Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ كتاب: المساقاة بِسْمِ اللَّهِ الرََّ الرَّحَيَةِ ٠٠٠/٢٢ - كتاب: المساقاة (١) - باب: المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع ٣٩٣٩ - (١) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ) قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِيْ نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ . ..... كتاب: المساقاة والمزارعة المساقاة: مفاعلة من السقي، وهي في اصطلاح الفقه: دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء معلوم من ثمره، كالمزارعة في الزروع، وتسمى (معاملة) أيضاً، وحكمها عند الحنفية حكم المزارعة، على اختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، إلا في أربعة أشياء: الأول: أن في المساقاة إذا امتنع أحدهما بعد العقد يجبر عليه، بخلاف المزارعة، فإن رب البذر إذا امتنع قبل الإلقاء لا يجبر عليه. الثاني: أن في المساقاة لا يشترط بيان المدة، ويقع العقد حينئذ على أول ثمر يخرج في أول السنة، ويشترط في المزارعة تعيين المدة. الثالث: أنه إن عينت المدة في المساقاة، وانقضت قبل إدراك الثمر، فالعامل يعمل عليها إلى انتهاء الثمرة، لكن بلا أجر، بخلاف المزارعة فإنه إذا انقضت مدتها، يعمل العامل فيها بأجر. والرابع: أنه إن استحق النخيل يرجع العامل في المساقاة بأجر مثله، وفي المزارعة بقيمة الزرع. وراجع رد المحتار للشامي (٥: ٢٠١). ١ - (١٥٥١) - قوله: (عبيد الله) يعني: ابن عمر العمري، وهو ثقة اتفق على إخراج حديثه الشيخان . قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في المزارعة، باب بالمزارعة بالشطر ونحوه، وباب إذا لم يشترط السنين في المزارعة، وباب المزارعة مع اليهود، وفي الإجارة، باب إذا استأجر أرضاً فمات أحدهما، وفي الشركة، باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة، وفي الشروط، باب الشروط في المعاملة، وفي المغازي، باب معاملة النبي ◌ُّ أهل ٤٤٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. خيبر، وأخرجه أبو داود (رقم: ٣٤٠٨، ٣٤٠٩) في البيوع، باب في المساقاة، والترمذي (رقم: ١٣٨٣) في الأحكام، باب ما ذكر في المزارعة، والنسائي في المزارعة، باب اختلاف الألفاظ المأثورة في المزارعة. قوله: (عامل أهل خيبر) استدل به جمهور الفقهاء على جواز المساقاة. وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى، وأما أبو حنيفة وزفر رحمهما الله فقد منعا المساقاة كالمزارعة، وتأولا في حديث الباب بأنه كان خراج مقاسمة، ولم تكن هناك مساقاة أو مزارعة، وقد أسلفنا في مبحث المزارعة أدلة الجمهور بما يرد هذا التأويل، وأن أراضي خيبر كانت مملوكة للمسلمين، لا لليهود، فلا معنى لخراج المقاسمة فيها . وقال شيخنا العثماني النهانوي تَُّ في إعلاء السنن (١٧ : ٤٦): ((والظن بأبي حنيفة أنه لم يبطل المساقاة رأساً وإنما كرهها تورعاً، ولم ينه عنها أشد النهي، وإنما كرهها لكونها كالمزارعة، وقد ورد النهي عنها لكونها مخالفة للأصول المجمع عليها في الإجارة، ورأى أن حديث معاملة النبي ◌ّ أهل خيبر على الشطر ليس بنص في عقد المساقاة، بل يحتمل الوجود التي قد مر ذكرها)). وقد سبق منا أن مشايخ الحنفية أفتوا بقول الجمهور في هذه المسألة لقوة دلیلهم . ثم اختلف المجوزون لها، فقال الشافعي تَُّ في القول الجديد: إن جوازها مختص بالنخل والكرم، وألحق المقل بالنخل، وبه قال أحمد في رواية، وقال داود الظاهري: يختص جوازه بالنخل فقط، وقال مالك وأحمد والشافعي في القديم، وأبو يوسف والثوري والجمهور: لا يختص جوازه بشجر دون شجر، بل تجوز المساقاة في سائر أنواع الشجر. راجع لمذاهب المالكية: البهجة شرح التحفة (٢: ١٩٠)، ولمذهب الحنابلة: الإنصاف شرح المقنع للمرداوي ٥: ٤٦٦، ولمذهب الشافعي وداود: فتح الباري (٥: ١٠)، ولمذهب أبي يوسف: عمدة القاري (٥ : ٧٣٦). ودليل الشافعي في الجديد أن جواز المساقاة رخصة، فتختص بموردها، وهو النخل، وأما جوازه في العنب، فإما لكون المساقاة بخيبر واقعة عليه أيضاً، وإما لأن قياس العنب على النخيل قياس قوي جداً، بجامع وجوب الزكاة وتأتي الخرص فيهما، كما ذكره الرملي في نهاية المحتاج (٥: ٢٤٤). وأما الجمهور فاستدلوا بعموم لفظ ((ثمر)) فإنه يشمل الأثمار كلها، وقد ورد فى الحديث ما يدل على أن أراضي خيبر كان فيها غير النخل أيضاً، وهو ما أخرجه البيهقي في سننه (٦: ١١٤) من طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وفيه: ((فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشيء)) وذكره الحافظ في الفتح (٥: ١٠) بلفظ: ((كل زرع ونخل ٤٤٣ كتاب: المساقاة ٣٩٤٠ - (٢) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَلِيٍّ (وَهُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ). أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ لَه خَيْبَرَ بِشَطْرٍ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةً وَسْقٍ : ثَمَانِينَ وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ، وَعِشْرِينَ وَسْقاً مِنْ شَعِيرٍ. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قَسَمَ خَيْبَرَ. خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ◌َ، أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ وشجر)) فإفراد الشجر من النخل يدل على أن المراد منه غير النخل، وقد ورد العقد عليهما . وقد رجح كثير من الشافعية القول القديم للشافعي كمذهب الجمهور، وقال الشهاب ابن قاسم ناقداً دليل القول الجديد: ((في رده لدليل القديم نظر، لأنه استدل بعموم الثمر في الخبر لا بالقياس، وقوله: (قد تختص بموردها) قد يقال: يرد عليه قياس العنب ... على أن حاصل كلام جمع الجوامع: أن الصحيح جواز القياس في الرخص، خلافاً لأبي حنيفة)) كذا في حاشية الرشيدي على نهاية المحتاج (٥: ٢٤٤). ٢ - (٠٠٠) - قوله: (فكان يعطي أزواجه) يعني نفقة لهن، وهو يدل على أن ادخار ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل، وراجع شرح السنوسي (٤: ٢٢٤) وقد استدل به من قال: إن أكثر أراضي خيبر كانت عند اليهود مساقاة، وبعضها مزارعة، لأن نصيب أزواجه و # كان في التمر ثمانون وسقاً، والتمر يكون على النخيل، وفي الشعير عشرون وسقاً، والشعير يكون في الزروع، فظهر أن المزارع بخيبر كانت أقل من النخيل، وفيه نظر، لأنه يحتمل أن يكون وَل# يؤثر بالشعير غير الأزواج، فلا دلالة في الحديث على كون الزرع أقل من الشجر. قوله: (فلما وَلَيَ عمر قسم خيبر) يعني أن عمر رضيُه أجلى اليهود من خيبر، ثم تولى قسم أراضيها على المسلمين، وسيأتي وجه إجلائهم في شرح الروايات الآتية من هذا الباب. قوله: (خير أزواج النبي ◌َّ) وفي رواية لأبي داود في الخراج والفيء والأمارة: «فلما أراد عمر إخراج اليهود أرسل إلى أزواج النبي وَّر، فقال لهن: من أحب منكن أن أقسم لها نخلاً بخرصها مائة وسق، فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها، ومن الزرع مزرعةً، خرصَ عشرين وسقاً، فعلنا، ومن أحب أن نعزل الذي لها في الخمس كما هو، فعلنا)) قال العيني: ((فيه تخيير عمر رَظُّه أزواج النبي ◌َّل بين أن يقطع لهن من الأرض، وبين إجرائهن على ما كنّ عليه في عهد النبي وَله من غير أن مملكهن، لأن الأرض لم تكن موروثة عن سيدنا رسول الله وَالر، فإذا توفين عادت الأرض والنخل عل أصلها وقفا مسبلاً، وكان عمر يعطيهن ذلك لأنه وَّه قال: ما تركت بعد نفقة نسائي فهو صدقة، قال ابن التين: وقيل إن عمر رالله كان يقطعهن سوى هذه الأوسق اثني عشر ألفاً لكل واحد منهن، وما يجري عليهن في سائر السنة)) كذا في عمدة القاري (٥ : ٧٢٤) . والخلاصة أن عمر رَّه لم يعط أمهات المؤمنين كميراث من النبي وَّر، وإنما أنفق عليهن ٤٤٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الأَرْضَ وَالْمَاءَ، أَوْ يَضْمَنَ لَهُنَّ الأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ. فَاخْتَلَفْنَ. فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْض وَالْمَاءَ. وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ. فَكَانِّتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِمَّنِ اخْتَارَتَا الأَرْضَ وَالْمَاءَ. ٣٩٤١ - (٣) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ زَرْعِ أَوْ ثَمَرٍ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَة مِمَّنِ اخْتَارَتَا الأَرْضَ وَالْمَاءَ. وَقَالَ: خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ وَّهُ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ الأَرْضَ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَاءَ. ٣٩٤٢ - (٤) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ. أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ اللَّيْثِيُّ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: لَمَّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ سَأَلَتْ يَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ أَنْ يُقِّرَّهُمْ فِيهَا. عَلَى أَنَّ يَعْمَلُوا عَلَى نِصْفِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا))، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ عملاً بقوله وَّير: ((ما تركت بعد نفقة نسائي فهو صدقة))، ولذلك لم يملكهن الأرض، وأما من اختارت منهن إقطاع الأرض، فالظاهر أنه لم يكن إقطاع تمليك، إنما كان إقطاع استغلال، كما حققه الأبي في شرحه (٤: ٢٢٦). ٤ - (٠٠٠) - قوله: (سألت يهود إلخ) وأخرج أبو داود في المساقاة من البيوع عن ابن عباس قال: ((افتتح رسول الله وَل خيبر، واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء، وقال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم، فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة ولنا النصف)). وأخرج أبو داود في الخراج والفيء والإمارة عن بشير بن يسار: ((فلما صارت الأموال بيد النبي ◌َّر والمسلمين لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا رسول الله وَلل اليهود، فعاملهم)). فدلت هذه الروايات أن الأراضي دفعت إلى اليهود مساقاةً، لكون المسلمين لا يقدرون على زرعها بأنفسهم، ولكون اليهود أعلم بتلك الأرض وما يحتاج إليه في زرعها . قوله: (أُقِرَّكُمْ فيها على ذلك ما شئنا) وفي رواية مالك في الموطأ: ((أقركم ما أقركم الله))، والمراد أننا نمكنكم من المقام في خيبر ما شئنا، ثم نخرجكم متى قدر الله، وذلك لأنه ◌َ ◌ّ كان عازماً على إخراج الكفار من جزيرة العرب. ثم قد استدل بعض أهل الظاهر بهذا الحديث على أن المساقاة جائزة إلى أجل مجهول، والجمهور - ومنهم الحنفية - على أنها لا تجوز إلا إلى مدة معلومة، وتأول الجمهور حديث الباب بطرق مختلفة : / ٤٤٥ كتاب: المساقاة حَدِيثِ ابْنٍ نُمَيْرٍ وَابْنٍ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَزَادَ فِيهِ: وَكَانَ الثَّمَرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ مِنْ نِصْفٍ خَيْبَرَ. فَيَأْخُذُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ الْخُمْسَ. ٣٩٤٣ - (٥) وحدّثنا ابْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رُّسُولِ اللّهِ نَّهِ؛ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا. عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوالِهِمْ. وَلِرَسُولِ اللّهِ نَّهِ شَطْرُ ثَمَرِهَا . ٣٩٤٤ - (٦) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِع). قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٌ. حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ أَبْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىُ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ. وَأَنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَه فقال النووي تثاثهُ: ((وقيل: جاز ذلك في أول الإسلام خاصة للنبي وَّر)) ولكن هذا التأويل غير سديد كما ترى، لأن النسخ لا يثبت إلا بدليل. قال العيني تَذَفُ في عمدة القاري، باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله (٦: ٧٣٦): ((وأما قوله وَله: أقركم ما أقره الله، لا يوجب فساد عقده، ويوجب فساد عقد غيره بعده، لأنه كان ينزل عليه الوحي بتقرير الأحكام ونسخها، فكان بقاء حكمه موقوفاً على تقرير الله تعالى له، فإذا اشترط ذلك في عقده لم يوجب فساده وليس كذلك صورته من غيره، لأن الأحكام قد ثبتت وتقررت)). وخلاصة هذا الجواب أن العقد إلى أجل مجهول كان خصوصية للنبي وَّ، ولكن لا يطمئن إليه القلب إيضاً . والصحيح عندي ما ذكره النووي كَفُ في آخر كلامه، وحاصله أن العقد بخيبر لم يكن مجهولاً أجله، بل كان رسول الله وَّلل ضرب لهم مدة، وحاصل قوله: ((أقركم فيها على ذلك ما شئنا)) أننا بالخيار بعد انقضاء هذه المدة، فإن شئنا جددنا العقد لمدة أخرى، وإن شئنا أخرجناكم عن الأرض، فكان العقد يجدد كل سنة، إلى أن أجلاهم عمر رضيالله . قوله: (وكان الثمر يقسم على السهمان إلخ) المراد أن أراضي خيبر كانت قد قسمت على الغانمين حسب سهمانهم، وصار لكل واحد منهم سهم معلوم، وكانت المعاملة مع أهل خيبر برضى منهم، فلما كان نصف ثمر خيبر يأتي إلى النبي وَّرَ، كان النبي وَّ يقسمها على أصحاب السهام، ويأخذ منها الخمس لبيت المال، كما هو حكم كل غنيمة. ٥ - (٠٠٠) - قوله: (على أن يعتملوها من أموالهم) ظاهره أن البذر والبقر والعمل كلها كان من قبل اليهود، والأرض وحدها من قبل المسلمين، فدل الحديث على جواز هذه الصورة من المزارعة . ٤٤٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا. وَكَانَتِ الأَرْضُ، حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا، لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ. فَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا. فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا. عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا. وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذُلِكَ، مَا شِئْنَا)) فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلاَهُمْ عُمَرُ ٦ - (٠٠٠) - قوله: (لما ظهر على خيبر) الظهور ههنا بمعنى الغلبة، لتعديته بعلى، والفعل مبني للمعروف، وضمير الفاعل لرسول الله وَلاته . قوله: (حين ظهر عليها) بضم الظاء مبنياً للمجهول، يعني: حين غلب عليها المسلمون. قوله: (لله ولرسوله وللمسلمين) هذا صريح في أن الأرض لم تبق مملوكة لليهود بعد ما غلب عليها المسلمون، بل قسمها رسول الله وَ ◌ّل﴿ فيما بين الغانمين، فأصبحت مملوكة لهم، والمراد من كونها مملوكة لله ولرسوله أن بعض أسهمها صارت إلى بيت المال. وتفصيله ما أخرجه أبو داود في كتاب الخراج والفيء من سننه عن بشير بن يسار: ((إن رسول الله ﴾ لما أفاء الله عليه خيبر قسمها ستة وثلاثين سهماً جمعاً، فعزل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهماً، يجمع كل سهم مائة، النبي ◌َّلر معهم، له سهم كسهم أحدهم، وعزل رسول الله ◌َ ل ثمانية عشر سهماً، وهو شطر لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين)). وسيأتي وجه ذلك في كتاب الجهاد أن شاء الله تعالی. قوله: (على أن يكفوا عملها) بفتح الياء وسكون الكاف وتخفيف الفاء المرفوعة، من كفى يكفي، وكفاه المؤونة: إذا تولاها بنفسها، وأغنى غيره عنها، وهو يتعدى إلى مفعولين، وقد حذف ههنا مفعول واحد، والتقدير: على أن يكفوا المسلمين عملها، يعني: يغنوهم عنه. قوله: (فقرّوا) بفتح القاف، بمعنى استقروا ومكثوا . قوله: (حتى أجلاهم عمر) والذي يظهر من الروايات أن عمر رُبه أجلاهم لمجموعة أسباب آتية : ١ - أخرج عمر بن شبة في أخبار المدينة من طريق عثمان بن محمد الأخنسي، قال: ((لما كثر العيال، أي الخدم، في أيدي المسلمين، وقووا على العمل في الأرض أجلاهم عمر)) حكاه الحافظ في فتح الباري (٥: ٢٤٠) كتاب الشروط، باب إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجتك. ٢ - أخرج ابن أبي شيبة من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: ((ما زال عمر حتى وجد الثبت عن رسول الله وَلّر أنه قال: لا يجتمع بجزيرة العرب دينان، فقال: من كان له من أهل الكتابين عهد فليأت به أنفذه له، وإلا فإني مجليكم، فأجلاهم)» ذكره الحافظ. ٣ - كان عبد الله بن عمر في زمن ذهب إلى خيبر للنظر في ماله، فغشه اليهود، وألقوه من ٤٤٧ كتاب : المساقاة إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. فوق بيت، ففدعوا يديه (يعني: أزالوهما من مفصلهما) كما رواه حماد بن سلمة عند أبي يعلي في مسنده، وحكاه الحافظ في الفتح. وفي ذلك أخرج البخاري في كتاب الشروط عن ابن عمر قال: ((لما فدع أهل خيير عبد الله بن عمر قام عمر خطيباً، فقال: إن رسول الله وَّليو كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: نقركم ما أقركم الله، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدى عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرنا محمد وَّيه، وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا، فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله وَّ: كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة، فقال: كان ذلك هزيلة من أبي القاسم، فقال: كذبت يا عدو الله، فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإيلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك)). وهذا الحديث دليل أيضاً على أن أرض خيبر كانت مملوكة للمسلمين، دون اليهود، وإلا لأعطاهم عمر قيمة الأرض، وأجاب عنه العيني في المزارعة من العمدة (٥: ٧٢٤) بقوله: ((يجوز أنه ما أعطاهم زمان الإجلاء وأعطاهم بعد ذلك)) ولكنه بعيد كما ترى. قوله: (إلى تيماء وأريحاء) قال الحافظ: ((هما موضعان مشهوران بقرب بلاد طيء على البحر في أول طريق الشام من المدينة)) قلت: وأما تيماء فقد ذكر الحموي في معجم البلدان (٢ : ٦٧): أنها بين الشام ووادي القرى، على طريق حاج الشام ودمشق، وذكر أيضاً أنها تسمى ((تيماء اليهود)) لأن حصن السموءل بن عاديا اليهودي مشرف عليها . وأما أريحا فقد ذكرها الحموي في معجمه (١: ١٦٥) بالقصر، وقال: ((قد رواه بعضهم بالخاء المعجمة لغة عبرانية، وهي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام، بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس في جبال صعبة المسلك، سميت فيما قيل بأريحا بن مالك بن أرفخشذ البَلاءُ. ابن سام بن نوح، قال النووي: ((وفي هذا دليل على أن مراد النبي ◌ُّر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصة، لأن تيماء من جزيرة العرب، لكنها ليست من الحجاز)). وذكر العيني في العمدة (٥: ٧٣٥) عن الواقدي أن الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق كوفة، ومن وراء ذلك إلى مشارق أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز، وإنما سمي حجازاً لأنه يحجز بين تهامة ونجد. ٤٤٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٢) - باب: فضل الغرس والزرع ٣٩٤٥ - (٧) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ سِهِ: ((مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسُ غَرْساً إِلَّ كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، (٢) - باب: فضل الغرس والزرع ٧ - (١٥٥٢) - قوله: (عن جابر) أخرجه أيضاً الدارمي في البيوع (باب ٦٧، حديث: ٢٦١٣). وأحمد في مسند جابر (٣: ٣٩١)، وفي مسند أم مبشر (٦: ٤٢٠)، ولم يخرجه غير مسلم من الأئمة الستة. قوله: (ما أكل منه صدقة) وقد استنبط منه مولانا الشيخ أشرف علي التهانوي كثّته في بعض مواعظه أن المرء كلما تسبب لخير ينتفع به الآخر، أثيب عليه، ولو لم يكن من نيته الثواب، وأما قوله عَلَّلها: ((إنما الأعمال بالنيات)) فالمراد منه أن العمل الاختياري لا يثاب عليه إلا بالنية، والتسبب لا يجب أن يكون اختيارياً، والخلاصة أن المرء إذا نوى بالغرس نفع الخلق أثيب على فعل غرسه فوراً، ثم عند كل انتفاع ينتفع به، ولو لم ينو ذلك لم يؤجر على فعل غرسه فوراً، ولكن كلما انتفع به أحد من خلق الله أثيب عليه لتسببه للخير، والله سبحانه أعلم. ثم رأيت العيني تقُّ قد صرح بأن الأجر في الغرس ثابت، ولو لم يقصده الغارس، راجع عمدة القاري (٥: ٧١١). وقال الطيبي تَذَلُ فيما حكاه الحافظ في الفتح (٥: ٣): ((نكّر مسلماً، وأوقعه في سياق النفي، وزاد (من) الاستغراقية، وعم الحيوان، ليدل على سبيل الكناية على أن أي مسلم كان، حراً أو عبداً مطيعاً أو عاصياً، يعمل أي عمل من المباح، ينتفع بما عمله أي حيوان كان، يرجع نفعه إلیه ويثاب عليه)). وذكر الحافظ في أوائل المزارعة أن أجر ذلك يستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه، ولو مات زارعه أو غارسه، ولو انتقل ملكه إلى غيره. ما ورد في ذم الزراعة: ثم في الحديث فضيلة ظاهرة للغرس والزراعة، وقد ورد في بعض الأحاديث ذم الزراعة، مثل ما أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة عن أبي أمامة الباهلي، وقد رأى سكة وشيئاً من آلة الحرث، فقال: ((سمعت رسول الله وَلل يقول: لا يدخل هذا البيت قوم إلا أدخله الله الذل))، وقد ذكر العلماء أن هذا الذم محمول على ما إذا اشتغل به، فضيع بسببه ما أمر بحفظه، أو لم يضيع، ولكن جاوز الحد فيه، ولذلك ترجم عليه البخاري بقوله: ((باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به)). ٠ ٤٤٩ كتاب: المساقاة وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ. وَمَا أَكَلِ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ. وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ . ومما يدل على فضيلة الغرس والزرع ما أخرجه البزار في مسنده برجال ثقات عن أنس أن النبي 8َّ* قال: ((إن قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة (أي نخلة صغيرة) فليغرسها)) ذكره الهيثمي في كشف الأستار (٢: ٨١، رقم: ١٢٥١)، ومجمع الزوائد (٤: ٦٣) كتاب البيوع، باب الحث على طلب الرزق. ما ورد في اتخاذ الضيعة: وكذلك دل الحديث على جواز اتخاذ الضيعة، والقيام عليها، وقد ورد النهي عنها فيما روي عن ابن مسعود مرفوعاً: ((لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)) أخرجه الترمذي في الزهد، باب هم الدنيا وحبها، وقال: ((حديث حسن)) وأخرجه أحمد في مسنده (١: ٣٧٧ و٤٢٦ و٤٤٣)، وأخرجه الحاكم أيضاً فيما رمز إليه النبهاني في الفتح الكبير (٢: ٣١٤). وجمع القرطبي بين حديث الباب وحديث ابن مسعود بقوله: ((يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين، وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف، أو لنفع المسلمين بها، وتحصيل ثوابها)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا هو الحكم في سائر أسباب الدنيا وأموالها وأمتعتها : إن اتخذها الرجل لسد حاجته، من غير أن ينهمك فيها، كانت مباحة، وإن اتخذها لنفع خلق الله، كان مأجوراً، وإن اتخذها حباً لها، وإعظاماً لأمرها، أو رياء أو مفاخرة بها، أو اشتغل بها بما جعله غافلاً عن فرائضه الدينية، وصارت وبالاً عليه. فالإباحة في النصوص محمولة على الأول، والفضيلة محمولة على الثاني، والنهي والإثم على الثالث. وإنما خصت الضيعة وآلات الحرث بالذكر في حديثي ابن مسعود وأبي أمامة إثما، مع أن الحكم عام في سائر أموال الدنيا، لأنها مما يكثر فيها الاشتغال والانهماك، فوقع التنبيه على الحذر منهما خصوصاً، والله سبحانه أعلم. بحث في أطيب المكاسب: ثم قد تكلم العلماء على ما هو أطيب المكاسب، وقد ذكر الحافظ العيني تَّتُهُ خلاصة هذا المبحث في أول الحرث والمزارعة من عمدة القاري (٥: ٧١٠ و٧١١)، فننقلها هنا بلفظة، قال : ((واختلف في أفضل المكاسب، فقال النووي: أفضلها الزراعة، وقيل: أفضلها الكسب باليد، وهي الصنعة، وقيل: أفضلها التجارة، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد، وروى الحاكم في المستدرك من حديث أبي بردة، قال: ((سئل رسول الله وَلقول: أي الكسب ٤٥٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلاَ يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ)). ٣٩٤٦ - (٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرِ الأَنْصَارِيَّةِ فِي نُخْلٍ لَهَا . فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ غَرَسَ هُذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمْ أَمْ كَافِرٌ؟)) فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ. فُقَالَ: ((لاَ يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْساً، وَلاَ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلاَ دَابَّةٌ وَلاَ شَيْءٌ، إِلَّ كَانَتْ لَهُ صَدَقَة)). أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور))، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وقد يقال: هذا أطيب من حديث الحل، وذاك أفضل من حديث الانتفاع العام، فهو نفع متعد إلى غيره، وإذا كان كذلك فينبغي أن يختلف الحال في ذلك باختلاف حاجة الناس، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر، كانت الزراعة أفضل، للتوسعة على الناس، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر، لانقطاع الطرق، كانت التجارة أفضل وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشد، كانت الصنعة أفضل، وهذا حسن)). قوله: (ولا يرزؤه) أصل الرزء: النقص، ويقال: رزء الرجل ماله: إذا انتقص ماله، ولعل المراد ههنا نقصان الثمر بآفة أو نحوها، لأن السرقة قد ذكرت قبل، أو هو تعميم بعد تخصيص، وفي الحديث دليل على أن الرجل كلما أصيب في ماله كان مأجوراً عليه. ٨ - (٠٠٠) - قوله: (أم مبشر الأنصارية) هي امرأة زيد بن حارثة، يقال لها: أم بشر بنت البراء بن معرور، وكانت من كبار الصحابة، وروى عنها جابر بن عبد الله أحاديث، كذا في الاستيعاب لابن عبد البر (٤: ٤٧٠). وتذكر في الصحابة أم مبشر أخرى، غير بنت البراء، وقد ذكر الحافظ في الإصابة (٤: ٤٧٢) أنها زوج البراء بن معرور، والد التي قبلها، وحكى ابن الأثير عن ابن أبي عاصي أن قصة حديث الباب متعلقة بهذه الثانية، لا ببنت البراء، ثم رد عليه بصنيع الإمام أحمد في مسنده، حيث ذكر جميع أحاديث أم مبشر تحت ترجمة واحدة، مما يدل على أنه رآهما واحدة، وراجع أسد الغابة (٥ : ٦١٧). قوله: (ولا يزرع زرعاً) قال الحافظ: ((فيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي، وقد ورد في المنع منه حديث غير قوي، أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يقل أحدكم: زرعت، ولكن ليقل: حرثت، ألم تسمع لقول الله تعالى: ﴿ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ نَحْنُ اُلَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ورجاله ثقات، إلا أن مسلم بن أبي مسلم الجرمي قال فيه ابن حبان: ربما أخطأ، وروى عبد بن حميد من طريق أبي عبد الرحمن السلمي بمثله من قوله غير مرفوع)) راجع فتح الباري: أول المزارعة (٥: ٣). ٤٥١ كتاب: المساقاة ٣٩٤٧ - (٩) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ يَقُولُ: (لَاَ يَغْرِسُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ غَرْساً، وَلَ زَرْعاً، فَأْكُلَ مِنْهُ سَبُعٌ أَوْ طَائِرٌ أَوْ شَيْءٌ، إِلَّ كَانَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ)). وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفِ: طَائِرٌ شَيْءٌ . ٣٩٤٨ - (١٠) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَ، عَلَى أُمّ مَعْبَدٍ، حَائِطاً. فَقَالَ: ((يَا أُمَّ مَعْبَدٍ! مَنْ غَرَسَ هُذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟)) فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ. قَالَ: ((فَلاَ يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْساً، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلاَ دَابَّةٌ وَلاَ طَيْرٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). ٣٩٤٩ - (١١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ غِيَاثٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ عَمَّارٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. فَقَالاَ: عَنْ أُمِّ مُبَشِّر. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ : عَنِ امْرَأَةٍ زَيْدِ بْنِ ١٠ - (٠٠٠) - قوله: (على أم معبد) وقد ورد في بعض الروايات ((أم مبشر، أو أم معبد)) على الشك، ووقع الجزم في بعضها على أم مبشر، وفي بعضها على أم معبد، وفي بعضها امرأة زيد بن حارثة، وهي واحدة لها كنيتان، وقيل: اسمها خليدة، كما في فتح الباري، ورد النووي كون اسمها خليدة، والله أعلم. قوله: (من غرس هذا النخل؟) استنبط منه الحافظ في الفتح أن الأجر يحصل لمن تعاطى الغرس أو الزرع، ولو كان بعد ذلك باعه أو نقل ملكه إلى غيره، لأن النبي وَّ كان يعرف أن الحائط مملوك لأم مبشر، ولكنه سأل عن غارس النخل، ولم يبشرها بالثواب، والله أعلم. قوله: (إلى يوم القيامة) هذا يدل على أن أجر الغرس يستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه، ولو مات زارعه أو غارسه، ولو انتقل ملكه إلى غيره. ١١ - (٠٠٠) - قوله: (فقالا: عن أم مبشر) حاصله أن بعض الرواة رووا هذا الحديث عن جابر عن النبي وَّر، وبعضهم رووه عن جابر عن أم مبشر عن النبي ◌َّ، فجعلو الحديث من مسندات أم مبشر، ثم اختلفت الطائفة الثانية، فسماها بعضهم (أم مبشر) وسماها آخرون: ((امرأة زيد بن حارثة)) ولا بعد في أن يكون جابر سمع الحديث بواسطة أم مبشر أولاً، ثم سمعه من النبي وَّل بلا واسطة، وروي الحديث بكلا الطريقين، والله أعلم. ٤٥٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَارِثَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: رُبَّمَا قَالَ: عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهُ. وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ. وَكُلَّهُمْ قَالُوا: عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، بِنَحْوِ حَدِيثِ عَطَاءٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ وَعَمْرِو بْنِ دِینَارٍ . ٣٩٥٠ - (١٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً) عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٍّ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ)) . ٣٩٥١ _ (١٣) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَلِهِ دَخَلَ نَخْلاً لأُمِّ مُبَشٍِّ، امْرَأَةٍ ١٢ - (١٥٥٣) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، وفي المزارعة، باب فضل الزرع والغرس، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في فضل الغرس، وأخرجه أحمد في مسند أنس (٣: ١٤٧ و٢٢٩ و٢٤٣). وقد روي هذا المعنى مرفوعاً عن أبي أيوب، وأبى الدرداء، والسائب بن خلاد، ومعاذ بن أنس، وصحابي لم يسم عند أحمد، وعن أبي أسيد عند يحيى بن آدم أيضاً، وأحاديث هؤلاء مسوقة في عمدة القاري (٥: ٧١٠). قوله: (ما من مسلم) قد رأيت في جميع طرق الحديث أن الفضيلة مقيدة بإسلام الغارس، وعليه يدل سؤاله ظلّل في قصة أم مبشر: ((من غرس هذا النخل، أمسلم أم كافر؟)) وقد عمم بعضهم الفضيلة لكل مؤمن وكافر، وقالوا: إن الكافر يخفف عنه العذاب بسببه، واستدلوا بما ورد في بعض طرقه: ((ما من عبد)) بدل قوله: ((مسلم))، ولكنه محمول على المقيد، بدليل ما ذكرنا، كما أفاده العيني، وأما تخفيف العذاب فيحتاج إلى دليل، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٥: ٢): ((ولا يبعد أن يقع ذلك لمن لم يرزق في الدنيا، وفقد العافية)). ثم قد جزم الحافظ على أن ما أكل من زرع الكافر يثاب عليه في الدنيا، واستدل على ذلك بحديث أنس عند مسلم. فإن كان مراده بحديث أنس حديث الباب، فليس فيه ما يدل على ذلك، وإن كان مراده حديثاً غيره فلم أقف عليه، والله سبحانه أعلم. ١٣ - (٠٠٠) - قوله: (أبان بن يزيد) هو العطار أبو يزيد البصري، هو من رجال مسلم وأبي داود والنسائي، ولم يخرج له البخاري إلا استشهاداً، وثقه ابن معين، وقال: ((كان القطان يروي عنه، وكان أحب إليه من همام، وهمام أحب إليّ)) وذكره ابن عدي في الكامل، ثم قال: ((له روايات، وهو حسن الحديث، متماسك، يكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قتادة وغيره، وعامتها مستقيمة، وأرجو أنه من أهل الصدق» وقد ذكره ابن الجوزي في الضعفاء، ٤٥٣ كتاب: المساقاة مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((مَنْ غَرَسَ هُذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمْ أَمْ كَافِرٌ؟)) قَالُوا: مُسْلِمٌ بِنَخْوِ حَدِيثِهِمْ. (٣) - باب: وضع الجوائح ٣٩٥٢ - (١٤) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ. أَخْبَرِنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((إِنْ بِغَتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً)). ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنِ ابْنٍ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً. بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقِّ؟)). وحكى من طريق الكديمي عن ابن المديني عن القطان، قال: ((أنا لا أروي عنه شيئاً)) ذكر كل ذلك الحافظ في التهذيب (١: ١٠٢). ثم قال: ((والكديمي ليس بمعتمد، وقد أسلفنا قول ابن معين: إن القطان کان یروي عنه، فهو المعتمد)). (٣) - باب: وضع الجوائح الجوائح: جمع جائحة، وهي الآفات التي تصيب الثمار فتهلكها، يقال: جاحهم الدهر، يجوحهم، واجتاحهم: إذا أصابهم مكروه عظيم، والمراد من وضع الجوائح: إسقاطها، يعني: إسقاط البائع ثمن الثمر المبيع الذي أصابته آفة. وسيأتي حكمه. ١٤ - (١٥٥٤) - قوله: (عن جابر بن عبد الله)، هذا الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه أبو داود (رقم: ٣٣٧٤) في الإجارة، باب وضع الجائحة، باب بيع السنين، والنسائي في البيوع، باب وضع الجوائح. قوله: (فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً) استدل به أحمد ومالك رحمهما الله تعالى على وضع الجوائح عن المشتري وعلى أن الجائحة تكون من ضمان البائع، وتفصيل الكلام في هذه المسألة أن الرجل إذا باع ثمراً على رؤوس الشجر، ثم أصابته آفة، فإن ذلك على صور آتية : ١ - الأولى: أن يبيعها قبل بدو صلاحها بشرط التبقية على الأشجار، ثم تصيبها آفة، فالحكم فيها أن الآفة من ضمان البائع بالإجماع، ولا يطالب المشتري بالثمن، لأن هذا النوع من البيع فاسد إجماعاً . الثانية: أن يبيعها قبل بدو الصلاح أو بعده بشرط القطع، ولا يخلى بينها وبين المشتري، ولا يقبضها المشتري، حتى تصيبها آفة فتهلك. فالضمان ههنا أيضاً على البائع بالإجماع. ولو خلّى بينهما وبين المشتري، واشترط القطع، ثم لم يقطع المشتري فهو من ضمان المشتري بالإجماع . ٤٥٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٩٥٣ - (٠٠٠) وحدّثنا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٣ - الثالثة: أن يبيعها قبل بدو الصلاح أو بعده ثم يحين الجذاذ، وتصيبها آفة قبل أن يجذها المشتري. فالآفة ههنا من ضمان المشتري بالإجماع، ولا خلاف أن البائع يطالبه بالثمن. ٤ - الرابعة: أن يبيعها بعد بدو الصلاح لا بشرط القطع، ويخليّ بينها وبين المشتري، ثم تصيبها آفة فتهلك. وهذا موضع خلاف بين الفقهاء، واختلفوا فيه على أقوال: الأول: أنه ضمان المشتري مطلقاً، وهو مذهب أبي حنيفة، والليث بن سعد، والشافعي في الجديد، وأبي جعفر الطبري، وداود، والثوري وجمهور السلف، كما في عمدة القاري (٥ : ٥٥٤)، والفتح (٤: ٣٣٣). الثاني: أن ما تلف من ذلك إلى الثلث فهو من مال المشتري، فإن كان الثلث فصاعداً فهو من مال البائع، وهو مذهب مالك ويحيى بن سعيد الأنصاري وسائر أهل المدينة، كما في الحجة للإمام محمد (٢: ٥٥٦)، والمغني لابن قدامة (٤: ١٠٤). ثم هذا الثلث يعتبر عند ابن القاسم بالكيل، وعند أشهب بالقيمة، وراجع لتفصيله بداية المجتهد (٢: ١٨٦)، وشرح الأبي (٤: ٢٣٢). الثالث: أن القدر التالف بالجائحة كله من ضمان البائع، قل ذلك أو كثر، إلا ما جرت العادة بتلف مثله، كالشيء مثله، كالشيء اليسير الذي ينضبط، وهو قول أحمد بن حنبل وأبي عبيد تَّثُ والشافعي في القديم، كما في المغني لابن قدامة (٤: ١٠٦)، والإنصاف للمرداوي (٥: ٧٤)، والمحلى لابن حزم (٨: ٣٨٤). استدل الإمام أحمد بن حنبل تَّهُ بإطلاق حديث الباب، حيث قال فيه وَله: ((فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً)) ولا فرق فيه بين القليل والكثير، ولا بين الثلث وما دونه . وأما مالك تغلفهُ، فقد استدل بحديث الباب أيضاً، غير أنه استثنى منه الثلث لقلته. وقال ابن رشد في بداية المجتهد (٢: ١٨٧): ((والمالكية يحتجون في مصيرهم إلى التقدير في وضع الجوائح، وإن كان الحديث الوارد فيها مطلقاً، بأن القليل في هذا معلوم من حكم العادة أنه يخالف الكثير، إذ كان معلوماً أن القليل يذهب من كل ثمر، فكأن المشتري دخل على هذا الشرط بالعادة، وإن لم يدخل بالنطق ... وإذا وجب الفرق وجب أن يعتبر فيه الثلث، إذ قد اعتبره الشرع في مواضع كثيرة)) وقد مثل له ابن قدامة في المغني (٤: ١٠٦) بالوصية وعطايا المريض، وبتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى الثلث، ولأن الثلث في حد الكثرة، وما دونه في حد القلة، بدليل قول النبي ◌ّ في الوصية: ((الثلث: والثلث كثير)) فيدل هذا على أنه آخر حد الكثرة، فلهذا قدر به . ٤٥٥ كتاب : المساقاة وأما الحنفية والشافعية فاستدلوا بدلائل آتية: ١ - سيأتي قريباً ما أخرجه مسلم في هذا الباب عن أبي سعيد الخدري رضي ◌ُنه، قال: (أصيب رجل في عهد رسول الله بَل في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله وَ ل و تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله وَّله لغرمائة: خذوا ما وجدتم، ولیس لکم إلا ذلك)). استدل به الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٧٦) على مذهب الحنفية والشافعية قائلاً: ((فلما كان رسول الله ◌ّه لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار، وفيهم باعتها، ولم يرده على الباعة بالثمن إن كانوا قد قبضوا ذلك منه، ثبت أن الجوائح الحادثة في يد المشتري لا تكون واضعة عنه شيئاً من الثمن الذي عليه للبائع)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا الاستدلال إنما يتم لو ثبت أن الرجل المصاب في حديث أبي سعيد رضيبه كان قد أصيب بآفة سماوية أهلكت ثماره، وليس ذلك بمصرح في الحديث، بل يحتمل لفظ الحديث أن يكون قد أصيب بوضيعة في تجارة ثماره بعد ما قطعها، وحينئذ لا یکون الحدیث دالاً على ما نحن فيه. ٢ - أخرج مالك في باب الجائحة في بيع الثمار والزروع عن عمرة بنت عبد الرحمن: ((ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله وَل، فعالجه وقام فيه، حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع له أو أن يقيله. فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله الصلاة، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله (مايو) تألى أن لا يفعل خيراً)). ووجه الاستدلال منه أن وضع الجائحة ولو كان واجباً لأجبره عليه، ولكن النبي وَلّ لم يجبره على ذلك، وإنما لامه على ترك الإحسان، وقد أخرج الشيخان هذه القصة، ولفظهما : ((أين المتألي على الله؟ لا يفعل المعروف)) وسيأتي عند مسلم في الباب الآتي، وأخرجه البخاري في الصلح، وترجم عليه ((باب هل يشير الإمام بالصلح؟)) فلفظ (المعروف) و (الخير) يدل على أن هذا الوضع كان من قبيل الإحسان، لا من قبيل الوجوب، ولذلك ذكره البخاري في الصلح، ومسلم في استحباب وضع الدين، وكلا الشيخين قد أعقب هذا الحديث بقصة كعب وابن أبي حدرد، والأمر بوضع الدين هناك للاستحباب بالإجماع. ٣ - استدل الإمام محمد تغذّفُ في كتابه ((الحجة على أهل المدينة)) (٢: ٥٥٧) بما أخرجه هو بسنده إلى سليمان بن يسار عن سعد بن أبي وقاص: ((أنه باع (١) من عبد الرحمن بن (١) وليتنبه أنه وقع في النسخة المطبوعة بحيدر آباد من كتاب الحجة: (ابتاع) مكان (باع) ولكن ذكر محققها الشيخ مهدي حسن أنه كان في الأصل (باع)، ولكن غيره الشيخ مهدي حسن فجعله (ابتاع)، اعتماداً على = ٤٥٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٩٥٤ - (١٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا عوف ظُّه عنباً له بالعقيق، فجاء بالبينة أنه كان باعه على أنه كان أصابه الجراد، فأذهبه أو أكثره، فاختصما إلى عثمان بن عفان رضيبه، فقضى بالثمن وافياً على عبد الرحمن، برد الثمن إلى سعد، وقال: هو من مال الله، مَنَّ على هذا وابتلاك به)). وبالجملة، فاستدلال مجتهد مثل الإمام محمد بهذا الأثر دليل عى ثبوته عنده، وجعل شيخنا العثماني إسناده حسناً، في إعلاء السنن (١٤ : ٣٤٦). ثم إن مذهب الحنفية والشافعية موافق للأصول الثابتة، لأن المبيع إذا خُلِّيَ بينه وبين المشتري صار في ضمان المشتري، ولا فرق بين الثمار والثياب وغيرها، وعلى قول المالكية والحنابلة توضع جوائح الثمار، ولا توضع آفات غيرها من المبيعات. وأما حديث الباب فهو محمول عند الحنفية والشافعية على ما بيع قبل ظهوره، أو قبل بدو صلاحه باشتراط تركه عى الأشجار، أو لم يقبضه المشتري، بدليل ما سيأتي في حديث أنس: (نهى عن بيع ثمر النخل حتى تزهو)) ثم قال: ((أرأيتك إن منع الله الثمرة، بم تستحل مال أخيك؟)) وهذا عين ما قال في آخر حديث جابر: ((بم تأخذ مال أخيك بغير حق)) فظهر أن سياق حديث جابر في ما لم يبدُ صلاحه، ولم يقبضه المشتري. وأما ما سيأتي من حديث جابر: ((أن النبي ◌َلّ أمر بوضع الجوائح)) فيمكن تأويله على وجوه ثلاثة : الأول: أن يكون الأمر بوضع الجوائح للندب، لا للوجوب، كما رأيت في حديث عمرة بنت عبد الرحمن: ((تألى أن لا يفعل خيراً)). والثاني: أن يكون الأمر للوجوب، ويكون محمولاً على ما قبل قبض المشتري، فإن الجائحة حينئذ تكون من مال البائع بالإجماع، ومما يؤيده أن الشافعي تغُّ أخرجه في الأم (٣: ٥٦) عن سفيان عن حميد بن قيس عن سليمان بن عتيق عن جابر: ((أن النبي ◌َّرُ نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح)) مما يدل على أن السياق في بيع السنين، وفيه لا يتحقق قبض المشتري . ثم قال الشافعي: ((سمعت سفيان يحدث هذا الحديث كثيراً في طول مجالستي له لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته، لا يذكر فيه أمر بوضع الجوائح، لا يزيد على أن النبي وَيه ما وقع في رواية ابن حزم لهذا الأثر في المحلى (٨: ٣٨٦)، ولكن لم يتنبه الشيخ تتّفُ على أن محمداً تَخْذَتْهُ = إنما يذكر هذا الأثر في معرض استدلاله به على عدم وضع الجائحة عن المشتري، فلو كان سعد مشترياً لما صح استدلاله به، فالظاهر أنه كان في رواية محمد: (باع) كما وقع في الأصل، ولا يصح تغيير رواية محمد إلى ما رواه ابن حزم، فلذلك ذكرت الأثر على ما وقع في أصل كتاب الحجة، والله أعلم. ٤٥٧ كتاب: المساقاة إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ. فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ. أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَّ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخيكَ؟ . ٣٩٥٥ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَِّيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ. قَالُوا: وَمَا تُزْهِيَ؟ قَالَ: تَحْمَرُّ. فَقَالَ: إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟. ٣٩٥٦ - (١٦) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((إِنْ لَمْ يُثْمِرْهَا اللَّهُ، فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟)). ٣٩٥٧ - (١٧) حدّثنا بِشْرُ بْنُ الْحَكَم وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلاَءِ (وَاللَّفْظُ لِشْرِ) قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنْ حُمَيْدِ الأَعْرَجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَقِيقٍ، نهى عن بيع السنين، ثم زاد بعد ذلك: ((وأمر بوضع الجوائح)) قال سفيان: وكان حميد يذكر بعد بيع السنين كلاماً قبل وضع الجوائح، لا أحفظه فكنت أكف عن ذكر وضع الجوائح، لأني لا أدري كيف كان الكلام؟ ... قال الشافعي: فقد يجوز أن يكون الكلام الذي لم يحفظه سفيان من حديث حميد يدل على أن أمره بوضعها على مثل أمره بالصلح على النصف، وعلى مثل أمره بالصدقة تطوعاً، حضاً على الخير لا حتماً، وما أشبه ذلك، ويجوز غيره، فلما احتمل الحديث المعنيين معاً، ولم يكن فيه دلالة على أيهما أولى به، لم يجز عندنا أن نحكم، والله أعلم، على الناس بوضع ما وجب لهم بلا خبر عن رسول الله (َ﴿ يثبت بوضعه)) راجع كتاب الأم للشافعي (٣: ٥٧) باب الجائحة في الثمرة، وهو كلام متين جداً. والثالث: ما ذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٧٦) أن مراده وضع الخراج عما أصابته جائحة، ولا علاقة له بمسألة الباب، والمراد أن لا يؤخذ الخراج من أصحاب النخل التي أصابتها آفة، والله سبحانه أعلم. ١٥ - (١٥٥٥) - قوله: (عن أنس) أخرجه البخاري في الزكاة، باب من باع ثماره أو نخله أو زرعه، وفي البيوع، باب إذا باع الثمار قبل بدو صلاحها، وباب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها، وباب إذا باع الثمار قبل بدو صلاحها، ثم أصابته عاهة فهو من البائع، وباب بيع المخاضرة، وأخرجه مالك والنسائي أيضاً، كلاهما في البيوع، في النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها . وقد تقدم معنى هذا الحديث عن ابن عمر وجابر في باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وقد تقدم شرحه وإيضاح معانيه هناك مستوفى . ٤٥٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَنْ جَابٍِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وََّ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ (وَهُوَ صَاحِبُ مُسْلِم): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهذَا . (٤) - باب: استحباب الوضع من الدَّيْنِ ٣٩٥٨ - (١٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ عِيَاضٍِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ فِي ثِمَارٍ ١٧ - (١٥٥٤) - قوله: (أمر بوضع الجوائح) يعني عن المشتري، وتقدم آنفاً أن المراد منه عند الحنفية والشافعية الحث على الخير على الندب، أو المراد وضع الجائحة إذا أصابت الثمار قبل قبض المشتري، أو المراد منه وضع الخراج عن أرض أصابتها جائحة. قوله: (قال أبو إسحاق) أبو إسحاق هذا من تلامذة المصنف كثّفةُ، وقد ذكر روايته لهذا الحديث من غير طريق مسلم، لأنه قد علا إسناده في هذا الطريق، وبلغ به إلى سفيان بواسطة واحدة فقط، وقد كانت له إليه في طريق مسلم واسطتان. [(٤) - باب: استحباب الوضع من الدَّيْن] ١٨ - (١٥٥٦) - قوله: (عن أبي سعيد الخدري) هذا الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه النسائي في البيوع، باب وضع الجوائح، وباب الرجل يبتاع فيفلس، وأبو داود (رقم: ٣٤٦٩) في البيوع، باب وضع الجائحة، والترمذي في الزكاة، باب من تحل له الصدقة، وابن ماجه (رقم: ٢٣٥٦) في الأحكام، باب تفليس المعدم والبيع عليه لغرمائه، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٨٣٦). قوله: (أصيب رجل) قيل: هو معاذ بن جبل، حكاه النووي، وحكاه الأبي عن القاضي عياض، ثم حكى عن القرطبي قال: ((كان غرماؤه يهود، فكلمهم و 18 أن يخففوا عنه، أو ليضعوا، فأبوا، وحكم بينهم النبي وَّر بما ذكره)) ولعلهم يريدون ما أخرجه البيهقي في سننه (٦: ٤٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٦٨:٨، رقم: ٥١٧٧) عن كعب أن النبي وَلّ حجر على معاذ بن جبل ماله، وباعه في دين كان له عليه، وذكر عبد الرزاق فيه قصة طويلة، ولكن ليس فيه ما يدل على أن تلك القصة وقصة حديث الباب واحدة، لأن النبي وَلّ أمر بالتصدق عليه في حديث الباب، وليس ذلك مذكوراً في قصة معاذ، مع أن عبد الرزاق أخرجه بسياق طويل، وأخرجه البيهقي بطرق متعددة، ثم ليس في قصة معاذ أنه أفلس بثمار ابتاعها، فالظاهر أن القصتين متغايرتان، والله أعلم. ٤٥٩ كتاب: المساقاة ابْتَاعَهَا. فَكَثُرَ دَيْنُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ)) فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَبْلُغْ ذُلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِغُرَمَائِهِ: ((خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ. وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّ ذُلِكَ)). ٣٩٥٩ - (٠٠٠) حدّثني يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٣٩٦٠ - (١٩) وحدّثني غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ. حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ (وَهُوَ ابْنُ بِلاَلٍ)، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ قوله: (تصدقوا عليه) فيه فضل مواساة المحتاج ومن عليه دين، والحث على الصدقة عليه . قوله: (خذوا ما وجدتم) منه أخذ الفقهاء حكم التفليس، وأن الغرماء يجوز لهم أخذ ما وجدوا عند مديونهم المفلس، ولكن بواسطة القاضي، ولا يترك عنده إلا ما يحتاج إليه من الثياب وغيرها، قال الشامي: ((ويترك عليه دست من ثيابه، يعني بذلة، وقيل: دستان، لأنه إذا غسل ثيابه لا بد له من ملبس، وقالوا: إذا كان يكتفي بدونها تباع، ويقضي الدين ببعض ثمنها، ويشتري بما تبقى ثوباً يلبسه، وكذا يفعل في المسكن، وعن هذا قالوا: يبيع ما لا يحتاج إليه في الحال، كاللبد في الصيف، والنطع في الشتاء. وينفق عليه وعلى زوجته وأطفاله وأرحامه)) راجع رد المحتار، كتاب الحجر (٥: ١٠٥). قوله: (وليس لكم إلا ذلك) قال الخطابي في معالم السنن (٥: ١٢٠): ((وليس في الحديث أنه أمر أرباب الأموال أن يضعوا عنه شيئاً من أثمان الثمار: ثلثاً، أو أقل منه، أو أكثر، إنما أمر الناس أن يعينوه، ليقضي حقوقهم، فلما أبدع بهم أمرهم بالكف عنه إلى الميسرة، وهذا حكم كل مفلس أحاط به الدين، وليس له مال))، وقال أبو حنيفة تَّهُ: يجوز للغرماء ملازمته، وأخذ فضل كسبه مهما وجدوا، وعند الصاحبين لا يجوز الملازمة بعد التفليس، والتفصيل في الهداية، كتاب الحجر. الوضع من الدين: هو حطه وإسقاطه عن المديون كلاً أو بعضاً. ١٩ - (١٥٥٧) - قوله: (حدثني غير واحد من أصحابنا) أبهم المصنف شيخه، ولعله يريد البخاري وغيره، لأن البخاري أخرج هذا الحديث في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس، وهذا أحد الأحاديث المنقطعة في صحيح مسلم، وهي اثنا عشر حديثاً، بسطها النووي في مقدمة شرحه، وذكر النووي ههنا عن القاضي أن الراوي إذا قال: ((حدثني غير واحد)) أو ((حدثني الثقة)) فليس ذلك من الانقطاع، وإنما هو رواية عن مجهول، وعلى كلٍ، فلا يحتج بهذا المتن لو لم يثبت من طريق آخر، وقد ثبت عند البخاري. قوله: (عن أبي الرجال) بكسر الراء وتخفيف الجيم، وهذا لقبه، وليس بكنية، إنما لقب به لأن ولده كانوا عشرة كلهم رجال، منهم حارثة ابن أبي الرجال، وعبد الرحمن ابن أبي الرجال، ٤٦٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ؛ أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ. عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمَا. وَإِذَا أَحَدُهُمَا ذكره المزي في تهذيب الكمال (خطية ٧: ٦١٥) واسمه محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان، وكان جده حارثة بن النعمان من أهل بدر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهو ثقة اتفاقاً، راجع تهذيب التهذيب (٩: ٢٩٧). قوله: (عَمْرَة بنت عبد الرحمن) بفتح العين، هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، كانت في حجر عائشة ◌َثّا، روت عن عائشة وأختها لأمها أم هشام بنت حارثة بن النعمان، وكان ابن المديني يفخم أمرها، وقال ابن حبان: كانت من أعلم الناس بحديث عائشة، وقال سفيان: أثبت حديث عائشة حديث عمرة، وقال ابن سعد: كانت عالمة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن حزم أن يكتب له أحاديث عمرة، وراجع التهذيب (١٢ : ٤٣٨) . قوله: (سمعت عائشة تقول) أخرجه البخاري، في الصلح، باب هل يشير الإمام بالصلح. وأخرجه مالك في البيوع، باب الجائحة في بيع الثمار والزروع، عن عمرة بنت عبد الرحمن مرسلاً، وفيه: ((ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله وَّر، فعالجه وقام فيه، حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع له، أو أن يقيله، فحلف أن لا أفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله وَّير، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله وَ لقول: تألى ألا يفعل خيراً)). وحديث مالك بظاهره يخالف حديث الباب وحديث البخاري، لأنه وقع في حديث الباب أن النبي وَّر اطلع على خصومتهم بارتفاع أصواتهما، ووقع في حديث مالك أن أم المشتري أخبرته، وحكى الأبي عن القاضي عياض الجمع بينهما: بأن يكون وَّر سمع أصواتهما، ولم يتبين كلامهما، فجاءت أم المشتري، فأخبرته. وقال شيخنا في أوجز المسالك (٥: ٣٩): ((قلت: أو يجمع بالعكس، بأنها جاءت تخبره، فأخبرته، حتى سمع رسول الله وَّر أصواتهم)). وأخرج أحمد هذا الحديث في مسنده (٦: ٦٩ و١٠٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي الرجال عن أبيه عن عمرة، عن عائشة قالت: ((دخلت امرأة على النبي ◌َّ، فقالت: أي بأبي وأمي، إني ابتعت أنا وابني من فلان ثمر ماله، وأحصيناه وحشدناه، لا، والذي أكرمك بما أكرمك به، ما أصبنا منه شيئاً، إلا شيئاً نأكله في بطوننا، أو نطعمه مسكيناً، رجاء البركة، فنقصنا عليه، فجئنا نستوضعه ما نقصناه، فحلف: بالله لا يضع لنا شيئاً، قال: فقال رسول الله وَلّ: تألى لا أضع خيراً، ثلاث مرات، قال: فبلغ ذلك صاحب الثمر، فجاء، فقال: أي بأبي وأمي! إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال ما شئت، فوضع ما نقصوا)) وبمثل هذا اللفظ والطريق أخرجه ابن حبان في صحيحه، وحكاه الحافظ في الفتح (٥: ٢٢٥). قوله: (عالية أصواتهما) ولفظ البخاري: ((عالية أصواتهما)) وكأنه جمع باعتبار من حضر