Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١
كتاب: الصيام
مِنْكُمْ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْغَوَابِرِ. فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوابِ)).
٢٧٥٧ - (٢٠٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عُقْبَةَ (وَهُوَ ابْنُ حُرَيْثٍ) قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهَما يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَه: (الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ (يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ) فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ
عَجَزَ، فَلاَ يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي)».
٢٧٥٨ - (٢١٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ جَبَلَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رِضي الله عنهما يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ وَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ
كَانَ مُلْتَمِسَهَا فَلْيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ)).
٢٧٥٩ _ (٢١١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ
الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ جَبَلَةَ وَمُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّ:
(تَحَيَُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ اَلأَوَاخِرِ)) أَوَ قَالَ: ((فِي التِّسْعِ الأَوَاخِرِ)).
٢٧٦٠ - (٢١٢) حدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله
عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: ((أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. ثُمَّ أَنْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي. فَنُسِيتُهَا.
فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِ)).
وَقَالَ حَرْمَلَةُ: ((فَسِيتُهَا» .
٢٧٦١ - (٢١٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ (وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ) عَنِ ابْنِ الْهَادِ.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رضي الله
عنه. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ. فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينٍ
تَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ. وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ
مَعَهُ. ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ، جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا. فَخَطَبَ النَّاسَ.
قوله ◌َلير: (فالتمسوها في العشر الغوابر) يعني البواقي وهي الأواخر.
قوله ميل: (فلا يغلبن على السبع البواقي). وفي بعض النسخ عن السبع بدل على، وكلاهما
صحيح .
قوله تعالى: (تحينوا ليلة القدر) أي اطلبوا حينها وهو زمانها.
قوله دي: (أيقظني بعض أهلي فنسيتها، وقال حرملة: فنسيتها) الأول بضم النون وتشديد
السين، والثاني بفتح النون وتخفيف السين.
٢٦٢
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ. ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ
الأَوَاخِرَ. فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ. وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأَنْسِيتُهَا.
فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. فِي كُلِّ وِتْرٍ. وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءِ وَطِينٍ)).
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى
رَسُولِ اللّهِ بَّهِ. فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ. وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِيناً وَمَاءً.
٢٧٦٢ - (٢١٤) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَزْدِيِّ) عَنْ
يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
رضي الله عنه؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُجَاوِرُ، فِي رَمَضَانَ، الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ
الشَّهْرٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. غيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ)) وَقَالَ: وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئاً طِيناً
وَمَاءً .
٢٧٦٣ - (٢١٥) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ
غَزِيَّةَ الأَنْصَارِيُّ. قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ رضي الله عنه. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ. ثُمَّ
قوله ◌َثار: (فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه) هكذا هو في أكثر النسخ فليبت من
المبيت، وفي بعضها فليثبت من الثبوت، وفي بعضها فليلبث من اللبث وكله صحيح، وقوله في
الرواية الثانية: (غير أنه قال: فليثبت) هو في أكثر النسخ بالثاء المثلثة من الثبوت، وفي بعضها
فليبت من المبيت، ومعتكفه بفتح الكاف وهو موضع الاعتكاف.
قوله: (فوكف المسجد) أي قطر ماء المطر من سقفه.
قوله: (فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مبتل طيناً وماء) قال البخاري:
وكان الحميدي يحتج بهذا الحديث، على أن السنة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة، وكذا
قال العلماء يستحب أن لا يمسحها في الصلاة، وهذا محمول على أنه كان شيئاً يسيراً لا يمنع
مباشرة بشرة الجبهة للأرض، فإنه لو كان كثيراً بحيث يمنع ذلك، لم يصح سجوده بعده عند
الشافعي وموافقيه في منع السجود على حائل متصل به.
قوله في الرواية الثانية: (وجبينه ممتلئاً طيناً وماء) لا يخالف ما تأولناه لأن الجبين غير
الجبهة، فالجبين في جانب الجبهة، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، ولا يلزم من امتلاء الجبين
امتلاء الجبهة والله أعلم.
وقوله: (ممتلئاً) كذا هو في معظم النسخ ممتلئاً بالنصب، وفي بعضها ممتلىء، ويقدر
للمنصوب فعل محذوف أي وجبينه رأيته ممتلئاً.
٢٦٣
كتاب: الصيام
اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ. فِي قُبَّةٍ تُزْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ. قَالَ: فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَخَّاهَا
فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ. ثمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ. فَدَنَوْا مِنْهُ. فَقَالَ: ((إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرِ الأَوَّلَ.
أَلْتَمِسُ هُذِهِ اللَّيْلَةَ. ثُمَّ اعتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ. ثُمَّ أَتِيتُ. فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ
الأَوَاخِرِ. فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ)) فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ. قَالَ: ((وَإِنِّي أُرِيتُهَا
لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَأَنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ)) فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ
إِلَى الصُّبْحِ. فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ. فَوَكَفَّ الْمَسَّجِدُ. فَأَبْصَرْتُ الطَّيْنَ وَالْمَاءَ. فَخَرَجَ حِينَ فَرَغُ مِنْ
صَلاَةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ. وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الْعَشْرِ
الأَوَاخِرِ .
٢٧٦٤ - (٢١٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ. فَأَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ رضي الله عنه وَكَانَ
لِي صَدِيقاً. فَقُلْتُ: أَلاَ تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ؟ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ. فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّهِ الْعَشْرَ الْوُسْطَى
مِنْ رَمَضَانَ. فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ. فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَرَ فَقَالَ: ((إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
وَإِنِّي نَسِيتُها (أَوْ أُنْسِيتُهَا) فَالْتَمِسُوَهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِن كُلِّ وِتْرٍ. وَإِنِّي أُرِيتُ أَنِّي أَسْجُدُ
فِي مَاءٍ وَطِينٍ. فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (َّ﴾ فَلْيَرْجِعْ)) قَالَ: فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَىُ فِي
السَّمَاءِ قَزَعَةً. قَالَ: وَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمُطِرْنَا. حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ. وَكَانَ مِنْ جَرِيدٍ
قوله في حديث محمد بن عبد الأعلى: (ثم اعتكفت العشر الأوسط) هكذا هو في جميع
النسخ، والمشهور في الاستعمال، تأنيث العشر كما قال في أكثر الأحاديث العشر الأواخر،
وتذكيره أيضاً لغة صحيحة باعتبار الأيام، أو باعتبار الوقت والزمان، ويكفي في صحتها ثبوت
استعمالها في هذا الحديث من النبي اَثار.
قوله: (قبة تركية) أي قبة صغيرة من لبود.
قوله: (وروثة أنفه) هي بالثاء المثلثة وهي طرفه، ويقال لها أيضاً أرنبة الأنف، كما جاء في
الرواية الأخرى.
قوله: (وما نرى في السماء قزعة) أي قطعة سحاب.
قوله: (أمر بالبناء فقوض) هو بقاف مضمومة وواو مكسورة مشددة وضاد معجمة ومعناه
أزيل، يقال: قاض البناء وانقاض أي انهدم وقوضته أنا.
قوله { *: (رجلان يحتقان) هو بالقاف، ومعناه يطلب كل واحد منهما حقه ويدعي أنه
المحق، وفيه أن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأنها سبب للعقوبة المعنوية.
-----
٢٦٤
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النَّخْلِ. وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ. فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ. قَالَ: حَتَّى رَأَيْتُ
أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ .
٢٧٦٥ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ. كِلاَهُمَا
عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَفِي حَدِيثِهِمَا: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ حِينَ
انْصَرَفَ، وَعَلَّى جَبْهَتِهِ وَأَزْنَبَتِهِ أَثَرُ الطّينِ .
٢٧٦٦ - (٢١٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
الأَعْلَى. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: اعْتَكَفَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَه الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ. يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ. فَلَمَّا انْقَضَيْنَ
أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوْضَ. ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَى
النَّاسِ. فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَثَ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَإِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِهَا.
فَجَاءَ رَجُلاَنِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ. فَتُسِّيَتُهَا. فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ.
الْتَمِسُوِهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ)). قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! إِنَّكُمْ أَعْلَّمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا.
قَالَ: أَجَلْ. نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ. قَالَ: قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا
مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرِينَ فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَهِيَ النَّاسِعَةُ. فَإِذَا مَضَتْ ثَلاَثٌ وَعِشْرُونَ
فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ. فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ.
وَقَالَ ابْنُ خلَّدٍ (مَكَانَ يَحْتَقَّانِ): يَخْتَصِمَانِ.
٢٧٦٧ - (٢١٨) وحدّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ
الأَشْعَثِ بْنِ قَيْس الْكِنْدِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. قَالاً: حَدَّثَنَا أَبُوَ ضَمْرَةَ. حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ
عُثْمَانَ (وَقَالَ ابْنُ خَشْرَم: عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ) عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ
عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَيْسٍ؛ أَنَّ رَسُولَّ اللَّهِ وَ قَالَ: ((أُرِيتُ لَيْلَةً
الْقَدْرِ ثُمَّ أُنسِيتُهَا. وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءِ وَطَيْنِ)) قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ.
فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ. فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطَّيْنِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ.
قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنْيْسٍ يَقُولُ: ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ.
قوله: (فإذا مضت واحدة وعشرين فالتي تليها ثنتين وعشرين فهي التاسعة) هكذا هو في أكثر
النسخ ثنتين وعشرين بالياء، وفي بعضها ثنتان وعشرون بالألف والواو، والأول أصوب وهو
منصوب بفعل محذوف تقديره أعني ثنتين وعشرين.
٢٦٥
كتاب: الصيام
٢٧٦٨ - (٢١٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَام،
عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَّتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَى: (قَالَّ ابْنُ نُمَيْرٍ): ((الْتَمِسُّوا
(وَقَالَ وَكِيعٌ): تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)) .
٢٧٦٩ - (٢٢٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةً.
قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدُةَ وَعَاصِم بْنِ أَبِي النَّجُودِ. سَمِعَا زِرَّ بْنَ
حُبَيْشِ يَقُولُ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رضي الله عنه. فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ
يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، أَرَادَ أَنْ لاَ يَتَّكِلَ النَّاسُ. أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ
أَنَّهَاَ فِي رَمَضَانَ. وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. ثُمَّ حَلَفَ لاَ يَسْتَثْنِيِ.
أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذُلِكَ؟ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! قَالَ: بِالْعَلاَمَةِ، أَوْ
بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبُرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ، لاَ شُعَاعَ لَهَا.
٢٧٧٠ - (٢٢١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ زِرِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله
عنه. قَالَ: قَال أُبَيِّ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: وَاللَّهِ! إِنِّي لأَعْلَمُهَا. قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ عِلْمِي هِيَ اللَّيْلَةُ
الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِقِيَامِهَا. هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.
قوله: (وكان عبد الله بن أنيس يقول ثلاث وعشرين) هكذا هو في معظم النسخ، وفي
بعضها ثلاث وعشرون وهذا ظاهر، والأول جار على لغة شاذة أنه يجوز حذف المضاف ويبقى
المضاف إليه مجروراً أي ليلة ثلاث وعشرين.
قوله: (أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها) هكذا هو في جميع النسخ أنها تطلع من غير ذكر
الشمس، وحذفت للعلم بها فعاد الضمير إلى معلوم كقوله تعالى: ﴿حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]
ونظائره، والشعاع بضم الشين، قال أهل اللغة: هو ما يرى من ضوئها عند بروزها، مثل الحبال،
والقضبان، مقبلة إليك إذا نظرت إليها، قال صاحب ((المحكم)) بعد أن ذكر هذا المشهور: وقيل
هو الذي تراه ممتداً بعد الطلوع، قال: وقيل هو انتشار ضوئها، وجمعه أشعة وشعع بضم الشين
والعين، وأشعت الشمس نشرت شعاعها، قال القاضي عياض: قيل معنى لا شعاع لها أنها علامة
جعلها الله تعالى لها، قال: وقيل بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها، ونزولها إلى الأرض
وصعودها بما تنزل به سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها والله أعلم.
قوله: (تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله وَ لقر فقال: أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل
شق جفنة) الشق بكسر الشين وهو النصف، والجفنة بفتح الجيم معروفة، قال القاضي: فيه إشارة
إلى أنها إنما تكون في أواخر الشهر، لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلا في أواخر الشهر
٢٦٦
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هُذَا الْحَرْفِ: هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، قَالَ:
وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ.
٢٧٧١ - (٢٢٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ (وَهُوَ
الْفَزَارِيُّ) عَنْ يَزِيدَ (وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ:
تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ. فَقَالَ: ((أَيُّكُمَّ يَذْكُرُ، حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ، وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ
جَفْنَةٍ؟)).
والله أعلم، واعلم أن ليلة القدر موجودة كما سبق بيانه في أول الباب، وأنها ترى ويتحققها من
شاء الله تعالى من بني آدم كل سنة في رمضان، كما تظاهرت عليه هذه الأحاديث السابقة في
الباب، وأخبار الصالحين بها، ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصر، وأما قول القاضي عياض عن
المهلب بن أبي صفرة لا يمكن رؤيتها حقيقة، فغلط فاحش نبهت عليه لئلا يغتر به والله أعلم.
:
.
٢٦٧
كتاب: الاعتكاف
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحِيَـ
٧
(١٤) - كتاب: الاعتكاف
(١) - باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان
٢٧٧٢ - (١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي
الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ .
٢٧٧٣ - (٢) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ؛ أَنَّ
نَافِعاً حَدَّثَهُ، عَنْ عِبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ
الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَ نَافِعٌ: وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللَّهِ رضي الله عنه الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ
فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ، مِنَ الْمَسْجِدِ.
٢٧٧٤ - (٣) وحدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ. حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدِ السَّكُونِيُّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها.
قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَواخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.
٢٧٧٥ - (٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ
عُثْمَانَ. أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ. جَمِيعاً عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو
كُرَيْب (وَاللَّفْظُ لَهُمَا) قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنَ هِشام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً
١٤ - كتاب الاعتكاف
١ - باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان
٢٧٧٢ - هو في اللغة الحبس والمكث واللزوم، وفي الشرع المكث في المسجد من شخص
مخصوص بصفة مخصوصة، ويسمى الاعتكاف جوازاً، ومنه الأحاديث الصحيحة منها حديث
عائشة في أوائل الاعتكاف من ((صحيح البخاري)) قالت: (كان النبي ◌َّهِ يصغي إلى رأسه وهو
مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض) وذكر مسلم الأحاديث في اعتكاف النبي ◌َّر العشر
٢٦٨
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رضي الله عنها. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.
٢٧٧٦ - (٥) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ. عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
الأواخر من رمضان والعشر الأول من شوال ففيها استحباب الاعتكاف، وتأكد استحبابه في العشر
الأواخر من رمضان.
وقد أجمع المسلمون على استحبابه، وأنه ليس بواجب، وعلى أنه متأكد في العشر
الأواخر من رمضان، ومذهب الشافعي وأصحابه وموافقيهم، أن الصوم ليس بشرط لصحة
الاعتكاف بل يصح اعتكاف المفطر، ويصح اعتكاف ساعة واحدة ولحظة واحدة، وضابطه عند
أصحابنا مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة، هذا هو الصحيح، وفيه خلاف شاذ في
المذهب، ولنا وجه أنه يصح اعتكاف المار في المسجد من غير لبث، والمشهور الأول، فينبغي
لكل جالس في المسجد لانتظار صلاة، أو لشغل آخر من آخرة، أو دنيا، أن ينوي الاعتكاف
فيحسب له ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ثم دخل جدد نية أخرى، وليس
للاعتكاف ذكر مخصوص، ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف.
ولو تكلم بكلام دنيا أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها لم يبطل اعتكافه، وقال مالك وأبو
حنيفة والأكثرون: يشترط في الاعتكاف الصوم، فلا يصح اعتكاف مفطر، واحتجوا بهذه
الأحاديث، واحتج الشافعي باعتكافه 8ّ# في العشر الأول من شوال، رواه البخاري ومسلم،
وبحديث عمر رضي الله عنه قال: (يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فقال:
أوف بنذرك) رواه البخاري ومسلم والليل ليس محلاً للصوم، فدل على أنه ليس بشرط لصحة
الاعتكاف .
وفي هذه الأحاديث أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد، لأن النبي ◌َّ وأزواجه
وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة في ملازمته، فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لا
سيما النساء، لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر، وهذا الذي ذكرناه من اختصاصه بالمسجد،
وأنه لا يصح في غيره هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور سواء الرجل والمرأة،
وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيأ من بيتها لصلاتها
قال: ولا يجوز للرجل في مسجد بيته، وكمذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي ضعيف عند
أصحابه، وجوزه بعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي للمرأة والرجل في مسجد
بيتهما، ثم اختلف الجمهور المشترطون المسجد العام، فقال الشافعي ومالك وجمهورهم: يصح
الاعتكاف في كل مسجد، وقال أحمد: يختص بمسجد تقام الجماعة الراتبة فيه، وقال أبو
حنيفة: يختص بمسجد تصلى فيه الصلوات كلها، وقال الزهري وآخرون: يختص بالجامع الذي
تقام فيه الجمعة. ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصحابي رضي الله عنهما اختصاصه بالمساجد
٢٦٩
كتاب: الاعتكاف
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّ النَّبِيِّ وَّرَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.
حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
(٢) - باب: متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه
٢٧٧٧ - (٦) حدّثنا يَخْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، صَلَّى
الْفَجْرَ. ثمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ. أَرادَ الاِْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ
رَمَضَانَ. فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ. وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَّهَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ.
فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ الْفَجْرَ، نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَّةُ. فَقَالَ: (الْبِرَّ تُرِذْنَ؟)) فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ
فَقُوُضَ. وَتَرَكَ الاِْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ.
الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى، وأجمعوا على أنه لا حد لأكثر الاعتكاف
والله أعلم.
٢ - باب: متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه
قوله: (إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه) احتج به من يقول يبدأ بالاعتكاف
من أول النهار، وبه قال الأوزاعي والثوري والليث في أحد قوليه. وقال مالك وأبو حنيفة
والشافعي وأحمد، يدخل فيه قبيل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر، أو اعتكاف عشر،
وتأولوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد صلاته الصبح، لا أن ذلك
وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفاً لابثاً في جملة المسجد، فلما صلى الصبح
انفرد.
قوله: (وأنه أمر بخبائه فضرب) قالوا: فيه دليل على جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعاً من
المسجد، ينفرد فيه مدة اعتكافه ما لم يضيق على الناس، وإذا اتخذه يكون في آخر المسجد
ورحابه لئلا يضيق على غيره، وليكون أخلى له وأكمل في انفراده.
قوله: (نظر فإذا الأخبية فقال: البرتردن فأمر بخبائه فقوض) قوله قوض بالقاف المضمومة
والضاد المعجمة أي أزيل، وقوله البر أي الطاعة، قال القاضي: قال ◌َّ هذا الكلام إنكار
الفعلهن، وقد كان ◌ّ أذن لبعضهن في ذلك كما رواه البخاري، قال: وسبب إنكاره، أنه خاف أن
يكن غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه أو لغيرته عليهن، فكره
ملازمتهن المسجد، مع أنه يجمع الناس ويحضره الأعراب والمنافقون، وهن محتاجات إلى
الخروج والدخول لما يعرض لهن فيبتذلن بذلك، أو لأنه ◌َ# رآهن عنده في المسجد وهو في
٢٧٠
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٧٧٨ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ أَبِ عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو
أَحْمَدَ. حَذَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ. ح
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ
إِسْحَاقَ. كلُّ هُؤْلاَءٍ عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَن
النَّبِيِّ ◌َّهُ. بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةً.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِ إِسْحَاقَ ذِكْرُ عَائِشَةَ وَحَقْصَةً وَزَيْنَبَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ. أَنَّهُنَّ ضَرَبْنَ الأَخْبِيَةَ لِلإِعْتِكَافِ.
(٣) - باب: الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان
٢٧٧٩ - (٧) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ
عُيَيْنَةَ. قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مُسْلِم بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ، إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا
اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِثْزَرَ.
٢٧٨٠ - (٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحدَرِيُّ. كِلاَهُمَا عَنْ عِبْدِ
الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ: سَمِعْتُ
المسجد، فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه، وذهب المهم من مقصود الاعتكاف، وهو
التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك، أو لأنهن ضيقن المسجد بأبنيتهن.
وفي هذا الحديث دليل لصحة اعتكاف النساء لأنه و لو كان أذن لهن، وإنما منعهن بعد
ذلك لعارض .
وفيه أن للرجل منع زوجته من الاعتكاف بغير إذنه، وبه قال العلماء كافة، فلو أذن لها فهل
له منعها بعد ذلك؟ فيه خلاف للعلماء، فعند الشافعي وأحمد وداود له منع زوجته ومملوكه
وإخراجهما من اعتكاف التطوع، ومنعهما مالك، وجوز أبو حنيفة إخراج المملوك دون الزوجة.
٣ - باب: الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان
٢٧٧٩ - قولها: (كان رسول الله ولي﴿ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد
المئزر) .
وفي رواية: (كان رسول الله وَّي يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) اختلف
1
٢٧١
كتاب: الاعتكاف
إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.
١
(٤) - باب: صوم عشر ذي الحجة
٢٧٨١ - (٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ (قَالَ إِسْحَاقُ:
أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ صَائِماً فِي الْعَشْرِ قَطُّ .
٢٧٨٢ - (١٠) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنَا
العلماء في معنى شد المئزر، فقيل هو الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته وَّ في غيره، ومعناه
التشمير في العبادات، يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له وتفرغت، وقيل هو كناية عن
اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات.
وقولها (أحيا الليل) أي: استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، وقولها (وأيقظ أهله)
أي: أيقظهم للصلاة في الليل وجد في العبادة زيادة على العادة، ففي هذا الحديث أنه يستحب أن
يزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان. واستحباب إحياء لياليه بالعبادات، وأما قول
أصحابنا يكره قيام الليل كله فمعناه الدوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر، ولهذا
اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين وغير ذلك، والمئزر: بكسر الميم مهموز وهو الإزار والله
أعلم.
٤ - باب: صوم عشر ذي الحجة
٢٧٨١ - ٢٧٨٢ - فيه قول عائشة: (ما رأيت رسول الله وَ لل صائماً فى العشر قط). وفي
رواية: (لم يصم العشر) قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر
هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يتأول، فليس في صوم هذه التسعة كراهة،
بل هي مستحبة استحباباً شديداً، لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة، وقد سبقت الأحاديث في
فضله، وثبت في ((صحيح البخاري)) أن رسول الله وَيّر قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل
منه في هذه) يعني العشر، الأوائل من ذي الحجة، فيتأول قولها لم يصم العشر أنه لم يصمه
العارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في
نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي وَّل
قالت: (كان رسول الله بَلّر يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، الاثنين
من الشهر والخميس) رواه أبو داود وهذا لفظه، وأحمد والنسائي وفي روايتهما: (وخميسين) والله
أعلم. قوله في الإسناد الأخير: (وحدثني أبو بكر بن نافع العبدي، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا
٢٧٢
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ
لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ.
سفيان عن الأعمش) هكذا هو في معظم النسخ سفيان عن الأعمش وهو سفيان الثوري، وفي
بعضها شعبة بدل سفيان، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الفارسي، ونقل الأول عن جمهور
الرواة لصحيح مسلم والله أعلم.
٢٧٣
كتاب: الحج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
١٥ - كتاب: الحج
(١) - باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح،
وبيان تحريم الطيب عليه
٢٧٨٣ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ رضي الله عنهما؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَّابِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((لاَ تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَ الْعَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ الْبَرَانِسَ، وَلاَ
١٥ - كتاب الحج
الحج بفتح الحاء هو المصدر، وبالفتح والكسر جميعاً هو الاسم منه، وأصله القصد،
ويطلق على العمل أيضاً، وعلى الإتيان مرة بعد أخرى، وأصل العمرة الزيارة.
واعلم أن الحج فرض عين على كل مكلف، حر مسلم مستطيع، واختلف العلماء في
وجوب العمرة، فقيل واجبة وقيل مستحبة، وللشافعي قولان: أصحهما وجوبها، وأجمعوا على
أنه لا يجب الحج ولا العمرة في عمر الإنسان إلا مرة واحدة، إلا أن ينذر فيجب الوفاء بالنذر
بشرطه، وإلا إذا دخل مكة أو حرمها لحاجة لا تتكرر من تجارة أو زيارة ونحوهما، ففي وجوب
الإحرام بحج أو عمرة خلاف العلماء، وهما قولان للشافعي: أصحهما استحبابه، والثاني:
وجوبه بشرط أن لا يدخل لقتال. ولا خائفاً من ظهوره وبروزه. واختلفوا في وجوب الحج هل
هو على الفور أو التراخي؟ فقال الشافعي وأبو يوسف وطائفة: هو على التراخي إلا أن ينتهي
إلى حال يظن فواته لو أخره عنها، وقال أبو حنيفة ومالك وآخرون: هو على الفور الله أعلم.
١ - باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة لبسه وما لا يباح
وبيان تحريم الطيب عليه
٢٧٨٣ - قوله ﴿ وقد سئل ما يلبس المحرم: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا
السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من
٢٧٤
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْخِفَافَ. إِلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ الثَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ. وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ. وَلاَ
تَلْيَسُوا مِنَ الثّيَّابِ شَيْئاً مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلاَ الْوَرْسُ)) .
٢٧٨٤ - (٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. كُلُّهُمْ عَنِ ابنٍ
عُيَيْنَةَ. قَالَ يَخْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَان بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ رضي الله
عنه. قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وََّ: مَا يَلْبَسُ الْمُخْرِمُ؟ قَالَ: ((لاَ يَلْبَسِ الْمِّحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلاَ
الْعِمَامَةَ، وَلاَ الْبُرْنُسَ، وَلاَ السَّرَاوِيلَ، وَلاَ ثَوْباً مَسَّهُ وَرْسٌ وَلاَ زَعْفَرَانٌ وَلاَ الْخُفَّيْنِ. إِلاَّ أَنْ لاَ
يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ)).
٢٧٨٥ - (٣) وحدّثنا يَخْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) قال العلماء: هذا من بديع الكلام
وجزله، فإنه وَل سئل عما يلبسه المحرم فقال: (لا يلبس كذا وكذا)، فحصل في الجواب أنه لا
يلبس المذكورات ويلبس ما سوى ذلك، وكان التصريح بما لا يلبس أولى لأنه منحصر، وأما
الملبوس الجائز للمحرم فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله وَلو: (لا يلبس كذا وكذا) يعني
ويلبس ما سواه. وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم لبس شيء من هذه المذكورات، وأنه نبه
بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان محيطاً أو مخيطاً معمولاً على قدر
البدن، أو قدر عضو منه، كالجوشن والتبان والقفاز وغيرها، ونبه وَّ بالعمائم والبرانس على كل
ساتر للرأس، مخيطاً كان أو غيره حتى العصابة، فإنها حرام، فإن احتاج إليها لشجة أو صداع أو
غيرهما شدها ولزمته الفدية، ونبه ◌َ ل # بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وجمجم،
وجورب، وغيرها، وهذا كله حكم الرجال، وأما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر، من
مخيط وغيره إلا ستر وجهها، فإنه حرام بكل ساتر، وفي ستر يديها بالقفازين خلاف للعلماء،
وهما قولان للشافعي: أصحهما تحريمه، ونبه وَلّ بالورس والزعفران على ما في معناهما وهو
الطيب، فيحرم على الرجل والمرأة جميعاً في الإحرام جميع أنواع الطيب، والمراد ما يقصد به
الطيب .
وأما الفواكه، كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالشيح والقيصوم ونحوهما فليس بحرام،
لأنه لا يقصد للطيب، قال العلماء: والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم ولباسه
الإزار والرداء أن يبعد عن الترفه، ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل
وقت، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ في مراقبته، وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب
المحظورات، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان، ويتذكر البعث يوم القيامة، والناس حفاة عراة
مهطعين إلى الداعي، والحكمة في تحريم الطيب والنساء، أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا
وملاذها، ويجتمع همه لمقاصد الآخرة.
٢٧٥
كتاب: الحج
دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما؛ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ أَنْ يَلْبَسَ الْمُخْرِمُ ثَوْباً
مَصْبُوغاً بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ. وَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ. وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ
مِنَ الْكَغْبَیْنِ)).
٢٧٨٦ - (٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَخِيَى وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. جَمِيعاً
عَنْ حَمَّادٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِوَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رضي الله عنهما. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: ((السَّرَاوِيلُ، لِمَنْ لَمْ
يَجِدِ الإِزَارَ. وَالْخُفَّانِ، لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الثَّعْلَيْنِ)) يَعْنِي الْمُحْرِمَ.
٢٧٨٧ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ) ح وَحَدَّثَنِي
أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. قَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهُذَا
الإِسْنَادِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَلَّهِ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. فَذَكَرَ هُذَا الْحَدِيثَ.
٢٧٨٨ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ .
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلٌ، عَنْ أَيُّوبَ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَخَّدٌ
مِنْهُمْ: يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، غَيْرُ شُعْبَةً وَحْدَهُ.
وقوله وَّل: (إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين) وذكر
مسلم بعد هذا من رواية ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: (من لم يجد نعلين فليلبس خفين) ولم
يذكر قطعهما. واختلف العلماء في هذين الحديثين، فقال أحمد: يجوز لبس الخفين بحالهما، ولا
يجب قطعهما لحديث ابن عباس وجابر، وكان أصحابه يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرح
بقطعهما، وزعموا أن قطعهما إضاعة مال، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا
يجوز لبسهما إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين لحديث ابن عمر، قالوا: وحديثا ابن عباس وجابر
مطلقان، فيجب حملهما على المقطوعين لحديث ابن عمر، فإن المطلق يحمل على المقيد
والزيادة من الثقة مقبولة، وقولهم أنه إضاعة مال ليس بصحيح، لأن الإضاعة إنما تكون فيما نهي
عنه، وأما ما ورد الشرع به، فليس بإضاعة بل حق يجب الإذعان له والله أعلم.
ثم اختلف العلماء في لابس الخفين لعدم النعلين هل عليه فدية أم لا؟ فقال مالك
والشافعي ومن وافقهما: لا شيء عليه لأنه لو وجبت فدية لبينها وَّر، وقال أبو حنيفة وأصحابه:
عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه ويفدي والله أعلم.
قوله وتطهير: (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) أجمعت الأمة على تحريم
٢٧٦
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٧٨٩ - (٥) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ،
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنٍ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنٍ.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَاراً فَلْيَلْيَسْ سَرَاوِيلَ)).
٢٧٩٠ - (٦) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهُ وَهُوَ
بِالْجِعْرَانَةِ. عَلَيْهِ جُبَّةً وَعَلَيْهَا خَلُوقُ (أَوْ قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ) فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي
عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ الْوَحْيُ. فَسُتِرَ بِثَوْبٍ. وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي
أَرَى النَّبِيَّ ◌ِهِ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ. قَالَ: فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَقَدْ أُنْزِلَّ
عَلَيْهِ الْوَخِيُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ. فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ. (قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ)
كَغَطِيطِ الْبَكْرِ. قَالَ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ
(أَوْ قَالَ: أَثَرَ الْخَلُوقِ) وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ. وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ)).
٢٧٩١ - (٧) وحدّثنا ابْنُ أَبِ عُمَرَ. قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِهِ. قَالَ: أَتَّى النَّبِيَّ نَهَ رَجُلٌ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ. وَأَنَا عِنْدَ النَّبِّ ◌ََّ.
لباسهما لكونهما طيباً، وألحقوا بهما جميع أنواع ما يقصد به الطيب، وسبب تحريم الطيب، أنه
داعية إلى الجماع ولأنه ينافي تذلل الحاج، فإن الحاج أشعث أغبر، وسواء في تحريم الطيب
الرجل والمرأة وكذا جميع محرمات الإحرام سوى اللباس كما سبق بيانه. ومحرمات الإحرام
سبعة: اللباس بتفصيله السابق، والطيب، وإزالة الشعر، والظفر، ودهن الرأس واللحية، وعقد
النكاح، والجماع، وسائر الاستمتاع حتى الاستمناء والسابع إتلاف الصيد والله أعلم، وإذا تطيب
أو لبس ما نهي عنه لزمته الفدية إن كان عامداً بالإجماع، وإن كان ناسياً فلا فدية عند الثوري
والشافعي وأحمد وإسحاق، وأوجبها أبو حنيفة ومالك، ولا يحرم المعصفر عند مالك والشافعي،
وحرمه الثوري وأبو حنيفة وجعلاه طيباً وأوجبا فيه الفدية، ويكره للمحرم لبس الثوب المصبوغ
بغير طيب ولا يحرم والله أعلم.
قوله وير: (السروايل لمن لم يجد الإزار والخفان لمن لم يجد النعلين) يعني المحرم، هذا
صريح في الدلالة للشافعي والجمهور في جواز لبس السراويل للمحرم إذا لم يجد إزاراً، ومنعه
مالك لكونه لم يذكر في حديث ابن عمر السابق، والصواب إباحته بحديث ابن عباس هذا مع
حديث جابر بعده، أما حديث ابن عمر فلا حجة فيه، لأنه ذكر فيه حالة وجود الإزار، وذكر في
حديثي ابن عباس وجابر حالة العدم فلا منافاة والله أعلم.
قوله: (وهو بالجعرانة) فيها لغتان مشهورتان إحداهما إسكان العين وتخفيف الراء، والثانية
٢٧٧
كتاب: الحج
وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ (يَعْنِي جُبَّةً). وَهْوَ مُتَضَمِّخْ بِالْخَلُوقِ. فَقَالَ: إِنِّي أَخْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيَّ
هُذَا. وَأَنَا مُتَضَمِّخْ بِالخَلُوقِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَا كُنْتَ صَانِعاً فِي حَجِّكَ؟)) قَالَ: أَنْزِعُ
عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ. وَأَغْسِلُ عَنِّي هُذَا الْخَلُوقَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ بَّهِ: (مَا كُنْتَ صَانِعاً فِي
حَجِّكَ، فَاضْتَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ)).
٢٧٩٢ - (٨) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح وَحَدَّثَنَا
عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ
خَشْرَم. (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا عِيسى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِيَ عَطَاءٌ؛ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ
يَعْلَىَ بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَه؛ أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ
اللّهِ وََّ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ وَ بِالْجِعْرَانَةِ. وَعَلَى النَّبِيِّ وََّ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ
عَلَيْهِ. مَعَهُ نَاسِ مِنْ أَصْحَابِهِ. فِيهِمْ عُمَرُ. إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ. مُتَضَمِّخْ بِطِيبٍ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَخْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ
إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َِّ سَاعَةً. ثُمَّ سَكَتَ. فَجَاءَهُ الْوَخِيُ. فَأَشَارَ عُمَّرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: تَعَالَ.
فَجَاءَ يَغْلَىْ. فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ. فَإِذَا النَّبِيُّ ◌ََّ مُخْمَرُ الْوَجْهِ. يَغِطُ سَاعَةً. ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ. فَقَالَ:
(أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آَنِفاً؟)) فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ، فَجِيءَ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّرِ: ((أَمَّ الطَّيبُ
الَّذِي بِكَ، فَاغْسِلْهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. وَأَمَّا الْجُبَّةُ، فَانْزِعْهَا. ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ، مَا تَصْنَعُ فِي
حَجِّكَ)).
كسر العين وتشديد الراء، والأولى أفصح، وبهما قال الشافعي وأكثر أهل اللغة، وهكذا اللغتان في
تخفيف الحديبية وتشديدها والأفصح التخفيف، وبه قال الشافعي وموافقوه.
قوله: (عليه جبة وعليها خلوق) هو بفتح الخاء، وهو نوع من الطيب يعمل فيه زعفران.
قوله: (له غطيط) هو كصوت النائم الذي يردده مع نفسه.
قوله: (كغطيط البكر) هو بفتح الباء وهو الفتي من الإبل.
قوله: (فلما سري عنه) هو بضم السين وكسر الراء المشددة أي أزيل ما به وكشف عنه والله
أعلم.
قوله ﴿ للسائل عن العمرة. (اغسل عنك أثر الصفرة) فيه تحريم الطيب على المحرم ابتداء
ودواماً، لأنه إذا حرم دواماً فالابتداء أولى بالتحريم. وفيه أن العمرة يحرم فيها من الطيب،
واللباس، وغيرهما من المحرمات السبعة السابقة ما يحرم في الحج. وفيه أن من أصابه طيب ناسياً
أو جاهلاً، ثم علم وجبت عليه المبادرة إلى إزالته. وفيه أن من أصابه في إحرامه طيب ناسياً أو
:
:
:
:
٢٧٨
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٧٩٣ - (٩) وحدّثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع (وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِع)
قَالاَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ حَازِم. حَدَّثَنَّا أَبِي. قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَاً يُحَدِّثُ، عَنْ عَطَاءٍ،
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَ لَ وَهُوَ
بِالْجِعْرَانَةِ. قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ. وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّة. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
إِنِّي أَخْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ. وَأَنَا كَمَا تَرَىْ. فَقَالَ: ((أنْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ. وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ. وَمَا
كُنْتَ صَانِعاً فِي حَجِّكَ، فَاصْتَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ)).
جاهلاً لا كفارة عليه، وهذا مذهب الشافعي، وبه قال عطاء والثوري وإسحاق وداود، وقال مالك
وأبو حنيفة والمزني وأحمد في أصح الروايتين عنه عليه الفدية، لكن الصحيح من مذهب مالك أنه
إنما تجب الفدية على المتطيب ناسياً أو جاهلاً إذا طال لبثه عليه والله أعلم.
قوله ◌َّيقول: (واخلع عنك جبتك) دليل لمالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور، أن المحرم إذا
صار عليه مخيط ينزعه ولا يلزمه شقه، وقال الشعبي والنخعي: لا يجوز نزعه لئلا يصير مغطياً
رأسه، بل يلزمه شقه. وهذا مذهب ضعيف.
قوله وتطهير: (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) معناه من اجتناب المحرمات،
ويحتمل أنه سير أراد مع ذلك الطواف والسعي والحلق بصفاتها وهيئاتها، وإظهار التلبية، وغير
ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة، ويخص من عمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج
كالوقوف والرمي والمبيت بمنى ومزدلفة وغير ذلك، وهذا الحديث ظاهر في أن هذا السائل كان
عالماً بصفة الحج دون العمرة، فلهذا قال له وَلير: (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك)
وفي هذا الحديث دليل للقاعدة المشهورة أن القاضي والمفتي إذا لم يعلم حكم المسألة، أمسك
عن جوابها حتى يعلمه أو يظنه بشرطه.
وفيه: أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى، وقد يستدل به من يقول
من أهل الأصول أن النبي وَلّ لم يكن له الاجتهاد، وإنما كان يحكم بوحي ولا دلالة فيه،
لأنه يحتمل أنه وقلير لم يظهر له بالاجتهاد حكم ذلك، أو أن الوحي بدره قبل تمام الاجتهاد والله
أعلم.
قوله: (وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي ◌َّ وقد نزل عليه الوحي، فقال: أيسرك أن
تنظر إلى النبي (وَلِير) هكذا هو في جميع النسخ، فقال: أيسرك، ولم يبين القائل من هو ولا سبق له
ذكر، وهذا القائل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما بينه في الرواية التي بعد هذه.
قوله: (وعليه مقطعات) هي بفتح الطاء المشددة، وهي الثياب المخيطة، وأوضحه بقوله
يعني جبة .
قوله: (متضمخ بطيب) هو بالضاد والخاء المعجمتين أي متلوث به مكثر منه.
٢٧٩
كتاب: الحج
٢٧٩٤ - (١٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِ الْمَجِيدِ. حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ
يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه. قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ. بِهَا أَثَرْ
مِنْ خَلُوقٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَخْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ. فَكَيْفَ أَفْعَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمْ
يَرْجِعْ إِلَيْهِ. وَكَانَ عُمَرُ يَسْتُرُهُ إِذَا أُنْزِلَّ عَلَيْهِ الْوَخِيُّ، يُظِلُّهُ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ رضي الله عنه: إِنِّي
أُحِبُّ، إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، أَنْ أُذَخِلَ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ. فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، خَمَّرَهُ عُمَرُ
رضي الله عنه بِالثَّوْبِ. فَجِئْتُهُ فَأَذْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ. فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ
قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ آنِفاً عَنِ الْعُمْرَةِ؟)) فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ. فَقَالَ: ((انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ. وَاغْسِلْ أَثَرَ
الْخَلُوقِ الَّذِي بِكَ. وَافْعَلَ فِي عُمْرَتِكَ، مَا كُنْتَ فَاعِلاَ فِي حَجِّكَ)).
(٢) - باب: مواقيت الحج والعمرة
٢٧٩٥ - (١١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَخْيَى وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعاً
قوله: (محمر الوجه يغط) هو بكسر الغين وسبب ذلك شدة الوحي وهَوْله. قال الله تعالى :
إِنَّا سَنُلْفِى عَلَيْكَ قَوْلَا تَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥.
قوله تعالى: (أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات) إنما أمر بالثلاث مبالغة في إزالة لونه
وريحه والواجب الإزالة، فإن حصلت بمرة كفت ولم تجب الزيادة، ولعل الطيب الذي كان على
هذا الرجل كثير، ويؤيده قوله متضمخ، قال القاضي: ويحتمل أنه قال له ثلاث مرات: اغسله
فكرر القول ثلاثاً، والصواب ما سبق والله أعلم.
قوله: (عقبة بن مكرم) هو بفتح الراء.
قوله في بعض هذه الرواية: (صفوان بن يعلى بن أمية) وفي بعضها: (ابن منية) وهما
صحيحان، فأمية أبو يعلى، ومنية أم يعلى، وقيل جدته، والمشهور الأول، فنسب تارة إلى أبيه
وتارة إلى أمه وهي منية بضم الميم بعدها نون ساكنة.
قوله: (حدثنا رباح) هو بالباء الموحدة.
قوله: (فسکت عنه فلم يرجع إليه) أي لم يرد جوابه.
قوله: (خمره عمر بالثوب) أي غطاه، وأما إدخال يعلى رأسه ورؤيته النبي ◌َّ في تلك
الحال، وإذن عمر له في ذلك، فكله محمول على أنهم علموا من النبي وَّر أنه لا يكره الاطلاع
عليه في ذلك الوقت وتلك الحال، لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حالة الوحي الكريم والله أعلم.
٢ - باب: مواقيت الحج والعمرة
٢٨٠
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ حَمَّادٍ. قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِيْنَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما. قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ، ذَا الْحُلَيْفَةِ. وَلأَهْلٍ
الشَّامِ، الْجُحْفَةَ. وَلأَهْلِ نَجْدٍ، قَرْنَ الْمَنَازِلِ. وَلأَهْلِ الْيَمَنِ، يَلَمْلَمَ. قَالَ: ((فَهُنَّ لَهُنَّ.
٢٧٩٥ - ذكر مسلم في الباب ثلاثة أحاديث: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أكملها، لأنه
صرح فيه بنقله المواقيت الأربعة عن رسول الله وَلتر، فلهذا ذكره مسلم في أول الباب، ثم حديث
ابن عمر رضي الله عنهما، لأنه لم يحفظ ميقات أهل اليمن بل بلغه بلاغاً. ثم حديث جابر لأن أبا
الزبير قال: أحسب جابراً رفعه وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعاً. فوقت رسول الله وَ 18 لأهل المدينة
ذا الحليفة بضم الحاء المهملة وبالفاء، وهي أبعد المواقيت من مكة بينهما نحو عشر مراحل أو
تسع، وهي قريبة من المدينة على نحو ستة أميال منها، ولأهل الشام الجحفة وهي ميقات لهم،
ولأهل مصر، وهي بجيم مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة، قيل سميت بذلك لأن السيل أجحفها في
وقت، ويقال لها مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح المثناة تحت، كما ذكره في بعض روايات
مسلم .
وحكى القاضي عياض عن بعضهم كسر الهاء، والصحيح المشهور إسكانها، وهي على
نحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة، ولأهل اليمن يلملم بفتح المثناة تحت واللامين،
ويقال أيضاً ألملم بهمزة بدل الياء لغتان مشهورتان، وهو جبل من جبال تهامة، على مرحلتين من
مكة، ولأهل نجد قرن المنازل بفتح القاف وإسكان الراء، بلا خلاف بين أهل العلم من أهل
الحديث واللغة والتاريخ والأسماء وغيرهم، وغلط الجوهري في صحاحه فيه غلطين فاحشين،
فقال بفتح الراء وزعم: أن أويساً القرني رضي الله عنه منسوب إليه، والصواب إسكان الراء،
وأن أويساً منسوب إلى قبيلة معروفة يقال لهم: بنو قرن وهي بطن من مراد: القبيلة المعروفة
ينسب إليها المرادي، وقرن المنازل على نحو مرحلتين من مكة، قالوا: وهو أقرب المواقيت إلى
مكة، وأما ذات عرق بكسر العين، فهي ميقات أهل العراق، واختلف العلماء هل صار ميقاتهم
بتوقيت النبي وَّر أم باجتهاد عمر بن الخطاب؟ وفي المسألة وجهان: لأصحاب الشافعي
أصحهما وهو نص الشافعي رضي الله عنه في ((الأم))، بتوقيت عمر رضي الله عنه وذلك صريح
في ((صحيح البخاري))، ودليل من قال بتوقيت النبي وَّ حديث جابر، لكنه غير ثابت لعدم جزمه
برفعه، وأما قول الدارقطني إنه حديث ضعيف، لأن العراق لم تكن فتحت في زمن النبي وَال
فكلامه في تضعيفه صحيح، ودليله ما ذكرته، وأما استدلاله لضعفه بعدم فتح العراق ففاسد، لأنه
لا يمتنع أن يخبر به النبي وَ لّر به لعلمه بأنه سيفتح، ويكون ذلك من معجزات النبي ◌َّ والإخبار
بالمغيبات المستقبلات، كما أنه وَّر وقت لأهل الشام الجحفة في جميع الأحاديث الصحيحة،
ومعلوم أن الشام لم يكن فتح حينئذ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عنه وَّر أنه أخبر بفتح الشام
واليمن والعراق، وأنهم يأتون إليهم يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وأنه وَ لّ أخبر بأنه