Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب: العتق
٣٧٥٩ - (٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً
عَنْ جَرِيرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ. غَيْرَ أَنَّ فِي
حَدِيثٍ جَرِيرٍ. قَالَ: وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدَاً. فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ. فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا. وَلَوْ
كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: ((أَمَّا بَعْدُ)) .
فلا يدل الحديث على نفي ولاء الموالاة بإرادة اللام للجنس كما هو مذهب الشافعي، أفاده ابن
الملك .
هذا، وقد ذكر العلماء في قصة بريرة هذه فوائد كثيرة تبلغ إلى مائة فائدة، وذكر النووي أن
ابن خزيمة وابن جرير قد صنفا فيها تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد، وذكر
الحافظ في الفتح أن بعض المتأخرين قد بلغوا فوائد هذا الحديث إلى أربعمائة، وساق الحافظ
في الفتح (٥: ١٤١ و١٤٢) منها كثيراً.
٩ - (٠٠٠) - قوله: (وكان زوجها عبداً) اسمه مغيث، وكان مولى لأبي أحمد بن جحش
أخي زينب أم المؤمنين كما أشار إليه أبو داود، وسيأتي الكلام على كونه عبداً أو حراً عند عتق
تا
.
بريرة رضي
قوله: (فاختارت نفسها) وأخرج البخاري في الطلاق، باب شفاعة النبي ◌َّ﴾ في زوج بريرة
عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبداً يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه
تسيل على لحيته، فقال النبي وَلجر: يا عباس! ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة
مغيثاً؟ فقال النبي ◌َّى: لو راجعتيه، قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: إنما أشفع، قالت: فلا
حاجة لي فيه .
قوله: (ولو كان حراً لم يخيرها) هذا من قول عروة، وقد صرح به في رواية النسائي في
الطلاق حيث قال: ((قال عروة: فلو كان حُرَّاً ما خيرها رسول الله وَّ) وكذلك رواه ابن حبان
في صحيحه بلفظ النسائي، كما في عمدة القاري (٩: ٥٧٥).
واستدل به الأئمة الثلاثة على أن خيار العتق إنما يثبت للزوجة إذا كان زوجها عبداً، ولا
خيار لها إن كان حراً، وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب والحسن البصري وابن أبي ليلى
والأوزاعي والزهري والليث بن سعد وإسحاق.
وأما أبو حنيفة تَّهُ فيثبت عنده خيار العتق سواء كان زوج المعتقة عبداً أو حراً، وهو قول
الشعبي والنخعي والثوري ومحمد بن سيرين وطاوس ومجاهد وأبي ثور، وإليه ذهب الظاهرية
كما في عمدة القاري. ووجه الاختلاف اختلاف الروايات في قصة عتق بريرة، فروى عروة بن
الزبير والقاسم أن زوج بريرة كان عبداً، كما في أحاديث الباب، وروى الأسود عن عائشة أنه

٢٨٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٦٠ - (١٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ) قَالاَ: حَدَّثَنَا
كان حراً وقت عتق بريرة، فقد أخرج البخاري والنسائي وأبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم عن
الأسود عن عائشة في هذه القصة: ((فدعاها رسول الله وَ ل﴿ فخيرها من زوجها قالت: لو أعطاني
كذا وكذا ما أقمت عنده، فاختارت نفسها، وكان زوجها حراً)) وهذا اللفظ للنسائي في الطلاق
(٢: ٨٨) قلت: وكذلك روى عبد الرحمن بن القاسم بمثل رواية الأسود فيما أخرجه المصنف
بعد روايتين والبخاري في الهبة، وأحمد في مسنده (٦: ١٧٢) من طريق محمد بن جعفر عن
شعبة عنه، فقال: ((فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حراً، قال شعبة: ثم سألته عن زوجها،
فقال: لا أدري)».
وقال ابن القيم في الهدي: ((إن حديث عائشة رواه ثلاثة: الأسود وعروة وقاسم، فأما
الأسود فلم يختلف عنه أنه كان حراً، وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان إحداهما أنه
كان حراً والثانية أنه كان عبداً، وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنده روايتان صحيحتان إحداهما
أنه كان حراً، والثانية الشك)) كذا في بذل المجهود (١٠: ٣٦٢).
ولقد أحسن البدر العيني في الجمع بين هذه الروايات المختلفة، فقال في عمدة القاري
(٩: ٥٧٥): ((والتحقيق فيه أن يقال إن اختلافهم فيه في صفتين (يعني الرق والحرية) لا يجتمعان
في حالة واحدة، فنجعلهما في حالتين بمعنى أنه كان عبداً في حالة، حراً في حالة أخرى،
فبالضرورة تكون إحدى الحالتين متأخرة عن الأخرى، وقد علم أن الرق يعقبه الحرية، والحرية
لا يعقبها الرق، وهذا مما لا نزاع فيه، فإذا كان كذلك جعلنا العبودية متقدمة وحال الحرية
متأخرة، فثبت بهذا الطريق أنه كان حراً في الوقت الذي خيرت فيه بريرة، وعبداً قبل ذلك فيكون
قول من قال كان عبداً، محمولاً على الحالة المتقدمة، وقول من قال: (كان حراً) محمولاً على
الحالة المتأخرة، فإذن لا يبقى تعارض، ويثبت قول من قال أنه كان حراً)).
ورده الحافظ في الفتح بأن محل طريق الجمع إذا تساوت الروايات في القوة، لا مع التفرد
في مقابلة الاجتماع، فتكون الرواية المنفردة شاذة، والشاذ مردود، ولكن أجاب عنه شيخنا
السهار نفوري في بذل المجهود (١٠: ٣٦٧)، فقال: ((هذا عجيب من مثله، فإنه اشترط في
الشذوذ المخالفة، وإذا لم تكن بين الحديثين مخالفة لا يحكم بالشذوذ، والأصل في الروايات
الجمع، وأما الاختلاف فهو خلاف الأصل، وهذان الحديثان واقعان على الأصل ليس بينهما
اختلاف أصلاً وكون مغيث عبداً وكونه حراً كلاهما صحيح، فلما لم يكن بينهما اختلاف لا
يصار إلى ترجيح أحدهما على الآخر، فدعوى الشذوذ باعترافه باطل)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويؤيد العيني أنه لم يقع في شيء من روايات عائشة أن
زوجها كان عبداً وقت عتقها، وإنما ذكر الرواة أنه ((كان عبداً)) من غير تصريح بزمان عبديته،
ومن المعروف أن الناس ربما يطلقون لفظ (العبد) على المولى بعد عتقه أيضاً، فيحتمل أن يكون

٢٨٣
كتاب: العتق
أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاَثُ قَضِيَّاتٍ: أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشَتَرِطُوا وَلاَءَهَا. فَذَكَرْتُ
ذلِكَ لِلنَّبِّ وَّهِ. فَقَالَ: ((اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا. فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)) قَالَتْ: وَعَتَقَتْ. فَخَيَّرَهَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ لّهِ. فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا. قَالَتْ: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِي لَنَا. فَذَكَرْتُ
ذُلِكَ لِلنَِّّ وَِّ فَقَالَ: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ. وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ. فَكُلُوهُ)) .
٣٧٦١ - (١١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةً،
عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ مِنْ
أُنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ. وَاشْتَرَطُوا الْوَلاَءَ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَلَهَ: ((الْوَلاَءُ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ))
وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ. وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدَاً. وَأَهْدَتْ لِعَائِشَةَ لَحْماً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ:
(لَوْ صَنَعْتُمْ لَنَا مِنْ هُذَا اللَّحْم؟)) قَالَتْ عَائِشَةُ: تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ
وَلَنَا هَدِيَّةٌ».
هذا الإطلاق مجازاً باعتبار ما كان، وقد صرح الأسود بذلك في رواية عند الترمذي، ولفظها :
((وكان اسم زوجها مغيثاً، وكان مولى فخيرها رسول الله وَلاغير)) ذكره الحافظ في ترجمة مغيث من
الإصابة (٣: ٤٣١)، فصرحت هذه الرواية بأنه كان مولى، وهو الذي أعتق بعد كونه عبداً، فلا
يبعد أن يكون لفظ العبد في سائر الروايات الأخرى بمعنى المولى، وعلى هذا تنطبق سائر
الروايات، وأما إذا قلنا بأنه كان عبداً وقت عتقها، يجب علينا أن نترك رواية الأسود رأساً، مع
أنها رواية قوية صحيحة الإسناد، وقد تابعه على ذلك عبد الرحمن بن القاسم أيضاً .
ثم لا يخفى أنه لو ثبت كون المغيث عبداً وقت عتق بريرة، لا يلزم منه أن يكون خيار
العتق مشروطاً بعبدية الزوج، لأن حديث عائشة رغهنا لا تنفي هذا الخيار فيما إذا كان الزوج
حراً، ولما كانت علة الخيار عندنا هي ارتفاع ولاية المولى عن الأمة وثبوت ولايتها على نفسها
فلا ترتفع هذه العلة بحرية الزوج، بل يتعدى الحكم إلى أمة ذات زوج حر، وأما قول عروة:
((ولو كان حراً لم يخيرها)) فذلك اجتهاد منه تَّفه، وليس فيه حجة في مقابلة ما أسلفنا من
الدلائل، والله أعلم.
١١ - (٠٠٠) - قوله: (هو لها صدقة ولنا هدية) فيه دليل على أن تحريم الصدقة للغني
والهاشمي ليس لعينها، بل لصفتها، فإنه يجوز للمتصدق عليه أن يتصرف في ما تصدق به عليه
كيفما شاء، فيجوز له البيع والهبة بعد ما دخل الشيء في ملكه، وحينئذ يجوز لكل من أهدى إليه
ذلك الشيء أن يأكله. وبمثل هذه الواقعة ما أخرجه البخاري في الزكاة، باب إذا تحولت
الصدقة، عن أم عطية الأنصارية ؤها قالت: ((دخل النبي ◌َّر على عائشة فقال: هل عندكم من

٢٨٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٦٢ - (١٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ
تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِثْقِ. فَاشْتَرَطُواَ وَلاَءَهَا. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَِّ. فَقَالَ: ((اشْتَرِيهَا
وَأَعْتِقِيهَا. فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وَأُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَحْمٌ. فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ وَلَ: هَذَا
تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ. وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ)). وَخُيِّرَتْ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ:
وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا. قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَ: لاَ أَدْرِي.
٣٧٦٣ - (٠٠٠) وحدّثناه أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ،
بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٣٧٦٤ - (١٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي هِشَامٍ. قَالَ
ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ أَبُو هِشَامٍ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ،
عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْداً .
٣٧٦٥ - (١٤) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ
رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَلَ؛ أَنَّهَا
قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةً ثَلاَثُ سُنَنٍ: خُيُّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. وَأُهْدِّيَ لَهَا لَحْمٌ فَدَخَلَ
عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ. فَدَعَا بِطَعَامٍ. فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدُم مِنْ أُدُم الْبَيْتِ.
فَقَالَ: (أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟)) فَقَالُوا: بَلَىَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَلِكَ لَخَمْ تُصُدْقَ
شيء؟ فقالت: لا، إلا شيء بعثت به نسيبة من الشاة، بعثت بها من الصدقة، فقال: إنها قد
بلغت محلها)) .
وهذا إذا دخل الشيء في ملك الواهب، أما إذا لم يدخل في ملكه فلا يسع له أن يهبه إلى
غيره ولا يحل لذلك الغير أن يأخذ منه، فبطل بذلك ما استدل به بعض جهلة عصرنا على جواز
قبول الهدية من آكل الربا، فإن الربا لا يدخل في ملكه، فكيف تصح هبته، فليتنبه، والله أعلم.
١٤ - (٠٠٠) - قوله: (ثلاث سنن) وفي حديث ابن عباس عند أبي داود وأحمد: قضى فيها
النبي ◌ّليل أربع قضيات، فذكر نحو حديث عائشة وزاد ((وأمرها أن تعتد عدة الحرة)) وهذه الزيادة
أخرجها الدارقطني .
قوله: (والبرمة) بضم الباء، هي القدر مطلقاً، وهي في الأصل المتخذة من الحجر
المعروف بالحجاز واليمن، كذا في عمدة القاري (٩: ٥٧٤).
قوله: (أدم) بضم الهمزة وسكون الدال، وهو الإدام.

٢٨٥
كتاب: العتق
بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ. فَقَالَ: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ)) وَقَالَ
النَّبِيُّ وََّ فِيهَا: ((إِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)) .
٣٧٦٦ - (١٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ. حَدَّثَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: أَرَادَتْ
عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةٌ تُعْتِقُهَا. فَأَبَى أَهْلُهَا إِلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلاَءُ. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ
لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ. فَقَالَ: ((لاَ يَمْنَعُكِ ذُلِكَ فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)).
(٣) - باب: النهي عن بيع الولاء وهبته
٣٧٦٧ - (١٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ.
قَالَ مُسْلِمٌ: النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ، عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، فِي هُذَا الْحَدِيثِ.
(٣) - باب: النهي عن بيع الولاء وهبته
١٦ - (١٥٠٦) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في العتق، باب بيع
الولاء وهبته، وفي الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه. وأخرجه أبو داود في الفرائض (رقم:
٢٩٢٥) والنسائي في البيوع، والترمذي في البيوع، وفي الولاء والهبة وابن ماجه في الفرائض،
ومالك في العتق والولاء، والدارمي في الفرائض (٢: ٢٨٧).
قوله: (نهى عن بيع الولاء) الولاء بفتح الواو حق إرث المعتق من العتيق، ويسمى ولاء
العتاقة، وسببه العتق لا الإعتاق، لأنه إذا ورث قريبه يعتق عليه ويكون ولاؤه له، ولو كان سببه
الإعتاق لما ثبت له الولاء، لأنه لم يوجد الإعتاق، كذا في عمدة القاري (٦: ٢٢٠).
ثم هذا الحديث قد انعقد الإجماع على حكمه، فلا خلاف في أن الولاء كالنسب، فلا
يباع ولا يوهب، وكانت العرب تهبه وتبيعه، فنهى عنه الشارع، وأصبح النهي كلمة إجماع فيما
بين الأمة، وأما ما روي عن ميمونة وعثمان وعروة بن الزبير وابن عباس من تجويز بيع الولاء
وهبته فلعلهم لم يبلغهم الحديث، وقد صح عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وابن عمر
وغيرهم أنهم أنكروا على من جوزه، وقد ذكره الحافظ في باب إثم من تبرأ من مواليه من فرائض
الفتح (١٢ : ٣٨).
وقد يستدل بهذا الحديث على أن الحقوق المجردة لا يجوز بيعها، وهذه المسألة من أهم
المسائل في عصرنا، وستأتي بتفاصيلها إن شاء الله تعالى في كتاب البيوع، باب بطلان المبيع
قبل القبض تحت حديث أبي هريرة رُه مع مروان.
قوله: (عيال على عبد الله بن دينار) يعني: أن هذا الحديث لم يبلغ الناس إلا بواسطته،

٢٨٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٦٨ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالاَ: حدثنا ابْنُ
عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حٌدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ (يَعْنِي ابْنَ
عُثْمَانَ). كُلُّ هُؤُلاَءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَّه بِمِثْلِهِ، غيْرَ أَنَّ
الثَّقَفِيَّ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، إِلَّ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَذْكُرِ: الْهِبَةَ.
(٤) - باب: تحريم تولي العتيق غير مواليه
٣٧٦٩ - (١٧) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَتَبَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَلَى كُلِّ بَظْنٍ
عُقُولَهُ. ثُمَّ كَتَبَ: ((أَنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ
وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار، فأورده عن خمسة وثلاثين نفساً
ممن حدث به عن عبد الله بن دينار، وحكى الترمذي في الولاء والهبة عن شعبة أنه قال: وددت
أن عبد الله بن دينار لما حدث بهذا الحديث أذن لي حتى كنت أقوم إليه فأقبل رأسه، وذكر
الحافظ في الفتح (١٢: ٣٧) أن ابن عوانة أخرج هذا الحديث في صحيحه عن نافع مقروناً مع
عبد الله بن دينار، وأخرجه ابن حبان في الثقات في ترجمة أحمد بن أبي أوفى عن عبد الله بن
دينار وعمرو بن دينار جميعاً، والله سبحانه أعلم.
(٤) - باب: تحريم تولي العتيق غير مواليه
قوله: (سمع جابر بن عبد الله) هذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي في القسامة، صفة شبه
العمد وعلى من دية الأجنة، وأحمد في مسنده (٣: ٣٢١ و٣٤٢)، ولم أجده في الأمهات إلا
عند مسلم والنسائي.
قوله: (على كل بطن عقوله) العقل الدية، وجمعه عقول، ومعناه أن النبي وَ لجر أوجب الدية
في الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني، والبطن دون القبيلة، والفخذ دون البطن، والهاء
ضمير البطن، والديات لا تختلف باختلاف البطون، وإنما المعنى أنه ضم البطون بعضها إلى
بعض فيما بينهم من الحقوق والغرامات، لأنه كانت بينهم دماء وديات بحسب الحروب السابقة
قبل الإسلام، فرفع الله سبحانه ذلك عنهم وألف بين قلوبهم ببركة الإسلام وبركته وَ لل، كذا في
شرح الأبي.
قوله: (أن يتوالى مولى رجل مسلم) يعني: لا يحل لرجل مسلم أن يحدث ولاء مع من

٢٨٧
كتاب: العتق
بِغَيْرِ إِذْنِهِ)). ثُمَّ أُخْبِرْتُ؛ أَنَّهُ لَعَنَ فِي صَحِيفَتِهِ مَنْ فَعَلَ ذُلِكَ.
٣٧٧٠ - (١٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
الْقَارِيَّ) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ قَالَ: (مَنْ تَوَلَّى قَوْماً
بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ. لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلاَ صَرْفٌ)).
أعتقه غيره، لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، ولا يثبت شرعاً إلا للمعتق، فلا يجوز لعبد معتق
أن يقول: أنا مولى فلان إذا كانَ فلان لم يعتقه، فكما أن الرجل لا يحل له أن ينتمي إلى غير
أبيه، فكذلك لا يحل له أن يتوالى غير مولاه.
قوله: (بغير إذنه) ظاهر مفهومه إنه يجوز للعبد المعتق أن ينتمي إلى غير مولاه ويحدث معه
الولاء إذا أذن له السيد بذلك، ولكنه غير مراد في مذهب جمهور العلماء فإنهم اتفقوا على أن
مثل هذا التوالي لا يجوز وإن أذن السيد بذلك، لأنه إن أذن بذلك بعوض فهو بيع للولاء، وإن
أذن لغير عوض فهو هبة له، وكلاهما لا يجوز، كما مر في الحديث السابق. وأما قوله ◌َّلين:
((إلا بإذنه)) فقد خرج مخرج الغالب، لأنهم كانوا يفعلون ذلك بغير إذن غالباً، فمفهومه غير مراد
عند الجمهور.
قلت: وهذا يقوي مذهب الحنفية في عدم اعتبارهم المفهوم، والله تعالى أعلم.
قوله: (ثم أخبرت أنه لعن في صحيفته من فعل ذلك) الظاهر أنه من مقولة أبي الزبير، لأن
أحمد أخرج هذا الحديث في مسنده (٣: ٣٤٢) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير قال: ((سألت
جابراً عن الرجل يتولى مولى الرجل بغير إذنه فقال: كتب رسول الله وَّر على كل بطن عقولهم،
ثم كتب أنه لا يحل أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه)) ثم أخرج من طريق ابن لهيعة عن أبي
الزبير عن جابر أن رسول الله وسلم لعن في صحيفته من فعل ذلك. والمراد من الصحيفة بعث بها
إلى البطون، ويمكن أن يكون المراد منها صحيفة علي وسيأتي ذكرها في الحديث الآتي: والله
أعلم.
١٨ - (١٥٠٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في الأدب،
باب في الرجل ينتمي إلى غير مواليه، وأخرجه أيضاً أحمد في مسند أبي هريرة (٢: ٣٩٨، ٤١٧
و٤٥٠) وله شاهد عن ابن عباس عند ابن ماجه في الحدود باب من ادعى إلى غير أبيه أو تولی
غير مواليه، وعن عمرو بن خارجة عند ابن ماجه في الوصايا، باب لا وصية لوارث.
قوله: (عدل ولا صرف) حكى صاحب المحكم الصرف الوزن، والعدل الكيل، وقيل:
الصرف القيمة، والعدل الاستقامة، وقيل: الصرف الدية، والعدل البديل، وقيل: الصرف
الشفاعة، والعدل الفدية، وبهذا جزم البيضاوي، وقيل: الصرف الرشوة، والعدل الكفيل، قاله
أبان ابن ثعلب وأنشد :
لا تقبل الصرف وهاتوا عدلا

٢٨٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٧١ - (١٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ
زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّّرِ. قَالَ: ((مَنْ تَوَلَّى قَوْماً
بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
عَدْلٌ وَلاَ صَرْفٌ)).
٣٧٧٢ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى.
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَمَنْ وَالَى غَيْرَ مَوَالِيهِ بِغَيْرِ
إِذْنِهِمْ)).
٣٧٧٣ - (٢٠) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ
التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِهِ. قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئاً نَقْرَؤُهُ إِلَّ
كِتَابَ اللَّهِ وَهُذِهِ الصَّحِيفَةَ. (قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابٍ سَيْفِهِ) فَقَدْ كَذَبَ. فِيهَا أَسْنَانُ
الإِيِلِ. وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَفِيهَا قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ .
فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً. فَعَلَيْهِ لَّعْنَهُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَلُ
اللَّهُ مِنْهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً. وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَذْنَاهُمْ. وَمَنِ
كذا في باب حرم المدينة من كتاب الحج في فتح الباري (٤: ٧٤) وحديث أبي هريرة هذا
قطعة من الحديث الطويل الذي سيأتي من رواية علي، كما يظهر من مراجعة مسند أحمد (٢:
٤٩٩) فإنه روى حديث أبي هريرة بعين لفظ علي مظ لته.
٢٠ - (١٣٧٠) - قوله: (خطبنا علي بن أبي طالب) هذا الحديث أخرجه البخاري في
العلم، باب كتابة العلم، وفي الجهاد، باب فكاك الأسير، وفي الحج، باب حرم المدينة، وفي
الديات، باب العاقلة، وباب لا يقتل مسلم بكافر، ومسلم في الحج، باب فضل المدينة، وأبو
داود (رقم: ٢٠٣٤ و٢٠٣٥) في المناسك، باب تحريم المدينة، والترمذي (رقم: ٢١٢٨) في
الولاء والهبة، باب ما جاء فيمن تولى غير مواليه، والنسائي في القسامة، باب سقوط القود من
المسلم للكافر، وابن ماجه في الديات، لا يقتل مسلم بكافر، وأحمد في مسند علي (١: ٨١
و١٢٦ و١٥١)، وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في باب فضل المدينة من كتاب الحج في
هذا الكتاب.
قوله: (من زعم) إلخ فيه رد على من كان يقول أن النبي لر خص علياً رَظُّه بأمور كثيرة
من أسرار الشريعة وأوصى إليه في أمر الخلافة.
قوله: (عير إلى ثور) هما جبلان بالمدينة.
قوله: (يسعى بها أدناهم) يعني: يتولى أمر ذمة المسلمين أدناهم مرتبة، فإذا آمن أحد من

٢٨٩
كتاب: العتق
ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً)).
(٥) - باب: فضل العتق
٣٧٧٤ - (٢١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ (وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ). حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةٌ، أَعْتَقَّ اللَّهُ، بِكُلِّ إِرْبِ
مِنْهَا، إِرْباً مِنْهُ مِنَ النَّارِ)).
٣٧٧٥ - (٢٢) وحدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
مُطَرِّفٍ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةً،
المسلمين كافراً لم يحل لأحد نقضه، ولو كان الذي آمن أدناهم رتبة، وقد تقدم شرح كل ذلك
في كتاب الحج.
(٥) - باب: فضل العتق
قوله: (وهو ابن أبي هند) يعني: أنه عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاري، ميزه عن
عبد الله بن سعيد بن جبير، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند هذا من رجال الجماعة، صدوق ربما
وهم، من السادسة كما في التقريب.
قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في أول العتق، في الأيمان والنذور،
باب كفارات الأيمان، والنسائي وأبو داود في العتاق، والترمذي في النذور وأحمد في مسنده
(٢: ٤٢٠ و٤٢٢ و٤٢٩ و٤٣١) وله شواهد عنده في (٣: ٤٩١ و٤: ١١٢ و٣٢١ و٣٨٦
و ٤٠٤).
قوله: (رقبة مؤمنة) قال النووي: تقييد الرقبة بالمؤمنة يدل على أن هذا الفضل الخاص إنما
هو في عتق المؤمنة، وأما غير المؤمنة ففيه أيضاً فضل بلا خلاف، ولكن دون فضل المؤمنة .
قوله: (إرباً منه) الإرب بكسر الهمزة وإسكان الراء هو العضو والجمع آراب، قال الحافظ
في الفتح (٥: ١٠٤): فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون في الرقبة نقصان ليحصل الاستيعاب
وأشار الخطابي إلى أنه يغتفر النقص المجبور بمنفعة كالخصي مثلاً إذا كان ينتفع به فيما لا ينفع
بالفحل، وما قاله في مقام المنع، وقد استنكره النووي وغيره، وقال: لا شك أن في عتق
الخصي وكل ناقص فضيلة، ولكن الكامل أولى.
٢٢ - (٠٠٠) - قوله: (داود بن رشيد) بضم الراء وفتح الشين.

٢٩٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ رَقِبَةٌ، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا،
عُضْواً مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ. حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ)).
٣٧٧٦ - (٢٣) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عُمَرَ بْنٍ
عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه
يَقُولُ: ((مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ، عُضْواً مِنَ النَّارِ. حَتَّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ
بِفَرْجِهِ».
٣٧٧٧ - (٢٤) وحدّثني حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. حَدَّثَنَا عَاصِمٌ
(وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ الْعُمَرِيُّ). حَدَّثَنَا وَاقِدٌ (يَعْنِي أَخَاهُ). حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ (صَاحِبُ
عَلِيِّ بْنِ حُسَينٍ) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِم
أَعْتَقَ امْرَءاً مُسْلِماً، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ، بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ، عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ)). قَالَ: فَانطَلَقْتُ
حِينَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَذَكَرْتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. فَأَعْتَقَ عَبْدَاً لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ
قوله: (حتى فرجه بفرجه) استشكله ابن العربي بأن الفرج لا يتعلق به ذنب إلا الزنى، وهو
كبيرة لا تكفر إلا بالتوبة، ثم قال: فيحتمل أن يكون المراد أن العتق يرجح عند الموازنة، بحيث
يكون مرجحاً لحسنات المعتق ترجيحاً يوازي سيئة الزنا، نقله الحافظ ثم قال: ولا اختصاص
لذلك بالفرج، بل يأتي في غيره من الأعضاء مما آثاره فيه كاليد في الغصب مثلاً، والله أعلم.
٢٣ - (٠٠٠) - قوله: (سعيد بن مرجانة صاحب علي بن حسين) يعني: أن سعيد بن مرجانة
معروف بلقب (صاحب علي بن الحسين) لأنه كان ملازماً لعلي بن حسين وهو زين العابدين بن
الحسين، فعرف بصحبته، وسعيد بن مرجانة هذا منسوب إلى أمه، واسم أبيه عبد الله، ويكنى
سعيد أبا عثمان، ووهم من جعله سعيد بن يسار أبا الحباب فإنه غيره عند الجمهور، وقد ذكره
ابن حبان في التابعين وأثبت روايته عن أبي هريرة، كذا في فتح الباري.
٢٤ - (٠٠٠) - قوله: (امرأ مسلماً) استدل به بعض العلماء على أن إعتاق الذكر أفضل من
إعتاق الأنثى، وخالفهم آخرون، فقالوا: إعتاق الأنثى أفضل، لأن إعتاقها يجعل ولدها حراً،
سواء تزوجها حر أو عبد، بخلاف الذكر، فإنه إن تزوج أمة لم يكن ولده حراً، وقال الأولون:
إن إعتاق المرأة ربما يستلزم ضياعها لفقد من يمونها، فإعتاق الذكر أفضل، وقد ورد في
الأحاديث فضل عتق الذكر والأنثى جميعاً، كما في رواية النسائي وغيره.
قوله: (فأعتق عبداً له) اسم هذا العبد مطرف، كما في رواية إسماعيل بن أبي حكيم عند
أحمد وأبي عوانة وأبي نعيم في مستخرجيهما على مسلم، كذا في فتح الباري.
قوله: (قد أعطاه) أي في مقابلة ذلك العبد، ولعل مراده أنه عرض عليه هذا الثمن لاشترائه

٢٩١
كتاب: العتق
ابْنُ جَعْفَرِ عَشْرَةَ آلاَفِ دِرْهَم، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ .
(٦) - باب: فضل عتق الوالد
٣٧٧٨ _ (٢٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ،
عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: (لاَ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِداً إِلَّ
أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكاً فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ))، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةً: ((وَلَدٌ وَالِدَهُ» .
فأبى، أو يكون المراد أنه أعطاه هذا المبلغ جائزة على إعتاقه، ولم أر من صرح به، والله
سبحانه أعلم، والمقصود هو التنبيه على غلاء العبد ونفاسته.
[(٦) - باب: فضل عتق الولد]
٢٥ - (١٥١٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه في
الأدب، باب بر الوالدين، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في حق الوالدين، وأحمد
(٢: ٢٣٠ و٢٦٤ و٣٧٦ و٤٤٥).
قوله: (فيشتريه فيعتقه) يعني: لا يقوم ولد بما لأبيه من حق إلا أن يصادفه مملوكاً فيعتقه،
والإعتاق يترتب عليه بمجرد الشراء، عند الجمهور، وخالفهم أهل الظاهر فقالوا: لا يترتب
العتق بمجرد الشراء، بل لا بد من إنشاء عتق، واحتجوا بمفهوم هذا الحديث، فإن ظاهره أنه لا
يقع العتق بمجرد الشراء وإنما يحتاج إلى إعتاق، ودليل الجمهور حديث سمرة بن جندب عند
الترمذي وأبي داود وابن ماجه أنه ظلَّلا قال: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)) وهو حجة أبي
حنيفة على أن جميع ذوي الأرحام المحرمة يعتقون بالشراء، خلافاً للشافعي فإنه يقول بعتق
الأصول والفروع فقط، وخلافاً لمالك، فإنه يقول بعتق الأصول والفروع والإخوة والأخوات
فحسب، وأما أبو حنيفة فعمل بكل معنى الحديث فعمم الحكم في جميع الأقارب المحرمين .
وأما الجواب عن استدلال أهل الظاهر بحديث الباب فقالوا: إنه لما تسبب في عتق أبيه
بالشراء نسب العتق إليه .
ولقد أحسن السنوسي في شرحه لصحيح مسلم حيث قال: ((وقد يجاب لهم أيضاً بأن
الحديث من باب التعليق على المحال للمبالغة، والمعنى لا يجزي ولد والده إلا أن يملكه فيعتقه
باختياره، وهو محال، فالمجازاة محال، كما قال في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ
اُلِسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فلا يحل
لكم غيره وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته، كما يعلق
بالمحال، ويجوز أن تكون الفاء في قوله كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيكُمْ فَقُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾.
[البقرة: ٥٤] إذا جعلت التوبة نفس القتل)) وهو كلام متين جداً، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب وإليه المرجع والمآب.

٢٩٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٧٩ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَبِيعٌ. حِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا
أَبِي. ح وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا أَبُوَ أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ. كُلَّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ.
بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالُوا: ((وَلَدٌ وَالِدَهُ)).
قد تم الفراغ بفضل الله سبحانه من شرح كتاب العتق في ضحى يوم الجمعة الواحد
والعشرين من ذي الحجة سنة ١٤٠٠ هـ وقد بقي في نهاية القرن الرابع عشر تسعة أيام أو ثمانية
أيام، وأنا عازم على سفر أفريقيا، ويتلوه إن شاء الله تعالى كتاب البيوع، وسأشرع فيه بحول الله
سبحانه بعد الرجوع من هذا السفر، ويكون هذا الشروع في مطلع القرن الخامس عشر إن شاء
الله تعالى، أسأل الله سبحانه التوفيق لصالح الأعمال والأخلاق ولإكمال هذا الشرح كما يحبه
سبحانه ويرضاه، وأستغفره وأتوب إليه في كل ما فرط مني ومن سائر المسلمين في هذا القرن،
وأدعوه سبحانه أن يوفقنا في القرن القادم لكل خير ويعصمنا من الشرور والفتن، إنه سميع مجيب
الدعوات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

٢٩٣
كتاب: البيوع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
(٢١) - كتاب: البيوع
كتاب البيوع
قد جرت عادة أكثر المؤلفين في الفقه والحديث أنهم يذكرون البيوع بعد النكاح والطلاق،
وذلك لأنهم يبدأون بالعبادات المحضة فيذكرون الصلاة والزكاة والحج، ثم يأتون بما فيه شأن
من العبادة، وشأن من المعاملة، وذلك هو النكاح، ثم يذكرون ما يتعلق به من طلاق أو لعان،
وما يشابهه من عتاق، ثم يذكرون المعاملات المحضة ويبدؤونها بالبيوع لأنها أكثر المعاملات
وقوعاً وأعظمها فائدة.
فبكتاب البيوع ننتقل الآن إلى باب عظيم من أبواب الدين، وهو باب المعاملات، ويجدر
بنا قبل الخوض في أبحاثه أن نأتي ببحث موجز نشرح فيه بعض الأصول الاقتصادية التي جرى
عليها الشرع، والتي أصبحت أسساً للاقتصاد الإسلامي، فإن الغفلة عنها ربما تؤدي إلى أخطاء
فكرية شنيعة، ولا سيما في عصرنا هذا، الذي جعل المعيشة والاقتصاد أكبر همه ومبلغ علمه
وغاية رغبته، حتى أصبحت مسائل الاقتصاد مثاراً للبحوث وميداناً للحروب فيما بين النظريات
الحديثة من الرأسمالية والاشتراكية .
١ - مسألة الاقتصاد في الإسلام:
يجب أن يتنبه قبل الخوض في مشاكل المعيشة والاقتصاد لنكتة تميز الاقتصاد الإسلامي
مما سواه من النظريات الاقتصادية، وذلك أن الإسلام وإن كان يعارض الرهبانية في تركها
المرافق الدنيوية وكراهتها الاشتغال بطلب الرزق، ويعتبر نشاط الإنسان في المجال الاقتصادي
مباحاً، بل ربما يستحسنه أو يستوجبه، ولكن على رغم ذلك كله لا ينظر الإسلام إلى الاقتصاد
كمشكلة أساسية للإنسان، كما لا يعتبر التقدم الاقتصادي غاية الحياة الإنسانية.
ومن هنا يتضح الفرق الكبير الأساسي بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد المادي وهو أن
الاقتصاد المادي يعتبر ((المعيشة)) مقصداً أساسياً للإنسان، ويرى أن الثروة والرفاهية هي الغاية
المنشودة والمقصد الأصيل لجميع ما يفعله الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ولا مقصد له فوق
ترفيه نفسه أو ترفيه غيره من بني آدم سواه.

٢٩٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وأما الاقتصاد الإسلامي فيعترف من ناحية بأن طلب المعيشة واكتساب الرزق مما لا
يستغني عنه إنسان، غير أنه لا يسمح له من ناحية أخرى، بأن يجعل طلب المعيشة أكبر همه أو
مبلغ علمه أو غاية رغبته، ولذلك نرى أن القرآن الكريم يذم الرهبانية في جانب، ويأمر بابتغاء
فضل الله، ويعبر عن التجارة بابتغاء فضل الله، وعن المال (بالخير)، وعن الغذاء (بالطيبات من
الرزق)، وعن اللباس (بزينة الله)، وعن المسكن (بالسكن)، ولكن نرى مع ذلك في جانب آخر
أنه يعبر عن الحياة الدنيا (بمتاع الغرور) ويذم الدنيا في كثير من الآيات.
وليس ذلك من التعارض أو التناقض في شيء، وإنما السر وراء ذلك أن القرآن يرى إلى
وسائل المعيشة كلها كمراحل يمر بها الإنسان في طريقه إلى غايته التي يتوخاها، وهي فضائل
الأخلاق التي تمهد الطريق إلى رضا الله والسعادة الأبدية في الآخرة، ولا شكَّ أن مشكلة
الإنسان الحقيقية وغايته المقصودة تتلخص في الحصول على هذه السعادة، وبما أنها لا تتيسر
بدون المرور على الطرق الشائكة من الدنيا لا بد من الحصول على كل ما نحتاج إليه في الحياة
الدنيا .
فما دامت وسائل المعاش تحل في حياة الإنسان محل قنطرة يتخذها معبراً إلى مقره
الحقيقي، رادف ذلك معنى (فضل الله) و(الخير) و(زينة الله) و(السكن)، أما إذا فقد الإنسان
طريقه وجذبته زخارف هذه الحياة، ووقع فريسة الأحلام والأوهام، واتخذ الوسائل غاية ونسي
غايته الأصلية، فإن هذه الوسائل تتحول إلى (متاع الغرور) و (الفتنة) و (العدو) كما نطق بذلك
القرآن الكريم.
وقد صرح الله سبحانه هذا المعنى في قوله جل وعلا: ﴿وَأَبْنَغْ فِيمَآ ءَاتَنكَ اللَّهُ الدَّارَ
اْأَخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].
٢ - حقيقة الثروة والملكية:
والأمر الثاني الأساسي الذي يحمل أهمية كبيرة في موضوع الاقتصاد الإسلامي: هو أن
الثروة مهما كان شكلها إنما هي مخلوق الله وملكيته، والذي يملكه الإنسان هو منحة الله له،
يقول الله سبحانه: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور: ٣٣] وقد أشار القرآن الكريم إلى
السبب في ذلك في موضع آخر، وذلك أن الإنسان لا يتمكن في إنتاج شيء أكثر من أن يبذل
جهوده في رفع الموانع، وأما إثمار جهوده وإيجاد نتائجها فلا يمكن إلا بأمر الله، إذ ليس في
وسع الإنسان إلا أن يبذر البذور في الأرض ويزيل عنها الأحجار والموانع الأخرى، وأما إنبات
البذور وتحويلها إلى غرس ثم شجر، فلا يمكن إلا بقدرة الله سبحانه، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿أَفَ يْتُم مَّا تَخْرُونَ ﴿٦َ ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمْ تَحْنُ الَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] ويقول: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَا
لَهُم مِّمَا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمًا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ﴾ [يس: ٧١].

٢٩٥
كتاب: البيوع
إن هذه الآيات تلقي ضوءاً ساطعاً على النقطة الأساسية في حقيقة الثروة وملكيتها، وهي
أن الثروة مهما كانت في شكل إنما يملكها الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يرزقها الإنسان وبما
أن الثروة ملك الله، فلا يمنح الأنسان هذه الملكية إلا بطرق خاصة وضعها في الشريعة
الإسلامية، وبما أن الله سبحانه هو الذي منح الإنسان حق التصرف فيها فلا بد من أن يخضع
الإنسان في تصرفاته لأحكام الله. ولذلك فإن الإنسان يملك الأشياء ويتصرف فيها ولكنه لا
يحمل حرية مطلقة في تصرفه واستعماله إياها، بل يلزم عليه أن يخضع لحكم الله وأمره ويقف
عند حدوده ويتبع قوانينه، فلا ينفق الثروة إلا على ما أمره الله به، ويمسك عما نهى عنه، وقد
أوضح الله سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَئِكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ اُلْفَسَادَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٧٧].
إن هذه الآية تشرح فلسفة الملكية في الإسلام، وتتلخص منها أحكام تالية:
١ - كل ما لدى الإنسان من ثروة إنما هي منحة الله له.
٢ - يجب أن لا ينسى الإنسان غايته، وهي الآخرة، عند تصرفه فيها .
٣ - وبما أن الثروة مما آتاه الله فيتصرف فيها حسب أوامر الله، وذلك بوجهين:
أما أولاً: فأن يأمره الله بإعطاء مالِه بغيره، وهذا أمر يجب امتثاله، لأن الله سبحانه قد
أحسن إليه في منحه الملكية على مالِه، فله أن يأمره بالإحسان إلى غيره.
وأما ثانياً: فأن ينهاه عن أي تصرف في ذلك المال، وذلك لأنه لا يأذن له بصرف المال
في أمر يسبب مفاسد اجتماعية أو فساداً في الأرض.
وتلك هي الخصيصة البارزة للملكية في الإسلام تميزه عن الرأسمالية والاشتراكية في
الملكية، ومن المعلوم أن أساس الرأسمالية يقوم على المادية في الواقع والعمل، وهي ترى أن
الإنسان مستبد بمالِه وثروته بدون أن تشاركه قوة أخرى في التصرف والاستعمال، وله الحق كل
الحق أن يفعل فيه ما شاء، وقد ذم القرآن الكريم هذه العقلية حينما أشار إلى ما كانت قوم
شعيب تقول له: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمَُ أَنْ تَغْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْاْ﴾ [هود:
٨٧].
إنهم عندما كانوا يعتقدون أن المال ملك لهم في الحقيقة دون أن يكون هناك من رَزَقَهُم
إياه، فأطلقوا كلمة ((أموالنا)) وادعوا فيه تصرفهم وملكيتهم بقولهم: ﴿نَّفْعَلَ فِىّ أَمَوَلِنَا مَا نَشَتُؤْأَ﴾
[هود: ٨٧] وهي نتيجة حتمية لهذه العقلية .
وهذه الفكرة التي تظاهر بها قوم سيدنا شعيب ظلّلا إنما هي الروح الأصيلة في الرأسمالية،
وقد حطم القرآن فكرة الرأسمالية هذه باستبدال العقلية التي تنسب المال إلى الإنسان بعقلية تنادي

٢٩٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أن المال مال الله، وأردف ذلك قوله: ﴿الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور: ٣٣] ليضرب على جذور الاشتراكية
التي تنكر الملكية الفردية ولا تقر بها في أي حال.
ويتسنى لنا الآن أن نميز الإسلام من الرأسمالية والاشتراكية، ونخص كل واحد من هذه
الثلاثة بما يمتاز به عن غيره، فنقول:
الرأسمالية: تصطنع الملكية الفردية التي تنطلق عن كل قيد وحد.
والاشتراكية: ترفض الملكية الفردية (في وسائل الإنتاج على الأقل) ولا تُقِرُّ بها في أي
حال.
والإسلام: يعترف بالملكية الفردية، ولكنه لا يطلقها حراً منطلقاً عن القيود والحدود، ولا
يرخى لها العنان حتى يسبب الفساد في الأرض.
مقارنة أصولية بين النظم الاقتصادية الحديثة وبين الإسلام:
وبعد تمهيد هاتين المقدمتين نريد أن نبين الفرق الأصولي بين الإسلام والنظريات
الاقتصادية الحديثة، ونشرح مبادىء هذه النظم ومدى خطئها في نظر الإسلام.
تلخيص مسائل الاقتصاد:
فاعلم أن المسائل الأساسية لكل نظام اقتصادي أربعة لا بد لكل نظام من حلها، وهي في
اصطلاح الاقتصاديين مسألة الترجيحات، ومسألة استخدام الوسائل، ومسألة توزيع الثروة،
ومسألة الازدهار.
وأما مسألة الترجيحات، فيريدون بها ترتيب المنتجات المطلوبة حسب ضرورة المجتمع
ومدى الحاجة إليها فإن كل مملكة تملك أراضي للزرع تصلح لشتى أنواع المزروعات، ومبلغاً
من الوسائل الطبيعية التي تصلح للاستعمال في أنواع من المنتجات، فلا بد لكل مملكة أن ترجح
بعض المنتجات على بعض حسب ضرورتها وحاجتها إلى تلك المنتجات، لكي تصرف أرضها
في المزروعات المطلوبة ومصانعها في المنتجات الضرورية فإن مملكة واحدة، مثلاً، تستطيع أن
تنتج حنطة وأرزاً، وتستطيع أيضاً أن تنتج البن والتنباك فلا بد لها أن تحدث فيما بين هذه
الأشياء ترتيباً وترجح بعضها على بعض حسب ضرورتها يكون أكثر نفعاً للمجتمع.
وأما مسألة استخدام الوسائل، فيريدون توزيع الوسائل على إنتاج الأشياء المطلوبة بقدر
مناسب، فلا بد لكل مملكة - إذا كانت تريد الرفاهية في الاقتصاد - أن تستخدم هذه الوسائل
حسبما قررته من ترجيحات، وتقسم وسائلها على الإنتاجات المختلفة بما يكون أكثر نفعاً وأدر
ربحاً للمجتمع، فلا بد لها أن تعين: كم أرضاً ينبغي أن تشتغل بإنتاج الحنطة؟ وكم ينبغي أن

٢٩٧
كتاب: البيوع
٠٠.
تصرف في زراعة الأرز؟ وكم في زراعة قصب السكر؟ وكم مصنعاً ينبغي أن تقام لصناعة الثياب؟
وكم لاصطناع السكر وكم لإنتاج الأدوية؟ وما إلى ذلك. وينبغي أن يكون ذلك حسب ضرورة
المجتمع وحسب الترجيحات التي عيناها في المسألة الأولى، لئلا تضيع الوسائل في إنتاج شيء
غير مطلوب.
وأما مسألة توزيع الثروة، فيريدون بها أننا إذا حصلنا على مبلغ من الثروة المادية بعد
استخدام الوسائل الطبيعية فكيف نوزع تلك الثروة على المواطنين؟ وما هو معيار التوزيع فيما
بینھم؟
وأما مسألة الازدهار، فيريدون بها أن كل مجتمع يحتاج إلى أن لا يقف في عمل إنتاجه
على حد، بل لا بد له أن يرتقي في هذا العمل، حتى يمكن له اختراع الأشياء الجديدة وابتكار
الطرق المفيدة في كل ناحية من نواحي الصناعة المادية، فينبغي أن يكون في المملكة نظام يقوم
بنفسه للتحريض على الارتقاء والتشجيع على الابتكار.
فهذه هي العناصر الأربعة لكل نظام اقتصادي، واختلفت النظريات العصرية في طريق حل
هذه المشاكل، وسوف نعبر عن هذه المسائل الأربعة بالتنظيم الاقتصادي في كلامنا الآتي
نظرية الرأسمالية:
فأما الرأسمالية فتقول لا سبيل إلى التنظيم الاقتصادي إلا بأن نعطي كل فرد من أفراد
المجتمع حرية كاملة في كسب المعيشة، لكي يجتهد في الحصول على أكثر ما يمكن من ربح
وثروة، فإذا فعلنا ذلك انحلت هذه المشاكل الأربعة بطبيعتها، وحصل التنظيم الاقتصادي بصورة
تلقائية .
وتفصيل ذلك - حسب ما يقرره الرأسماليون - أن هناك قوتين طبيعيتين يقوم عليهما التنظيم
الاقتصادي، وهما ((العرض والطلب)) فأما العرض فهو حمل التاجر بضاعته إلى السوق لبيعها،
والطلب إتيان المشتري إلى السوق لشرائها، ومن القوانين الاقتصادية المعروفة أن العرض كلما
ازداد على الطلب انخفضت الأسعار، وكلما انتقص العرض عن الطلب ارتفعت الأسعار، فإذا
كان في السوق ألف ثوب من نمط واحد مثلاً، ولا يوجد من مشتريه إلا سبعمائة، فلا جرم
ينخفض سعر الثوب لأن العرض كثير والطلب قليل، ولكن إذا كان المشترون أكثر من ألف يرتفع
سعر الثوب طبعاً لكون الطلب أكثر من العرض.
فكلما كان الإنسان له حرية كاملة في كسب معيشته فإنه لا يعرض إلى السوق إلا ما كثر
طلبه، لكي يحصل على كثير من الربح، لأنه إن عرض إلى السوق بضاعة تقل الحاجة إليها وتقل
طلبها، لم يمكن له أن يبيعها لسعر مرتفع، فيقل ربحه، ولذلك فإن كل رجل في المعيشة مجبور

٢٩٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
على إنتاج ما يحتاج إليه المجتمع والكف عما لا يحتاج إليه، وذلك بطبيعة قوى العرض
والطلب.
فيقول الرأسماليون إن هاتين القوتين تنظمان جميع النشاطات الاقتصادية، وبهما تنحل
مسائل الترجيحات ومسائل استخدام الوسائل، فإذا جاءت مسألة الترجيحات مثلاً، فإن الرجل
الذي يحمل حرية كاملةً في تحصيل أكثر ما يمكن من ربح، لا يرجح في إنتاجه إلا ما كثر طلبه
وازدادت الحاجة إليه، وإذا جاءت مسألة استخدام الوسائل فإن الرجل لا يستخدم وسائله إلا في
إنتاج ما هو الأكثر ربحاً، ولا يكون الشيء أكثر ربحاً حتى يكثر طلبه، ولا يكثر طلبه حتى يحتاج
إليه المجتمع.
فحينما تصنع مثلاً أحذية كثيرة بالنسبة للطلب فإن أسعارها ستنخفض، ولربما تنخفض إلى
ما دون تكاليف الإنتاج، وإذا كانت الحالة كذلك فسوف يتوقف بعض المنتجين عن الإنتاج،
ومن ثم فسوف يتقلص العرض وتبدأ الأسعار بالارتفاع، وإذا ما توقف عدد كبير من المنتجين
عن الإنتاج فلربما ترتفع الأسعار إلى مستويات عالية، بحيث تدفع بعض المنتجين في خارج
الصناعة إلى الدخول في الصناعة ثانية، ومثل هذه التجربة ستستمر حتى نحصل على نقطة من
التوازن، فلا يكون عرض الأحذية في السوق إلا بقدر طلبه، وهذا هو المراد.
وأما مسألة توزيع الثروة، فإن قوتي العرض والطلب تنظمان التوزيع أيضاً عند
الرأسماليين، وذلك أن الثروة إنما يستحقها عناصر الإنتاج، وهي: الأرض، والمال، والعمل
والمستثمر فالأرض تستحق الكراء، والمال يستحق الربا أو الفائدة، والعمل يستحق الأجر،
والمستثمر يستحق الربح، ولا يتعين مقدار الكراء والفائدة والأجر والربح إلا بقوتي العرض
والطلب. فإذا كان طلب الأرض أكثر من عرضها ارتفع كراؤها، وإذا كان طلبها أقل انخفض
الكراء، وكذلك إن كان طلب المال أكثر من عرضها ارتفع قدر الفائدة وإذا انعكس الأمر
انخفض قدرها، وقيس على ذلك العمل أيضاً، فإن كان طلب العمل - يعني طلب الأجرة - أكثر
من عدد الأجراء الموجودين إزدادت الأجرة، وإن كان طلبه أقل انخفضت.
وهكذا فإن قوتي العرض والطلب تنظمان توزيع الثروة.
وأما مسألة الازدهار فإنها تنحل على نفس هذه الشاكلة، وذلك أن كل إنسان لما كان حراً
في تحصيل أكثر ما يمكن من ربح وثروة، فإنه سيجتهد في اختراع الأشياء الجديدة، وابتكار
الآلات الحديثة، لتزداد الرغبة فيها ويرتفع سعرها، فيحصل المقصود وهو الازدهار.
فهذه هي فلسفة الرأسمالية الأساسية، وإذا شئت أن تلخص أصول هذه الفلسفة تبين أنها
تقوم على أسس تالية:

٢٩٩
كتاب: البيوع
٠٠٠٠٠٠
١ - حرية التملك: حيث يملك الأفراد جميع السلع إنتاجية كانت أو استهلاكية، ملكية
كاملة حرة، بلا تكاليف وإلزام.
٢ - حرية اقتصادية: فللأفراد أن يقيموا مشروعاتهم ويستثمروا أموالهم من غير تدخل من
الدولة، فالسوق هي العامل المنظم المسيطر، والمنافسة بين قوى الإنتاج وعناصره من ناحية،
والمنافسة بين المستهلكين في سبيل الحصول على السلع التي يريدونها من ناحية أخرى، هي
ظاهرة يتميز بها الاقتصاد الحر، وهي في نفس الوقت ضمان لانتظام السوق وتحقيق مصالح
الجميع .
٣ - حرية الربح: فالربح في الرأسمالية جزاء لصاحب العمل، وللمنظم تلقاء عملهما
وتخطيطهما، فلا يمكن تقييد هذه الحرية من قبل الدولة. لأن الرأسمالية تعتبر جهاز الأثمان
وقوتي العرض والطلب كالعامل الفعال المسيطر الذي يوجه النشاط الاقتصادي بصورة تلقائية،
فلا حاجة إلى تدخل الحكومة.
نظرية الاشتراكية:
وأما الاشتراكية فقامت على ضد الرأسمالية، وقالت: لا ينبغي أن نفوض أمر التنظيم
الاقتصادي إلى قوتي العرض والطلب اللتين لا عقل لهما ولا فهم، فإنهما قوتان عمياوان، لا
نحصل بهما على نقطة من التوازن إلا بعد أزمات اقتصادية وضرر كثير. على أنه ليس بيد هاتين
القوتين زر كهربائي يقف عمل الإنتاج بضغطه، أو يبدأ مرة ثانية بفكه، بل إن تغيير أوضاع
الإنتاج عمل يأخذ زمناً طويلاً، وفي أثناء هذا الزمن الطويل تضيع الوسائل فيما لا حاجة إليه .
فلا بد لنا إذا كنا نريد التنظيم الاقتصادي حسب ما يقتضيه المجتمع، أن لا نترك أحداً يملك
وسائل الإنتاج، ملكية شخصية، وإنما تكون وسائل الإنتاج كلها بأيدي الدولة، وهي التي تعمل
التخطيط الاقتصادي (Economic Planning)، فتقرر حاجات المجتمع، ومقادير تلك الحاجة، ثم
تنظم وسائل الإنتاج لاستخدامها في سد تلك الحاجات، فكل عمل من أعمال الإنتاج يكون وفقاً
لهذا التخطيط، فالدولة هي التي تقدر الترجيحات، وهي التي تنظم الوسائل، وهي التي تعين
أجور العاملين، فإنه لما كانت جميع الوسائل بيد الحكومة، لم يبق عند الشعب إلا عملهم، فبه
يعطون الأجور على قدر ما يعملون، فلا حاجة إلى ربح، ولا إلى فائدة أو رباً، ولا إلى كراء.
وإنما توزع الثروة فيما بين الشعب في صورة الأجور، وإن كلا من الربح والفائدة والكراء ممنوع
في فلسفة الاشتراكية، لأن قيمة البضاعة عندهم إنما هو قيمة العمل فقط، وأما ما يطالب به
البائع أو المؤجر في السوق الرأسمالية زيادة على قدر العمل في صورة الربح أو الربا أو الكراء،
فيسمى عندهم (فائض القيمة) وبالانكيزية (Surplus Value) وهو ظلم عندهم مطلقاً .

٣٠٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
نقد الإشتراكية من وجهة نظر الإسلام:
فأما الاشتراكية فقد أخطأت في أول خطوة من خطوات فكرها، وذلك أن مثل هذه
المسائل الاجتماعية لا تنحل بتخطيط من الحكومات، وإن تفويضها إلى التخطيط الحكومي
خارج عن فطرة الإنسان، فإن اختيار المرء لمجال من المجالات الاقتصادية شيء يتعلق بمناسبته
الطبيعية وعلاقته الفطرية، ولو جعلناه تحت إجبار الحكومات صار شيئاً مصطنعاً خارجاً عن
طبيعته وفطرته .
وهذا كما أننا نرى في كل مملكة عدداً من الفتيان والفتيات، ويقع بينهم الزواج حسب
مناسباتهم الفطرية وعلاقة بعضهم مع بعض، وربما نرى أن هذا النظام التلقائي للزواج قد يحدث
نزاعات فيما بينهم، ولكن لا يتصور عاقل أبداً لسد هذه النزاعات أن يكون هناك تخطيط من قبل
الحكومة، فتكون الحكومة تعين أن الفتى الفلاني إنما سيتزوج الفتاة الفلانية، وأن الفتاة الفلانية
لا ينكحها إلا الفتى الفلاني، ولو فعلت الحكومة ذلك كان أمراً خارجاً عن فطرة الإنسان
وطبيعته، وإنما يجري هذا النظام على أساس المناسبات والعلاقات لا دخل فيها للحكومة ولا
لتخطيط من الخارج.
فكذلك التنظيم الاقتصادي ينبغي أن يسير على هذه الشاكلة، ولا يتبع التخطيط الخارجي،
فإن في ذلك مفاسد كثيرة:
أما أولاً: فإن ذلك يقتضي أن تكون جميع وسائل الإنتاج بيد الحكومة، والحكومة لا
تتألف من الملائكة، ولا من الناس المعصومين، وإنما هي عبارة عن طائفة صغيرة من الأفراد
يحملون نفس العواطف والأهواء والأغراض التي نجدها في صدور ناس آخرين، فلو أرادت هذه
الطائفة استعمال تلك الوسائل الجمة في اتباع أهوائها، وقطعت النظر عن مصالح الشعب، لظهر
في الأرض فساد كبير.
وأما ثانياً: فإن هذا التخطيط - مهما دقت طرقه وابتكرت أساليبه - لن يستطيع أن يضمن
لحاجات المجتمع الحقيقية، فإن الحاجات تتغير يوماً بعد يوم، ولا يكون التخطيط إلا مرة أو
مرتين في سنة واحدة، فكيف يتكفل هذا التخطيط لسد الحاجات التي تحدث في أثناء السنة؟
وإن العلم بهذه الحاجات المتغيرة والعمل على وفقها يحتاج أيضاً إلى زمن طويل، فيعود على
الاشتراكية نفس الاعتراض الذي أوردته على الرأسمالية.
وأما ثالثاً: فإن هذا النظام المخطط لا يسير، ولا يستطيع أن يسير، إلا بجبر نهائي من
الحكومة، فإنه ربما يقتضي تحميل الفرد ما لا يرضاه، وإجباره على خدمة لا يوافقها، فيحصل
منه صراع بين مصالح الفرد ومصالح التخطيط.