Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كتاب: المساقاة
وابن حبان أيضاً، ولم يذكر الحافظ تضعيفه عن أحد إلا ما حكاه عن الساجي: ((قال ابن معين:
هو إلى الضعف أقرب)) وقد عرفت أن إسحاق بن منصور روى عنه توثيقه، فكيف يقال في مثله
إنه مجهول؟
وأما أبو إياس فهو معاوية بن قرة المزني، والد إياس القاضي، وقد ذكر ابن عساكر في
تاريخ دمشق أن له رؤية، وحكى عن ابن سعد أنه عده في الطبقة الثانية، وحكى عن خليفة وغيره
أنه توفي سنة ثلاث عشرة ومائة، وعن يحيى وغيره أنه بلغ ستاً وتسعين سنة، فعلى هذا يكون
مولده سنة سبع عشرة، فكيف لم يكن في زمن عثمان؟ كذا حققه المارديني في الجوهر النقي
(٦ : ٧١).
قلت: قد ترجمه المزي في تهذيب الكمال (خطية ٧: ٦٧٣ و٦٧٤) ترجمة مبسوطة،
حكى فيها حكمه وأقواله قد حذفها الحافظ في التهذيب، وحكى عنه أنه قال: ((أدركت سبعين
من أصحاب النبي ◌َّ لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئاً مما أنتم فيه، إلا الأذان))(١)، وذكر
فيه قول يحيى بن معين: ((مات وهو ابن ست وتسعين سنة))، فكانت ولادته سنة سبع عشر،
وتوفي عثمان رظُله سنة خمس وثلاثين، كما في الإصابة (٢: ٤٥٦) فكان معاوية بن قرة يومئذ
ابن ثماني عشرة سنة، فيتأيد بكل ذلك جواب المارديني تَظّتُهُ .
واعترض عليه الشافعي كثّفُ على تقدير ثبوته بأنه لا يدري أقاله عثمان رضي ◌ُه في الكفالة أو
في الحوالة؟ والجواب: أن ما أخرجه البيهقي فيه تصريح بأنه في الحوالة، كما مر، ثم قال
البيهقي: ((ورواه غيره عن شعبة مطلقاً، ليس فيه: يعني حوالة)) قلنا: قد ذكره أبو الوليد في روايته
عن شعبة، وسكت آخر، فالناطق قاض على الساكت، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بهذه
الزيادة من طريق وكيع، عن شعبة أيضاً، كما نقله المارديني. ثم قال المارديني: ((وكيف يقال
ذلك في الكفالة؟ والرجوع فيها على الأصيل لا يتوقف على شرط موت الكفيل مفلساً، وذكر أبو
بكر الرازي وغيره أنه لا يعلم لعثمان في ذلك مخالف من الصحابة)».
ولذلك ذكر الترمذي هذا الأثر تعليقاً في باب مطل الغني ظلم، ولم يعلَّ إسناده بشيء:
وذكر ابن حزم في المحلى (٨: ١٠٩) ولم يتكلم على إسناده.
٢ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٢٧١، رقم: ١٥١٨٣)، قال: ((سمعت معمراً أو
أخبرني من سمعه، يحدث عن قتادة أن علياً به قال: ((لا يرجع على صاحبه إلا أن يفلس أو
يموت)) وأخرجه ابن حزم بنفس هذا الطريق في المحلى (٨: ١٠٩)، ولفظه: ((عن علي ابن أبي
(١) أخرجه أبو نعيم بسنده في حلية الأولياء (٢: ٢٩٩، ترجمة ١٩٤).

٤٨٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
طالب أنه قال في الذي أحيل: لا يرجع على صاحبه إلا أن يفلس أو يموت ولم يعل ابن حزم
إسناده بشيء .
٣ - وأخرج عبد الرزاق في مصنفه ٨: ٢٦٩ عن الحسن قال: ((ليس على حق رجل مسلم
توىّ، إن لم يقبضه رجع على صاحبه الذي أحال عليه)).
٤ - وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي، قال: ((كان يقال: لا توى على مال مسلم،
يرجع على غريمه الأول))، هذا في الإحالة، قال: قلنا وإن أخذ بعض حقه؟ قال: وإن، كان
يقال: ((لا توى على حق مسلم)). وهذان الأثران يفسران أثر عثمان رضيُبه، ويدل أثر النخعي أن
مقولة عثمان رُه كانت مشهورة بينهم كأصل فقهي.
٥ - وأخرج عبد الرزاق عن أبي إسحاق أنه خاصم إلى شريح: أن رجلاً أحاله على رجل،
قال: فتقاضيته، فجعل لا يقضيني، فخاصمته إلى شريح، فردني إلى صاحبي الأول.
فهؤلاء عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والحسن البصري، وإبراهيم، وشريح،
كلهم قائلون بالرجوع على المحيل بعد إفلاس المحال عليه أو موته، وليس لهم مخالف فيما
نعلم في عهد الصحابة والتابعين.
وأما حديث الباب فلا يدل على مذهبهم أصلاً، فإنه يأمر بمطالبة المحال عليه بشرط كونه
مليئاً، ولا يدل على أنه لا يرجع المحتال على المحيل أبداً: ولا سيما فإن الحديث قد جعل
ملاءة المحتال عليه مداراً للحوالة، فحيث فقدت الملاءة فيه، فلا مانع من الرجوع على
الأصيل.
واستدل ابن حزم في المحلى (٨: ١٠٩) على مذهب الأئمة الثلاثة بما أخرجه عن سعيد بن
المسيب: ((أنه كان لأبيه المسيب دين على إنسان ألفا درهم، ولرجل آخر على عليّ بن أبي
طالب ألفا درهم، فقال ذلك الرجل للمسيب: أنا أحيلك على عليّ، وأحلني أنت على فلان،
ففعلا، فانتصف المسيب من عليّ، وتلف مال الذي أحاله المسيب عليه، فأخبر المسيب بذلك
عليّ بن أبي طالب، فقال له عليّ: أبعده الله)) قال ابن حزم: فهذا خلاف الرواية عن عثمان،
والذي ذكرناه عن عليّ، وهذه موافقة لنا .
وأجاب عنه شيخنا التهانوي تخلّفُ في إعلاء السنن (١٤: ٣٢٥) بما فيه كفاية وشفاء، قال:
((ليس هنا من المخالفة في شيء، ولا هو مما يوافقكم، لأن معنى قول عليّ: أبعده الله، أنه لا
يستحق الرجوع عليه، أي: على عليّ، بعد ما قد أدى الألفين إلى من أحاله عليه. وأما أنه لا
يستحق الرجوع على المسيب، فلا، ويحتمل أنه أبعده لكونه قد طمع في غير مطمع، حيث خاف
المطل من علي، فأحال ما كان عليه إلى المسيب، ولم يخف من فلان، ورجا منه القضاء
عاجلا، فعوقب بالمطل والتأخير)) .

٤٨٣
كتاب: المساقاة
((وأيضاً، فإن إحالة الرجل مسيباً على عليّ، وإحالة المسيب إياه على فلان لم يكن من
إحالة من له الحق على من عليه مثل ذلك الحق، لأن المسيب لم يكن له دين على عليّ، ولا
للرجل على فلان، فكان ذلك من باب من أحال من لا دين له عليه على آخر له عليه دين، وليس
ذلك بحوالة، بل هي وكالة تثبت فيها أحكامها، لأن الحوالة مأخوذة من تحول حق وانتقاله،
ولا حق ههنا ينتقل ويحول، نص عليه الموفق في المغني (٥: ٥٦) فكان المسيب وكيل الرجل
في اقتضاء الحق من عليّ، والرجل وكيل المسيب في اقتضاء حقه من فلان. ومثل هذا الوكيل
إذا لم يقدر على قبض الدين لمانع ما، أي مانع كان، رجع على المحيل بحقه الذي أخذه هو من
مديون الوكيل اتفاقاً، وصرح ابن حزم في المحلى بأنه إن كان الحق على المحيل من بيع (كما
في ما نحن فيه، لأن إحالة الرجل مسيباً، وإحالة المسيب إياه كان لأجل بيع أحدهما دينه بدين
الآخر، لا من قرض ونحوه) لم يجز إلا بوجه التوكيل، فيوكله على قبض حقه قبله، فإن قبضه
للموكل برىء المحيل، وإن لم يقدر على قبضه رجع على المحيل بحقه (٨: ١٠٩)، فلم يكن أثر
عليّ هذا موافقاً لقول ابن حزم ولا مخالفاً لما روي عن عثمان وعليّ في هذا الباب)). والله
سبحانه وتعالى أعلم.
الأوراق المالية الرائجة وحكمها:
ثم إن معظم الأوراق المالية التي يتعامل بها الناس اليوم حكم التعامل بها حكم الحوالة،
كالشيك المصرفي (Bank Chaque) و((البون)) (Bond) والكمبيالات (Bill of Exchange) وهي التي
يقال لها في الأردية: ((هندي)) والوثائق الأخرى. فإنها سندات ديون قائمة في ذمة مصدرها،
فالذي أصدرها: هو المديون، والذي أخذها أول مرة: هو الدائن، ثم هذا الدائن قد يكون عليه
دين لرجل آخر، فيعطيه هذه الأوراق، فيصير محيلاً لدينه على من أصدرها، فيصير هو محيلاً،
وذلك الدائن الآخر محتالاً، ومصدر الأوراق محتالاً عليه. ولهذه الأوراق أقسام ثلاثة :
البون و الكمبيالات:
فأما (البون)) و ((الكمبيالات)) والوثائق الأخرى التي يكتب عليها مبلغ الدين منذ يوم
إجرائها، فإن التعامل بها حوالة صحيحة بلا ريب، لأن الذي أصدرها قد كتب عليها أني مدين
لكل من يحملها بهذا المبلغ المعلوم. فكلما سلمها حاملها إلى رجل آخر، فقد أحال دينه عليه،
وقد جاء رضا المحيل والمحتال صريحاً، ورضا المحتال عليه معنىّ، لأن المحتال عليه: هو
الذي أجرى هذه الأوراق أول مرة، وقد رضي بأداء مبلغها إلى كل من يحملها، فرضاؤه عام
لكل من يحملها، وأما تلفظ الإيجاب والقبول، فلا يشترط في الحوالة، بل تنعقد الحوالة
بالتعاطي، كما ينعقد به البيع عندنا، وأما الشافعية، فإنهم وإن كانوا لا يجوزون البيع أو الحوالة

٤٨٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بالتعاطي، ولكن بعض علمائهم قد أفتوا بجوازه خصوصاً في حق الأوراق المالية، كما في بلوغ
الأماني، شرح الفتح الرباني (٨: ٢٤٨).
وإذا قد صحت الحوالة بهذه الأوراق المالية، فإنها سندات ديون، ولا تقوم مقام الأثمان،
فلا يجوز اشتراء الذهب أو الفضة بها، لأن تقابض البدلين شرط لصحة الصرف، والقبض على
هذه الأوراق ليس قبضاً للثمن، وإنما هو احتيال للدين، فصار أحد البدلين في الصرف نقداً،
والآخر ديناً، وذلك لا يجوز.
وكذلك لو أداها رجل في الزكاة لا يتأدى بها الزكاة حتى ينقدها الفقير، أو يشتري بها
مالاً، لأن أداء هذه الأوراق إحالة للدين، وليس تمليكاً للعين.
وبالجملة، فتجري على هذا القسم من الأوراق أحكام الدين والحوالة، ولا تعتبر مالاً ولا
نقداً .
الشيك المصرفي:
وأما الشيك المصرفي، وسائر الأوراق التي يصدرها المديون، ولكن لا يكتب عليها
المبلغ المعلوم، ولا يقع التعامل بها حتى يوقّع عليها الدائن ويكتب عليها المبلغ المطلوب،
فإنها لا تصح حوالة، لأنه إذا قطع زيد شيكاً مصرفياً باسم عمرو، وكتب على الشيك مبلغ ألف
روبية مثلاً، فإن البنك، وهو المحتال عليه، لا يعرف أنه قد أحيل عليه ألف روبية، ومن الممكن
أن لا يكون لزيد على البنك دين بهذا المبلغ، فكيف يرضى بإحالتها عليه؟ ولذلك يجوز له أن
يرفض هذا الشيك إذا لم تكن عنده ألف روبية لزيد. فلا تصح هذه الحوالة عند أحد من الأئمة
الأربعة، لكون مبلغ الحوالة غير معلوم للمحتال عليه، وجهالة مبلغ الحوالة مما يفسد الحوالة
عندهم جميعاً، ولأن المحتال عليه لم يرضى بالحوالة، ورضاه شرط بصحتها عند أبي حنيفة وفي
أحد قولى الشافعي رحمهما الله .
فالصحيح: أن الشيك المصرفي سند يدل على أن الذي وقع عليه قد وكل حامله لقبض
دينه من البنك ومقاصة دينه منه، فليس ذلك من الأثمان في شيء، فلا يعتبر القبض عليه قبضاً
على مبلغه، حتى ينقده البنك، ولا يتأدى بأدائه الزكاة حتى ينقده الفقير، ولا يجوز اشتراء
الذهب والفضة به، لفقدان التقابض في المجلس، ويجوز لموقعه أن يعزل حامله عن الوكالة،
قبل أن يبلغ به إلى البنك.
أوراق العملة:
وأما أوراق العملة، وهي التي تسمى (نوت)، فقد اختلفت فيه أنظار علماء عصرنا، فأكثر
العلماء يعتبرونها سندات دين، كالبون والكمبيالة، فإنها تصرح بوجوب دفع مبلغه عند الطلب،

٤٨٥
كتاب: المساقاة
مما يدل على أنها ليست أثماناً في نفسها، بل هي سندات الأثمان قائمة في ذمة مصدرها. وما
كان غير مكتوب عليه شيء - مثل ورقة ربية واحدة في ديارنا - فمعروف من القوانين الخاصة بتلك
الأوراق أن الحكومة التي أصدرت هذه الأوراق تدفع قيمتها متى قدم إليها حامل الورقة، وطلب
قيمتها ، فكل هذه الأوراق بما ذكر هي سندات ديون.
ويقول العلامة السيد أحمد بك الحسيني تكثّفُ في كتابه ((بهجة المشتاق، في بيان حكم زكاة
الأوراق)»:
((ولذلك لو بحثنا عن ماهية كلمة (بنك نوت) لوجدناها من الاصطلاح الفرنسي، وقد نص
لاروس، وهو أكبر وأشهر قاموس للغة الفرنساوية الآن، في تعريف أوراق البنك، حيث قال:
ورقة البنك هي ورقة عملة قابلة لدفع قيمتها عيناً لدى الاطلاع لحاملها، وهي يتعامل بها كما
يتعامل بالعملة المعدنية، نفسها، غير أنه ينبغي أن تكون مضمونة ليثق الناس بالتعامل بها اهـ.
فقوله: (قابلة لدفع قيمتها عيناً لدى الاطلاع لحاملها) لم يجعل شكاً في أنها سندات ديون، ولا
عبرة بما توهمه عبارته من التعامل بها، (كما يتعامل بالعملة المعدنية، لأن معنى تلك العبارة أن
الناس يأخذونها بدل العملة، ولكن مع ملاحظة أن قيمتها تدفع لحاملها، وأنها مضمونة بدفع
قيمتها، وهذا صريح في أن تلك الأوراق هي سندات ديون)).
ثم قال الحسيني كثّفُهُ: ((بقي أن المعاملة بهذه الأوراق إنما تتخرج على قاعدة الحوالة،
لمن يجيز المعاملة بالمعاطاة، وذلك هو مذهب السادة الحنفية، والسادة المالكية، والسادة
الحنابلة، فإنهم يجيزون المعاملة بالمعاطاة، من غير اشتراط صيغة، وهناك قول وجيه في مذهب
السادة الشافعية يجيز المعاملة بالمعاطاة)) وعبارته هذه أخذتها من بلوغ الأماني، شرح الفتح
الرباني (٨: ٢٤٨).
ومن هذه الناحية قد أفتى معظم علماء الهند وباكستان بأن أوراق العملة هذه ليست أثماناً،
وإنما هي سندات ديون، فلا يجوز اشتراء الذهب أو الفضة بها، ولا يتأدى بها الزكاة، كما في
إمداد الفتاوى (٢: ٥) بل وقد أفتى بعضهم أن زكاتها لا يجب أداؤها حتى تنقد. لأنها في حكم
الدين القوي، والدين القوي، وإن كانت الزكاة تجب عليه عند الحنفية، غير أنه لا يجب أداؤها
حتى يقبض منه أربعون درهما، كما هو المعروف.
ولكن من العلماء من جعل أوراق العملة في حكم الأثمان العرفية، وحكم بوجوب الزكاة
عليها، وأداء الزكاة بها، وجواز مبادلتها بالذهب والفضة، وقد أشبع الكلام على هذه المسألة
العلامة أحمد الساعاتي، صاحب الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد الشيباني، وشرحه بلوغ
الأماني، فقال في كتاب الزكاة، آخر باب زكاة الذهب والفضة، من كتابه المذكور:

٤٨٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((وأما قولهم أعني الشافعية، بعدم وجوب الزكاة في الورق المذكور، إلا إذا قبضت قيمته
ذهباً أو فضة، ومضى على هذه القيمة حول كامل، بحجة عدم الإيجاب والقبول بين الآخذ
والمعطي، ففي هذا منافاة لما تقتضيه حكمة التشريع، وضياع لحق الفقير، لأننا نجد البنوك
مكدسة بالأوراق المالية وديعة للموسرين من الناس، وبعضهم يحفظها في خزانة بيته السنين
الطوال، ولا يصرف منها إلا لحاجته الوقتية، فلو قلنا بعدم الزكاة للعلة التي ذكروها لما وجبت
الزكاة على أحد، وهذا غير معقول)).
((فالذي أراه حقاً، وأدين الله عليه: أن حكم الورق المالي كحكم النقدين في الزكاة سواء
بسواء، لأنه يتعامل به كالنقدين تماماً، ولأن مالكه يمكنه صرفه وقضاء مصالحه به في أي وقت
شاء، فمن ملك النصاب من الورق المالي، ومکث عنده حولاً كاملاً وجبت عليه زكاته باعتبار
زكاة الفضة، لأن الذهب غير ميسور الآن، ولا يمكنه صرف ورقة بقيمتها ذهباً، هذا ما ظهر
لي، والله أعلم بحقيقة الحال)) راجع الفتح الرباني (٨: ٢٥١).
وبهذا الرأي كان يرى مولانا الشيخ فتح محمد اللكنوي كثّفُهُ، صاحب (عطر الهداية)
(وخلاصة التفاسير) الذي كان يلقب (بحر العلوم)، وكان من تلامذة مولانا الشيخ عبد الحي
اللكنوي تخذله، صاحب المؤلفات المعروفة في العلوم الإسلامية، وقد شرح ابنه المفتي سعيد
أحمد اللكنوي رأيه بكلام دقيق في آخر كتابه عطر الهداية (ص: ٢١٨ إلى ٢٢٧) طبع ديوبند
الهند، وذكر أن مولانا الشيخ عبد الحي اللكنوي تَغَدَّثُ كان يوافقه أيضاً في هذه المسألة.
وخلاصة قوله أن أوراق العملة لها جهتان: الأولى: أنها يتعامل بها في البيوع،
والإجارات، وسائر العقود المالية كالسكك والأثمان سواء بسواء، بل وقد جبرت الحكومات
سائر الناس بقبولها في اقتضاء الديون والحقوق، فلا يسع لبائع في القانون اليوم أن يمتنع عن
قبولها بدلاً لبيعه، ويطالب المشتري بأداء الثمن ذهباً، أو فضة، أو في صورة الفلوس
المسكوكة. ومن هذه الجهة، فإن هذه الأوراق صارت أثماناً عرفية مبتذلة.
والجهة الثانية: أنها وثيقة من قبل الحكومة، والتزمت الحكومة بأداء بدلها عند هلاكها،
فمن هذه الجهة إنها تخالف الأثمان العرفية المسكوكة، فإن الحكومة لا تؤدي بدلها عند
هلاكها. ومن هذه الجهة ينبغي أن تعتبر كسندات لديون أو كوثائق مالية أخرى.
ولكننا إذا تعمقنا النظر في هذه الجهة الثانية رأينا أنها لا تبطل ثمنية هذه الأوراق. فإن
الأصل أن الحكومة كانت تريد أن تصدر هذه الأوراق كأثمان عرفية، ولهذا جبرت سائر الناس
على قبولها عند اقتضاء حقهم، ولكن الأثمان العرفية المسكوكة سابقاً، كانت في أنفسها أموالاً
لها قيمة يعتد بها، ولم يكن تقومها موقوفاً على إعلان الحكومة، ولا بجعلها أثماناً عرفية، فإن

٤٨٧
كتاب: المساقاة
الفلوس والروبيات كانت تصنع تارة من الفضة، ومرة من الصغر، وأخرى من الحديد، مما هي
أموال في أنفسها، ولو أبطلت الحكومة ثمنيتها بقي تقومها من حيث موادها .
وأما هذه الأوراق فليست أموالاً في أنفسها، وإنما جاء فيها التقوم من قبل الحكومة، ولو
أبطلت الحكومة ثمنيتها بطل تقومها، فلم تكن هذه الأوراق في ثقة الناس بها بمكان الفلوس
والروبيات المسكوكة، ولهذا التزمت الحكومة بأداء بدلها عند هلاكها أو ضياعها، لا لأنها لم
تكن أثماناً عرفية في نظر الحكومة، بل لتحوز هذه الأثمان ثقة العامة، ويتعامل بها الناس دون
خطر .
فليست جهة كونها وثيقة مما يبطل ثمنيتها، فإنها تنبىء عن وعد الحكومة بأداء بدلها،
وليس لهذا الوعد أي أثر في تعامل الناس فيما بينهم، ولو كانت الحكومة لا تريد أن تجعلها
أثماناً عرفية، لما جبرت الناس على قبولها عند اقتضاء حقهم، بل إن هذه الجهة قد منحت هذه
الأوراق من الثقة ما هو فوق الأثمان الأخرى، فإنها تهلك وتضيع بلا بدل، وهذه يمكن إبدالها
من الحكومة.
وأضيف إلى قول الشيخ اللكنوي هذا أن معظم الحكومات اليوم قد جعلت الفلوس
المسكوكة عملة قانونية محدودة، في حين أن جعلت هذه الأوراق عملة قانونية غير محدودة،
ونتيجة ذلك: أن المشتري يستطيع أن يجبر البائع بقبول هذه الأوراق، مهما كثرت القيمة أو
قلت، بخلاف الفلوس المسكوكة، فإنه يستطيع جبر البائع بقبولها إن كانت القيمة قليلة محدودة،
وأما إذا كانت القيمة كثيرة فلا يستطيع أن يجبره بقبولها في صورة الفلوس المسكوكة، بل يجوز
للبائع أن يطالبه بالأوراق.
وبالجملة، فهذا يدل على أن أوراق العملة هذه قد فاقت على العملة المسكوكة بكثير، في
شيوع التعامل بها، وفي اعتماد الناس عليها، وثقتهم بها، حتى أخذت مكان العملة المسكوكة
في سائر بلاد العالم، ولا يخطر ببال أحد عند التعامل بها، أنه يتعامل بدين، وإنما يعتبرها
الناس ثمناً فوق ما يعتبرون العملة المسكوكة. ومن هذه الجهة جعلها الشيخ فتح محمد اللكنوي
في حكم الثمن العرفي المبتذل، وأفتى بأداء الزكاة بها، وبجواز اشتراء الذهب أو الفضة بها،
وبقوله أفتى ابنه الفاضل المفتي سعيد أحمد اللكنوي أيضاً، كما هو مبسوط في آخر عطر
الهداية .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لا شك أن الأوراق التي تسمى (نوت) كانت بداية أمرها
سندات دين، وكان التعامل بها حوالة بلا ريب، فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية المطبوعة
(سنة ١٩٥٠ م ٣: ٤٤) تحت عنوان (بنك نوت) من مقالة: Banking and Cradit: ((إن البنك
نوت ظهر في العالم قبل الشيكات المصرفية، ويمكن اعتباره كسند عند الدائن كدين له على

٤٨٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
البنك، وإن حقوق هذا الورق تنتقل إلى رجل آخر بتسليمه إليه، فيصير حامله دائناً للبنك بطريقة
تلقائية، ولهذا صار أداء الحقوق المالية بهذه الأوراق كأدائها بالنقود. وإن أداء المبالغ الكثيرة
بالنقود المسكوكة عسير جداً، فإنها تحتاج إلى عد ونقد، وربما يحتاج نقلها وتحويلها إلى
مصارف معتدة بها. فاستعمال هذه الأوراق قد قلل من مشقة العد، وأذهب المشاق الأخرى
رأساً)).
فهذه هي بداية (بنك نوت)، وكانت في مبدأ الأمر يصدرها التجار مكتوبة بخطهم، وكانت
الثقة بها موقوفة على الثقة بمن يصدرها، ثم لما كثر التعامل بها منعت الحكومات أن يصدرها
الأشخاص، واقتصر إصدارها على البنوك، ثم لما ازداد شيوعها جعلتها الحكومات ثمناً قانونياً
(Legal Tender) وجبرت كل دائن أن يقبلها في أداء دينه، كما يجبر بقبول النقود، وحينئذ منعت
البنوك الشخصية أيضاً من إصدارها، ولم يجز لبنك من البنوك أن تصدرها، إلا البنك الرئيسي
الحكومي. وحينئذ صارت هذه الأوراق في حكم النقود سواء بسواء، هذا ما تحصل لي من
مطالعة مقالات Money, Currency, Credit في دائرة المعارف البريطانية .
وبالجملة، صارت هذه الأوراق اليوم كالنقود، ويطلق عليها اسم النقد والعملة في العربية
والإنكليزية والأردية، في حين أن هذه الأسماء لا تطلق على الشيكات المصرفية، مع شيوع
التعامل بها أيضاً، ولا يوجد اليوم أحد يطمع فيما وراءها من ذهب أو فضة، لا لأنه لا يحتاج
إليهما بعد شيوع التعامل بها فحسب، بل لأن معظم الممالك اليوم تصدرها كالأثمان العرفية،
ولا يكون وراءها شيء من الذهب أو الفضة. فالذي أرى أن القول بثمنيتها أصبح قوياً، منذ أن
جعلتها الحكومات أثماناً قانونية، وجبرت الناس بقبولها عند اقتضاء ديونهم، ومنعت البنوك
الشخصية من إصدارها، وجرت بها التعامل العام فيما بين الناس، دون فرق بينها وبين العملة
المسكوكة، ومنذ ذلك الزمان يأتي فيها ما وجهها به الشيخ اللكنوي تغلفهُ من أن وعد الحكومات
بأداء بدلها لا يبطل ثمنيتها، لأنها إنما فعلت ذلك لحصول الثقة العامة بها، وتشجيع الناس
بالتعامل بها، فينبعي للعلماء اليوم أن يعيدوا النظر في فتاويهم السابقة، ويتفكروا في ما أفتى به
أمثال الشيخ الساعاتي، والشيخ اللكنوي ونجله رحمهم الله تعالى نظراً إلى تغير الأحوال،
واشتداد الحاجة، ولأن التعامل بها قد شاع في سائر البلدان، بحيث لا توجد فيها العملة
المسكوكة إلا نزراً قليلاً، فالحكم بعدم أداء الزكاة بأوراق العملة وبحرمة شراء الذهب والفضة
بها، فيه حرج عظيم، والمعهود من الشريعة السمحة في مثله السعة والسهولة، والعمل بالعرف
العام المتفاهم بين الناس، دون التدقيق في أبحاث قد أصبحت اليوم فلسفة نظرية ليس لها في
الحياة العملية أثر ولا خبر. والله سبحانه وتعالى أعلم.

٤٨٩
كتاب: المساقاة
(٨) - باب: تحريم فضل بيع الماء الذي يكون بالفلاة ويحتاج إليه
لرعي الكلأ. وتحريم منع بذله. وتحريم بيع ضراب الفحل
٣٩٨٠ _ (٣٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اَللَّهِ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ وَ لَّهِ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ.
(٨) - باب: تحريم بيع فضل الماء الذي يكون بالفلاة، ويحتاج إليه
لرعي الكلأ، وتحريم منع بذله، وتحريم بيع ضراب الفحل
٣٤ - (١٥٦٥) - قوله: (عن جابر بن عبد الله) هذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي من طريق
عطاء في البيوع، باب بيع الماء، وفي باب بيع ضراب الجمل، وابن ماجه في الرهون، باب
النهي عن بيع الماء، وأخرجه أحمد في مسند جابر (٣: ٣٣٨ و٣٣٩ و٣٥٦).
قوله: (عن بيع فضل الماء) وفي رواية للنسائي عن طريق عطاء عن جابر: (أن رسول
الله وَلّ نهى عن بيع الماء) ولم يذكر لفظ (فضل).
وهذا الحديث يدل بظاهره على أن بيع الماء ممنوع مطلقاً، وإليه يظهر جنوح ابن حزم في
المحلى، والشوكاني في نيل الأوطار (٥: ٢٥٩)، ولكن لا يوجد من السلف من يحمل المنع
على ظاهره، فإن الماء المحرز في الجرار والأواني مملوك بالإجماع، كما نقله هو بنفسه،
فيجوز بيعه، فالمراد من الماء في الحديث ماء الأنهار والبحار التي لا ملك فيها لأحد، ويدل
عليه ما أخرجه أحمد في مسنده (٣: ٤١٧) عن إياس بن عبد من أصحاب النبي ◌َّ، قال: (لا
تبيعوا فضل الماء، فإن النبي 8َّ* نهى عن بيع الماء، قال: والناس يبيعون ماء الفرات، فنهاهم)
فإنه يدل بظاهره أن النهي وارد في ماء الأنهار.
وأما كون الماء المحرز مملوكاً فيدل عليه حديث الباب، حيث خص النهي بفضل الماء،
مما يدل على أن بيع أصله مباح، وإنما الممنوع بيع فضله. وقد عقد الإمام البخاري تغلفه باباً
الإثبات الملك على الماء المحرز في كتاب الشرب، وترجمه ((باب من رأى أن صاحب الحوض
والقربة أحق بمائه)) واستدل عليه بأحاديث عديدة، منها ما رواه عن أبي هريرة عن النبي وَّر،
قال: ((والذي نفسي بيده لأذودن رجالاً عن حوضي، كما تذاد الغربية من الإبل عن الحوض)
فإنه يدل على أن صاحب الحوض أحق بمائه.
ومنها: ما رواه عن ابن عباس، قال: قال النبي وقال: (يرحم الله أم إسماعيل: لو تركت
زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء لكان عيناً معيناً، وأقبل جرهم، فقالوا: أتأذنين أن ننزل
عندك؟ قالت: نعم، ولا حق لكم في الماء)) وذكر العيني في العمدة (٦: ٢٦) عن الخطابي أن
الحديث يدل على أن من أنبط ماء في فلاة من الأرض ملكه، ولا يشاركه غيره فيه إلا برضاه،

٤٩٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٩٨١ _ (٣٥) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّه عَنْ بَيْعِ
ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَالأَرْضِ لِتُحْرَثَ، فَعَنْ ذُلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ◌َ.
٣٩٨٢ - (٣٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ،
حَدَّثَنَا لَيْثُ، كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ
قَالَ: (لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ)).
إلا أنه لا يمنع فضله إذا استغنى عنه، وإنما شرطت هاجر عليهم إن لا يتملكوه.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن ملك الماء المحرز يدل عليه أيضاً قوله تعالَّلا: (من
أحيا أرضاً ميتة فهي له) فإن الأرض الميتة مباحة لكل أحد، وتتملك بالإحياء، وكذلك الصيود
كلها مباحة في الأصل، وتتملك بالصيد، فيقاس عليها الماء، فإنه مباح في أصله، ويتملك
بالإحراز، وصارت هذه الاستنباطات اليوم مؤكدة بإجماع الأمة، فلا يجوز العدول عنه.
٣٥ - (٠٠٠) - قوله: (عن بيع ضراب الجمل) قال ابن الأثير في جامع الأصول (١ :
٤٩٠): (يقال: ضرب الفحل الأنثى: إذا ركبها للوقاع، وعلا عليها) فالمراد من بيع ضراب
الجمل: إجارة الفحل للضراب، وقد وقع النهي عن أخذ الأجرة عليه في غير ما حديث، وبه
أخذ الحنفية والجمهور، وروي عن مالك وبعض العلماء إجازته، وحمل الحديث على التنزيه .
قوله: (وعن بيع الماء والأرض لتحرث) معناه نهى عن إجارة الأرض للزرع، وقد سبقت
المسألة مبسوطة في باب كراء الأرض، وذكرنا هناك أن الجمهور يجوزون إجارتها بالدراهم،
وبشطر ما يخرج منها، ويحملون أحاديث النهي عن تنزيه، ليعتادوا إعارتها وإرفاق بعضهم
بعضاً، أو على إجارتها بأن يكون للمالك قدر معلوم من الخارج.
٣٦ - (١٥٦٦) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري في الشرب، باب من قال: إن
صاحب الماء أحق بالماء حتى يروي، وفي الحيل، باب ما يكره من الاحتيال، ومالك في
الأقضية، باب القضاء في المياه، والترمذي (رقم: ١٢٧٢)، باب بيع فضل الماء، وأبو داود
(رقم: ٣٤٧٣) في الإجارة، باب في منع الماء، وابن ماجه في الرهون، باب النهي عن بيع
فضل الماء، وأحمد في مسند أبي هريرة (٢: ٤٢٠).
قوله: (لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ) معناه: من كان له بئر، وحوله كلا، فلا يجوز
له أن يمنع ماشية غيره من مائه، فإنه يستلزم منعها من الكلأ، لأنه إذا منعهم عن فضل ماء من
الأرض، ولا ماء بها سواه، لم يمكن لهم الرعي بها خوفاً من العطش، فيصير الكلأ ممنوعاً
بمنع الماء.
واختلف العلماء في أن هذا النهي للتحريم أو التنزيه؟ فرجح الطيبي حمله على كراهة

٤٩١
كتاب: المساقاة
٣٩٨٣ - (٣٧) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ (وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ) أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
التنزيه، وحكى صاحب التوضيح حرمته عن مالك والأوزاعي والشافعي مطلقاً، والأصح عند
الشافعية أنه يجب بذله للماشية، لا للزرع، وهو مذهب الحنفية فيما حكاه العيني ولا يفرق مالك
بين المواشي والزرع، بل يوجب البذل في الجميع، كما في أموال أبي عبيد (ص: ٣٠٢) ووجه
الفرق بين المواشي والزرع أن الماشية ذات روح يخشى عليها الموت بالعطش، بخلاف الزرع،
كما في عمدة القاري (٦: ٨).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن ما نقله العيني من وجه الفرق مؤيد بما أخرجه أحمد
في مسنده (٢: ٤٢٠) من طريق أبي سعيد مولى غفار عن أبي هريرة، عن رسول الله وسلم قال:
(لا تبيعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ، فيهزل المال، ويجوع العيال).
ثم إن قوله ظلّلا: (ليمنع به الكلأ) اللام فيه للمعاقبة، فلا يشترط للنهي أن يكون في نية
مانع الماء منع الكلأ، بل يحرم منع فضل الماء مطلقاً. ويتحصل منه أن الماء على أقسام ثلاثة:
الأول: ماء الأنهار والبحار التي لا ملك عليها لأحد، فهو مباح عام لا يجوز لأحد أن
يمنع غيره منه .
والثاني: الماء المحرز بالجرار والأواني والأنابيب في عصرنا، وهو مملوك لمحرزه
بالإجماع، ولا يجب بذله إلا لمضطر.
والثالث: ماء الأبيار والحياض والعيون والقنا المملوكة في الأراضي المملوكة أو
الموات، وفيه خلاف، فقال بعض الشافعية إنه مملوك كالماء المحرز في الأواني، وهو قول
يحيى، والمؤيد بالله، وقال الحنفية وأكثر الشافعية: إنه حق، لا ملك، كما في نيل الأوطار (٥ :
٢٥٩).
ومعنى كونه حقاً أنه أحق به من غيره، ولكن يجب بذل ما فضل عن حاجته لشرب غيره،
وتفصيله ما ذكره الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج (ص: ٩٠): حيث قال: (وكل من كانت له
عين، أو بئر، أو قناة فليس له أن يمنع ابن السبيل من أن يشرب منها، ويسقي دابته وبعيره وغنمه
منها. وليس له أن يبيع من ذلك شيئاً للشفة. والشفة عندنا: الشرب لبني آدم، والبهائم، والنعم،
والدواب، وله أن يمنع السقي للأرض والزرع والنخل والشجر، وليس لأحد أن يسقي شيئاً من
ذلك إلا بإذنه، فإن أذن له فلا بأس بذلك، وإن باعه ذلك لم يجز البيع، ولم يحل للبائع
والمشتري، لأنه مجهول غرر لا يعرف ... )
(ولا بأس ببيع الماء إذا كان في الأوعية، هذا ماء قد أحرز، فإذا أحرزه في وعائه فلا
بأس ببيعه، وإن هيأ له مصنعة فاستقى فيها بأوعيته حتى جمع فيها ماءً كثيراً، ثم باع من ذلك فلا
بأس، إذا وقع في الأوعية فقد أحرزه، وقد طاب بيعه، فإذا كان إنما يجتمع من السيول فلا خير
في بيعه، ولو باعه لم يجز البيع).

٤٩٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ؛
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((لاَ تَمْنَعُوا فَضْلَ الَّمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلاَ)).
٣٩٨٤ - (٣٨) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُوِ عَاصِم الضَّحَّاكُ بْنُ
مَخْلٍَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ؛ أَنَّ هِلاَلَ بْنَ أُسَامَةَ أُخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا
سَلَمَةَ بْزَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَخَبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((لاَ يُبَاعُ
فَضْلُ الْمَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الْكَلأُ».
ثم إن الإمام أبا يوسف تَغْلَثُ قد ذكر حرمة بيع ماء البئر لأجل سقي المزارع، ولم يعلله بأنه
يجب على صاحب البئر بذله، أو إنه غير مالك له، بل علله بأن القدر المبيع من الماء مجهول.
وقياس هذا التعليل أن يجوز ذلك اليوم، لأن اليوم وجدت العدادات التي يمكن بها ضبط مقدار
الماء، وعلى هذا ينبغي أن يجوز بيعه إذا أمكن ضبط مقداره بالعداد، والله أعلم.
وأما حياض الماء التي تسمى (تنكات) في عصرنا، ويأتي إليها الماء بالأنابيب فالظاهر
أنها من القسم الثاني، وتدخل في ما ذكره الإمام أبو يوسف بقوله: ((وإن هيأ له مصنعة فاستقى
فيها بأوعيته حتى جمع فيها ماءً كثيراً، ثم باع من ذلك، فلا بأس)).
وأما الأنهار الصغيرة التي تكريها الحكومات لسقي المزارع، فإنها مملوكة للحكومات
وقياس ما ذكرنا أن يكون ماؤها في حكم ماء البئر المملوكة، فلا يجوز للحكومة أن تمنع أحداً
من الشرب أو من سقي دوابه منها، ولكنها تستطيع أن تمنع ناساً من سقي مزارعهم منها، وحينئذ
ينبغي أن يجوز بيع مائها لسقي المزارع بشرط الأمن من جهالة المقدار، كما أسلفنا، فإن أمكن
ضبط مقدار الماء بالعداد ونحوه، ينبغي أن يجوز بيعه، والله سبحانه أعلم.
ثم إن الماء المحرز بالأواني، وإن كان مملوكاً لصاحبها، ولا يجب بذله إلا لمضطر،
ولكن ينبغي أن يكون منع اليسير منه حراماً في الديانة ممن يريد شربه، فإنه من الماعون، الذي
نطق القرآن بكراهة منعه، ويدل عليه ما أخرجه أبو داود والدارمي في سننه (٢: ١٨٢، رقم:
٢٦١٦) واللفظ له، عن بهيسة عن أبيها: ((أنه أتى النبي ◌َلير فاستأذنه، فدخل بيته وبين قميصه،
فقال: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ فقال: الملح والماء)) والله سبحانه وتعالى أعلم. وراجع
لتفصيل أطراف المسألة كتاب الخراج لأبي يوسف (ص: ٩٤ إلى ٩٨)، وكتاب الأموال لأبي
عبيد (ص: ٣٠٢)، وإعلاء السنن (١٤: ١٢٠) باب بيع الماء والكلأ.
٣٨ - (٠٠٠) - قوله: (لا يباع فضل الماء) هذا صريح في حرمة بيع الفضل ممن يريد شربه
أو سقي دابته منه، ففيه حجة على من قال: لا يحرم بيع الفضل، وإنما يحرم منعه، فيجب عليه
البذل، ولو بالقيمة، وقد رد عليه الحافظان: العيني والعسقلاني في شرحيهما على البخاري.
قوله: (ليباع به الكلأ) هذا يدل على أن حكم حرمة البيع إنما هو في فضل ماء أريد شربه،

٤٩٣
كتاب: المساقاة
(٩) - باب: تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن،
ومهر البغيّ. والنهي عن بيع السنور
٣٩٨٥ - (٣٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ نَهَى عَنْ
ثَمَنِ الْكَلْبِ،
لأنه هو الذي يستلزم بيع الكلأ، وأما الماء الذي قصد به سقي المزارع فلا يستلزم ذلك، فظهر
أن حكم المنع في الحديث إنما هو في الأول، دون الثاني، والله أعلم.
(٩) - باب: تحريم ثمن الكلب،
وحلوان الكاهن، والنهي عن بيع السنور
٣٩ - (١٥٦٧) - قوله: (عن أبي مسعود الأنصاري) أخرجه البخاري في البيوع، باب ثمن
الكلب، وفي الإجارة، باب كسب البغي والإماء وفي الطلاق، باب مهر البغي والنكاح الفاسد،
وفي الطب، باب الكهانة، وأبو داود في البيوع. باب في أثمان الكلاب (رقم: ٣٤٨١)،
والنسائي في البيوع، باب بيع الكلب، وفي الصيد، باب النهي عن ثمن الكلب، والترمذي في
النكاح، باب ما جاء في مهر البغي، وفي البيوع، باب ما جاء في ثمن الكلب، وابن ماجه في
التجارات، باب النهي عن ثمن الكلب إلخ، ومالك في البيوع، باب ما جاء في ثمن الكلب،
والدارمي في البيوع، باب النهي عن ثمن الكلب (رقم: ٢٥٧١)، وأحمد في مسنده (٤: ١١٨).
قوله: (نهى عن ثمن الكلب) استدل به جماعة من الفقهاء على حرمة بيع الكلب وبطلانه،
سواء كان معلماً أو غيره، جاز اقتناؤه أو لا، وهو قول الشافعي وأحمد، وإحدى الروايتين عن
مالك، وبه قال الحسن، ومحمد بن سيرين، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحكم، وحماد بن
أبي سليمان وربيعة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأهل الظاهر، كما في
عمدة القاري (٥: ١٠٩).
وأما المالكية فقد فرقوا بين الكلب المأذون في اتخاذه، وبين ما لا يجوز اتخاذه، فاتفقوا
على أن ما لا يجوز إتخاذه لا يجوز بيعه للانتفاع به وإمساكه، فأما من أراده للأكل فاختلفوا فيه،
فمن أجاز أكله أجاز بيعه ومن لم يجزه على رواية ابن حبيب لم يجز بيعه. واختلفوا أيضاً في
المأذون في إتخاذه، فقيل: هو حرام، وقيل: مكروه. كذا في بداية المجتهد (٢: ١٢٦)، وشرح
الأبي (٤ : ٢٤٩).
وقد رجح ابن العربي في عارضة الأحوذي (٥: ٢٧٩) جواز بيع الكلاب، لقوة دليله .
وقال الحنفية: الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها، ويباح أثمانها، وبه قال عطاء بن أبي
رباح، وإبراهيم النخعي، وأبو يوسف، ومحمد، وابن كنانة، وسحنون من المالكية، ومالك في

٤٩٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رواية. وروي عن أبي حنيفة أن الكلب العقور لا يجوز بيعه ولا يباح ثمنه. هذا ملخص ما في
عمدة القاري (٥: ٦١٠)، والمغني لابن قدامة (٤: ٢٥١ و٢٥٢).
وذكر بعض المتأخرين من الحنابلة أن الصحيح عندهم جواز بيع كلب الصيد، فقال
الحارثي في شرحه، في كتاب الوقف: ((والصحيح اختصاص النهي عن البيع بما عدى كلب
الصيد، بدليل رواية حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي﴿ها، قال: نهى رسول
الله ◌َ﴿ عن ثمن الكلب، والسنور، إلا كلب الصيد، والإسناد جيد)) وقال الزركشي: ومال بعض
أصحابنا المتأخرين إلى جواز بيعه، كذا في الإنصاف للمرداوي (٤: ٢٨٠).
استدل المانعون بحديث الباب، وبأنه عام في تحريم ثمن كل كلب.
وأما الحنفية ومن وافقهم فاحتجوا على مذهبهم بدلائل آتية :
١ - قال النسائي في كتاب الصيد من سننه (٢: ١٩٥): ((أخبرني إبراهيم بن الحسن قال
أخبرنا الحجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أن النبي وَله
نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد)) وأخرجه الطحاوي أيضاً في شرح الآثار، ثم
اعترض عليه النسائي وقال: (حديث حجاج عن حماد بن سلمة ليس هو بصحيح) ولكن لم يبين
وجه عدم صحته .
والواقع أن رجال هذا الحديث كلهم ثقات، كما اعترف به الحافظ في الفتح (٤: ٣٥٣)
وفي التلخيص (٣: ٤)، وقال الزبيدي في عقود الجواهر (٢: ٤): (هذا سند جيد). ويظهر من
كلام الدارقطني أن الوجه في الاعتراض عليه هو كونه مرفوعاً، فإن الدارقطني أخرجه في سننه
(٣: ٧٣، بيوع: ٢٧٧) أولاً كما أخرجه النسائي مرفوعاً، ثم أخرجه (رقم: ٢٧٨) من طريق
سويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: ((نهى عن ثمن السنور
والكلب، إلا كلب صيد)) ثم قال الدارقطني: ((لم يذكر حماد (عن النبي ◌َّر)، هذا أصح من
الذي قبله)) فإنه رجح في هذه الرواية ترك ذكر (عن النبي ◌َّ).
ولكن هذا الاعتراض ليس بشيء، أما أولاً؛ فلأن قول جابر ظُله (نهى عن ثمن السنور
والكلب إلا كلب صيد) ليس معناه إلا أن النبي وسلو نهى عنه، ومثل هذا يكون مرفوعاً عند
المحدثين، كقول أنس (أمر بلال أن يشفع الأذان) وذكر الزبيدي في عقود الجواهر المنيفة (٢ :
٣) عن ابن الصلاح أنه مرفوع.
وأما ثانياً؛ فلأن الثقتين إذا اختلفا في رفع الحديث ووقفه، فالحكم للذي رفعه عند أكثر
المحدثين، لأنه أتى بزيادة، وإن الراوي تارة يسند، وتارة يفتي.
ثم إن الحجاج بن محمد لم يتفرد برفعه، بل تابعه عليه الهيثم بن جميل، وعبيد الله بن

٤٩٥
كتاب: المساقاة
موسى عن حماد، كلاهما عند الدار قطني نفسه، وعند البيهقي في سننه (٦: ٦ و٧) ولم يتفرد به
حماد أيضاً، بل تابعه عليه الحسن بن أبي جعفر عنده، فرواه عن أبي الزبير، عن جابر، عن
النبي ◌ّير: (أنه نهى عن ثمن الكلب والهر، إلا الكلب المعلم) وبهذا السند أخرجه أيضاً أحمد في
مسنده (٣: ٣١٧). والحسن بن أبي جعفر، وإن كان ضعيفاً عند جماعة، غير أنه لا يسقط عن
درجة الاستشهاد والاعتبار، فقد قال فيه مسلم بن إبراهيم، وابن مهدي، وابن عدي أقوالاً حسنة،
وقال ابن عدي: ((أحاديثه صالحة، وهو يروي الغرائب، وخاصة عن محمد بن جحادة، له عنه
نسخة يرويها الجارودي عن أبيه عنه، وله عن محمد بن جحادة غير ما ذكرت أحاديث مستقيمة
صالحة، هو عندي ممن لا يتعمد الكذب، وهو صدوق)) كما في تهذيب التهذيب (٢: ٢٦٠).
وحديثه هذا ليس من حديث الجارودي، ولا من محمد بن جحادة، وإنما هو من حديث
عباد بن العوام، عنه، عن أبي الزبير، عند كل من أحمد، والدارقطني، والبيهقي.
فالصحيح أن حديث جابر رُبه هذا حديث مرفوع صحيح، ولا غبار عليه من حيث
الإسناد. ويمكن أن يكون النسائي أعله لذكر (السنور) فيه، فإن أكثر الرواة لا يذكرونه في هذا
الحديث، على ما حققه شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٤: ٣٢٢).
٢ - أخرج الترمذي في باب بعد باب كراهية ثمن الكلب والسنور من جامعه (١: ١٥٤) من
طريق حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة قال: ((نهى عن ثمن الكلب إلا كلب
الصيد)) وأعله الترمذي بأبي المهزم، ولا شك أنه ضعيف، ولكن تابعه على ذلك الوليد بن عبد
الله والمثني بن الصباح عند الدارقطني والبيهقي، والوليد بن عبد الله أخرج له ابن خزيمة في
صحيحه: وذكره ابن حبان في الثقات، كما في لسان الميزان، وقال المارديني في الجوهر النقي
(٦: ٦): ((ضعفه الدارقطني، وكأن البيهقي تبعه، ولم يضعفه المتقدمون فيما علمت، بل حكى
ابن أبي حاتم عن ابن معين أنه ثقة)).
وهناك متابع آخر لرواية أبي المهزم، وهو ما أخرجه البيهقي (٦: ٦) من طريق حماد ابن
سلمة، عن قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة: ((نهى عن مهر البغي، وعسب الفحل، وعن ثمن
السنور، وعن الكلب إلا كلب صيد)» قال البيهقي: ورواية حماد عن قيس فيها نظر، وأجاب عنه
المارديني بأنهما من رجال مسلم. وبالجملة فلهذا الحديث طرق يقوي بعضها بعضاً .
٣ - روى الإمام أبو حنيفة، عن الهيثم، عن عكرمة، عن ابن عباس رضيًّا، قال: ((رخص
رسول الله (ّية في ثمن كلب الصيد)) راجع له جامع مسانيد الإمام (٢: ١٠) قال الزيلعي في
نصب الراية (٤: ٥٤): (وهذا سند جيد). والهيثم هذا هو ابن حبيب الصيرفي، وثقه أحمد وأبو
زرعة وأبو حاتم، وابن حبان ذكره الحافظ في التهذيب (١١: ٩١ و٩٢) فلم يذكر فيه إلا
التوثيق .

٤٩٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وذكر الحافظ الزيلعي في نصب الراية (٤: ٥٤) أن ابن عدي أخرج هذا الحديث في
الكامل، ثم أعله بأبي علي الكندي، وهو المعروف باللجلاج، قال: وله أشياء ينفرد بها من
طريق أبي حنيفة، وقال ابن القطان: ((اللجلاج لم تثبت عدالته، وقد حدث بأحاديث كثيرة لأبي
حنيفة كلها مناكير لا تعرف)) وذكره الذهبي أيضاً في ميزان الاعتدال (١: ١١٠) في ترجمة
أحمد بن عبد الله الكندي، وقال: ((قال عبد الحق: هذا الحديث باطل)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أحمد بن عبد الله الكندي: قد ترجمه الخطيب في تاريخ
بغداد (٤: ٢١٦) ولم يتكلم فيه بشيء، غير أنه ذكر حديثاً تفرد به عن أبي حنيفة، ولو سلم
ضعفه، فإن هذا الحديث الذي نحن فيه ليس مروياً عنه فحسب، بل أخرجه ابن خسرو في مسند
أبي حنيفة من طريق غيره أيضاً، فإنه أخرجه من طريق عبد الله بن طاهر، عن إسماعيل بن توبة،
عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة كثُّهُ، كما في جامع المسانيد للخوارزمي (٢: ١١) وليس
فيه الكندي المذكور، وقال الزبيدي بعد نقله في عقود الجواهر (٢: ٣): (هذا سند لا بأس به)،
وقال الإمام الكوثري بعد نقله في النكت الطريفة (ص: ١١١): ((وإسماعيل بن توبة هذا هو أبو
سهل القزويني، راوي السير الكبير عن الإمام محمد مع أبي سليمان الجوزجاني، لم يروه عنه
غيرهما، كما في الجواهر المضيئة للقرشي (١: ١٤٧).
وبالجملة، فأحاديث استثناء كلب الصيد، أو الكلب المعلم، أو الكلب الضاري، من
عموم النهي مروية عن عدة من الصحابة، كلها بطرق عديدة. وإن هذه الطرق، ولو سلم ضعف
بعضها بوحدها، فإنها مؤيدة بطرق أخرى، ومن المعلوم أن تعدد الطرق والشواهد مما يدل على
صحة أصل الحديث، فإنكار جميعها لا سبيل إليه.
أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٨٨) عن عطاء، قال: (لا بأس بثمن الكلب
السلوقي)(١) وقال الطحاوي بعد إخراجه: ((فهذا عطاء، يقول هذا، وقد روي عن أبي هريرة انظ ◌ُله
عن النبي وَل ﴿ أن ثمن الكلب من السحت، فدل ذلك على المعنى الذي ذكرنا في حديث جابر))
يعني أن النهي إنما كان في زمن لم يكن الانتفاع بالكلب مباحاً، فلما أبيح الانتفاع به أبيح بيعه .
٥ - أخرج الطحاوي والبيهقي في سننه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن
عمرو: ((أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً، وقضى في كلب ماشية بكبش)) فإن
الغرامة لا تحل إلا لما جاز بيعه.
(١) سلوق، كصبور، قرية باليمن، تنسب إليها الدروع والكلاب - كذا في حاشية السورتي على الطحاوي، وقال
الدميري في حياة الحيوان (٢: ٢٢٥) وهو أي الكلب نوعان: أهلي، وسلوقي، نسبة إلى سلوق وهي مدينة
باليمن تنسب إليها الكلاب السلوقية، وكلا النوعين في الطبع سواء.

٤٩٧
كتاب: المساقاة
واعترض عليه البيهقي بأن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب، وأجاب عنه شيخنا
العثماني في إعلاء السنن (١٤: ٣٢٣) بأنهما معاصران، وعنعنة المعاصر محمولة على السماع
عند مسلم، وهو المذهب المنصور.
ثم أخرجه البيهقي أيضاً من طريق إسماعيل بن جساس عن عبد الله بن عمرو، وذكر
المارديني في الجوهر النقي (٦: ٨) أن إسماعيل هذا ذكره ابن حبان في الثقات.
٦ - أخرج البيهقي من طريقين مرسلين أن عثمان رضيه أغرم رجلاً ثمن كلب قتله: عشرين
بعيراً. وقال المارديني تحته: ((مذهب الشافعي أن المرسَل إذا روي مرسلاً من وجه آخر صار
حجة)) .
وأما ما ذكره البيهقي عن الشافعي كثّفُ أن عثمان رَبُبه أمر بقتل الكلاب، فلا يصلح
معارضاً لهذا الإغرام، لأنه يحتمل أن يكون أمره بالقتل مخصوصاً بالكلاب التي لا ينتفع بها،
والإغرام في كلاب الصيد وغيرها، ويحتمل أيضاً أنه أمر بقتل الكلاب في وقت من الأوقات
لمصلحة ظهرت له .
ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده (١: ٧٢) أن عثمان رظ ◌ُه أمر بذبح الكلاب
والحمام، فكما أنه لا يدل على حرمة بيع الحمام فكذلك لا يدل على حرمة بيع الكلاب، وقد
أخرج الخطابي في غريب الحديث (٢: ١٤٢) عن عبد الله بن عيسى قال: ((قلت ليونس: ما
ذنب الحمام أن يذبحن حين أمر عثمان بقتلهن؟ فقال: إن أصحابها كانوا يؤذون الناس بالرمي
فلذلك أمر بذبحهن، وكانوا يتحارشون بالكلاب فأمر بقتلها حتى يخرجوا بها فتكون الكلاب
خارجة من المدينة)) .
وقال الخطابي كثّفُهُ: وللإمام أن يفعل مثل هذا الصنيع على النظر للرعية واختيار الأصلح
لهم .
٧ - أخرج الطحاوي عن ابن شهاب الزهري أنه قال: ((إذا قتل الكلب المعلم فإنه يقوم
قيمته، فيغرمه الذي قتله)) مع أن الزهري روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن النبي وَلو أن
ثمن الكلب سحت، فدل على أنه حمل أحاديث النهي على الكلاب التي لا ينتفع بها، أو رآها
منسوخة .
ثم قال الإمام محمد في كتابه الحجة على أهل المدينة (٢: ٧٥٤): ((فإن قالوا: نغرمه
قيمته إذا قتله، ونجعله بمنزلة الحر، فلا نجيز بيع الحر، وإن قتله قاتل فعليه الدية؛ قيل لهم: إن
هذا لا يشبه الحر، لأن الحر لا يملك، وهذا يملك. أرأيتم: لو أن رجلاً وهب كلباً صائداً
ضارياً لرجل، أما كان يجوز؟ فإن كان جائزاً، فكيف يقاس هذا بالحر؟ والحر لا يجوز هبته،
ولا يملك على وجه من الوجوه)).

٤٩٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَمَهْرِ الْبَغِيٌّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ.
٨ - إن جواز اقتناء كلب الصيد والماشية والزرع ثابت بأحاديث صحيحة لا مجال
لإنكارها، وسيأتي في هذا الباب بعضها، فلا وجه لحرمة ثمنها بعد ما أصبح مالاً بالانتفاع.
فهذه الأدلة بأجمعها تدل على جواز بيع الكلاب التي جاز الانتفاع بها. وأما حديث
الباب، وسائر الأحاديث التي ورد فيها النهي عن ثمنها مطلقاً، فقد حملها الإمام محمد كذّفة في
الحجة (٢: ٧٥٨) على النسخ، وقال: ((فكان تحريم بيعها عندنا حين أمر بقتلها وإخراجها، فلما
نهى عن ذلك رسول الله وق لل نسخ تحريم بيعها. ومما يدلكم على هذا أن الحديث منسوخ، إنه
جاء في الحديث أن من السحت ثمن الكلب، وأجر الحجام، ثم رخص في أجر الحجام،
فكذلك رخص عندنا في بيع الكلب النافع حين نهى عن قتلها)).
فإن قيل: إن النسخ لا يثبت إلا بعد علم التاريخ، قلنا: إن الأحكام في حق الكلاب قد
انتقلت من التشديد إلى التخفيف، كما سيأتي في حديث عبد الله بن مغفل في هذا الباب، وقد
ثبتت أحاديث الرخصة بما أسلفنا، فالظاهر كونها متأخرة، ولأن الصحابة والتابعين الذي رووا
أحاديث النهي قد عملوا بأحاديث الرخصة، وهذا من أقوى الأدلة على النسخ.
وقد أجاب بعض الحنفية عن حديث الباب بأن النهي عن ثمن الكلب ليس للتحريم، بل
هو لإظهار الدناءة فيه، والدليل عليه أنه مقرون بالنهي عن كسب الحجام في بعض الروايات،
وعن ثمن الهر في بعضها ولا يقول بحرمتها أحد من الأئمة الأربعة، والله سبحانه أعلم.
قوله: (ومَهْرِ البَغِيِّ) بفتح الباء، وكسر الغين، وتشديد الياء، كالقوي، وهي الزانية،
والبغي بسكون الغين: الزنا، وكذلك البغاء، والبغي بمعنى الزانية تجمع على البغايا، وأصله
بغوي، كركوب وحلوب. ومهر البغي: هو ما تأخذه الزانية على زناها من الأجرة، وإطلاق
المهر عليه مجاز. هذا ملخص ما في عمدة القاري (٥: ٦٠٨ و٦٠٩)، وما وقع في بعض
الروايات من النهي عن كسب الإماء، فالمراد منه هذا، والله أعلم.
قوله: (وحُلْوَانُ الكاهن) الحلوان: أجرة الكاهن، وحلوت الكاهن حلواناً: إذا أعطيت
أجرته، وقال ابن سيدة في المخصص (١٣: ٢٦): ((قال أبو علي: الحلوان: أجرة الكاهن
خاصة، وقد يستعمل فيما سواه، وأنشده:
ألا رجلاً أحلوه رحلي وناقتي
يبلغ عني الشعر إذا مات قائله
وأنشده:
صفا صخرة صماء، يبس بلالها
كأني حلوت الشعر يوم مدحته
فأما أبو العباس، فقال: الحلوان للكاهن خاصة، ولا يستعمل في غيره)).

٤٩٩
كتاب: المساقاة
٣٩٨٦ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. كِلاَهُمَا ◌َنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ،
مِثْلَهُ .
وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ.
٣٩٨٧ - (٤٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((شَرُّ الْكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِيِّ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ).
وقال الحافظ في الفتح (٤: ٣٥٤): ((أصله من الحلاوة، شبه بالشيء الحلو، من حيث أنه
يأخذه سهلاً، بلا كلفة ولا مشقة، يقال: حلوته: إذا أطعمته الحلو. والحلوان أيضاً: الرشوة،
والحلوان أيضاً: أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه)).
وأما الكاهن فكان يطلق عند العرب على كل من يدعي الإخبار عن الغيب، والفرق بين
الكاهن والعراف، على ما ذكره النووي والأبي، أن الكاهن: هو الذي يخبر عن المستقبل،
والعراف: هو الذي يخبر بالمستور الموجود، كالمسروق والضالة، وقد يطلق على العراف اسم
الكاهن أيضاً، كما في المخصص لابن سيدة وقد ذكر الحافظ ابن حجر أقسام الكهانة في كتاب
الطب من فتح الباري (١١ : ١٨٣).
وقد دل الحديث على حرمة حلوان الكاهن، وهو حكم قد أجمع عليه الفقهاء، وفي معناه
التنجيم والضرب بالحصى، وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب، والله سبحانه
أعلم.
٤٠ - (١٥٦٨) - قوله: (عن رَافِع بن خَدِيج) أخرجه أيضاً أبو داود في البيوع، (رقم:
٣٤٢١)، باب في كسب الحجام، والترمذي، (رقم: ١٢٧٥) في البيوع، باب ما جاء في ثمن
الكلب، والنسائي في الصيد، باب النهي عن ثمن الكلب، والدارمي، (رقم: ٢٦٢٤) في
البيوع، باب النهي عن كسب الحجام، وأحمد في مسند رافع (٣: ٤٦٤ و٤٦٥).
قوله: (وكَسْبُ الحَجَّام) استدل به بعض أهل الظاهر على حرمة كسب الحجام مطلقاً، وهو
قول بعض أصحاب الحديث، كما نقل عنهم الشوكاني في الإجارة من نيل الأوطار (٥: ٢٤١).
وأما الأئمة الأربعة وجمهور العلماء فقد اتفقوا على جوازه، وسيأتي بعد باب واحد
أحاديث تدل على جوازه مطلقاً .
وقد حكى النووي والشوكاني رواية عن أحمد وجماعة: الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا
للحر الاحتراف بالحجامة، وقالوا: يحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على

٥٠٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٩٨٨ - (٤١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَارِظِ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدٌ. حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ
خَدِيجٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيّ خَبِيثٌ. وَكَسْبُ الْحَجَّامِ
خَبِیٹ)).
٣٩٨٩ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهُذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ.
٣٩٩٠ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّصْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. حَدَّثَنَا
هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدُ. حَدَّثَنَا
رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ . بِمِثْلِهِ.
الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقاً. وعمدتهم في هذا ما أخرجه أبو داود وغيره عن
محيصة أنه استأذن رسول الله 185 في إجارة الحجام، فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه، حتى
أمره أن ((اعلفه ناضحك ورقيقك)).
ولكن قال الخطابي في معالم السنن (٥: ٧٣ و٧٤): ((حديث محيصة يدل على أن أجرة
الحجام ليست بحرام، وأن خبثها من قبل دناءة مخرجها. وقوله: اعلفه ناضحك، أو رقيقك،
يدل على صحة ما قلناه، وذلك أنه لا يجوز له أن يطعم رقيقه إلا من مال قد ثبت له ملكه، وإذا
ثبت له ملكه فقد ثبت أنه مباح. وإنما وجهه: التنزيه عن الكسب الدنيء، والترغيب في تطهير
الطعم، والإرشاد إلى ما هو أطيب وأحسن، وبعض الكسب أعلى وأفضل، وبعضه أدنى
وأوكح. وقد ذهب أهل العلم إلى أن كسب الحجام إن كان حراً فهو محرم، واحتج بهذا
الحديث ... وهذا القائل يذهب في التفريق بينهما مذهباً ليس له معنى صحيح، وكل شيء حل
من المال للعبيد حل للأحرار، والعبد لا ملك له، ويده يد سيده، وكسبه كسبه وإنما وجه
الحديث ما ذكرته لك، وإن الخبيث معناه: الدنيء، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخِيثَ مِنْهُ
تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، أي الدون.
وذكر الأبي في شرحه (٤: ٢٥١) توجيهاً آخر لهذا الحديث، وهو أن النهي عن كسب
الحجام إنما هو عما كانوا يصنعونه في الجاهلية: يفصدون الحيوانات، ويبيعون ما يجتمع منها
من الدم لمن يأكله من الكفار، أو لمن يستعمله في شيء، ويؤيده ما أخرجه.
٤١ - (٠٠٠) - قوله: (إبراهيم بن قارظ) هو إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وقد سماه في
رواية هشام الآتية: إبراهيم بن عبد الله، وهو ابن قارظ هذا، وهو من التابعين، رأى عمر
وعلياً ◌ًّا، قدم مصر في زمن عمر بن عبد العزيز، وذكره ابن حبان في الثقات، راجع التهذيب
(١ : ١٣٤) .