Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب: الجمعة
يَوْمَ الْقِيَامَةِ. بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا. وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ. ثُمَّ هُذَا الْيَوْمُ الَّذِي
كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا. هَذَانَا اللَّهُ لَهُ. فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعْ. الْيَهُودُ غَداً. وَالنَّصَارَىْ بَعْدَ غَدٍ)).
١٩٧٦ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَابْنٍ طَاووُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهُ: (نَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بِمِثْلِهِ.
١٩٧٧ - (٢٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ
الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ
وقيل: المراد بالسبق هنا إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل، وهو يوم الجمعة، ويوم
الجمعة وإن كان مسبوقاً بسبت قبله أو أحد، لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا
ويكون يوم الجمعة سابقاً .
وقيل: المراد بالسبق أي إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب فقالوا: سمعنا
وعصینا، والأول أقوى)) اهـ.
قوله: (بيد أن كل أمة) إلخ: بموحدة ثم تحتانية ساكنة، مثل ((غير)) وزناً ومعنى، وبخ جزم
الخليل، والكسائي، ورجحه ابن سيده، وروى عن الشافعي أن معناه: ((من أجل)) ووجهه
الحافظ .
وقال الطيبي: ((هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، والمعنى: نحن
السابقون للفضل، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد فيه ما أدمج فيه من معنى
النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان متأخراً في الوجود، وبهذا التقرير يظهر
موقع قوله: نحن الآخرون)) مع كونه أمراً واضحاً)) اهـ.
وقال القاري: ((أي فإنا وإياهم متساوية الأقدام في إنزال الكتاب، والتقدم الزماني لا
يوجب فضلاً ولا شرفاً، فهذا رد ومنع لفضل الأمم السابقة على هذه الأمة)).
قال المولوي الرومي كثّفُ: ((ومن بديع صنع الله أن جعلهم عبرة لنا، وفضائحهم نصائحنا،
وتعذيبهم تأديبنا، ولم يجعل الأمر منعكساً، والحال ملتبساً، وأيضاً فنحن بالتأخير تخلصنا عن
الانتظار الكثير، ففضله تعالى علينا كبير، وهو على كل شيء قدير، ونعم المولى ونعم النصير)).
قوله: (أوتيت الكتاب من قبلنا) إلخ: اللام للجنس، والمراد التوراة والإنجيل، والضمير
في ((أوتينا)) للقرآن.
قوله: (ثم هذا اليوم الذي كتبه الله) إلخ: أي يوم الجمعة.
قوله: (ونحن أول من يدخل الجنة) إلخ: يعني نبينا قبل سائر الأنبياء، وأمته قبل سائر

٣٠٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مِنْ بَعْدِهِمْ. فَاخْتَلَفُوا فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ. فَهُذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَّقُوا فِيهِ.
هَدَانَا اللَّهُ لَّهُ (قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ) فَالْيَوْمَ لَنَا. وَغَدَاً لِلْيَهُودِ. وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَىْ)) .
١٩٧٨ - (٢١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، أَخِي وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَّ: هُذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. بَيْدَ أَنَّهُمْ
أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ. وَهُذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ.
الأمم، اعتباراً للسبق المعنوي، لا الوجود الحسي، ولهذا روي عن عمر أنه لما اجتمع جماعة
من الصحابة على بابه، وأرادوا الاجتماع بجنابه، منهم العباس، وأبو سفيان، وبلال، وغيرهم
وأعلمهم الخادم بحضورهم: أذن لبلال أن يدخل، فدخل في قلب أبي سفيان بعض الحمية،
وقال للعبّاس: ألا ترى أنه يقدم مولى علينا معاشر أكابر العرب؟ فقال العباس: الذنب لنا، فإنا
تأخرنا في دخول الإسلام، وتقدم بلال بلا معاندة ومخالفة لقبول الأحكام، وقد قال تعالى:
[الواقعة: ١٠ - ١٢] وقال عز من قائل:
﴿ وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ ﴿ أُوْلَكَ الْمُقَرَُّنَ ﴿٨ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ
﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ
﴾ [التوبة: ١٠٠].
جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
قوله: (فاليوم لنا وغداً لليهود) إلخ: والمعنى: أنه لنا بهداية الله تعالى، ولهم باعتبار
اختيارهم، وخطئهم في اجتهادهم.
قوله: (وهذا يومهم الذي فرض عليهم) إلخ: قال: المراد بفرضه فرض تعظيمه، وأشير
إليه بهذا، لكونه ذكر في أول الكلام كما عند مسلم من طريق آخر عن أبي هريرة، ومن حديث
حذيفة، قالا: قال رسول الله وَله: (أضل الله عن الجمعة من كل قبلنا ..... )) الحديث.
قال ابن بطال: «ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه، فتركوه، لأنه لا يجوز
لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل - والله أعلم - أنه فرض عليهم يوم
الجمعة، وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أي الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم
الجمعة)) .
ومال عياض إلى هذا ورشحه بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: ((فخالفوا))، بدل
«فاختلفوا)) .
وقال النووي: يمكن أن يكونوا أمروا به صريحاً، فاختلفوا: هل يلزم تعينه أم يسوغ إبداله
بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك، فأخطئوا)) انتهى. ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح عن
مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ﴾ [النحل: ١٢٤] قال: أرادوا
الجمعة فأخطئوا، وأخذوا السبت مكانه، ويحتمل أن يراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى

٣٠٣
كتاب: الجمعة
فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ.
في ذلك، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق أسباط بن نصر، عن السدي: التصريح بأنهم فرض
عليهم يوم الجمعة بعينه، فأبوا، ولفظه: ((إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا
موسى، إن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً، فاجعله لنا، فجعل عليهم)) وليس ذلك بعجيب من
مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِقَّةٌ﴾ [القرة: ٥٨] وغير
ذلك، وكيف لا، وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣].
قوله: (فهدانا الله له) إلخ: أي لهذا اليوم بقبوله، والقيامة بحقوقه، وفيه إشارة إلى سبقنا
المعنوي، كما أن في قوله السابق: ((بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)) إشعاراً إلى سبقهم الحسي،
وإيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] وهذا
كله ببركة وجوده وَلقه .
وقوله: ((فهدانا الله)) قال الحافظ كثّفُ: ((يحتمل بأن نص لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه
بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن محمد بن سيرين، قال: ((جمع
أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله وَله، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن اليهود
يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله
تعالى، ونصلي، ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم
يومئذٍ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].
وهذا وإن كان مرسلاً فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه،
وصححه ابن خزيمة وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال: «كان أول من صلى بنا الجمعة
قبل مقدم رسول الله (َّ# المدينة: أسعد بن زرارة .... )) الحديث، فمرسل ابن سيرين يدل على
أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون ◌َّر علمه بالوحي،
وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها، ثم فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس عند الدارقطني، ولذلك
جَمّعَ بهم أول ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره.
وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي: البيان والتوفيق.
وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة،
فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي
ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه)) اهـ.
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه في بيان مشروعية الجمعة: ((الأصل فيها أنه
لما كانت إشاعة الصلاة في البلد بأن يجتمع لها أهلها: متعذرة كل يوم - وجب أن يعين لها حد
لا يسرع دورانه جداً، فيتعسر عليهم، ولا يبطؤ جداً فيفوتهم المقصود، وكان الأسبوع مستعملاً
في العرب والعجم وأكثر الملل، وكان صالحاً لهذا الحد، فوجب أن يجعل ميقاتها ذلك.

٣٠٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعْ. فَالْيَهُودُ غَداً. وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ)).
ثم اختلف أهل المال في اليوم الذي يوقت به، فاختار اليهود السبت، والنصارى الأحد،
المرجحات ظهرت لهم، وخص الله تعالى هذه الأمة بعلم عظيم نفثه أولاً في صدور أصحابه (ێے،
حتى أقاموا الجمعة في المدينة قبل مقدمه وَلقر، وكشفه ثانياً بأن أتاه جبرائيل بمرآة فيها نقطة
سوداء، فعرفه ما أريد بهدا المثال، فعرف.
وحاصل هذا العلم أن أحق الأوقات بأداء الطاعات هو الوقت الذي يتقرب فيه الله إلى
عباده، ويستجاب فيه أدعيتهم، لأنه أدنى أن تقبل طاعتهم، وتؤثر في صميم النفس، وتنفع نفع
عدد كثير من الطاعات، وإن لله وقتاً دائراً بدون الأسبوع يتقرب فيه إلى عباده، وهو الذي يتجلى
فيه لعباده في جنة الكثيب، وإن أقرب مظنة لهذا الوقت هي يوم الجمعة، فإنه وقع فيه أمور
عظام، وقد حدث النبي وَ و بهذه النعمة كما أمره ربه، فقال: ((نحن الآخرون السابقون يوم
القيامة - يعني في دخول الجنة، أو العرض للحسنات - بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه
من بعدهم)). يعني غير هذه الخصلة، فإن اليهود والنصارى تقدموا فيها، ثم هذا يومهم الذي
فرض عليهم، يعني الفرد المنتشر الصادق بالجمعة في حقنا، وبالسبب والأحد في حقهم،
فاختلفوا فيه فهدانا الله له، أي لهذا اليوم كما هو عند الله.
وبالجملة فتلك فضيلة خص الله بها هذه الأمة، واليهود والنصارى لم يفتهم أصل ما ينبغي
في التشريع، وكذلك الشرائع السماوية لا تخطىء قوانين التشريع، وإن امتاز بعضها بفضيلة
زائدة» اهـ.
قوله: (فيه) إلخ: أي في اختيار هذا اليوم للعبادة.
قوله: (تبع) إلخ: فإنهم إنما هدوا لما يعقبه، لأنه لما كان يوم الجمعة مبدأ خلق الإنسان،
وأول أيامه كان المتعبد فيه باعتبار العبادة متبوعاً، والمتعبد في اليومين الذي بعده تابعاً، كذا
حققه بعض أئمتنا .
ويحتمل أن يقال: إن الأيام الثلاثة بتواليها مع قطع النظر عن اعتبار الأسبوع لا شك في
تقدم يوم الجمعة وجوداً فضلاً عن الرتبة.
قوله: (فاليهود غداً) إلخ: قال ابن مالك: الأصل أن يكون في الخبر لظرف الزمان من
أسماء المعاني، كقولك: غداً للتأهب، وبعد غد للرحيل، فيقدر هنا مضافان يكون ظرفا الزمان
خبرين عنهما، أي تعبيد اليهود غداً، وتعبيد النصارى بعد غد)) اهـ. وسبقه إلى نحو ذلك عياض،
كذا في الفتح.
قال في المرقاة: ((أي نحن اخترنا الجمعة واليهود بعدها، والنصارى بعد يوم اليهود، وفيه
إيماء إلى أن السبق المعنوي لنا، يعني أنهم مع التقدم الخارجي اختاروا التأخر عنا، وتركوا لنا

٣٠٥
كتاب: الجمعة
١٩٧٩ - (٢٢) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا
ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ
حِرَاشِ، عَنْ حُذَيْفَةً(١). قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا.
فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ. وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ. فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا. فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَؤْم
الْجُمُعَةِ. فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ. وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعْ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. نَحْنُ الآخِرُونَ مِنَ
أَهْلِ الدُّنْيَا. وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلاَئِقِ)). وَفِي رِوَايَةٍ وَاصِلٍ : ((الْمَقْضِيُّ
بَيْنَهُمْ)).
١٩٨٠ - (٢٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ.
حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشِ، عَنْ حُذَيْفَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((هُدِينَا إِلَى الْجُمُعَةِ
وَأَضَلَّ اللَّهُ عَنْهَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا)) فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ .
(٧) - باب: فضل التهجير يوم الجمعة
١٩٨١ - (٢٤) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ (قَالَ أَبُو
الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ). أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ(٢) يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِيلَ: ((إِذَا كَانَ
التقدم عليهم ﴿لِثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن
[الحديد: ٢٩].
يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
وخطر لي نكتة لطيفة وحكمة شريفة، وهي أن زيادة ((لا)) في (لئلا)) ينسب إليهم العلم
أصلاً، وكان هذا الإلهام ببركة النبي ◌َّر في حال وصول كتابتي هذا المقام يوم الجمعة سيد
الأيام)) اهـ.
قوله: (المقضى لهم قبل الخلائق) إلخ: أي الذين يقضى لهم قبل الناس ليدخلوا الجنة
أولاً .
قوله: (ملائكة) إلخ: أي غير الحفظة. قال القاري: ((والمعنى أنهم يستمرون من الصبح،
أو من طلوع الشمس، أو من حين الزوال، على اختلاف الأقوال، كما سبق)).
(١) قوله: (عن أبي هريرة وحذيفة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب إيجاب الجمعة،
رقم (١٣٦٩).
(٢) قوله: (أبا هريرة) انظر ما خرّجنا سابقاً تحت حديث (١٩٧٤).

٣٠٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلاَئِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ. فَإِذَا جَلَسَ
الإِمَامُ طَوَوُا الصَّحُفَ وَجَاؤًا يُسْتَمِعُونَ الَّذِكْرَ. وَمَثَلُ الْمُهَجِّرٍ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ. ثُمَّ
كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً. ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ. ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ. ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي
الْبَيْضَةَ)).
١٩٨٢ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمِثْلِهِ.
١٩٨٣ - (٢٥) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ الِهِ قَالَ: ((عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابٍ
قوله: (يكتبون الأول فالأول) إلخ: قال الطيبي: ((أي الداخل الأول، و((الفاء)) فيه، و((ثم))
في قوله: ((ثم كالذي يهدي بقرة)) كلتاهما لترتيب النزول من الأعلى إلى الأدنى، لكن في الثانية
تراخ ليس فيه الأولى)).
قوله: (ومثل المهجر) إلخ: قال النووي: ((قال الخليل بن أحمد وغيره من أهل اللغة
وغيرهم: التهجير التبكير، ومنه الحديث: ((لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه)) أي التبكير
إلى كل صلاة، وهكذا فسروه.
قال القاضي: وقال الحربي عن أبي زيد، عن الفراء وغيره: التهجير السير في الهاجرة.
والصحيح هنا أن التهجير التبكير، وسبق شرح تمام الحديث قريباً)) اهـ.
وقال القرطبي: ((الحق أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير في وقت الحر، وهو صالح
لما قبل الزوال وبعده، فلا حجة فيه لمالك.
وقال التوربشتي: ((جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار، ويأخذ الحر في الازدياد من
الهاجرة تغليباً، بخلاف ما بعد زوال الشمس، فإن الحر يأخذ في الانحطاط، ومما يدل على
استعمالهم التهجير في أول النهار ما أنشد ابن الأعربي في نوادره لبعض العرب: يهجرون تهجير
الفجر، كذا في الفتح.
قوله: (كمثل الذي يهدي) إلخ: قال الطيبي: ((في لفظ الإهداء إدماج بمعنى التعظيم
للجمعة، وأن المبادر إليها كمن ساق الهدي)) وتقدم شرح الحديث قريباً.
قوله: (ثم كالذي يهدي البيضة) إلخ: قال القاري: ((وفي قبول الإهداء بالأخيرين في
الجمعة دون الحج إشارة إلى سعة الفضل والكرم، وإيماء إلى أن الحج مفروض على الأغنياء،
والجمعة عامة أهلها الفقراء)).

٣٠٧
كتاب: الجمعة
الْمَسْجِدِ مَلَكٌ يَكْتُبُ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ (مَثَّلَ الْجَزُورَ ثُمَّ نَزَّلَهُمْ حَتَّى صَغَّرَ إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ) فَإِذَا
جَلَسَ الإِمَامُ طُوِيَتِ الصّحُفُ وَحَضَرُوا الذِّكْرَ)).
(٨) - باب: فضل من استمع وأنصت في الخطبة
١٩٨٤ - (٢٦) حدّثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَام. حَدَّثَنَا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْنَ زُرَيْع). حَدَّثَنَا رَوْحٌ،
عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)، عَنِّ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ،
فَصَلَّى مَا قُدِرَ لَهُ.
قوله: (مثل الجزور ثم نزلهم حتى صغر) إلخ: قال النووي: ((هكذا ضبطناه، الأول ((مثل))
بتشديد الثاء وفتح الميم، و((نزلهم)) أي ذكر منازلهم في السبق والفضيلة، وقوله: ((صغر)) بتشديد
الغين. وقوله: ((مثل بيضة)) هو لفتح الميم والثاء المخففة.
قوله: (طويت الصحف) إلخ: قال الحافظ: ((وكأن ابتداء على الصحف عند ابتداء خروج
الإمام، وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم للذكر، والمراد ما في الخطبة من
المواعظ وغيرها. ووقع في حديث ابن عمر صفة الصحف المذكورة، أخرجه أبو نعيم في الحلية
مرفوعاً بلفظ: ((إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور، وأقلام من .... ))
الحديث، وهو دال على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة، والمراد بطي الصحف طي صحف
الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر
والدعاء والخشوع، ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعاً)).
قوله: (من اغتسل ثم أتى الجمعة) إلخ: فيه إشارة إلى القول الصحيح في مذهبنا أن الغسل
للصلاة لا لليوم. كذا في المرقاة.
قوله: (فصلى ما قدر له) إلخ: بتشديد الدال، وفي بعض الروايات: ((ثم يصلي ما كتب
له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام)).
قال الحافظ: ((وفيه مشروعية النافلة قبل صلاة الجمعة، لقوله: ((صلى ما كتب له)) ثم قال:
((ثم ينصت إذا تكلم الإمام)) فدل على ما تقدم ذلك على الخطبة، وقد بينه أحمد من حديث نبيشة
الهذلي بلفظ: ((فإن لم يجد الإمام خرج: صلى ما بدا له)).
(١) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة،
رقم (٣٤٣) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، رقم (٤٩٨)
وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الرخصة في ذلك أي في الغسل
يوم الجمعة) رقم (١٠٩٠) وأحمد في مسنده (٢: ٤٢٤).

٣٠٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
..
ثم قال في موضع آخر: «فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمع التي
قبلها، بل هو تنفل مطلق، وقد ورد الترغيب فيه)) اهـ.
اختلاف العلماء في مشروعية النافلة الراتبة قبل الجمعة
واختلف العلماء في مشروعية الراتبة القبلية للجمعة، قال العلامة السيد الزبيدي في شرح
الإحياء: ((وقد عقد البخاري في صحيحه (باب الصلاة بعد الجمعة قبلها)) وأورد فيه حديث ابن
عمر: ((أنه كان ينصرف فيصلي ركعتين)) ولم يذكر في الباب الصلاة قبلها، واختلفوا في ذلك،
فقيل: المعنى باب حكم ذلك، وهو الفعل بعدها لوروده، والترك قبلها لعدم وروده، فإنه لو وقع
بعد ذلك منه لضبط كما ضبطت صلاته بعدها، وكما ضبطت صلاته قبل الظهر، ويحتمل أنه
أشار إلى فعل الصلاة قبلها بالقياس على سنة الظهر التي قبلها، المذكورة في حديث ابن عمر
الذي أورده.
وقد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في إنكاره، وجعلوه بدعة، وذلك
لأنه ◌َّي لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه، وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك
الصحابة ، لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة، وممن أنكر ذلك وجعله من البدع
والحوادث: الإمام أبو شامة.
وذهب آخرون إلى أن لها سنة قبلها، منهم النووي، فقال في المنهاج: يسن قبلها ما قبل
الظهر، ومقتضاه أنه يستحب قبلها أربع، والمؤكد من ذلك ركعتان، ونقل في الروضة عن ابن
القاض وآخرين: استحباب أربع قبلها. ثم قال: ويحصل بركعتين، قال: والعمدة فيه القياس،
ويستأنس بحديث ابن ماجه في السنن: ((أن النبي ◌َّ كان يصلي قبلها أربعاً)). قال العراقي: رواه
ابن ماجه من رواية بقية بن الوليد، عن مبشر بن عبيد، عن حجاج بن أرطاة، عن عطية العوفي،
عن ابن عباس .
قال النووي في الخلاصة: ((وهو حديث باطل اجتمع هؤلاء الأربعة، وهم ضعفاء، ومبشر
وضاع صاحب أباطيل، قال العراقي في شرح الترمذي: بقية بن الوليد موثق ولكنه مدلس،
وحجاج صدوق روى له مسلم مقروناً بغيره، وعطية مشاه يحيى بن معين. فقال فيه: صالح،
ولكن ضعفهما الجمهور)) اهـ.
قال الزبيدي: ((والمتن المذكور رواه أبو الحسن الخلفي في فوائده بإسناد جيد من طريق
أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي وَّر.
وعند الطبراني: ((من شهد منكم الجمعة فليصل أربعاً قبلها، وبعدها أربعاً)) وفي السند
محمد بن عبد الرحمن السهمي، ضعفه البخاري وغيره)) اهـ.

٣٠٩
كتاب: الجمعة
وقال ابن عدي: عندي لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، كذا في اللسان.
قال الزبيدي كثّفُ: ((وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه عمل الأصحاب، وبوب ابن أبي
شيبة في المصنف على الصلاة قبل الجمعة، وأورد فيه عن عبد الله بن مسعود: ((أنه كان يصلي
قبل الجمعة أربعاً)).
وعن ابن عمر: ((أنه كان يهجر يوم الجمعة، فيبطل الصلاة قبل أن يخرج الإمام)) (كذا في
شرح الإحياء، ولعل الصحيح فيصلي الصلاة).
وعن إبراهيم النخعي: ((كانوا يصلون قبل الجمعة أربعاً)).
وقال ابن قدامة في المغنى: ((لا أعلم في الصلاة قبل الجمعة إلا حديث ابن ماجه)) أي
الذي تقدم ذكره.
وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي مسعود مثل رواية ابن أبي شيبة)) اهـ.
وقد قال بعض علمائنا في أثناء الكلام على حديث جابر في قصة سليك الآتي في الكتاب:
إن المراد بالركعتين اللتين أمره بهما النبي ◌ّلو سنة الجمعة، وأشار إليه الشيخ ولي الله الدهلوي
أيضاً في حجة الله البالغة.
وقال الشيخ ابن الهمام: ((وقد تعلق بما ذكرنا من أنه لم يكن على عهد رسول الله وَله إلا
هذا الأذان: بعض من نفى أن للجمعة سنة، فإنه من المعلوم أنه كان * إذا رقى المنبر أخذ
بلال في الأذان، فإذا أكمله أخذ وله في الخطبة، فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم إذا
فرغ من الأذان قاموا فركعوا فهو أجهل الناس، وهذا مدفوع بأن خروجه وم18 كان بعد الزوال
بالضرورة، فيجوز كونه بعد ما كان يصلي الأربع، ويجب الحكم بوقوع هذا المجوز لما قدمنا
في باب النوافل عموم أنه كان ◌َله يصلي إذا زالت الشمس أربعاً، ويقول: ((هذه ساعة تفتح فيها
أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)) وكذا يحب في حقهم لأنهم أيضاً يعلمون
الزوال، إذ لا فرق بينهم وبين المؤذن في ذلك الزمان، لأن اعتماده في دخول الوقت اعتمادهم،
بل ربما يُعلِمونه بدخول الوقت ليؤذن على ما عرف من حديث ابن أم مكتوم)) اهـ. والله سبحانه
وتعالى أعلم بالصواب.
قال الحافظ: ((وفي حديث جواز النافلة نصف النهار يوم الجمعة، (وهو قول أبي يوسف
من أصحابنا، وهو المصحح المعتمد عند صاحب الدر المختار) واستدل به أن التبكير ليس من
ابتداء الزوال، لأن خروج الإمام يعقب الزوال، فلا يسع وقتاً يتنفل فيه، وتبين بمجموع ما ذكرنا
أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدم من: غسل، وتنظف،
ونطيب، أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي، والتفرقة بين الإثنين،

٣١٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ. ثُمَّ يُصَلِّيَ مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَىُ،
وَفَضْلُ ثَلاَثَةٍ أَيَّامٍ» .
وترك الأذى، والتنفل، والإنصات، وترك اللغو. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو: ((فمن
تخطى أو لغا كانت له ظهراً)).
قوله: (ثم انتصت) إلخ: هكذا هو في بعض النسخ بزيادة التاء، وفي أكثرها: ((ثم أنصت))
من الإنصات، قال الأزهر في شرح ألفاظ المختصر: ((أنْصَتَ، ونَصَتَ، وانْتَصَتَ: ثلاث لغات))
كذا في الشرح.
قوله: (حتى يفرغ من خطبته) إلخ: أي يفرغ الخطيب منها .
قوله: (غفر له ما بينه) إلخ: أي ذنوب ما بينه، أو قدر ذنوب ما بينه، كذا في المرقاة.
قال الزبيدي: ((والمراد بالمغفرة هنا مغفرة الصغائر، لما في حديث ابن ماجه عن أبي
هريرة: ((ما لم يغش الكبائر)). وأخرج الطحاوي من طريق إبراهيم بن علقمة عن قرثع، عن
سلمان، رفعه، فساقه، وفيه: ((ما اجتنبت المقتلة)) وليس المراد أن تكفير الصغائر مشروط
باجتناب الكبائر، إذ اجتناب الكبائر بمجرده يكفر الصغائر، كما نطق به القرآن العزيز في قوله:
﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ تُكَفِرْ عَنكُمْ سَهِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣٠] أي كل ذنب فيه وعيد شديد
نكفر عنكم سيآتكم، أي نُمْح عنكم صغائركم، فإذا لم يكن له صغائر تكفر رجى له أن يكفر عنه
بمقدار ذلك من الكبائر، وإلا أعطى من الثواب بمقدار ذلك)) اهـ.
وقد تقدم الكلام على ذلك مبسوطاً في أوائل كتاب الطهارة.
قوله: (وبين الجمعة الأخرى) إلخ: قال الزبيدي تَقَُّهُ: ((ويحتمل أن يكون المراد بها
الماضية والمستقبلة، لأنها تأنيث الآخر - بفتح الخاء، لا بكسرها - والمغفرة تكون للمستقبل كما
للماضي، قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَّقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] لكن رواية أنس عند
الخطيب: ((إلى الجمعة الأخرى)) تعين المستقبلة، ورواية ابن خزيمة: ((ما بينه وبين الجمعة التي
قبلها)) تعين الماضية)) اهـ. وهذا أصرح، والله أعلم.
قوله: (وفضل ثلاثة أيام) إلخ: قال في المرقاة: ((برفع)) ((فضل)) عطفاً بالواو بمعنى ((مع))
على ((ما)) في ((ما بينه)) أي بين يوم الجمعة الذي فعل فيه ما ذكر مع زيادة ثلاثة أيام على السبعة،
لتكون الحسنة بعشر أمثالها. وجوز الجرّ في ((فضل)) للعطف على الجمعة، والنصب على
المفعول معه)».
قال النووي كثّفُ: ((قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام: أن الحسنة
بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة فيمعنى الحسنة التي تجعل
بعشر أمثالها .

٣١١
كتاب: الجمعة
١٩٨٥ - (٢٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ (قَالَ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوَءَ. ثُمَّ أَتَى الْجُمُغَةَ فَاسْتَمَعَ
وَأَنْصَتَ. غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ. وَزِيَادَةُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ. وَمَنْ مَسَّ الْحَصَىْ فَقَدْ لَغَا)).
(٩) - باب: صلاة الجمعة حين تزول الشمس
١٩٨٦ - (٢٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(١)؛ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللّهِ شَهِ. ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا. قَالَ
حَسَنٌ: فَقُلْتُ لِجَعْفَرِ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمْسِ.
قال بعض أصحابنا: والمراد بما في الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت
من الجمعة الثانية، حتى تكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة، فتصير عشرة
اهـ.
قوله: (من توضأ) إلخ: فيه إشارة إلى الرخصة ودلالة على أن الغسل سنة لا واجب.
قوله: (فأحسن الوضوء) إلخ: أي أتى بمكملاته من سننه ومستحباته.
قوله: (فاستمع وأنصت) إلخ: هما شيئان متمايزان وقد يجتمعان، فالاستماع: الإصغاء،
والإنصات: السكوت، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف:
٢٠٤] وتقدم تحقيقه في بحث القراءة خلف الإمام.
قوله: (فقد لغا) إلخ: قال عياض: ((لأن بتحريكه وشغله به صار لاغياً، شاغلاً غيره عن
سماع الخطبة بصوت حركته.
قلت: وقد تقدم قريباً ما يتعلق بهذا الكلام.
قوله: (فتريح نواضحنا) إلخ: قال النووي: «هو جمع ناضح، وهو البعير الذي يستقى به،
سمي بذلك لأنه ينضح الماء، أي يصبه، ومعنى ((نريح)) أي نريحها من العمل وتعقب السقى،
فنخليها منه. وأشار القاضي إلى أنه يجوز أن يكون أراد الرواح للرعي)).
قوله: (في أي ساعة تلك) إلخ: يحتمل أن تكون الإشارة بقوله: ((تلك)) إلى الصلاة، أو
إلى الإراحة .
(١) قوله: (عن جابر بن عبد الله) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة، رقم
(١٣٩١) وأحمد في مسنده (٣: ٣٣١).

٣١٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٨٧ - (٢٩) وحدّثني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. ح وَحَدَّثَنِي
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ. قَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: مَتَى كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي. ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا. زَادَ عَبْدُ
اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ: حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، يَعْنِي النَّوَاضِحَ.
١٩٨٨ - (٣٠) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْنَبٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَلِيُّ بْنُ
حُجْرٍ. (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ سَهْلِ(١). قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى إِلَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ. (زَادَ ابْنُ حُجْرٍ): فِي عَهْدِ
رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ.
قوله: (زاد عبد الله في حديثه) إلخ: أي زاد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في حديثه:
((حين تزول الشمس)) والظاهر أن هذه الزيادة من تفسير جعفر بن محمد الراوي، لا من قوله
جابر، كما مر في الطريق السابق: ((فقلت لجعفر: في أي ساعة تلك؟ قال: زوال الشمس)) ومع
هذا يحتمل قوله: ((حين تزول الشمس)) ظرفاً لقوله: ((كان يصلي)) أو لقوله: ((فنريحها)) فلا يلزم
منه وقوع الجمعة قبل الزوال، كما زعمه الشوكاني كثُّ في نيل الأوطار، نعم! فيه إشعار بشدة
التبكير إلى الجمعة، والله أعلم.
قوله: (يعني النواضح) إلخ: تفسير للجمال في قوله: ((ثم نذهب إلى جمالنا)).
قوله: (ما كنا نقيل ولا نتغدى) إلخ: القيلولة هو النوم في الظهيرة، على ما قاله العيني.
وقال في مجمع البحار: المقيل والقيلولة: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم،
والغداء طعام يؤكل أول النهار، سمي به السحور، لأنه للصائم بمنزلة المفطر.
واستدل بهذا الحديث لأحمد على جواز الجمعة قبل الزوال، لأن الغداء والقيلولة محلهما
قبل الزوال، وحكى عن ابن قتيبة أنه قال: ((لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال)).
(١) قوله: (عن سهل) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا
قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ رقم (٩٣٨) و(٩٣٩) وباب القائلة بعد الجمعة، رقم
(٩٤١) وفي كتاب الحرث والمزارعة، باب ما جاء في الغرس، رقم (٢٣٤٩) وفي كتاب الأطعمة، باب
السّلق والشعير، رقم (٥٤٠٣) وفي كتاب الاستئذان، باب تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال،
رقم (٦٢٤٨) وباب القائلة بعد الجمعة، رقم (٦٢٧٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب
الجمعة، رقم (١٠٨٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في القائلة يوم الجمعة، رقم
(٥٢٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في وقت الجمعة، رقم
(١٠٩٩) وأحمد في مسنده (٣: ٤٣٣) و(٥: ٣٣٦).

٣١٣
كتاب: الجمعة
قال النووي: وقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء، من الصحابة
والتابعين، فمن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا
أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوزاها قبل الزوال)).
قال القاضي: وروى في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء إلا ما عليه الجمهور،
وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة
في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من
ذلك خافوا فوتها، أو فوت التبكير إليها)) اهـ.
وقال الحافظ: ((وأما رواية حميد عن أنس: ((كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة)»:
فظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد
تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته، أو تقديمه على غيره، وهو المراد
هنا، والمعنى أنهم كانوا يبدءون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة
الظهر في الحر، فإنهم كانوا يقيلون، ثم يصلون لمشروعية الإبراد، فلا دلالة فيه على أنهم كانوا
يصلون الجمعة قبل الزوال، بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة، ثم
بالصلاة، ثم ينصرفون فيتداركون ذلك، بل ادعى الزين بن المنير أنه يؤخذ منه أن الجمعة تكون
بعد الزوال، لأن العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال، فأخبر الصحابي أنهم كانوا يشتغلون
بالتهيؤ للجمعة عن القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة، فهذه الاستراحة
والأكل بعد الجمعة لما كانا قائمين مقام القيلولة والغداء: أطلق عليهما المقيل والتغدي توسعاً)).
قال مولانا الشيخ خليل أحمد قدس الله روحه في شرح سنن أبي داود: ((وقد أخرج أبو
داود، والنسائي، عن العرباض بن سارية، قال: ((دعاني رسول الله وَّو إلى السحور، فقال: هلم
إلى الغداء المبارك)) فأطلق رسول الله لل الغداء على السحور، فكما أن من استدل به على أكل
السحور بعد الفجر لا يقبل منه كذلك في هذه الأحاديث: لا يقبل الاستدلال به على جواز صلاة
الجمعة قبل الزوال.
وقال الأمير اليماني: ((وليس فيه دليل على الصلاة قبل الزوال، لأنهم في المدينة ومكة لا
يقيلون ولا يتغدون إلى بعد صلاة الظهر، كما قال تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ بِيَابَكُمْ مِّنَ الطَّهِيَرَةِ﴾ [النور:
٥٨] نعم، كان ◌َجّ يسارع بصلاة الجمعة فى أول وقت الزوال، بخلاف الظهر، فقد كان يؤخره
بعده، حتى يجتمع الناس)) انتهى.
وأما قولهم: ((إنه ◌َّ يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، ويقرأ فيه القرآن، ويصلي بسورتين
من طوال المفصل)): فمسلم، لكن قولهم: ((لو كانت الصلاة بعد الزوال لكان بعد الفراغ من
الصلاة والانصراف من المسجد للجدارن فيء يستظل به)): غير مسلم، فإن خطبته وَلجر وصلاته

٣١٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كانتا قصداً معتدلاً، فلا يزيد شغله في الخطبة والصلاة على الساعة الواحدة العرفية، ومع مضي
الساعة الواحدة لا يمكن أن يكون لجدان المدينة فيء يستظل به، لقصر جدرانها إذ ذاك)) اهـ.
وقال ابن حزم في المحلى بعد ذكر حديثي التهجير والساعات: ((وفيها: أن الجمعة بعد
الزوال، لأن مالكاً عن سُمَيّ ذكر خمس ساعات، وزاد محمد ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي
هريرة، والليث، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ساعة سادسة وقد ذكر أن بخروج
الإمام تطوى الصحف، فصح أن خروجه بعد الساعة السادسة، وهو أول الزوال ووقت الظهر.
فإن قيل: قد رويتم عن سلمة بن الأكوع: ((كنا نجمع مع رسول الله مَّر، فنرجع وما نجد
للحیطان ظلاً نستظل به)).
قلنا: نعم، ولم ينف سلمة الظل جملة، إنما نفي ظلاً يستظلون به، وهذا إنما يدل على
قصر الخطبة وتعجيل الصلاة في أول الزوال، وكذلك قول سهل بن سعد: ((ما كنا نقيل ولا
نتغدى إلا بعد صلاة الجمعة)) ليس فيه بيان أن ذلك كان قبل الزوال)) اهـ.
وعقد البخاري في صحيحه ((باب وقت الجمعة زالت الشمس)) قال: ((وكذا يذكر عن عمر،
وعلي، والنعمان بن بشير، وعمرو بن حريث
قال الحافظ: ((فأما الأثر عن عمر فروى أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وابن
أبي شيبة من رواية عبد الله بن سيدان، قال: ((شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت صلاته
وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد انتصف
النهار)) رجاله ثقات إلا عبد الله بن سيدان - وهو بكسر المهملة، بعدها تحتانية ساكنة - فإنه تابعي
كبير، إلا أنه غير معروف العدالة. قال ابن عدي شبه المجهول. وقال البخاري: لا يتابع على
حديثه بل عارضه ما هو أقوى منه، فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة: ((أنه صلى مع
أبي بكر وعمر حين زالت الشمس» إسناده قوي.
وفي الموطأ عن مالك بن أبي عامر، قال: ((كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب تطرح
يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشيها ظل الجدار خرج عمر)) إسناده صحيح، وهو
ظاهر في أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس، وفهم منه بعضهم عكس ذلك، ولا يتجه إلا أن
حمل على أن الطنفسة كانت تفرش خارج المسجد، وهو بعيد. والذي يظهر أنها كانت تفرش له
داخل المسجد، وعلى هذا فكان عمر يتأخر بعد الزوال قليلاً، وفي حديث السقيفة عن ابن
عباس قال: ((فلما كان يوم الجمعة وزالت الشمس خرج عمر، فجلس على المنبر)).
وأما علي فروى ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق: ((أنه ◌َّ خلف على الجمعة بعد ما
زالت الشمس)» إسناده صحيح.

٣١٥
كتاب: الجمعة
١٩٨٩ - (٣١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحَْى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ،
عَنْ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ قَالَ: كُنَّا
نُجَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلهَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَبَّعُ الْفَيْءَ.
وروى أيضاً من طرق أبي رزين قال: ((كنا نصلي مع على الجمعة، فأحيانا نجد فيتا،
وأحياناً لا نجد)) وهذا محمول على المبادرة عند الزوال، أو التأخير قليلاً .
وأما النعمان بن بشير فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سماك بن حرب، قال:
((كان النعمان يصلي بنا الجمعة بعد ما تزول الشمس)).
قلت: وكان النعمان أميراً على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية.
وأما عمرو بن حريث فأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً من طريق الوليد بن العيزار، قال: ((ما
رأيت إماماً كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، فكان يصليها إذا زالت الشمس))
إسناده صحيح أيضاً، وكان عمرو ينوب عن زياد، وعن وليده في الكوفة أيضاً .
وأما ما يعارض ذلك عن الصحابة فروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن سلمة - وهو
بكسر اللام - قال: ((صلى بنا عبد الله - يعني ابن مسعود - الجمعة ضحى، وقال: خشيت عليكم
الحر)) وعبد الله صدوق إلا أنه ممن تغير لما كبر، قاله شعبة وغيره.
ومن طريق سعيد بن سويد قال: ((صلى بنا معاوية الجمعة ضحى)) وسعيد ذكره ابن عدي
في الضعفاء.
واحتج بعض الحنابلة بقوله ويّ ة: ((إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين)) قال: فلما سماه
عيداً جازت الصلاة فيه في وقت العيد، كالفطر والأضحى.
وتعقب بأنه لا يلزم من تسميته يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل
أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً، سواء صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم) اهـ.
قوله: (كنا نُجَمِّعُ) إلخ: بتشديد الميم المكسور، أي نصلي الجمعة.
قوله: (نتتبع الفيء) إلخ: قال الشوكاني: ((فيه تصريح بأنه قد وجد في ذلك الوقت فيء
یسیر )).
(١) قوله: (عن أبيه) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم
(٤١٦٨) والنسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة، رقم (١٣٩٢) وأبو داود في سننه، في
كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجمعة، باب في وقت الجمعة، رقم (١٠٨٥) وابن ماجه في سننه في كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في وقت الجمعة، رقم (١١٠٠) والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة، باب في وقت الجمعة، رقم (١٥٥٤) وأحمد في مسنده (٤: ٤٩ و٥٤).

٣١٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٩٠ - (٣٢) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. حَدَّثَنَا
يَعْلَى بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ فِه الْجُمُعَةَ. فَتَرْجِعُ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئاً نَسْتَظِلُّ بِهِ.
(١٠) - باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة
١٩٩١ - (٣٣) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. جَمِيعاً
عَنْ خَالِدٍ. قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ(١)؛ قَالَ: كَانَ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَهِ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِماً. ثُمَّ يَجْلِسُ. ثُمَّ يَقُومُ. قَالَ:
كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ.
قال النووي: ((إنما ذلك لشدة التبكير وقصر حيطانهم، وفي رواية للبخاري: ((ثم ننصرف
وليس للحيطان ظل نستظل به)) وفي رواية لمسلم: ((وما نجد فينا نستظل به)). والمراد نفي الظل
الذي يستظل به، لا نفي أصل الظل، كما هو الأكثر الأغلب من توجه النفي إلى القيود الزائدة،
ويدل على ذلك قوله: («ثم نرجع نتتبع الفيء)». قيل: وإنما كان كذلك لأن الجدران كانت في
ذلك العصر قصيرة لا يستظل بظلها إلا بعد توسط الوقت، فلا دلالة في ذلك على أنهم كانوا
يصلون قبل الزوال)).
قوله: (فينا نستظل به) إلخ: وفي بعض الروايات: ((ثم ننصرف وليس للحيطان فيء)).
قال شيخ مشايخنا مولانا الكنكوهي قدس الله سره: ((قوله: ((فيء)) وفي بعض الروايات:
((فيء نتقي به)) والروايات تفسر بعضها بعضاً، فالمنقى: الفيء الكافي للظل والوقاية لا مطلقاً،
مع أنه لو أريد المطلق لم يصح للرواية معنى في نفسها، إذ الظل لا ينتفي في وقت لا قبل الزوال
ولا بعده، فلو أثبتوا الصلاة قبلية تعتد بها لكان للجدران ظل بجهة المغرب، وإن لم يثبتوا إلا
قبلية قليلة لكان لها في أصلي في جهة الشمال، فكيف يصح نفيه مطلقاً؟ فلا بد من الحمل على
ما قلنا)) اهـ كذا نقل في بذل المجهود من تقرير مولانا محمد يحيى المرحوم.
قوله: (يخطب يوم الجمعة قائماً) إلخ: قال العيني: ((قال شيخنا في شرح الترمذي: فيه
(١) قوله: (عن ابن عمر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب الخطبة قائماً، رقم
(٩٢٠) وباب القعدة بين الخطبتين، رقم (٩٢٨) والنسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب الفصل بين
الخطبيتين بالجلوس، رقم (١٤١٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجمعة، باب
الجلوس إذا صعد المنبر، رقم (١٠٩٢) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الجلوس
بين الخطبيتين، رقم (٥٠٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في
الخطبة يوم الجمعة، رقم (١١٠٣) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب القعود بين الخطبيتين، رقم
(١٥٦٦) وأحمد في مسنده (٢: ٣٥ و٩١ و٩٨).

٣١٧
كتاب: الجمعة
اشتراط القيام في الخطبتين إلا عند العجز، وإليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية)) انتهى.
قلت: لا يدل الحديث على الاشتراط، غاية ما في الباب أنه يدل على السنية وفي
التوضيح: القيام للقادر شرط لصحتها، وكذا الجلوس بينهما عند الشافعي وأصحابه، فإن عجز
عنه استخلف، فإن خطب قاعداً أو مضطجعاً للعجز جاز قطعاً، كالصلاة، ويصح الاقتداء به
حينئذٍ، وعندنا وجه أنها تصح قاعداً للقادر، وهو شاذ. نعم! هو مذهب أبي حنيفة، ومالك،
وأحمد، كما حكاه النووي عنهم، قاسوه على الأذان. وحكى ابن بطال عن مالك كالشافعي،
وعن ابن القصار كأبي حنيفة، ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد أنه مسيء، ولا يبطل حجة
الشافعي حديث الباب.
قلت: حديث الباب لا يدل على الاشتراط.
واستدل بعضهم للشافعي بما في صحيح مسلم: ((أن كعب بن عجرة دخل المسجد
وعبد الرحمن بن أبي الحكم يخطب قاعداً، فقال: انظروا إلى هذا الخطيب يخطب قاعداً، وقال
تعالى: ﴿وَتَرَّكُوَ قَآَيِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
وفي صحيح ابن خزيمة: قال: كعب: ((ما رأيت كاليوم قط إمام يؤم المسلمين يخطب وهو
جالس)) يقول ذلك مرتين.
وأجيب عنه بأن إنكار كعب عليه إنما هو لتركه السنة، ولو كان القيام شرطاً لما صلوا معه
مع ترك الفرض)) اهـ.
وبالجملة فإنكار كعب بن عجرة ليس دليلاً على كون القيام شرطاً أو فرضاً.
قال الشوكاني كثّفُهُ: ((ولا شك أن الثابت عنه الله وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال
الخطبة، ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب، كما عرفت غير مرة) اهـ.
وفي شرح الإحياء: ((وقال أصحابنا: يشترط قيامه في الخطبتين، ولو قعد فيهما أو في
إحداهما أجزأ، وكره من غير عذر.
وفي الولواجية: إن خطب مضطجعاً أجزأه، قال الرافعي: وهل يشترط أن تكون الخطبة
كلها بالعربية؟ وجهان، والصحيح اشتراطه، فإن لم يكن فيهم من يحسن العربية خطب بغيرها .
وقال أصحابنا: إذا خطب بالفارسية - وهو يحسن العربية - لا يجزئه، رواه بشر عن أبي
یوسف، وروی عن أبي حنيفة جوازه)).

٣١٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٩٢ - (٣٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً
(قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ) عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
سَمُرَةَ(١)؛ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِّ وَّهِ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا. يَقْرَأُ الْقُرْآنَ
مشروعية الجلوس بين الخطبتين
وبيان أنه هل هو على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب
قوله: (يجلس بينهما) إلخ: قال العيني: ((واستدل به على مشروعية الجلوس بين
الخطبتين، ولكن هل هو على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب؟
فذهب الشافعي إلى أن ذلك على سبيل الوجوب. وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها سنة،
وليست بواجبة، كجلسة الاستراحة في الصلاة عند من يقول باستحبابها .
وقال ابن عبد البر البر: ((ذهب مالك والعراقيون وسائر فقهاء الأمصار إلا الشافعي إلى أن
الجلوس بين الخطبيتين سنة لا شيء على من تركها، وذهب بعض الشافعية إلى أن المقصود:
الفصل، ولو بغير الجلوس)).
وقال ابن قدامة: ((هي مستحبة للاتباع، وليست بواجبة في قول أكثر أهل العلم، لأنها
جلسة ليس فيها ذكر مشروع، فلم يكن بواجبة)).
وقال الطحاوي: ((لم يقل بوجوب الجلوس بين الخطبتين غير الشافعي)).
قيل: حكى القاضي عياض عن مالك رواية كمذهب الشافعي. قلت: ليست هذه الرواية
عنه صحيحه .
وقال الكرماني: وفي الحديث أن خطبة الجمعة خطبتان، وفيه الجلوس بينهما لاستراحة
الخطيب ونحوها، وهما واجبتان، لقوله وَله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
قلت: هذا أصل لا يتناول الخطبة، لأنها ليست بصلاة حقيقة.
(١) قوله: (عن جابر بن سمرة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب كم يخطب، رقم
(١٤١٦) وباب السكوت في القعدة بين الخطبيتين، رقم (١٤١٨) وباب القراءة في الخطبة الثانية والذكر
فيها، رقم (١٤١٩) وفي كتاب صلاة العيدين، باب الجلوس بين الخطبتين، رقم (١٥٨٤) وباب القراءة في
الخطبة الثانية والذكر فيها، رقم (١٥٨٥) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجمعة، باب
الخطبة قائماً، رقم (١٠٩٣ - ١٠٩٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء
في الخطبة يوم الجمعة، رقم (١١٠٥) و(١١٩٦) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب القعود بينا
الخطبتين، رقم (١٥٦٧) وأحمد في مسنده (٥: ٨٧ - ٩٥ - ٩٧ - ١٠٢ و١٠٧ و١٠٨).
وانظر ما سيأتي من تخريج حديث رقم (٢٠١٣).

٣١٩
كتاب: الجمعة
وَيُذَكِّرُ النَّاسَ.
١٩٩٣ - (٣٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ. قَالَ:
أَنْبَأَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَيْهَ كَانَ يَخْطُبُ قَائِماً. ثُمَّ يَجْلِسُ. ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ
قَائِماً. فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِساً فَقَدْ كَذَبَّ. فَقَدْ، وَاللَّهِ، صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ
صَلاَةٍ.
وقال أحمد: ((روي عن أبي إسحاق أنه قال: ((رأيت علياً يخطب على المنبر، فلم يجلس
حتى فرغ)).
وفي شرح الترمذي: ((وفيه اشتراط خطبتين لصحة الجمعة، وهو قول الشافعي وأحمد في
روايته المشهورة عنه، وعند الجمهور يكتفي بخطبة واحدة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة،
والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وابن المنذر، وهو رواية عن أحمد)).
قال شارح الإحياء: ((وهل يسكت في تلك الجلسة أي ويدعو الأفضل في حق الإمام
الدعاء، فإنه محل الاستجابة، وعلى المستمعين الإنصات وإحضار القلب والطلب من الله سراً،
من غیر رفع الأيدي، هذا عند أصحابنا)) اهـ.
قال القاري في شرح المشكاة: ((الأولى القراءة لرواية ابن حبان: ((كان رسول الله وَ ل يقرأ
في جلوسه كتاب الله)) قيل: والأولى قراءة الإخلاص. كذا في شرح الطيبي.
قوله: (ويذكر الناس) إلخ: من التذكير، وهو الوعظ والنصيحة، وذكر ما يوجب الخوف
والرجاء من الترغيب والترهيب، وفيه مشروعية القراءة والوعظ في الخطبة.
قال الشوكاني: ((وقد ذهب الشافعي إلى وجوب الوعظ وقراءة آية، وذهب الجمهور إلى
عدم الوجوب، وهو الحق)).
قوله: (فقد كذب) إلخ: قال العيني: ((إنه ◌َّير كان يواظب على الشيء الفاضل مع جواز
غيره، ونحن نقول به)).
قوله: (فقدو الله) إلخ: قال الطيبي: ((والله)) قسم اعترض بين ((قد)) ومتعلقة)).
قوله: (أكثر من ألفي صلاة) إلخ: قال العيني: هذا محمول على المبالغة، لأن هذا الدر
من الجمع إنما يكمل في نيف وأربعين سنة، وهذا القدر لم يصله رسول الله وَله .
فإن قلت: قال النووي: المراد الصلوات الخمس لا الجمع، لأنه غير ممكن.
قلت: سياق الكلام ينافي هذا التأويل، لأن الكلام في الجمع لا في الصلوات الخمس))
اهـ. وهكذا قال السندي في حاشيته، والله أعلم.

٣٢٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١١) - باب: في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّا أَنفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]
١٩٩٤ - (٣٦) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كِلاَهُمَا عَنْ جَرِيرٍ.
قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (١)؛ أَنَّ النَِّيَّ وَّهِ كَانَ يَخْطُبُ قَائِماً يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَجَاءَتْ عِيْرٌ مِنَ الشَّامِ
فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا. حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً .
قوله: (كان يخطب قائماً) إلخ: ووقع في صحيح البخاري: ((بينما نحن نصلي مع النبي وَّل
إذا أقبلت عير))، وعند أبي نعيم في المستخرج: ((بينما نحن مع رسول الله مرضٍ﴾ في
الصلاة ..... )) وهذا ظاهر فى أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة، فعلى هذا فقوله:
((نصلي)) أي ننتظر الصلاة، وقوله: ((في الصلاة)) أي في الخطبة - مثلاً - وهو من تسمية الشيء
بما قاربه، فبهذا يجمع بين الروايتين، ويؤيده استدلال ابن مسعود على القيام في الخطبة بالآية
المذكورة، كما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وكذا استدل به كعب بن عجرة في صحيح
مسلم، وهذا هو اللائق بالصحابة، تحسينا للظن بهم. قاله الحافظ في الفتح.
قوله: (فجاءت عير من الشام) إلخ: بكسر المهملة، هي الإبل التي تحمل التجارة، طعاماً
كانت أو غيره، وهي مؤنثة لا واحدة لها من لفظها .
ولابن مردويه عن ابن عباس: ((جاءت عير لعبد الرحمن بن عوف)) ووقع عند الطبراني عن
أبي مالك: ((أن الذي قدم بها من الشام دحية بن خليفة الكلبي)) وكذلك في حديث ابن عباس
عند البزار، وجمع بين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن، وكان دحية السفير فيها، أو
كان مقارضاً، ووقع في رواية ابن وهب عن الليث: ((أنها كانت لوبرة الكلبي)) ويجمع بأنه رفيق
دحية، والله أعلم.
قوله: (فانفتل الناس إليها) إلخ: أي انصرفوا إليها، وفي بعض الروايات: ((فانقض الناس))
وهو موافق للفظ القرآن.
قوله: (إلا اثنا عشر رجلاً) إلخ: روى العقيلي عن ابن عباس أن منهم: الخلفاء الأربعة،
(١) قوله: (عن جابر بن عبد الله) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب إذا نفر الناس
عن الإمام في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام ومن بقي جائزة، رقم (٩٣٦) وفي كتاب البيوع، باب قول الله
عز وجل: وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها رقم (٢٠٥٨) وباب ((وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها))
رقم (٢٠٦٤) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الجمعة، باب ((وإذا رأوا تجارة أو لهواً)) رقم (٤٨٩٩)
والترمذي في جامعه، في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الجمعة، رقم (٣٣١١).