Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب: البيوع
٣٨٣٤ - (٤٥) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. كِلاَهُمَا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجَ. قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ نَافِعٌ. سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَابِعَانِ بِالْبَيْعِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ
بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ. فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَّا عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ)).
زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلاً فَأَرَادَ أَنْ لاَ يُقِيلَهُ، قَامَ
فَمَشَىْ هُنَّةً، ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ.
٣٨٣٥ - (٤٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرِ (قَالَ
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَاَ بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى
يَتَفَرَّقَا. إِلاَّ بَيْعُ الْخِيَارِ)).
(١١) - باب: الصدق في البيع والبيان
٣٨٣٦ - (٤٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةً. ح
وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ. حَذَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. قَالاَ : حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ، عَنٍ
بالخيار في أن يقبله أو يرده، سواء خيره صريحاً أو لم يخيره، فأول الحديث يبين حكم ما لو لم
يخيره صريحاً، وآخره يبين حكم ما لو خيره صريحاً. ولكن هذا التأويل من العيني بعيد نظراً إلى
لفظ الحديث، وبالخاصة نظراً إلى قوله ظلَّلها: ((وإن تفرقا بعد أن تبايعا)) مما يدل على أن التفرق
المراد هو التفرق بالأبدان لا التفرق بالأقوال الذي هو عين التبايع، والله أعلم.
٤٥ - (٠٠٠) - قوله: (هنيهة) وفي رواية: (هنية) بتشديد الياء وحذف الهاء الثانية، كلاهما
تصغير (هنةٌ) وهو الشيء اليسير، كذا في مجمع البحار، والمراد: (زماناً يسيراً). وفعل ابن عمر
هذا دليل الشافعية في أن المراد في الحديث خيار المجلس، وحمله الحنفية على أنه اجتهاد من
ابن عمر رضيه، وقدمنا أن فهم الصحابي أولى من فهم غيره، وإن لم يكن حجة.
[(١١) - باب: الصدق في البيع والبيان]
٤٧ - (١٥٣٢) - قوله: (عن حكيم بن حزام) أخرجه البخاري في البيوع، باب إذا بين
البيعان ولم يكتما ونصحا، وباب ما يمحق الكذب والكتمان في البيع، وباب البيعان بالخيار ما
لم يتفرقا، وباب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع؟ وباب كم يجوز الخيار، وأخرجه
المصنف أيضاً في باب الصدق في البيع، وأبو داود والترمذي في باب البيعان بالخيار ما لم
يتفرقا، والنسائي في باب ما يجب على التجار.

٣٦٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النَّبِيِّ وَِّ. قَالَ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَالَمْ يَتَفَرَّقَا. فَإِنْ صَدَقَا وَبَيِّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا. وَإِنْ
كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)).
٣٨٣٧ - (٠٠٠) حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ،
عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ، عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ، بِمِثْلِهِ.
قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: وُلِدَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ. وَعَاشَ مِائَةٌ
وَعِشْرِينَ سَنَّةً.
(١٢) - باب: من يخدع في البيع
٣٨٣٨ - (٤٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَالَ
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَهُ
قوله: (فإن صدقا وبينا) أي: صدق البائع في إخبار المشتري صفة المبين، وبين العيب إن
كان في السلعة، وصدق المشتري في قدر الثمن مثلاً، وبين العيب إن كان في الثمن. ويحتمل
أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد، وذكر أحدهما تأكيداً للآخر، كذا في الفتح.
(٠٠٠) - قوله: (ولد حكيم بن حزام) هو ابن أخي خديجة زوج النبي ◌ّر، ولد قبل الفيل
بثلاث عشرة سنة، وولادته في جوف الكعبة حكاها الزبير بن بكار، وكان صديق النبي وَّ قبل
المبعث، وكان يوده ويحبه بعد البعثة، ولكنه تأخر إسلامه حتى أسلم عام الفتح، وكانت دار
الندوة بيده، فباعها بعد من معاوية ربه ومات ما بين خمسين وستين، ويقال: إنه عاش مائة
وعشرين سنة شطرها في الجاهلية وشطرها في الإسلام، هذا ملخص ما في الإصابة.
(١٢) - باب من يخدع في البيع
٤٨ - (١٥٣٣) - قوله: (سمع ابن عمر) أخرجه البخاري في البيوع، باب ما يكره من
الخداع في البيع، وفي الاستفراض، باب ما ينهي عن إضاعة المال، وفي الخصومات، باب من
رد أمر السفيه، وفي الحيل، باب ما ينهى من الخداع في البيوع، وأخرجه أبو داود في الإجارة،
باب في الرجل يقول عند البيع: لا خلابة، والترمذي والنسائي في البيوع، باب الخديعة في
البيع، ومالك في البيوع، باب جامع البيوع، وابن ماجه في الأحكام، باب الحجر على من يفسد
ماله، وأحمد في مسند ابن عمر (٢: ٨٠ و١٢٩ و١٣٠)، والقصة مروية عن أنس بن مالك
أيضاً عند الترمذي وأبي داود والنسائي.
قوله: (ذكر رجل) صرح في رواية أحمد (٢: ١٢٩) عن ابن إسحاق أنه كان من الأنصار،

٣٦٣
كتاب: البيوع
أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُوعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لاَ خِلاَبَةَ)).
فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لاَ خِيَابَةً .
وروى ابن الجارود في المنتقى (ص: ١٩٧، رقم: ٥٦٧) والبيهقي في سننه (٥: ٢٧٣) أن اسمه
حبان بن منقذ، وأخرج ابن ماجه والبيهقي من طريق ابن إسحاق ما يدل على أن اسمه منقذ بن
عمرو، وإليه مال البخاري في التاريخ الكبير، وبه جزم عبد الحق. وتردد في ذلك الخطيب في
المبهمات، وابن الجوزي في التلقيح كذا في التلخيص الحبير، والله أعلم.
قوله: (أنه يخدع في البيوع) وورد في رواية ابن إسحاق عند ابن الجارود والبيهقي أنه كان
قد سفع في رأسه مأمومة، وكان قد ثقل لسانه، وفي رواية أخرى عنه عند البيهقي: فكسرت
لسانه ونقصت عقله، وكان يغبن في البيوع.
قوله: (لا خِلَابَة) بكسر الخاء وخفة اللام، الخديعة كما في مجمع البحار، ومنه يقال:
خلبت المرأة قلب الرجل إذا خدعته بألطف وجه، قاله ابن الأثير في جامع الأصول (١ : ٤٩٤)،
ومنه برق خالب: لا مطر فيه قاله الحافظ في التلخيص (٣: ٢١)، وقال الحافظ في باب ما يكره
من الخداع في البيع (٤: ٢٨٣): ((لقنه النبي ◌َّيّ هذا القول، ليتلفظ به عند البيع، فيطلع به
- صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة، فيرى له كما يرى لنفسه،
لما تقرر من حض المتبايعين على أداء النصيحة، كما تقدم في قوله {وَّر في حديث حكيم بن
حزام: ((فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعهما الحديث)).
وعليه فقوله: ((لا خلابة)) خبره محذوف، أي: لا خديعة في الدين، فإنه نصيحة وهو
تحريض للعامل على حفظ الأمانة والتحرز نصحاً له لعدم حداقته، وكانوا في ذلك الزمان أحقاء
له، قاله الطيبي.
وقال الفتني في مجمع البحار (١: ٣٦٣): ((لا خلابة ... أي: لا يلزمني خديعتك أو
بشرط أن لا يكون فيه خديعة)) وعليه فقوله هذا شرط للخيار في البيع، بأن البيع لا يلزمه أن كان
فيه غبن .
ثم لعل النبي ◌ّله إنما اختار له لفظ ((الخلابة)) دون لفظ ((الخديعة)) أو غيره، نظراً إلى ثقل
في لسانه، وكأن هذا اللفظ كان أوفق بلسانه، وأسهل عليه. نبه عليه شيخنا العثماني في إعلاء
السنن (١٤ : ٣٥) والله أعلم.
قوله: (لا خيابة) الخيابة لا يأتي بمعنى الخلابة والخديعة، ولكن الرجل - مصر - كان
ألثغ، فيبدل اللام ياء ويريد الخلابة. وقال الفتني في مجمع البحار: ((وروي بنون - يعني خيانة .
وروي خذابة بال معجمة، وكان الرجل ألثغ يقولها بهذه العبارات)).

٣٦٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٨٣٩ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَبِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح
مبحث في خيار المغبون:
ثم قد استدل الحنابلة وبعض المالكية بهذا الحديث على مشروعية خيار المسترسل
المغبون، والمسترسل عندهم من لا معرفة له بقيمة السلعة ولا يحسن المبايعة، وفسره أحمد
بالذي لا يماكس، فكأنه استرسل إلى البائع، فأخذ ما أعطاه من غير مماكسة ولا معرفة بغبنه،
فمثل هذا المسترسل إذا غبن غبناً يخرج عن العادة فله الخيار بين الفسخ والإمضاء عند الإمام
أحمد تغذَفُهُ، ولا تحديد للغبن المثبت للخيار في المنصوص عن أحمد، وحده أبو بكر وابن أبي
موسى من الحنابلة بثلث القيمة، وهو قول البغداديين من الماليكة، فإذا غبن المسترسل بثلث
القيمة بأن اشترى سلعة باثنتي عشرة روبية مثلاً وكانت قيمتها المثلية ثمانية، فله الخيار وهذا إذا
كان الرجل مسترسلاً، وأما غير المسترسل فليس له الخيار، لأنه دخل على بصيرة بالغبن، فهو
كالعالم بالعيب وكذا لو استعجل، فجهل ما لو تثبت لعلمه لم يكن له خيار، لأنه انبنى على
تقصيره وتفريطه، هذا ملخص ما في المعني لابن قدامة (٣: ٥٨٤)، وشرح مسلم للأبي (٤:
١٩٨ و١٩٩).
وأما الحنفية والشافعية وأكثر المالكية فلا خيار عندهم للمغبون سواء كان مسترسلاً أو
غيره، لأن العقد وقع على ثمن مخصوص بالتراضي وكل من المتعاقدين عاقل، فصار تجارة عن
تراض منهما، فلا خيار لأحدهما بعد ذلك. وأما حديث الباب فقد ذكروا في الجواب عنه
و جھین؛
الأول: أن حكم حديث الباب كان مخصوصاً بحبان بن منقذ ته، ودليل الخصوصية ما
أخرجه الحاكم في المستدرك (٢: ٢٢) عن حبان بن منقذ أنه قال: ((إن رسول الله وَل خيرني في
بيعي))، وما أخرجه البيهقي في سننه (٥: ٢٧٣) من طريق ابن إسحاق أنه: ((بقي حتى أدرك زمان
عثمان رُّه، وهو ابن مائة وثلاثين سنة، وكثر الناس في زمان عثمان، فكان إذا اشترى شيئاً
فرجع به، فقالوا له: لم تشتري أنت؟ فيقول: قد جعلني رسول الله وَ لاه فيما ابتعت بالخيار ثلاثاً،
فيقولون: اردده، فإنك قد غبنت، أو قال: غششت، فيرجع إلى بَيِّعِه فيقول: خذ سلعتك، ورد
دراهمي، فيقول: لا أفعل، قد رضيت، فذهبت به، حتى يمر به الرجل من أصحاب رسول
الله ◌َّة، فيقول: إن رسول الله ◌َ* قد جعله بالخيار فيا يبتاع ثلاثاً، فيرد عليه دراهمه ويأخذ
سلعته)) فكان الصحابة يعللون خياره بأن النبي ◌ّ جعل له الخيار، ولم يكونوا يعللونه بإثبات
خيار المغبون، وهذا دليل الخصوصية.
والثاني: أن الخيار الذي جعل له النبي ول# هو خيار الشرط، دون خيار المغبون وهو
الراجح عندي، وتدل على ذلك دلائل تالية :
١ - أخرج ابن ماجه في باب الحجر من الأحكام قصة الباب عن محمد بن يحيى بن

٣٦٥
کتاب: البيوع
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
حبان، وفيه قول النبي وَّر: ((إذا أنت بايعت فقل: لا خلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها
بالخيار ثلاث ليال)) وبمثله أخرج الحميدي في مسنده (٢: ٢٩٢ و٢٩٣، حديث: ٦٦٢)،
والبخاري تكثّفُ في التاريخ الكبير (٨: ١٧ و١٨، رقم: ١٩٩٠) ترجمه منقذ بن عمرو،
والدارقطني في سننه (٣: ٥٦)، وابن أبي شيبة في باب الرد على أبي حنيفة من مصنفه، كما
حكى عنه الزيلعي في نصب الراية (٤: ٧).
ووجه دلالته على كون الخيار خيار الشرط أن خيار المغبون لا يتقيد بثلاثة أيام عند من
يقول به، فتبين أنه لم يكن خيار المغبون، وإلا لما قيده النبي وَّر بمدة.
٢ - إن قوله عليه الصلاة والسلام: ((من بايعت فقل: لا خلابة)) يدل على أنه لم يكن خيار
المغبون، لأنه لو كان مشروعاً لم تكن هناك حاجة إلى قوله ((خلابة)) فإن خيار المغبون لا يشترط
له هذا القول عند الحنابلة والمالكية القائلين به، فيثبت عندهم الخيار ولو لم يقل المسترسل
شيئاً. فلما أمر و ﴿ حبان بن منقذ بهذا القول ثبت أنه أمره بشرط الخيار، وهو عين خيار
الشرط .
هذا، وقد أفتى المتأخرون من الحنفية بإثبات الخيار لمن غبن فاحشاً بتغرير البائع، مثل أن
يقول المشتري (قيمته كذا) فاشتراه، فظهر أقل، فله الرد، فأما إذا لم يغره البائع فلا خيار له،
وبه أفتى الصدر الشهيد تغلفهُ، وكذلك يثبت الخيار للبائع المغرور وراجع له الأشباه والنظائر
وشرحه للحموي (١ : ١٠١) تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير.
مبحث في خيار الشرط:
ثم إن حديث الباب يثبت منه خيار الشرط، ومشروعيته كلمة إجماع بين الفقهاء، قال ابن
قدامة في المغني (٣: ٥٧٩): ((ولا خلاف بين أهل العلم في ثبوت الرد بهذين الأمرين (يعني
بالعيب أو بشرط الخيار)) غير أن ابن رشد قد حكى في بداية المجتهد (٢: ٢٠٧) عن الثوري
وابن شبرمة وبعض أهل الظاهر أنهم لا يقولون بخيار الشرط، كأنهم رأوا شرط الخيار شرطاً
مفسداً للبيع، ولم تبلغهم أحاديث الخيار.
ثم اختلف الجمهور في مدة الخيار، والمذاهب المعروفة فيها ثلاثة:
الأول: أنه يتقيد بثلاثة أيام، فلا يجوز الخيار إلى ما فوقها، وهو مذهب أبي حنيفة
والشافعي وزفر، كما في الهداية.
والثاني: أنه لا يتقيد بمدة، ويجوز ما اتفقا عليه من المدة، قلت أو كثرت، وهو مذهب
أحمد وابن المنذر، وأبي يوسف ومحمد من علمائنا، وحكي ذلك عن الحسن بن صالح

٣٦٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
دِينَارٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لاَ خِيَابَةً .
والعنبري وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور رحمهم الله تعالى، كما في المغنى لابن قدامة (٣:
٥٨٥).
والثالث: مذهب مالك تغذّثُهُ، وهو أن مدة الخيار تختلف باختلاف المبيعات، فهي في
الدار والعقار ستة وثلاثون يوماً، وفي الرقيق عشرة، وفي العروض خمسة أيام، وفي الدواب
يومان كذا في شرح الدردير وحاشيته للصاوي (٣: ١٣٥ إلى ١٣٧) ويسمى عندهم خيار التروي.
فأما مالك رحمه الله تعالى فاستدل بأن الخيار إنما شرع للتروي، وهو يتفاوت بتفاوت
المبيعات، فلا سبيل إلى ضرب مدة واحدة لجميعها. وأما أهل المذهب الثاني، وفيهم أحمد
وأبو يوسف ومحمد، فاستدلوا بأنه حتى يعتمد الشرط، فرجع تقديره إلى مشترطه كالأجل، ولأن
المدة ملحقة بالعقد، فكانت إلى تقدير المتعاقدين.
وأما الحنفية والشافعية فاستدلوا بأحاديث تالية :
١ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (١) عن أنس ظ له أن رجلاً اشترى من رجل بعيراً واشترط
الخيار أربعة أيام، فأبطل رسول الله وَل* البيع، وقال: الخيار ثلاثة أيام. ذكره الحافظ في
التلخيص (٣: ٢١ و٢٢ رقم: ١١٨٧) وسكت عليه، وسكوته دليل صحة الاستدلال به، وذكره
الزيلعي في نصب الراية (٤: ٨) ثم قال: ((وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة عبد الرزاق،
وأعله بأبان ابن أبي عياش، وقال: إنه لا يحتج بحديثه مع أنه كان رجلاً صالحاً)) قلت: وكذلك
أعله الحافظ به في الدراية، مع أنه سكت عنه في التلخيص، وأبان هذا اتفق الجميع على ترك
حديثه، وقال فيه ابن حبان: ((كان من العباد، سمع من أنس أحاديث وجالس الحسن، فكان
يسمع من كلامه، فإذا حدث به جعل كلام الحسن عن أنس مرفوعاً، وهو لا يعلم، ولعله حدث
عن أنس بأكثر من ألف وخمسمائة حديث ما لكثير شيء منها أصل)) كما في تهذيب التهذيب (١ :
٩٩)، فالحديث مما لا يحتج بمثله مستقلاً، وإن كان مؤيداً لغيره من الدلائل.
٢ - أخرج الدارقطني في سننه (٣: ٥٦، بيوع: ٢٢١) عن ابن عمر عن النبي ◌َّ قال:
الخيار ثلاثة أيام. وفي إسناده أحمد بن عبد الله بن ميسرة وقال الزيلعي بعد حكاية هذا
الحديث: ((أحمد بن عبد الله بن ميسرة إن كان هو الحراني الغنوي، فهو متروك، والله أعلم.
واستدل ابن الجوزي في التحقيق في اشتراط الثلاث بحديث ابن عمر هذا ... وأجاب عن
حديث ابن عمر بأن فيه أحمد بن عبد الله بن ميسرة، وقد ضعفه الدارقطني، وقال ابن حبان: لا
يحل الاحتجاج به)) قلت: قال فيه ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير ويسرق حديث الناس،
(١) لم أجده في مظانه من النسخة المطبوعة لمصنف عبد الرزاق، ولكن نقل الحافظ والزيلعي مما لا يشك في
صحته .

٣٦٧
كتاب: البيوع
(١٣) - باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع
٣٨٤٠ - (٤٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُو صَلاَحُهَا. نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُنْتَاعَ.
وقال الدارقطني: كان يحدث من حفظه فيتهم، وليس ممن يتعمد الكذب، وقال ابن نمير: أهل
بلده يسيئون الثناء عليه، كذا في لسان الميزان (١: ١٩٥) فهذا الحديث لا يحتج به بانفراده
أيضاً .
٣ - أخرج الدارقطني في سننه (٣: ٥٤) عن طلحة بن يزيد بن ركانة، أنه كلم عمر بن
الخطاب في البيوع، قال: ((ما أجد لكم شيئاً أوسع مما جعل رسول الله و له لحبان بن منقذ، إنه
كان ضرير البصر، فجعل له رسول الله وَر عهدة ثلاثة أيام، إن رضي أخذ وإن سخط ترك)) وفي
رواية أخرى عند الدارقطني (٣: ٥٧) أيضاً عن حبان بن واسع عن أبيه عن جده، قال: قال
عمر: لما استخلف: ((أيها الناس إني نظرت فلم أجد لكم في بيوعكم شيئاً أمثل من العهدة التي
جعلها رسول الله ◌َ ﴿ لحبان بن منقذ ثلاثة أيام، وذلك في الرقيق)) وفي إسناده كلتا الروايتين ابن
لهيعة، وفيه كلام معروف، فأما الذين يجيزون الاستدلال بروايته فلا إشكال عندهم، وأما الذين
يردون روايته فقد شهدت له الروايات التي حكيناها في مسألة خيار المغبون عن ابن ماجه
والحميدي والتاريخ الكبير للبخاري، فإنها صريحة في أن النبي ◌َّر خيره لثلاثة أيام، فلو كان
الخيار جائزاً لما فوقها لما حرم منه حبان بن منقذ نظراً إلى ضعف عقله ووفور الدواعي في
التوسیع له.
ومن جهة أخرى، فإن خيار الشرط إنما شرع مخالفاً للقياس، فإن شرط الخيار شرط ينافي
مقتضى العقد، وإنما ثبتت مشروعيته بحديث حبان بن منقذ، وبحديث ابن عمر في خيار
المتبايعين: ((إلا أن يكون بيع خيار)) فيقتصر على مورد الشرع، ولم يثبت في شيء من الأحاديث
الخيار إلى ما فوق ثلاثة أيام، فالأحوط الاقتصار عليها، والله سبحانه أعلم.
(١٣) - باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ... إلخ
٤٩ - (١٥٣٤) - قوله: (عن ابن عمر) أخرجه البخاري في البيوع، باب من باع ثماره أو
نخله، وباب بيع المزابنة، إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وفي السلم، باب السلم في
النخل، وأخرجه أبو داود والترمذي ومالك في مثل هذا الباب، والنسائي فيه وفي باب بيع
السنبل حتى يبيض، وأحمد في مسنده (٢: ٣٠٧ و٣١٢ و٣٨٦ و٣٩٢).
قوله: (نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها) الكلام في شرح هذا الحديث منشعب إلى
ثلاثة مباحث، فلنوردها لك منضبطة مشروحة، والله تعالى الموفق.

٣٦٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٨٤١ - (٠٠٠) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، بِمِثْلِهِ .
١ - تفسير بدو الصلاح:
البدو (بفتح الباء وسكون الدال وتخفيف الواو) والبدو (بضم الباء والدال وتشديد الواو)
كلاهما مصدر بمعنى الظهور، كما في تاج العروس، وصلاح الشيء ضد فساده، واختلف
العلماء في تفسير بدو صلاح الثمرة، فبدو الصلاح عند الحنفية أن تأمن الثمرة العاهة والفساد،
كما صرح به ابن الهمام في فتح القدير مع الكفاية (٥: ٤٨٩).
وأما الشافعية ففسروه بظهور مبادىء النضج والحلاوة، فقال الرملي المعروف بالشافعي
الصغير في نهاية المحتاج: ((وبدو صلاح الثمر ظهور مبادىء النضج والحلاوة، بأن يتموه ويلين،
كما في المحرر وغيره)) وقال الشبراملسي في حاشيته: ((قسمه الماوردي ثمانية أقسام: أحدها:
اللون، كصفرة المشمش، وحمرة العناب، وسواد الإجاص وبياض التفاح ونحو ذلك. ثانيها :
الطعم، كحلاوة قصب السكر، وحموضة الرمان إذا زالت المرارة. ثالثها: النضج في التين
والبطيخ ونحوهما، وذلك بأن تلين صلابته، رابعها: بالقوة والاشتداد، كالقمح والشعير،
خامسها: بالطول والامتلاء، كالعلف والبقول. سادسها: بالكبر كالقثاء. سابعها: بانشقاق
كمامه كالقطن والجوز. ثامنها: بانفتاحه كالورد وورق التوت)) راجع نهاية المحتاج مع حاشية
الشبراملسي والرشيدي (٤: ١٤٨) باب بيع الأصول والثمار.
ودليل الشافعية قوله في حديث يحيى بن سعيد الآتي: ((قال: يبدو صلاحه: حمرته
وصفرته)) وقوله ظلّل في حديث جابر الآتي عند المصنف: ((نهانا رسول الله وَّر عن بيع الثمر
حتى يطيب))، وقوله تظلّل في حديث ابن عباس: ((نهى رسول الله ◌َّر عن بيع النخل حتى يأكل
منه أو يؤكل)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الذي يظهر من النظر في مجموع الأحاديث أن المراد من
بدو صلاح الثمرة هو أمنها من الآفات، لما سيأتي في حديث ابن عمر: ((وعن السنبل حتى
يبيض ويأمن العاهة)) وفي رواية يحيى بن سعيد ((حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة))، وفي
حديث شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: ((فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب
عاهته)) وقد أخرج البخاري في الزكاة (باب من باع ثماره أو أرضه وقد وجب فيه العشر) من
طريق ابن دينار عن ابن عمر رضيه وفيه: ((نهى النبي ◌َّر عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وكان
إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهته)) وقد أخرج مالك في البيوع عن عمرة مرسلاً،
والطحاوي عن عمرة، عن عائشة موصولاً: ((أن رسول الله وَلل نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من
العاهة)) وأخرج أحمد في مسنده (رقم: ٥٠١٢)، والطحاوي في معاني الآثار (٢: ١٧٠) من

٣٦٩
كتاب: البيوع
طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة: ((سألت ابن عمر عن بيع الثمار، فقال: نهى رسول الله العقل
عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة، قلت: ومتى ذلك؟ قال حتى تطلع الثريا)) وإسناده هوي
وصححه العلامة أحمد شاكر. وطلوع الثريا كناية عن أمن الثمار من العاهة، لما أخرج الإمام
محمد في كتاب الآثار (ص: ١٥٩) عن الإمام أبي حنيفة عن عطاء ابن أبي رباح عن أبي هريرة
مرفوعاً: ((إذا طلع النجم ذا صباح رفعت العاهة عن كل بلد)) وذكر الزبيدي في عقود الجواهر
المنيفة (١: ٢١٢) بلفظ: ((لا تباع الثمار حتى تطلع الثريا)) وأورده الحافظ في الفتح (٤: ٣٣٠)
من رواية أبي داود بلفظ: ((إذا طلع النجم صباحاً، رفعت العاهة عن كل بلد)) ثم قال: وفي رواية
أبي حنيفة عن عطاء ((رفعت العاهة عن الثمار)). والنجم هو الثريا، وطلوعها صباحاً يقع في أول
فصل الصيف في عاشر شهر أيار من الشهور السريانية، كما حققه الطحاوي في مشكل الآثار ٣:
٩٢ ثم يدل على هذا المعنى أيضاً ما أخرجه البخاري ومسلم في المساقاة ومالك والنسائي من
حديث أنس في النهي عن بيع ثمار حتى يبدو صلاحها، وفيه: ((أرأيت إن منع الله الثمرة بم
تستحل مال أخيك؟)) فإنه يدل على أن العلة في هذا النهي هو كون الثمرة بمثابة الهلاك، وهذه
العلة تزول بأمنها من العاهة. ويدل على ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري وأبو داود عن زيد بن
ثابت، قال: ((كان الناس في عهد رسول الله له يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر
تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون
بها، فقال رسول الله وَلقر لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: ((إما لا، فلا تبايعوا حتى يبدو
صلاح الثمر)) .
فهذه الأحاديث بأجمعها تدل على أن المراد من بدو الصلاح هو أمن الثمرة من العاهة،
غير أن هذا الأمن يتفاوت بتفاوت الثمار، فلا يحصل الأمن في بعضها إلا بالنضج والحلاوة،
أو بحمرتها أو بصفرتها، فقد وقع التفسير بذلك في بعض الأحاديث نظراً إلى تلك الثمار
بخصوصها، وإلا فالعلة هي الأمن من العاهة، والله سبحانه أعلم.
ومن هنا قال العيني كثّفُهُ: ((إن بدو الصلاح متفاوت بتفاوت الأثمار، فبدو صلاح التين أن
يطيب وتوجد فيه الحلاوة ويظهر السواد في أسوده والبياض في أبيضه، وكذلك العنب الأسود
بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد، وأن ينحو أبيضه إلى البياض مع النضج، وكذلك الزيتون بدو
صلاحه أن ينحو إلى السواد، وبدو صلاح القثاء والفقوص أن ينعقد ويبلغ مبلغاً يوجد له طعم،
وأما البطيخ فأن ينحو ناحية الاصفرار والطيب، وأما الموز فروى أشهب ونافع عن مالك أنه يباع
إذا بلغ في شجره قبل أن يطيب، فإنه لا يطيب، حتى ينزع، وأما الجزر واللفت والفجل والثوم
والبصل فبدو صلاحه إذا استقل ورقه وتم وانتفع به ولم يكن في قلعه فساد، والبر والفول
والجلبان والحمص والعدس إذا يبس، والياسمين وسائر الأنوار أن يفتح أكمامه ويظهر نوره،

٣٧٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والقصيل والقصب والقرط إذا بلغ أنه يرعى دون فساد)) كذا في عمدة القاري، باب بيع المزابنة
(٥ : ٥٣٩).
٢ - حكم البيع قبل بدو الصلاح:
ثم إن بيع الثمار قبل ظهورها باطل إجماعاً، ولا خلاف فيه، لكونه بيع المعدوم، وأما
بيعها بعد الظهور قبل بدو صلاحها فله صور ثلاثة :
الأولى: أن يشترط البائع على المشتري أن يقطعها فوراً ولا يتركها على الأشجار. وهذه
الصورة جائزة بإجماع الإئمة الأربعة وجمهور فقهاء الأمصار، إلا ما حكاه الحافظ في الفتح
(٤: ٣٢٩) عن ابن أبي ليلى والثوري، أنهما يقولان ببطلان هذه الصورة أيضاً، وقال ابن قدامة
في المغني (٤: ٨١): ((أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإجماع، لأن المنع إنما كان
خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها، بدليل ما روى أنس: أن النبي وَّ نهى
عن بيع الثمار حتى تزهو، قال: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) رواه
البخاري، وهذا مأمون فیما یقطع، فیصح بيعه كما لو بدا صلاحه.
والصورة الثانية: أن يشترط المشتري ترك الثمار على الأشجار حتى يحين الجذاذ. وهذه
الصورة باطلة بالإجماع، ولا يصح البيع فيها عند أحد، إلا ما حكاه الحافظ في الفتح عن
يزيد بن أبي حبيب، أنه يقول بجواز هذه الصورة أيضاً، وأما سائر أهل العلم، ومنهم الحنفية،
فيقولون بعدم جوازه لحديث الباب، ولكونه بيعاً وشرطاً. ويظهر من كلام ابن تيمية أيضاً في
فتاواه (٣: ٤٢٧ إلى ٤٣٠) أنه مائل إلى جواز هذه الصورة أيضاً للضرورة، ويحمل الحديث
على المشورة لا على التحريم.
والصورة الثالثة: أن يقع البيع مطلقاً، ولا يشترط فيه قطع ولا ترك، فهذه الصورة محل
خلاف بين الأئمة، فقال مالك والشافعي وأحمد: البيع فيها باطل كما في الصورة الثانية، وقال
أبو حنيفة تَّفُ: البيع فيها جائز كالصورة الأولى، ويجوز للبائع أن يجبر المشتري على قطع
الثمار في الحال، وإلى هذا المذهب يظهر جنوح البخاري، كما أشار إليه الحافظ في باب إذا
باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع (٤: ٣٣٢)، وهو مذهب الزهري
كما حكى عنه البخاري في هذا الباب.
استدل الأئمة الثلاثة بعموم حديث الباب، فإنه ينهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها
مطلقاً، ويدخل فيه محل النزاع أيضاً، غير أنهم استثنوا الصورة الأولى من النهي، وهي البيع
بشرط القطع. فإن البيع بعد القطع لا يبقي محلاً للنزاع، لأنه حينئذ بيع للثمرة المقطوعة، فخرج

٣٧١
كتاب: البيوع
مما نحن فيه، وهو بيع الثمر المعلق، فهو مستثنى عندهم عقلاً، ولا وجه لاستثناء باقي الصور،
فتبقى محظورة.
ولنا: أن صورة الإطلاق وهي الصورة الثالثة داخلة في الصورة الأولى في الحقيقة، لأنه
إطلاق في اللفظ، فإن أمره البائع وجب عليه القطع في الحال، فكأنه قد شرط فيه القطع، وأما
إذا لم يأمره بالقطع فلا يجب على المشتري أن يقطع الثمار، لا لأن القطع ليس بمقتضى البيع،
بل لأن البائع قد تساهل في أمره، فصار كأنه باع بشرط القطع، ثم تساهل ولم يأمره بالقطع،
فلا فرق بين الصورة الأولى والثالثة في المآل.
واستدل الطحاوي تقذفُ على جواز الصورة الثالثة (وهي البيع قبل بدو الصلاح من غير
اشتراط قطع ولا ترك) بما أخرجه البخاري في البيوع، باب من باع نخلاً قد أبرت عن ابن عمر
أن رسول الله وَلّ قال: ((من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع)) ووجه
الاستدلال منه أن التأبير يكون قبل بدو الصلاح، وقد أجاز النبي وَّلر بيع ثمر النخل بعد التأبير
متصلاً، فكان إجازة للبيع قبل بدو الصلاح. فإن قيل: هذا البيع ليس مستقلاً وإنما هو تبع
للنخل، فغاية ما فيه أن يجوز بيع الثمر قبل بدو صلاحه تابعاً للنخل، ولا يلزم منه جواز بيعه
منفرداً، قلنا: قد تقرر في الفقه أن ما لا يدخل في بيع الشيء إلا بالاشتراط يجوز بيعه منفرداً
عنه، كولد الشاة لا يدخل في بيع الشاة إلا بالاشتراط فيجوز بيع الولد منفرداً أيضاً، بخلاف
الحمل، وقد صرح النبي ◌َّير في الحديث بأن الثمر لا يدخل في بيع الشجر إلا بالاشتراط، فجاز
بيعه منفرداً كما جاز تبعاً للنخل، فالحديث دال على جواز بيع الثمر قبل بدو صلاحه، سواء كان
تابعاً للنخل أو منفرداً عنه.
واستدل ابن الهمام في فتح القدير (٥: ١٠٤) على مذهب الحنفية أيضاً بما أخرجه مالك
في بيوع الموطأ (الجانحة في بيع الثمار والزرع) عن عمرة بنت عبد الرحمن: ((ابتاع رجل ثمر
حائط في زمان رسول الله للق، فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن
يضع له أو أن يقيله، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله بَلّر، فذكرت ذلك
له، فقال رسول الله وَلجر: تألى أن لا يفعل خيراً، فسمع بذلك رب الحائط، فأتى رسول الله وَل ،
فقال: يا رسول الله هو له)) وأصل هذا الحديث أخرجه أيضاً البخاري في كتاب الصلح، باب
هل يشير الإمام بالصلح؟ ومسلم في كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين، ووجه
الاستدلال بهذا الحديث أن قولها ((فعالجه وقام فيه)) يدل على أن بيع الثمار كان قبل بدو
صلاحها، وكان المشتري يطالب البائع بالوضع من الثمن أو الإقالة، مما يدل على نفاذ البيع من
قبل، وقد أقرَّه النبي ◌ِّر على ذلك، فلولا أن البيع كان صحيحاً لما حثه النبي وَّر على الإقالة
والصلح، بل نقض بيعه قضاء، وقد أطبق شراح هذا الحديث أن النبي ◌ّ لم ينقض هذا البيع

٣٧٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قضاء، وإنما حث البائع على الصلح والإقالة، ولذلك أخرجه البخاري في كتاب الصلح، فلو
كان بيع الثمار قبل بدو صلاحها فاسداً مطلقاً، لم تكن هناك حاجة إلى الصلح بل وجب نقضه
قضاء .
وأما حديث الباب فقد أجاب عنه الحنفية بوجوه:
١ - أما الشيخ ابن الهمام تَّتُ فقد أجاب عن استدلالهم بحديث الباب بأن النهي فيه
محمول على بيع الثمار بشرط تركها على الأشجار، ونحن نعمل به، كما مر في الصورة الثانية،
وأما عموم ألفاظ الحديث فهم لا يعملون به أيضاً، فإنهم يقولون بجواز بيع الثمار قبل بدو
صلاحها بشرط قطعها من الأشجار، كما مر في الصور الأولى، مع أنه داخل في عموم
الحديث، إلا أنهم خصوا الحديث بما لم يشترط فيه القطع، ونحن خصصناه بما اشترط فيه ترك
الثمار على الأشجار، فلا أحد قائل بالعموم، وقد دلت على ترجيح ما قلنا الدلائل العقلية
والنقلية التي مر ذكرها .
ومما يدل على رجحان قول الحنفية أن النبي وَلّ قد علل هذا النهي في حديث أنس بقوله:
((أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه)) فتبين أن العلة ما في البيع من غرر، ولا
يكون الغرر إلا فيما شرط تركه على الأشجار.
وبعبارة ابن الهمام: ((إن قوله سير: أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟
يستلزم أن معناه النهي من بيعها مدركةً قبل الإدراك، ومزهية قبل الزهو (يعني أن يباع الثمر قبل
إدراكه بشرط أن يكون مدركاً) وقد فسر أنس ظبه زهوها بأن تحمر أو تصفر، وفسرها ابن عمر
بأن تأمن من العاهة، فكان النهي عن بيعها محمرة قبل الاحمرار ومصفرة قبل الاصفرار أو آمنة
من العاهة قبل أن يؤمن عليها، وذلك لأن العادة أن الناس يبيعون الثمرة قبل أن تقطع، فنهى عن
هذا البيع قبل أن توجد الصفة المذكورة، وما ذكرنا من نهيه و يقول عن بيع العنب حتى يسود، وهو
لا يكون عنباً قبل السواد، يفيد، فإنه قبله حصرم، فكان معناه النهي عن بيع العنب عنباً قبل أن
يصير عنباً، وذلك لا يكون إلا بشرط الترك إلى أن يبدو الصلاح، ويدل عليه تعليل النبي
بقوله: ((أرأيت لو منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه)) فالمعنى إذا بعتموه عنباً قبل أن يصير
عنباً بشرط الترك إلى أن يصير عنباً، فمنع الله الثمرة، فلم يصر عنباً، بم يستحل أحدكم - يعني
البائع - مال أخيه المشتري. وإذا صار محل النهي بيعها بشرط تركها إلى أن تصلح فقد قضينا
عهدة هذا النهي، فإنا قد أفسدنا هذا البيع، وبقي بيعها مطلقاً غير متناول للنهي بوجه من الوجوه))
كذا في فتح القدير (٥: ١٠٤) وإنه كلام متين جداً .
بقي ههنا شيء، وهو أنه إذا كان النهي محمولاً على ما شرط فيه الترك، فما وجه
تخصيصه بالبيع قبل بدو الصلاح؟ مع أن شرط الترك لا يجوز في البيع بعد بدو الصلاح أيضاً،

٣٧٣
كتاب : البيوع
فإن الحنفية لا يفرقون بين ما بدا صلاحه وبين ما لم يبد صلاحه كما سيأتي؟ فلا تظهر فائدة
قید: ((حتی یبدو صلاحه)).
وأجاب عنه الحنفية بأن هذا القيد ليس للاحتراز، وإنما هو خارج مخرج العادة، فإن
الناس كانوا يتبايعون الثمار بشرط الترك قبل بدو صلاحها، والذي يظهر لهذا العبد الضعيف أن
النبي ◌َّ خص ههنا بيع ما لم يبدو صلاحه لأن فيه سببين للنهي، الأول: أنه بيع وشرط،
والثاني: أنه يتضمن غرراً، فإنه يحتمل أن لا تخرج هناك ثمرة، بخلاف البيع بعد بدو الصلاح
بشرط الترك، فإنه لا يتضمن الغرر، وإنما يحرم لكونه بيعاً وشرطاً فقط، ولما كان المقصود في
حديث الباب الإنذار عن الغرر واستمالة العواطف نحو المشتري المغرور خص النبي ◌َّر البيع
قبل بدو الصلاح بالذكر، ولم يذكر حكم البيع بعد بدو الصلاح، والله سبحانه أعلم.
٢ - وأجاب الطحاوي تَُّ في شرح معاني الآثار (٢: ١٧١) عن حديث الباب بطريق
آخر، وحاصله: أن الحديث لم يرد في البياعات العامة، وإنما ورد في السلم خاصة، وذلك لأن
أهل المدينة كانوا قبل مقدمه وقيلهو يسلفون في الثمار لسنة أو سنتين، فنهى عن ذلك إلا أن يسلفوا
في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم، ويشترط لجواز بيع السلم أن يوجد المبيع من حين
العقد إلى وقت التسليم، فلا بد للسلم في الثمار أن يكون بعد بدو صلاحها وأمنها من العاهات،
ليصدق عليها أنها توجد حين العقد، فإنها قبل بدو صلاحها كالمعدومة، فلو وقع السلم عليها
حينئذ فقد شرط وجدانها حين العقد، ففسد السلم، فالحاصل: أن مراد الحديث النهي عن
السلم قبل بدو الصلاح، وليس مراده النهي عن البيوع العامة .
واستدل عليه الطحاوي بما أخرجه نفسه عن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن الرجل يبيع
ثمرة أرضه رطباً كان أو عنباً يسلف فيها قبل أن تطيب، فقال: ((لا يصلح، إن ابن الزبير باع ثمرة
أرض له ثلاث سنين، فسمع بذلك جابر بن عبد الله الأنصاري، فخرج إلى المسجد، فقال في
الناس: منعنا رسول الله ( أن نبيع الثمرة حتى تطيب)). فهؤلاء الصحابة فهموا من الحديث أنه
في السلم .
واستدل أيضاً بما أخرجه نفسه عن أبي البختري قال: سألت ابن عمر عن السلف في
الثمرة فقال: ((نهى عمر عن بيع الثمر حتى تصلح))(١) فحمل ابن عمر رضيّ قول عمر على السلم.
(١) قلت: وأخرجه البخاري في السلم، باب السلم إلى من ليس عنده أصل، وباب السلم في النخل ولفظه:
(سألت ابن عمر عن السلم في النخل، فقال: نهى رسول الله وَّر عن بيع النخل حتى يصلح، ونهى عن بيع
الورق نسأ بناجز، وسألت ابن عباس عن السلم في النخل، فقال: نهى النبي ◌َّر عن بيع النخل حتى يؤكل
منه) وهذا أصرح وأصح.

٣٧٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويؤيد قول الطحاوي تخَّهُ ما أخرجه البزار والطبراني عن
سمرة بن جندب - واللفظ للبزار - ((أن رسول الله ◌َلو كان ينهى رب النخل أن يتدين في ثمر نخله
حتى يؤكل من ثمرها، مخافة أن يتدين بدين كثير ثم يفسد الثمرة، وكان ينهى رب الزرع أن لا
يدان في زرعه حتى يبلغ الحصاد)) راجع كشف الأستار عن زوائد البزار (٢: ٩٦ رقم: ١٢٩٠)،
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤: ١٠٢): ((وفيه مروان بن جعفر السمري وثقه ابن أبي حاتم،
وقال الأزدي: يتكلمون فيه)).
٣ - والجواب الثالث عن حديث الباب قد ذكره الطحاوي عن بعض العلماء، وهو أننا
سلمنا أن الحديث وارد لا في السلم خاصة، بل في البياعات عامة، وسلمنا أنه يشمل البيع
المطلق عن شرط الترك أو القطع، ولكنه ليس للتحريم، بل هو نهي إرشاد ومشورة، واستدلوا
على ذلك بما أخرجه البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال: ((كان الناس في عهد رسول الله وَلَيه
يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه
مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها، فقال رسول الله و لو لما كثرت عنده الخصومة في
ذلك: إما لا، فلا تبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر، كالمشورة يشير بها، لكثرة خصومتهم))
وأخرجه أبو داود والطحاوي أيضاً.
فقد صرح فيه زيد بن ثابت رضيته أن النهي في حديث الباب لم يكن تحريماً، وإنما كان
مشورة يشير بها لقطع خصومتهم.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن هذه التوجيهات الثلاثة كلها صحيحة،
ويبدو أن النبي ◌ُّر لم يتكلم بهذا النهي مرة واحدة، بل تكلم به مرات في وقائع مختلفة، ولذلك
روى عنه هذا النهي ابن عمر، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وجابر بن
عبد الله، وعائشة، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت ه، أما حديث زيد بن ثابت فقد مر آنفاً عن
البخاري، وأما حديث الباقين فتجدها مجموعة في الفتح الرباني (١٥: ٤١ - ٤٣)، والظاهر أنهم
لم يسمعوا هذا النهي دفعة واحدة، بل تكلم به النبي ◌ّر في أزمنة ووقائع شتى، فلا يبعد أن
يكون مقصوده مرة النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط تركها على الأشجار، كما حققه
ابن الهمام، وتارةً كان المقصود منه النهي عن السلم في الثمار قبل بدو صلاحها، كما حققه
الطحاوي وأيده بروايات، وأخرى قصد به النبي ◌ّر النهي عن البيع المطلق عن شرط الترك
والقطع، وفي هذا الأخير كان النهي للمشورة والإرشاد، دون التحريم، كما نطق به زيد بن
ثابت رُه في رواية البخاري، وعلى هذا تنطبق جميع الروايات الواردة في هذا الباب، والله
سبحانه وتعالى أعلم.

٣٧٥
كتاب : البيوع
٣ - حكم البيع بعد بدو الصلاح:
وأما بيع الثمار بعد بدو صلاحها فله صور ثلاثة أيضاً، الأولى: أن تباع بشرط القطع،
والثانية: أن تباع بشرط تركها على الأشجار، والثالثة: أن تباع مطلقاً، فالشافعي ومالك وأحمد
رحمهم الله يجوزون البيع في الصور الثلاث كلها، فإن باعها مطلقاً استحق المشتري الإبقاء إلى
أوان الجذاذ كحالة شرط الإبقاء، كما في نهاية المحتاج (٤: ١٤١)، والمغني لابن قدامة (٤ :
٧٦ و٨٧)، واستدلوا في ذلك بمفهوم حديث الباب فإن الحديث قيد النهي بما بيع قبل بدو
الصلاح، فخرج منه ما بيع بعده مطلقاً .
وأما أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى فقالا: يجوز البيع بشرط القطع وفي صورة
الإطلاق، ويفسد بشرط الترك، ويجب على المشتري في صورة الإطلاق أن يقطعها إذا طالب به
البائع، وقد تسامح النووي تغذّفُ ههنا حيث نسب إلى أبي حنيفة أنه يوجب شرط القطع في هذه
الصورة، وقد أطبق علماء الحنفية على خلاف ذلك، إذن فلا فرق عند أبي حنيفة وأبي يوسف
بين ما بيع قبل بدو الصلاح وما بيع بعده، والحكم عندهما في الفصلين سواء لأنهما لا يريان
المفهوم حجة، فصار حكم ما بعد الصلاح مسكوتاً عنه في هذا الحديث، وقد دل حديث النهي
عن بيع وشرط على فساد شرط الترك فعملا به، ففساد شرط الترك فيما بعد بدو الصلاح ليس
مدلولاً لحديث الباب، وإنما هو مقتضى حديث آخر، وهو حديث النهي عن بيع وشرط. وأما
فائدة قوله وَلير: ((حتى يبدو صلاحها)) في حديث الباب فقد أسلفنا قبل صفحتين أنه خرج مخرج
الغالب. ولأن البيع قبل بدو الصلاح يتضمن الغرر علاوة على كونه بيعاً وشرطاً، فخص بالذكر
من جهة كونه غرراً .
وأما محمد بن الحسن تخلفهُ ففصل المسألة وقال: لو كان البيع بشرط الترك بعد ما تناهى
عِظَمُ الثمار جاز البيع استحساناً للعرف، ولو لم يتناه عظمها فسد بشرط الترك، واستدل له
صاحب الهداية فيما لم يتناه عظمها بأنه لما شرط تركها على الأشجار شرط في البيع الجزء
المعدوم من الثمار، وهو الذي يزيد لمعنى من الأرض أو الشجر، واعترض عليه ابن الهمام تَّهُ
بأن الوجه لا يتم في الفرق لمحمد إلا بادعاء عدم العرف فيما لم يتناه عظمه، إذ القياس عدم
الصحة في الفصلين، سواء تناهى عظم الثمار أو لم يتناه، لأن شرط الترك شرط لا يقتضيه
العقد، وإنما خرج منه المتناهي للتعامل والعرف عند محمد، لا لكون جوازه موافقاً للقياس،
فكون ما لم يتناه على أصل القياس إنما يثبت بشرط عدم التعامل فيه، وراجع فتح القدير (٥:
١٠٣).
وخلاصة هذا المبحث على ما ذكره ابن الهمام أنه لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل
أن تظهر، ولا في عدم جوازه بعد الظهور قبل بدو الصلاح بشرط الترك، ولا في جوازه قبل بدو

٣٧٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الصلاح أو بعده بشرط القطع، لكن بدو الصلاح عندنا أن تأمن العاهة والفساد، وعند الشافعية
ظهور النضج والحلاوة، والخلاف إنما هو في بيعها قبل بدو الصلاح لا بشرط القطع، فعند
الشافعي ومالك وأحمد لا يجوز، وعندنا إن كان بحال لا ينتفع به في الأكل ولا في علف
الدواب ففيه خلاف بين المشايخ، قيل: لا يجوز، ونسبه قاضي خان لعامة مشايخنا، والصحيح
أنه يجوز، لأنه مال منتفع به في ثاني الحال إن لم يكن منتفعاً به في الحال، وقد أشار محمد في
كتاب الزكاة إلى جوازه، وهناك خلاف أيضاً في بيعها بعد بدو الصلاح بشرط الترك، فعند الأئمة
الثلاثة يجوز، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجوز، وقال محمد: إن تناهى عظمها جاز البيع،
وإن لم يتناه لم يجز.
٤ - حكم ما يتعامل به الناس اليوم:
قدمنا خلاصة البحث الحديثي والفقهي في المسألة، وبقي الآن حكم ما يتعارفه الناس
اليوم في بيع الثمار، فإن العادة جرت في أكثر البلاد أن الثمار لا تباع مقطوعة، وإنما تباع معلقة
على الأشجار، وربما يتبايعها الناس قبل بدو صلاحها، وفي بعض الأحيان قبل ظهورها،
والعادة أن المشتري يتركها بعد العقد على الأشجار إلى حين الجذاذ، فلو حكمنا بفساد هذه
البيوع كلها لم توجد في السوق ثمرة ولا رطبة يحل أكلها، ومن أجل ذلك تحير الفقهاء في حل
هذه المسألة واجتهدوا في تقعيدها على القواعد الشرعية بما لا يكون فيه حرج.
وخلاصة ما بحث فيه الفقهاء على ما تيسر لي أن هناك مسألتين مستقلين لا ينبغي تلبيس
إحداهما بالأخرى. الأولى: مسألة بيع الثمار في حد ذاتها، والثانية: شرط تركها على
الأشجار، والفساد في معاملات الناس اليوم جار من كلتا الجهتين.
أما مسألة بيع الثمار في حد ذاتها فإن لهذا البيع صوراً مختلفة:
١ - أن تباع الثمار قبل ظهورها، وهذا لم يقل بجوازه أحد، سواء جرى به التعامل أو لا،
والمراد من الظهور انفراك الزهر عنها وانعقادها ثمرة وإن صغرت، كما صرح به ابن عابدين في
رد المحتار (٤: ٤٢)، ولا ينعقد هذا البيع سلماً لفقدان شرائطه من كون المبيع موجوداً من حين
العقد إلى تسليم المبيع، ومن كون المبيع معلوم القدر، وكون الأجل معيناً، وغير ذلك.
٢ - أن تباع سائر ثمار الشجر أو البستان في حين ظهر بعضها ولم يظهر بعضها، وفيه
خلاف بين مشايخنا الحنفية، فظاهر المذهب أنه لا يجوز أيضاً، ولكن أفتى شمس الأئمة
الحلواني تقُّ بأنه لو كان الخارج أكثر جاز البيع في الجميع، وبه أفتى الإمام الفضلي، بل يظهر
من عبارته أنه لا يشترط كون الخارج أكثر، بل يجعل الموجود أصلاً في البيع وما يحدث بعد
ذلك تبعاً له، ويقول: ((أستحسن فيه لتعامل الناس فإنهم تعاملوا بيع ثمار الكرم بهذه الصفة،

٣٧٧
کتاب: البيوع.
ولهم في ذلك عادة ظاهرة، وفي نزع الناس من عادتهم حرج)) حكاه ابن الهمام في الفتح (٥:
١٠٥) ثم قال: ((وقد رأيت رواية في نحو هذا عن محمد كثافه، وهو بيع الورد على الأشجار،
فإن الورد متلاحق، ثم جوز البيع في الكل بهذا الطريق، وهو قول مالك تَخَّتُهُ .
والحاصل أن هذه الصورة وإن كانت غير جائزة في أصل المذهب، غير أن فيها سعة عند
عموم البلوى، وفي هذه الصورة يقول العلامة ابن عابدين الشامي تظله: ((لا يخفى تحقق
الضرورة في زماننا، ولا سيما في مثل دمشق الشام كثيرة الأشجار والثمار، فإنه لغلبة الجهل
على الناس لا يمكن إلزامهم بالتخلص بأحد الطرق المذكورة ... وفي نزعهم عن عادتهم حرج
كما علمت، ويلزم تحريم أكل الثمار في هذه البلدان، إذ لا تباع إلا كذلك، والنبي ◌َّ إنما
رخص في السلم للضرورة مع أنه بيع المعدوم، فحيث تحققت الضرورة هنا أيضاً أمكن إلحاقه
بالسلم بطريق الدلالة فلم يكن مصادماً للنص، فلذا جعلوه من الاستحسان، لأن القياس عدم
الجواز، وظاهر كلام الفتح الميل إلى الجواز، ولذا أورد له الرواية عن محمد، بل تقدم أن
الحلواني رواه عن أصحابنا، وما ضاق الأمر إلا اتسع، ولا يخفى أن هذا مسبوغ للعدول عن
ظاهر الرواية، كما يعلم من رسالتنا المسماة نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف،
فراجعها)) كذا في رد المحتار (٤: ٤٣).
فإن قيل: جميع ما قال الشامي تخلّفُ منطبق على الصورة الأولى أيضاً، وهي بيع الثمار قبل
ظهورها مطلقاً، قلنا: لا يرى في جوازها سعة لوجهين: الأول: أنه لم تحقق الضرورة فيها كما
تحققت في الصورة الثانية، والثاني: أن مجرد الضرورة لا يكفي في تحليل حرام حتى يدخل
ذلك في أصل شرعي، والأصل الشرعي في الصورة الثانية أنهم جعلوا الثمر الموجود أصلاً في
البيع وجوزوا البيع في المعدوم تبعاً له، وأما في الصورة الأولى فالمعدوم هو الأصل في البيع،
وهو حرام بالنص، والله أعلم.
٣ - أن تظهر جميع الثمار بمعنى انعقادها ثمرة، ولكنها غير منتفع بها في الأكل ولا في
علف الدواب، وفيه خلاف أيضاً بين مشايخنا الحنفية، فذكر قاضي خان أن بيعها لا يجوز عند
عامة المشايخ، ولكن صحح ابن الهمام جوازه كما أسلفنا عن الفتح.
٤ - أن تكون الثمار منتفعاً بها في الأكل أو علف الدواب، فبيعها جائز بإجماع الفقهاء
على الخلاف المار بینھم فیما بدا صلاحه أو لم يبد.
وأما مسألة اشتراط الترك على الأشجار فيما صح بيع الثمار فيه، فله صورتان:
١ - أن تباع الثمار بعد ما تناهى عظمها وبدا صلاحها، فشرط الترك في هذه الصورة جائزة
عند محمد تَُّهُ، وبه أفتى كثير من المشايخ لعموم البلوى، واختاره الطحاوي وإليه مال ابن

٣٧٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الهمام وابن عابدين، كما ورد في رد المحتار (٤: ٤٣ و٤٤)، ففي هذه الصورة سعة أيضاً عند
عموم البلوى.
٢ - أن تباع الثمار قبل بدو صلاحها أو تناهي عظمها، فشرط الترك في هذه الصورة مفسدة
بالإجماع، ولكن إذا لم يشترط الترك في العقد، بل كان العقد مطلقاً، ثم أذن البائع بالترك طاب
للمشتري المبيع وما زاد بعده عند الحنفية، وإن تركها بغير إذن البائع جاز البيع وتصدق بما زاد
بعد العقد كما في الهداية والدر المختار.
ثم ذكر ابن عابدين تَغَثُ أنه لو كان الترك متعارفاً بينهم فسد البيع وإن لم يشترط الترك في
العقد لفظاً، لأن المعروف كالمشروط، ولكن لم يقبله شيخ مشايخنا الأنور كَُّ، فقال في فيض
الباري (٣: ٢٥٦): ((وتفصيل الشامي ليس بمختار عندي، فيجوز له الفضل وإن كان الترك
معروفاً، ولا يكون كالمشروط، وإنما دعاني إلى ترك تفصيله ما حرره ابن الهمام في ذيل سؤال
وجواب، من هذا المقام، ويظهر منه كونه طيباً بدون فصل، فراجعه من هذا الباب، وكذا نقل
الحافظ ابن تيمية في فتاواه ما حاصله ما في الهداية، فتفصيل الشامي غير مختار عندي)). قال
العبد الضعيف عفا الله عنه: لعل الشيخ يريد به قول ابن تيمية في فتاواه: ((فإن الكوفيين احتالوا
على الجواز تارة بأن يؤجر الأرض فقط، ويبيحه ثمر الشجر كما يقولون في بيع التمر قبل بدو
صلاحها: يبيعه إياه مطلقاً أو بشرط القطع ويبيحه إبقاءها، وهذه الحيلة منقولة عن أبي حنيفة
والثوري وغيرهما)) راجع فتاوى ابن تيمية المطبوعة بمصر (٣: ٤٣٥). فالحاصل أن إباحة
الإبقاء جائز عند أبي حنيفة كما سبق من الهداية والدر المختار، ولم يقيده بأن لا يكون هناك
عرف فلا حاجة إلى هذا التقييد عند شيخ مشايخنا الأنور تكشّفُهُ، ولذلك قال في العرف الشذي
(ص: ٣٨٨): (كنت متردداً في هذا حتى أن وجدت في فتاوى ابن تيمية عن أبي حنيفة والثوري
أنهما أجازا البيع مطلقاً، إذا أجاز البائع الترك على الأشجار، فإذن لما وجدت عن أبي حنيفة
فلا أبالي فالحاصل إذا لم يشترط الإبقاء في صلب العقد يصح البيع وإن كان معروفاً بالعرف».
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويظهر من كلام ابن الهمام في الفتح (٥: ١٠٣) أيضاً أن
العرف إذا جرى ببيع الثمار بعد بدو صلاحها بشرط الترك واشتدت إليه الحاجة كان قياس قول
محمد الجواز، وإن لم يتناه عظم الثمار، لأنه أجاز شرط الترك بعد ما تناهى عظمها للعرف
والضرورة، قلت: كذلك أجاز محمد كلُّهُ بيع الثمار في حين ظهر بعضها ولم يظهر بعضها
للضرورة والعرف، كمّا قدمنا عن الفتح ورد المحتار، فكان قياس قوله الجواز عند الضرورة وإن
لم يتناه عظمها .
ثم ههنا ناحية أخرى، لم يتعرض لها الفقهاء عموماً، وهي أن البيع بشرط الترك إنما يحرم
عند الحنفية لكونه بيعاً وشرطاً، ولكن الحنفية يجوزون مع البيع شروطاً جرى بها التعامل، لأن

٣٧٩
كتاب: البيوع
٣٨٤٢ - (٥٠) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَّرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ
حَتَّى يَزْهُوَ. وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَنْتِّضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ. نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ .
٣٨٤٣ - (٥١) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ
وَتَذْهُبَ عَنْهُ الآَفَةُ)).
قال: يَبْدُوَ صَلاَحُهُ، حُمْرَتُهُ وصُفْرَتُهُ.
٣٨٤٤ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ يَحْيَى، بِهِذَا الإِسْنَادِ، حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ. لَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٣٨٤٥ - (٠٠٠) حدّثنا ابْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَّهَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
٣٨٤٦ - (٠٠٠) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ. حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ
عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَّرَهَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ مَالِكٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ.
٣٨٤٧ - (٥٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَالَ
التعامل رافع للنزاع، ولا شك أن بيع الثمار بشرط الترك جرى به التعامل العام في أكثر البلاد،
فينبغي أن يجوز هذا الشرط على أصل الحنفية، ولكن يرد عليه أن التعامل يجوز أن يكون
مخصصاً للنص ولا يجوز أن يكون ناسخاً، ولو جوزنا البيع قبل بدو الصلاح بشرط الترك لزم
ترك حديث الباب رأساً، وذلك لا يجوز بالتعامل، اللهم إلا أن يقال: إن حديث الباب محمول
على نهي تنزيه أو إرشاد كما هو مفاد حديث زيد بن ثابت عند البخاري. وعلى كل حال،
فالاحتياط أن لا يشترط الترك في العقد والله سبحانه أعلم.
٥٠ _ (١٥٣٥) - قوله: (حتى يزهو) الزهو من باب نصر: ظهور الثمر، وقيل: أن يطول
ويكتمل، وقيل: أن يحمر أو يصفر، وقال بعضهم: الزهو لا يستعمل في النخل، وإنما يستعمل
الإزهاء من باب الإفعال، فالصواب في العربية أن يقال: ((تزهى)) ولكن رده ابن الأثير في جامع
الأصول (١ : ٤٦٥) والنووي في شرحه، وحكيا عن أهل اللغة أنهم يسوغون كلتا اللغتين،
وبالجملة، فالمراد من الزهو في الحديث: بدو الصلاح، والأمن من الآفات، فإن الأحاديث
يفسر بعضها بعضاً .
قوله: (وعن السنبل حتى يبيض) معناه: يشتد حبه وهو بدو صلاحه، كما في شرح النووي
والأبي.

٣٨٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى
يَبْدُوَ صَلاَحُهُ)).
٣٨٤٨ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُفْيَانَ. ح
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَذَّثَنَا شُعْبَةُ. ◌ِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ،
بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: مَا صَلاَحُهُ؟ قَالَ: تَذْهَبُ عَاهَتُهُ.
٣٨٤٩ - (٥٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: نَهَىْ
(أَوْ نَّهَانًا) رَسُولُ اللهِ نَّه عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ.
٣٨٥٠ - (٥٤) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم. ح وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا رَوْحٌ. قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى
يَبْدُوَ صَلاَحُهُ.
(٠٠٠) - قوله: (قال: تذهب عاهته) هذا تفسير من ابن عمر، وزاد عبد الرزاق في مصنفه
(٨: ٦٤، رقم: ١٤٣٢٢): ((ويخلص طيبها)) وقدمنا أن مالكاً تَّهُ أخرج هذا التفسير مرفوعاً في
حديث مرسل عن عمرة، وهو موصول إلى عائشة عند الطحاوي، ولفظه: ((إن رسول الله وَ ل نهى
عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة)) وبمثله أخرج أحمد والطحاوي عن ابن عمر مرفوعاً .
٥٤ - (٠٠٠) - قوله: (عن جابر) أخرجه البخاري في الزكاة، باب من باع ثماره أو نخله
إلخ، وفي البيوع، باب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب أو الفضة، وباب بيع الثمار قبل أن
يبدو صلاحها. وأخرجه أبو داود (رقم: ٣٣٧٠ و٣٣٧٣) والنسائي كلاهما في البيوع باب بيع
الثمار قبل أن يبدو صلاحها .
قوله: (حتى يبدو صلاحه) قال الحافظ في الفتح (٤: ٣٣١): ((واختلف السلف في قوله
حتى يبدو صلاحها: هل المراد به جنس الثمار، حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلاً
جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبدو الصلاح فيها، أو لابد من بدو الصلاح في كل بستان
على حدة، أو لابد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة على حدة، على
أقوال، والأول قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقاً، والثاني قول
أحمد، وعنه رواية كالرابع، والثالث قول الشافعية، ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو
الصلاح، لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإزهاء من غير اشتراط تكامله، فيؤخذ منه اكتفاء بزهو