Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كتاب: الرضاع
٣٦١٧ - (٥٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَام،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَا تَسْتَحْيِي امْرَأَةٌ تَهَبُ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ؟ حتَّى أَنْزِّلَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿نُرْجِ مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] فَقُلْتُ: إِنَّ رَبَّكَ
◌َيُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ.
الدقة والتكلف في الكلام، وإنما هو إدلال من الزوجة على زوجها ◌َّلجر، وليس من سوء الأدب
في شيء، لأنه وَّي لم يكن ليكرهه، بل ربما يستحسن أمثاله منها.
مسألة انعقاد النكاح بلفظ الهبة
ثم قد دل حديث الواهبات على أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة أيضاً، وهو مذهب أبي حنيفة
والأوزاعي، فإن سميا مهراً وجب المسمى، وإن لم يسميا شيئاً أو شرطا عدم المهر وجب مهر
المثل، وقال الشافعي: لا يصح النكاح إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لأنهما الصريحان اللذان
ورد بهما القرآن والحديث، ولأن قوله تعالى: ﴿خَالِصَةُ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [الأحزاب: ٥١]
صريح في أن انعقاد النكاح بالهبة من خصائصه ا ﴿ ولا يجوز لأحد غيره، هذا ملخص ما في
نكاح فتح الباري (٩: ١٤١).
وأجاب عنه الحافظ علاء الدين المارديني في الجوهر النقي بما يشفي كل عليل، وخلاصته
أن خصوصيته وَّ إنما كانت في انعقاد النكاح بغير مهر، لا في انعقاده بلفظ الهبة، فقد أخرج
أحمد عن عائشة في حديث الباب قالت: ((ألا تستحيي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق)).
وأخرجه الطحاوي عنها بلفظ ((قلت: إني لأستحيي امرأة تهب نفسها لرجل بغير مهر))(١).
والحديث من الطريقين يدل على أن الذي أنكرته عائشة هو ترك المهر لا غير، وأن الذي خص
به * هو الانعقاد بغير صداق.
وقد أخرج البيهقي في باب ما أبيح له من الموهوبة (٧: ٥٥) عن سعيد بن المسيب قال:
((لا تحل الهبة بعد رسول الله ﴿ ﴿، ولو أصدقها سوطاً حلت)) وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس
قال: ((لا يحل لأحد أن يهب ابنته بغير مهر إلا للنبي ◌ّ﴾) وأخرج مثله عن مجاهد وعطاء
والحكم وحماد، بأسانيد صحيحة.
قال المارديني: ((ويؤيد ما قاله هؤلاء وجهان: أحدهما قوله تعالى: ﴿لِكَيْلًا يَكُونَ عَلَيْكَ
حَرَجُ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، أي ضيق، الحرج إنما هو في وجوب الصداق لا في الانعقاد من جهة
اللفظ، إذ لا فرق في اللفظ بين (وهبت) و (زوجت)، والثاني: أنه إذا ثبت أن الذي خص به ظلَّلامُ
(١) وإسناد الأول على شرط الشيخين، وإسناد الثاني فيه حسين بن نصر، قال فيه السمعاني وابن يونس: ثقة،
وبقية السند على شرط البخاري، كذا في الجوهر النقي.

١٢٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦١٨ - (٥١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ. قَالَ: حَضَرْنَا، مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ،
جَنَازَةً مَيْمُونَةً، زَوْجِ النَّبِيِّ بَهَ بِسَرِفَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ بَ. فَإِذَا رَفَعْتُمْ
هو الانعقاد بغير مهر، فقد كفينا مؤنة قوله تعالى (خالصة لك) فانتفت الخصوصية بلفظ الهبة،
لئلا يلزم كثرة اختصاص، إذ الأصل عدمه)) راجع الجوهر النقي (هامش البيهقي ٧: ٥٦).
٥١ - (١٤٦٥) - قوله: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) هذا الحديث أخرجه البخاري في باب
كثرة النساء من النكاح، والنسائي في الباب الأول من النكاح، وأحمد في مسند ابن عباس (١ :
٢٣١ و ٣٤٨ و٣٤٩).
قوله: (ميمونة زوج النبي ( 18) هي بنت الحارث أم المؤمنين، وخالة ابن عباس، وكانت
قبل النبي ◌ّير عند أبي رهم بن عبد العزى، وقيل: عند سخبرة بن أبي رهم، وقيل: عند
حويطب بن عبد العزى، وقيل: عند فروة أخيه، وتزوجها رسول الله وَّ في ذي القعدة سنة سبع
في عمرة القضاء، وقال ابن سعد: كانت آخر امرأة تزوجها رسول الله وَلّ وأخرج ابن سعد بسند
صحيح إلى ابن عباس قال: قال رسول الله وسلم: ((الأخوات مؤمنات: ميمونة وأم الفضل
وأسماء)) وأخرج عن يزيد بن الأصم في قصة طويلة أن عائشة ؤها قالت فيها: ((أما إنها كانت
أتقانا لله، وأوصلنا للرحم)) وأخرج عن مجاهد قال: ((كان اسم ميمونة برة، فسمّاها رسول الله وَاله
ميمونة وفي نكاحها في حالة الإحرام خلاف مشهور تقدم في النكاح وماتت سنة إحدى
وخمسین، وقيل: سنة إحدى وستين.
قوله: (بسرف) بفتح أوله، وكسر ثانيه، وآخره فاء، قال أبو عبيد: السرف الجاهل، قال
البلاذري: هو موضع على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، وتسعة، واثني عشر، تزوج به
رسول الله * ميمونة بنت الحارث، وهناك بنى بها، وهناك توفيت، كذا في معجم البلدان
(١٠ : ٢١٢) للبلاذري.
وأخرج ابن سعد من طريق الواقدي أنها توفيت بمكة، فحملها عبد الله بن عباس وجعل
يقول للذين يحملونها: ارفقوا بها فإنها أمكم، حتى دفنها بسرف. وأخرج أيضاً بإسناد صحيح
عن يزيد بن الأصم قال: ((دفنا ميمونة بسرف في الظلة التي بنى بها فيها رسول الله وَيٌ)) ومن
وجه آخر عن يزيد بن الأصم، قال: ((نزل في قبرها ابن عباس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد
وأنا وعبيد الله الخولاني)) (طبقات ابن سعد ٨: ١٤٠) قال العبد الضعيف: أما ابن عباس
ويزيد بن الأصم فكانت ميمونة خالتهما، وأما عبد الرحمن بن خالد فكانت ميمونة خالة أبيه،
وأما عبيد الله الخولاني فكان في حجرها، كما نبه عليه الحافظ في الفتح (٩: ٩٧) وموضع قبر
ميمونة بسرف معروف إلى اليوم، وهو على شارع المدينة على اليسار من الذي يتوجه إليها من
مکة، وقد زرته والحمد لله.

١٢٣
كتاب: الرضاع
نَعْشَهَا فَلاَ تُزَعْزِعُوا. وَلاَ تُزَلْزِلُوا. وَارْفُقُوا. فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ تِسْعٌ. فَكَانَ
يَقْسِمُ لِثَمَانٍ وَلاَ يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ .
قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِي لاَ يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَيِّ بْنِ أَخْطَبَ.
قوله: (فلا تزعزعوا) الزعزعة: تحريك الشيء الذي يرفع، والزلزلة: الاضطراب، قاله
الحافظ في الفتح.
قوله: (وارفقوا) إشارة إلى أن مراده السير الوسط المعتدل، ويستفاد منه أن حرمة المؤمن
بعد موته باقية كما كانت في حياته، وفيه حديث ((كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً» أخرجه أبو
داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، كذا في فتح الباري.
قوله: (التي لا يقسم لها صفية) هذه الزيادة من عطاء قد حذفها البخاري في صحيحه،
وقال النووي: ((هذا وهم من ابن جريج الراوي عن عطاء، وإنما الصواب سودة، كما في
الأحاديث)) وبمثله حكى عياض عن الطحاوي، والأبي عن الخطابي.
وقد اجتهد بعض العلماء في نفي الوهم عن ابن جريج، وإثبات أن صفية كانت ممن لا
يقسم لها رسول الله وَّر، فقال عياض: قد ذكروا في قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب:
٥١] أنه آوى عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة، فكان يستوفي لهن القسم، وأرجأ سودة وجويرية
وأم حبيبة وميمونة وصفية، فكان يقسم لهن ما شاء، قال: فيحتمل أن تكون رواية ابن جريج
صحيحة، ويكون ذلك في آخر أمره حيث آوى الجميع، فكان يقسم لجميعهن إلا لصفية.
وردَّه العلامة العيني بقوله: ((قد أخرج ابن سعد من ثلاثة طرق أن النبي ◌َّ كان يقسم
الصفية كما يقسم لنسائه، فإن قلت: قد أخرج ابن سعد هذه الطرق كلها من رواية الواقدي، وهو
ليس بحجة، قلت: ما الواقدي؟ وقد روى عنه الشافعي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو عبيد وأبو
خثيمة، وعن مصعب الزبيري: ثقة مأمون، وكذا قال المسيبي، وقال أبو عبيد: ثقة، وعن
الدراوردي: الواقدي أمير المؤمنين في الحديث)) انتهى من عمدة القاري (٩: ٣٥٩).
ولكن الحافظ ابن حجر كثّفُ لم يرضى بتوثيق الواقدي، فقال: ((وقد تعصب مغلطاي
الواقدي، فنقل كلام من قواه ووثقه، وسكت عن ذكر من وهاه واتهمه، وهم أكثر عدداً وأشد
إتقاناً، وأقوى معرفة من الأولين، ومن جملة ما قواه به أن الشافعي روى عنه، وقد أسند البيهقي
عن الشافعي أنه كذبه، ولا يقال: فكيف روى عنه؟ لأنا نقول: رواية العدل ليست بمجردها
توثيقاً، فقد روى أبو حنيفة عن جابر الجعفي، وثبت عنه أنه قال: ما رأيت أكذب منه)) لكنه
رجح أن مراد ابن عباس بالتي لا يقسم لها سودة كما قاله الطحاوي. راجع فتح الباري (١ :
٩٨).
ثم قال الحافظ: ((لكن يحتمل أن يقال: لا يلزم من أنه كان لا يبيت عند سودة أن لا يقسم

١٢٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦١٩ - (٥٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ
ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: قَالَ عَطَاءٌ: كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْتاً. مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ.
(١٥) - باب: استحباب نكاح ذات الدين
٣٦٢٠ - (٥٣) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ.
قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعِ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا،
لها، بل كان يقسم لها، لكن يبيت عند عائشة، لما وقع من تلك الهبة، نعم: يجوز نفي القسم
عنها مجازاً)) وهو كلام متين جداً.
٥٢ _ (٠٠٠) - قوله: (كانت آخرهن موتاً) يعني به ميمونة رغثنا، ووافق عليه ابن سعد
وغيره، قالوا: وكانت وفاتها سنة إحدى وستين، وخالفهم آخرون، فقالوا: ماتت سنة ست
وخمسين، ويعكر عليه أن أم سلمة عاشت إلى قتل الحسين ظها، وكان قتله يوم عاشوراء سنة
إحدى وستين، وقيل: بل ماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، والأول أرجح، ويحتمل أن تكونا
ماتتا في سنة واحدة، لكن تأخرت ميمونة. وقد قيل أيضاً: إنها ماتت سنة ثلاث وستين، وقيل:
سنة ست وستين، وعلى هذا لا ترديد في آخريتها في ذلك، كذا في فتح الباري.
قوله: (ماتت بالمدينة) هذا مشكل جداً، لما تقدم في هذا الحديث بعينه أنها ماتت
بسرف، وهو موضع بقرب مكة، لا بالمدينة، وتأول فيه الحافظ بأن المراد من المدينة معناها
اللغوي، يعني البلد، والمراد منه مكة، ولكنه بعيد كما ترى، فالظاهر أنه وهم من أحد الرواة،
وإن أراد به صفية فقد وهم أيضاً، لأنها لم تكن آخرهن موتاً، كما ذكره الأبي، والله سبحانه
أعلم.
(١٥) - باب: استحباب نكاح ذات الدين
٥٣ - (١٤٦٦) - قوله: (عن أبي هريرة) إلخ أخرجه البخاري في باب الأكفاء في الدين،
والنسائي في باب كراهية تزويج الزناة، وأبو داود في الباب الثاني من النكاح، وابن ماجه في
تزويج ذات الدين، وأحمد في مسند أبي هريرة (٢: ٤٢٨).
قوله: (لمالها، ولحسبها) والحسب بفتح المهملتين في الأصل: الشرف بالآباء
وبالأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم،
وحسبوها، فمن زاد عدده على غيره سبق الآخرين في المفاخرة. وقيل: المراد بالحسب هنا
الفعال الحسنة، كذا في عمدة القاري (٩ - ٣٧٧).
قال الحافظ: وقد وقع في مرسل يحيى بن جعدة عند سعيد بن منصور: ((على دينها

١٢٥
كتاب: الرضاع
وَلِدِينِهَا. فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)).
ومالها، وعلى حسبها ونسبها)) وذكر النسب على هذا تأكيد. ويؤخذ منه أن الشريف النسيب
يستحب له أن يتزوج نسيبة، إلا أن تعارض نسيبة غير دينة، وغير نسيبة دينة، فيقدم ذات الدين.
وهكذا في كل الصفات.
قوله: (فاظفر بذات الدين) وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول
الله و الله: ((لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن الأموالهن،
فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل)).
وأخرج أحمد وأبو يعلى والبزار عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((تنكح المرأة على إحدى
الخصال: لجمالها، ومالها، وخلقها، ودينها، فعليك بذات الدين والخلق، تربت يمينك)) ذكره
الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رجاله ثقات (٤: ٢٥٤).
هل الجمال مطلوب في النكاح؟
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وليس معنى هذه الأحاديث أن لا يلتفت الرجل إلى
الحسب والجمال أصلاً، وإنما المعنى أن يقدم الدين على كل شيء، ولا يرغب في امرأة
لمحض جمالها إن كانت غير متدينة، وإلا فقد ثبت في عدة أحاديث أن الجمال من موجبات
الرغبة في النكاح، لأن العفة وغض البصر والتحصين لا يحصل إلا بأن يطمئن الرجل بزوجته .
فمنها ما مرَّ في كتاب الرضاع عن علي رُه أنه عرض ابنة حمزة على رسول الله وسلّ قائلاً:
((فإنها من أحسن فتاة في قريش)) أخرجه سعيد بن منصور كما حكى عنه الحافظ في الفتح.
ومنها ما مرَّ عند المصنف في باب ندب النظر إلى المرأة من النكاح أنه ربَّ قال لرجل أراد
التزوج في الأنصار: ((فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً)).
ومنها ما أخرجه أحمد، وأبو يعلى وابن أبي شيبة في مسنديهما عن أنس أن امرأة أتت
النبي ◌َّ فقالت: يا رسول الله بنت لي كذا وكذا، فذكرت من حسنها وجمالها، فأوثرك بها،
قال: قد قبلتها، فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تشتك شيئاً قط، قال: ((لا
حاجة لي في ابنتك)) أورده الهيثمي في باب من لم يمرض من جنائز مجمع الزوائد (٢: ٢٩٤)
وقال: رجاله ثقات، وأورده الحافظ في باب كفارات المرض من طب المطالب العالية (٢:
٣٤١).
ومنها ما أخرجه أحمد عن أنس بن مالك أن النبي ◌َ ر أرسل أم سليم تنظر إلى جارية،
فقال: ((شمي عوارضها وانظري إلى عرقوبها)) وأخرجه الحاكم أيضاً وصححه، وأقره الذهبي،
كما في الفتح الرباني (١٦ : ١٤٦).
قوله: (تربت يداك) قد مرَّ غير مرة أنه في الأصل دعاء، ولكن العرب تستعملها للإنكار

١٢٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٢١ - (٥٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ. أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: تَزْوَّجْتُ امْرَأَةً
فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَلَقِيتُ النَّبِيَّ وَهِ فَقَالَ: (يَا جَابِرُ! تَزَوَّجْتَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:
((بِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟)) قُلْتُ: ثَيِّبٌ. قَالَ: ((فَهَلاَّ بِكْراً تُلاَعِبُهَا؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي
أَخَوَاتٍ. فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُنَّ. قَالَ: ((فَذَاكَ إِذَنْ. إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَىْ دِينِهَا،
وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا. فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)).
(١٦) - باب: استحباب نكاح البكر
٣٦٢٢ - (٥٥) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَالَ:
والزجر والتعجب والتعظيم والحث على الشيء، والمراد منه ههنا معناه الأخير، وراجع لتحقيقه
فتح الباري، باب الأكفاء في الدين (٩ - ١١٦).
استطراد:
قد ذكر اليافعي أن والد عبد الله بن المبارك كان عبداً يعمل في بستان مولاه، فاستشاره
سيده ذات يوم في بنته، وقد خطبت إليه ورغب فيها كثير من الناس، فقال: يا مبارك! من ترى
أن نزوجه هذه البنية؟ فقال له يا سيدي! الناس مختلفون في الأغراض، فأما أهل الجاهلية فكانوا
يزوجون للحسب، وأما اليهود فيزوجون للمال، وأما النصارى فيزوجون للجمال، وأما هذه
الأمة فيزوجون للدين. يعني الأخيار منهم الدينين، فلما سمع منه ذلك أعجبه عقله، فقال لأمها:
والله ما لها زوج غيره، فزوجها منه، فولدت له عبد الله بن المبارك تخلّفُ وراجع مرآة الجنان
اليافعي (١: ٣٧٩) في ترجمة عبد الله بن المبارك، أحوال سنة ١٨١ هـ.
(١٦) - باب: استحباب نكاح البكر
٥٤ - (٧١٥) - قوله: (أخبرني جابر بن عبد الله) إلخ هذه قصة جابر، وقد أخرجها
البخاري في كتاب الجهاد، باب من غزا وهو حديث عهد بعرس، وباب من ضرب دابة غيره،
وفي كتاب المغازي. باب إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا، وفي كتاب البيوع، باب شري
الدواب والحمير. وفي كتاب الاستقراض، باب الشفاعة في وضع الدين، وفي كتاب الوكالة،
باب إذا وكل رجلاً أن يعطي شيئاً ولم يبين كم يعطي إلخ، وفي كتاب الشروط، باب إذا اشترط
البائع ظهر الدابة، وفي كتاب النكاح، باب تزويج الثيبات، وباب لا يطرق أهله ليلاً، وباب
طلب الولد، وباب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، وفي كتاب النفقات، باب عون المرأة زوجها
في ولده.

١٢٧
كتاب: الرضاع
((هَلْ تَزَوَّجْتَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((أَبِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟)) قلْتُ: ثَيِّباً. قَالَ: ((فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ
الْعَذَارَىُ وَلِعَابِهَا؟)).
قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ جَابِرٍ. وَإِنَّمَا قَالَ: ((فَهَلأَّ
جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ؟)) .
٣٦٢٣ - (٥٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْعَ
بَنَاتٍ (أَوْ قَالَ: سَبْعَ) فَتَزَوَّجَتُ امْرَأَةً ثَيِّباً. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ: ((يَا جَابِرُ! تَزَوَّجْتَ؟))
قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟)) قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ((فَهَلاَ
جَارِيَةٌ تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ)) (أَوْ قَالَ: تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ) قَالَ: قَلْتُ لَهُ:
وأخرجه مسلم في المساقاة، باب بيع البعير واستثناه ركوبه أيضاً، وأبو داود والدارمي في
النكاح، والجهاد، والترمذي وابن ماجه في النكاح، والنسائي في البيوع، باب البيع يكون فيه
الشرط إلخ. وأحمد في مسند جابر بن عبد الله (٣: ٢٩٤ و٣٠٢ و٣١٤ و٣٥٨ و ٣٦٢ و٣٧٤
و ٣٧٥ و ٣٧٦).
قوله: (تزوجت امرأة) إلخ اسمها سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية،
ذكره ابن سعد كما في فتح الباري (باب تزويج الثيبات ٩: ٥).
قوله: (فلقيت النبي (َ﴿) سيأتي أن ذلك كان عند القفول من غزوة تبوك، أو غزوة ذات
الرقاع.
٥٥ - (٠٠٠) - قوله: (فأين أنت من العذارى ولعابها) ضبطه الأكثر بكثر اللام، وعليه فهو
مصدر آخر للملاعبة، كما في المقاتلة والقتال، وضبطه المستملي وغيره بضم اللام، والمراد به
الريق، وفيه إشارة إلى مص لسانها أو رشف شفتيها، وذلك يقع عند الملاعبة والتقبيل، وليس
هو ببعيد كما قال القرطبي، ويؤيد أنه بمعنى آخر غير الملاعبة قول شعبة أنه عرض ذلك على
عمرو بن دينار فأنكره، وقال: (إنما قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك) فلو كانت الروايتان
متحدتين في المعنى لما أنكر عمرو ذلك، لأنه كان ممن يجيز الرواية بالمعنى. كذا قال الحافظ
في الفتح.
٥٦ - (٠٠٠) - قوله: (فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك أو قال: تضاحكها وتضاحكك) وجمع
أبو الربيع بين اللفظين، ووقع عند الطبراني من حديث كعب بن عجرة أن النبي وَّه قال الرجل،
فذكر نحو حديث جابر، وقال فيه: ((وتعضها وتعضك)) ووقع في رواية لأبي عبيدة: ((تذاعبها
وتذاعبك)» بالذال المعجمة بدل اللام، كما في فتح الباري.

١٢٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْعَ بِنَاتٍ (أَوْ سَبْعَ) وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ أَوْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ.
فَأَحْبِبْتُ أَنْ أَجِيءَ بِامْرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ. قَالَ: ((فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ)) أَوْ قَالَ لِي خَيْراً.
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الرَّبيعِ: ((تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ)).
قال النووي: وفيه فضيلة تزويج الأبكار، وثوابهن أفضل، وفيه ملاعبة الرجل امرأته
وملاطفته لها، ومضاحكتها، وحسن العشرة، وفيه سؤال الإمام والكبير عن أصحابه عن
أمورهم، وتفقد أحوالهم وإرشادهم إلى مصالحهم.
قوله: (إن عبد الله هلك) يعني به والده، وقد صرح في رواية سفيان عند البخاري في
المغازي أنه قتل يوم أحد، وبهذه المناسبة أخرجه البخاري في المغازي.
قوله: (ترك تسع بنات) ووقع في رواية الشعبي عند البخاري في المغازي: ((ست بنات))
وجمع بينهما الحافظ في الفتح (٧: ٢٧٦) بأن ثلاثاً منهن كن متزوجات أو بالعكس.
قوله: (وإني كرهت أن آتيهن) إلخ. وفي رواية سفيان، عن عمرو، في مغازي البخاري:
((فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشطهن)) وفي رواية
نبيح العنزي عند أحمد (٣: ٣٥٨): ((فكرهت أن أضم إليهن جارية كإحداهن، فتزوجت ثيبا
تقصع قملة إحداهن، وتخيط درع إحداهن إذا تخرق)).
قال الأبي: وفي تصويبه ﴿ اعتذاره ترجيح مصالح النفس والأولاد على لذات الدنيا
وشهواتها، وفيه ما يلزم المرأة من القيام بمصالح زوجها وما تندب إليه من بر أهله.
كلمة في الدعوة إلى حفل الزواج
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ودل الحديث أيضاً على أن الاهتمام البليغ في الدعوة إلى
مجلس النكاح، كما يفعل في زماننا، ليس بمطلوب شرعاً، فانظر إلى جابر ظه تزوج امرأة،
ولم يدع رسول الله وَلّر إلى مجلس زواجه، مع ما له من علاقة قوية برسول الله وَيقول، ثم انظر
إليه * كيف دعا له بخير، ولم ينكر عليه أنه لم يدعه عند عقد النكاح، ولو كان هذا الاهتمام
مطلوبا في الدين لم يكن جابر ظله ليذهل عن رسول الله وَلقول عند الدعوة إلى النكاح. وكذلك قد
مر عند المصنف في باب الصداق: ((أن النبي وَ ل* رأى على عبد الرحمن ابن عوف أثر صفرة،
قال: ما هذا؟ قال: يارسول الله! أني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: فبارك الله
أحد العشرة المبشرة، ولكنه لم يدع رسول
لك، أو لم ولو بشاة» فإن عبد الرحمن بن عوف
الله ◌َّ إلى حفل زواجه، حتى سأله النبي ◌َّ فأخبره، ولم يشك إليه رسول الله يَّر بأنه لم يدعه
في ذلك. وهكذا كان أمر الصحابة رضوان الله عليهم، يتناكحون بكل سذاجة وبساطة، ليس فيها
هذه الالتزامات من الفخفخة والتكلف، والله سبحانه أعلم.

١٢٩
كتاب: الرضاع
٣٦٢٤ - (٠٠٠) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((هَلْ نَكحْتَ يَا جَابِرُ؟)) وَسَاقَ الْحَدِيثَ. إِلَى
قَوْلِهِ: امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ. قَالَ: (أَصَبْتَ)) وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٣٦٢٥ - (٥٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي غَزَاةٍ. فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرِ
٥٧ - (٠٠٠) - قوله: (في غزاة) اختلفت الروايات في تعيين هذه الغزوة، فعلق البخاري
في الشروط رواية عبد الله بن مقسم عن جابر: (اشتراه بطريق تبوك)) وبمثله أخرج أحمد (٣:
٣٦٢) في رواية أبي المتوكل: ((أن رسول الله وَلي مر بجابر في غزوة تبوك)).
ولكن أخرج أحمد (٣: ٣٧٥) من طريق محمد بن إسحاق عن وهب بن كيسان عن جابر
قال: ((خرجت مع رسول الله ﴿ ﴿ في غزوة ذات الرقاع إلخ)) وكذا أخرجه الواقدي من طريق
عطية بن عبد الله بن أنيس عن جابر، ورجحه الحافظ ابن حجر كَّهُ بوجوه:
الأول: أنه مروي من طريق محمد بن إسحاق والواقدي، وإن أهل المغازي أضبط لذلك
من غيرهم .
والثاني: أنه وقع في رواية الطحاوي(١)، أن ذلك كان في رجوعهم من طريق مكة إلى
المدينة، وليست طريق تبوك ملاقية لطريق مكة، بخلاف غزوة ذات الرقاع.
والثالث: أن في كثير من طرق هذا الحديث اعتذار جابر لتزوج الثيب بأن أباه استشهد يوم
أحد، فأشعر بأن ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه، فيكون وقوع القصة في ذات الرقاع أظهر من
وقوعها في تبوك، لأن ذات الرقاع كانت بعد أحد بسنة واحدة على الصحيح، وتبوك كانت
بعدها بسبع سنين، ولا جرم جزم البيهقي في الدلائل بما قال ابن إسحاق، كذا في فتح الباري،
(٥: ٢٣٥) كتاب الشروط، باب اذا اشترط البائع ظهر الدابة.
قوله: (فلما أقبلنا تعجلت) إلخ وزاد قبله في رواية نبيح عند أحمد (٣: ٣٥٨): ((فقدت
جملي ليلة، فمررت على رسول الله وَله وهو يشد لعائشة، قال: فقال لي: ما لك يا جابر؟ قال:
قلت: فقدت جملي، أو ذهب جملي في ليلة ظلماء، قال: فقال لي: هذا جملك! اذهب فخذه،
قال: فذهبت نحواً مما قال لي فلم أجده، قال: فرجعت إليه فقلت: يا نبي الله! ما وجدته،
قال: فقال لي: هذا جملك! اذهب فخذه، قال: فذهبت نحواً مما قال لي فلم أجده، قال:
(١) لم أجد هذا اللفظ فيما أخرجه الطحاوي في باب الشروط في البيع من شرح معاني الآثار، فلعله أخرجه في
مشكله أو في كتاب له آخر، ولكنه مروي عند مسلم في باب بيع البعير واستثناء ركوبه من طريق مغيرة عن
الشعبي، والله أعلم.

١٣٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِي قَطُوفٍ. فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلْفِي. فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعهُ. فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ
مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الإِبْلِ. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ. فَقَالَ: ((مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ؟))
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. فَقَالَ: ((أَبِكْراً تَزَوَّجْتَهَا أَمْ ثِيِّياً؟)) قَالَ: قُلْتُ:
بَلْ ثَيِّياً. قَالَ: ((هَلَأَّ جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ؟)).
قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِندْخُلَ. فَقَالَ: ((أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً (أَيْ عِشَاءً)
فرجعت إليه فقلت: بأبي وأمي يا نبي الله! لا والله ما وجدته، قال: فقال لي: على رسلك! حتى
إذا فرغ أخذ بيدي فانطلق بي حتى أتينا الجمل، فدفعه إلي، قال: هذا جملك. قال: وقد سار
الناس، فبينما أنا أسير على جملي في عقبتي - قال: وكان جملا فيه قطاف ـ قال: قلت: يا لهف
أمي أن يكون لي إلا جمل قطوف، قال: وكان رسول الله وَله بعدي يسير. قال: فسمع ما قلت،
قال: فلحق بي فقال: ما قلت يا جابر؟ قال: فنسيت ما قلت، قال: قلت: ما قلت شيئاً يا نبي
الله! قال: فذكرت ما قلت، قال: قلت: يا نبي الله! يا لهفاه أن يكون لي إلا جمل قطوف،
قال: فضرب النبي ◌َّ عجز الجمل)) إلى آخر الحديث.
قوله: (قطوف) هو بفتح القاف، بمعنى البطيء في المشي، يقال: قطف البعير يقطف
(بكسر الطاء وضمها) إذا أبطأ في السير مع تقارب الخطو، والقطاف تقارب الخطو في سرعة،
كذا في مجمع البحار. ووقع عند البزار من طريق أبي المتوكل أن الجمل كان أحمر، كما في
فتح الباري.
قوله: (فنخس بعيري) النخس: الدفع والحركة، كما في مجمع البحار.
قوله: (بعنزة) وكانت هذه العنزة قد أخذها رسول الله ولو من جابر، فقد وقع في رواية
عطاء وغيره عند البخاري في الوكالة: ((فقال: أمعك فضيب؟ قلت: نعم، قال: أعطنيه، فأعطيته
فضربه فزجره إلخ))، وفي رواية أبي المتوكل عند أحمد (٣: ٣٧٢) ((قال: استمسك وأعطني
السوط، فأعطيته السوط فضربه))، وفي رواية وهب بن كيسان عند أحمد (٣ - ٣٧٥): ((قلت: يا
رسول الله! أبطأ بي جملي هذا، قال: فأنخه، وأناخ رسول الله وَّر، ثم قال: أعطني هذه العصا
من يدك، أو قال: اقطع لي عصا من شجرة، قال: ففعلت)).
قوله: (فانطلق بعيري) إلخ وكان رسول الله بَير قد دعا له مع ضربه، كما في رواية الشعبي
عند البخاري في الشروط، وللطبراني من رواية زيد بن أسلم عن جابر: «فنفث فيها أي العصا ثم
مج من الماء في نحره، ثم ضربه بالعصا، فوثب)) ولابن سعد من هذا الوجه: ((ونضح ماءاً في
وجهه ودبره وضربه بعصية، فانبعث فما كدت أمسكه)) ذكرهما الحافظ في الفتح (٥: ٢٣٠).
قوله: (حتى ندخل ليلا، أي: عشاء) هذا التفسير في نفس الخبر، وفيه إشارة إلى الجمع
بين هذا الأمر بالدخول ليلا، وبين ما ورد من النهي عنه في الأحاديث المعروفة، بأن المراد

١٣١
....
٠٠٠.
كتاب: الرضاع
كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ)).
قَالَ: وَقَالَ: ((إِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ! الْكَيْسَ!)).
بالأمر الدخول في أول الليل، وبالنهي الدخول في أثنائه، ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود
(في باب الطروق من الجهاد ١: ٣٨٣) عن جابر عن النبي ◌َّر قال: ((إن أحسن ما دخل الرجل
على أهله إذا قدم من سفر أول الليل)). وإلى هذا الطريق من الجمع بين الروايات أشار الزهري
في قوله: ((الطرق بعد العشاء)) ذكره أبو داود، يعني أن الطروق المنهي عنه هو ما كان بعد
العشاء، وأما قبله فلا بأس.
وذكر الحافظ وجهاً آخر للجمع بين الأحاديث، وهو أن الأمر بالدخول ليلاً لمن أعلم أهله
بقدومه فاستعدوا له، والنهي لمن لم يفعل ذلك، كما في فتح الباري (٩: ٢٩٨) باب طلب الولد
في أواخر كتاب النكاح.
قوله: (كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة) المغيبة بضم الميم: هي المرأة التي غاب عنها
زوجها، الأستحداد استفعال من استعمال الحديدة، وهي الموسى، والمراد إزالة ما ينبت على
العانة كيف ما كان، كذا قال النووي. وهذا الجزء من الحديث قد أخرجه المصنف في آخر باب
من كتاب الأمارة، وسيأتي الكلام عليه هناد مستوفى إن شاء الله تعالى.
قوله: (إذا قدمت فالكيس الكيس) منصوب على الإغراء، واختلفوا في معناه على أقوال:
الأول: أن الكيس الجماع، فكأنه وَ حثه على الجماع، والثاني: أن الكيس هو ابتغاء
الولد، وبذلك فسره البخاري حيث ترجم عليه: (باب طلب الولد)) وقال الكسائي: كاس الرجل:
ولِدَ له وَلَدٌ كيس، أي: صاحب عقل.
والثالث: أن الكيس هو العقل، فكأنه جعل طلب الولد عقلاً، وحثه على أن يقصد
بالجماع الولد، ولا يقتصر على مجرد اللذة.
والرابع: الكيس هنا بمعنى الحذر، وقد يكون الكيس بمعنى الرفق وحسن التأني. كذا
ذكره الحافظ في الفتح. ويشهد لهذا الرابع ما أخرجه أحمد في مسنده (٣: ٣٦٢) من طريق أبي
بكر عن الأعمش، وفيه: ((انطلق، واعمل عملا كيسا. قال أبو بكر: يعني: لا تطرقهن ليلاً))
ففسر أبو بكر الكيس بالتأني في الدخول على الزوجة لكي تمتشط وتستحد، كما جاء في حديث
الباب. وقد جزم ابن حبان في صحيحه بعد إخراج هذا الحديث بأن الكيس الجماع، ويؤيده
قوله في رواية محمد بن إسحاق: ((فإذا قدمت فاعمل عملاً كيساً)) وفيه: ((قال جابر: فدخلنا حين
أمسينا، فقلت للمرأة: إن رسول الله وَ﴿ أمرني أن أعمل عملا كيسا، قالت: سمعاً وطاعة
فدونك، قال: فبت معها حتى أصبحت)) كذا في الفتح (٩: ٢٩٨) قلت: أخرجه أحمد أيضاً في
مسنده (٤: ٣٧٦) بلفظ ((قال: فأخبرت المرأة الحديث، وما قال لي رسول الله وَلقول، قالت:
فدونك فسمعاً وطاعة)).

١٣٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٢٦ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (يَعْنِي ابْنَ
عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيَّ). حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فِي غَزَاةٍ. فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي. فَأَتَّى عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَهُ
فَقَالَ لِي: (يَا جَابرُ!)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((مَا شأْنُكَ؟)) قُلْتُ: أَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيا
فَتَخَلَّفْتُ. فَنَزَلَ فَحَجِنَهُ بِمِحْجَنِهِ. ثُمَّ قَالَ: ((ازكَبْ)) فَرَكِبْتُ. فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَكُفُّهُ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ،وَ. فَقَالَ: ((أَتَزَوَّجْتَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَّالَ: ((أَبِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟)) فَقُلْتُ: بَلْ نَيِّبٌ.
قَالَ: ((فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ؟)) قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ. فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً
تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: ((أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ. فَإِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ! الْكَيْسَ!)).
ثُمَّ قَالَ: ((أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ. ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَقَدِمْتُ
(٠٠٠) - قوله: (فحجنه بمحجنه) إلخ أي: فنخسه، والمحجن عصا فيها تعقيف يلتقط بها
الراكب الشيء من الأرض، ويلوي بها عنق الشاة، وتحبس إذا ندَّت، كذا في شرح الأبي.
قوله: (فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله وَ ﴿) يعني أنه أسرع في السير حتى كنت أكفه لئلا
أبعد من رسول الله و لو، ويدل على هذا المعنى ما سيأتي عند المصنف، وما أخرجه أحمد (٣ -
٣٧٣ و٣٧٤): «فكان بعد ذلك يكون في أول الركاب إلا ما كففته)) وما أخرجه ابن سعد:
((فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه» ذكره الحافظ في الشروط.
قوله: (أتبيع جملك؟ قلت: نعم) إلخ وفي رواية البخاري في الجهاد: ((قال: أتبيعنيه؟
فاستحييت ولم يكن لنا ناضح غيره، فقلت: نعم)) والنسائي: ((وكانت لي إليه حاجة شديدة)).
قوله: (فاشتراه مني بأوقية) وتفصيل هذا الشراء ما أخرجه أحمد (٣: ٣٧٦) من طريق
محمد بن إسحاق عن وهب بن كيسان: ((وتحدث معي رسول الله وَل فقال: أتبيعني جملك هذا
يا جابر؟ قال: قلت: يا رسول الله! بل أهبه لك، قال: لا ولكن بعنيه، قال: قلت: فسمني به،
قال: قد قلت: أخذته بدرهم، قال قلت: لا، إذن يغبنني رسول الله وَلوَ! قال: فبدرهمين؟ قال:
قلت: لا، قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله وَ ل﴿ل حتى بلغ الأوقية)).
وأخرج أحمد (٣: ٣٥٨) من طريق نبيح: ((قال: بكم؟ قلت: بوقية، قال: قال لي: بخ
بخ، كم في أوقية من ناضح وناضح! قال: قلت: يا نبي الله! ما بالمدينة ناضح أُحِبُّ أنه لنا
مكانه، قال: فقال النبي ولو: قد أخذته بوقية، قال: فنزلت عن الرحل إلى الأرض، قال: ما
شأنك؟ قال: قلت: جملك! قال: قال لي: اركب جملك قال: قلت: ما هو بجملي ولكنه
جملك. قال: كنا نراجعه مرتين في الأمر إذا أمرنا به، فإذا أمرنا الثالثة لم نراجعه، قال: فركبت
الجمل حتى أتيت عمتي بالمدينة، قال: وقلت لها: ألم ترى أني بعت ناضحنا رسول الله و الخول
بأوقية؟ قال: فما رأيتها أعجبها ذلك، قال: وكان ناضحا فارهاً، قال: ثم أخذت شيئاً من خبط

١٣٣
كتاب: الرضاع
بِالْغَدَاةِ. فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: ((الآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟)) قُلْتُ:
نَعَمْ. قَالَ: ((فَدَعْ جَمَلَكَ وَادْخُلْ فَصَلٌ رَكْعَتَيْنٍ)) قَالَ: فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ. فَأَمَرَ
بِلاَلاً أَنْ يَزِنَ لِي أُوقِيَّةٌ. فَوَزَنْ لِي بِلاَلٌ. فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَانِ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ. فَلَمَّا وَلَّيْتُ
قَالَ: ((ادْعُ لِي جَابِراً) فَدُعِيتُ. فَقُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ. وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ
مِنْهُ. فَقَالَ: ((خذْ جَمَلَكَ. وَلَكَ ثَمِنُّهُ)).
٣٦٦٧ - (٥٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي.
حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ. وَأَنَا
عَلَى نَاضِحِ. إِنَّمَا هُوَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ. قَالَ: فَضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَوْ قَالَ نخَسهُ.
(أُرَاهُ قَالَ) بِشَيْءٍ كَانَ مَعَهُ. قَالَ: فَجَعَلَ بَعْدَ ذُلِكَ يَتَقَدَّمُ النَّاسَ. يُنَازِعُني حتَّى إِنِّي لأَكُفَّهُ.
أوجرته إياه، ثم أخذت بخطامه فقدته إلى رسول الله وَ لتر)).
قوله: (فوجدته على باب المسجد) وفي رواية نبيح المذكورة عند أحمد: ((فوجدت رسول
الله ◌َّليّةِ مقاوماً رجلاً يكلمه، قال: قلت: دونك يا نبي الله جملك، قال: فأخذ بخطامه ثم نادى
بلالاً إلخ)».
قوله: (فصلٌّ ركعتين) هي سنة القادم من سفر، وتقدم في الصلاة.
قوله: (ولم يكن شيء أبغض إلي منه) يعني بعد ما بعته من رسول الله بَ لَه، فكنت أكره أن
أكلف رسول الله ◌َ﴿ البعير والثمن كليهما، وإلا فقد مَرَّ أنه كان من أحب النواضح إلى جابر.
قوله: (خذ جملك ولك ثمنه) وفي رواية نبيح المذكورة عند أحمد: ((قال: فبينما هو
كذلك إذ ذهبت إلى بيتي ولا أشعر، قال: فنادى أين جابر؟ قالوا: ذهب إلى أهله، قال: أدرك،
ائتني به، قال: فأتاني رسوله يسعى، قال: يا جابر! يدعوك رسول الله وَله، قال: فأتيته فقال:
فخذ جملك، قلت: ما هو جملي وإنما هو جملك يا رسول الله! قال: خذ جملك، قلت: ما
هو جملي، إنما هو جملك يا رسول الله! قال: خذ جملك قال: فأخذته، قال فقال: لعمري! ما
نفعناك لننزلك عنه، قال: فجئت إلى عمتي بالناضح معي وبالوقية، قال: فقلت لها: ما ترين؟
رسول الله ( أعطاني أوقية ورد على جملي)).
وكان رسول الله ◌َي زاده على الأوقية قيراطاً، وبقي هذا القيراط عند جابر إلى يوم الحرة،
فقد أخرج أحمد من طريق سالم بن أبي الجعد (٣: ٣١٤) قال: ((فقال: يا بلال زن له وقية،
وزده قيراطا، قال: قلت: هذا قيراط زادنيه رسول الله و ﴿ لا يفارقني أبداً حتى أموت، قال:
فجعلناه في كيس، فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوه فيما أخذوا)) وفي رواية
وهب بن كيسان عند أحمد (٣: ٣٧٦): ((وزادني شيئاً يسيراً، قال: فوالله ما زال ينمى عندنا
ونرى مكانه من بيتنا، حتى أصيب أمس فيما أصيب الناس، يعني: يوم الحرة)).

١٣٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (أَتَبِيعُنيهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ واللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ)) قَالَ: قُلْتُ: هُوَ لَكَ.
يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَالَ: (أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ)) قَالَ: قُلْتُ: هُوَ لَكَ. يَا نَبِيَّ اللَّهِ!
قَالَ: وَقَالَ لِي: ((أَتَزَوَّجْتَ بَعْدَ أَبِيكَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((ثَيِّياً أَمْ بِكْراً؟)) قَالَ: قُلْتُ: ثَيِّباً.
قَالَ: ((فَهَلاَ تَزَوَّجْتَ بِكْراً تُضَاحِكُكَ وَتُضَاحِكُهَا، وَتُلاَعِبُكَ وَتُلاَعِبُهَا؟)) .
قَالَ أَبُو نَضْرَةَ: فَكَانَتْ كَلِمَةً يَقُولُهَا الْمُسْلِمُونَ. افْعَلْ كَذَا وَكَذَا. وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ.
(١٧) - باب: خير متاع الدنيا المرأة الصالحة
٣٦٢٨ - (٦٤) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
يَزِيدَ. حَدَّثَنَا حَيْوَةُ. أَخْبَرَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ
يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ. وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا
الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» .
٥٨ - (٠٠٠) - قوله: (والله يغفر لك) وقال أبو نضرة في آخر الحديث: ((فكانت كلمة
يقولها المسلمون، افعل كذا وكذا يغفر الله لك)) ووقع في رواية أبي الزبير عن جابر عند
النسائي: ((استغفر لي رسول الله ليلة البعير خمساً وعشرين مرة)) كذا في فتح الباري (٥: ٢٣٠).
ثم استدل أحمد بهذا الحديث على أن الشرط الواحد في البيع لا يفسده، وستأتي هذه
المسألة بتفاصيلها في أواخر كتاب المساقاة، باب بيع البعير واستثناء ركوبه إن شاء الله تعالى.
[(١٧) - باب: خير متاع الدنيا المرأة الصالحة]
٦٤ - (١٤٦٧) - قوله: (عن عبد الله بن عمرو) إلخ أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجه في
أوائل النكاح، وأخرجه أحمد أيضاً في مسند عبد الله بن عمرو.
قوله: (الدنيا متاع) وفي رواية النسائي: ((إن الدنيا كلها متاع))، ولابن ماجه: ((إنما الدنيا
متاع)).
قوله: (وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) وفي رواية ابن ماجه: ((وليس من متاع الدنيا شيء
أفضل من المرأة الصالحة)).
الصفات المطلوبة في الزوجة:
ثم إن جملة ما تحصل لي من الأحاديث في الأوصاف المطلوبة في الزوجة ما يأتي:
١ - أن تكون صالحة ذات دين، كما في حديث الباب، وكما مر في حديث أبي هريرة قبل
هذا الباب. وقد أخرج ابن ماجه عن أبي أمامة مرفوعاً: ((ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً

١٣٥
كتاب: الرضاع
له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب
عنها نصحته في نفسها وماله)).
٢ - أن تكون ذات حسب ونسب، لما مر في حديث أبي هريرة، ولما روي عن أبي هريرة
عن النبي ◌َّر قال: ((خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه
على زوج في ذات يده» أخرجه البخاري في باب إلى من ينكح إلخ.
٣ - أن تكون بكراً، لما أخرجه ابن ماجه عن عتبة بن عويم قال: قال رسول الله وَل
((عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير)) وأخرجه الطبراني عن
ابن مسعود بسند ضعيف، كما في مجمع الزوائد (٤: ٢٥٩).
٤ - أن تكون ولودا ودوداً، لما روى النسائي وغيره عن معقل بن يسار، قال: جاء رجل
إلى رسول الله وَّله فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب، إلا أنها لا تلد، أفأتزوجها؟
فنهاه، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فنهاه، فقال: ((تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم
الأمم)).
٥ - أن تكون حسنة القيام بأمور البيت، لما ورد في حديث ابن عمر: ((المرأة راعية على
بيت زوجها وولده)) أخرجه البخاري في النكاح والأحكام.
٦ - أن تكون مطيعة لزوجها، لما أخرجه النسائي عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله!
أي النساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما
یکرہ».
٧ - أن تكون عفيفة، لقوله تعالى: ﴿وَالزَِّيَّةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ [النور: ٣].
٨ - أن تكون ذات جمال يستحسنه الرجل، لما مَرَّ في باب استحباب نكاح ذات الدين.
٩ - أن لا تكون غيرتها شديدة، لما روى أنس رعظته، قالوا: يا رسول الله! ألا تتزوج من
نساء أنصار؟ قال: ((إن فيهم لغيرة شديدة)) أخرجه النسائي.
١٠ - أن تكون بسيطة لا يحتاج نكاحها إلى مؤونة شديدة، وذلك لما أخرجه أحمد
والحاكم عن عائشة أن رسول الله وَلو قال: ((مِنْ يُمْنِ المرأةِ تيسيرُ خطبتها، وتيسير صداقها،
وتيسير رحمها)) صححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال العراقي: سنده جيد، والمراد من تيسير
الرحم أن تكون سريعة الحمل كثيرة النسل، راجع الفتح الرباني (١٦: ١٤٥)، وأخرج البزار عن
عائشة أن النبي والر قال: (أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة) راجع كشف الأستار عن زوائد
البزار (٢: ١٥٨ رقم ١٤١٧) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: (رواه أحمد والبزار،
وفيه ابن سخبرة، يقال: اسمه عيسى بن ميمون، وهو متروك) قلت: ليس في إسناد البزار ابن
سخبرة، والله سبحانه أعلم.

١٣٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٨) - باب: الوصية بالنساء
٣٦٢٩ - (٦٥) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُوَّلُ اللّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ الْمَرْأَةَ
كَالصِّلع. إِذَا ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا. وَإِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عَوَجٌ)).
٣٦٣٠ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. كِلاَهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ
(١٨) - باب الوصية بالنساء
٦٥ - (١٤٦٨) - قوله: (عن أبي هريرة) إلخ هذا الحديث أخرجه البخاري في أول كتاب
الأنبياء وفي باب الوصاة بالنساء من النكاح، والنسائي في عشرة النساء، والترمذي في مداراة
النساء من الطلاق، وأحمد في مسند أبي هريرة (٢ - ٤٢٨ و٤٤٩ و٥٣٠)، والبيهقي في حق
المرأة على الرجل (٧: ٢٩٥)، وأخرجه الدارمي (٢: ٧١ في باب ٣٥) من النكاح، وأحمد في
قصة طويلة عن أبي ذر (٥: ١٥٠ و١٥١ و١٦٤)، وأخرجه أحمد أيضاً عن سمرة بن جندب
(٦ : ٢٧٩).
(٥: ٨) وعن عائشة
قوله: (إن المرأة كالضلع) الضلع بكسر الضاد وفتح اللام مفرد الضلوع، وتسكين اللام
جائز، قاله العيني (٧: ٣١٥)، وهذا اللفظ صريح في تشبيه المرأة بالضلع، في أن استواءها في
اعوجاجها. وحكى ابن قتيبة في عيون الأخبار (٤: ٧٨) عن بعض الشعراء قوله:
ألا إن تقويم الضلوع انكسارها
هي الضلع العوجاء لست تقيمها
أليس عجيبا ضعفها واقتدارها
أتجمع ضعفاً واقتدارا على الفتى
قوله: (إذا ذهبت تقيمها) إلخ يعني الضلع، وهو يذكر ويؤنث كما حققه العيني والحافظ،
ويحتمل أن يكون الضمير للمرأة، ويؤيده قوله في الرواية الآتية: ((استمتعت بها وبها عوج))
والمراد من كسرها طلاقها، كما هو مصرح في الرواية الآتية.
قوله: (وفيها عوج) بفتح العين في الأجسام ويكسرها في المعاني، قاله السنوسي، وهو
مقتضى ما فصله النووي عن أهل اللغة، فعلى هذا إن جعلت الضمير للضلع فتحت العين، وإن
جعلته للمرأة كسرتها، وأهل الرواية يضبطونه بكلا الوجهين.
وإن هذا الحديث من أبلغ الكلام وأحسن التشبيه، والمراد أنه لا ينبغي للرجل أن يطمع
في استقامة المرأة كل الاستقامة، فمن حاول حملها على الأخلاق المستقيمة أفسدها، ومن
تركها على ما هي عليه انتفع بها، وفيه إشارة إلى أن بعض الاعوجاج في أخلاق المرأة ليس
بعيب فيها، كما أنه ليس بعيب في الضلع، فلا ينبغي للرجل أن يطلب فيها أخلاق الرجال، فإن
الله تعالى قد خلق كلا من الصنفين بخصائص لا توجد في الآخر.

١٣٧
كتاب: الرضاع
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ أَخِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ سَوَاءٌ.
٣٦٣١ - (٥٩) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي عُمَرَ) قَالاً:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّل :
((إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِ. لَنْ تَسَّتَقِيمَ لَكَّ عَلَى طَرِيقَةٍ. فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا
وَبِهَا عَوَجٌ. وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُّهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلاَقُهَا)).
٣٦٣٢ - (٦٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ،
عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَإِذَا شَهِدَ أَمَّراً فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ. وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ. فَإِنَّ الْمَرْأَةَ
خُلِقَتَ مِنْ ضِلَعٍ .
٦٠ - (٠٠٠) - قوله: (حسين بن علي) هو أبو عبد الله حسين بن علي بن الوليد الجعفي،
وزائدة: هو ابن قدامة أبو الصلت الثقفي، وميسرة: هو ابن عمار الأشجعي.
قوله: (من كان يؤمن بالله) إلخ وذكر البخاري بدله: ((من كان يؤمن بالله فلا يؤذي جاره)»
قال الحافظ: والذي يظهر أنها أحاديث كانت عند حسين الجعفي عن زائدة بهذا الإسناد، فربما
جمع، وربما أفرد، وربما استوعب، وربما اقتصر، راجع فتح الباري (٩: ٢١٩).
قوله: (واستوصوا بالنساء) هذا يحتمل معاني: الأول أن يكون الاستفعال بمعنى الإفعال،
كما أن الاستجابة تكون بمعنى الإجابة، فالمعنى على هذا: (تواصوا أيها الرجال في حق النساء
بالخير)
والثاني: أن يكون الاستيصاء بمعنى قبول الوصية، أي أوصيكم بهن خيراً فاقبلوا وصيتي
فيهن، وهو اختيار البيضاوي، ورجحه الحافظ في الفتح (٦: ٢٦٢) وهو المختار عند الأكثر.
والثالث: أن يكون السين للطلب مبالغة، أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن بخير،
وهو قول الطيبي.
والرابع: أن يكون الاستفعال على أصله بمعنى الطلب، فيكون معناه: اطلبوا الوصية من
المريض للنساء، لأن عائد المريض يستحب له أن يحث المريض على الوصية، وخص النساء
بالذكر لضعفهن واحتياجهن إلى من يقوم بأمرهن. ذكر هذه المعاني الأربعة العلامة العيني في
عمدة القاري (٧: ٣١٥).
قوله: (خلقت من ضلع) هذا يحتمل أن يكون تشبيها، ويؤيده ما مر في الرواية السابقة من
التصريح بحرف الكاف، ويحتمل أن يكون بيان أن المرأة قد خلقت من ضلع آدم العل ◌ّا. قال
النووي: ((وفيه دليل لما يقوله الفقهاء أو بعضهم إن حواء خلقت من ضلع آدم)).

١٣٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الصِّلَعِ أَعْلاَهُ. إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ. وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَغْوَجَ.
اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: كأن النووي تخلّفُ يشير إلى قول الإمام الشافعي تنظّفُهُ: ((إن
الله تعالى لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين،
وصار بول الجارية من اللحم والدم» أخرجه ابن ماجه في باب بول الصبي الذي لم يطعم.
ولكنه ليس قولا للفقهاء فقط، وإنما هو مروي في عدة آثار، فقد أخرج ابن إسحاق في
المبتدأ عن ابن عباس: ((أن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم))، وكذا أخرجه
ابن أبي حازم وغيره من حديث مجاهد، ذكرهما الحافظ في الفتح (٢١٩:٩) وسكت عليهما:
ويؤيده قول الله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩].
قوله: (وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه) قيل: فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة
لسانها، وفي استعمال (أعوج) استعمال لأفعل في العيوب وهو شاذ.
قوله: (استوصوا بالنساء خيراً) فيه رمز إلى أن تشبيه المرأة بالضلع لا ينافي إيصاءهن
بالخير وأمرهن بالمعروف، فالمراد إن المرأة إنما تقوم برفق، بحيث لا يبالغ فيه فتكسر، ولا
يتركه فتستمر على عوج، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في جامعه حيث أتبع هذا الحديث
بباب: قوا أنفسكم وأهليكم ناراً، فيؤخذ منه أن لا يتركها على العوج إذا تعدت بما طبعت عليه
من النقص إلى تعاطي المعصية أو ترك الواجب، وإنما المراد أن يتركها على اعوجاجها في
الأمور المباحة وفيما لا يضر عوجها فيه ضرراً بيناً، وإلا لما أمر الله تعالى بقوله: ﴿فَعِظُهُر»
وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] ولما أنكر رسول الله بَّوَ على عائشة رضيّا في تعليق
القرام.
فالحاصل أن حديث الباب لا ينهى عن تقويم المرأة وتأديبها مطلقاً، وإنما ينهى عن
المبالغة والتشديد في ذلك، ويندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتأليف القلوب وإلى سياسة
النساء بأخذ العفو منهن والصبر على ما جبلت عليهن من العوج، وإلى ترك المسارعة في أمر
الطلاق، والله سبحانه أعلم.
إستطراد:
قال الإمام الغزالي تكلّفُ في الإحياء: وكانت نساء العرب يعلمن بناتهن اختبار الأزواج،
كانت المرأة تقول لابنتها: اختبري زوجك قبل الإقدام والجرأة عليه، انزعي زج رمحه، فإن
سكت على ذلك فقطعي اللحم على ترسه، فإن سكت على ذلك فكسري العظام بسيفه، فإن صبر
فاجعلي الإكاف على ظهره وامتطيه، فإنما هو حمارك. (اتحاف السادة المتقين للزبيدي ٥ -
٣٥٧) راجع أيضاً عيون الأخبار لابن قتيبة (٤ - ٧٧ كتاب النساء).

٠٠
١٣٩
كتاب : الرضاع
٣٦٣٣ - (٦١) وحدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا عِيسَى (يَعْنِي ابْنَ
يُونُسَ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسِ. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَم، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً. إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقاً رَضِيَ
مِنْهَا آخرَ)) أَوْ قَالَ: ((غَيْرَهُ)) .
٣٦٣٤ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم. حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكْمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َِّ. بِمِثْلِهِ.
(١٩) - باب: لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر
٣٦٣٥ - (٦٢) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدَثَّهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ قَالَ: (لَوْلاَ حَوَّاءُ، لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ)).
٦١ - (١٤٦٩) - قوله: (حدثني إبراهيم بن موسى) إلخ أخرجه أيضاً أحمد (٢ - ٣٢٩)
والبيهقي في باب حق المرأة على الرجل (٧ - ٢٩٥).
قوله: (لا يفرك) بفتح الراء، من باب سمع، وقد يكون من باب نصر وهو شاذ، ومصدره
(فرك) بكسر الفاء و (فرك) بفتحها و (فروك) بضمها بمعنى البغض، قال أبو عبيد: الفرك أن
تبغض المرأة زوجها، وهو حرف مخصوص به المرأة والزوج، ولم أسمعه في غيرهما اهـ
والفارك والفروك من النساء مبغضة الزوج، هذا ملخص ما في تاج العروس للزبيدي (٧ - ١٦٧).
ومعنى الحديث أنه لا ينبغي للرجل أن يبغض امرأته بغضاً مطلقاً، وإنما ينبغي له أن
يستحضر ما فيها من خير، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ
فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] وما ذهب إليه القاضي من أن الحديث نفي، وليس نهياً، فضعيف
أو غلط، رَدَّ عليه الشراح، ورده أيضاً في مجمع البحار تحت مادة (فرك).
[(٦٩) - باب: لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر]
٦٢ - (١٤٧٠) - قوله: (حدثنا هارون) إلخ أخرجه البخاري في الباب الأول من كتاب
الأنبياء، والباب الخامس والعشرين بلا ترجمة منه، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٢ - ٣٠٤
و ٣١٥ و٣٤٩).
قوله: (لولا حواء) بالمد، سميت بذلك لأنها أم كل حي، أو لأنها خلقت من ضلع آدم
القصرى اليسرى وهو حي قبل دخوله الجنة، وقيل: فيها، قاله العيني (٧: ٢٤١).
قوله: (لم تخن أنثى زوجها) قال الحافظ: ((فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم

١٤٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٣٦ - (٦٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هُذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ،َ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ. مِنْهَا:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: (لَوْلاَ بَنُو إِسْرَائِيلَ، لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ،
الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته
لآدم، ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة ونزع العرق، فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة
زوجها بالفعل أو بالقول. وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش، حاشا وكلا! ولكن لما
مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له، وأما من جاء
بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها، وقريب من هذا حديث ((جحد آدم فجحدت
ذریته)).
وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى،
وأن ذلك من طبعهن، فلا يفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل
الندور، وينبغي لهن أن لا يتمسكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع، بل يضبطن أنفسهن
ويجاهدن هواهن، كذا في فتح الباري (٦ - ٢٦١).
٦٣ - (٠٠٠) - قوله: (هذا ما حدثنا أبو هريرة) إشارة إلى أن هذا الحديث مأخوذ من
الصحيفة الصادقة التي أملاها أبو هريرة رضيه على تلميذه همام بن منبه، وقد نشرها وقدم لها
الأستاذ الدكتور محمد حميد الله، وهذا الحديث هو الحديث السابع والخمسون من تلك
الصحيفة (ص - ٩٩) بهذا اللفظ بعينه، وهذه الصحيفة موجودة أيضاً بتمامها في مسند أحمد (٢ -
٣١٢ - ٣١٨).
قوله: (لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام) يعني أن بني إسرائيل أول من سن ادخار الطعام
واللحم، حتى أنتن عليهم، ولولا بنو إسرائيل سنوا ذلك لما ادخر الطعام فلم ينتن. كذا فسره
الأبي والحافظ في الفتح، وعليه فلا يدل الحديث على أن من كان قبل بني إسرائيل لم يكن
يفسد عليهم الطعام واللحم ولو ادخروهما. وإنما المعنى: أن الادخار لم يكن معهوداً قبل بني
إسرائيل، فإنهم كانوا يأكلون ويطعمون فلا يفسد عليهم شيء، حتى جاء بنو إسرائيل فجعلوا
يدخرونه حتى فسد عليهم، وهذا كقولهم: (لا ترى الضب بها ينحجر) أي لا ضب ولا انحجار،
كما في مجمع البحار مادة (خنز).
وقيل: إن فساد الطعام كان عذاباً على بني إسرائيل، ولم يكن قبلهم يفسد الطعام واللحم
ولو ادخر أياماً، وإليه يشير لفظ النووي وغيره، ولكنه بعيد.
ثم اختلفت الأقوال في تعيين الواقعة التي أنتن لأجلها الطعام على بني إسرائيل، فحكى
العيني عن قتادة: ((كان المن والسلوى يسقط على بني إسرائيل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس