Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ كتاب: الرضاع جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. قَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا ووجه استدلال الجمهور بهذا الحديث ظاهر، وهو أن الصبي ربما لا يشرب بفيه، فيحتاج لسد جوعه إلى الوجور والسعوط، وربما يضره اللبن الخالص، فتمس الحاجة إلى الثرد والطبخ، وكل ذلك يكون لسد جوعه، فلا جرم يثبت به ما يثبت بالإرتضاع من الثدي، لأن حديث الباب قد نص على علة التحريم، وهي أن يكون الجوع سبباً للرضاعة. ٣ - ودل حديث الباب أيضاً على مذهب الحنفية في أن الحنفة لا يحدث بها حرمة النكاح؛ وهو مذهب مالك وأحمد. وقال الشافعي في أحد قوليه: يثبت به التحريم أيضاً، وهو قول ابن حامد وابن أبي موسى من الحنابلة، كما في المغني لابن قدامة (٧ - ٥٣٩) وهو رواية عن محمد بن الحسن من الحنفية، كما في فتح القدير (٣ _ ١٥). ووجه دلالة الحديث على القول الأول أن الاحتقان لا يكون لسد الجوع، ولا يتغذى منه الجسم، وقد ذكر الأستاذ المحقق محمد نجيب المطيعي الشافعي في تكملة المجموع شرح المهذب (١٧ - ٦٢): «وقد سألنا ولدنا التقي الدكتور أسامة أمين فراج، فأجاب بأننا لو أعطينا الطفل حقنة اللبن من الشرج، فإنه لا يتغذى منه الجسم إلا بنسبة ضيئلة في حالة بقائه في جوفه مدة طويلة، ولا تقاس بجانب ما يتعاطاه بفمه كيفا وكما؛ أما إذا نزل منه في الحال فإنه لا يعود علیه منه ما يغذيه)). الاستدلال على خمس رضعات ٤ - واستدل الحافظ ابن حجر بهذا الحديث على أن الرضعة الواحدة لا تحرم، لأنها لا تغني من جوع، وإذا كان يحتاج إلى تقدير فأولى ما يؤخذ به ما قدرته الشريعة، وهو خمس رضعات. وأجاب عنه العيني بقوله: ((قلنا: هذا كله زيادة على مطلق النص، لأن النص غير مقيد بالعدد، والزيادة على النص نسخ، فلا يجوز)) كذا في العمدة (٩ - ٣٨٩). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الأحسن في الجواب أن يقال: إن (من) في قوله ◌َلَّلا ((من المجاعة)) سببية، والمعنى أن الرضاع المحرم ما كان بسبب الجوع، وليس المعنى أن الرضاع المحرم ما سد الجوع وشبع به الرضيع، وإلا لقال: الرضاعة ما سد المجاعة، ولا يخفى أن الرضاعة التي تكون بسبب الجوع يستوي فيها القليل والكثير، لأن المرأة لو درت على الرضيع قطرة أو قطرتين، ثم انقطع لبنها، يصح أن يقال: إن هذه الرضاعة كانت بسبب المجاعة، ولو لم تكن مشبعة لانقطاع اللبن، فمدار الرضاعة في هذا الحديث على كون الجوع باعثاً للرضاعة، لا على كونها كافية لسد الجوع، فافهم. ٨٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ. كُلُّهُمْ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ. بِإِسْنَادٍ أَبِي الأَخْوَصِ. كَمَعْنَى حَدِيثِهِ. غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: ((مِنَ الْمَجَاعَةِ)). وأما قوله عَلَّا: ((لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم)) فإن إنبات اللحم مما لا سبيل إلى معرفته، فربما ينبت اللحم بالرضاع القليل، وربما لا ينبت بالكثير، فجعلنا مطلق السبب، وهو الرضاع، مقام المسبب، واعتبرنا مطلق الإرضاع محرماً، كما في قصر الصلاة، فإن العلة الأصلية هي المشقة، ولما كان اعتبار حقيقتها متعذراً جعلنا مطلق السفر مقام المشقة، ونظائره في الفقه كثيرة. ما في الحديث من أحكام أخرى ٥ - قال الحافظ في الفتح (٩ - ١٢٩): ((وفي الحديث أيضاً جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاعة معه عليها، وأنه يصير أخاً لها، وقبول قولها فيمن اعترفت به، وأن الزوج يسأل زوجته عن سبب إدخال الرجال بيته، والاحتياط في ذلك، والنظر فيه)). ٦ - أخرج البخاري هذا الحديث في باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض من الشهادات أيضاً، واستدل به على أن ما صح من الأنساب والرضاع والموت بالاستفاضة وثبت علمه بالنفوس، وارتفع فيه الريب والشك، أنه لا يحتاج فيه لمعرفة عدد الذين بهم ثبت علم ذلك، ولا يحتاج إلى معرفة الشهود، ولكن ينبغي لصاحب الواقعة أن يتثبت فيه بنفسه، ولذلك لم يطلب النبي و القر شهوداً من عائشة، بل أقرها على عدم الاحتجاب منه، وإنما أمرها بالتثبت والنظر، والله سبحانه وتعالى أعلم. (٠٠٠) - قوله: (غير أنهم قالوا: من المجاعة) قال الأستاذ محمد ذهني في شرحه (١ - ٦٦٠) ((لم يظهر وجه الاستثناء، لعدم ظهور الفرق)) قلت: الفرق يظهر على بعض النسخ، وهو أن المصنف أورد هذا الحديث بطريقين، ووقع في الطريق الأول في بعض النسخ ((إنما الرضاعة عن المجاعة))، فنبه في الطريق الثاني أنهم قالوا: (من المجاعة) بدل (عن المجاعة)، والله أعلم . استطراد قد حكى العلامة عبد القادر القرشي عن شمس الأئمة قال: ((قدم محمد بن إسماعيل البخاري في زمن أبي حفص الكبير، وجعل يفتي، فنهاه أبو حفص، وقال: لست بأهل له، فلم ينته، حتى سئل عن صبيين شربا من لبن شاة أو بقرة، فأفتى بثبوت الحرمة؛ فاجتمع الناس عليه ٨٣ كتاب: الرضاع (٩) - باب: جواز وطء المسبيّة بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي ٣٥٩٣ - (٣٣) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحِ، أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةً الْهَاَشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَوْمَ حُنَيْنٍ، بَعَثَ جَيْشاً إِلَى أَوْطَاسٍ. فَلَقُوا عَدُوًّا. فَقَاتَلُوهُمْ. وأخرجوه من بخارى، والمذهب أنه لا رضاع بينهما، لأن الرضاع يعتبر بالنسب، وكما لا يتحقق النسب بين بني آدم والبهائم، فكذلك لا يثبت حرمة الرضاع بشرب لبن البهائم)) وراجع الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية للقرشي (١ - ٦٧) ترجمة أحمد بن حفص المعروف بأبي حفص الكبير البخاري. (٩) باب: جواز وطء المسبية بعد الاستبراء إلخ أخرج فيه حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس، وأخرجه أيضاً النسائي (في تأويل والمحصنات من النساء من النكاح ٢ - ٧٠) وأبو داود (في وطىء السبايا من النكاح ٣ - ٤٨ من البذل) والترمذي (في الرجل يسبي الأمة الخ من النكاح ٥ - ٦٥ من العارضة) وأحمد (كما في الفتح الرباني ١٨ - ١١٢ من التفسير) والبيهقي (في قوله عز وجل: والمحصنات من النساء، من النكاح ٧ - ١٦٧) وأبو دواد الطيالسي (في أفراد أبي سعيد، رقم: ٢٢٣٩) ويقاربه ما ورد عن أبي سعيد الخدري أن النبي ولو قال في سبايا أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة)) أخرجه أبو داود والحاكم وأحمد، كما في التلخيص للحافظ (كتاب الحيض ١ - ١٧١ رقم ٢٣٩) وأخرجه الدارمي أيضاً في باب استبراء الأمة من الطلاق (٢ -٩٢). ٣٣ - (١٤٥٦) - قوله: (عبيد الله) إلخ هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، أبو سعيد البصري نزيل بغداد، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين على الأصح، وهو من رجال الصحيحين كما في التقريب. قوله: (عن أبي علقمة الهاشمي) هو الفارسي المصري، مولى بني هاشم، ويقال: حليف الأنصار، ثقة، وكان قاضي أفريقية، من كبار الثالثة، أخرج له مسلم وأبو داود وآخرون، كما في التقريب . قوله: (أوطاس) واد في ديار هوازن، على ثلاث مراحل من مكة، كذا في بذل المجهود. قوله: (فلقوا عدواً) وفي رواية أبي داود من هذا الطريق: (فلقوا عدوهم) وهم بنوا هوازن . ٨٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ. وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا. فَكَأَنَّ نَاسَاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُعْصَنَكُ مِنَ اُلِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلاَلٌ قوله: (فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا) أي: فغلبوا عليهم وأصابوا نساء مسبيات كانت لبني هوزان. قوله: (تحرجوا من غشيانهن) يعني: تنزهوا عن وطئهن واعتقدوا فيه حرجاً وإثماً. قوله: (فأنزل الله عز وجل في ذلك) يعني في إباحتهن: ﴿وَالْمُعْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يعني: حرمت عليكم ذوات الأزواج من النساء إلا ما ملكتموهن بالسبي. قوله: (فهن لكم حلال) يعني أن ذوات الأزواج المشركين من السبايا يحل لكم وطؤهنَّ بعد استبرائهن، لكون نكاحهن قد انفسخ من أزواجهن المشركين. وفي هذا الحديث مسائل : ١ - أجمعت الأمة لهذا الحديث على أن الحربية إذا سبيت دون زوجها ينفسخ نكاحها منه، ويحل لمن غنمها أن يطأها بعد الاستبراء؛ ولكن حلة الوطىء مشروطة عند الجمهور بأن تكون المسبية كتابية، أو تكون قد أسلمت بعد السبي. أما إذا كانت وثنية أو مجوسية فلا يحل وطؤها عند الأئمة الأربعة وجماهير العلماء من السلف والخلف، وخالفهم عطاء وعمرو ابن دينار، فقالا: يجوز وطىء الوثنية أيضاً كما في عارضة الأحوذي لابن العربي (٥ - ٦٦) واحتجا بحديث الباب، وبما مر في باب العزل من قصة سبايا بني المصطلق، فإنهن كن مشركات وثنيات؛ وأجاب عنه الجمهور بأن الصحابة إنما أتوهن بعد ما أسلمن، وما أورد عليه ابن العربي في العارضة، قد مر جوابه في باب العزل. وأما قوله تعالى: ﴿وَلْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فقد خصت عمومه آية أخرى، وهي: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾ [البقرة: ٢٢١] إذا أريد بالنكاح الوطأ . ٢ - ثم اختلفوا في سبب انفساخ النكاح في هذه الصورة، فقال الشافعي: سببه السبي، وقال أبو حنيفة: سببه اختلاف الدارين؛ ويتفرع عليه الخلاف فيما إذا سبي الزوجان جميعاً، فقال مالك الشافعي: ينفسخ نكاحهما، لأن السبب عنده السبي، وقد وجد، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري: لا ينفسخ النكاح إلا إذا سبيت المرأة وحدها، فلو سبيا جميعاً لا ينفسخ، لأن الدار واحدة، وقال الأوزاعي والليث بن سعد: إذا سُبيا جميعاً فما كانا في المقاسم، فهما على النكاح، فإذا اشتراهما رجل، فإن شاء جمع بينهما وإن شاء فرَّق بينهما، فاتخذها لنفسه، أو زوجها غيره بعد ما يستبرئها بحيضة، هذا ملخص ما في أحكام القرآن للجصاص. ٨٥ كتاب: الرضاع . واحتج مالك والشافعي بعموم حديث الباب، فإنه لم يفرق بين من سبيت مع زوجها أو وحدها. وأجاب عنه الجصاص بقوله: ((روى حماد، قال: أخبرنا الحجاج عن سالم الملكي عن محمد بن علي قال: لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال، وأخذت النساء، فقال المسلمون: كيف نصنع ولهن أزواج؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُعْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ ثم قال الجصاص: ((فأخبر أن الرجال لحقوا بالجبال، وأن السبايا كن منفردات عن الأزواج، والآية فيهن نزلت، وأيضاً: لم يأسر النبي وَّ في غزاة حنين من الرجال أحد فيما نقل أهل المغازي، وإنما كانوا من بين قتيل أو مهزوم، وسبى النساء، ثم جاءه الرجال بعد ما وضعت الحرب أوزارها، فسألوه أن يمن عليهم بإطلاق سباياهم، فقال ◌َّير: أما ما كان لي ولبني عند المطلب فهو لكم، وقال للناس: من رد عليهم فذاك، ومن تمسك بشيء منهن فله خمس فرائض في كل رأس، وأطلق الناس سباياهم. فثبت بذلك أنه لم يكن مع السبايا أزواجهن)). كذا في أحكام القرآن للجصاص (١ - ١٦٧). واعترضوا عليه بأن العبرة لعموم لفظ الآية، لا لخصوص سببها، فإن الآية لم تفرق بين من سبيت بوحدها ومن سبيت مع زوجها، وأجاب عنه الجصاص كثّفُهُ بما حاصله أن الآية تحتمل معنيين، إما أن يكون انفساخ نكاحهن بسبب حدوث الملك عليهن، وإما أن يكون باختلاف الدارين، ولا سبيل إلى الأول، لأننا لو جعلنا حدوث الملك سبباً للفسخ، لوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة وهبتها وبالميراث، لحدوث الملك الجديد، وهي غير واقعة باتفاق بيننا وبين الشافعي، كما سيأتي في المسألة الثالثة؛ فثبت أنه لا سبب للفسخ إلا تباين الدارين. ويدل عليه أن الحربية إذا خرجت إلينا مسلمة أو ذمية، ثم لم يلحق بها زوجها، وقعت الفرقة بلا خلاف، وقد حكم الله تعالى بذلك في المهاجرات بقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَ إِذَا ءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ثم قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وحاصل جواب الجصاص تغلفه: أن ما قاله الحنفية ليس تخصيصاً لعموم الآية، وإنما هو تفسير بما لا تحتمل الآية إلا إياه. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويمكن أن يجاب أيضاً بأن عموم الآية قد خص مرة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾ إلخ كما مَرَّ في المسألة الأولى، فصارت الآية عاما خص عنه البعض، ومثل هذا العام يخص عندنا بخبر الواحد والقياس، كما تقرر في الأصول. ٣ - اختلفوا في أمة ذات زوج في دار الإسلام، إذا اشتراها رجل، هل ينفسخ نكاحها بالشرى؟ وهل يحل لمشتريها أن يطأها؟ فالأئمة الأربعة والجمهور على أنه لا ينفسخ النكاح، ولا يحل الوظأ للمشتري، وقد ذهب جماعة من السلف إلى بيع الأمة يكون طلاقاً لها من زوجها أخذا بعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾؛ روي ذلك عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، ٨٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ. وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب والحسن البصري، وهو رواية عن ابن عباس، كما في تفسير ابن كثير (١ - ٤٧٤). واستدل الجمهور بقصة بريرة المعروفة في الصحاح وستأتي في العتاق، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله وَ له بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، فلو كان بيع الأمة طلاقاً لها ما خيرها النبي ◌َّر، فلما خيرها دل على بقاء النكاح بعد الشرى، وأن المراد من الآية المسبيات فقط. وما أورد عليه النووي وغيره من أنه تخصيص للكتاب بخبر الواحد، وهو لا يجوز عند الحنفية، فقد أجاب عنه الجصاص بقوله: ((الدلالة ظاهرة في الآية على خصوصها في السبايا، وذلك لأنه قال: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾))، فلو كان حدوث الملك موجباً لإيقاع الفرقة لوجب أن تقع الفرقة بينها وبين زوجها إذا اشترتها امرأة أو أخوها من الرضاعة، لحدوث الملك. فإن قيل: جائز أن يقال ذلك في سائر من طرأ عليهن الملك، سواء كان حدوث الملك سبباً لإباحة الوطأ، أو لم يكن بأن تملكها امرأة أو رجل لا يحل له وطؤها، قيل له: فشأن الآية إنما هو فيمن حدث له ملك اليمين فأباحت له وطأها، لأنه استثناء بملك اليمين من حظر وظأ المحصنات من النساء، فواجب على ذلك أنه إذا لم يستبح المالك وطأها بملك اليمين أن تكون الزوجية قائمة بينها وبين زوجها بحكم الآية؛ وإذا وجب ذلك بحكم الآية وجب أن يكون قوله تعالى: ﴿وَالْمُعْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ خاصا في السبايا ويكون السبب الموجب للفرقة اختلاف الدارين لا حدوث الملك)). انتهى من أحكام القرآن (١ - ١٦٦). وعند الجمهور آثارُ فقهاء الصحابة أيضاً؛ فمنها: ما أخرجه عبد الرزاق عن عمر عن عاصم عن الشعبي قال: اشترى شرحبيل بن المسعط جارية، فأهداها لعلي بن أبي طالب . أحسبه قال - فدعاها علي، فقالت: إني مشغولة، فقال: ماشغلك؟ قالت: إن لي زوجاً، قال: فلا حاجة لنا في شيء مشغول، فردَّها عليه. ومنها: ما أخرجه عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف قال لزوجها: لكَ كذا وكذا، وطلِّقها، قال: لا . ومنها: ما أخرجه عن معمر عن الزهري قال: أهدى عبد الله بن عامر بن كريز جارية من البصرة لعثمان بن عفان، فأخبر أن لها زوجاً، فردها عليه. راجع لهذه الآثار مصنف عبد الرزاق (٧ - ٢٨١ و٢٨٢) باب الأمة تباع ولها زوج. ومنها: ما أخرجه البيهقي (٧ - ١٦٧) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ◌ًّا في قوله ٨٧ كتاب: الرضاع ٣٥٩٤ - (٣٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالُوا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَىُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ؛ أَنَّ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ حَدَّثَ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُمْ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ بَّهِ بَعَثَ، يَوْمَ حُنَيْنٍ، سَرِيَّةٌ. بِمَعْنَى حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فَحَلَاَلٌ لَكُمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ: إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ. تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُّ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ قال: كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت . وذكر البيهقي أن الشافعي تَخَّفُ قد روى بإسناده عن عبد الله بن مسعود رُه بمعنى قول ابن عباس ◌ًا، فالحاصل أن ابن مسعود وابن عباس قد اختلفت الروايات عنهما في هذه المسألة، وما يوافق الجمهور أولى بالقبول، والله سبحانه أعلم. ٣٤ - (٠٠٠) - قوله: (إذا انقضت عدتهن) وعدتها حيضة واحدة عند جماهير العلماء من السلف والخلف، إلا ما حكاه الجصاص (١ - ١٦٦) عن الحسن بن صالح أنها إذا سبيت ذات زوج استبرئت بحيضتين، لأن زوجها أحق بها إذا جاء في عدتها، وغير ذات الزوج تستبرأ بحيضة. ودليل الجمهور ما أخرجه أبو داود في باب وطىء السبايا عن أبي سعيد الخدري، ورفعه، أنه قال في سبايا أوطاس: ((لا توطؤ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة)) ورواه أحمد والحاكم والدارمي أيضاً، وقال الجصاص: وليس هذا الاستبراء بعدة، لأنها لو كانت عدة لفرَّق النبي ◌َّ بين ذوات الأزواج منهن وبين من ليس لها زوج منهن، لأن العدة لا تجب إلا عن فراش .... فإن قيل: قد ذكر في حديث أبي سعد: (إذا انقضت عدتهن) فجعل ذلك عدة، وقيل له: يجوز أن تكون هذه اللفظة من كلام الراوي تأويلاً منه للاستبراء أنه عدة، وجائز أن تكون العدة لما كان أصلها استبراء الرحم أجري اسم العدة على الاستبراء على وجه المجاز)). كذا في أحكام القرآن للجصاص تغلقه (١ - ١٦٨). ٣٥ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي الخليل عن أبي سعيد) من غير ذكر أبي علقمة الهاشمي بينهما، قال النووي: ((هكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وكذا ذكره أبو علي الغساني عن عن رواية الجلودي وابن ماهان، قال: وكذلك ذكره أبو مسعود الدمشقي، قال: ووقع في نسخة ابن الحذاء بإثبات أبي علقمة بين أبي الخليل وأبي سعيد، قال الغساني: ولا أدري ما صوابه؟ قال القاضي عياض: قال غير الغساني: إثبات أبي علقمة هو الصواب، قلت: ويحتمل أن إثباته وحذفه كلاهما صواب، ويكون أبو الخليل سمع بالوجهين، فرواه تارة كذا، وتارة كذا، وقد سبق في أول الكتاب بيان أمثال هذا) انتهى كلام النووي. ٨٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٩٥ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٣٥٩٦ - (٣٥) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: أَصَابُوا سَبْياً يَوْمَ أَوْطَاسٍ. لَهُنَّ أَزْوَاجٌ. فَتَخَوَّفُوا. فَأَنْزِلَتْ هُذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالْمُحْصَنَكُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. ٣٥٩٧ - (٠٠٠) وحدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. (١٠) - باب: الولد للفراش، وتوقي الشبهات ٣٥٩٨ _ (٣٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الصحيح أن إثباته وحذفه كلاهما صواب، لأن الترمذي أخرجه من طريق هشيم عن عثمان البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد من غير ذكر أبي علقمة، ثم قال: ((وهكذا رواه الثوري عن عثمان البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد ..... وروى همام هذا الحديث عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد عن النبي ◌َّة))، وحديث الثوري الذي أشار إليه الترمذي أخرجه أحمد من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عثمان البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد إلخ، راجع الفتح الرباني (١٨ - ١١٢). باب قوله عز وجل ﴿وَالْمُعْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ من كتاب التفسير، والله سبحانه أعلم. (١٠) - باب: الولد للفراش، وتوقي الشبهات أخرج فيه حديث عائشة رضيّها في قصة ولد زمعة، وهو حديث أخرجه الجماعة إلا الترمذي، وحاصل القصة أن العرب كانت لهم في الجاهلية إماء يكتسبن لسادتهن بالفجور، وكانت السادة تأتيهن في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهن بولد، فربما يدعيه السيد، وربما يدعيه الزاني. فإن مات السيد ولم يكن ادعاه ولا أنكره، فادعاه ورثته لحق به، غير أنه لا يشارك مستلحقه في ميراثه، إلا أن يستلحقه قبل القسمة؛ وإن كان السيد أنكره لم يلحق به . وكان زمعة بن قيس والد أم المؤمنين سودة رضّها، وكانت له أمة على ما وصف، وكان يطؤها، وكان يأتيها عتبة بن أبي وقاص - أخو سعد بن أبي وقاص - أيضاً، فظهر بها حبل كان يظن أنه من عتبة بن أبي وقاص؛ وهلك عتبة كافراً، فعهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص رضي الله قبل ٨٩ كتاب: الرضاع وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلاَمِ. فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا. يَا رَسُولَ اللَّهِ! ابْنُ أَخِي، عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍٍ. عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ. انْظُرْ إِلَىْ شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي، يَا رَسُولَ اللَّهِ! وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ أَبِي. مِنْ وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِلَى شَبَهِهِ، ٠٠ موته أن يستلحق منه الحمل الذي بأمة زمعة، فلما ذهب سعد إلى مكة عام الفتح رأى ذلك الولد، فعرفه بشبهه بأخيه عتبة واحتضنه، وادعاه لأخيه، فلما استلحقه سعد خاصمه عبد بن زمعة بأن الولد إنما ولد على فراش أبيه، فقضى رسول الله وَ ل لعبد بن زمعة إبطالاً لحكم الجاهلية. هذا ملخص ما في باب تفسير المشبهات من بيوع عمدة القاري (٥ - ٤٠٢) وباب الولد للفراش من فرائض فتح الباري (١٢ - ٢٧). ٣٦ - (١٤٥٧) - قوله: (وعبد بن زمعة) بتسكين الميم، وقيل: بفتحها، والراجع الأول، وهو عبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشي، أخو سودة أم المؤمنين رؤيا، ووهم من جعله عبد الله بن زمعة بن الأسود، فإنه غيره. وكان زمعة بن قيس والد سودة مات قبل فتح مكة، وأسلم ابنه عبد هذا يوم الفتح، وكان من سادات الصحابة، راجع الإصابة (٢ - ٤٢٥). قوله: (في غلام) اسمه عبد الرحمن، وذكره ابن عبد البر في الصحابة، وذكر عن الزبير بن بكار أن له عقباً بالمدينة، كذا في الاستيعاب (٢ - ٤٠٢). قوله: (عتبة بن أبي وقاص) بضم العين وسكون التاء، وهو الذي شج رسول الله رَ ﴾ يوم أحد فكسر رباعيته، وروى معمر عن عثمان الجزري عن مقسم أن عتبة لما كسر رباعية رسول الله ◌َ يّ دعا عليه، فقال: اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافراً؛ فما حال عليه الحول حتى مات كافراً، كذا في عمدة القاري (٥ - ٤٠٠) وأخطأمن عده من الصحابة، كما حققه الحافظان البدر والشهاب. قوله: (عهد إليّ أنه ابنه) وفي رواية مالك عن الزهري عند البخاري في أوائل البيوع: ((كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة منّ فاقبضه)) وفي رواية سفيان عن الزهري عند أبي داود وأحمد (٦ - ٣٧) والشافعي (٣٠ رقم: ٩٢) واللفظ لأحمد: ((وقال سعد: أوصاني أخي: إذا قدمت مكة فانظر ابن أمة زمعة فاقبضه، فإنه ابني)) وفي رواية معمر عنه عند أحمد (٦ - ٢٢٦): ((عن عائشة أن عتبة بن أبي وقاص قال لأخيه سعد: أتعلم أن ابن جارية زمعة ابني، قالت عائشة: فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام، فعرفه بالشبه، واحتضنه إليه، وقال: ابن أخي ورب الكعبة)» ومثله في مصنف عبد الرزاق (٧ - ٤٤٢ رقم: ١٣٨١٨) باب الرجلان يدعيان الولد، ويقاربه ما في مسند الطيالسي من طريق زمعة عن الزهري كما في منحة المعبود (٢ - ٣٢٢ رقم: ١٦٢٤). قوله: (من وليدته) قال الجوهري: الوليدة الصبية، وقال ابن الأثير: تطلق الوليدة على الجارية والأمة، وإن كانت كبيرة، كذا في عمدة القاري. ٩٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَرَأَىْ شَبَهاً بَيِّناً بِعُتْبَةَ. فَقَالَ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ. الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. وقال الحافظ في فرائض الفتح: ((وهذه الوليدة لم أقف على اسمها، لكن ذكر مصعب الزبيري وابن أخيه الزبير في نسب قريش أنها كانت أمة يمانية)) قال العبد الضعيف: وقد عَدَّ ابن جرير أسماء بغايا الجاهلية التي تسمى صواحب رايات، فذكر في جملتها (سريفة جارية زمعة) فيمكن أن تكون هي هي، راجع تفسير ابن جرير (١٨ - ٥١) تحت قوله تعالى: ﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ﴾ [النور: ٣]. قوله: (فرأى شبهاً بيناً بعتبة) وفي رواية معمر عند أحمد (٦ - ٢٢٦): ((قالت عائشة: فرأى رسول الله وير شبهاً لم ير الناس شبهاً أبين منه بعتبة)) قوله: (هو لكَ يا عبد) ووقع في رواية النسائي: ((هو لكَ، عبد بن زمعة!)) بحذف حرف النداء . ثم إن الشافعية يحملون هذا اللفظ على إثبات نسبه بزمعة، وأما الحنفية، فمنهم من يقول: لا تعرض فيه لإثبات النسب، وإنما معناه: هو أخوك يا عبد من جهة أنه يشاركك في الميراث، لأن النسب لا يثبت عند الحنفية إلا بدعوة من المولى، ومنهم من يقول: هذا إثبات للنسب بزمعة بناء على أن وليدة زمعة كانت أم ولد له، وسيأتي تمام البحث في الخلافيات المتعلقة بهذا الحديث. قوله: (الولد للفراش) يعني: لصاحب الفراش، ووقع تصريح ذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري في الفرائض، وقال العيني: إنما قال ◌َّلهم ذلك عقيب حكمه لعبد بن زمعة، إشارة بأن حكمه لم يكن بمجرد الاستلحاق، بل بالفراش. قوله: (وللعاهر الحجر) العاهر: الزاني، وعهر إلى المرأة يعهر عهوراً: أتى المرأة ليلاً للفجور بها، ثم غلب على الزنا مطلقا، وعيهرت المرأة: إذا زنت، كذا في العمدة. ثم فسر العلماء قوله عظلئلا (وللعاهر الحجر) بتفسيرين، فقال بعضهم: المراد من الحجر الرجم، والمعنى أن الزاني يرجم. وقال آخرون: معناه: للزاني الخيبة والحرمان، وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب: (له الحجر) و (بفيه الحجر) ونحو ذلك، والمراد من الخيبة ههنا حرمان الولد الذي يدعيه. والتفسير الأول رد عليه النووي بأن الرجم مختص بالمحصن، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إنما سيق لنفي الولد. وقال السبكي في التفسير الثاني إنه أشبه بمساق الحديث لتعم الخيبة كل زان، ودليل الرجم مأخوذ من موضع آخر، فلا حاجة للتخصيص من غير دليل. وذكر الحافظ بعد ما ساق كلام النووي والسبكي أن التفسير الثاني يؤيده أيضاً ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم، رفعه: ((الولد للفراش، وفي فم العاهر الحجر" وفي ٠ ٩١ كتاب: الرضاع وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ)). حديث ابن عمر عند ابن حبان: ((الولد للفراش، وبغِيٍّ العاهر الأثلب)) بمثلثة، ثم موحدة، بينهما لام، وبفتح أوله وثالثه، ويكسران؛ قيل: هو الحجر، وقيل: دقاقه، وقيل: التراب. كذا في فتح الباري (١٢ - ٣١). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن هذا الحديث من جوامع الكلم، وإن التفسير الثاني وإن كان أوفق بسياق الحديث، ولكن لا يخلو الحديث من الإشارة إلى معنى الرجم أيضاً، فلعل النبي ◌َّ استعمل كلمة ((الحجر)) دون (الخيبة) أو (الحرمان) لتقع الإشارة إلى كلا المعنيين، ولا يلزم عليه عموم المشترك، فإن المقصود هو التصريح بمعنى الخيبة، والإشارة إلى معنى الرجم، ومثل ذلك كثير في كلام البلغاء، ولذلك أورد البخاري هذا الحديث في سياق أحاديث الرجم أيضاً، والله أعلم. قوله: (واحتجبي منه يا سودة) اختلفت أنظار العلماء في وجه هذا الأمر؛ فقال الشافعية وبعض الحنفية: إنه مبني على الاحتياط فقط، وإلا فقد ثبت نسب الغلام من زمعة، وصار أخاً لسودة من أبيه، فكان القياس أن لا تحتجب منه، ولكن رسول الله وَلّر احتاط في أمر الحجاب نظراً إلى شبهه بعتبة، وللزوج أن يأمر زوجته بالاحتجاب عمن شاء من محارمها . وقالت جماعة أخرى من الحنفية: إنه تصريح من رسول الله لر بأن نسب الغلام لم يثبت من زمعة كما تقدم، وسيتضح كلا التفسيرين بما فيهما بما يأتي قريباً إن شاء الله . الخلافيات المتعلقة بهذا الحديث ثم إن هذا الحديث من معضلات الأحاديث نظراً إلى ما يتعلق به من فقه، وما تنشعب منه من أصول وأحكام، وفي أكثرها خلاف بين الأئمة والفقهاء، ونلخص لك ههنا فذلكة القول في أحكام هذا الحديث بضبط وتنقيح، ونسأل الله التوفيق للصواب. ١ - إثبات النسب من الأمة: فالمسألة الأولى: أن الفراش عند الحنفية على ثلاثة أقسام: قوي، ومتوسط، وضعيف، فالقوي ما يثبت فيه النسب من غير دعوة، ولا ينتفي بالنفي إلا بعد اللعان، وهو فراش المنكوحة؛ والمتوسط ما لا يحتاج لثبوت النسب إلى دعوة، مع انتفائه بالنفي دون اللعان، وهو فراش أم الولد؛ والضعيف ما لا يثبت فيه النسب بدون دعوة، وينتفي بالنفي، ولكن يجب على المولى ديانة أن يدعي نسبه، إذا علم أنه منه، وهو فراش الأمة غير أم الولد، كما في فيض الباري (٢ - ١٨٩). فعلى هذا إذا ولدت الأمة ولداً لا يثبت نسبه من مولاها عند الحنفية حتى يدعي أنه منه، ٩٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قٌَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح قَوْلَهُ: ((يَا عَبْدُ)) . فإن ادعى مرة صارت أم ولد له، فيثبت النسب كلما ولدت بعد ذلك من غير دعوة، وهو قول سفيان الثوري أيضاً، كما في المغني لابن قدامة (٩ - ٥٣٠) كتاب عتق أمهات الأولاد. وأما الأئمة الثلاثة فقالوا: إن الأمة إذا اعترف سيدها بوطئها، أو ثبت ذلك بأي طريق كان، ثم أتت بولد لمدة الإمكان بعد الوطأ، لحقه من غير دعوة أو استلحاق كما في الزوجة، لكن الزوجة تصير فراشاً بمجرد العقد، فلا يشترط في الاستلحاق إلا الإمكان، لأنها تراد للوطء، فجعل العقد عليها كالوطء، بخلاف الأمة، فإنها تراد لمنافع أخرى فاشترط في حقها ثبوت الوطأ، ويجب عند الشافعي التحصين أيضاً، وفسره في البحر الرائق (٤ - ٢٧١) بأن يمنعها المولى من الخروج والبروز عن مظان الريبة، فإن حصنها كذلك، واعترف بوطئها فالولد له من غير دعوة. هذا ملخص ما في إعلاء السنن (١١ - ٢٢٧) وفيض الباري (٢ - ١٨٧). فاستدل الأئمة الثلاثة على مذهبهم بحديث الباب، فإنه لم يثبت من زمعة دعوة في هذه الواقعة، وإنما ألحق رسول الله وَ ل# الولد بمجرد علمه أن زمعة كان يطؤها. ويمكن الجواب عن هذا الاستدلال بطريقين قويين : إذا سلمنا أن رسول الله وسلم قد أثبت نسب الولد بزمعة فقد ذكر الإمام أبو يوسف في الأمالي أن وليدة زمعة كانت أم ولد له، كما حكاه السرخسي في كتاب الدعوى من المبسوط (١٧ - ١٠١). ويؤيده ما أخرجه أحمد في مسنده (٦ - ٤٢٩) من حديث سودة، قال: ((حدثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل عن منصور عن مجاهد عن مولى لآل الزبير، قال: إن بنت زمعة قالت: أتيت رسول الله وَلقر، فقلت: إن أبي زمعة مات، وترك أم ولد له، وإنا كنا نظنها برجل، وإنها ولدت، فخرج ولدها بشبه الرجل الذي ظنناها به إلخ)) فهذا صريح بأنها كانت أم ولد له من قبل، وهذا الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ - ١٥) وقال (تابعيه لم يسم، وبقية رجاله ثقات). قال العبد الضعيف: أشار فيه الهيثمي إلى جهالة مولى لآل الزبير. والظاهر أنه يوسف مولى آل الزبير، فإن النسائي أخرج هذه الواقعة من حديث عبد الله بن الزبير، من طريق مجاهد عن يوسف مولى آل الزبير، وقصته عين هذه القصة، ولفظه يقارب ما أخرجه أحمد عن سودة، فالظاهر أنه سمع هذه القصة من عبد الله بن الزبير ومن سودة جميعاً، فالأول أخرجه النسائي، والثاني أخرجه أحمد، ويوسف مولى آل الزبير المكي مقبول من الثالثة، كما في التقريب (ترجمة ٤٣٢ من حرف الياء) وذكر الحافظ في الفتح (١٢ - ٣٢) حديثه الذي أخرجه النسائي فحسنه وقال: ((يوسف معروف في موالي آل الزبير))، فالظاهر أن هذا الحديث لا ينزل عن الحسن، وجزم أبي يوسف به دليل على صحته عنده. ثم هو مؤيد بقول عبد بن زمعة في حديث الباب: (ولد على فراش أبي) كما نبه عليه ٩٣ كتاب: الرضاع ٣٥٩٩ - (٠٠٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. السرخسي فإن ظاهر لفظ (الفراش) لا يطلق إلا على الزوجة أو من كان في معناها، وهي أم الولد. ثم قد يشير لفظ (الوليدة) في الحديث إلى كونها أم ولد له، لما قال السرخسي (١٧ - ٩٩): ((الوليدة اسم لأم الولد، فإنه فعيل بمعنى فاعل أي: والدة)) وبه استدل ابن الهمام في التحرير على كونها أم ولد، كما في فيض الباري. ولما ثبت كونها أم ولد لزمعة، فلا يحتاج في ثبوت نسب ولدها إلى دعوة المولى عند الحنفية أيضاً، فلو صح أن النبي ◌َّ و أثبت نسب ولدها من زمعة، فلا حجة فيه خلاف الحنفية، وعليه فيكون قوله تظليل في آخره: ((وأما أنت فاحتجبي منه، فليس بأخيك)) مبنياً على الاحتياط عندنا أيضاً . قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذا الجواب يصح على مذهب أبي يوسف كثّتُهُ، من غير تكلف، لأنه يقبل استلحاق الأخ لأخيه إذا لم يكن هناك وارث آخر، وأما على المشهور من مذهب الحنفية فيحتاج فيه إلى شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فلا يثبت عندهم النسب في مثل واقعة الباب ولو كانت الأمة أم ولد له (وستأتي مسألة الاستلحاق قريباً إن شاء الله) إلا أن يقال إنه غلَلا ألحقه به بسبب الاستفاضة لا بطريق الاستلحاق. فالأحسن في الجواب ما اختاره كثير من الحنفية، وهو أن النبي وقّ لم يلحق النسب في حديث الباب بأحد، وإنما المراد من قوله لعلّا ((هو لك يا عبد)) إنه يشاركك في الميراث، فإن الوارث إذا أقر بأخ لزمه دفع نصف ما في يده من الميراث، ولا يثبت نسبه من الميت لأن المرءَ يؤخذ بإقراره فيما يتعلق به وحده. ويدل عليه قوله تعُلِّ* في آخر الحديث ((واحتجبي منه يا سودة)) وأصرح منه ما أخرجه النسائي (٢ - ٩٤) عن عبد الله بن الزبير، وفيه: ((واحتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ)) وأخرجه أحمد في مسنده (٤ - ٥) وعبد الرزاق في مصنفه (٧ - ٤٤٣ رقم: ١٣٨٢٠) عن ابن الزبير، ولفظه: ((فقال النبي وَلّر السودة: أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه يا سودة، فإنه ليس لك بأخ)) ومثله ما أخرجه أحمد (٦ - ٤٢٩) عن سودة نفسها، وفيه: ((أما أنت فاحتجبي منه، فليس بأخيك، وله الميراث)». فهذه الروايات تكاد تكون صريحة في أنه فعاليَّلا لم يلحق الولد بزمعة، وإنما قضى به لعبد في حق الميراث فقط، ولذلك صرح بنفي الأخوة عن سودة رؤيتها، وإلا فلا معنى لنفي أخوته عنها . واعترض النووي وغيره على زيادة قوله: ((فإنه ليس لك بأخ)) بأنها باطلة من جهة الإسناد، ٩٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ولكن تعقبه الحافظ في الفتح (١٢ - ٣١) بأن إسناد النسائي حسن، ورجاله رجال الصحيح إلا يوسف مولى آل الزبير، وهو معروف مقبول، قلت: وقد ساق الذهبي هذا الحديث، ثم قال: (هذا حديث صحيح الإسناد) راجع ميزان الاعتدال (٤ - ٤٦٥ رقم ٩٨٦٧) في ترجمة يوسف بن الزبير القرشي . فظاهر هذه الروايات أن المراد من قوله فعليّها: ((هو لك يا عبد)» أنه يشاركك في الميراث، لا أنه ثابت النسب من أبيك، ولكن ناقضه الشافعية بما أخرجه أبو داود في باب الولد للفراش من الطلاق عن عائشة، وقال في آخره: ((وزاد مسدد في حديثه: فقال: هو أخوك ياعبد!)) وذكره البخاري تعليقاً في باب بعد باب مقام النبي ◌َّه بمكة زمن الفتح من مغازي صحيحه (٢ - ٦١٦)، وفيه: ((هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة))، فقد صرح فيه أخ بأنه لعبد بن زمعة، وهذا يشعر بأنه ألحق الولد بزمعة. وقد أجاب عنه الإمام أبو بكر الجصاص كثّفُ، فقال: ((الصحيح ما رواه سعيد بن منصور، والزيادة التي زادها مسدد ما نعلم أحداً وافقه عليها، وقد روي في بعض الألفاظ أنه قال: (هو لك يا عبد)، ولا يدل ذلك على أنه أثبت النسب، لأنه جائز أن يريد به إثبات اليد له، إذ كان من يستحق يدا في شيء جاز أن يضاف إليه، فيقال: هو له، .... ومعلوم أيضاً أن النبي وَّ لم يرد بقوله (هو لك يا عبد) إثبات الملك، فادعى خصمنا أنه أراد إثبات النسب، وذلك لا يوجب إضافته إليه في الحقيقة على هذا الوجه، لأن قوله (هو لك) إضافة الملك، والأخ ليس بملك، فإذ لم يرد به الحقيقة فليس حمله على إثبات النسب بأولى من حمله على إثبات اليد)). ((ويحتمل لو صحت الرواية أنه قال: هو أخوك، أن يريد به أخوة الدين، وأنه ليس بعبد لإقراره بأنه حر، ويحتمل أن يكون أصل الحديث ما ذكر بعض الرواة أنه قال: (هو لك) وظن الراوي أن معناه أنه أخوه في النسب، فحمله على المعنى عنده)) كذا في أحكام القرآن للجصاص (٣ - ٣٧٦) باب نكاح الملاعن للملاعنة في تفسير سورة النور. وقال الطحاوي: ((فلو كان النبي 8ّ# كان قد جعله ابن زمعة إذاً، لما حجب بنت زمعة منه، لأنه ◌َ* لم يكن يأمر بقطع الأرحام، بل كان يأمر بصلتها، ومن صلتها التزاور، فكيف يجوز أن يأمرها - وقد جعله أخاها - بالحجاب منه؟ هذا لا يجوز عليه وَ لهر، وكيف يجوز ذلك عليه؟ وهو يأمر عائشة فيها أن تأذن لعمها من الرضاعة عليها، ثم يحجب سودة ممن قد جعله أخاها وابن أبيها؟ ولكن وجه ذلك عندنا - والله أعلم - أنه لم يكن حكم فيه بشيء غير اليد التي جعله بها لعبد بن زمعة ولسائر ورثة زمعة دون سعد)). «فإن قال قائل: فما معنى قوله الذي وصله بهذا: (الولد للفراش: وللعاهر الحجر)؟ قيل ٩٥ كتاب: الرضاع مَعْمَرٌ. كِلَاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ. بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّ مَعْمَراً وَابْنَ عُيَيْنَةَ، فِي حَدِيثِهِمًا ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ)) وَلَمْ يَذْكُرًا ((وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ)). له: ذلك على التعليم منه لسعد، أي إنك تدعي لأخيك، وأخوك لم يكن له فراش، وإنما يثبت النسب منه لو كان له فراش، فإذا لم يكن له فراش فهو عاهر، وللعاهر الحجر)). (( .... فإن قال قائل: إنما كان أمرها بالحجاب منه لما كان رآى من شبهه بعتبة، كما في حديث عائشة فيها، قيل له: هذا لا يجوز أن يكون كذلك، لأن وجود الشبه لا يجب به ثبوت نسب ولا يجب بعدمه انتفاء نسب. ألا ترى إلى الرجل الذي قال لرسول الله ويقول: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال رسول الله وَّر: هل لك من إبل؟ فقال: نعم، قال: فما ألوانها؟ فذكر كلاماً قال: فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا، قال: مما ترى ذلك جاءها؟ قال: من عرق نزعه، فقال رسول الله وَّيهو: ولعل هذا من عرق نزعه .... فلم يرخص له رسول الله وَ ل في نفيه لبعد شبهه منه، ولا منعه من إدخاله على بناته وحرَّمه، بل ضرب له مثلاً أعلمه به أن الشبه لا يوجب ثبوت الأنساب، وأن عدمه لا يجب به انتفاء الأنساب، فكذلك ابن وليدة زمعة)) كذا في شرح معاني الآثار (٢ - ٦٧) كتاب العتاق، باب الأمة يطؤها مولاها ثم يموت إلخ. ثم إن حديث الباب لا يدل على مذهب الشافعية أيضاً، لأنهم وإن كانوا لا يشترطون دعوة المولى، ولكن يجب عندهم تحصين الجارية، وهو أن يمنعها المولى من الخروج، فلا يثبت النسب عندهم بدون التحصين، ولم يثبت التحصین في حديث الباب، بل ثبت خلافه: أما أولاً؛ فلما قال شيخ مشايخنا الأنور قُدِّسَ سره في فيض الباري (٣: ١٨٩): ((وتتبعت له تفسير ابن جرير، فوجدت فيه أن تلك الوليدة كانت من بغايا مكة، فأين الشافعية؟ وأين ثبوت النسب؟ فإنه يبنى عندهم على التحصين، وإذا انعدم التحصين، انعدم ما يبنى عليه)). قال العبد الضعيف: لعل الشيخ يريد به ما ذكره ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿ الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّ زَانِيَةً﴾ عن عكرمة أنه كان يعد تسعاً من بغايا الجاهلية التي تسمى أصحاب الرايات، وذكر فيهن (سريفة جارية زمعة بن الأسود) راجع تفسير ابن جرير (١٨ - ٥١) من سورة النور. وأما ثانياً؛ فلما أخرجه النسائي (٢ - ٩٤) عن عبد الله بن الزبير: ((كانت لزمعة جارية يطؤها هو، وكان يظن بآخر يقع عليها، فجاءت بولد شبه الذي كان يظن به إلخ)) ولما أخرجه أحمد (٤ - ٥) عنه: ((إن زمعة كانت له جارية، وكان يبطنها، وكانوا يتهمونها، فولدت إلخ)) ولما أخرجه أحمد (٦ - ٤٢٩) عن سودة بنت زمعة: ((إن أبي زمعة مات، وترك أم ولد له، وإنا كنا نظنها برجل، وإنها ولدت إلخ)). فهذه الروايات تنادي بصراحة أن الجارية كانت متهمة بالزنا، وكان ذلك معروفاً بين الناس، وهذا ينافي التحصين الذي بنى عليه الشافعي ثبوت النسب من المولى، فينبغي أن لا ٠ ٩٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٦٠٠ - (٣٧) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يثبت النسب عنده أيضاً في حديث الباب، فالقول بثبوت النسب في حديث الباب لا يضر الحنفية فحسب، وإنما يضر الشافعية أيضاً، ولذلك قال الإمام المزني من الشافعية: ((والذي عندي في قصة عبد بن زمعة أنه سير أجاب عن المسألة فأعلمهم أن الحكم كذا، بشرط أن يدعي صاحب الفراش، لا أنه قبل دعوى سعد عن أخيه عتبة، ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة، بل عرفهم أن الحكم في مثلها يكون كذلك، ولذلك قال: احتجبي منه يا سودة)) كذا في فتح الباري (١٢ - ٢٩) وهو عين ما يقول الحنفية . أدلة الحنفية في المسألة ثم عند الحنفية آثار من الصحابة تدل على أن الأمة لا يثبت نسب ولدها حتى يدعيه المولى، أو تكون أم ولد له من قبل، نذكرها فيما يلي: ١ - قال الطحاوي: ((حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال ثنا شعبة عن عمارة ابن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان ابن عباس يأتي جارية له، فحملت، فقال: ليس مني، إني أتيتها إتياناً لا أريد به الولد)) كذا في شرح معاني الآثار (٢ - ٦٨) آخر كتاب العتاق. وذكره شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١١ - ٢٣٢) وقال: ((رجاله رجال الصحيح، غير ابن مرزوق، وهو ثقة، وأخرجه ابن حزم في المحلى (١٠ - ٣٢٢) من طريق عبد الرزاق عن محمد بن عمرو بن دينار أن ابن عباس وقع على جارية له، وكان يعزلها، فانتفى من ولدها. وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. قلت: وأخرجه عبد الرزاق (٧ - ١٣٥ رقم ١٢٥٣٤) أيضا بهذا السند نحوه. ٢ - قال الطحاوي: ((حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي، ثنا سفيان، عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد، أن أباه كان يعزل عن جارية فارسية، فحملت بحمل، فأنكره، وقال: إني لم أكن أريد ولدك، وإنما أستطيب نفسك، فجلدها وأعتقها، وأعتق الولد)). قال شيخنا في إعلاء السنن: ((رجاله رجال الصحيح، خلا عيسى بن إبراهيم وهو ثقة ثبت كما في التهذيب)). قلت: وأخرجه عبد الرزاق أيضاً بأسانيد مختلفة (٧ - ١٣٥). ٣ - قال محمد في باب العزل من موطئه: ((بلغنا أن زيد بن ثابت وطِىءَ جارية له، فجاءت بولد فنفاه، وإن عمر بن الخطاب وَطِىءَ جارية له، فحملت فقال: اللهم لا تلحق بآل عمر من ليس منهم، فجاءت بغلام أسود، فأقرت أنه من الراعي، فانتفى منه عمر، وإن أثر عمر هذا قد رواه البيهقي في باب الولد للفراش من لعان سننه (٧ - ٤١٣) عن الشافعي تَّهُ، وأسنده عبد ١ الرزاق في باب الرجل يطَأ سريته ثم ينتفي من حملها من أبواب اللعان (٧ - ١٣٦ رقم ١٢٥٣٦) عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجنح عن رجل من أهل المدينة: ((أن عمر بن الخطاب كان يعزل عن ٩٧ كتاب: الرضاع عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُول اللّهِ وَهِ قَالَ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلْعَاهِرِ الْحَجَرُ)». جارية له، فحملت، فشق ذلك عليه، وقال: اللهم لا تلحق بآل عمر من ليس منهم، قال: فولدت غلاماً أسوداً، فسألها، فقالت: من راعي الإبل، قال: فاستبشر)) وفي إسناده رجل مجهول من أهل المدينة، غير أنه فوق ابن أبي نجيح، ومثل هذه الجهالة يتحمل، واحتجاج الإمام محمد به وسكوت الشافعي والبيهقي عن إسناده دليل على صحته عندهم. وقد أخرج مالك عن عمر رظلبه ما يعارضه، وهو قوله: ((ما بال رجال يطؤون ولائدهم، ثم يدعونهن، فيخرجن، والله! لا تأتيني وليدة، فيعترف سيدها أن قد وطأها، إلا ألحقت به ولدها، فاعتزلوا بعد، أو اتركوا)). واعتذر عنه الإمام محمد في باب العزل من موطئه وشيخنا العثماني في إعلاء السنن (١١ - ٢٣٢ و ٢٣٣) بأجوبة لا تنشرح بها صدري، فالاستدلال بآثار عمر على مذهب الحنفية أو الشافعية مشكل، فإن آثاره لا تنطبق على مذهب أحد منهما . وأما دليل الحنفية من حيث النظر، فهو أن وطء الأمة كملكها، وبملكها لا يثبت الفراش، لأنه محتمل قد يكون لبيعها، وقد يكون لوطئها، فكذلك وطؤه إياها محتمل، قد يكون للاستفراش، وقد يكون لقضاء الشهوة، وتحقيق ذلك بالعزل عنها عادة، وينفرد بذلك شرعاً، والمحتمل لا يكون حجة، فلا يثبت النسب منه إلا بالدعوة التي لا يبقى بعدها احتمال، بخلاف النكاح، فإنه لا يكون إلا للفراش عادة. ألا ترى أن التمكن من الوظْءِ هناك جعل بمنزلة حقيقة الوظءٍ، وهنا بالتمكن من الوطء لا يثبت النسب بالاتفاق للاحتمال، فكذلك بحقيقة الوظءٍ، ولأن هناك لا يبطل بثبوت النسب ملكاً باتاً للزوج، وهنا يبطل ملك المالية والتصرف فيها بثبوت نسب ولدها، والمحتمل لا يكون حجة في إبطال الملك المتحقق به، كذا في مبسوط السرخسي (١٧ - ١٠٠) كتاب الدعوى، باب ادعاء الولد. ثم هذا الذي ذكرناه حكم القضاء، فأما الديانة فإن كان وطِئَها وحصنها ولم يعزل عنها يلزمه أن يعترف به ويدعي، لأن الظاهر أن الولد منه، وإن عزل عنها أو لم يحصنها جاز له أن ينفيه، لأن هذا الظاهر يقابله ظاهر آخر، هكذا روي عن أبي حنيفة تخلفه، كذا في باب الاستيلاد من عتاق الهداية. وراجع أيضاً باب الاستيلاد من عتاق البحر الرائق (٤ - ٢٧١). ٢ - مسألة ثبوت النسب بالفراش القوي مع تعذر الوطأ: ثم استدل أبو حنيفة تغذُ بحديث الباب على أن قيام الفراش كاف في إثبات نسب الولد من صاحب الفراش، ولا يشترط له التمكن من الوطء في العادة، وقال مالك والشافعي وجمهور العلماء: يشترط التمكن من الوطء بعد ثبوت الفراش، فلو نكح المغربي مشرقية ولم يفارق واحد ٩٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٦٠١ - (٠٠٠) وحدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر، لم يلحقه عند الجمهور، ولحقه عند أبي حنيفة تَّفُ، كما في شرح النووي. قال شيخ مشايخنا الأنور تخّفه: ((والحديث حجة لنا: لأنه جعل النسب تابعاً للفراش، وهو مقتضى العقل والنقل، أما النقل فكما علمت، وأما العقل فلأنه ليس على القاضي أن يحقق إمكان المخالطة بين الزوجين، أما النكاح فمبناه على الإعلان، فلا عسر في تحقيقه، بخلاف المخالطة، فإن مبناه على السر، وليس عليه تحقيق تلك الأشياء التي قد لا يطلع عليها خواص أهل البيت أيضاً، ثم إنه ماذا يكون باشتراط الإمكان؟ لاحتمال أن يكون التقيا في محل، ثم لم يجامعها الزوج، وأتت بولد في تلك المدة، أو جامعها ولم تحمل منه، وزنت - والعياذ بالله - وعلقت منه، فهذه الاحتمالات لا تنقطع أبداً، وإن تفاوتت قوة وضعفا، فالذي يدور عليه أمر النسب هو الفراش، وليس على القاضي أن يتجسس سرائر الناس. ((ثم إنهم غفلوا عن باب آخر، ولو نظروا إليه لما كان لهم فيه محل استبعاد، وهو أن الشرع أوجب على الزوج أن يلاعن امرأته إذا علم أن حملها ليس منه، فوجب عليه اللعان في الصورة المذكورة، وإذا شدد فيه على الزوج من جانب، خفف في ثبوت النسب لأجل الفراش من جانب آخر، وما أحكم وأحسن هذه الوتيرة لو كانوا يفقهون، فإن الحنفية لما رأوا أن الشرع قد راعى هذا الجانب في باب آخر بنفسه، لم يزيدوا قيدا آخر من عند أنفسهم، لأنه يوجب هدر هذا الباب. ((وبعبارة أخرى: إن النسب في الصورة المذكورة لا يثبت عندنا أيضاً، إلا أن نفيه عند الشافعية لانتفاء شرط الإمكان، وعندنا لوجوب اللعان، فينتفي منه بعد لعانه، وإذا ترك الزوج ما أوجب عليه الشرع بنفسه، فما للقاضي أن لا يلحق نسبه منه، فإنه رضي بالضرر، فأولى أن يقطع عنه النظر، وقد شغب الناس في تلك المسألة ولم يفهموا حقيقة الحال، وكيف يجلبون علينا، مع أن إطلاق الحديث للحنفية، كما أقر به النووي))؟ كذا في فيض الباري (٣ - ١٩٠) باب تفسير المشبهات من البيوع. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن رسول الله ( 38 أعقب قوله ((الولد للفراش)) بقوله: ((وللعاهر الحجر)) ففيه دلالة ظاهرة على أن سياق الحديث فيما إذا ثبت ظاهراً أن المرأة قد زنت، وأن الولد منه، وإلا لم يكن لقوله: ((وللعاهر الحجر)) معنى، ثم إنه لو ألحق الولد بالفراش في هذه الصورة التي يشهد فيها الظاهر لغير الفراش، فثبت أن النسب لا يبتني على حقيقة العلوق، وإنما يدور مع الفراش، ولو كان ظاهر الحال يشهد بأن الولد من الزنا. وليس في الصورة المبحوث عنها إلا شهادة الظاهر بخلاف الفراش، وقد نص الحديث على ترك اعتباره، ومن هنا يظهر ضعف ما قال النووي كثّفُ أن الحديث خرج مخرج الغالب، فإن ٩٩ كتاب: الرضاع حَمَّادٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَمَّا ابْنُ مَنْصُورٍ فَقَالَ: عَنْ قوله غلَّل: ((وللعاهر الحجر)) ينادي صريحاً بأنه لا عبرة لثبوت الزنا مع ثبوت الفراش، ما لم ينف الزوج الولد بنفسه، فكيف يؤول أول الحديث بما يرده آخره؟ قال السرخسي كَّفُ: ((وهذا لأن ثبوت النسب حقيقة كونه مخلوقاً من مائه، وذلك خفي لا طريق إلى معرفته، وكذلك حقيقة الوطء تكون سراً على غير الواطئين، ولكن التمكن منه (شرعاً) سبب ظاهر ... ولأنها جاءت به على فراشه في حال يصلح أن يكون منسوباً إليه، فيثبت النسب منه كما لو تمكن من وظْئِها وتصادقا أنه لم يطَأُها، وهذا لأن النكاح ما شرع إلا للاستفراش ومقصود النسل، فيثبت الفراش بنفسه ... وهو أصل كبير في المسائل كما أقيم السفر مقام حقيقة المشقة في إثبات الرخصة، وأقيم تجدد الملك في الأمة مقام اشتغال رحمها بماء الغير في تجدد وجوب الاستبراء)) كذا في المبسوط (١٧ - ١٥٦) باب دعوة الولد من الزنا في كتاب الدعوى، والله سبحانه وتعالى أعلم. تنبيه: قال الأبي المالكي في شرحه لمسلم (٤ - ٧٩) ((المراد بالفراش (في الحديث) الفراش المعهود، أي الولد للحالة التي يكون فيها الافتراش، أي التأتي في الوظءِ وحملته الحنفية على حذف مضاف، والمراد صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوظءِ في الوظْءِ، واحتجوا بقول جرير: باتت تعانقه وبات فراشها خلق العباءة في الدماء قتيلا أي صاحب فراشها، يعني زوجها، والفراش وإن صح التعبير به عن الزوج والزوجة فإنما المراد به ههنا الفراش المعهود كما تقدم، وقد قيل إن إيقاع الفراش على الزوج لا يعلم في اللغة)) انتهى. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذه غفلة منه تَعَلَهُ عن حديث أبي هريرة ◌َظُّه عند البخاري في الفرائض، ولفظه: ((الولد لصاحب الفراش)). ٣ - مسألة استلحاق الأخ لأخيه: ويتعلق بالحديث أيضاً مسألة استلحاق الأخ لأخيه، يعني: هل يصح لرجل أن يقر لآخر بأنه أخ له من أبيه الميت؟ فالمشهور عن أبي حنيفة ما ذكره صاحب الهداية في أواخر كتاب الإقرار (٣ - ٢٢٨): ((ومن مات أبوه فأقر بأخ لم يثبت نسب أخيه، (يعني إلا بشروط الشهادة) ويشاركه في الميراث، لأن إقراره تضمن شيئين، حمل النسب على الغير، ولا ولاية له عليه، والاشتراك في المال، وله فيه ولاية، فيثبت)) وهو مذهب المالكية أيضاً، كما في شرح الأبي (٤ - ٨١). ١٠٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَمَّا عَبْدُ الأَعْلَىْ فَقَالَ: عَن أَبِي سَلَمَةً عَنْ أَوْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي وقال الشافعي وأحمد: إن أقر جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الميراث ثبت نسبه، سواء كان الورثة واحداً أو جماعة، ذكراً أو أنثى، وبه قال أبو يوسف، وحكاه عن أبي حنيفة، كما في المغني لابن قدامة (٥ - ١٨٣). احتج الشافعية والحنابلة بحديث الباب، لأن زمعة لم يستلحق، ولا اعترف بالوطأ، ولم تقم على النسب شهادة، فلم يلحق النبي ◌َّقر الولد بزمعة إلا باستلحاق الأخ لأخيه. ويرد عليهم أنهم يشترطون في صحة الاستلحاق أن لا يكون هناك وارث غيره، أو يقر جميع الورثة بالنسب، ولم يوجد الإقرار ههنا إلا من عبد بن زمعة، فإنه لم يثبت الإقرار من سودة بنت زمعة ينا، وأجابوا عن ذلك بأن زمعة توفي كافراً، وسودة مسلمة لا ترث عنه، فصارت كالعدم، فصار عبد كأنه كل الورثة، واعترض عليه الأبي المالكي بأنها وإن منعت الميراث فهي ابنته، فلا بد من رضاها إذ لا يلحق أخوها عليها من لم ترضه . وأجاب عنه الحافظ في الفتح (١٢ - ٢٨) بقوله ((يحتمل أن تكون (سودة) وكلت أخاها في ذلك، أو ادعت أيضاً)) قلت: وهو ظاهر حديث سودة عند أحمد (٦ - ٤٢٩) فإنها تقول: ((أتيت رسول الله وَ﴾، فقلت: إن أبي زمعة مات وترك أم ولد له، وإنا كنا نظنها برجل، وإنها ولدت، فخرج ولدها يشبه الرجل الذي ظنناها به)). وأجاب المالكية عن هذا الاستدلال بأن النبي ولو لم يلحق النسب بالاستلحاق، وإنما ألحقه بما كان يعلم بطريق الاستفاضة أن زمعة يطؤها . وأما الحنفية فقد عرفت أن النبي ◌ّر لم يلحق النسب عندهم في حديث الباب بأحد، وإنما حكم للولد بمشاركة عبد في الميراث، وقد أشبعنا القول في هذا الصدد، فالحديث حجة لهم في هذه المسألة أيضاً، ولا يخالفونه بوجه من الوجوه. ٤ - مسألة نفاذ القضاء باطناً: واستدل النووي تَّفُ بحديث الباب على أن حكم الحاكم لا يحيل الأمر في الباطن. فإذا حكم بشهادة شاهدي زور، أو نحو ذلك، لم يحل المحكوم به للمحكوم له، كما هو مذهب الشافعية وغيرهم، وموضع الدلالة أنه وَلّ حكم به لعبد بن زمعة، وأنه أخ له ولسودة، واحتمل بسبب الشبه أن يكون من عتبة، فلو كان الحكم يحيل الباطن لما أمرها بالاحتجاب، كذا في شرح النووي. أما الحنفية فينفذ عندهم حكم الحاكم ظاهراً وباطناً، والجواب من قبلهم أن الأمر بالاحتجاب لم يكن للاحتياط، ولا لعدم نفاذ القضاء باطناً، وإنما كان لعدم ثبوت نسب ذلك الولد من زمعة، كما حققناه فيما سبق، وقد وقع التصريح بذلك في حديث ابن الزبير عند