Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب: المساقاة
كيل، أو وزن، مما يؤكل أو يشرب)) أخرجه الدارقطني. وقال: ((الصحيح أنه من قول سعيد،
ومن رفعه فقد وهم)).
وإن هذه المذاهب الأربعة هي المشهورة في هذا الباب، وإن كانت فيه ستة أقوال أخرى،
فإنها ليست مشهورة ولا متبعة، وقد ذكرها العيني في باب بيع الطعام والحكرة من عمدة القاري
(٥: ٤٩٠).
ثم إن الحنفية رجحوا تعليلهم - وهو الكيل أو الوزن مع الجنس - رواية ودراية، أما رواية،
فلأنه مستنبط من الأحاديث الآتية:
١ - سيأتي في باب بيع الطعام مثلاً بمثل عند المصنف عن سعيد بن المسيب ((أن أبا هريرة
وأبا سعيد حدثاه أن رسول الله وَل# بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر، فقدم
بتمر جنيب، فقال له رسول الله ◌َ﴾: أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا
لنشتري الصاع بالصاعين مع الجمع، فقال رسول الله وَيقول: لا تفعلوا، ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا
هذا، واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان)) وأخرجه أيضاً البخاري في الوكالة، باب الوكالة
في الصرف والميزان، ولفظه: ((وقال في الميزان مثل ذلك)) ومعناه أن الموزونات كلها في حكم
التمر، بأنه لا يجوز التفاضل في مبادلتها، فثبت أن العلة في المنع هي: الكيل، كما في التمر،
أو الوزن، كما في الذهب والفضة.
٢ - أخرج الحاكم في مستدركه (٢: ٤٢) بعد باب النهي عن عسب الفحل عن حيان بن
عبيد الله العدوي، قال: ((سألت أبا مجلز عن الصرف، فقال: كان ابن عباس ظًا لا يرى به
بأساً زماناً من عمره، ما كان منه عيناً، يعني: يداً بيد، فكان يقول: إنما الربا في النسيئة فلقيه
أبو سعيد الخدري، فقال له: يا ابن عباس، ألا تتقي الله؟ إلى متى توكل الناس الربا؟ أما بلغك
أن رسول الله 8* قال ذات يوم، وهو عند زوجته أم سلمة: إني لأشتهي تمر عجوة، فبعثت
صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار، فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة، فقامت، فقدمته
إلى رسول الله وَ﴿، فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة، ثم أمسك، فقال: من أين لكم هذا؟ فقالت
أم سلمة: بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار، فأتانا بدل صاعين هذا الصاع الواحد،
وها هو كل، فألقى التمرة بين يديه، فقال: ردوه، لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة
بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يداً بيد، عيناً بعين، مثلاً بمثل،
فمن زاد فهو ربا، ثم قال: كذلك ما يكال ويوزن أيضاً)).
وإن هذا الحديث صريح في أن جميع المكيلات والموزونات في حكم التمر، وأن العلة
في تحريم ربا الفضل، هي الكيل أو الوزن.

٥٤٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وهذا الحديث صحح الحاكم إسناده، ولكن تعقبه الذهبي لقوله: ((قلت: حيان فيه ضعف،
وليس بالحجة)) .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: حيان هذا، هو حيان بن عبيد الله البصري، كنيته أبو
زهير، وهو رجل اختلفت فيه أقوال النقاد، فضعفه ابن عدي، وقال البخاري: ذكر الصلت منه
الاختلاط، ولكن قال الحافظ في لسان الميزان (٢: ٣٧٠): ((قال أبو حاتم: صدوق، وقال
إسحاق بن راهويه: حدثنا روح بن عبادة، ثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجلَ صِدْقٍ. وذكره ابن
حبان في الثقات))، وقد ذكره السيوطي في اللآلي المصنوعة (٢: ١٥) وهو يتحدث عن حديثه :
(بين كل أذانين صلاة لمن شاء إلا المغرب)) فذكر هذه الأقوال، ومال إلى توثيقه، وفي هذا
السياق ذكره المارديني في الجوهر النقي تحت البيهقي (٢: ٥٧٥ و٥٧٦)، وقال: ((أخرج البزار
هذا الحديث، ثم قال: حيان رجل من أهل البصرة، مشهور، ليس به بأس، وقال فيه أبو حاتم:
صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات من أتباع التابعين)) .
وبالجملة، فقد وثقه أبو حاتم، وإسحاق بن راهويه، وابن حبان، والبزار، والحاكم،
فحديث مثله لا ينزل عن الحسن إن شاء الله تعالى، ثم حديثه هذا متأيد بما في الصحيحين من
قوله تعظلّلا: (وكذلك الميزان).
ورواه أيضاً الإمام محمد في كتاب البيوع عن أبي سعيد الخدري، ولفظه: ((وكذلك كل ما
يكال أو يوزن))، رواه من طريق مالك بن أنس، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وراجع بدائع
الصنائع للكاساني (٥: ١٨٤)، والمبسوط للسرخسي (١٢: ١١٢).
٣ - أخرج الدارقطني عن الحسن، عن عبادة، وأنس بن مالك أن النبي ◌َّير قال: ((ما وزن
مثل بمثل إذا كان نوعاً واحداً، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به)) ذكره
المجد بن تيمية في منتقى الأخبار، وقال الشوكاني تحته في نيل الأوطار (٥: ١٦٥): ((قالت
العترة جميعاً، بل العلة في جميعها اتفاق الجنس، والتقدير بالكيل والوزن، واستدلوا على ذلك
بذكره ◌ّل للكيل والوزن في أحاديث الباب. ويدل على ذلك أيضاً حديث أنس المذكور، فإنه
حكم فيه على كل موزون مع اتحاد نوعه، وعلى كل مكيل كذلك، بأنه مثل بمثل)).
وأما دراية، فإن ابن رشد تغَّقُ - زعم كونه مالكياً - ورجح تعليل الحنفية من حيث المعنى،
وقال في بداية المجتهد (٢: ١٣١):
((ولكن إذا تؤمل الأمر من طريق المعنى ظهر - والله أعلم - أن علتهم (يعني علة الحنفية)
أولى العلل، وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا إنما هو لمكان الغبن الكثير
الذي فيه، وأن العدل في المعاملات إنما هو مقاربة التساوي، ولذلك لما عسر إدراك التساوي

٥٤٣
كتاب: المساقاة
في الأشياء المختلفة الذوات جعل الدينار والدرهم لتقويمها، أعني تقديرها، ولما كانت الأشياء
المختلفة الذوات، أعني غير الموزونة والمكيلة، العدل فيها إنما هو في وجود النسبة، أعني أن
تكون نسبة قيمة أحد الشيئين إلى جنسه نسبة قيمة الشيء الآخر إلى جنسه، مثال ذلك أن العدل
إذا باع إنسان فرساً بثياب، هو أن تكون نسبة قيمة ذلك الفرس إلى الأفراس هي نسبة قيمة ذلك
الثوب إلى الثياب، فإن كان ذلك الفرس قيمته خمسون، فيجب أن تكون تلك الثياب قيمتها
خمسون، فليكن مثلاً، الذي يساوي هذا القدر عددها هو عشرة أثواب، فإن اختلاف هذه
المبيعات، بعضها ببعض في العدد واجب في المعاملة العدلة، أعني أن يكون عديل فرس عشرة
أثواب في المثل، وأما الأشياء المكيلة والموزونة، فلما كانت ليست تختلف كل الاختلاف،
وكانت منافعها متقاربة، ولم تكن حاجة ضرورية لمن كان عنده منها صنف، أن يستبدله بذلك
الصنف بعينه إلا على وجه السرف، كان العدل في هذه إنما هو بوجود التساوي في الكيل أو
الوزن، إذ كانت لا تتفاوت في المنافع» .
((وأيضاً، فإن منع التفاضل في هذه الأشياء يوجب أن لا يقع فيها تعامل، لكون منافعها
غير مختلفة، والتعامل إنما يضطر إليه في المنافع المختلفة، فإذن منع التفاضل في هذه الأشياء،
أعني المكيلة والموزونة، له علتان: إحداهما وجود العدل فيها، والثاني منع المعاملة إذا كانت
المعاملة بها من باب السرف، وأما الدينار والدرهم، فعلة المنع فيهما أظهر، إذ كانت هذه ليس
المقصود منها الربح، وإنما المقصود بها تقدير الأشياء التي لها منافع ضرورية)).
هذا، والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - أن تعليل المالكية أظهر وأولى من
جهة النظر، ومن جهة العمل عليه .
وأما من جهة النظر، فلأن ربا الفضل إنما حرمه رسول الله و # سداً للذريعة، ولئلا يتدرج
به إلى ربا النسيئة الذي حرمه القرآن، كما هو مصرح به في حديث أبي سعيد الخدري
وكما أسلفنا شرحه في عبارة ابن القيم كثّفُ، والتدرج إلى ذلك الربا إنما يمكن في الأشياء التي
هي أثمان أو تجري مجرى الأثمان في وقوع التعامل بها، ولا يخفى أن ربا النسيئة كان يجري
في أمثال هذه الأشياء، فإن أهل العرب، ولا سيما أهل البوادي منهم، فلما كانوا يتعاملون
بالذهب والفضة، وإنما كانوا يتقايضون بالأقوات التي تتيسر لهم، فكانت هذه الأشياء عندهم
بمنزلة الأثمان، يتوسلون بها إلى سد حاجاتهم الأخرى، وفيها كان يجري ربا النسيئة، دون
الأشياء الأخرى، كالثياب وغيرها من المزروعات والعدديات التي لا خلاف في خروجها من
الأموال الربوية، ولذلك جعل النبي وَلّر الأشياء الأربعة في حكم الذهب والفضة، فإن كل واحد
منها كان يستعمل حينئذ، وربما يستعمل حتى الآن في الريف والبوادي، استعمال الأثمان، في
شيوع التبادل بها، واشتراء الحاجات منها، فالذي يجمع بين هذه الأشياء الستة بالنظر إلى

٥٤٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
معاملات الربا، هو وقوع التبادل بها، إما من جهة كونها ثمناً خلقياً، وإما من جهة جريانها
مجرى الأثمان عموماً، وهذا المعنى الجامع في الأثمان والأقوات أظهر منه في المكيلات
والموزونات، فإن التبادل حينذاك كان يقع بالأقوات عموماً، دون غيرها من الموزونات
الأخرى، كالحديد، والصفر، والنحاس، والقطن، والصوف، والورس، والعصفر، وأمثالها.
وأما عملاً، فلأن التعليل بالقدر قد أدى الحنفية إلى مشاكل عملية مختلفة، كما وقع في
بيع القطن بالدراهم، فإن قياس تعليلهم يحرم هذا البيع نسيئة، لكونهما موزونين وفيه من
الصعوبة ما لا يخفى، فتخلصوا منه بأن ميزان كل واحد منهما مختلف، فإن الفضة توزن
بالصنجات، والحديد بالأمناء وغيرها، فجعلوهما مختلفي القدر من هذه الجهة، وجوزوا
التفاضل فيها .
وكذلك وقعت مشكلة في بيع الفلوس بالفلوس، فإنها ليست قدرية، فكان القياس أن يجوز
فيها التفاضل، ولكن الحنفية حرموا فيها التفاضل لكونها أثماناً اصطلاحية لا تتعين بالتعيين،
فيكون بيع دين بدين، ولذلك جوز الشيخان التفاضل فيها إذا بيعت معينة، كما سيأتي تفصيله في
شرح حديث عثمان رؤيته، ويستلزم ذلك أن يجوز بيع الفلس الواحد بعشرة فلوس، ولا يجوز بيع
قطعة صغيرة من نحاس أجود، بقطعة كبيرة من نحاس أدنى، مع التفاوت الفاحش في البدلين في
صورة الفلوس، بما يجعله ذريعة قوية إلى الربا، وقلة التفاوت بينهما في صورة النحاس، بما
يبعده عن التدرج إلى الربا .
وكذلك يلزم على قياس قول الحنفية أن لا يجوز إسلام النقود في شيء من الموزونات،
لوجود القدر، وحرمة النسيئة به، ولكن الحنفية استثنوا ذلك من حرمة ربا الفضل، فقالوا: ((ثم
يستثنى إسلام النقود في الموزونات بالإجماع، كي لا يسند أكثر أبواب السلم)) كما في البحر
الرائق (٦: ١٣٩)، ورد المحتار (٤: ١٧١).
ثم إن كون الشيء مكيلاً أو موزوناً يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة، فنشأت في الحنفية
أبحاث من هذه الجهة، فالمشهور عندهم أن ما ورد النص بكونه مكيلاً أو موزوناً يبقى كذلك
إلى الأبد، ولا يتغير بالعرف، وما لم يرد فيه نص فالحمل على العرف، خلافاً لأبي يوسف تغذّهُ
فإنه يبني جميع الأشياء على العرف، دون فرق بين منصوص وغيره، وإلى قوله مال الكمال بن
الهمام كالتُ .
وأما على تعليل المالكية فلا تحدث هذه المشاكل العملية، فإن علتى الثمنية والاقتيات مما
يجعل أحكام ربا الفضل مرتبطة متناسقة، ويقربها إلى حكمتها المنصوصة، من تدرجه إلى ربا
النسيئة .

٥٤٥
كتاب: المساقاة
وَلاَ تُشِقُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ. وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا
عَلَى بَعْضٍ. وَلاَ تَبِعُوا مِنْهَا غَائِباً بِنَاجِزٍ)).
٤٠٣١ - (٧٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ.
والذي يظهر أن الحنفية رحمهم الله عللوا هذه الأحكام بالقدر والجنس عملاً بقول سيدنا
عمر نظراته: ((فدعوا الربا والربية)) فإن علتهم أعم من علل الشافعية والمالكية، ودائرة الحرمات
فيها أوسع، وحيث لم يصرح رسول الله و ◌َّر بالعلة، فالاحتياط أن يختار ما هو أعم تحريماً ولا
سيما إذا وقعت في الأحاديث إشارات إلى هذه العلة، كما أسلفنا، ومن دأب الإمام أبي
حنيفة تغُّ أن مثله أن يسير إلى ما هو أحوط وأبعد عن خطر الحرمة، فاختار الحنفية هذه العلة
العامة ليتحرزوا عن كل ربا ممكن. وأما إذا ظهرت لهم صور لا تدخل في ربا الفضل بداهةً،
كإسلام النقود في الموزونات، فاستثنوها من التحريم بدلائل بدت لهم، كقوله ظليل في حديث
ابن عباس: ((من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم)) أخرجه الستة، كما في
فتح القدير (٥: ٣٢٤) فإنه دل على جواز الإسلام في المكيلات والموزونات، والإسلام لا
يكون عموماً إلا بالنقود، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (لا تَشِفُّوا) صيغة نهي من الإشفاف، يعني: لا تفضلوا، والشف بالكسر من
الأضداد، يطلق على الزيادة والنقصان جميعاً، وشف الدرهم يشف، من باب ضرب: إذا زاد،
أو نقص، وأشف وإشفافاً: زاده، أو نقصه، واستعمال هذه الكلمة في هذا الموضع من حسن
بلاغة النبي ◌ّر، لأن المقصود هو المنع من الزيادة والنقصان كليهما .
قوله: (لا تبيعوا منها غائباً بناجز) الناجز: الحاضر، والغائب: المؤجل، والمراد أن
الصرف لا بد فيه من التقابض في المجلس، ولا يجوز التأجيل بحال، أما إذا كان أحد البدلين
غائباً عند العقد الناجز ثم أتى به قبل انقضاء المجلس فلا بأس به، كما يدل عليه قوله ظلّلا في
الرواية الآتية: ((إلا يداً بيد)).
وأما إذا اشترى رجل ديناراً بعشرة دراهم كانت في ذمة البائع قبل العقد، فهو جائز أيضاً
عند جمهور الفقهاء كما في شرح الأبي (٤: ٢٦٤)، وفتح القدير (٥: ٣٧٩) وأما إذا كان لرجل
على آخر دينار، ولهذا الآخر عليه عشرة دراهم، فاشترى الأول عشرة دراهم بدينار، وتقاصا،
ففيه خلاف العلماء، فمنعه الشافعي، وأجازه مالك بشرط حلول ما في الذمة وأجازه أبو حنيفة
وإن لم يحل ما في الذمة، كذا حكى عنه الأبي في شرحه، وفي حكاية قول أبي حنيفة نظر، لأنه
في الظاهر بيع الكالىء، ويظهر من كلام صاحب الهداية في أول باب الصرف أن قبض أحد
البدلين في المجلس شرط لجواز العقد احترازاً عن بيع الكالىء بالكالىء فليتأمل، وليراجع فتح
القدير مع العناية (٥: ٣٧٠ و٣٨٠).

٥٤٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ: إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَأْثُرُ
هُذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فِي رِوَايَةٍ قُتَيْبَةَ: فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَنَافِعٌ مَعَهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنٍ
رُمْح: قَالَ نَافِعٌ: فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَنَا مَعَهُ وَاللَّيْتِيُّ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ.
فَقَالُ: إِنَّ هُذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ تُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلَّ مِثْلاً
بِمِثْلٍ وَعَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ. فَأَشَارَ أَبُو سَعِيدٍ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى عَيْنَيْهِ وَأُذَنَيْهِ.
فَقَالَ: أَبْصَرَتَّ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ بَّه يَقُولُ: ((لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ.
وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ. إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ. وَلاَ تُشِفُوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ. وَلاَ تَبِيعُوا شَيْئاً
غَائِباً مِنْهُ بِنَاجِزٍ، إِلَّ يَداً بِيَدٍ)) .
٤٠٣٢ - (٠٠٠) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (يَعْنِي ابْنَ حَازِم). ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ بَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. كُلَّهُمْ عَنْ نَافِعِ، بِنَحْوِ حَدِيثٍ
اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
٤٠٣٣ - (٧٧) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
الْقَارِيَّ) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((لاَ تَبِيعُوا
الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلاَ الْوَرِقَ بِالوَرِقِ، إِلَّ وَزْناً بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ)) .
٤٠٣٤ - (٧٨) حدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ. وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى.
قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ:
إِنَّهُ سَمِعَ مَالِكَ بْن أَبِي عَامِرٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ:
٧٦ - (٠٠٠) - قوله: (أن ابن عمر قال له رجل) إلخ ولعله قال ذلك لأن ابن عمر وابن
عباس ين كانا يقولان بجواز التفاضل في الأموال الربوية إذا كان البيع يداً بيد، تمسكاً
بقوله الثّل: ((لا ربا إلا في النسيئة)) كما سيأتي مصرحاً عند المصنف في أواخر هذا الباب،
وسنذكر هناك إن شاء الله تعالى أنهما قد رجعا عن ذلك.
قوله: (والليثي) يعني ذلك الرجل الليثي الذي نبه ابن عمر بحديث أبي سعيد
قوله: (إلا يداً بيد) يحتمل أن يكون هذا الاستثناء منقطعاً، ويحتمل أن يكون متصلاً،
والمراد على الثاني أن بيع الغائب بالناجز إنما يجوز إذا أحضر الغائب في المجلس قبل
الافتراق.
٧٨ - (١٥٨٥) - قوله: (عن عثمان بن عفان) هذا الحديث مما انفرد مسلم بإخراجه من بين

٥٤٧
كتاب: المساقاة
((لاَ تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ. وَلاَ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ)).
الأئمة الستة، وأخرجه أيضاً مالك في البيوع، باب بيع الذهب بالذهب تبراً وعيناً، ولفظه: ((عن
مالك أنه بلغه عن جده مالك بن أبي عامر أن عثمان إلخ)».
قوله: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين) هذا ظاهر في الدنانير المضروبة من الذهب، والدراهم
المضروبة من الفضة، فإن التفاضل في مبادلتها بجنسها عين الربا. أما الدراهم والدنانير
المغشوشة، فقد ذكر فقهاؤنا رحمهم الله تعالى أن الغش إن كان مغلوباً فلا عبرة به، ويحرم فيها
التفاضل كما في الذهب والفضة، لأنها لا تخلو عن قليل غش عادة، لأنها لا تنطبع إلا مع
الغش، وقد يكون الغش خلقياً، كما في الرديء منها، فيلحق القليل بالرداءة، والجيد والرديء
سواء .
وأما إذا كان الغالب عليها الغش فليسا في حكم الدراهم والدنانير، فإن بيعت بجنسها
متفاضلاً جاز عند الحنفية صرفاً للجنس إلى خلاف الجنس، فهي في حكم شيئين: فضة وصفر،
ولكنه صرف، حتى يشترط القبض في المجلس، لوجود الفضة من الجانبين، فإذا شرط القبض
في الفضة يشترط في الصفر، لأنه لا يتميز عنه إلا بضرر.
هذا أصل مذهب الحنفية، ولكن ذكر صاحب الهداية كّثُ أن مشايخ ما وراء النهر رحمهم
الله لم يفتوا بجواز ذلك في العدالى والغطارفة، لأنها كانت أعز الأموال في زمانهم، فلو أبيح
التفاضل فيه ينفتح باب الربا. وراجع الهداية مع فتح القدير (٥: ٣٨٢) من باب الصرف.
حكم العملة الرائجة:
وأما العملة المسكوكة الرائجة اليوم التي لا تضرب بالذهب أو الفضة، بل تصنع من
المواد الأخرى فحكمها على قول المالكية سهل، لأنهم يعتبرون الثمنية علة لتحريم التفاضل
والنسيئة، فلما أصبحت هذه الفلوس أثماناً باصطلاح الناس، صار حكمها كحكم الذهب
والفضة في كونها من الأموال الربوية، فلا يجوز التفاضل والنسيئة في مبادلتها بجنسها، ولا
تجوز النسيئة فقط في مبادلتها بغير جنسها، ويجوز التفاضل، كما في بيع الذهب والفضة، وجاء
في المدونة الكبرى للإمام مالك (٧: ١٠٤): ((ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود، حتى يكون
لها سكة وعين، لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة .... لأن مالكاً قال: لا يجوز فلس
بفلسين، ولا تجوز الفلوس بالذهب والفضة ولا بالدنانير نظرة)».
وجاء في المدونة أيضاً: ((عن يحيى بن سعيد وربيعة أنهما كرها الفلوس بالفلوس بينهما
فضل أو نظرة، وقالا: إنها صارت سكة مثل سكة الدنانير والدراهم)).
فتبين أن المالكية رحمهم الله يعتبرون الفلوس كالدراهم والدنانير سواء بسواء، مهما كانت
مادتها، حتى لو راجت فلوس الجلد كان لها حكم الذهب والفضة.

٥٤٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وأما الشافعية فالعلة عندهم جوهرية الثمن، فتختص بالذهب والفضة، وليست الفلوس في
حكمها، فقد صرح علماؤهم بأنه لا ربا في الفلوس، وإن راجت، فيجوز بيع بعضها ببعض
متفاضلاً كما في نهاية المحتاج (٣: ٤١٨) وتحفة المحتاج لابن حجر المكي، مع حاشيته
للشرواني (٤: ٢٧٩).
وأما الحنفية فالفلوس عندهم عددية، فليست من الأموال الربوية، فأحكامها من هذه الجهة
على وجوه عندهم، والحكم فيها مختلف:
١ - بيع الفلوس بمثلها، كالفلس الواحد بالفلس الواحد الآخر، وهذا إنما يجوز إذا تحقق
القبض في أحد البدلين في المجلس، قبل أن يفترق المتبايعان، فإن تفرقا ولم يقبض أحد شيئاً،
فسد العقد، لأن الفلوس لا تتعين، فصارت ديناً على كل أحد، والافتراق عن دين بدين لا
يجوز. وهذا الحكم قد صرح به في الدر المختار وشرحه لابن عابدين كتَّهُ (٤: ١٨٤).
٢ - بيع فلوس غير معينة بالتفاضل، كبيع الفلس الواحد بالفلسين، إذا لم يعين المتعاقدان
أحد البدلين، فإنه لا يجوز باتفاق العلماء الحنفية، أما إذا كان البدلان غير متعينين، فلأن
الفلوس الرائجة أمثال متساوية قطعاً لاصطلاح الناس على إهدار قيمة الجودة منها، فيكون أحد
الفلسين فضلاً خالياً عن العوض، مشروطاً في العقد، وهو الربا(١). وأما إذا كان الفلس الواحد
متعيناً بعينه والآخران بغير أعيانهما، فلأنه لو جاز أمسك البائع الفلس المعين، وطلب الآخر،
وهو فضل خال عن العوض. وأما إذا كان الفلس الواحد غير معين، والآخران متعين، فلأنه لو
جاز قبض البائع الفلسين، ورد إليه أحدهما مكان ما استوجبه في ذمته، قيبقى الآخر له بلا
عوض. كذا قال البابرتي كثَّثُ في العناية (٥: ٢٨٧).
٣ - بيع فلوس معينة بالتفاضل، كبيع الفلس الواحد بعينه بالفلسين الآخرين بعينهما، وفيه
خلاف مشهور، فقال محمد: إنه لا يجوز أيضاً، لأن الفلوس عنده لا تتعين بالتعيين في حال من
(١) فإن قيل: إن الفضل إنما يكون رباً إذا وجد في الأموال الربوية. والفلوس ليست من الأموال الربوية عند
الحنفية، فليكن الفضل جائزاً فيها كما في سائر العدديات، فالجواب: أن الفضل عن العوض حرام في سائر
الأموال، ولكن الفضل في غير الأثمان والقدريات لا يكون خالياً عن العوض، فإن التماثيل بين آحاد
العدديات يثبت شرعاً، ولا عرفاً، ولا حساً، فالظاهر فيها التفاوت، ولو يسيراً، وحينئذ يصح أن يكون
الواحد عوضاً عن الاثنين، لزيادة جودة في الواحد، أو نقصانها في الاثنين، فيكون كل واحد عوضاً لكل
الاثنين، بخلاف الأثمان، ومنها الفلوس، فإن آحادها متماثلة قطعاً، ولا تفاوت بينها من حيث الثمنية التي
هي المقصود منها، فالواحد منها عوض للواحد قطعاً ولا يصح منها أن يقال إن الواحد عوض الاثنين فلما
صار الواحد عوضاً للواحد لا لأكثر، بقي الآخر بلا عوض، وهذا حرام. هذا ما ظهر لي في تقرير مذهب
الحنفية في هذا الباب.

٥٤٩
كتاب: المساقاة
الأحوال، لأنها أثمان، والأثمان لا تتعين، ولا يجوز للمتعاقدين أن يبطلا ثمنيتها، لأنها ثبتت
باصطلاح الكل، فلا تسقط باصطلاح البعض، فصار كبيع فلوس غير متعينة، وقال أبو حنيفة
وأبو يوسف رحمهما الله: إن الفلوس كانت في الأصل عروضاً، وإنما صارت أثماناً باصطلاح
المتعاقدين، لأنه لا ولاية لغيرهما على أنفسهما في ذلك، فلو اصطلحا على إبطال الثمنية،
والعودة إلى الأصل، كان لهما ذلك، وحينئذ صارت الفلوس عروضاً عددية، وجاز التفاضل
فيها، كما في سائر العدديات.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - أن قول محمد تتّفه أولى بالأخذ في
زماننا، فإنه قد نفذت اليوم دراهم أو دنانير مضروبة بالفضة أو الذهب، وصارت الفلوس بمنزلتها
في كل شيء، فلو أبيح التفاضل فيها - ولو بتعيينها - لا نفتح باب الربا بمصراعيه لكل من هب
ودب، فينبغي أن يختار قول محمد تفّهُ، كما منع المشايخ التفاضل في العدالى والغطارفة، فيما
أسلفنا أول البحث.
ثم إن قول محمد تغُّ يبدو راجحاً من حيث الدليل أيضاً، لأن إبطال ثمنية الفلوس لا
يتصور له مقصود صحيح، فقلما يوجد من يطمع في خصوص مادة الفلوس من حيث كونها
قطعات صفر أو حديد، وإنما يرغب فيها من حيث ثمنيتها، فلو تصالحا على إبطال ثمنيتها، لا
يكون ذلك إلا حيلة مصطنعة لتحليل التفاضل، ومثل ذلك لا يقبله الشرع. نعم يمكن أن يتصور
قول الشيخين في الفلوس التي يقصد اقتناؤها من حيث موادها وصنعتها، ولا يقصد التبادل بها،
كما هو معتاد عند بعض الناس في عصرنا من اقتناء عملات شتى البلاد، وشتى الأنواع، لتكون
ذكرى تاريخية، ففي مثل هذه الفلوس يمكن أن يتصور ما قاله الشيخان رحمهما الله، ويبدو أن
في التفاضل في مثل هذه الفلوس سعة على قول الشيخين، وأما الفلوس التي يقصد بها التبادل،
دون خصوص المادة، فلا ينبغي المساهلة في أمرها، فإنها من أقوى الذرائع إلى الربا، فلا بد
من سدها، والله سبحانه أعلم.
الخلاصة: أن التفاضل فيما بين الفلوس لا يجوز عند المالكية، لكون الثمنية علة عندهم
لتحريم ربا الفضل، وعند محمد تغَُّ، لكونه فضلاً خالياً عن العوض في الأمثال المتساوية
قطعاً، وكذلك عند الشيخين في فلوس غير معينة، وأما في فلوس معينة، فيجوز عندهما التفاضل
إذا لم يقصد ثمنية الفلوس، لأن ثمنية الفلوس عندهما تقبل السقوط باصطلاح المتعاقدين.
هذا إذا وقع تبادل الفلوس بجنسها، وأما إذا وقع بغير جنسها، فيجوز التفاضل في قولهم
جميعاً، وتحرم النسيئة في قول مالك تخّفه، لكون ذلك صرفاً عنده، ولا تحرم على قياس قول
الحنفية، لأنه لا قدر فيها ولا جنس، نعم! يشترط قبض أحد البدلين في المجلس، لئلا يكون
افتراقاً عن دین بدین .

٥٥٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
ثم الذي يظهر أن فلوس مملكة واحدة كلها جنس واحد، والتماثل فيها يكون بالقيمة، دون
الوزن أو العدد، وفلوس ممالك مختلفة أجناس مختلفة، كالهللات السعودية والبيسات
الباكستانية .
حكم الأوراق النقدية:
وأما الأوراق النقدية وهي التي تسمى (نوت)) فقد أشبعنا الكلام على حقيقتها في باب
تحريم مطل الغني، وصحة الحوالة، فالذين يعتبرونها سندات دين، ينبغي أن لا يجوز عندهم
مبادلة بعضها ببعض أصلاً، لاستلزامه بيع الدين بالدين، ولكن قدمنا هناك أن المختار عندنا قول
من يجعلها أثماناً اصطلاحيةً، وحينئذ نجري عليها أحكام الفلوس سواء بسواء، وقدمنا آنفاً أن
مبادلة الفلوس بجنسها لا يجوز بالتفاضل عند محمد تغلُّهُ، وينبغي أن يفتى بهذا القول في هذا
الزمان، سداً لباب الربا، وعليه فلا يجوز مبادلة الأوراق النقدية بجنسها متفاضلة، ويجوز إذا
كانت متماثلة، والمماثلة ههنا أيضاً تكون بالقيمة، لا بالعدد كما في الفلوس، فيجوز أن يباع
ورق نقدي قيمته عشر ربيات، بعشرة أوراق قيمة كل واحد منها ربية واحدة، ولا يجوز أن يباع
الأول بأحد عشر ورقاً من الثانية.
وأما العملة الأجنبية من الأوراق فهي جنس آخر، فيجوز مبادلتها بالتفاضل، فيجوز بيع
ثلاث ربيات باكستانية بريال واحد سعودي.
ثم إن العملات المختلفة لها قيمة معهودة فى البنوك والدوائر الحكومية، فهل تجوز
المبادلة بأكثر أو أقل من هذه القيمة المعهودة، كما يفعل ذلك في السوق السوداء؟
والجواب، أننا لما اعتبرنا العملة الأجنبية جنساً آخر، فالأصل أن التفاضل في مثله جائز
شرعاً بالغاً ما بلغ، فلا تكون المبادلة على خلاف سعرها الحكومي رباً، ولكن يمنع من ذلك
لكونه مخالفة لأولي الأمر، إذا كانت الحكومة إسلامية، ولكونه عرضاً للنفس لعقوبات قانونية،
إذا كانت الحكومة غير إسلامية.
هذا ما تبين لي من شرح أحكام العملات الرائجة اليوم، ولم أرها في كتاب صريحاً،
ولكنه مما يظهر من تقعيدها على القواعد الفقهية في هذا الباب، وأرجو أن يكون صحيحاً إن
شاء الله، ورحم الله امرأ رأى فيّ خطأ فنبهني على ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم.

٥٥١
كتاب: المساقاة
(١٥) - باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً
٤٠٣٥ - (٧٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح،
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ:
مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ): أَرِنَا
ذَهَبَكَ. ثُمَّ اثِنَا، إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا، نُعْطِكَ وَرِقَكَ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَلاَّ، وَاللَّهِ!
لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ. أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّ هَاءَ
وَهَاءَ. وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ. وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ. وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِباً
إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ)) .
(٧٥) - باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً
٧٩ - (١٥٨٦) - قوله: (مالك بن أوس بن الحدثان) هذا الحديث أخرجه البخاري في
البيوع، باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، وباب بيع التمر بالتمر، وباب بيع الشعير بالشعير،
ومالك في البيوع، باب ما جاء في الصرف، والترمذي (رقم: ١٢٤٣) في البيوع، باب ما جاء
في الصرف، وأبو داود، (رقم: ٢٣٤٨) في البيوع، باب في الصرف، والنسائي في البيوع، باب
بيع التمر بالتمر، وابن ماجه، (رقم: ٢٢٥٩ و٢١٦٠) في التجارات، باب صرف الذهب
بالورق.
ومالك بن أوس بن الحدثان هذا (بفتح الحاء والدال) هو النصري، أبو سعيد المدني،
مختلف في صحبته، روى عن النبي ◌َّ مرسلاً، وقيل: إنه رأى أبا بكر، وروى عن الخلفاء بعد
أبي بكر، وكثير من الصحابة، ذكره ابن سعد فيمن أدرك النبي و 8* ورآه، ولم يحفظ عنه شيئاً،
ورجح البخاري وابن حبان أبو حاتم وابن معين أنه لا تصح له صحبة، وهو ثقة في الحديث،
وراجع تهذيب التهذيب (١٠: ١٠).
قوله: (فقال طلحة بن عبيد الله) هو الصحابي المشهور، أحد العشرة، وأحد السابقين.
قوله: (إلا هاء وهاء) اللغة المعروفة الفصيحة فيه المد، وأصله (هاك) بمعنى (خذ)،
فأبدلت الكاف همزة، والمعنى أن يقول أحد المتعاقدين لصاحبه: (خذ)، فيتقابضا في المجلس،
وقد ذكر النووي كَّثُ فيه لغات أخرى، وراجع لها شرحه .
والحديث دليل على اشتراط التقابض في المجلس في الصرف، وإن اختلف جنس البدلين،
غير أن التقابض إذا تم في المجلس صح العقد، وإن لم يكن تم عند العقد، وقال أصحاب
مالك: يشترط التقابض عند العقد، فإن تأخر عن العقد، ثم قبض في المجلس لا يصح عندهم
فيما حكاه النووي، ويحتجون بحديث طلحة هذا، وأجاب عنه النووي بأن عمر رضيُله إنما قال
هذا لأن طلحة ظن جوازه كسائر البياعات، وما كان بلغه حكم المسألة، فأبلغه إياه عمر رغڅته .

٥٥٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٣٦ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ، عَنِ ابْنِ
عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
٤٠٣٧ - (٨٠) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ. فَجَاءَ أَبُو
الأَشْعَثِ. قَالَ: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ، أَبُو الأَشْعَثِ. فَجَلَسَ فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ
عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: نَعَمْ. غَزَوْنَا غَزَاةً. وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ. فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً.
فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا، آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ. فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً أَنْ يَبِيِعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ. فَتَسَارَعَ
النَّاسُ فِي ذُلِكَ. فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ يَنْهَى عَنْ
بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالثَّمْرِ وَالْمِلْحِ
٨٠ - (٢٥٨٧) - قوله: (فيها مسلم بن يسار) الظاهر أنه البصري الأموي أبو عبد الله
الفقيه، مولى بني أمية، من فقهاء البصرة وزهادها، قال ابن عون: كان مسلم بن يسار إذا كان
في غير صلاة كأنه كان في صلاة، وإذا كان في صلاة كأنه وتد لا يتحرك شيء منه، كما في
التهذيب (١٠ : ١٤١).
قوله: (فجاء أبو الأشعث) هو شراحيل بن آده، الصنعاني، تابعي ثقة، من أهل الشام،
وذكره ابن سعد في أهل اليمن، وقال: كان ينزل دمشق، كما في التهذيب (١: ٣١٩) ولكن ذكر
ابن عساكر في تاريخه (٦: ٢٩٥) أنه وهم، والصحيح أنه شامي، وحديث الباب يدل على علو
منزلته عند معاصريه .
قوله: (حَدِّثْ أخَانًا) الخطاب ههنا لأبي الأشعث، والمراد من قوله (أخانا) مسلم بن
يسار، وقوله في الجملة الآتية: (غزونا غزوة) كله من رواية أبي الأشعث، ويظهر هذا من لفظ
الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٩٧)، فإنه روى هذا الحديث في باب القلادة تباع إلخ
بلفظ: (عن أبي الأشعث، قال: كنا في غزاة) فليتنبه .
قوله: (حديث عبادة بن الصامت) أخرجه أيضاً أبو داود، (رقم: ٣٣٤٩ و٣٣٥٠) في
البيوع، باب في الصرف، والنسائي في البيوع، باب بيع البر بالبر والشعير بالشعير، والترمذي،
(رقم: ١٢٤٠) في البيوع، باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة، وابن ماجه، (رقم: ٢٢٥٤) في
التجارات، باب الصرف وما لا يجوز متفاضلاً، ولم يذكر قصته مع معاوية بهذا التفصيل إلا
البيهقي .
قوله: (أن يبيعها في أعطيات الناس) يعني: أن يبيعها بالدراهم نسيئة إلى أن يخرج عطاء
المشتري، ورواية البيهقي في سننه (٥: ٢٨٢) من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة صريحة في
هذا، ولفظها: ((عن عبادة بن الصامت أنه شهد الناس يتبايعون آنية الذهب والفضة إلى الأعطية)).

٥٥٣
كتاب: المساقاة
بِالْمِلْحِ إِلَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنَاً بِعَيْنٍ. فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبى. فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا .
فَبَلَغَ ذلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيباً فَقَالَ: أَلاَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَيُّ
أَحَادِيثَ. قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مُنهُ. فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ.
قوله: (عيناً بعين) استدل الحنفية بهذا اللفظ على أن الواجب في غير الذهب والفضة من
الأموال الربوية هو تعيين البدلين في المجلس، لا تقابضهما، بخلاف الذهب والفضة، فإنه يجب
فيهما التقابض. ونتيجة ذلك: أنه لو تبايع الرجلان الحنطة بالحنطة، وعين كل أحد ما وقع عليه
العقد بالإشارة مثلاً، ثم افترقا قبل التقابض صح العقد، وأما في الصرف فيبطل العقد، ولا
يكفي التعيين .
وقال الشافعي تغذّهُ: يجب التقابض في المجلس في سائر الأموال الربوية، ولا يكفي
التعيين، واستدل بما مر من حديث عمر تظله: (والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء) وبما سيأتي من
طريق خالد الحذاء من حديث عبادة: (والملح بالملح مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد) فإنه
صريح في اشتراط التقابض.
وأما الحنفية فاستدلوا بلفظ حديث الباب: (عيناً بعين) فإنه يدل على أن الشرط هو تعيين
البدلين، وهذا اللفظ عند الحنفية مفسر لما ورد في الروايات الأخر من قوله ظلَّل: (هاء وهاء)
أو (يداً بيد).
وربما يعترض على الحنفية بأنهم اشترطوا التقابض في الصرف بقوله عليّلا (يداً بيد) فكيف
يكون هذا اللفظ مفسراً بالتعيين في الأشياء الأربعة، وبالتقابض في الذهب والفضة، في وقت
واحد، وفي حديث واحد؟ خصوصاً على أصل الحنفية، فإنهم لا يجوزون عموم المشترك، ولا
الجمع بين الحقيقة والمجاز؟
وأجاب عنه ابن الهمام تغّفُ في فتح القدير (٥: ٢٨٦) بما حاصله أن الحنفية حملوا
قوله الثلا: (يداً بيد) على التعيين في سائر الأموال الربوية، بدليل حديث الباب، ولكن التعيين
يمكن في غير الذهب والفضة بدون التقابض، بخلاف الذهب والفضة، فإن تعيينهما لا يمكن إلا
بالتقابض، لأن الأثمان لا تتعين بالتعيين، فاشترط فيهما التقابض لحصول التعيين، لا أنه واجب
بنفسه، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فلم نسمعها منه) ظاهره أن معاوية رضيبه لم يسمع هذا الحديث ولا علمه، كما لم
يعلمه في البداية عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس يه، وقد أخرج مالك وأحمد والشافعي
عن عطاء بن يسار ((أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال
له أبو الدرداء: سمعت رسول الله وَ ﴾ ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل، فقال له معاوية: ما أرى
بمثل هذا بأساً، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله وَّر ويخبرني

٥٥٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب، فذكر له ذلك،
فكتب عمر إلى معاوية ألا يبيع مثل ذلك إلّا مثلاً بمثل، ووزناً بوزن)) وهذا اللفظ لمالك في
الموطأ، (ص: ٥٨٣) باب بيع الذهب بالورق عيناً وتبراً. والظاهر أن قصته مع عبادة كانت قصة
أبي الدرداء،
وأما قول معاوية رضي به في قصة أبي الدرداء: (ما أرى بمثل هذا بأساً) فلم يرد بذلك رد
الحديث الصحيح برأيه بعد ما سمعه من اثنين من فقهاء الصحابة، وحاشاه عن ذلك. وإنما كان
مراده أن هذا الحديث إنما ينهى عن التفاضل في بيع التبر بالتبر، أو بيع المسكوك بالمسكوك من
جنسه، وأما الذهب المصوغ فليس بداخل تحت النهي، لأن الزيادة حينئذٍ تكون منصرفة إلى
الصناعة والصياغة، وتكون بمثابة أجرة عمل الصائغ، فلا يظهر فيه التفاضل المحرم، وهذا كما
أباح الحنفية بيع السيف المحلى بالفضة، إذا كانت فضة الثمن زائدة على فضة السيف، فإن
الزيادة حينئذٍ تنصرف إلى السيف، وإلى هذا المعنى يشير القاضي عياض تَظّثهُ، حيث قال:
((ويحتمل أنه حمل النهي على المسكوك الذي في اقتنائه وعدم التجر فيه مصلحة المسلمين)) حكاه
الأبي في شرحه (٤: ٢٦٨).
ويبدو أن الإمام مالكاً تغلفهُ حمل قول معاوية على هذا المعنى، فإنه عقد الترجمة على قصة
أبي الدرداء بقوله: ((باب بيع الذهب بالورق عيناً وتبرا)). وكذلك حكى ابن رشد في بداية
المجتهد (٢: ١٦٣) مذهب معاوية حيث قال: ((وأجمع الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه
سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلاً، لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك، إلا معاوية، فإنه
كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ لمكان زيادة الصياغة)) وكذلك حكى الشافعي تظُّ مذهب
معاوية في الأم، وذكر أنه كان يذهب إلى أن الربا لا يكون إلا في التبر بالتبر والمصوغ
بالمصوغ، وفي العين بالعين، وراجع تكملة شرح المهذب للسبكي (١٠: ٧٩).
فتبين من هذا أن معاوية ربه لم يكن ليقول بجواز ربا الفضل، ولا ليرد الحديث الصحيح
لأجل ذلك، وإنما كان يؤول الحديث بما لا يدخل فيه المصوغ من الذهب والفضة، ولهذا قال
في حديث أبي الدرداء: ((ما أرى بمثل هذا بأساً)) يعني: لا أرى بأساً بمبادلة المصوغ بالتبر
متفاضلاً أو نسيئة، فإن المصوغ صار عنده سلعة كسائر السلع، فجاز بيعه بالذهب متفاضلاً
ونسيئة، كما في بيع الثوب بالدراهم.
مسألة الذهب المصوغ، هل هو من الربويات؟
وبمذهب معاوية رضيته قال ابن القيم تخلّفُ، فإنه يقول: إن المصوغ من الذهب والفضة سلعة
غير ربوية، فيجوز بيعه بالتبر متفاضلاً ونسيئة، لأن عمل الصياغة قد أخرجه من الأثمان، وأدخله

٥٥٥
كتاب: المساقاة
ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لّه وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ (أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ). مَا
أُبَالِي أَنْ لاَ أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ .
في السلع المستعملة، ولهذا لم تجب عليه الزكاة عنده وعند الشافعي رحمهما الله.
والجمهور على أن المصوغ والتبر والمسكوك سواء في حرمة التفاضل والنسيئة، لأن
أحاديث التحريم عامة لكل ذهب، وعمل الصياغة لا يخرجه عن كونه ذهباً، ولذلك أنكر أمثال
أبي الدرداء وعبادة بن الصامت، ثم مثل عمر بن الخطاب ◌ُّه على معاوية في هذا، حتى كتب
فيه عمر إلى معاوية ونهاه عن مثل هذا البيع.
وأجاب ابن القيم تَخَّفُ عن قصة عبادة ربه بأن إنكاره على معاوية لم يكن بسبب أن بيع
الآنية كان يستلزم الربا، وإنما كان من أجل أن استعمال آنية الفضة حرام، فبيعه لا يجوز من
أجل حرمة استعمالها، لا بجنسه ولا بغيره، ولا بالمساواة ولا بالتفاضل، يقول ابن القيم كثافه
في إعلام الموقعين (٢: ١٠٤): ((وعلى هذا، فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة
كالآنية، حرم بيعه بجنسه وغير جنسه، وبيع هذا هو الذي أنكره عبادة على معاوية، فإنه يتضمن
مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان، وهذا لا يجوز كآلات الملاهي)).
ولكن تأويل ابن القيم هذا غير سائغ بالنظر إلى حديث الباب، فإن عبادة نظريته لم يحتج
على معاوية بحرمة استعمال الآنية، وإنما استدل بحديث حرمة الربا، فلولا أنه كان يقول بحرمة
التفاضل والنسيئة في المصوغ، لما ذكر هذا الحديث في هذا السياق، بل ذكر حديث تحريم
استعمال الآنية من الفضة، وكذلك أبو الدرداء رضيالله احتج على معاوية بحديث وجوب التماثل
في الربويات، ولم يذكر مسألة استعمال الإناء، ثم إن عمر بن الخطاب رضيبه كتب إلى معاوية:
(ألا يبيع مثل ذلك إلا مثلاً بمثل) كما ورد في حديث الموطأ، مما يدل صريحاً على أن الحرمة
عند هؤلاء الصحابة كانت من أجل فقدان التماثل، لا من جهة استعمال الإناء، فمذهب ابن
القيم تظلُّ لا تساعده الأحاديث، ولا تعامل الصحابة، وتأويله بما ذكر تأويل تأباه ألفاظ الحديث
والنظر الصحيح جميعاً، لأن الإناء من الفضة وإن حرم استعمالها، فلا يحرم بيعها وشراؤها بنية
تخليص ما فيها من فضة واستعمالها في الحلي مثلاً .
فالحق الصريح أن هؤلاء الصحابة ريه كانوا يقولون بالحرمة في كل ذهب وفضة، سواء
كانا مصوغين أو مسكوكين، وخالفهم معاوية نظره باجتهاده، ولكن قضاء عمر رضيُّه في الأخير
كان بخلافه، والظاهر أن يكون معاوية رجع عن قوله بعد كتاب عمر ◌ًا، والله سبحانه أعلم.
قوله: (وإن كره معاوية) وكان عبادة بن الصامت رضيه ممن بايع رسول الله و ◌َل ** أن لا
يخاف في الله لومة لائم، كما رواه قتادة في هذا الحديث عند النسائي في سننه (٢: ٢٢١)،
وكان سيدنا عمر نظُه بعث ثلاثة من فقهاء الصحابة إلى الشام بطلب من يزيد بن أبي سفيان،

٥٥٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ حَمَّادٌ: هُذَا أَوْ نَحْوَهُ.
٤٠٣٨ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ
الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهُذَا الإِسْنَادِ ، نَحْوَهُ.
٤٠٣٩ _ (٨١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
(وَاللَّفْظُ لابْنٍ أَبِي شَيْبَةَ) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ). حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ. وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ. وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ. وَالشَّعِيرُ
بِالشَّعِيرِ. وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ. وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ. مِثْلاً بِمِثْلٍ. سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ. فَإِذَا اخْتَلَفَتْ
هُذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ)) .
٤٠٤٠ _ (٨٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
مُسْلِمِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ
فأقام أبو الدرداء بدمشق، ومعاذ بفلسطين، وعبادة بحمص، ثم لما مات معاذ نصُه انتقل عبادة
إلى فلسطين، وأقام بها حتى توفي تَظُبه، وكان عبادة ظُّه يبادر إلى الإنكار على المنكرات إيفاء
لبيعته، وكانت له مع معاوية ظُله أخبار سردها ابن عساكر في تاريخه، ومن جملتها هذا
الحديث، وقد أخرجه ابن عساكر عن الحسن مرسلاً، ونحكيه هنا بلفظه لما فيه من فوائد زائدة:
((عن الحسن قال: كان عبادة بن الصامت بالشام، فرأى آنية من فضة، يباع الإناء بمثلي ما
فيه، أو نحو ذلك، فمشى إليهم عبادة، فقال: أيها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم
يعرفني فأنا عبادة بن الصامت، ألا! وإني سمعت رسول الله وَلّ في مجلس من مجالس الأنصار
ليلة الخميس في رمضان، ولم يصم رمضان بعده، يقول: ((الذهب بالذهب مثلاً بمثل، سواء
بسواء، وزناً بوزن، يداً بيد، فما زاد فهو رباً، والحنطة قفيز بقفيز، يداً بيد، فما زاد فهو رباً،
والتمر بالتمر قفيز بقفيز، يداً بيد، فما زاد فهو رباً)). قال: فتفرق الناس عنه، فَأتى معاوية،
فأخبر بذلك فأرسل إلى عبادة، فأتاه، فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النبي ◌َّل، وسمعت
منه، لقد صحبناه وسمعنا منه، فقال له عبادة: لقد صحبته، وسمعت منه، فقال له معاوية: فما
هذا الحديث الذي تذكره؟ فأخبره به، فقال له معاوية: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره، فقال
له: بلى، وإن رغم أنف معاوية، ثم قال: فقال له معاوية: ما نجد شيئاً أبلغ فيما بيني وبين
أصحاب محمد ◌َّل﴿ من الصفح عنهم)) وراجع له وللأخبار الأخرى مثله تهذيب تاريخ ابن عساكر
(٧: ٢١٢) - وحديث ابن عساكر هذا يدل على أن حديث ربا الفضل تكلم به النبي وَّل في
رمضان سنة عشر من الهجرة، والله أعلم.
٨٢ - (١٥٨٤) - قوله: (أبو المتوكل الناجي) بتشديد الياء، نسبة إلى بني ناجية، كما في

٥٥٧
كتاب: المساقاة
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ. وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ.
وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ. وَالشَّعِيرُ بَالشَّعِيرِ. وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ. وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ. مِثْلاً بِمِثْلٍ. يَداً بِيَدٍ. فَمَنْ
زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى. الآَخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ)).
٤٠٤١ - (٠٠٠) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ
الرَّبَعِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِ:
(الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلاً بِمِثْلٍ)) . فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
٤٠٤٢ - (٨٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالاً:
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وٍَّ:
((التَّمْرُ بِالتَّمْرِ. وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ. وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ. وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ. مِثْلاً بِمِثْلٍ. يَداً بِيَدٍ.
فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى. إِلَّ مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ)).
٤٠٤٣ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ فُضَيْلٍ بْنِ
غَزْوَانَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ؛ ((يَداً بِيَدٍ)).
٤٠٤٤ _ (٨٤) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ
وَزْناً بِوَزْنٍ. مِثْلاً بِمِثْلٍ. وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْناً بِوَزْنٍ. مِثْلاً بِمِثْلٍ. فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ
رِباً)».
تهذيب الكمال للمزي (٥: ١/٤٨٤)، واسمه علي بن داود، ثقة عند الجميع، روى له الجماعة،
مات سنة ثمان ومائة .
قوله: (عن أبي سعيد الخدري) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الخلط من التمر،
وباب بيع الفضة بالفضة، وباب بيع الدينار نسأ، ومالك في البيوع، باب بيع الذهب بالفضة تبرأً
وعيناً، والترمذي (رقم: ١٢٤١) في البيوع، باب ما جاء في الصرف، والنسائي في البيوع، باب
بيع التمر بالتمر متفاضلاً، وباب بيع الفضة بالذهب وابن ماجه، (رقم: ٢٢٥٦) في التجارات،
باب الصرف.
٨٣ - (١٥٨٨) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه مالك في البيوع، باب بيع الذهب بالفضة
تبراً وعيناً، والنسائي في البيوع، باب الدينار بالدينار، وباب بيع الدرهم بالدرهم، وأخرجه
الشافعي في الرسالة، (فقرة: ٧٥٩).
قوله: (إلا ما اختلفت ألوانه) يعني: أجناسه، وبذلك فسره النووي تَّتُ .

٥٥٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٤٥ - (٨٥) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ)
عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ:
((الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ لاَ فَضْلٌّ بَيْنَهُمَا، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لاَ فَضْلَ بَيْنَهُمَا)).
٤٠٤٦ - (٠٠٠) حَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. قَالَ: سَمِعْت
مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي موسَى بْنُ أَبِي تَمِيم، بِهِذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ.
(١٦) - باب: النهي عن بيع الوَرِقِ بالذْهَبِ دَيْناً
٤٠٤٧ - (٨٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ. قَالَ: بَاعَ شَرِيٌ لِي وَرِقاً بِنَسِيئَةٍ إِلَى الْمَوْسِمِ، أَوْ إِلَى الْحَجِّ.
فَجَاءَ إِلَيَّ فَأَخْبَرَنِي. فَقُلْتُ: هَذَا أَمْرٌ لاَ يَضْلُحُ. قَالَ: قَدْ بِعْتُهُ فِي السُّوقَ. فَلَمْ يُنْكِرْ ذُلِكَ
عَلَيَّ أَحَدٌ. فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهُ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبِيعُ هُذَا
الْبَيْعَ. فَقَالَ: ((مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ، فَلاَ بَأُسَ بِهِ. وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِباً)) وَاثْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ
فَإِنَّهُ أَعْظَمُ تِجَارَةً مِنِّي. فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ مِثْلَ ذُلِكَ.
٤٠٤٨ - (٨٧) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
٨٥ - قوله: (موسى بن أبي تميم) هو المدني، إنما يعرف عنه هذا الحديث الواحد، رواه
مالك وزهير بن محمد العنبري، وسليمان بن بلال، قال أبو حاتم: ثقة ليس به بأس، وذكره ابن
حبان في الثقات، كما في التهذيب (١٠ : ٥٩٣).
(١٦) - باب: النهي عن بيع الورق بالذهب دَيْناً
٨٦ - (١٥٨٩) - قوله: (عن أبي المنهال) الظاهر أنه عبد الرحمن بن مطعم البناني المكي،
والراوي عنه عمرو بن دينار، وأبو المنهال هذا وثقه ابن معين، والدارقطني، والعجلي، وأبو
حاتم، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وأثنى عليه ابن عينية، مات سنة ست ومائة، كذا
في التهذيب (٦: ٢٧٠).
قوله: (فلم ينكر ذلك عَلَيَّ أحد) هذا يدل على مدى معرفة أصحاب السوق بأحكام
الشريعة في ذلك الزمان، فإنه كان يستدل بترك نكيرهم على الجواز.
قوله: (فأتيت البراء بن عازب) حديث البراء هذا قد أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع
الورق بالذهب نسيئة، وباب التجارة في البر، وفي الشركة، باب الاشتراك في الذهب والفضة،
وما يكون فيه الصرف، وفي فضائل أصحاب النبي ◌َّر، باب كيف آخى النبي ◌َّ بين أصحابه،
وأخرجه النسائي في البيوع، باب بيع الفضة بالذهب نسيئة.

٥٥٩
كتاب: المساقاة
حَبِيبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ: سَلْ
زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَهُوَ أَعْلَمُ. فَسَأَلْتُ زَيْداً فَقَالَ: سَلِ الْبَرَاءَ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالاَ: نَهَى
رَسُولُ اللّهِ وَ لَ عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْناً .
٤٠٤٩ _ (٨٨) حدّثنا أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ
أَبِي إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَ عَنِ
الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ. وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ. إِلَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ
شِئْنَا. وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا. قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَداً بِيَدٍ؟ فَقَالَ: هُكَذَا
سَمِعْتُ .
٤٠٥٠ - (٠٠٠) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ. حَدَّثَنَا
مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ) عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّ عَبْدَ الرُّحْمُنِ بْنَ
أَبِي بَكْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: نَهَانًّا رَسُولُ اللَّهِ وَه، بِمِثْلِهِ.
٨٧ - (٠٠٠) - قوله: (عن حبيب) هو ابن أبي ثابت، كما هو مصرح عند البخاري في
البيوع .
قوله: (سل البراء، فإنه أعلم) وفي رواية حفص بن عمر عند البخاري في البيوع: (فكل
واحد منهما يقول: هذا خير مني، فكلاهما يقول: نهى رسول الله وَليه).
قال الحافظ في الفتح (٤: ٣١٩) ((وفي الحديث ما كان عليه الصحابة من التواضع
وإنصاف بعضهم بعضاً، ومعرفة أحدهم حق الآخر، واستظهار العالم في الفتيا بنظيره في العلم))
قلت: ويظهر من رواية سليمان بن أبي مسلم عند البخاري في الشركة أن البراء بن عازب وزيد بن
أرقم كانا شريكين في التجارة في عهد رسول الله وَال .
٨٨ - (١٩٥٠) - قوله: (عبد الرحمن بن أبي بكرة) هو: ابن لأبي بكرة نفيع بن الحارث
الصحابي الشهير، وهو تابعي بصري ثقة، قال ابن سعد: هو أول مولود ولد في الإسلام
بالبصرة، فأطعم أبوه أهل البصرة جزوراً، فكفتهم، ولد سنة ١٤، ومات سنة ٩٦، وكان زياد
ولاه على بيت المال، كذا في التهذيب (٦: ١٤٩).
قوله: (عن أبيه) يعني: أبا بكرة، وحديثه هذا أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الذهب
بالورق يداً بيد، وباب بيع الذهب بالذهب، والنسائي في البيوع، باب بيع الفضة بالذهب، وبيع
الذهب بالفضة .

٥٦٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٧) - باب: بيع القلادة فيها خرز وذهب
٤٠٥١ _ ١/٨٩ - حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِىءٍ الْخَوْلاَنِيُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُلَّيَّ بْنَ رَبَاحِ اللَّخْمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ فَضَالَةَ بْنَ
عُبَيْدِ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَهُوَ بِخَيِّرَ، بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَرٌ وَذَهَبٌ وَهِيَ مِنَ
الْمَغَانِمِ تُبَاعُ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلهَ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلاَدَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الذَّهَبُ بَالذَّهَبِ وَزْنَاً بِوَزْنٍ)).
(١٧) - باب: بيع القلادة فيها خرز وذهب
٨٩ - (١٥٩١) - قوله: (أبو هانىء الخولاني) اسمه حميد بن هانىء، بسكون الواو نسبة
إلى قبيلة نزلت بالشام، والرجل مصري من ثقات التابعين، كما في التهذيب (٣: ٥١).
قوله: (عُلَيَّ بن رباح) بضم العين مصغراً، كذا ضبطه المزي في تهذيب الكمال، (٥ :
١/٤٨٤)، وحكاه عن الدار قطني، وذكر الحافظ في التهذيب ٧: ٣١٩ عن ابن سعد وابن معين
أن أهل مصر يقولونه بفتح العين، وأهل العراق يقولونه بالضم، وذكر ابن حبان في الثقات أنه
كان لا يرضى باسمه مصغراً، وروى المزي عن أبي عبد الرحمن المقرىء، قال: ((كانت بنو أمية
إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ قتلوه. فبلغ ذلك رباحاً (يعني والده) فقال: هو عُلي)) (بالضم)،
ولعل هذا هو الوجه في اشتباه اسمه، وأما رباح والده، فهو بفتح الراء وتخفيف الباء، كما في
التقريب .
قوله: (سمعت فضالة بن عبيد) هذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي والترمذي، كلاهما في
البيوع، باب شراء القلادة وفيها ذهب وخرز، وأبو داود في باب حلية السيف تباع بالدراهم،
(رقم: ٣٣٥١ و٣٣٥٢).
وفضالة بن عبيد هذا هو الأنصاري الأوسي له، أسلم قديماً، ولم يشهد بدراً، وشهد
أحداً وما بعدها، وشهد فتح مصر والشام، ثم سكن الشام، وولي الغزو، وولاه معاوية قضاء
دمشق بعد أبي الدرداء، هـ، واستخلفه على دمشق في سفرة سافرها، توفي سنة ثلاث وخمسين
بدمشق، وقيل: بعد ذلك، كما في الإصابة (٣: ٢٠١).
قوله: (فَتَزِعَ وَحْدَهُ) استدل به الشافعي وأحمد رحمهما الله على أن بيع الذهب المركب مع
غيره بالذهب المفرد لا يجوز، إلا أن يفصل الذهب عن غيره، فيباع بمثله وزناً، وبه قال شريح،
وابن سيرين، والنخعي (١)، وإسحاق، كما في معالم السنن للخطابي (٥: ٢٣).
وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله: إن كان الذهب المفرد أكثر من
(١) كذلك حكى الخطابي، ولكن سيأتي عن النخعي وابن سيرين أنهما سلف أبي حنيفة في هذه المسألة.
i