Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب: الرضاع
وَلَمْ يَخْتَزِ اللَّحْمُ. وَلَوْلاَ حَوَّاءُ، لَمْ تَخُنْ أُنْتَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ)).
كسقوط الثلج، فيؤخذ منه بقدر ما يغني ذلك اليوم إلا يوم الجمعة، فإنهم يأخذون له وللسبت،
فإن تعدوا إلى أكثر من ذلك فسد ما ادخروا، فكان ادخارهم فساداً للأطعمة عليهم وعلى
غیرهم)) .
وقال بعضهم: لما نزلت المائدة عليهم أُمِروا أن لا يدخروا، فادخروا، وقيل: يحتمل أن
يكون من اعتدائهم في السبت، وقيل: لما صار الماء في أفواههم دما وأنتنوا بذلك سرى ذلك
النتن إلى اللحم وغيره عقوبة لهم، كذا في عمدة القاري (٦ - ٣١٤).
قوله: (لم يخنز) هو من باب ضرب وسمع، أي لم ينتن، كما في مجمع البحار.
إستطراد:
أخرج الإمام أبو نعيم الأصبهاني عن وهب بن منبه: ((قرأت في بعض الكتب: لولا أني
كتبت النتن على الميت لحبسه الناس في بيوتهم، ولولا أني كتبت الفساد على الطعام لخزنته
الأغنياء عن الفقراء، ولولا أني أذهبت الهم والغم لم تعمر الدنيا ولم أعبد)». راجع له ترجمة
وهب بن منبه من حلية الأولياء (٤ - ٣٧ و٣٨).
تنبيه:
قد تكرر ههنا في النسخ الهندية حديث عبد الله بن عمرو (رقم: ٣٥٣٢) وحديث أبي هريرة
(رقم: ٣٥٣٣)، ولعله خطأ من أحد النساخ، فأنهما لا يوجدان في النسخ المصرية، وقد سبق
في أول الباب متنهما وشرحهما .
تمت أبواب النكاح والرضاع بعون الله تعالى وحسن توفيقه ولله الحمد للتاسع من شهر
صفر الخير سنة ١٣٩٧ من الهجرة النبوية على صاحبها السلام.

١٤٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
١٨ - كتاب: الطلاق
٠٠٠.
كتاب الطلاق
مناسبته بالنكاح والرضاع ظاهرة، وههنا مباحث:
المبحث الأول: معنى الطلاق لغة:
الطلاق مصدر من باب التفعيل، ومن باب نصر وكرم، يقال: طلقت المرأة (بضم اللام
وفتحها) طلاقاً: بانت فهي طالق، وأطلقها الرجل وطلقها: رفع عقد النكاح معها، فهي طالق
ومطلقة. قال الراغب: ((أصل الطلاق التخلية من الوثاق، يقال: أطلقت البعير من عقاله وطلقته،
وهو طالق وطلق بلا قيد، ومنه استعير (طلقت المرأة) والطالقة من الإبل ناقة ترسل في المرعى
أو في الحي ترعى من جنابهم حيث شاءت، لا تعقل إذا راحت ولا تنحى في المسرح، قال أبو
ذؤيب الهذلي :
غدت وهي محشوكة طالق
والطالقة أيضاً هي الناقة التي يتركها الراعي لنفسه فلا يحتلبها على الماء، قال الحطيئة:
تسوف الشمال بين صبحى وطالق
أقيموا على المعزى بدار أبيكم
فالصبحى: التي يحتلبها في مبركها يصطحبها، والطالق التي يتركها بصرارها فلا يحتلبها
في مبركها، كذا في تاج العروس واللسان.
قال ابن فارس: ((الطاء واللام والقاف أصل مطرد يدل على التخلية والإرسال، يقال:
انطلق الرجل، ثم ترجع الفروع إليه، تقول: أطلقته إطلاقاً، والطلق: الشيء الحلال، كأنه قد
خلى عنه فلم يحظر، ومن الباب عدا الفرس طلقا أو طلقين، وامرأة طالق، وأطلقت الناقة من
عقالها، ورجل طلق الوجه وطلق يده بخير، والطالق: الناقة ترسل ترعى حيث شاءت، ويقال
للظبي إذا مر لا يلوي على شيء، ورجل طلق اللسان وطليقه، وتقول: هذا أمر ما تطلق نفسي
له، أي لا تنشرح له)) انتهى ملخصاً من معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٣ _ ٤٢٠ و ٤٢١).

١٤٣
كتاب: الطلاق
٢ - معناه اصطلاحاً:
وأما شرعاً فمعناه: ((رفع قيد النكاح حالاً أو مآلا بلفظ مخصوص)) كذا عرفه ابن نجيم في
البحر الرائق (٣ - ٢٣٥) وقال: ((فخرج بقيد النكاح الحسي والعتق، وباللفظ المخصوص
الفسخ. لأن المراد به ما اشتمل على مادة الطلاق صريحاً وكناية وسائر الكنايات الرجعية والبائنة
ولفظ الخلع، وقول القاضي: (فرقت بينكما) عند إباء الزوج عن الإسلام وفي العنة واللعان،
ودخل الرجعي بقولنا (أو مآلاً).
٣ - الطلاق في الديانات والمجتمعات الكافرة:
لا يخفى أن أحكام النكاح والطلاق تلعب دوراً هاماً في بناء المجتمع وتهذيب حياة
الإنسان، ولذلك نرى أن الإسلام قد وضع لهما أحكاماً تفصيلية مستوعباً كل ما يتوقع في حياة
المتزوجين. وقبل أن نذكر ما راعاه الإسلام في هذه الأحكام من المصالح، يحسن بنا أن نذكر
بعض أحكام الطلاق في الديانات والملل والمجتمعات الأخرى، لأن الشيء إنما يعرف
بأضداده، والله الموفق والمعين.
الطلاق في دين اليهود:
كان الطلاق في شريعة سيدنا موسى ظلّلا - حسبما يدعيه اليهود - مباحاً للزوج وحده ولم
يكن يقع إلا بكتابته، ولم يكن يحل للمطلق أن ينكح مطلقته بعد ما نكحت زوجاً آخر، ونجد
هذه الأحكام مفصلة في سفر التثنية من الكتاب المقدس، حيث يقول: ((إذا أخذ رجل امرأة
وتزوج بها، فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء، وكتب لها كتاب طلاق ودفعه
إلى يدها، وأطلقها من بيته، ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر، فإن أبغضها
الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير
الذي اتخذها له زوجة لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن
تنجست، لأن ذلك رجس لدى الرب» كذا في سفر التثنية (٢٤: ١ - ٤) ونجد مثل ذلك الحكم
في سفر أرميا ظلَّلا (٣: ١).
فكان عند الزوج في دين اليهود حرية تامة لأن يطلق زوجته متى شاء وكيف شاء، وبذلك
تأثرت القوانين الحموربية، ولكنها لم تزل تقيد هذه الحرية المطلقة بشروط، حتى أصبح الطلاق
شاذاً في القرن الحادي عشر الميلادي.
وأما المرأة فلم يكن بيدها حق الطلاق، غير أن (مشنا) وبعض الكتب القديمة لليهود
تسمح لها أن تطالب زوجها بالطلاق في أحوال مخصوصة، مثل أن يكون الزوج عنينا، أو مبتلى
بالجذام، أو ظالماً لا يتحمل وغير ذلك من الأسباب (راجع دائرة المعارف البريطانية: (٢ :
٤٥٣ مادة طلاق):

١٤٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الطلاق في دين النصارى:
أما النصرانية فلا تأذن ـ في أصل دينها - أحد الزوجين أن يطلق الآخر، وإن هذا الحكم
موجود في الأناجيل المروجة اليوم، فنقرأ في الأصحاح التاسع عشر من إنجيل متى: ((وجاء إليه
(يعني: إلى المسيح ◌ِلِّلها) الفريسيون (يعني: علماء اليهود) ليجربوه قائلين له: هل يحل لرجل أن
يطلق امرأته لكل سبب؟ فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً
وأنثى، وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً،
إذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان. قالوا له: فلماذا أوصى
موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق؟ قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن
تطلقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا، وأقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا
وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني، قال له تلاميذه: إن كان هكذا أمر الرجل مع
المرأة فلا يوافق أن يتزوج، فقال لهم: ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطي لهم،
لأنه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم، ويوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد
خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، من استطاع أن يقبل فليقبل)) راجع إنجيل متى
(١٩: ٣ - ١٢).
ويحكي إنجيل مرقس (١٠: ١١ - ١٢) عن المسيح ليّا أنه قال: ((من طلق امرأته وتزوج
بأخرى يزني عليها، وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزني)) ويحكي إنجيل لوقا (١٦: ١٨)
عنه عَلَّا: (كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني، وكل من يتزوج بمطلقة من رجل يزني)(١).
فهذه النصوص الإنجيلية تحرم الطلاق قطعاً على كل واحد من الزوجين، وأما ما سبق في
نص إنجيل متى: (من طلق امرأته إلا بسبب الزنا إلخ) فقد أول قدماء النصارى هذا الإستثناء بأن
تكون المرأة فاحشة قبل الزواج، ولا يعلم الزوج ذلك إلا بعد العقد، فحينئذ يجوز له أن ينقض
ذلك النكاح، فالزنى عندهم ليس سبباً للطلاق أو الفسخ، وإنما هو سبب لإبطال النكاح منذ أول
يوم، ولا تزال الكنائس الكاثوليكية على هذا الموقف إلى يومنا هذا كما هو مصرح في دائرة
المعارف البريطانية .
وبالجملة، فكان الطلاق في أصل دين النصارى شجراً ممنوعاً لا يطمع فيه، مهما كانت
الخلافات بين الزوجين شديدة عنيفة. ولما شق عليهم هذا الحكم ورأوا أن المنافرة بين الزوجين
ربما تصل إلى حد لا يمكن فيه حياة أحدهما مع الآخر، اتخذوا قانون التفريق الجسماني،
(١) هذه العبارات كلها مأخوذة من الترجمة العربية للكتاب المقدس التي نشرتها جمعيات الكتاب المقدس
المتحدة في سنة ١٩٥٦ م من جامعة كيمبرج بإنكلترا .

١٤٥
كتاب: الطلاق
وتعريفه عندهم: ((إعفاء الزوجين من واجبات الزوجية والمبيت في مسكن واحد بقرار قضائي مع
بقاء رباط الزوجية قائماً)) وهذا التفريق إنما يبيح للمرأة أن تأخذ لها سكناً آخر، وأن تأخذ من
زوجها المهر وأملاكها الخاصة، ولكنه لا يجوز لأحدهما أن يعقد نكاحاً جديداً، لأن رباط
الزوجية قائمة، ويجب على الزوجة أن لا تخون زوجها في عرضه، والعقاب هو هو كما لو
كانت الزوجية متصلة، وأما الزوج فلو عاشر غير زوجته في بيته فلا عقاب عليه، وكل ذلك
مصرح في القانون الكنائسي، راجع كتاب ((المقارنات التشريعية، (١: ٢٠٩ - ٢١١ بند ١٩٠)
تأليف السيد عبد الله علي حسين طبع القاهرة سنة ١٣٦٦هـ، وهذا القانون لا يزال مستمراً في
بعض البلاد الكاثوليكية المتشددة حتى اليوم مثل إيطاليا وإسبانيا .
وظاهر أن هذا القانون القاسي لم يجد الزوجين نفعاً غير جلب الشقاء والتعاسة في الحياة
كلها، فحينئذ أذنوا للزوجين بأن يرجعا إلى محكمة الكنيسة في الحصول على الطلاق بأسباب
مخصوصة، مثل أن يكون الزوج عنيناً، أو الزوجة زانية، أو يكون أحدهما يكفر بالنصرانية،
ولكن لم يكن خيار الطلاق إلى الزوجين بنفسهما، بل كان يجب عليهما أن يرجعا إلى محكمة
الكنيسة، فتصدر حكم الطلاق بعد تحقيق هذه الأسباب.
واستمر هذا الحكم إلى سنة ١٨٥٧ م، فلم يكن خيار الطلاق الشرعي عندهم إلا بيد
الكنيسة، ثم بعد تلك السنة حول هذا الخيار إلى المحاكم المدنية العامة في إنكلترا ووسع نطاق
أسباب الطلاق، وأبيح لكل من الزوجين أن يطالب المحكمة بالطلاق لمجرد كراهيته للآخر،
حتى أصبح الطلاق اليوم عندهم لعباً يتلاعب به الزوجان كيفما شاءا، فيطلق هذا حيناً، وتلك
حيناً آخر، وصار عقد النكاح يقبل النقض لأسباب تافهة من جانب كل من الزوجين، فانظر إلى
هذا الإفراط وذاك التفريط، والحمد لله الذي جعلنا أمة وسطا .
الطلاق في دين الهنود:
وأما الهنود فالطلاق في أصل مذهبهم ممنوع مطلقاً، حتى لو ارتكبت المرأة الزنى فإنها
تستوجب الإخراج من فرقتها الدينية، ولكن الطلاق لا سبيل إليه. ثم إن الهنود لما شعروا في
هذا الحكم بالضيق، أجازت بعض فرقهم أن يطلب الزوج الطلاق من علماء دينهم، ففي جنوب
الهند اليوم تحكم أكثر فرق الهنود بالطلاق، وفي شمالها لا يحكم به إلا بعض الفرق الدنيئة،
والفرق الشريفة تستمر حتى اليوم بحكم حرمة الطلاق، كذا في دائرة المعارف البريطانية مادة
((DIVORCE)» طبع ١٩٥٠ م ص ٤٥٣ ج٧.
٤ - الطلاق في الشريعة الإسلامية:
وأما الشريعة الإسلامية فقد سلكت في أمر الطلاق مسلكاً عادلاً منذ أول يومها، فإنها لم

١٤٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تحرمه مطلقاً ولم تفتح مصراعيه مطلقاً، وإنما قررت أحكاماً لا تفضي إلى الإكثار من الطلاق.
ولا إلى ضيق الزوجين.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي تخلّفُ: ((اعلم أن في الإكثار من الطلاق وجريان الرسم بعدم
المبالاة به مفاسد كثيرة، وذلك أن ناساً ينقادون لشهوة الفرج ولا يقصدون إقامة تدبير المنزل ولا
التعاون في الارتفاقات ولا تحصين الفرج: وإنما مطمح أبصارهم التلذذ بالنساء وذوق لذة كل
امرأة، فيهيجهم ذلك إلى أن يكثروا الطلاق والنكاح، ولا فرق بينهم وبين الزناة من جهة ما
يرجع إلى نفوسهم، وإن تميزوا عنهم بإقامة سنة النكاح والموافقة لسياسة المدينة، وهو قوله وله
(لعن الله الذواقين والذواقات)(١) وأيضاً ففي جريان الرسم بذلك إهمال لتوطين النفس على
المعاونة الدائمة أو شبه الدائمة، وعسى إن فتح هذا الباب أن يضيق صدره أو صدرها في شيء
من محقرات الأمور فيندفعان إلى الفراق، وأين ذلك من احتمال أعباء الصحبة والإجماع على
إدامة هذا النظم؟ وأيضاً فإن اعتيادهن بذلك وعدم مبالاة الناس به وعدم حزنهم عليه يفتح باب
الوقاحة، وأن لا يجعل كل منهما ضرر الآخر ضرر نفسه، وأن تخون كل واحد الآخر يمهد
لنفسه إن وقع الافتراق، وفي ذلك ما لا يخفى)). كذا في حجة الله البالغة ٢: ١٣٨.
قلت: ولأجل هذه المصالح سدت الشريعة باب المسارعة إلى الطلاق بأحكام آتية:
١ - سنت للزوج أولاً أن ينظر إلى مخطوبته قبل النكاح، حتى يكون العقد على وجه
البصيرة، ولا يقع الفراق بمجرد كراهية صورتها .
٢ - أمرت الزوج أن لا يقصر نظره على ما يفرط من زوجته من خطأ، بل يجب عليه أن
ينظر إلى ما يستحسن منها، ويصبر على أذاها لأجل محاسنها، قال تعالى: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَسَىّ
أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وقال ظلَّل: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن
كره منها خلقاً رضي منها آخر) كما مر في باب الوصية بالنساء.
٣ - أمرت الزوج إذا رأى في زوجته ما لا يتحمل، أن لا يبادر إلى الطلاق في أول مرة،
وإنما يجتهد في إصلاحها ما أمكن، قال تعالى: ﴿وَلَِّىِ تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَـ فَعِظُوهُرَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي
اَلْمَضَاِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤].
(١) قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لم أجده بهذا اللفظ، إنما هو عند البزار والطبراني عن أبي موسى أن
النبي ◌َّلو قال: (لا تطلق النساء إلا من ريبة، إن الله تبارك وتعالى لا يحب الذواقين والذواقات) وأحد
أسانيد البزار فيه عمران القطان، وثقه أحمد وابن حبان وضعفه يحيى بن سعيد وغيره، وعند الطبراني عن
عبادة بن الصامت قال: (إن الله عز وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات) وفيه راو لم يسم. راجع مجمع
الزوائد (٣ - ٣٣٥) باب فيمن يكثر الطلاق، وكشف الأستار عن زوائد البزار (٢ - ١٩٢ رقم: ١٣٩٥).

١٤٧
كتاب: الطلاق
٤ - ثم إن كانت الخلافات بين الزوجين شديدة لا تنقضي بهذه المدارج الثلاثة، أمرت
الشريعة الإسلامية أقاربهما أن يتدخلوا بينهما لتعتدل الأحوال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ
بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَا مِنْ أَهْلِهَاْ إِن يُرِيدًا إِصْلَئِحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ [النساء: ٣٥].
٥ - ثم إن لم تثمر جهود هذين الحكمين ولم تزل الخلافات قائمة، فحينئذ أباحت الشريعة
الإسلامية الطلاق للزوج قائلة له (إن أبغض المباح إلى الله الطلاق) أخرجه أبو داود.
٦ - ثم قد حظرت الشريعة الإسلامية أن يطلق الرجل امرأته وهي حائض، ومن مصالح
هذا الحكم أن لا يكون الطلاق وليد كراهية وقتية، كما صرح الشيخ ولي الله الدهلوي كفّثُ في
حجة الله البالغة (٢: ١٣٩).
٧ - ثم استحبت الشريعة الإسلامية للمطلق أن يطلق امرأته مرة واحدة فقط، ثم يتركها حتى
تنقضي عدتها، وهو الطلاق الأحسن في اصطلاح الفقهاء؛ وذلك ليكون بيد الزوج خيار الرجوع
أثناء العدة، وليمكن تجديد وصلة النكاح بعد انقضاء العدة إذا اعتدلت الخلافات بينهما .
٨ - ولو كان الزوج يريد أن لا تعود إليه المرأة أبداً، فإن الشريعة الإسلامية حظرت عليه
التلفظ بالطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وإنما شرعت له طلاق السنة، وذلك أن يطلقها في كل
طهر طلقة واحدة، حتى تتم الثلاث؛ لئلا تخرج من يديه بغتة، بل يبقى بيده الخيار مدة شهرين
ليتروى في الأمر ويشاهد نتائج طلاقه، فإن عادت المرأة إلى الصلاح راجعها قبل أن تتم
الطلقات الثلاثة .
٩ - ثم قد قصرت الشريعة الإسلامية حق الطلاق على الزوج، ولم يجعله بيد المرأة في
الظروف العادية، لأن المرأة من طبيعتها الاستعجال في الأمور، فلو كان خيار الطلاق بيدها
لكانت تقع الفرقة لأسباب بسيطة وأغراض تافهة.
١٠ - ولكنها لم تسدد باب الفرقة من جهة المرأة بالكلية، وإنما أباحت لها ذلك في ظروف
خاصة، فيمكن لها مثلاً أن تعقد النكاح بشرط تفويض الطلاق إليها، ولو لم تشترط ذلك في
العقد فلها أن تختلع من زوجها برضاه، وإن لم يكن ذلك فلها أن تطلب من القاضي فسخ النكاح
إذا كان زوجها عنيناً أو مجنوناً أو متعنتاً أو مفقوداً .
فقارن بين هذه الأحكام الحكيمة وبين ما سبق من أحكام الطلاق في الديانات الكافرة،
تجد الخير والعدل كله في هذه الأمة الوسط التي لا إفراط فيها ولا تفريط، ولله الحمد.

١٤٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١) - باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها،
وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها
٣٦٣٧ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ
نَافِع؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَه وَهِيَ حَائِضٌ. فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَِّ، فَسَأَلَ
عُمَرٌ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللّهِ وَهِ عَنْ ذُلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا. ثُمَّ
(١) - باب: تحريم طلاق الحائض إلخ
أخرج فيه حديث ابن عمر في طلاق امرأته وهي حائض، وأخرجه البخاري في أول كتاب
الطلاق، وفي باب (وبعولتهن أحق بردهن)، وفي باب مراجعة الحائض، وفي تفسير سورة
الطلاق، وفي باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان من كتاب الأحكام، وأخرجه أيضاً
النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، ومالك كلهم في الطلاق، وأحمد في مسنده (٢ :
٥٨، ٦١، ٦٣، ٦٤، ٨١).
١ - (١٤٧١) - قوله: (طلق امرأته) ذكر النووي في تهذيب الأسماء أن اسمها آمنة بنت
غفار، بكسر الغين وتخفيف الفاء، وقيل: آمنة بنت عمار، ووقع في مسند أحمد بسند على شرط
الشيخين أن عبد الله طلق امرأته النوار، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون اسمها آمنة ولقبها النوار،
هذا ملخص ما في فتح الباري (٩: ٣٠٢) وتلخيص الحبير (٣: ٢٠٦).
قوله: (فسأل عمرُ بن الخطاب) قال ابن العربي: سؤال عمر رسول الله وَلو عن ذلك
يحتمل وجوهاً: منها أنهم لم يروا قبل هذه النازلة مثلها، فأراد السؤال ليعلموا الجواب،
ويحتمل أن يكون ذلك معلوماً عنده بالقرآن، وهو قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقوله:
﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَهْ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقد علم أن هذا ليس بقرء، فافتقر إلى معرفة
كيفية الحكم فيه، ويحتمل أن يكون سمع من النبي وَّر النهي (فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك)
كذا في عارضة الأحوذي (٥: ١٢٦).
قوله: (مره فليراجعها) ظاهره وجوب الرجعة على من طلق امرأته وهي حائض، وهو قول
مالك وداود الظاهري. وإحدى الروايتين عن أحمد. وهو المختار عند الحنفية، وقال الشافعي :
لا تجب الرجعة، وإنما هي مستحبة، وهو المختار عند الحنابلة، كما في المغني لابن قدامة
(٧: ١٠٠).
أما الحنفية فقد نقل القدوري أن الرجعة مستحبة عندهم أيضاً، لقول محمد في الأصل
(وينبغي له أن يراجعها) فإنه لا يستعمل في الوجوب، ولكن صحح مشايخ الحنفية الوجوب،
كما في البحر الرائق (٣: ٢٤٢)، ورد المحتار (٣: ٢٢٣)، فما نقله النووي من استحباب
الرجعة عند الحنفية مبني على ما ذكره القدوري، والأصح خلافه.

١٤٩
كتاب: الطلاق
لْيَتْرُكُهَا حَتَّى تَظْهُرَ. ثُمَّ تَحِيضَ. ثُمَّ تَظْهُرَ. ثُمَّ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ
..
احتج القائلون بالوجوب بصيغة الأمر في حديث الباب، وبأن الطلاق في حالة الحيض
معصية، فوجب التخلص عنها بالقدر الممكن، وتعذر ارتفاع المعصية لا يصلح صارفاً للصيغة
عن الوجوب، لجواز إيجاب رفع أثرها، وهو العدة وتطويلها، إذ بقاء الشيء بقاء ما هو أثره من
وجه، فلا تترك الحقيقة، وتمامه في فتح القدير.
واحتج القائلون بالاستحباب بأن ابتداء النكاح غير واجب فاستدامته كذلك، وأما صيغة
الأمر في حديث الباب فمحمولة عندهم على الاستحباب.
مسألة أصولية في الأمر بالأمر بالشيء
ثم إن رسول الله وَولم يأمر ابن عمر بالمراجعة بلا واسطة، وإنما أمر عمر نص به أن يأمره
بذلك، ويتعلق بذلك مسألة أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك الشيء أم
لا؟ فنفاه بعضهم تمسكاً بحديث: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) فإن الأولاد ليسوا بمكلفين، فلا
يتجه عليهم الوجوب، وإنما الطلب متوجه على أوليائهم أن يعلموهم ذلك، فعلم منه أن الأمر
بالأمر بالشيء لا يستلزم الوجوب على المأمور الثاني، وبهذه القاعدة تمسك بعض القائلين
باستحباب الرجعة .
ولكن القول الفصل في هذه المسألة ما حققه الحافظ في فتح الباري حيث قال:
((والحاصل أن الخطاب إذا توجه لمكلف أن يأمر مكلفاً آخر بفعل شيء كان المكلف الأول مبلغاً
محضاً، والثاني مأمور من قبل الشارع، فإذا أمر الأول الثاني بذلك فلم يمتثله كان عاصياً، وإن
توجه الخطاب من الشارع لمكلف أن يأمر غير مكلف، أو توجه الخطاب من غير الشارع بأمر
من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر بالأمر بالشيء أمراً بالشيء)) وراجع
لتفصيل أطراف هذه المسألة فتح الباري (٩: ٣٠٣ و٣٠٤).
فلما كان المأمور الثاني في حديث الباب - وهو ابن عمر - مكلفاً تعين أن أمر رسول الله واله
مصروف إليه، والمأمور به واجب عليه بذلك الأمر.
واختار العلامة ابن عابدين طريقاً آخر، فقال في منحة الخالق (٣: ٢٤٢): ((ويجوز أن
يقال: (فليراجعها) أمر لابن عمر، فتجب عليه المراجعة)) وعليه فلا علاقة لحديث الباب بتلك
المسألة الأصولية، والله سبحانه أعلم.
قوله: (حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر) استدل به أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليهما على
أنه لا يجوز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق، وإنما يجب أن ينتظر
طهراً ثانياً، وقال أحمد: لا يجب ذلك وإنما هو مستحب، فيجوز له الطلاق في الطهر المتصل،
وهو الذي يقتضيه كلام المالكية، وهو الذي اختاره الطحاوي وهو رواية عن أبي حنيفة، ولكن

١٥٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ظاهر الرواية عنه ما قدمناه. هذا ملخص ما في فتح الباري (٩: ٢٠٤)، والمغني لابن قدامة
(٧: ١٠١)، والبحر الرائق (٣: ٢٤٢).
استدل أحمد بما رواه يونس بن جبير وسعيد بن جبير وابن سيرين وزيد بن أسلم وأبو
الزبير عن ابن عمر: ((أن رسول الله ولو أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء
أمسك)) وسيأتي في حديث (٣٥٥٤) ولم يذكروا تلك الزيادة، وهو حديث صحيح متفق عليه،
ولأنه طهر لم يمسها فيه فأشبه الثاني، وحديث الباب محمول على الاستحباب، كذا في المغني
لابن قدامة .
ولنا أن هذه الزيادة قد رواها الشيخان من طريق أمثال مالك والليث بن سعد عن نافع
والزهري عن سالم، وكلهم حفاظ متقنون، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظاً،
وأما ما ذكره ابن قدامة من أن هذه الزيادة محمولة على الاستحباب وما روي بغير هذه الزيادة
محمول على الوجوب، فمردود بأن الحديث واحد والواقعة واحدة، وإنما اختصره بعض الرواة
وفصله الآخرون.
واختلف في حكمة تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني، فقال الشافعي: يحتمل أن يكون أراد
بذلك أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهر تام ثم حيض تام، ليكون تطليقها وهي تعلم
عدتها إما بحمل أو بحيض؛ أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو غير جاهل بما صنع، إذ
يرغب فيمسك للحمل؛ أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف عنه.
وقيل: الحكمة في ذلك أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زماناً يحل له فيه
طلاقها ظهرت فائدة الرجعة، لأنه قد يطول مقامه معها، فقد يجامعها فيذهب ما في نفسه من
سبب طلاقها فيمسکها .
وقيل: إن الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقها فيه كقرء واحد، فلو طلقها فيه لكان كمن
طلق في الحيض، وهو ممتنع من الطلاق في الحيض، فلزم أن يتأخر إلى الطهر الثاني. كذا في
فتح الباري .
وزاد النووي: أن ذلك عقوبة له وتوبة من معصية باستدراك جنايته .
وقال ابن قدامة: إن الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطأ، لأنه المبغي من النكاح ولا
يحصل الوطأ إلا في الطهر، فإذا وطئِهَا حرم طلاقها فيه حتى تحيض ثم تطهر، واعتبرنا مظنة
الوطأ ومحله لا حقيقته.
ولأن الطلاق كره في الحيض لتطويل العدة، فلو طلقها عقيب الرجعة من غير وطأ كانت
في معنى المطلقة قبل الدخول، وكانت تبني على عدتها، فأراد رسول الله والخير قطع حكم الطلاق

١٥١
كتاب: الطلاق
قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ. فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)).
٣٦٣٨ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْح (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى). (قَالَ
قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ
طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ. تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٍ. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَيْهِ أَنَّ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا
بالوطأ، واعتبر الطهر الذي هو موضع الوطأ، فإذا وطى حرم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر، كذا
في المغني لابن قدامة.
وقال ابن نجيم: ولأن السنة أن يفصل بين كل تطليقتين بحيضة والفاصل هنا (يعني فيما إذا
طلقها في الطهر الذي يلي الحيضة) بعض الحيضة، كذا في البحر.
قوله: (قبل أن يمس) استدل به على أن الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه حرام، وبه
صرح الجمهور، وذلك لئلا تكون حاملاً فيندم.
قوله: (فتلك العدة التي أمر الله) إلخ هذا بيان المراد قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِسَآءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقد صرح في عدة روايات بأن هذا الكلام عن النبي وَّل.
واستدل به النووي والحافظ في الفتح (٩: ٣٠٦) على مذهب الشافعية بأن القروء في العدة
هي الأطهار، لأن اللام في قوله تعالى ﴿لِذَّتِنَّ﴾ للوقت، والمراد منه الطهر كما صرح به
حديث الباب، فظهر أن العدة تكون بالأطهار؛ وأجاب عنه الشيخ السهار نفوري في بذل المجهود
(٣: ٥٩) بأننا لا نسلم أن اللام ههنا بمعنى (في)، بل للعاقبة اهـ، يعني فمراد الآية أن تطلق
النساء بما يسهل عليهن الاعتداد، والله سبحانه أعلم.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وأما قوله مَ له: ((فتلك العدة التي أمر الله)) فإشارة إلى
الحيض، والمراد أن الحيض عدة، فلا ينبغي أن يطلق فيها النساء وإنما يجب أن يطلق لأجل
الاعتداد بها، وذلك أن يطلقها في طهر، ثم تعتد بالحيضة، لئلا تنتقض العدة ولا تطول. هذا
إذا جعلنا اللام في الآية للسببية، ولو سلمنا أنها وقتية فقد ذكر السرخسي والطحاوي أن العدة
عدتان: عدة الرجال وهي عدة التطليق، أي: أن يطلقها الرجل في طهر خال عن الجماع فهذه
مما يجب على الرجل تعاهدها؛ والثانية: عدة النساء، وتلك بالحيض، ولذا عبر عنها القرآن
بالقروء حين خاطب النساء، ولما توجه إلى الرجال وذكر تطليقهم الذي هو فعلهم، قال:
﴿لِعِدَّتِنَّ﴾ فظهر تعدد العدتين من اختلاف السياقين، إلا أن عدة الرجال لما لم تذكر في عامة
كتب الفقه تبادر الذهن إلى العدة المعروفة وقد أقر ابن القيم بقوة مذهب الإمام الأعظم، وقال:
إن أحمد أيضاً مال إليه بآخره، كذا في فيض الباري (٤: ٣٠٩) وراجع حاشيته للتفصيل.
(٠٠٠) - قوله: (تطليقة واحدة) هذا صريح في أن ابن عمر كان قد طلق امرأته واحدة، فما
وقع في بعض الروايات أنه كان طلقها ثلاثاً، وهم بلا شبهة، وسيأتي تأكيد ذلك عند المصنف

١٥٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَتَّى تَظْهُرَ. ثمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى. ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَظْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا. فَإِنْ أَرَادَ
أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَظْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا. فَتِلْكَ الْعِدَّهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا
النِّسَاءُ.
وَزَادَ ابْنُ رُمْح فِي رِوَايَتِهِ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذُلِكَ، قَالَ لِأَحَدِهِمْ: أَمَّا أَنْتَ
طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَوَ أَمَرَنِي بِهِذَا. وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلاَثًاً فَقَدْ
حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَكَ. وَعَصَيْتَ اللَّهَ فِيمًا أَمَرَكَ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ.
قَالَ مُسْلِمٌ: جَوَّدَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِهِ: تَظْلِيقَةً وَاحِدَةٌ.
٣٦٣٩ - (٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَرَ وَهِيَ خَائِضٌ، فَذَكَرَ
ذُلِكٌّ عُمَرُ لِرَسُولِ اللّهِ نَّهِ فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا. ثُمَّ لْيَدَعْها حَتَّى تَظْهُرَ. ثُمَّ تَحِيضَ
حَيْضَةٌ أُخْرَىْ. فَإِذَا طَهُرَتُ فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا. أَوْ يُمْسِكْهَا. فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ
اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)).
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: قُلْتُ لِنَافِعِ: مَا صَنَعَتِ التَّظْلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعْتَذَّ بِهَا.
في رواية محمد بن سيرين أنه مكث عشرين سنة يزعم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثاً، ثم أخبره
يونس بن جبير بخلاف ذلك، وقال الدارقطني بعد نقل رواية التطليقات الثلاث: («هؤلاء كلهم
من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض)) كذا في سنن الدارقطني (٤ :
٧).
قوله: (أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين) تقديره: (إن كنت طلقت امرأتك مرة أو
مرتين)، فحذف (كنت) وعوض منها (ما) وفتح همزة (أن) وأدغم نونها في (ما) وأتى (بأنت)
مكان العلامة في (كنت)، ويشهد لهذا قوله في الأخرى: ((فإن كنت طلقتها ثلاثاً إلخ)) كذا قال
الأبي في شرحه .
قوله: (جود الليث) يعني: أنه حفظ وأتقن قدر الطلاق الذي لم يتقنه غيره، ولم يهمله كما
أهمله غيره، ولا غلط فيه وجعله ثلاثاً، كما غلط فيه غيره قاله النووي.
٢ - (٠٠٠) - قوله: (ما صنعت التطليقة؟) يعني: هل وقعت أم لا؟
قوله: (واحدة اعتد بها) هذا صريح في أن الطلاق في حالة الحيض واقع مع كونه حراماً،
وهو مذهب جماهير السلف والخلف، وعليه اتفق الأئمة الأربعة، وشذ ابن حزم وابن تيمية
فقالا: إذا طلق الحائض لم يقع الطلاق، لأنه غير مأذون فأشبه طلاق الأجنبية، وهو مذهب
الروافض أيضاً، كما صرح به الحلي الشيعي في شرائع الإسلام (٢: ٥٧) وحكاه الخطابي عن

٠٠
١٥٣
كتاب : الطلاق
الخوارج، وقال ابن عبد البر: لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال، يعني الآن، قال:
وروي مثله عن بعض التابعين وهو شذوذ، وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن علية، يعني:
إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي قال الشافعي في حقه: إبراهيم ضال جلس في باب الضوال(١)
يضل الناس، وكان بمصر وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة، وقد غلط فيه من ظن
أن المنقول عنه المسائل الشاذة أبوه، وحاشاه! فإنه من كبار أهل السنة، كذا في فتح الباري.
وإن من أقوى من تمسك بهذا المذهب ابن حزم، فإنه أطال الكلام فيه في المحلى (١٠ :
١٦٢ - ١٦٦) وانتصر له وبالغ في الرد على الجمهور، وتبعه ابن تيمية وابن القيم. وأعظم ما
احتجوا به ما أخرجه أبو داود في طلاق السنة من طريق أبي الزبير عن ابن عمر، قال: ((طلق عبد
الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله وَلّ، فسأل عمر رسول الله وَله، فقال: إن
عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئاً)).
وأجاب عنه الجمهور بأن قوله: ((ولم يرها شيئاً)) زيادة تفرد بها أبو الزبير، وخالف فيها
سائر الثقات، ولذلك قال أبو داود: ((والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير)) وقال ابن
عبد البر: قوله: ((ولم يرها شيئاً)) منكر لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله،
فكيف بمن هو أثبت منه؟ وقال الخطابي: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثاً أنكر من
هذا؛ ونقل البيهقي في المعرفة عن الشافعي أنه ذكر رواية أبي الزبير فقال: نافع أثبت من أبي
الزبير، وقد وافق نافعاً غيره من أهل الثبت، قال: وبسط الشافعي القول في ذلك، كذا في فتح
الباري (٩: ٣٠٨ - ٣٠٩).
وعلى تقدير صحة ما رواه أبو الزبير، فسره الجمهور بأنه لم يرها شيئاً مستقيماً لكونها لم
تقع على السنة، أو يقال: لم يرها شيئاً مانعاً من الرجعة لكون الطلاق رجعياً، وقال الشيخ
السهار نفوري في بذل المجهود (٣: ٦١): «ويحتمل أن يقال إن ضمير (لم يرها) يعود إلى
الرجعة، أي لم ير الرجعة شيئاً ممنوعاً)).
واحتج ابن حزم أيضاً بما أخرجه في المحلى (١٠ : ١٦٣) من طريق عبد الوهاب الثقفي
عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن
عمر: ((لا يعتد لذلك)). وأجاب عنه ابن عبد البر بقوله: «إنما معناه لم تعتد المرأة بتلك الحيضة
في العدة، كما روي ذلك عنه منصوصاً، أنه قال: يقع عليها الطلاق ولا تعتد بتلك الحيضة)) كما
في فتح الباري.
واحتجوا أيضاً بما أخرجه سعيد بن منصور في سننه من طريق مالك بن عبد الله عن ابن
(١) كذا في الفتح، والصحيح (باب السؤال) وهو اسم موضع، كما في لسان الميزان.

١٥٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٤٠ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالاَ: حَدَّثَنَا
عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله وَليقول: (ليس ذلك بشيء)، وهو مؤول بما ذكرنا
أن المراد كون الطلاق في هذه الحالة غير جائز، لا أنه غير واقع، قال الحافظ: ((وهذه متابعات
لأبي الزبير إلا أنها كلها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر أنها حسبت
عليه بتطليقة وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البر وغيره يتعين، وهو أولى من تغليط بعض
الثقات)).
أدلة الجمهور:
وأما الجمهور فاستدلوا بحديث الباب حيث صرح فيه باعتداد تلك التطليقة واحدة، وفيما
سيأتي عند المصنف أصرح من ذلك، ففي حديث الزهري عن سالم: (وكان عبد الله طلقها
تطليقة واحدة فحسبت من طلاقها) وفي حديث يونس ابن جبير: ((قلت: أفحسبت عليه؟ قال:
فمه؟ أو إن عجز واستحمق؟)) وفي حديث أيوب وأنس بن سيرين مثل ذلك، وأخرج البخاري من
طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: (حسبت علي بتطليقة): فهده الألفاظ كلها صريحة في
وقوع الطلاق في الحيض وكونه محسوباً .
واعترض عليه ابن حزم في المحلى (١٠: ١٦٥) بقوله: ((وأما ما روي من قوله: (ما
يمنعني أن أعتد بها) وقوله: (حسبت لها التطليقة التي طلقتها) فلم يقل فيه أن رسول الله وعليه
حسبها تطليقة، ولا أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي قال له: اعتد بها طلقت إنما هو إخبار عن
نفسه، ولا حجة في فعله ولا فعل أحد دون رسول الله (وَ لات)).
والجواب عنه من وجهين :
الأول: أنه قد صرح في عدة روايات أن رسول الله للر هو الذي حسبها تطليقة، وهي
روايات آتية :
١ - أخرج الدارقطني في سننه (٤: ٥) من طريق شعبة عن أنس بن سيرين قصة طلاق ابن
عمر، وفيه («فقال عمر: يا رسول الله! أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم)) قال الحافظ في فتح
الباري (٩: ٣٠٨): ورجاله إلى شعبة ثقات.
٢ - أخرج الدار قطني أيضاً (٤: ٨) من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد
الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً قال لعمر: إني طلقت امرأتي البتة وهي حائض،
فقال: عصيت ربك وفارقت امرأتك، فقال الرجل: فإن رسول الله وَل قال لعبد الله بن عمر حين
فارق امرأته وهي حائض، فأمره أن يرتجعها، فقال له عمر: ((إن رسول الله وَلل أمره أن يرتجعها
بطلاق بقي له، وأنت لم تبق ما ترجع امرأتك)) نقله الحافظ في الفتح وسكت عليه.
٣ - أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب في قصة ابن عمر: ((قال ابن أبي ذئب في

١٥٥
كتاب : الطلاق
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ عُبَيْدِ اللَّهِ لِنَافِعِ.
قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِي رِوَايَتِهِ: فَلْيَرْجِعْهَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَلْيُرَاجِعْهَا .
٣٦٤١ - (٣) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ
ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ. فَسَأَلَ عُمَّرُ النَّبِيَّ نَّهِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا ثُمَّ يُمْهِلَهَاً حَتَّى
تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى. ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَظْهُرَ. ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا. فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي
أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ
حَائِضٌ يَقُولُ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ. إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا. ثُمَّ
يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى. ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَظْهُرَ. ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا. وَأَمّا
أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلاَثً. فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ. وَبَانَتْ مِنْكَ.
٣٦٤٢ - (٤) حدّثني عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ
الحديث عن النبي ◌ّر: وهي واحدة، قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع
سالماً يحدث عن أبيه عن النبي بَّر بذلك)). ذكره الحافظ في الفتح وسكت عليه.
والوجه الثاني في الجواب عما أورد ابن حزم: أنه كيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في
القصة شيئاً برأيه وهو ينقل أن النبي ◌ّ تغيظ على عدم مشاورته ظلّل في أمر الطلاق؟ والحق أن
قوله هذا مثل قول الصحابي: (أمرنا في عهد رسول الله (سمير بكذا) فإنه ينصرف إلى من له الأمر
حينئذ، وهو النبي ◌َّو، بل قال الحافظ ابن حجر: ((وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف
الذي في قول الصحابي (أمرنا بكذا) فإن ذاك محله حيث يكون اطلاع النبي وَّر على ذلك ليس
صريحاً وليس كذلك في قصة ابن عمر هذه، فإن النبي ◌ّر هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد
لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك».
ثم إن جميع الروايات مطبقة على أن رسول الله وسلم أمر ابن عمر بالمراجعة، والمراجعة لا
تصح إلا بعد الطلاق، فالأمر بالمراجعة من رسول الله صل# دليل كاف على أنه عد ذلك طلاقاً.
وأما تأويل ابن حزم وغيره بأن المراد بالمراجعة ههنا هو معناها اللغوي، تأويل بارد لا ينهض،
ويرده ما ذكرنا من رواية الجمحي عند الدارقطني، وقد قال عمر عظُله: ((إن رسول الله وَل أمره
أن يرتجعها بطلاق بقي له)). فالحق أن ما ذهب إليه ابن حزم وأتباعه مذهب لا حجة فيه أمام
الروايات الكثيرة المتظاهرة، وقد رد عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري بما يشفي كل عليل،
والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣ - (٠٠٠) - قوله: (أما أنت طلقتها) تقديره: (إن كنت طلقتها) ومَرَّ وجهه في شرح حديث
(٣٥٤١).

١٥٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(وَهُوَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) عَنْ عَمِّهِ. أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ:
طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ. فَذَكَرَ ذُلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ وَِّ. فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. ثُمَّ قَالَ:
((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا. حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةٌ، سِوَىُ حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا . فَإِنْ
بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِراً مِنْ حَيْضَتِهَا. قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا. فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا
أَمَرَ اللَّهُ)).
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً. فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاَقِهَا. وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا
أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ.
٣٦٤٣ - (٢٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ. حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ
عُمَرَ: فَرَاجَعْتُهَا. وَحَسَبْتُ لَهَا التَّظْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقْتُهَا .
٣٦٤٤ - (٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. (وَاللَّفْظُ
لأَبِي بَكْرٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ)
عَنْ سَالِمِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ. فَذَّكَرَ ذُلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ نَّهِ. فَقَالَ:
((مُرْهُ فَلْيُرِّاجِعْهَا. ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرَاً أَوْ حَامِلاً)).
٤ - (٠٠٠) - قوله: (فتغيظ رسول الله ◌َ﴾) قال الحافظ ابن حجر: لم أر هذه الزيادة في
رواية غير سالم، وهو أجل من روى الحديث عن ابن عمر. وفيه إشعار بأن الطلاق في الحيض
كان تقدم النهي عنه، وإلا لم يقع التغيظ على أمر لم يسبق النهي عنه. ولا يعكر على ذلك مبادرة
عمر بالسؤال عن ذلك، لاحتمال أن يكون عرف حكم الطلاق في الحيض وأنه منهي عنه، ولم
يعرف ماذا يصنع من وقع له ذلك ... وقال ابن دقيق العيد: وتغيظ النبي وَ* إما لأن المعنى
الذي يقتضي المنع كان ظاهراً، فكان مقتضى الحال التثبت في ذلك، أو لأنه كان مقتضى الحال
مشاورة النبي ◌َّيه في ذلك إذا عزم عليه، كذا في فتح الباري (٩ - ٣٠٢).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وعلى ما قال ابن دقيق العيد يستنبط من الحديث أن
الرجل ينبغي له مشاورة شيخه أو مفتيه قبل الوقوع في الحادثة الجديدة لا بعدها .
قوله: (مستقبلةٌ) يعني: آتية .
قوله: (فحسبت من طلاقها) الصيغة ههنا مبنية للمجهول، والظاهر أن الذي حسبه هو
رسول الله وَلقر، ففيه رد على ابن حزم كما مر.
(٠٠٠) - قوله: (وحسبت لها التطليقة) الظاهر أنه متكلم معروف.
٥ - (٠٠٠) - قوله: (طاهراً أو حاملاً) قال الحافظ: تمسك بهذه الزيادة من استثنى من

١٥٧
كتاب: الطلاق
٣٦٤٥ - (٦) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيم الأَوْدِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ .
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ (وَهُوَ ابْنُ بِلاَلٍ). حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِيْنَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ
وَهِيَ حَائِضٌ. فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذُلِكَ رَسُولَ اللهِ ،﴿ فَقَالَ: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَظْهُرَ. ثُمَّ
تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى. ثُمَّ تَظْهُرَ. ثُمَّ يُطَلِّقَ بَعْدُ، أَوْ يُمْسِكُ)).
٣٦٤٦ - (٧) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ. قَالَ: مَكَثْتُ عِشْرِيْنَ سَنةً يُحدِّثُنِي مَنْ لاَ أَتَّهِمُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ
امْرَأَتَهُ ثَلاثَاً وَهِيَ خَائِضٌ. فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا. فَجَعَلْتُ لاَّ أَتَّهِمُهُمْ، وَلاَ أَعْرِفُ الْحَدِيثَ،
حَتَّى لَقِيتُ أَبَا غَلَّبٍ، يُونُسَ بْنَ جُبَيْرِ الْبَاهِلِيَّ. وَكَانَ ذَا ثَبَتِ. فَحَدَّثَنِي؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ
تحريم الطلاق في طهر جامع فيه ما إذا ظهر الحمل، فإنه لا يحرم، والحكمة فيه أنه إذا ظهر
الحمل فقد أقدم على ذلك على بصيرة فلا يندم على الطلاق فإنه يدل على رغبته عنها، كذا في
فتح الباري (٩ - ٣٠٥).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهو مذهب الحنفية، كما صرح به في الهداية حيث قال:
(وطلاق الحامل يجوز عقيب الجماع، لأنه لا يؤدي إلى اشتباه وجه العدة، وزمان الحبل زمان
الرغبة في الوظأ) وأقره ابن الهمام في فتح القدير (٣ - ٣٢) وبه جزم أبو إسحاق الشيرازي من
الشافعية، كما في المجموع شرح المهذب (١٦ - ٧٤) وابن قدامة الحنبلي في المغني (٧ - ١٠٥)
وحكى النووي عن بعض المالكية أن طلاق الحامل حرام عندهم، وعن الحسن أنه كرهه،
والحديث حجة عليهم.
٧ - (٠٠٠) - قوله: (طلق امرأته ثلاثاً) اعلم أن رواية الثلاث قد أخرجها الدارقطني من
طريق محمد بن أحمد بن يوسف الكوفي، وأحمد بن أبي دارم: نا أحمد بن موسى بن إسحاق،
نا أحمد بن صبيح الأسدي، نا طريف بن ناصح عن معاوية، عن عمار الدهني، عن أبي الزبير
قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثاً وهي حائض، فقال: أتعرف ابن عمر؟ قلت:
نعم، قال: (طلقت امرأتي ثلاثاً على عهد رسول الله وَّر وهي حائض، فردها رسول الله وَّةٍ إلى
السنة) ثم قال الدارقطني بعد إخراجه: ((هؤلاء كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلق
امرأته واحدة في الحيض)) راجع سنن الدارقطني (٤ - ٧) حديث (١٤) من كتاب الطلاق.
قوله: (ولا أعرف الحديث) يعني: لا أعرف وجهه وأنه كيف أمر رسول الله وَل بالمراجعة
بعد ما تغلظ طلاقها بالثلاث، ويحتمل أن يكون معناه: لا أعرف الحديث الصحيح، والله أعلم.
قوله: (أبا غلاب) ضبطه أكثر الشراح بتشديد اللام، خلافاً للقاضي، فإنه ضبطه بتخفيفها .
قوله: (ذا ثَبَتٍ) بفتح الثاء والباء، يعني متثبتاً، كذا في مجمع البحار. والثبت بفتحتين

١٥٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عُمَرَ. فَحَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَظْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ. فَأُمِرَ أَنْ يَرْجِعَهَا. قَالَ: قُلْتُ:
أَفَحُسِبَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَمِهْ. أَوَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ؟
بمعنى الثبات في الأمر، يقال: رجل له ثبت عند الحملة، أي: ثبات، وتقول: لا أحكم بكذا
إلا بثبت أي: بحجة، كذا في مختار الصحاح.
قوله: (فمه) أصله (فما)؟ وهو استفهام فيه اكتفاء، أي: فما يكون إن لم تحتسب؟ والهاء
على هذا للوقف. ويحتمل أن تكون الهاء أصلية، وهي كلمة تقال للزجر، أي: كف عن هذا
الكلام، فإنه لا بد من وقوع الطلاق بذلك، قال ابن عبد البر: قول ابن عمر (فمه) معناه: فأي
شيء يكون إذا لم يعتد بها؟ إنكاراً لقول السائل: أيعتد بها، فكأنه قال: هل من ذلك بد؟ كذا في
فتح الباري (٩ - ٣٠٧).
قوله: (أو إن عجز واستحمق؟) استحمق الرجل: إذا فعل فعلاً يصيره أحمق، كذا نقل
الحافظ عن الخشاب، ثم إن هذا الكلام يحتمل معنيين :
الأول: أن يكون تقديره: (أو لا يقع الطلاق لمجرد أن ابن عمر عجز عن إيقاع الطلاق
على وجهه وفعل فعل الأحمق في التطليق في حالة الحيض؟) هكذا فسره أكثر الشراح، فقال
الحافظ: أي: إن عجز عن فرض فلم يقمه، أو استحمق فلم يأت به، أيكون ذلك عذراً له؟
وقال الخطابي: في الكلام حذف، أي: أرأيت إن عجز واستحمق أيسقط عنه الطلاق حمقه أو
يبطله عجزه؟ وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه .
والمعنى الثاني أن يكون تقديره: أو لا يكون الطلاق واقعاً إن عجز ابن عمر عن الرجعة
وفعل فعل الأحمق بعدم امتثال ما أمر به النبي ◌َّر؟ يعني لا جرم يقع الطلاق. وبهذا فسره
القاضي كما حكاه عنه النووي، ونقله الحافظ في الفتح (٩ - ٣٠٧) عن المهلب أيضاً، حيث
قال: قوله (إن عجز واستحمق) يعني: عجز في المراجعة التي أمر بها عن إيقاع الطلاق، أو فقد
عقله فلم تمكن منه الرجعة أتبقى المرأة معلقة، لا ذات بعل ولا مطلقة؟ وقد نهى الله عن ذلك،
فلا بد أن تحتسب بتلك التطليقة التي أوقعها على غير وجهها، كما أنه لو عجز عن فرض آخر الله
فلم يقمه، واستحمق فلم يأت به ما كان يعذر بذلك، ويسقط عنه.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذان الوجهان سائغان محتملان في تفسير هذا الكلام،
وقد قيل في تفسيره غير ذلك أيضاً، فقال الكرماني: يحتمل أن يكون (إن) نافية بمعنى (ما) أي:
لم يعجز ابن عمر ولا استحمق، لأنه ليس بطفل ولا مجنون، قال: وإن كانت الرواية بفتح ألف
(أن) فمعناه أظهر.
ثم إن قوله (استحمق) مبني للمعروف بفتح التاء، وتقدم تفسيره، وقد وقع في بعض
الأصول بضم التاء مبنياً للمجهول، أي إن الناس استحمقوه بما فعل، وهو موجه أيضاً. وأما

١٥٩
كتاب: الطلاق
٣٦٤٧ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيع وَقُتَيْبَةُ قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهذَا
الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ نَّهِ. فَأَمَرَهُ.
٣٦٤٨ - (٨) وحدّثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ
أَيُّوبَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ وَّهَ عَنْ ذُلِكَ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ
يُرَاجِعَهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا طَاهِراً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ. وَقَالَ: ((يُطَلِّقُهَا فِي قُبُلِ عِدَّتِهَا)).
٣٦٤٩ - (٩) وحدّثني يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: قُلْتُ لإِبْنِ عُمَّرَ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ
حَائِضٌ. فَقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بِنَ غُمَرَ؟ فَإِنَّهُ طَلَّقَ امَرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ
النَّبِيَّ وَّهِ فَسَأَلَهُ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا. ثُمَّ تَسْتَقْبِلَ عِدَّتَهَا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ
امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، أَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّظْلِيقَةِ؟ فَقَالَ: فَمَهْ. أَوَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ؟.
٣٦٥٠ _ (١٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ
عُمَرَ يَقُولُ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ. فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ وَّهِ فَذَكَّرَ ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ
على البناء للمعروف فالسين والتاء فيه إشارة إلى أنه تكلف الحمق بما فعله من تطليق امرأته وهي
حائض. هذا ملخص ما في فتح الباري.
وبالجملة، فهذا الكلام يدل على وقوع الطلاق في حالة الحيض، وتأوله ابن تيمية بأن قوله
(فمه) بمعنى (كف) يعني كف عما تظن من كون الطلاق واقعاً، وتأول قوله (إن عجز واستحمق)
بأن الشرع لا يتغير بتغييره، وإذا كان حكم الشرع فيه أن الطلاق في الحيض لا يعتبر، فهل يمكن
تغييره واعتباره بتطليقه وحمقه؟ كذا نقله عنه شيخ مشايخنا الأنور كثّفة، ثم أجاب عنه بقوله:
(وإذا تأول ابن تيمية في هذه الألفاظ، فماذا يصنع في قوله (حسبت علي بتطليقة) فإنه صريح؟))
راجع فيض الباري (٤ - ٣١٠) قلت: ويرد على تأويل ابن تيمية أيضاً ما سيأتي في حديث
(٣٥٥٤) ولفظه: ((ما لي لا أعتد بها وإن كنت عجزت واستحمقت)).
٨ - (٠٠٠) - قوله: (في قبل عدتها) يعني في بدايتها، وهذا اللفظ يؤيد أن العدة عدتان
كما أسلفنا في شرح أول أحاديث الباب قوله تحت قوله: (فتلك العدة التي أمر الله إلخ). والقبل
ههنا بضم القاف والباء.
٩ - (٠٠٠) - قوله: (تستقبل عدتها) لعل الاستقبال هنا بمعنى الانتظار أو الاستيناف، ولم
أر من صرح به، والله أعلم.

١٦٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لِيُرَاجِعْهَا. فَإِذَا طَهَرَتْ، فَإِنْ شَاءَ فَلْيُطَلِّفْهَا)). قَالَ: فَقُلْتُ لايْنِ عُمَرَ:
أَفَاخْتَسَبْتَ بِهَا؟ قَالَ: مَا يَمْنَعُهُ. أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ؟
٣٦٥١ - (١١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ. قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ امْرَأَتِهِ الَّتِي طَلَّقَ؟ فَقَالَ: طَلَّقْتُهَا وَهِيَّ
خَائِضٌ. فَذُكِرَ ذُلِكَ لِعُمَرَ. فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّينَ. فَقَالَ: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا. فَإِذَا طَهَرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا
◌ِطُهْرِهَا)) قَالَ: فَرَاجَعْتُهَا ثُمَّ طَلَّقْتُهَا لِطُهْرِهَا. قُلْتُ: فَاعْتَدِدْتَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طَلَّقْتَ وَهِيَ
حَائِضٌ؟ قَالَ: مَالِيَ لاَ أَعْتَدُّ بِهَا؟ وَإِنْ كُنْتُ عَجَزْتُ وَاسْتَحْمَقْتُ؟
٣٦٥٢ - (١٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: طَلَّقْتُ
امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ. فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ وَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا. ثُمَّ إِذَا طَهَرَتْ
فَلْيُطَلِّقْهَا)). قُلْتُ لايْنِ عُمَرَ: أَفَاحْتَسَبْتَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: فَمَهْ.
٣٦٥٣ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِيهِ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ. قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا
(لِيَرْجِعْهَا)). وَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَتَحْتَسِبُ بِهَا؟ قَالَ: فَمه.
٣٦٥٤ - (١٣) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْج. أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ
حَائِضًاً؟ فَقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضاً.
فَذَهَبَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا .
١٠ - (٠٠٠) - قوله: (ليراجعها فإذا طهرت فإن شاء فليطلقها) استدل به أحمد على أن
الطلاق يجوز في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق، وقد مر الكلام على هذه
المسألة تحت أول أحاديث الباب، ومر هناك أنه اختصار من أحد الرواة، والحفاظ إنما رووه
بزيادة (حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر).
(٠٠) - قوله: (غير أن في حديثهما: ليرجعها) اعلم أنه قد روي في هذا الحديث ثلاثة
ألفاظ: (ليرجعها) و (ليرتجعها) و (ليراجعها) والفرق بينها أن الأول والثاني مقصوران على
المرتجعة من الطلاق الرجعي، والمراجعة يستعمل للمطلقة البائنة، لأن البائن ملكت نفسها فلا
بد من رضاها، فهي مفاعلة من الجانبين، كذا نقله الأبي (٤ - ١٠٢) عن بعض الموثقين، قال:
والحديث يدل على خلاف ذلك، لقوله: (فليراجعها) وطلاق ابن عمر إنما كان رجعياً.