Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب: الطلاق
٣٦٦٧ - (٠٠٠) وحدّثناه الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٣٦٦٨ - (٢٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي
خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِ﴿ فَلَمْ نَعُدَّهُ
طَلاَقاً .
العشرة وشهوات النفوس وحظوظها التي تكون من بعض الناس، بل هي منافسة في أمور الآخرة
والقرب من سيد الأولين والآخرين والرغبة فيه وفي خدمته ومعاشرته والاستفادة منه وفي قضاء
حقوقه وحوائجه وتوقع نزول الرحمة والوحي عليه عندها ونحو ذلك، ومثل هذا حديث ابن
عباس وقوله في القدح: ((لا أوثر بنصيبي منك أحداً)) ونظائر ذلك كثيرة.
٢٤ - (١٤٧٧) - قوله: (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) أخرجه أيضاً البخاري في باب من
خير نساءه من الطلاق، وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي كلهم في باب الخيار
من الطلاق، وأحمد في مسند عائشة (٦ - ٤٥، ٤٧، ٤٨، ٧٨).
قوله: (فلم نعده طلاقاً) وفي رواية الشعبي عند البخاري: (فلم يعد ذلك علينا شيئاً) وبه
أخذ الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، فقالوا: إذا خير الرجل امرأته
فاختارته لا يقع بذلك طلاق، وحكى الترمذي عن علي أنه يقع بذلك طلقة رجعية (١)، وحكاه ابن
قدامة عن الحسن أيضاً، وذكره الترمذي عن أحمد، ولكنه رواية إسحاق بن منصور عنه،
والصحيح أن مذهبه مذهب الجمهور، كما صرح به ابن قدامة في المغني (٧ - ١٥٠) وروي عن
زيد بن ثابت أنه يقع به طلاق بائن، كما حكاه عنه الحافظ في الفتح (٩ - ٣٢٢) ونسبه الخطابي
والنقاش إلى مالك، ولكنه لا يصح عنه، والصحيح عنه أنه مع الجمهور، وحديث عائشة هذا
حجة لهم على خصومهم.
ويؤيد قول الجمهور من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها
لزوجها طلاقاً لاتحدا، فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى
البقاء في العصمة، كذا في فتح الباري.
هذا إذا اختارت المخيرة زوجها، وأما إذا اختارت نفسها فهي ثلاث عند مالك والليث،
وهو المروي عن زيد بن ثابت، وقال أبو حنيفة: هي واحدة بائنة، وهو المروي عن عمر وابن
مسعود وعلي يه، وقال الشافعي وأحمد: هي طلقة رجعية، وهو مذهب إسحاق والثوري وابن
أبي ليلى، وهو المروي عن ابن عباس. هذا ملخص ما في فتح الباري والمغني لابن قدامة (٧ -
١٤٢) وعارضة الأحوذي (٥ - ١٤٠).
(١) فما ذكره النووي من أنه يقع عنده طلاق بائن، لم أجد له أصلاً، ويرده ما أخرجه ابن أبي شيبة عن عليّ.

١٨٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٦٩ - (٢٥) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ. قَالَ: مَا أُبَالِي خَيَّرْتُ امْرَأَتِي وَاحِدَةً
أَوْ مِائَةً أَوْ أَلْفاً. بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي. وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ،
أَفَكَانَ طَلاَقاً؟
٣٦٧٠ - (٢٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
وحجة الحنفية قصة بريرة غيّا، فإنها خيرت عند عتقها فاختارت نفسها، فلم يملك زوجها
الرجعة، حتى كان يطوف في سكك المدينة يبكي عليها ودموعه تسيل على لحيته، ولو ملك
رجعتها لما احتاج إلى بكاء ولا شفاعة، فدل على أنه كان فراق بينونة، وليس عند الشافعية
والحنابلة في هذا حديث مرفوع. وحجتنا خلاف مالك أنها لم تطلق بلفظ الثلاث ولا نوت ذلك
ولا نواها الزوج، فلم تطلق ثلاثاً كما لو أتى الزوج بالكناية الخفية.
ثم اختلفوا في التخيير هل يتقيد بالمجلس أولاً؟ فعند الأئمة الأربعة يتقيد، وروي ذلك عن
عمر وعثمان وابن مسعود وجابر ظه، وبه قال عطاء وجابر بن زيد ومجاهد والشعبي والثوري
والأوزاعي. وقال الزهري وقتادة وأبو عبيد وابن المنذر ومالك في إحدى الروايتين أن ذلك لا
يتقيد بالمجلس، ولها الخيار في المجلس وبعده ما لم يفسخ أو يطأ. كذا في المغني لابن قدامة
(٧ - ١٤٧) وحكاه الحافظ في الفتح عن الحسن ومحمد بن نصر من الشافعية، وعن الطحاوي
من الحنفية أيضاً .
واحتجوا بالحديث السابق حيث وقع فيه: ((إني ذاكر لك أمراً فلا تعجلي حتى تستأمري
أبويك)) فإنه ظاهر في أنه فسح لها إذ أخبرها أن لا تختار شيئاً حتى تستأذن أبويها، ثم تفعل ما
يشيران به عليها، وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير.
وأجاب عنه الحافظ في الفتح: ((ويمكن أن يقال: يشترط الفور أو ما داما في المجلس
عند الإطلاق، فأما لو صرَّح الزوج بالفسحة في تأخيره بسبب يقتضي ذلك فيتراخى، وهذا الذي
وقع في قصة عائشة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل خيار كذلك)). قال العبد الضعيف عفا الله
عنه: وهذا الجواب جار على مذهب الحنفية أيضاً، فقد صرح فقهاء الحنفية بأنه إذا زاد الزوج
(متى شئت) أو (اليوم) أو لفظاً آخر مما يوسع له في الخيار لم يتقيد بالمجلس. وراجع البحر
الرائق (٣: ٣١١).
٢٥ - (٠٠٠) - قوله: (ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة) إلخ يعني: لا يقع بذلك شيء
مادامت زوجتي تختارني، وقد روى مثل قول مسروق عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس
وعائشة وعطاء وسليمان بن يسار وربيعة والزهري، كما في عمدة القاري (٩: ٥٤٢).
قوله: (أفكان طلاقاً؟) استفهام إنكار، تعني: لم يكن ذلك طلاقاً .

١٨٣
كتاب: الطلاق
عَاصِم، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ،وَ لِهِ خَيَّرَ نِسَاءَهُ. فَلَمْ يَكُنْ
طَلَاَقاً.
٣٦٧١ - (٢٧) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
عَاصِمِ الأَحْوَلِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَة. قَالَتْ:
خَيََّنَا رَسُولُ اللّهِ بِهِ. فَاخْتَرْنَاهُ. فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَقاً .
٣٦٧٢ - (٢٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ (قَالَ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَه فَاخْتَرْنَاهُ. فَلَمْ يَعْدُذْهَا عَلَيْنَا شَيْئاً.
٣٦٧٣ - (٠٠٠) وحدثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زكرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا
الأَعمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشةَ، بِمِثْلِهِ.
٣٦٧٤ - (٢٩) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ
إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأُذَنُ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوساً بِبَابِهِ لمْ يُؤْذِنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأُذِنَ لأَّبِي بَكْرٍ .
فَدَخَلَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ. فَوَجَدَ النَّبِيَّ نَّهِ جَالِساً، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ. وَاجِماً
سَاكِتَاً. قَالَ: فَقَالَ:
٢٩ - (١٤٧٨) - قوله: (وحدثنا زهير بن حرب) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه مسلم من
بين الصحاح الستة، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى في عشرة النساء كما في تحفة الأشراف
للمزي (٢: ٢٩٧) وأخرجه أحمد أيضاً في مسند جابر (٣: ٣٢٨ و٣٤٢).
قوله: (حوله نساؤه) قال علي القاري: لعل هذا قبل نزول الحجاب ولكن يرده ما حققه
الحافظ في الفتح (٨: ٤٠١) و (٩: ٢٥٠) من أن التخيير كان سنة تسع بعد نزول الحجاب.
وأما دخول أبي بكر أو عمر على أمهات المؤمنين فلا يلزم منه رفع الحجاب، ويحتمل أن تكون
مرتديات، ولعل مسارعتهن إلى الحجاب كان هو السبب في تأخير الإذن بدخولهما، والله سبحانه
أعلم.
قوله: (واجماً) وجم الرجل يجم (من باب وعد) وجوماً، إذا أسكته الهم وعلته الكآبة،
فهو واجم أي متهم، كذا في مجمع البحار.
قوله: (قال: فقال) أي: أبو بكر رضيُه في نفسه، ووهم الشيخ علي القاري فجعل قائل هذه
المقولة عمر، وسيأتي الرد عليه.

١٨٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِأَقُولَنَّ شَيْئاً أُضْحِكُ النَّبِيَّ وَهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةً! سَأَلَتْنِي
النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ وَقَالَ: ((هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَىُ.
يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَّةَ. فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ
قوله: (أضحك النبي ◌َّر) وفي بعض النسخ: (يضحك النبي وَلـ) قال النووي: ((فيه استحباب
مثل هذا، وأن الإنسان إذا رأى صاحبه مهموماً حزيناً يستحب له أن يحدثه بما يضحكه أو يشغله
ويطيب نفسه)) اهـ. وقال الشيخ السهروردي كثّفُ في آداب المريدين: عن علي ◌َّ ◌ُبه أنه قال: ((كان
النبي ◌َّه يسر الرجل من أصحابه إذا رآه مغموماً بالمداعبة)) كذا في المرقاة لعلي القاري.
قوله: (لو رأيت بنت خارجة) وفي رواية أحمد (٣: ٣٢٨) (بنت زيد)، وهي امرأة أبي
بكر رضي بته، اسمها حبيبة بنت خارجة بن زيد، أو بنت زيد بن الخارجة، كما في الإصابة (٤ :
(٢٦) فنسبت في بعض الروايات إلى أبيها وفي بعضها إلى جدها، ومن هنا يتبين أن قائل هذا
القول أبو بكر ظُه، ووقع في رواية عبد الملك وأبي عامر وابن لهيعة عند أحمد (٣: ٣٢٨ و
٣٤٢) التصريح بأن قائله عمر، وصرح علي القاري في المرقاة أيضاً ينسبة هذا القول إلى عمر،
والظاهر أن كل ذلك وهم، لأني لم أجد في أزواج عمر رَظُله من تسمى بنت خارجة أو بنت
زيد، وإنما أزواجه زينب بنت مظعون، ومليكة بنت جرول، وجميلة بنت عاصم، وأم كلثوم بنت
علي، كما في المعارف لابن قتيبة (١: ١٨٤) وتهذيب الأسماء للنووي (٢: ١٥)، وبنت خارجة
أو بنت زيد إنما كانت زوجة لأبي بكر الصديق ظُبه. ويدل على أن قائله أبو بكر أنه بادر إلى
القيام إلى عائشة لوج؛ عنقها قبل أن يقوم عمر، كما هو مصرح في الحديث. ويظهر من كلام
النووي تغذّفُ في شرحه أنه جعل هذا القول لأبي بكر دون عمر، لأنه قال: ((وفيه فضيلة لأبي بكر
الصدیق رضپئه)) .
قوله: (فوجأت عنقها) وجأ العنق يجأه (من باب فتح) إذا طعنه، كذا في مجمع البحار،
وفي المغرب: الوجءُ الضرب باليد، وقال الطيبي: الوجُ الضرب والعرب تحترز عن لفظ
الضرب فلذلك عدل إلى الوجءُ، وفي القاموس: وجأه باليد والسكين كوضعه: ضربه، وجاء
الوجأ بمعنى الدق على ما في النهاية، كذا في المرقاة. ثم هكذا وقع هذا القول في الروايات
الصحيحة بالشرط والإنشاء، ووقع في رواية عند أحمد (٣: ٣٤٢): ((يا رسول الله! إن ابنة زيد
سألتني النفقة فوجأتها)) بطريق الإخبار، ولكن في سنده ابن لهيعة ويروي عنه غير العبادلة.
قوله: (فضحك رسول الله). وفي رواية عند أحمد (٣: ٣٢٨): ((فضحك النبي اتَّر حتى
بدا نواجذه)).
قوله: (يسألنني النفقة) يعني زيادة النفقة على المقدار المعتاد، وإلا فكان رسول الله وصالخير
يعزل نفقة أهله سنة، كما أخرجه الشيخان وغيرهما. قال العيني: ((إنهن اجتمعن يوماً فقلن: نريد
ما تريد النساء من الحلي حتى قال بعضهن: لو كنا عند غير النبي ### لكان لنا شأن وثياب

١٨٥
كتاب : الطلاق
يَجَأُ عُنْقَهَا. فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنْقَهَا. ◌ِلاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا
لَيْسَ عِنْدَهُ. فَقُلْنَ: وَاللَّهِ! لاَ نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ شَيْئاً أَبَداً لَيْسَ عِنْدَهُ. ثُمَّ اغْتَزَلَهُنَّ شَهْراً
أَوْ تِسْعاً وَعِشْرِينَ. ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هُذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾، حَتَّى بَلَغَ،
﴿لِلْمُحْسِشَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ. فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ،
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْرِضَ عَلَيْكِ أَمْراً أُحِبُّ أَنْ لاَ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ)) قَالَتْ: وَمَا
هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلاَ عَلَيْهَا الآيَةَ. قَالَتْ: أَفِيكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. وَأَسْأَلُكَ أَنْ لاَ تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ. قَالَ؛ ((لاَ
تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلاَّ أَخْبَرْتُها. إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنْتاً وَلاَ مُتَعَنْتَاً. وَلَكِنْ بَعثَنِي مُعَلِّماً
مُيَسِّراً)).
وحلي، وقيل: إن كل واحدة منهن طلبت شيئاً، فطلبت أم سلمة معلماً، وميمونة حلة يمانية،
وزينب ثوباً مخططاً، وأم حبيبة ثوباً سحولياً، وحفصة ثوباً من ثياب مصر، وجويرية معجزاً،
وسودة قطيفة خيبرية، إلا عائشة ثا فلم تطلب شيئاً. كذا في تفسير الأحزاب من عمدة القاري
(٩ : ٩٥)، والله سبحانه أعلم.
قوله: (يجأ عنقها) وفي رواية عبد الملك وغيره عند أحمد: ((فقام أبو بكر رَبُبه إلى عائشة
ليضربها وقام عمر إلى حفصة)).
قوله: (فقلن والله لا نسأل) إلخ وزاد أحمد قبله: (فنهاهما رسول الله (َّ﴿) يعني نهى أبا
بكر وعمر عن ضربهما، وهو اللائق بمكارم أخلاقه وَليغو .
قوله: (ثم اعتزلهن شهراً) وستأتي قصة الاعتزال في حديث عمر وابن عباس مفصلة.
قوله: (وأسألك أن لا تخبر امرأة) إلخ كأنها أرادت أن تختار بعض نسائه الفراق، قال
الحافظ: فيه أن الغيرة تحمل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها،
ولكنه وَيّ لما علم أن الحامل لها على ذلك ما طبع عليه النساء من الغيرة ومحبة الاستبداد دون
ضرائرها لم يسعفها بما طلبت من ذلك. (تفسير الأحزاب من فتح الباري ٨: ٤٠٢).
قوله: (معنتاً ولا متعنتاً) وفي رواية أحمد: (معنفاً) والمعاني متقاربة، فأما المعنت فهو من
عنّته، إذا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه، والمتعنت هو الذي يطلب زلة غيره، كما في
القاموس، وأما التعنيف فهو التشديد والتوبيخ كما في مجمع البحار وغيره. والمراد أنني لا أريد
أن أشق على نسائي أو أطلب زلاتهن، فلا أمسك عن إخبارهن باختيارك.
قوله: (ولكن بعثني معلماً ميسراً) زاد أحمد: ((لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا
أخبرتها)).

١٨٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٥) - باب: في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن،
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾
٣٦٧٥ - (٣٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيْل. حَدُّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللّهِ بَ له نِسَاءَهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ. فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ
بِالْحَصَى وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ نِسَاءَهُ. وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ. فَقَالَ
ذكر من اختارت نفسها:
ثم قد مر في حديث عائشة أن أزواج النبي * كلهن قد اخترنه وَلقر، وهو الصحيح
المحفوظ، وذكر ابن العربي عن ابن شهاب أن امرأة واحدة منهن اختارت نفسها فذهبت وكانت
بدوية اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية، اختارت الفراق، فذهبت فابتلاها الله تعالى بالجنون،
ويقال: إن أباها تركها ترعى غنماً له فصارت في طلب إحداهن، فلم يعلم ما كان من أمرها إلى
اليوم. وذكر ابن سيد الناس عن أبي عمر أن اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي،
وذكر أنها كانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول: أنا الشقية، اخترت الدنيا، ولكن هذه الروايات قد
رد عليها ابن العربي في أحكام القرآن (٢: ١٦٢) وابن سيد الناس في عيون الأثر (٢: ٣١٠).
وراجع لتحقيق هذه الروايات الإصابة للحافظ ابن حجر تحت ترجمة فاطمة بنت الضحاك
الكلابية (٤: ٣٧١). والله سبحانه وتعالى أعلم.
[(٥) - باب: في الإيلاء واعتزال النساء ... إلخ]
قوله: (حدثني عمر بن الخطاب) إلخ هذا حديث طويل أخرجه المصنف ههنا مختصراً
ومطولاً، وقد أخرجه غيره أيضاً، فربما اختصر وربما فصل، وهو عند البخاري في باب التناوب
في العلم، وفي باب الغرفة والعلية من المظالم، وفي باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها من
كتاب النكاح، وفي تفسير سورة التحريم، وأخرجه النسائي في باب كم الشهر من الصوم،
والترمذي في تفسير سورة التحريم.
قوله: (ينكتون بالحصى) يعني: يضربون بها الأرض كفعل المهموم المتفكر.
قوله: (وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب) استدل به ابن العربي في أحكام القرآن (٢: ١٦١)
وغيره على أن واقعة التخيير كانت قبل نزول الحجاب، ولكن رد عليه الحافظ في الفتح فقال:
(«هو غلط بَيِّنٌ، فإن نزول الحجاب كان في أول زواج النبي وَلّل زينب بنت جحش، وهذه القصة
كانت سبب نزول آية التخيير وكانت زينب بنت جحش فيمن خير، وقد تقدم ذكر عمر لها في
قوله: (ولا حسن زينب بنت جحش)، وسيأتي بعد ثمانية أبواب (في صحيح البخاري) من طريق

١٨٧
كتاب: الطلاق
عُمَرُ: فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذُلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ. فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ!
أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ وَلِ؟ فَقَالَتْ: مَالِي وَمَالَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟
عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ
شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ وَبِّهِ؟ وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ لاَ يُحِبُّكِ. وَلَوْلاً
أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ. فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ. فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ بِ؟ قَالَتْ:
أبي الضحى عن ابن عباس قال: أصبحنا يوماً ونساء النبي وَ ل* يبكين إلخ، فحضور ابن عباس
ومشاهدته لذلك يقتضي تأخر هذه القصة عن الحجاب، فإن بين الحجاب وانتقال ابن عباس إلى
المدينة مع أبويه نحو أربع سنين، لأنهم قدموا بعد فتح مكة، فآية التخيير على هذا نزلت سنة
تسع لأن الفتح كان سنة ثمان، والحجاب كان سنة أربع أو خمس)) قال العبد الضعيف عفا الله
عنه: ومما يقوي قول الحافظ ابن حجر أن حديث عمر في باب موعظة الرجل ابنته من النكاح
يدل على أن التخيير وقع بعد قصة العسل، لأن فيه: ((فاعتزل النبي وَل و نساءه من أجل ذلك
الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة)) وهذا الحديث كان في قصة العسل، وكانت قصة العسل
مع زينب كما مر، فبهذا يظهر أن نكاح زينب كان قبل التخيير، وقد ثبت أن الحجاب إنما نزل
في وليمة زينب، فدل على أن التخيير كان بعد نزول الحجاب، وأما حديث الباب فقال فيه
الحافظ: ((وأحسن محامله عندي أن يكون الراوي لما رأى قول عمر أنه دخل على عائشة ظن أن
ذلك قبل الحجاب فجزم به، ولكن جوابه أنه لا يلزم من الدخول رفع الحجاب فقد يدخل من
الباب وتخاطبه من وراء الحجاب، كما لا يلزم من وهم الرواي في لفظة من الحديث أن يطرح
حديثه كله)) .
قوله: (عليك بعيبتك) أي: عليك بخاصتك وموضع سرك، والعيبة وعاء يجعل فيه الإنسان
أفضل ثيابه ونفيس متاعه، فشبهت بها عائشة حفصة ابنة عمر، والمراد: عليك بوعظ ابنتك
حفصة .
قوله: (ولولا أنا لطلقك رسول الله ( 38) كأنه إشارة إلى ما رواه موسى بن علي عن أبيه عن
عقبة بن عامر قال: ((طلق رسول الله وَل حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر، فحتى التراب على
رأسه وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها؟ فنزل جبريل من الغد على النبي ◌ّ﴿ل فقال: إن الله
يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر))، وفي رواية أبي صالح عند أبي يعلى: ((دخل عمر على
حفصة وهي تبكي، فقال: لعل رسول الله وَّه قد طلقك، إنه كان قد طلقك مرة ثم راجعك من
أجلي، فإن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبداً)) ذكرهما الحافظ في ترجمة حفصة من الإصابة
(٤ : ٢٦٥) .
وأخرج ابن سعد عن قيس بن زيد مرسلاً: ((أن رسول الله وَ لّ طَلَّقَ حفصة بنت عمر فأتاها

١٨٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ. فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحِ غُلاَمِ رَسُولِ اللَّهِ وَيْهِ قَاعِداً عَلَى أُسْكُفّةٍ
الْمَشْرُبَةِ. مُدَلِّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبِ. وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَيَنْحَدِرُ .
فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأُذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَهِ. فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ. ثُمَّ نَظَرَ
إِلَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً. ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. فَنَظَرَ رَبَاحٌ
إِلَى الْغُرْفَةِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ. فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً .
خالاها عثمان وقدامة ابنا مظعون فبكت وقالت: والله ما طلقني رسول الله وَلير عن شبع. فجاء
رسول الله ﴿﴿ فدخل عليها فتجلببت، فقال رسول الله وَله: إن جبريل علّلا أتاني فقال لي: أَرْجِعْ
حفصة فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة)). راجع طبقات ابن سعد (٨: ٨٤).
قوله: (في المشربة) هو بفتح الراء وبضمها بمعنى الغرفة العلية، وقال ابن قتيبة: هي
كالصفة بين يدي الغرفة، وقال الداودي: هي الغرفة الصغيرة، وقال ابن بطال: المشربة الخزانة
التي يكون فيها طعامه وشرابه، وقيل لها مشربة فيما أرى لأنها كانوا يخزنون فيها شرابهم، كذا
في عمدة القاري (٦: ١٣٧)، وذكر في مجمع البحار أن المشربة بمعنى الخزانة مفتوحة الراء
فقط، وأما بمعنى الغرفة فتفتح راءها وتضم.
قوله: (أسكفة) بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء، وهي عتبة الباب السفلى.
قوله: (مدل برجليه) هو اسم فاعل بمعنى التدلية، وهو مد الرجلين إلى الأسفل كالدلو في
البئر.
قوله: (على نقير من خشب) النقير هو الجذع المنقور، وفي بعض النسخ: ((فقير)) وهو
بمعنى المفقور، مأخوذ من فقار الظهر، والمراد جذع فيه درج، كذا في شرح النووي.
قوله: (رباح) هو بفتح الراء من موالي رسول الله (ص 98، كان يأذن عليه و سلو، كما في عيون
الأثر (٢ : ٣١٤).
قوله: (استأذن لي) وفيه جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بواباً يمنع من يدخل إليه بغير
إذنه، وأما ما رواه أنس عند البخاري وغيره في المرأة التي وعظها النبي نَّ فلم تعرفه ثم جاءت
إليه: محمولاً على الأوقات التي يجلس فيها للناس، قاله الحافظ في فتح الباري (٩: ٢٥٦)
قوله: (فنظر رباح إلى الغرفة) استيذاناً من النبي ◌َثر.
قوله: (ثم نظر إلي فلم يقل شيئاً) وفي رواية البخاري: ((فدخل الغلام فكلّم النبي ◌َّ ثم
رجع فقال: كلمت النبي ◌َّل﴿ وذكرتُكَ له فَصَمْتَ)). قال الحافظ: يحتمل أن يكون رسول الله،وَل
نائماً، أو ظن أن عمر جاء يستعطفه على أزواجه لكون حفصة ابنته منهن.
ثم قد أرشد الحديث إلى أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته عند الأمر يطرقه من

١٨٩
كتاب: الطلاق
ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْنِي فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَِّهِ. فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلهَ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةً. وَاللَّهِ، لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ بِضَرْبِ
عُنُقِهَا لِأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا. وَرَفَعْتُ صَوْتِي. فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ. فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ
وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ. فَجَلَسْتُ. فَأَذْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَإِذَا الْحَصِيرُ
قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ. فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ طَهِ. فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ
الصَّاعِ. وَمِثْلِهَا قَرَظاً فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ. وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ. قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ. قَالَ: (مَا
يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟)) قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَمَالِي لاَ أَبْكِي؟ وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي
جَنْبِكَ. وَهُذِهِ خِزَانَتُكَ لاَ أَرَىُ فِيهَا إِلَّ مَا أَرَىْ. وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَىُ فِي الثِّمَارِ وَالأَنْهَارِ.
جهة أهله حتى يذهب غيظه، ويخرج إلى الناس وهو منبسط إليهم، وإلى الرفق بالأصهار والحياء
منهم إذا وقع للرجل من أهله ما يقتضي معاتبتهم، وإلى أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام،
لأنه غالِّلا لو أمر غلامه برد عمر لم يجز لعمر العودة إلى الاستئذان مرة بعد أخرى، فلما سكت
فهم عمر من ذلك أنه لم يؤثر رده مطلقاً، وإلى أن الحاجب إذا علم منع الإذن بسكوت
المحجوب لم يأذن، وإلى أن الاستئذان مشروع ولو كان الرجل وحده لاحتمال أن يكون على
حالة يكره الاطلاع عليها. كذا في فتح الباري.
قوله: (ثم رفعت صوتي) كأنه أراد أن يبلغ صوته إلى النبي وَ لجر، وفيه جواز تكرار
الاستئذان إذا رجا صاحبه الإذن.
قوله: (أن أرقه) أمر من الرقي بمعنى الصعود، وإلهاء إما للوقف وإما للضمير العائد إلى
الجذع .
قوله: (قرظاً) القرظ بفتحتين ورق شجر يقال له السلم، قال أبو حنيفة: القرظ أجود ما
يدبغ به الأهب (يعني الجلود) في أرض العرب، وهي تدبغ بورقه وثمره، وقال مرة: القرظ شجر
عظام لها سوق غلاظ أمثال شجر الجوز، ورقه أصغر من التفاح، وله حب يوضع في الموازين،
وهو ينبت في القيعان، واحدته قرظة، وبها سمي الرجل قرظة وقريظة، وقال ابن جزلة: أقاقيا
هو عصارة القرظ، وفيه لذع، وأجوده الطيب الرائحة الرزين الصلب الأخضر، يشد الأعضاء
المسترخية إذا طبخ في ماء وصب عليها، كذا في تاج العروس للزبيدي.
قوله: (أفيق) هو بفتح الهمزة وكسر الفاء، الأديم المدبوغ قبل أن يخرز، أو قبل أن يشق،
وقيل: هو ما دبغ بغير القرظ والأرطى وغيرهما من أدبغة أهل نجد، وقيل: هو حين يخرج من
الدباغ مفروغاً منه وفيه رائحته، وقيل: أول ما يكون من الجلد في الدباغ فهو منيئة، ثم أفيق، ثم
يكون أديماً، وجمعه أفق بفتح الهمزة والفاء كأديم وأدم. هذا ملخص ما في تاج العروس.

١٩٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ وَصَفْوَتُهُ. وَهْذِهِ خِزَانَتُكَ. فَقَالَ: (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أَلاَ تَرْضَى أَنْ
تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟)) قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ وَأَنَا أَرَىُ فِي
وَجْهِهِ الْغَضَبَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ
فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُوَنَ مَعَكَ. وَقَلَّمَا
تَكَلَّمْتُ، وَأَحْمَدُ اللَّهَ، بِكَلاَم إِلَّ رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ. وَنَزَلَتْ
هُذِهِ الآيَةُ. آيَةُ التَّخْبِيرِ: ﴿عَنَّى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَجَا خَيْرًا مِنَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ﴿وَإِن
تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِيِنِّ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ﴾ [التحريم: ٤]
وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ وَّرَ. فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: ((لا)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ
يَتْكُتُونَ بِالْحَصَى. يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللّهِ وَّ نِسَاءَهُ. أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟
قوله: (وصفوته) صفوة الشيء بتثليث الصاد، خالصه وما صفا منه، كما في القاموس
والصحاح. والمراد ههنا صفوة خلق الله تعالى عليه الصلاة والسلام.
قوله: (وهذه خزانتك) قال الحافظ: وفيه جواز نظر الإنسان إلى نواحي بيت صاحبه وما
فيه إذا علم أنه لا يكره ذلك، وبهذا يجمع بين ما وقع لعمر وبين ما ورد من النهي عن فضول
النظر، أشار إلى ذلك النووي، ويحتمل أن يكون نظر في بيت النبي وَله وقع أولاً اتفاقاً، فرأى
الشعير والقرظ مثلاً، فاستقله، فرفع رأسه لينظر هل هناك شيء أنفس منه، فلم ير إلا الأهب،
فقال ما قال، ويكون النهي محمولاً على من تعمد النظر في ذلك والتفتيش ابتداء. كذا في فتح
الباري (٩: ٢٥٧).
قوله: (فقال: يا ابن الخطاب) وفي رواية للبخاري في النكاح: ((فجلس النبي ◌َّ- وكان
متكأ فقال: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟)) قال الحافظ: وهذا يشعر بأنه وَ﴾ ظن أنه بكى من
جهة الأمر الذي كان فيه، وهو غضب النبي ◌ّي على نسائه حتى اعتزلهن، فلما ذكر له من أمر
الدنيا أجابه بما أجابه .
قوله: (وإن تظاهرا عليه) خطاب لعائشة وحفصة، والمعنى: فإن تتعاونا عليه وَلّ بما
يسوؤه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره، والآية نزلت في تظاهرهما في قصة العسل أو في قصة
تحريم مارية كما مَرَّ تفصيله .
قوله: (أطلقتهن؟ قال: لا) لأنه ود ليل إنما آلى من نسائه شهراً، ولم يطلقهن، وسيأتي ذكر
الإيلاء في الحديث الآتي.
قوله: (والمسلمون ينكتون بالحصى) وفيه ما كان الصحابة عليه من محبة الاطلاع على
أحوال النبي ◌َّهِ جَلَّتْ أو قَلَّتْ، واهتمامهم بما يهتم له. ◌ُّه.

١٩١
كتاب: الطلاق
قَالَ: ((نَعَمْ. إِنْ شِئْتَ)) فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ. وَحَتَّى كَشَرَ
فَضَحِكَ. وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْراً. ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ لَهُ وَنَزَلْتُ. فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ
وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا
كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةٌ وَعِشْرِينَ. قَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ)) فَقُمْتُ عَلَى بَابِ
الْمَسْجِدِ. فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ نِسَاءَهُ. وَنَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا
قوله: (حتى تحسر الغضب عن وجهه) يعني انكشف، والكشر: بدو الأسنان، يقال: كشر
الرجل عن أسنانه (من باب ضرب) إذا أبداها في الضحك، والثغر (بفتح الثاء وسكون الغين)
مقدم الأسنان، كما في القاموس.
قوله: (أتشبث بالجذع) يعني: أستمسك به خوفاً من السقوط.
قوله: (ما يمسه بيده) يعني: لا يمس الجذع لعدم مخافته وّهو من السقوط، إما لزيادة
تمكنه الر، وإما لاعتياده ذلك.
قوله: (إنما كنت في الغرفة تسعاً وعشرين) وفيه تذكير الحالف بيمينه إذا وقع منه ما ظاهره
نسيانها، لأن عمر ◌ُله خشي أن يكون ◌َ﴾ نسي مقدار ما حلف عليه وهو شهر، فذكره اَليات،
وسيأتي في شرح آخر حديث (٣٥٨٠) جواب إشكال يرد على هذه العبارة، وهو أنه كيف صار
هذا اليوم تاسعاً وعشرين مع أنه أول يوم اطلع فيه عمر باعتزال النبي ◌َّ نساءه.
قوله: (إن الشهر يكون تسعاً وعشرين) قال الحافظ: ((وفيه تقوية لقول من قال: إن يمينه ال
اتفق أنها كانت في أول الشهر، ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين، وإلا فلو اتفق ذلك في أثناء
الشهر فالجمهور على أنه لا يقع البر إلا بثلاثين)» قلت: وهو مذهب الحنفية كما في رد المحتار
(٤: ٤٢٤ باب الإيلاء، و٧٩٣ كتاب الأيمان).
قوله: (ونزلت هذه الآية) المشهور في هذه الآية أنها نزلت في الأخبار التي كان المنافقون
وغيرهم يشيعونها في المدينة في أمر الحروب، قال ابن عباس: ((إذا غزت سرية من المسلمين
خبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمين (؟) من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من
المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي وَلّر يخبرهم به، .... ولو ردوه إلى
الرسول: حتى يكون هو الذي يخبرهم به، وإلى أولي الأمر منهم: أولي الفقه والدين)) كذا في
الدر المنثور (٢: ١٨٦)، ومثله في تفسير ابن جرير (٥: ١٠٦).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ولا يعارضه حديث الباب، لما تقور في موضعه أنه لا
تزاحم في أسباب النزول، فيمكن أن يكون لهذه الآية سببان، والذي يظهر لهذا العبد الضعيف
أن الله تعالى ذكر في الآية أمرين: أمراً من الأمن، وأمراً من الخوف، فلعل الأول سببه ما ذكره

١٩٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ اُلْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوَ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
اُلَّذِينَ يَسْتَنَِّطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَظْتُ ذُلِكَ الأَمْرَ. وَأَنْزَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ آيَةً
التَّخْبِيرِ.
٣٦٧٦ - (٣١) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ). أَخْبَرَنِي يَحْيَى. أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عَبَّاسِ يُحَدِّثُ. قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ. فَمَا أَسْتَطِيعُ
أَنْ أَسَّأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ. حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ
إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ. فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ. ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ
اللَّتَانِ تَظَاهَرَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَه مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَالَ: فَقُلْتُ
لَهُ: وَاللَّهِ، إِنْ كُنْتُ لِأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هُذَا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ. قَالَ: فَلاَ
تَفْعَلْ. مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَسَلْنِي عَنْهُ. فَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: وَقَالَ
عُمَرُ :
عمر ظُه في حديث الباب، فإن خبر الطلاق كان في حالة الأمن، والثاني سببه ما ذكره ابن
عباس رضيته، والله أعلم.
قوله: (أخبرني يحيى) والمراد به يحيى بن سعيد الأنصاري كما في الطرق الآتية.
قوله: (فما أستطيع أن أسأله) قال المهلب: فيه توقير العالم ومهابته عن استفسار ما يخشى
من تغيره عند ذكره، وترقب خلوات العالم ليسأل عما لعله لو سئل عنه بحضرة الناس أنكره على
السائل، ويؤخذ منه مراعاة المروءة، كذا في الفتح (٩: ٢٥٥)، ثم قال الحافظ: وفيه حسن
تلطف ابن عباس وشدة حرصه على الاطلاع على فنون التفسير، وفيه طلب علو الإسناد، لأن
ابن عباس أقام مدة طويلة ينتظر خلوة عمر ليأخذ عنه، وكان يمكنه الأخذ بواسطة عنه ممن لا
يهابه، وفيه حرص الصحابة على طلب العلم وضبط أحوال الرسول وَله.
قوله: (عدل إلى الأراك) يعني: عدل عن الطريق المسلوكة إلى طريق لا يسلك غالباً
ليقضي حاجته، وكان ذلك بمر الظهران كما سيأتي، والأراك شجر معروف ترعاه الإبل.
قوله: (ثم سرت معه، فقلت) قال الحافظ: وفيه البحث في العلم في الطرق والخلوات
وفي حال القعود والمشي.
قوله: (فلا تفعل) قال المهلب: وفي الحديث سؤال العالم عن بعض أمور أهله وإن كان
عليه فيه غضاضة إذا كان في ذلك سنة تنقل ومسألة تُحْفَظ، وفيه مهابة الطالب للعالم وتواضع
العالم له، كذا في الفتح.
قوله: (قال وقال عمر) قال الحافظ: وفيه سياق القصة على وجهها وإن لم يسأل السائل

١٩٣
كتاب : الطلاق
وَاللَّهِ، إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْراً. حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ. وَقَسَمَ
لَهُنَّ مَا قَسَمَ. قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَأْتَمِرُهُ. إِذْ قَالَتْ لِي امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا!
فَقُلْتُ لَهَا: وَمَالَكِ أَنْتِ وَلِمَا هُهُنَا؟ وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجباً لَكَ،
يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ حَتَّى يَظَلَّ
يَوْمَهُ غَضْبَانَ. قَالَ عُمَرُ: فَآَخُذُ رِدَائِي ثُمَّ أَخْرُجُ مَكَانِي. حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ. فَقُلْتُ
لَهَا: يَا بُنَيَّةُ! إِنَّكِ لَتْوَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللَّهِ!
إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ. فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ. يَا بُنَيَّةُ! لاَ تَغُوَّنَّكِ
هُذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا. وَحُبُّ رَسُولِ اللّهِ وَ لَه إِيَّاهَا. ثُمَ خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أُمِّ
سَلَمَةَ. لِقَرَابَتِي مِنْهَا. فَكَلَّمْتُهَا. فَقَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: عَجباً لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! قَدْ دَخَلْتَ
فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِي أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَأَزْوَاجِهِ! قَالَ: فَأَخَذَتْنِي أَخْذَاً
عن ذلك إذا كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وبيان، وخصوصاً إذا كان العالم يعلم أن
الطالب يؤثر ذلك.
قوله: (ما نعد للنساء أمراً) يعني: كنا نحكم عليهن ولا يحكمن علينا، بخلاف الأنصار
فكانوا بالعكس من ذلك، وفي رواية يزيد بن رومان: ((كنا ونحن بمكة لا يكلم أحد امرأته إلا
إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته))، وفي رواية الطيالسي: «كنا لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن
في أمورنا)) كذا في فتح الباري.
قوله: (حتى أنزل الله فيهن ما أنزل) يعني: حتى أمرنا الله بأداء حقوقهن، كما في قوله
تعالى: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِلْعُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وفي رواية البخاري في اللباس: ((فلما جاء
الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك حقاً علينا من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا)).
قوله: (فبينما أنا في أمر أءتمره) يعني: بينما أنا أشاور نفسي في أمر وأفكر فيه .
قوله: (لو صنعت كذا وكذا) يعني: أشارت عليَّ بشيء وأغلظت لي فيه، كما هو مصرح
في رواية البخاري في اللباس. وفي رواية يزيد بن رومان: ((فقمت إليها بقضيب فضربتها به،
فقالت: يا عجباً لك يا ابن الخطاب إلخ)).
قوله: (تراجع) المراجعة هي الترادد في الكلام والمناظرة فيه.
قوله: (لا تغرنك هذه) يعني به عائشة رضيها، وقد صرح به الراوي في رواية عبد العزيز بن
عبد الله عند البخاري في تفسير التحريم، والمراد أن لا تقيسي نفسك على عائشة ولا تسيري
سيرها في كل شيء، لأنها أحب إلى رسول الله و 8 منك، فربما يصدر من دلالها برسول الله ول
ما لا يليق بك.

١٩٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضٍ مَا كُنْتُ أَجِدُ. فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا. وَكَانَ لِ صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ. إِذَا
غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ. وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ. وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ
غَسَّانَ. ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا. فَقَدِ امْتَلأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ. فَأَتَى صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ
يَدُقُّ الْبَابَ. وَقَالَ: افتَح. افْتَحْ. فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ: أَشَدُّ مِنْ ذُلِكَ. اعْتَزَلَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَزْوَاجَهُ. فَقُلْتُ:
قوله: (كسرتني عن بعض ما أجد) أي: أخذتني بلسانها أخذاً دفعتني عن مقصدي
وكلامي، وفي رواية لابن سعد: ((فقالت أم سلمة: إي والله، إنا لنكلمه، فإن تحمل ذلك فهو
أولى به وإن نهانا عنه كان أطوع عندنا منك، قال عمر: فندمت على كلامي لهن)) وفي رواية
يزيد بن رومان: ((ما يمنعنا أن نغار على رسول الله ( 8* وأزواجكم يغرن عليكم)) وكان الحامل
لعمر على ما وقع منه شدة شفقته وعظم نصيحته، فكان يبسط على النبي ◌َّلّ فيقول له افعل كذا
ولا تفعل كذا، كقوله احجب نساءك وقوله لا تصل على عبد الله ابن أبي وغير ذلك، وكان
النبي ◌ّر يحتمل ذلك لعلمه بصحة نصيحته وقوته في الإسلام، كذا في فتح الباري.
قوله: (وكان لي صاحب من الأنصار) إلخ وقال النووي: فيه استحباب حضور مجالس
العلم واستحباب التناوب في حضور العلم إذا لم يتيسر لكل واحد الحضور بنفسه اهـ. قلت:
وبهذه المناسبة أورد البخاري هذا الحديث في باب التناوب في العلم. وقال الحافظ في الفتح:
وفيه قبول خبر الواحد ولو كان الآخذ فاضلاً والمأخوذ عنه مفضولاً، ورواية الكبير عن الصغير.
وفيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم وغيره، لما علم من
حال عمر أنه كان يتعانى التجارة إذ ذاك. كذا في فتح الباري (١: ١٦٨).
قوله: (ملوك غسان) الأشهر أنه غير منصرف، وقيل: منصرف، أفاده النووي.
قوله: (امتلأت صدورنا منه) أي: غيظاً أو خوفاً .
قوله: (جاء الغساني) وقد سماه في رواية ابن سعد: الحارث بن أبي شمر.
قوله: (أشد من ذلك) فيه ما كان عليه الصحابة من الاهتمام بما يهتم له رسول الله وَله لأنه
جعل اعتزال نسائه أشد من طروق ملك الشام الغساني بجيوشه إلى المدينة، وذلك لأنه كان
يتحقق أن عدوهم ولو طرقهم مغلوب ومهزوم، واحتمال خلاف ذلك ضعيف، بخلاف الذي
توهمه من تطليق رسول الله 8# أزواجه، فإن وقوع الغم بذلك متيقن.
قوله: (اعتزل رسول الله * أزواجه) وفي رواية سفيان الآتية: ((طلق النبي وَلّ نساءه))
ولعل الراوي في روايتنا هذه رواها بالمعنى، لأن أكثر الروايات على الطلاق، وأخرج ابن
مردويه من طريق سلمة بن كهيل عن ابن عباس أن عمر قال: ((لقيني عبد الله ابن عمر ببعض طرق
المدينة، فقال إن النبي (وَ لّ طلق نساءه)) وهذا إن كان محفوظاً محمول على أن ابن عمر لاقى أباه

١٩٥
كتاب : الطلاق
رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ. ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ. حَتَّى جِئْتُ. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَ فِي
مَشْرُيَةٍ لَّهُ يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ. وَغُلاَمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ. فَقُلْتُ: هذَا
عُمَرُ. فَأُذِنَ لِي. قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ هذَا الْحَدِيثَ. فَلَمَّا بَلَغْتُ
حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ. وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ. وَتَحْتَ رَأْسِهِ
وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمِ حَشْوُهَا لِيفٌ. وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظاً مَضْبُوراً. وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُباً مُعَلَّقَةً.
فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿. فَبَكَيْتُ. فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكَ؟)) فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ. وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ :
((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا وَلَكَ الآخِرَةُ؟)).
٣٦٧٧ - (٣٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ.
أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ عُمَرَ. حَتَّى
إِذَا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطولِهِ. كَنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
قُلْتُ: شَأْنُ الْمَرْأَتَيْنِ؟ قَالَ: حَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ. وَزَادَ فِيهِ: وَأَتَيْتُ الْحُجَرَ فَإِذَا
وهو يجيء من منزله فأخبره بمثل ما أخبره به الأنصاري، ولعل الجزم بالطلاق وقع من إشاعة
بعض أهل النفاق فتناقله الناس، وأصله ما وقع من اعتزال النبي ◌ّر نساءه ولم تجر عادته
بذلك، فظنوا أنه طلقهن. كذا في فتح الباري (٩: ٢٤٨).
قوله: (رغم أنف حفصة وعائشة) هو بفتح الغين وكسرها، أي: لصق بالرغام وهو التراب
هذا هو الأصل، ثم استعمل في كل من عجز من الانتصاف وفي الذل والانقياد كرهاً. أفاده
النووي .
قوله: (ثم آخذ ثوبي) قال النووي: فيه استحباب التجمل بالثوب والعمامة ونحوهما عند
لقاء الأئمة والكبار احتراماً لهم.
قوله: (بعجلة) وهي درجة من النخل.
قوله: (ليف) وهو: لحي النخل.
قوله: (مضبوراً) بالضاد المعجمة يعني: مجموعاً منضداً، وهو من ضبر الكتب (من باب
ضرب) إذا جعلها في حزمة كذا في القاموس.
قوله: (أهباً) بفتحتين أو بضمتين، جمع الإهاب وهو الجلد قبل الدباغ.
٣٢ - (٠٠٠) - قوله: (شأن المرأتين؟) يعني: ما شأن المرأتين؟ وقد صرح في بعض النسخ
بحرف الاستفهام، كما في حاشية الشيخ محمد ذهني على صحيح مسلم (١ : ٦٧٩).
قوله: (وأتيت الحجر) بضم الحاء وفتح الجيم، جمع حجرة، يريد: بيوت أزواج

١٩٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي كُلِّ بَيْتٍ بُكَاءٌ. وَزَادَ أَيْضاً: وَكَانَ آَلَى مِنْهُنَّ شَهْراً. فَلَمَّا كَانَ تِسْعاً وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيْهِنَّ.
٣٦٧٨ - (٣٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ)
قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ (وَهُوَ مَوْلَى
الْعَبَّاسِ) قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَّرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ
تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَهَ. فَلَبِثْتُ سَنَةً مَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعاً. حَتَّى صَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ .
النبي ◌َّل، والحجرة في اللغة الغرفة وحظيرة الإبل، وتجمع على حجرات أيضاً، كما في
القاموس .
قوله: (في كل بيت بكاء) لما كانت الأزواج فيه من الحزن الشديد لسبب اعتزال النبي وَثله
إیاهن.
قوله: (وكان آلى منهن شهراً) يعني: حلف على عدم قربانهن، ولم يكن ذلك إيلاء بحسب
اصطلاح الفقهاء، فإنه لا يكون لأقل من أربعة أشهر، وإنما كان يميناً كسائر الأيمان، وإطلاق
لفظ الإيلاء عليه في الحديث إطلاق لغوي.
مطلب في الإيلاء:
وأما الإيلاء المصطلح فهو الحلف على ترك قربانها أربعة أشهر أو أكثر، فإن لم يقربها في
هذه المدة ولم يكفر يمينه وقع الطلاق البائن عندنا بمجرد مضي المدة وهو رواية عن مالك،
وقال الشافعي وأحمد وأهل الظاهر: لا يقع الطلاق بمجرد مضي العدة، وإنما يقال للزوج: إما
أن تجامع وإما أن تطلق، فإن امتنع طلق القاضي عليه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لِلَِّينَ يُؤْلُونَ مِن
نِسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَزْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣٦) وَإِنْ عَزَبُواْ الطّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:
٢٢٦ و٢٢٧] فإنه قد ذكر عزم الطلاق بعد التربص، فدل على أن التربص لا يقع بمجرده طلاق.
ولنا ما أخرجه ابن أبي شيبة وأبو حنيفة من طريق الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس
قال: ((إن الفيء الجماع وعزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر)) راجع جامع مسانيد الإمام (٢ :
١٤٦) وروي مثله عن ابن مسعود وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت ريه راجع للتفصيل إعلاء
السنن (١١ : ١٥١) وليس هذا موضع بسط هذه المسألة.
٣٣ - (٠٠٠) - قوله: (وهو مولى العباس) هكذا هو في جميع النسخ: (مولى العباس)!
والصحيح أنه مولى لزيد بن الخطاب، قال البخاري في التاريخ الكبير (٥: ٤٤٦ رقم: ١٤٥١):
((وقال ابن عيينة: مولى آل عباس، ولا يصح؛ حديثه في أهل المدينة)).
قوله: (تظاهرتا على عهد رسول الله وَ﴿) إنما قال ابن عباس: (تظاهرتا على عهده) ولم
يقل (تظاهرتا عليه) أدباً منه لأزواج النبي والتر، أفاده النووي عن القاضي.

١٩٧
كتاب: الطلاق
فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ذَهَبَ يَقْضِي حَاجَتَهُ. فَقَالَ: أَدْرِكْنِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا. فَلَمَّا
قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجَعَ ذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ. وَذَكَرْتُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟
فَمَا قَضَيْتُ كَلاَمِي حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ.
٣٦٧٩ - (٣٤) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ (وَتَقَارَبَا
فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ) (قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: لَمْ
أَزَلْ حَرِيصًاً أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ نَّهِ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِن
نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُّكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضٍ
الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ. فَتَبَرَّزَ. ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ. فَتَوَضَّأَ .
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِّ نَّهِ اللََّانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا :
﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَاْ ﴾ [التحريم:٤]؟ قَالَ عُمَرُ: وَاعَجَباً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ!
(قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَرِهَ، وَاللَّهِ! مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ) قَالَ: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. ثُمَّ أَخَذَ
يَسُوقُ الْحَدِيثَ. قَالَ: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَوْماً نَغْلِبُ النِّسَاءَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا
قَوْماً تَغْلِيُهُمْ نِسَاؤُهُمْ. فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ. قَالَ: وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ
قوله: (أدركني بإداوة من ماء) ليس المراد أن يأتي ابن عباس بالماء ليستنجي به عمر رقا به،
وإنما ذهب عمر ظُه لقضاء حاجته وبعث ابن عباس ليأتي بالماء لوضوئه في أثناء ذلك،
واستنجى عمر بالحجارة، وهو المراد بقول ابن عباس في الرواية الآتية: (عدل عمر وعدلت معه
بالإداوة فتبرز ثم أتاني فسكبت إلخ) ومن ثم قال الحافظ (٩ - ٢٥٥): (وفيه إيثار الاستجمار في
الأسفار وإبقاء الماء للوضوء).
٣٤ - (٠٠٠) - قوله: (عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) هو القرشي النوفلي التابعي
الثقة روى له الجماعة، وليس له عن ابن عباس غير هذا الحديث، كما في عمدة القاري (١ -
٤٩٦) .
قوله: (قال الزهري: كره والله) إلخ أراد الزهري أن يبين منشأ قول عمر: (واعجباً لك يا
ابن عباس) فقال: إنه كره هذا السؤال لما كان يتضمن جوابه نوع شَينٍ على ابنته حفصة، ولكنه
لم يكتم جوابه ديانة منه نظُه، ولكن القرطبي استبعد قول الزهري، لأن عمر أوصاه في نفس
الحديث بأن يسأله عما يشاء ولا يمنعه من ذلك الحياء والمهابة، فكيف يكره هذا السؤال.
والأصح أنه رَؤُّه إنما تعجب من ابن عباس كيف خفي عليه هذا القدر مع شهرته في علم التفسير
وعظيم موقعه في نفس عمر ومع كونه حريصاً على العلم.
قوله: (في بني أمية بن زيد) أي في مواضعهم، فسميت البقعة باسم من نزلها، كذا في

١٩٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
زَيْدٍ، بِالْعَوَالِي. فَتَغَضَّبْتُ يَوْماً عَلَى امْرَأَتِي. فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي. فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي.
فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ وَّه لَيُرَاجِعْنَهُ. وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ
الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ. فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ. فَقُلْتُ: أَتْرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ؟
فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ
فِعَلَ ذُلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ. أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ وََّ. فَإِذَا هِيَ
قَدْ هَلَكَتْ. لاَ تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ وَلِه وَلاَ تَسْأَلِيهِ شَيْئاً. وَسَلِينِ مَا بَدَا لَكِ. وَلاَ يَغُرَّنَّكِ
أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ مِنْكِ (يُرِيدُ عَائِشَةَ). قَالَ: وَكَانَ
لِي جَارٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. فَيَنْزِلُ يَوْماً وَأَنْزِلُ يَوْماً.
فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ. وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذُلِكَ. وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ؛ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ
لِتَغْزُوَنَا. فَنَزَلَ صَاحِبِي. ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي. ثُمَّ نَادَانِي. فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ. فَقَالَ:
حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لاَ. بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذُلِكَ وَأَظْوَلُ. طَلَّقَ
عمدة القاري وبنو أمية هؤلاء فرع من أوس، كما يؤخذ من الفتح (٩ - ٢٤٤).
قوله: (بالعوالي) جمع عالية وهي قرى بقرب المدينة مما يلي المشرق، وكانت منازل
الأوس.
قوله: (ما تنكر أن أراجعك) تعني: أي شيء تنكر في مراجعتي إياك.
قوله: (جارتك) أي ضرتك، أو هو على حقيقته لأنها كانت مجاورة لها، والعرب تطلق
على الضرة جارة لتجاورهما المعنوي لكونهما عند شخص واحد وإن لم يكن حسياً، وقال
القرطبي: اختار عمر تسميتها جارة أدباً منه أن يضاف لفظ الضرر إلى أحد من أمهات المؤمنين،
كذا في الفتح.
قوله: (أوسم) أفعل التفضيل من الوسامة، وهي العلامة، والمراد أجمل، كأن الجمال
وسمه أي أعلمه بعلامة. والمعنى: لا تغتري بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه، فإنها تدل بجمالها
وحب النبي وليّ إياها، فلا تغتري بذلك لاحتمال أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة، كذا في
فتح الباري. وفيه تأديب الرجل ابنته وقرابته بالقول لأجل إصلاحها لزوجها .
قوله: (جار من الأنصار) سماه ابن القسطلاني (عتبان بن مالك) والصحيح أنه (أوس بن
خولى بن عبد الله بن الحارث) حكاه الحافظ (٩ - ٢٤٤) عن ابن سعد.
قوله: (تنعل الخيل) هو بضم التاء، يعني يجعلون لخيولهم نعالاً لتغزونا، والمراد التهيؤ
للقتال .
قوله: (وأطول) يعني: أشد، وفي رواية البخاري في النكاح: (وأهول).

١٩٩
كتاب: الطلاق
النَّبِيُّ وَّ نِسَاءَهُ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ. قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هُذَا كَائِناً. حَتَّى إِذَا
صَلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي. ثُمَّ نَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَقْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي. فَقُلْتُ:
أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ؟ فَقَالَتْ: لاَ أَدْرِي. هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هُذِهِ الْمَشْرُبَةِ. فَأَتَيْتُ
غُلاَمَاً لَهُ أَسْوَدَ. فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ. فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ.
فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ. فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ. فَجَلَسْتُ
قَلِيلاً. ثُمَّ غَلَبنِي مَا أَجِدُ. ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلاَمَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ.
فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ. فَوَلَّيْتُ مُذْبِراً. فَإِذَا الْغُلاَمُ يَدْعُونِي. فَقَالَ: ادْخُلْ. فَقَدْ أَذِنَ
لَكَ. فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهَ. فَإِذَا هُوَ مُتَّكِىٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ. قَدْ أَثَّرَ فِي
جَنْبِهِ. فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: ((لاَ)) فَقُلْتُ: اللَّهُ
أَكْبَرُ، لَوْ رَأَيْتَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَوْماً نَغْلِبُ النِّسَاءِ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ
وَجَدْنَا قَوْماً تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ. فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ. فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأْتِي يَوْماً.
فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي. فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي. فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْواجَ
النَّبِيِّ وَِّ لَيُرَاجِعْنَهُ. وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذُلِكَ مِنْهُنَّ
وَخَسِرَ. أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ وََّ. فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: لاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ
قوله: (فدخلت على حفصة وهي تبكي) لما اجتمع عندها من الحزن على فراق رسول
الله ◌َّه ولما تتوقعه من شدة غضب أبيها عليها، وقد قال لها فيما أخرجه ابن مردويه: (والله إن
كان طلقك لا أكلمك أبداً) كما في فتح الباري.
قوله: (ثم غلبني ما أجد) وفيه أن الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني
المألوف، قاله الحافظ.
قوله: (على رمل حصير) بفتح الراء وإسكان الميم، وفي رواية: (على رمال) والمراد به
النسج.
قوله: (فقلتِ الله أكبر) إنما كبر تعجباً لما علم خلاف ما أخبره الأنصاري، أو كبر حامداً
الله على ما أنعم به عليه من عدم وقوع الطلاق، وفي حديث أم سلمة عند ابن سعد: (فكبر عمر
تكبيرة سمعناها ونحن في بيوتنا فعلمنا أن عمر سأله) أطلقت نساءك؟ (فقال: لا، فكبر، حتى
جاءنا الخبر بعد) كذا في الفتح.
قوله: (فتبسم رسول الله(*) فيه أن شدة الوطأة على النساء مذموم، لأن النبي يتم أخذ
بسيرة الأنصار في نسائهم وترك سيرة قومه، قاله المهلب كما حكى عنه الحافظ .

٢٠٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿ مِنْكِ. فَتَبَسَّمَ أُخْرَى فَقُلْتُ:
أَسْتَأْنِسُ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (نَعَمْ)) فَجَلَسْتُ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ. فَوَاللَّهِ! مَا رَأَيْتُ
فِيهِ شَيْئاً يَرُدُّ الْبَصَرَ، إِلاَّ أُهَباً ثَلاثَةً. فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ.
فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ. وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ. فَاسْتَوَىُ جَالِساً ثُمَّ قَالَ: ((أَفِي شَكُّ أَنْتَ
يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجْلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)). فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي.
يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْراً مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ. حَتَّى عَاتَبَهُ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
قوله: (أستأنس يا رسول الله)؟ الظاهر من كلمة إجابته ور أن الاستئناس هنا هو الاستئذان
في الأنس والمحادثة، ويدل عليه قوله (فجلست) ولا يبعد فيه تقدير الاستفهام، ودل الحديث
على أن الإنسان إذا رآى مهموماً وأراد إزالة همه ومؤانسته بما يشرح صدره ويكشف همه، ينبغي
له أن يستأذنه في ذلك، لئلا يأتي بما لا يوافقه فيزيده همَّاً.
وأما في رواية البخاري في النكاح، فقد وقعت هذه الجملة في أول دخول عمر على
النبي ◌َّر، ولفظه: (ثم قلت وأنا قائم أستأنس يا رسول الله لو رأيتني إلخ) وفيه احتمالان:
الأول، أن يكون استأذاناً كما في رواية مسلم، والثاني: أن يكون المعنى: ثم قلت وأنا قائم
مستأنساً، أي متبصراً هل يعود رسول الله وَله إلى الرضا؟ أو هل أقول قولاً أطيب به وقته وأزيل
عنه غضبه؟ وذلك من قولهم: إستأنس الظبي: أي: تبصر هل يرى قانصاً فيحذره. كذا في شرح
الشيخ محمد ذهني على صحيح مسلم (١ - ٦٨١).
قوله: (شيئاً يرد البصر) أي: ما يحمله على إعادة النظر إليه، قاله الذهني.
قوله: (عجلت لهم طيباتهم) قال القاضي عياض: هذا مما يحتج به من يفضل الفقر على
الغنى، لما في مفهومه أن بمقدار ما يتعجل من طيبات الدنيا يفوته من الآخرة مما كان مدخراً له
لو لم يتعجله، قال: وقد يتأوله الآخرون بأن المراد أن حظ الكفار هو ما نالوه من نعيم الدنيا
ولا حظ لهم في الآخرة، كذا في شرح النووي.
قوله: (استغفر لي) أي: عن جراءتي بهذا القول بحضرتك، أو عن اعتقادي أن التجملات
الدنيوية مرغوب فيها، أو عن إرادتي ما فيه مشابهة الكفار في ملابسهم ومعايشهم. وفيه كراهة
سخط النعمة واحتقار ما أنعم الله به ولو كان قليلاً، والاستغفار من وقوع ذلك، وطلب
الاستغفار من أهل الفضل، كذا في فتح الباري.
قوله: (أن لا تدخل علينا شهراً) تقدم رواية سماك أن عمر بنظ له ذكره و ل* بذلك، ولا
منافاة بينهما، لأن في سياق حديث عمر أنه ذكره بذلك عند نزوله من الغرفة، وعائشة ذكرته
بذلك حين دخل عليها، فكأنهما تواردا على ذلك.