Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
تصدیر
ولكن إرادة الله غالبة، فلم يمهله الأجل لإكمال هذا الشرح المفيد، ذي قيمة علمية فنية
كلامية، - وكل شيء عنده بأجل مسمى - فقد وافاه الأجل سنة ١٣٦٩ هـ في كراتشى باكستان،
وقد أكمل الجزء الثالث من الشرح، وكان حامل لواء الإسلام والملقب بحق بشيخ الإسلام رحمه
الله تعالى، وجزاه على خدمة الإسلام والمسلمين، وتقنين البلاد بالقانون الإسلامي. مدى
جهده، واستعداد المسؤولين وإجابتهم لذلك.
وقد قدر الله تبارك وتعالى - وهو المعين دائماً والموفق لإكمال سلاسل الخير وما بدأ به
مخلص من خدمة للشريعة الإلهية والكلام النبوي الشريف، وله أمثلة على مدى القرون والأنواع
كما يدل على ذلك التاريخ العلمي والديني - أن يكون إكمال هذه السلسلة المباركة على يد من
ينوب عن بادىء هذه السلسلة علماً ومذهباً، ووطناً ونسباً، ويمتاز - مع إجلال المؤلف الأول،
والاعتراف بفضله وجدارته - بمزايا تكون نتيجة تقدم الزمان، وسنوح الفرص للدراسات الحديثة
والقضايا العصرية، والاطلاع على تساؤلات علمية وتشريعية وما يحدث - كنتيجة للدراسات
المقارنة وبحوث المستشرقين وكتاباتهم - من شبهات وتساؤلات. وكان ذلك بنهوض صاحب
الفضيلة والسعادة العالم الراسخ الضليع، والحقوقي الكبير، فضيلة الشيخ محمد تقي العثماني -
بارك الله في حياته ونفع به - قاضي التمييز الشرعي في المحكمة العليا في باكستان، وقد مارس
التدريس، وأخذ العلوم من منابعها الأصيلة، ورجالها الراسخين في العلم والدين، فبدأ بهذا
العمل الجليل، ووفقه الله لإكمال هذه السلسلة في ستة مجلدات كبار، تسمى بتكملة ((فتح
الملهم)) وتنشرها مكتبة دار العلوم كراتشي.
وكانت هذه الخاتمة للسلسلة المباركة، التي بدأ بها العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني
رحمه الله ملئاً لفراغ وقضاء ولحاجة علمية، دينية فنية ومواجهة لبحوث وتساؤلات وشبهات،
يقتضيها تغير الزمان، وتطور الحضارة والفكر، والبحوث المقارنة، فكان لا بد من مواجهة هذه
التساؤلات والشبهات، الخفية والعلانية، وحلّها في ضوء الشريعة والبحث العلمي النزيه، وشرح
إصابة ما جاء في الشريعة الإسلامية والحديث النبوي الشريف، من قضايا وأحكام في ضوء العلم
الراسخ الواسع، والاطلاع على التشريعات الأجنبية والعصرية، والعلوم الغربية، وبعض اللغات
الأجنبية فكان فضيلة الأستاذ محمد تقي العثماني بحكم تضلعه من العلوم الشرعية، وتناولها
وتلقيها من علماء راسخين متضلعين، كوالده العلامة الكبير والعلم الضليع الفقيه المحدث،
والمدرس المحنك الموثوق به في دينه وعلمه، واتجاهه، العلامة المفتي محمد شفيع العثماني
الديويندي، وغيره من العلماء الراسخين، والأساتذة البارعين جديراً بذلك قديراً عليه، فتناول
عدداً كبيراً من القضايا وما جاء في الحديث النبوي، واحتوى عليه صحيح مسلم كغيره، من كتب
الحديث والصحاح والمسانيد، من أحكام وقضايا، قد تثار حولها بحوث وتساؤلات، بتأثير
الثقافة الحديثة، والحضارة الغربية والتشريعات الجديدة، بالبحث العلمي والمقارن، وأزال ما
أثر حولها من شبهات، وما استغلت لمنافع شخصية أو جماعية أو سياسية، ويكفي لذلك على
سبيل المثال ما جاء في المجلد الثالث، الذي هو أمام الكاتب، من بحث في الجهاد والإمارة،

٢٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والصيد، والذبائح، والأطعمة والأشربة، وتقاس على ذلك بقية المجلدات.
فجاء هذا العمل العلمي والتأليفي في أوانه وفي مكانه، وحالفه التوفيق الإلهي، نسأل الله
أن يتقبله وينفع به، ويجزي صاحبه أحسن الجزاء - بارك الله في حياته ونفعه ونفع به - ويفتق به
قريحة المعلمين والمتعلمين، والمقنّنين والمشرّعين، ويوفقهم للنهوض لمثل هذه الأعمال
المثمرة، المقبولة عند الله، وعند المنصفين والراسخين في العلم، والشاهدين بالفضل.
أبو الحسن علي الحسني الندوي
ندوة العلماء لكناؤ (الهند)
١٤/ ١٤١٦/٤ هـ
١٩٩٥/٩/١١ م

٢٣
الشعر الملهم في تكملة فتح الملهم
الشعر الملهم في تكملة فتح الملهم
للأستاذ المحقق الأديب الأريب السيد خالد حسن هنداوي
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
١ - عيد على العلماء هلّ بموسم
٢ - فأعاد مولانا بذلك خدمة
٣ - فتح الإله عليها فترقيا
٤ - في علمٍ بارينا القديم وحكمه
طوبى لأسلافٍ ترقّوا قبلهم
٥ -
وجزى الإله الآخرين فما ونوا
٦ -
٧- لكنهم - والحق يُذكر ـ قدموا
أكمل - جزاك اللَّه - شرح شَبِيرنا
٨ -
٩ - يا أيها النّحرير غورك عاجز
١٠ - يا أيها الغواص في بحر الهدى
١١ - يا أيها الوَثاب خذ سيف النُّهى
١٢ - بعد الكتاب حديث أحمد قائد
١٣ - ظنوا بأنك أعجمي لا تعي
١٤ - والقول ذلّل ــ كالنمير - مسلسلاً
١٥ - صفحاته الغراء روض ناضر
١٦ - قبّلت هذا السِّفر قُبلة لهفة
١٧ - سِفْرٌ حوى علم الحديث وفقهه
١٨ - علم به لا يغتني بمهارةٍ
لما أتمَّ تقيُّ فتح الملهم
أغنى ((شَبِير)) بها الصحيح لمسلم
بعناية منه بذاك السُّلَّم
أن الموفق سائر للأعظم
لا سيما ((النووي)» بشرح مُفهم
أكرِمْ بهم من باذلين وأنعِم
وسموا، وفاز تَقِيّنا بالمغنم
إن الوفاء أخص ما في المسلم
عن دركه علماء عصر مظلم
دم فيه رُبّانا أميراً وارقْمُ
واقطع به رأس الجهالة واعدم
والمنكرون له بنار جهنم
فإذا اللسان إلى العروبة ينتمي
رحب الذراع يسير دون تلعثم
كلماته نور بعقل أو فم
*
وفديته بالروح، بالفم، بالدم
ومرامه للناقد المتوسّم
إلا جهابذة الرجال القُوّم

٢٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩ - قد جاءنا كقميص يوسف إذ أتى
٢٠ - وافرحتاه فقد تحوّل مبصرا
٢١ - ماذا أقول أياً تقيَّ زماننا
٢٢ - أمعنت في الأقوال تحسم أمرها
٢٣ - المذهب الحنفيُّ عمدتك التي
٢٤ - وتبعتَ بالفقه المقارن حجة
٢٥ - الحق والإنصاف عندك شِيْمةً
٢٦ - إن التعصب عادة مذمومة
٢٧ - حَيَوِيّة الفقه العتيد إدانةٌ
٢٨ - دين الشريعة خالد أبداً ولن
٢٩ - إن الضباب وإن تكاثف زحمة
٣٠ - كم سخّر اللَّه الجهابذة الألى
٣١ - وأتى ((تقيُّ)) يصول في سنن الهدى
٣٢ - فَقِهَ الحياة قديمَها وجديدها
٣٣ - قد خرَّج الدر الثمين وغاص في
٣٤ - قد سدَّ مولانا مكاناً خالياً
٣٥ - أفنى الشبابَ يَجِدُّ في طلب العلي
٣٦ - (دار العلوم)) له مدارج جنة
٣٧ - لا خيرَ في هذي الحياة وعمرها
٣٨ - للَّه هذا الفتح صبحاً مسفراً
٣٩ - يا درنا المنثور أية حكمة
٤٠ - صافي الزجاجة ليس يكدر صفوه
٤١ - إمّا أطال فلا يمَلُّ جليسه
٤٢ - سلوى المسافرِ والمقيم ومؤنسٌ
٤٣ - طوبى لمن يحظى بفيضٍ نواله
٤٤ - يكفي فخاراً أن يقرظه لنا
٤٥ - كالكوكب الندوي ((أبو حسن)) الذي
ذاك البشير به ليعقوب الظمى
وكسته بهجة ثغرِه المتبسم
يا راقياً بالعلم فوق الأنجم
بدليلك الأقوى بغير تبرم
قامت على أسس الطريق الأقوم
عند المذاهب لا تضيق لمسلم
والعدل والإخلاص دون تهجّم
إلا إلى النص السديد المحكم
للمرجفين وكل باغ سجرم
يبلى، فتعساً للدعيّ المُفْحَمِ
فالشمس تنسخه بضوء مُلزِم
ردوا عن الإسلام كل مهدّم
ويشق صدر المبطلين بمحجم
فأتت فتاواه كمثل البلسم
بحر العلوم، فياله من مُلْهَم!
وحباً الجياع وكلَّ غرثانٍ ظمي
حتى علا! لكنه لم يهرم
تودى إلى الجنات يوم المغنم
ما لم تقم بمعلِّم وَمُعلَّم
#
بدراً أنار لنا بليل مظلم
ماءً زلالا قد جرى بترنّم
متألقاً متأنقاً لم يُذمم
أو أوجز المعنى فلم يتثلّم
للواحد المستوحش المتجهم
ويروم ذاك الحظ فوق الأنجم
أعلامُنا، عربيّهم والأعجمي
قد نوّر الدنيا بكفر قيم

٢٥
الشعر الملهم في تكملة فتح الملهم
٤٦ - والعابد الفتاح نعمَ محقق
٤٧ - والشيخ ((يوسف)) عالمٌ متبحر
٤٨ - فانفع إلهي بالصحيح وشرحه
٤٩ - أغلى هدايا العصر طراً، قيمةٌ
٥٠ - فاهنا تقيُّ بِه، وَهَنَّ شيوخَنا
٥١ - وارفع لواء العلم وانشر فضله
ومحدثٌ خدم النبي العالي
حاز الفنون بفهمه المتقدم
طلاب أهل العلم والفهم السّمى
وأعزُّها، فوق الشرا بالدرهم!
وابن لنا شرف الحديث وعظم
وعلى رسول العلم صلّ وسلم

.

٢٧
كلمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
كلمة المؤلف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه
أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد :
فقد حان - والحمد لله سبحانه - أن أقدّم لطلاب العلم ((تكملة فتح الملهم)) كاملة في ست
مجلدات، وقد طالت بي المدّة في تأليف هذا الكتاب حتى استغرقت ثماني عشر سنة وتسعة
أشهر (فإنّي شرعت في هذا التأليف لتاريخ ٢٥ جمادى الأولى سنة ١٣٩٦ هـ وقد وقع الفراغ منه
لتاريخ ٢٦ صفر سنة ١٤١٥ هـ) وذلك لما اعترته من فترات طويلة لم أستطع فيها أن أستمرّ في
هذا العمل لأشغال متتابعة وأسفار متوالية. وكانت هذه المدّة ممّا ازدحمت فيها عليّ الأشغال،
وتشعّبت النّشاطات، وتكاثرت المسؤوليات، حتى بقيت مرات منقطعاً عن هذا العمل عدّة
أشهر، وقد استمرّ هذا الانقطاع في بعض الأحيان إلى سنة أو أكثر. وفي الفترات التي تمكنّت
فيها من تأليف هذا الكتاب، لم أستطع أن أخصّ له أكثر من ساعتين كلّ يوم. فلا أدري كيف
أشكر الله سبحانه وتعالى على ما وفقني لإكمال هذا التأليف بالرغم من العوائق التي صاحبتني
طوال هذه المدّة، فاللهمّ لك الحمد كلّه، ولك الشّكر كلّه، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما
أثنيت على نفسك.
أمّا أسلوب الكتاب، فقد تحدثت عنه فيما افتتحت به المجلد الأول من التكملة، وأشكر
الله سبحانه وتعالى على أن هذا الكتاب وقع موقع القبول والتقدير من قبل أهل العلم الّذين
شرّفوه بالمطالعة والمراجعة في أبحاثهم العلميّة. وقد تناوله العلماء في العالم الإسلاميّ بالثقة
والاعتماد، وقد أمدّني بعضهم بالتنبيه على بعض الأخطاء أو التّسامحات، وأكرمني بعضهم
بتقديم بعض المقترحات والتوجيهات، وقد استفدت من جميع ذلك بفضل الله تعالى، أشكرهم
على ذلك، وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يجزيهم على ذلك أحسن الجزاء.
ولا يسعني هنا إلا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكلّ من ساعدني في إنجاز هذا
العمل، وأخصّ منهم بالذكر شقيقي الأكبر مولانا الشيخ المفتي محمد رفيع العثماني، رئيس
جامعة دار العلوم بكراتشي - حفظه الله تعالى في عافية سابغة - حيثُ أكرمني بمراعة معظم مسوّدة
الكتاب، وزوّدني بتوجيهاته القيّمة، وأمدّني بإزالة كثير من العوائق التي حالت دون تأليف هذا
الكتاب فجزاه الله تعالى خيراً .

٢٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كما أشكر الأخوين في الله الشيخ عبد الله ميمن أستاذ دار العلوم، والشيخ أبو طاهر
الأركاني (مدير مكتبة دار العلوم كراتشي) حيثُ تناوبا في مساعدتي في تخريج الأحاديث
المذكورة في أول كل حديث، فجزاهما الله تعالى خيراً، ووفقهما لما يحبه ويرضاه.
وأسأل الله سبحانه أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وينفع به الطالبين، ويجعله
ذخراً لهذا العبد الضعيف يوم لا ينفع مال ولا بنون، وله الحمد أولاً وآخراً.
محمد تقي العثماني
دار العلوم كراتشي ١٤
١٠/ محرم الحرام/ ١٤١٧ هـ

٢٩
كلمة المؤلف للطبع الأول
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
كلمة المؤلف للطبع الأول
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي الرسول الأمين،
وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن كتاب ((فتح الملهم)) من أجل مؤلفات مولانا العلامة المحقق الداعية الكبير الشيخ شبير
أحمد العثماني، لا يجهله أحد ممن له علاقة بالعلوم الإسلامية، وخاصة العلوم الحديثية منها .
قد شرح فيه رحمه الله تعالى الجامع الصحيح للإمام مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله تعالى
شرحاً حافلاً جمع فيه أبحاثاً نادرة، وفوائد مبتكرة، وتكلم على كل حديث بما يشرح معانيه،
ويبين دقائقه، ويوضح أقوال علماء الأمة فيه، ويرجع ما رجع فيها عنده، ثم يأتي في أكثر
المواضع برأي وجيه من عنده، أو من عند مشايخه وأساتذته.
ولا أريد أن أطيل في وصف هذا الشرح، فإنه غني عن وصف مثلي إياه، ولكن الذي
يؤسف طلاب هذا العلم أن شيخنا رحمه الله لم يتفق له إتمام هذا الكتاب، وكان قد شرع في
تأليفه في الهند، قبل أن تبرز باكستان على خريطة العالم في صورة دولة إسلامية مستقلة. حتى
ظهرت في الهند حركة قوية لإقامة هذه الدولة الإسلامية الحرة، فلم يستطع شيخنا رحمه الله أن
يبقي منعزلاً عنها، واشتغل فيها ليل نهار، ولم يجد بعد ذلك فرصة للعود إلى إتمام هذا الشرح
العظيم .
وكان والدي العلامة الفقيه المحقق الشيخ المفتي محمد شفيع رحمه الله تعالى مؤسس دار
العلوم بكراتشي، من أكثر الناس شغفاً بهذا الشرح، وأكثرهم شوقاً إلى إكماله وتتمته، فكم كان
يتمنى أن يجد وقتاً يسد فيه هذا الفراغ، ولكنه كان مزدحم الأشغال، ومتوالي الأسفار، فلم
يستطع ذلك إلى آخر حياته، فالتمس ذلك من غير واحد من علماء عصره، ولكن لم يتفق ذلك
لأحد منهم، فأمرني رحمه الله تعالى في آخر سنة من أيام حياته أن أشرع بعون الله تعالى في
تأليف بقية الشرح تحت إشرافه وإرشاده.
وكنت، لقصور باعي وقلة بضاعتي، أجد نفسي قاصراً عن تحمل هذا العبأ الثقيل،
واقتحام هذا البحر الزاخر. ولكن شجعني حضرة الوالد رحمه الله على ذلك بأنه سوف يرى كل
ما أكتب، ويرشدني فيه بآراءه، وأفكاره، وعلومه، وتجاربه العلمية.
فاستخرت الله سبحانه وتعالى، وشرعت بتوفيقه في شرح كتاب الرضاع، وكنت كل يوم

٣٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أعرض على حضرة الوالد - رحمه الله - كل ما كتبته في ذلك اليوم، فيسمع مني كل حرف منه
بكل عناية وإصغاء، ويشير عليّ في مواضع منه بالإصلاح والتعديل، ويزوّدني في مواضع بفوائد
علمية، وأبحاث نادرة، ويدلني مراراً على أساليب أتخذها في التأليف، ليسهل على الطالب منال
معاني الكتاب. فوالله كانت تلك الساعات من أحلى أيام حياتي، أعيشها في ظلال وارفة من
حنان والد مشفق كريم، وعطف أستاذ رؤوف، وأدعية شيخ مرشد كامل، أقضي نهاري في
جوعبق من نفحات الكتب العلمية، أجتني ثمرات العلم من هنا وهناك، وأمسي ليلي في كنف
حضرة الوالد رحمه الله، يغمرني بأنظاره المليئة حباً وحناناً، ويفيض عليَّ من معارفه الفواحة،
ويمدني بأدعيته التي لا أحمل متاعاً أغلى منها ولا أحلى.
ولكن كل نعيم في هذه زائل، وفوجئت بعد بضعة أشهر بوفاة حضرة الوالد رحمه الله
تعالى، وكانت أعظم كارثة في حياتي، وصرت بعدها كأني في صحراء مقفرة، لا ظل فيها ولا
ماء، وبقيت مدة في حيرة واضطراب، لا يمكنني فراق حضرة الوالد من الرجوع إلى تأليف هذا
الشرح، الذي ما كنت شرع فيه إلا اعتماداً على إرشاده. وكم وجدت نفسي يجبن عن إكمال هذا
العمل بعد وفاته رحمه الله .
ثم لما تراجعت الأنفاس، وترادّ الفكر والرأي، آثرت أن لا أدع عملاً فوض إلى حضرة
الوالد، فعزمت بتوفيق الله سبحانه على أن أستمر في تأليف هذا الشرح مهما صعب عليَّ أو
ثقل، فرجعت إليه بعد بضعة أشهر، فوفقني الله سبحانه وتعالى لإدامة هذا العمل حتى الوقت
الراهن.
وقد اعترت فيما بين ذلك فترات طويلة لازدحام أشغالي، وتتابع أسفاري، حتى شعرت في
بعض الأحيان كأني لا أستطيع أن أعود إليه أبداً، ولكن الله سبحانه وتعالى أكرم مما نتصور،
وقد من علي بأن جعل تأليف هذا الكتاب من أعز أمنياتي، وأحب أشغالي، لا أرتاح بشيء ما
أرتاح له، ولا أسكن في حال ما أسكن وأنا جالس في غمار الكتب أكتب هذه الصفحات.
فالحمد، كل الحمد، لله سبحانه، الذي وفقني لإكمال مجلد واحد من هذا الكتاب، ولا
تزال بين يدي عقبات وشعاب، وكلما أنظر إلى جسامة العمل الذي لا يزال باقياً، ربما أقشعر
لها، ولكن الذي يطمئنني: أن ما تم على هاتين اليدين العاجزين، لم يكن بقوتي، ولا بعلمي،
ولا بعملي، وإنما كان بمحض فضل من الله سبحانه، وإنه القادر الصمد الذي ربما يوفق ذرةً من
التراب لما يعجز عنه الجبال، فأرجو الله سبحانه أن يوفقني لإكمال باقي الأبواب، كما وفقني
لإكمال هذا المجلد إن شاء الله تعالى.
منهجي في تأليف التكملة
وأما أسلوب هذه التكملة، فقد أشار عليّ غير واحد من الأحباب على أن أتبع فيه أسلوب
شيخنا العلامة شبير أحمد العثماني رحمه الله تعالى في حصته من الشرح، ولكنني لم ألتزم ذلك
لوجوه :

٣١
كلمة المؤلف للطبع الأول
الأول: أن الثرى لا يطمع أن يبلغ الثريا، والطالع لا يدرك شأو الضليع، ولا سبيل لمثلي
أن يجوز تلك العلوم والمواهب التي اختار بها الله مؤلف ((فتح الملهم))، ولعمري! إنه طلاع
غايات، وصاحب آيات، فما كان لمثلي أن يقوم مقامه، أو يسد مسده.
والثاني: أن التكليف في اتباع أسلوب مؤلف آخر ربما يخرج الكتاب عن سيره الطبيعي،
ويجعله بالمحاكاة أشب من بالاتباع، وإن مثل هذا التكلف المصنوع لا يليق بشرح حديث.
والثالث: أن معظم ما ألفه شيخنا رحمه الله تعالى في المجلدات الثلاث الأول، يتعلق
بالعقائد والعبادات، وأما الأبواب التي شرعت في شرحها: جلها من المعاملات والأخلاق،
والسير، وغيرها، ولكل من الأبواب مقتضيات خاصة، ولا يمكن أن يتبع في جمعها أسلوب
واحد .
فمن هذه الوجوه لم ألتزم توحيد الأسلوب من كل ناحية، ولكني اجتهدت أن لا يكون بين
الحصتين من الكتاب بون بائن، والتزمت في هذه التكملة بأمور:
١ - قد وضعت الأرقام على كل رواية، ليسهل الإحالة عليها .
٢ - التزمت بتخريج كل حديث، تحت أول طريق من ذلك الحديث، وقد وقع هذا الالتزام
في تخريج الحديث من الصحح الستة مستوعباً، ومن غيرها أيضاً في بضع الأحيان، وآثرت
الإحالة على أبواب كل كتاب، دون الإحالة على الصفحات، لأنها تتغير بتغير الطباعة دائماً .
واعتمدت في تخريجي هذا على تحفة الأشراف، للمزي، وجامع الأصول لابن أثير،
وحاشيته لعبد القادر ارناؤوط، والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي. والجامع الصغير
للسيوطي، والفتح الكبير للنبهاني، وذخائر المواريث للنابلسي، وغيرها من الكتب، وقد راجعت
في معظم المواضع أصل الكتاب الذي أحيل عليه، ولكن لم ألتزم ذلك في بعض المواضع عند
ثقتي بصحة الإحالة، وهناك أحاديث لم أفز بتخريجها في المصادر المذكورة، فقمت بتخريجها
بنفسي .
٣ - التزمت في أكثر المواضع بضبط أسماء الرجال والأماكن، من المصادر الموثوق بها
عند العلماء المحققين، كالخلاصة للخزرجي، والتقريب للحافظ، والمغني للكجراتي،
والأنساب للسمعاني، ولم أبال في كثير من المواضع بإعادة الضبط عند تكرار الأسماء في
الحديث، إلا فيما عرف ضبطه بما يستغني عن بيان.
٤ - ذكرت تراجم الرجال الموجزة في كثير من المواضع، وسيجد القارىء الكريم في آخر
الكتاب إن شاء الله، فهرساً جامعاً للأعلام المترجم لهم في الكتاب.
٥ - قد أتيت في بداية كل كتاب بمقالة تحدث عن أصول ذلك الكتاب، وتاريخه وأسراره،
مقارنة في أكثر الأوقات بالديانات والنظريات الأخرى.
٦ - اجتهدت في شرح كل حديث أن آتى بزيادات توضح معنى الحديث، أو تفصل قصته،

٣٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
من الطرق التي لم يخرجها الإمام مسلم رحمه الله وأخرجها غيره.
٧ - اجتهدت في كل مسألة فقهية أن آتي بمذاهب الفقهاء من كتبها المعتمدة، وأشرح كل
مذهب بتفصيل يوضح مراده، فكثيراً ما يقع الخطأ في فهم مراد هذه المذاهب لإيجاز محل في
البيان، فآثرت التفصيل والإيضاح، ليكون القارىء فيها على بصيرة.
٨ - ذكرت دلائل كل فقيه من الكتاب والسنة، وتكلمت عليها مئنا وإسناداً، يضبط يسهل
تناوله للطالبين، ثم أتيت بالدلالة للمذهب الراجح سالكاً مسلك الإنصاف، مجتنباً عن التكلف
والتعسف في الانتصار لمذهب مخصوص.
ولا شك أني حنفي في المذهب الفقهي، وأتيت بدلائل هذا المذهب بكل بصيرة، والحمد
لله، ولكني لا أنسى كلمةً لحضرة والدي رحمه الله، قد نفعني الله بها كثيراً، فإنه قال مرة، وهو
مخاطب جماعة من الطلاب: ((لا بأس بأن تكونوا حنفيةً في مذهبكم الفقهي، ولكن إياكم وأن
تتكلفوا بجعل الحديث النبوي حنيفاً)).
وكانت هذه الكلمة النافعة رائدي في مباحث أحاديث الأحكام من هذا الكتاب.
٩ - لقد حدثت في عصرنا الحاضر مسائل وأبحاث لا يوجد لها ذكر في كتب المتقدمين،
فإنها مسائل جديدة لم تكن متصورة قبل هذا العصر، فالتزمت بأن آتى بها وبأحكامها الشرعية في
مواقعها المناسبة، إما بتصريح من فقهاء عصرنا، أو باستنباط من الكتاب والسنة، وكلام الفقهاء
المتقدمين، مثل أحكام بيع الحقوق، والأوراق النقدية، ومبادلة العملات بالعملات، وغيرها .
١٠ - لقد أثيرت في عصرنا الحاضر أبحاث كانت مفروغة عنها عند المتقدمين، ولكنها
أثيرت اليوم بدلائل جديدة من قبل بعض المستغربين، مثل مسألة الاسترقاق في الإسلام، ومسألة
إباحة الطلاق، ومسألة الملكية الشخصية، ومسألة ربا البنوك، وأمثالها فالتزمت ببيان هذه
المسائل، وتحقيق الحق في ذلك، وتفنيد ما يثار حوله من شبه، وقطع منشأ الشبهات فيها،
وسيجد القارىء الكريم في أمثال هذه المباحث ما يطمئن إليه القلب وينشرح به الصدر إن شاء
الله تعالى .
هذا، وكل ذلك مع اعترافي بقصور علمي، وقلة بضاعتي، مع شعوري بأن مقام شرح
الحديث مقام خطير، وإني أعوز تلك الصفات التي يقتضيها هذا المقام الخطير، وما كنت
لأجترىء عليه أبداً، إن لم يكن حضرة الوالد رحمه الله أمرني بذلك؛ والحق أني نصبت نفسي
في هذا الكتاب كطالب علم، لا كمعلم، فاجتنيت ثمرات العلم من الكتب الموثوق بها، ورتبتها
في صورة هذا الكتاب، لتفيد غيري كما أفادتني، فلا يبعد أن تكون في عملي هذا أخطاء
وزلات، ولا عصمة إلا لله ولرسله. وأكون ممتنا لكل من اطل فيه على خطأ، فنبهني على ذلك،
فإن الدين النصح لكل مسلم، وإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
وأكون مقصراً في واجبي لو أغفلت في ختام هذه الكلمات ذكر شقيقي الأكبر، العالم
جـ:« المحقق الفاضل، مولانا الشيخ المفتي محمد رفيع العثماني، مدبر دار العلوم بكراتشي، حفظه

٣٣
كلمة المؤلف للطبع الأول
الله تعالى في عافية تامة، ورفاهية سابغة، فإنه أكرمني طوال هذا العمل بإرشاداته المشكورة،
وطالع معظم مسودة الكتاب بعين العناية مطالعة دقيقة، وأمدني في مواضع بمشورته الغالية،
وفوق كل ذلك، إنه تحمل عبأ الأعمال الإدارية الصعبة لدار العلو بنفسه، بما جعلني أتفرغ لهذا
التأليف، وأمثاله من الأعمال العلمية، فجزاه الله تعالى خيراً، وأجزل أجراً .
وأرجو القارىء الكريم أن لا ينساني في أدعيته الصالحة لأن يوفقني الله لإتمام هذا العمل
بسلامة واستقامة، ويعصمني عن الزلل والضلال، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، وإنه على
كل شيء قدير، ولله الحمد أولاً وآخراً.
محمد تقي العثماني
خادم الطلبة بدار العلوم كراتشي - ١٤
١٤٠٤/٧/٧ هـ

٣٥
كتاب: الرضاع
ـَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الَ
١٧ - كتاب: الرضاع
كتاب الرضاع
وجه مناسبة هذا الكتاب بالنكاح أن المقصود منه الولد، وهو لا يعيش غالباً في ابتداء
نشأته إلا بالرضاع، قاله ابن الهمام في الفتح، وقال حضرة والدي فضيلة مولانا الشيخ المفتي
محمد شفيع حفظه الله تعالى: الأظهر في وجه مناسبته بالنكاح أن أكبر أحكام الرضاع هو حرمة
الزواج، فكان هذا الباب في الحقيقة جزءاً من باب المحرمات، كما أدرجه فيه كثير من
المؤلفين، غير أن هذا النوع من المحرمات لما كانت فيه تفاصيل كثيرة، أفردوا لذكرها كتاباً
مستقلاً، وألحقوه في آخر النكاح.
ونريد قبل الشروع في شرح أحاديث هذا الكتاب أن نأتي بمباحث مفيدة تزيد البصيرة في
الموضوع، والله الموفق.
المبحث الأول في معنى الرضاع لغة
فاعلم أن الرضاع والرضاعة، بفتح الراء وكسرها في كليهما، مصدر رضع كسمع في لغة
تهامة، وأما أهل نجد فيجعلونه من باب ضرب، يقال: رضع الصبي، إذا امتص ثدي المرأة،
فهو راضع ورضع. ويقال الراضع للئيم أيضاً، لأنه للومه يرضع إبله أو غنمه ولا يحلبه، لئلا
يسمع صوت حلبه فيطلب منه اللبن، وجمعه رضّع، ومنه قول سلمة بن الأكوع ◌َظُله: ((واليوم
يوم الرضّع)) يعني: اليوم يوم هلاك اللئام. هذا ملخص ما في تاج العروس للزبيدي، ومجمع
البحار للفتني.
المبحث الثاني في معناه وحكمه شرعاً
فالرضاع في الشرع: مص الرضيع اللبن من ثدي الآدمية في وقت مخصوص، أي مدة
الرضاع، كذا عرّفه ابن الهمام في فتح القدير (٣ - ٢). وفسره ابن نجيم: ((أي وصول اللبن من
ثدي المرأة إلى جوف الصغير من فمه أو أنفه في مدة الرضاع)) فشمل ما إذا حلبت لبنها في

٣٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قارورة، فإن الحرمة تثبت بإيجار هذا اللبن صبياً، وإن لم يوجد المص، وإنما ذكره لأنه سبب
للوصول، فأطلق السبب وأراد المسبب، فلا فرق بين المص والصب والسعوط والوجور، كما
في الخانية، وخرج ((بالآدمية)) الرجل والبهيمة، وأطلقها فشمل البكر والثيب والحية والميتة،
وقيدنا ((بالفم والأنف)) ليخرج ما إذا وصل بالإفطار في الأذن والإحليل والجائفة والآمة،
وبالحقنة في ظاهر الرواية، كما في الخانية. وخرج ((بالوصول)» لو أدخلت امرأة حلمة ثديها في
فم رضيع، ولا يدري أدخل اللبن في حلقه أم لا؟ لا يحرم النكاح، لأن في المانع شكا، كذا
في الولو الجية)) انتهى كلام ابن نجيم في البحر الرائق (٣ - ٢٢١ و٢٢٢).
ثم إن أحكام الرضاع إنما تتعلق بتحريم النكاح وتوابعه، من الحجاب والنظر والخلوة
والمسافرة، فالذين تربطهم وصلة الرضاع يحرم بينهم النكاح، ويجوز أن ينظر كل واحد منهم
إلى الآخر، ويخلو به، ويسافر معه (إلا أن يخشى الفتنة) ولكن لا يترتب عليه سائر أحكام
النسب من التوارث، ووجوب الإنفاق، والعتق بالملك، ورد الشهادة، والعقل، وإسقاط
القصاص، وقد حكى الحافظ في فتح الباري (٩ - ١٢٠) الإجماع على ذلك.
المبحث الثالث في أسرار أحكام الرضاع
قال الشيخ ولي الله الدهلوي رحمه الله في حجة الله البالغة (٢ - ١٣١) في بيان محرمات
النكاح: ((ومنها الرضاعة، فإن التي أرضعت تشبه الأم من حيث إنها سبب اجتماع أمشاج بنيته
وقيام هيكله، غير أن الأم جمعت خلقته في بطنها، وهذه درت عليه سدرمقه في أول نشأته، فهي
أم بعد الأم، وأولادها إخوة بعد الإخوة، وقد قاست في حضانته ما قاست، وقد ثبت في ذمته
من حقوقها ما ثبت، وقد رأت منه في صغره ما رأت، فيكون تملكها والوثوب عليها مما تمجه
الفطرة السليمة، وكم من بهيمة عجماء لا تلتفت إلى أمها أو إلى مرضعتها هذه اللفتة، فما ظنك
بالرجال؟ وأيضاً، فإن العرب كانوا يسترضعون أولادهم في حي من الأحياء، فيشب فيهم
الوليد، ويخالطهم كمخالطة المحارم، ويكون عندهم للرضاعة لحمة كلحمة النسب، فوجب أن
يحمل على النسب، وهو قوله وتقليل: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة)).
((ولما كان الرضاع إنما صار سبباً للتحريم لمعنى المشابهة بالأم في كونها سبباً لقيام بنية
المولود وتركيب هيكله، وجب أن يعتبر في الإرضاع شيئان: أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا
المعنى، فكان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات
فتوفى رسول الله ◌ّلل وهن مما يقرأ في القرآن (قلت: كما في حديث عائشة، سيأتي تحقيقه إن
شاء الله في شرح الأحاديث). أما التقدير فلأنه لما كان المعنى موجوداً في الكثير دون القليل
وجب عند التشريع أن يضرب بينهما حد يرجع إليه عند الاشتباه، وأما التقدير بعشر فلأن العشر

٣٧
كتاب: الرضاع
أول حد مجاوزة العدد من الآحاد. وقدر به في العشرات، وأول حد يستعمل فيه جمع الكثرة،
ولا يستعمل فيه جمع القلة، فكان نصاباً صالحاً لضبط الكثرة المعتد بها المؤثرة في بدن
الإنسان)).
((أما النسخ بخمس فللأحتياط، لأن الطفل إذا أرض خمس رضعات غزيرات يظهر الرونق
والنضارة على بدنه، وإذا أصابه عوز اللبن في هذه الرضعات وكانت المرضع غير ذات در ظهر
على بدنه القحول (يعني يبس الجلد على العظم) والهزال، وهذه آية أنها سبب التنمية وقيام
الهيكل، وما دون ذلك لا يظهر أثره)).
((وأما على قول من قال: يحرم الكثير والقليل (كما هو مذهب الحنفية) فالسبب تعظيم أمر
الرضاع وجعله كالمؤثر بالخاصية، كسنة الله تعالى في سائر ما لا يدرك مناط حكمه)).
((والثاني: أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد، وإلا فهو غذاء بمنزلة
سائر الأغذية الكائنة بعد التشبح وقيام الهيكل، كالشاب يأكل الخبز، قال وتلير: ((إن الرضاعة من
المجاعة)) وقال ◌َلهول: ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام)) انتهى
كلام الشيخ ولي الله الدهلوي.
المبحث الرابع في حقوق الرضاعة
ولما كانت المرضعة تشابه الأم في كونها سبباً لقيام البنية وتركيب الهيكل، واعتبرها الشرع
أما في تحريم النكاح ورفع الحجاب، فإنها تستحق من الخدمة والإكرام بعض ما تستحقه الأم
النسبية، فقد روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: ((جاءت حليمة ابنة عبد الله أم النبي ◌َليل
من الرضاعة إلى النبي ◌َّ يوم حنين، فقام إليها، وبسط لها رداء، فجلست عليه)) ذكره ابن عبد
البر في الاستيعاب (بحاشية الإصابة ٤ - ٢٦٢) وأخرج أبو داود وأبو يعلى وغيرهما من طريق
عمارة بن ثوبان عن أبي الطفيل نظريته أن النبي وَّر كان بالجعرانة يقسم لحماً، فأقبلت امرأة
بدوية، فلما دنت من النبي وَل بسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا: هذه أمه
التي أرضعته، ذكره الحافظ في الإصابة (٤ - ٢٦٦).
وأخرج عبد الرزاق عن أبي بكر بن أبي سبرة عن إبراهيم بن عبد الله عن عبد الله بن عبد
الله بن عتبة عن بعض أصحاب النبي بَ له قال: ((جاءت أخت رسول الله وَّلُ السعدية إليه، مرجعه
من حنين، فلما رآها رحب بها، وبسط لها رداءً لأن تجلس عليه، فأعظمت ذلك، فعزم عليها،
فجلست، فذرفت عينا رسول الله وَّل حتى بلت لحيته دموعه، فقال رجل من القوم: أتبكي يا
رسول الله؟ قال: نعم! لرحمتها وما دخل عليها، لو كان لأحدكم أحد ذهبا فأعطاه في حق
رضاعه ما أدى حقها، أما حقي الذي آخذ منك فلك، وأما ما للمسلمين فلست بآخذ به إلا أن

٣٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يطيبوا به نفساً، قالت: فلم يبق أحد من المسلمين إلا أدى إليها ما أخذ منها)) كذا في مصنف
عبد الرزاق (٧ - ٤٧٩ رقم ١٣٩٥٧) قال العبد الضعيف: وكانت هذه شيماء، أخت النبي وَل
من الرضاعة، وذكروا أنها كانت تحضن رسول الله وَر مع أمها، وقال ابن إسحاق عن أبي وجزة
السعدي أن الشيماء لما انتهت إلى رسول الله صلى قالت: يا رسول الله إني لأختك من الرضاعة.
قال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة عضضتها في ظهري وأنا متوركك، فعرف رسول الله اليه
العلامة، فبسط لها رداءه. ثم قال لها: إن أحببت فأقيمي عندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن
أمتعك فارجعي إلى قومك، فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها وردها إلى قومها،
وذكر محمد بن المعلى في كتاب الترقيص أن الشيماء كانت ترقص النبي ◌ّي وهو صغير:
حتى أراه يافعاً وأمردا
ياربنا أبق لنا محمداً
واكبت أعاديه معاً والحدا
ثم أراه سيداً مودا
وأعطه عزاً يدوم أبدا
(كذا في الإصابة للحافظ ٤ - ٣٣٥ و٣٣٦ ترجمة الشيماء).
وكانت ثوبية مولاة أبي لهب أول مرضعة أرضعته وَله، واختلف في إسلامها، وذكرها ابن
مندة في الصحابة، وكان ◌َّ يكرمها، وكانت تدخل عليه بعد أن تزوج خديجة رضيًّا، ويصلها من
المدينة، حتى ماتت بعد فتح خيبر، وكانت خديجة تكرمها، كذا في عمدة القاري (٩ - ٣٨٤)
باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم.
وأخرج الترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي: ((عن حجاج بن حجاج الأسلمي عن أبيه
أنه قال: يا رسول الله! ما يذهب عني مذمة الرضاع، فقال: غرة عبد أو أمة)) وكانت العرب
يستحبون أن يرضخوا للظئر بشيء سوى الأجرة عند الفصال، كما في المرقاة لعلي القاري (٦ -
٢٢٩ باب المحرمات) فكان سؤال الحجاج رؤيته عن هذا الرضخ، ولذلك ترجم أبو داود على
هذا الحديث بقوله: ((باب ما يرضخ عند الفصال))، فقضى لها رسول الله وَليل بغرة عبد أو أمة،
وقال الطيبي: ((الغرة لامملوك، وأصلها البياض في جبهة الفرس، ثم استعير لأكرم كل شيء
كقولهم: غرة القوم سيدهم، ولما كان الإنسان المملوك خير ما يملك سمى غرة، ولما جعلت
الظئر نفسها خادمة جوزيت بجنس فعلها)) نقله علي القاري في المرقاة.
مسألة في استرضاع الحمقاء
وحكى ابن نجيم في البحر (٣ - ٢٢٢) عن المحيط أنه لا ينبغي للرجل أن يدخل ولده إلى
الحمقاء لترضعه، لأن النبي ◌َّ نهى عن لبن الحمقاء، وقال: اللبن يعدي، وإنما نهى لأن الدفع
إلى الحمقاء يعرض ولده للهلاك بسبب قلة حفظها له وتعهدها، أو لسوء الأدب، فإنها لا تحسن

٣٩
كتاب: الرضاع
تأديبه، فينشأ الولد سيىء الأدب، وقوله ((اللبن يعدي)) يحتمل أن الحمقاء لا تحتمي من الأشياء
الضارة للولد، فيؤثر في لبنها فيضر بالصبي، وهذا موافق لما تقوله الأطباء، فإنهم يأمرون
المرضعة بالاحتماء عن أشياء تورث بالصبي علة، ويحتمل أنه إنما نهى عن ذلك حتى إذا اتفق
اتفاق لا يضاف إلى العدوى. انتهى.
قال العبد الضعيف: أما حديث النهي عن استرضاع الحمقاء، فقد أخرجه الطبراني في
الصغير (ص - ٢٧ مرويات أحمد بن عمرو) عن عائشة قالت: قال رسول الله وَ له ((لا تسترضعوا
الورهاء)) قال يونس بن حبيب: الورهاء الحمقاء، وأخرجه البزار عنها بلفظ: ((لا تسترضعوا
الحمقاء، فإن اللبن يورث)) ذكرهما الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ - ٢٦٢) وقال: إسنادهما
ضعيف، ولكن في كلام البزار ما يدل على أن ضعفه يتحمل، فإنه قال بعد إخراجه: ((لا نعلمه
مرفوعاً إلا من هذا الوجه وعكرمة لين الحديث، وقد احتمل حديثه)) راجع كشف الأستار عن
زوائد البزار ٢ - ١٦٩ رقم ١٤٤٦. وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمر: ((أن رسول الله وال
نهى عن رضاع الحمقاء)) وفيه عباد بن عبد الصمد وهو ضعيف، كما في زوائد الهيثمي.
وروى عن زياد السهمي مرسلاً، قال: ((نهى رسول الله وَّر أن تسترضع الحمقاء، فإن اللبن
يشبه)) أخرجه أبو داود في باب ما جاء في النكاح من المراسيل (ص - ١١) والبيهقي في باب ما
ورد في اللبن يشبه من رضاع السنن الكبرى (٧ - ٤٦٤) وابن أبي عمر في مسنده، كما في
المطالب العالية للحافظ ابن حجر (٢ - ٧٩ رقم ١٧٠٨). وزياد السهمي هو مولى عمرو بن
العاص، مجهول من الثالثة، كما في التقريب، وقد سماه في المطالب العالية: زياد بن إسماعيل
القرشي السهمي المكي، وهو من رجال مسلم صدوق سيىء الحفظ، غير أنه من السادسة كما
في التقريب، وهم الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، نعم! أخرج البيهقي في هذا المعنى
عدة آثار عن عمر وابن عمر وعمر بن عبد العزيز (راجع السنن الكبرى ٧ - ٢).
ويروى في هذا الباب حديث آخر، وهو ما أخرجه القضاعي من حديث صالح بن عبد
الجبار عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: ((الرضاع يغير الطباع)) قال السخاوي
بعد نقله في المقاصد الحسنة: ((هو عند أبي الشيخ عن ابن عمر)) وذكره علي المتقي في أقوال
الرضاع من كنز العمال (٦ - ١٤١) فعزاه إلى القضاعي، ورمز له بابن ماجه، غير أني لم أجده
في الرضاع من سننه، وعلى كل حال، فالحديث مقبول إن شاء الله، وقال السخاوي بعد سرده:
((ومن ثم لما دخل الشيخ أبو محمد الجويني بيته، ووجد ابنه الإمام أبا المعالي يرتضع ثدي غير
أمه اختطفه منها، ثم نكس رأسه ومسح بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل يفعل ذلك حتى
خرج ذاك اللبن، قائلاً: يسهل على موته، ولا تفسد طباعه، يشرب لبن غير أمه، ثم لما كبر
الإمام كان إذا حصلت له كبوة في المناظرة يقول: هذه من بقايا تلك الرضعة. وقال العز

٤٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١) - باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة
٣٥٥٣ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ كَانَ عِنْدَهَا. وَإِنَّهَا سَمِعَتْ
صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ
يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((أُرَاهُ فُلاَناً)) (لِعَمِّ حَفْصَةً مِنَ الرَّضَاعَةِ) فَقَالَتْ
عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ فُلاَنْ حَيًّا (لِعَمْهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ) دَخَلَ عَلَيَّ؟ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: «نَعَمْ. إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلاَدَةُ)) .
الديريني: العادة جارية أن من ارتضع امرأة فالغالب عليه أخلاقها، من خير وشر)) انتهى كلام
السخاوي في المقاصد الحسنة (ص - ٢٢٧ و٢٢٨ رقم ٥٢٤).
(١) - باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة
١ - (١٤٤٤) - قوله: (حدثني يحيى بن يحيى) قلت: أخرج هذا الحديث مالك في
الموطأ، والبخاري في الصحيح، وأحمد في مسنده.
قوله: (عن عبد الله بن أبي بكر) إلخ: أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، كما
في فتح الباري.
قوله: صوت رجل يستأذن في بيت حفصة) إلخ: فإن بيتهما كانا ملاصقين، وقال الحافظ
في الفتح: لم أقف على اسم هذا الرجل.
قوله: (أراه) بضم الهمزة، يعني: أظنه .
قوله: (فلانا لعمِّ حفصة) اللام ههنا بمعنى (عن) أي: قال ذلك عن عم حفصة، وفيه حجة
الجمهور في تحريم لبن الفحل، وستأتي المسألة بتفاصيلها في الحديث الآتي إن شاء الله.
قوله: (قالت عائشة) فيه التفات، وكان السياق يقتضي أن يقول: قلت.
قوله: (لو كان فلان حياً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه أيضاً، ووهم من فسره بأفلح
أخى أبي القعيس. قلت: وسيأتي وجهه في الحديث الآتي.
قوله: (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) قد أجمعت الأمة لهذا الحديث على أن ما
يحرم من قرابات النسب والصهرية يحرم أمثالها في الرضاع، فيحرم من الرضاع الأمهات،
والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، والأعمام، والأخوال، وجميع الأصول والفروع.
وقد استثنى منه الفقهاء بعض الصور، مثل أم أخته من الرضاع وأخت ابنه من الرضاع وغيرهما،