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ. فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَّيْنٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ. وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَ رَجُلاً مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ. وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ. فَأَتَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ هذا، هو المدني، حليف بني زهرة، سكن الإسكندرية، أخرج عنه الجماعة إلا ابن ماجه، وثقه ابن معين، وأحمد، وابن حبان، كذا في التهذيب. (٣) - باب: لا وفاء لنذر في معصية الله الخ ٨ - (١٦٤١) - قوله: (عن أبي المهلب) بفتح اللام المشددة، مشهور بكنيته، واختلفوا في اسمه اختلافا شديداً، وهو عم أبي قلابة، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: كان ثقة قليل الحديث، كذا فى التهذيب. قوله: (عن عمران بن حصين) بضم الحاء مصغراً، الصحابي الجليل المعروف، أسلم عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، وبعثه عمر بن الخطاب رضي الله إلى البصرة ليفقه أهلها، وولي بها القضاء لمدة، ثم استقال، وكان المعروف في أهل البصرة أنه يرى الملائكة الحفظة وكانت تكلمه، حتى اكتوى في بطنه، فاحتبست عنه، وكان قد اعتزل الفتنة، فلم يقاتل فيها، وكان مجاب الدعوة، مات (سنة: ٥٢هـ أو ٥٣هـ)، كذا في الإصابة (٣: ٢٧). وحديثه هذا أخرجه أيضاً أبو داود في الأيمان والنذور، باب في النذر فيما لا يملك (رقم: ٣٣١٦)، واختصره الترمذي جداً في السير، باب ما جاء في قتل الأسارى والفداء، (رقم: ١٥٦٨) وابن ماجه في الكفارات، باب النذر في المعصية، (رقم: ٢١٢٤)، وأخرجه أيضاً الدارمي في السير باب إذا أحرز العدو من مال المسلمين، (رقم ٢٥٠٨)، وأحمد في مسنده (٤: ٤٣٠ و٤٣٢). قوله: (كانت ثقيف) إلخ: اعلم أن هذا الحديث مشتمل على واقعتين: الأولى في قصة تملك النبي ◌ّ الناقة العضباء وحاصلها أنها كانت لرجل من بني عقيل فأسر مع ناقته فتملكها النبي وَلقر. والواقعة الثانية: أن المشركين أغاروا على المدينة بعد الواقعة الأولى، فذهبوا بالعضباء، وأسرت عندهم امرأة من المسلمين فانفلتت منهم، وجاءت بالعضباء إلى رسول الله وَل﴾، ونذرت فيها نذراً، ومن أجل هذه الواقعة الثانية أخرج المصنف هذا الحديث في النذور. قوله: (وأصابوا معه العضباء) يعني: الناقة التي تسمى عضباء كانت للرجل المأسور من ١٣٩ کتاب: النذر وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ. فَقَالَ: ((مَا شَأُنُكَ؟)) فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي؟ وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ (إِعْظَاماً لِذلِكَ): ((أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةٍ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ)) ثُمَّ انْصَرَفَ بني عقيل فلما أسره أصحاب النبي والقر أصابوا معه هذه الناقة كمغنم، وصارت بعد إلى النبي ◌َلآل. وإن هذا الحديث دليل على أن العضباء غير القصواء، لأن القصواء هي التي هاجر عليها النبي ◌َّر، كما في شرح الزرقاني على المواهب (٣: ٣٩٠)، والعضباء إنما أصابها الصحابة كمغنم من أسير بني عقيل، ووقع ذلك بعد الهجرة قطعاً، فبطل قول من قال: إن القصواء والعضباء واحدة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في كتاب الحج، باب حجة النبي وَالر. ثم ذكر أصحاب السير أن هذه الناقة لم تكن عضباء بمعنى مشقوقة الأذن، وإنما سميت بهذا الاسم، وقال الزمخشري: العضباء قصيرة اليد، فيحتمل أن تكون سميت بهذا الاسم لقصر يدها، والله أعلم. وراجع شرح المواهب اللدنية للزرقاني (٣: ٣٩١)، وزاد المعاد لابن القيم (١: ٣٤)، وفتح الباري كتاب الجهاد (٦: ٥٥ و٥٦). قوله: (وهو في الوثاق) يعني: في القيد، والوثاق: ما يوثق به، وزاد أبو داود وأحمد: ((والنبي ◌ّل على حمار له، عليه قطيفة)). قوله: (بم أخذت سابقة الحاج؟) يريد بسابقة الحاج ناقته العضباء، فإنها كانت تسبق الحجاج في سفرها، ولم يكن يسبقها أحد. وأخرج البخاري في باب التواضع من كتاب الرقاق عن أنس، قال: ((كانت ناقة لرسول الله وَل تسمى العضباء، وكانت لا تُسْبَق، فجاء أعرابي على قَعُود له، فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبِقَتْ العضباء، فقال رسول الله وَاليه: إن حقاً على الله أن لا يرفع شيء من الدنيا إلا وضعه)). وإنما سأله الأسير عن سبب أخذها، لأنه كان يعتقد أن له ولقبيلته عهداً من النبي وَّر مع أن ثقيفاً نقضت العهد بأسر رجلين من أصحاب النبي ◌َّ، فانتقض عهدها وعهد حلفائها. قوله: (إعظاماً لذلك) حكاية حال من الراوي، وليس من مقول النبي وَّر، ويحتمل أن يكون الإعظام منه وَّر، فهو إعظام لحق الوفاء، وإبعاد لنسبة الغدر إليه، ويحتمل أيضاً أن يكون من الأسير، فيكون في الكلام التقديم والتأخير، ويكون الإعظام إعظام الأخذ، وقد جرى الأبي في شرحه (٤: ٣٦٠) على الاحتمالين، وتبعه السنوسي، وكذا الشيخ محمد ذهني في تعليقه (٢ : ٧٢)، ولا يخفى أن الاحتمال الأول هو الراجح، والحاصل أن سؤال الأسير عن سبب أخذه كان يتضمن نسبة الغدر ونقض العهد إلى النبي وَ ل# وأصحابه، فأعظمه النبي وَلّ وأجاب بما أجاب. قوله: (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف) الجريرة فى اللغة: الذنب والجناية، يقال: جر على ١٤٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَنْهُ فَنَادَاهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِلّهِ رَحِيماً رَقِيقاً. فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: ((مَا شَأْنُكَ؟)) قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ. قَالَ: ((لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرِكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلاَحِ)) ثُمَّ انْصَرَفَ. فَنَادَاهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ فَقَالَ: ((مَا شَأْنُكَ؟)) قَالَ: إِنِّي نفسه وغير، يجرها بضم الجيم وفتحها، جريرةً: إذا جنى عليهم جناية، كما في تاج العروس (٣: ٩٤). فالمعنى: أني أخذتك بجناية حلفائك ثقيف، فإنهم أسروا رجلين من أصحابنا، ونقضوا بذلك عهدهم، وقد ذكر الخطابي رحمه الله في ذلك وجوها : الأول: أن العهد كان مع بني ثقيف وحلفائهم جميعاً، بأنهم لا يتعرضون للمسلمين، فنقض بنو ثقيف العهد، ولم ينكره بنو عقيل، فأخذوا بجريرتهم. والثاني: أن بني عقيل لم يكن معهم عهد، فكان الأسير رجلاً كافراً لا عهد له، فكان يجوز أخذه وأسره وقتله، فإذا جاز أن يؤخذ بجريرة نفسه، وهي كافرة، جاز أن يؤخذ بجريرة غيره ممن كان حليفاً له. والثالث: أن يكون في الكلام إضمار، يريد أنك إنما أخذت ليدفع بك جريرة حلفائك ثقيف، فيفدي بك الأسرى الذين أسرهم ثقيف، ألا تراه يقول: ((ففدى الرجلين)) كذا في معالم السنن للخطابي (٤: ٣٨٠). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الوجه الثاني بعيد، والظاهر هو الوجه الأول، ولا ينافي الوجه الثالث، فالظاهر أن العهد كان مع ثقيف وحلفائها، فأخذ رجل من بني عقيل، ليفدي بالرجلين الذين أسرتهم ثقيف، وقد ذكر الأبي عن شيخه أبي عبد الله أن هذا الحديث أصل في هذا الحكم، وهو أخذ الحليف بجريرة حليفه، وإن لم يُجْرِم إلا كونه حليفاً فقط، والذي يظهر لهذا العبد الضعيف أن ذلك يدار على الشرط أو العرف، فإن كان المشروط في العهد أن يؤخذ الحليف بجريرة حليفه، أو كان ذلك معروفاً بين الفريقين، جاز أن يؤخذ الحليف، وأما إذا لم يكن هناك شرط، ولا عرف، فالظاهر عدم الجواز، وأما في قصة ثقيف فالظاهر أنه كان ذلك مشروطاً فيما بينهم، ولذلك سكت الأسير على جوابه وَلتر، ولم يناقضه بأن أسره بجريرة حلفائه مخالف للعهد، والله سبحانه أعلم. قوله: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) يعني: كنت تملك أمرك قبل أن تؤسر، فلو قلت في تلك الحال ما تقوله الآن، وهو أنك مسلم، لنجيت نفسك من الأسر في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فإن الرجل إن أقر بالإسلام قبل أن يؤسر لم يجز أسره، ولا قتله، وأما إذا أسلم بعد الأسر فقد نجى نفسه من القتل فقط، ولكن يجوز للإمام أن يسترقه، أو يمن عليه، أو يفاديه، فإن الإسلام بعد الأسر لا ينافي الاسترقاق.