Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب: كتاب فضائل القرآن
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ أَزْهَرَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ زَوْجِ
النَّبِيِّ نََّ. فَقَالُوا: اقْرَأُ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنَّا جَمِيعاً وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. وَقُلْ:
إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ نَهَى عَنْهُمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكُنْتُ
أَصْرِبُ مَع عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ النَّاسَ عَلَيْهَا. قَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا وَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي
بِهِ. فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ. فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا. فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، بِمِثْلٍ
بأنه وَّ إنما صلى حينئذٍ قضاء - كما سيأتي - وأما النهي فهو ثابت من طريق جماعة من الصحابة
غير عمر رَبُبه، فلا اختصاص له بالوهم، والله أعلم)).
قوله: (وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب) إلخ: قال النووي: ((هكذا وقع في بعض
الأصول: ((أضرب الناس عليها)) وفي بعض: ((أصرف الناس عنها)) وكلاهما صحيح، ولا منافاة
بينهما، وكان يضربهم عليها في وقت، ويصرفهم عنها في وقت من غير ضرب، أو يصرفهم مع
الضرب ولعله كان يضرب من بلغه النهي، ويصرف من لم يبلغه من غير ضرب، وقد جاء في غير
مسلم: أنه كان يضرب عليها بالدرة.
وفيه احتياط الإمام لرعيته، ومنعهم من البدع والمنهيات الشرعية وتغزيرهم عليهما .
قوله: (فقالت: سل أم سلمة) إلخ: وفي قصة إرسال معاوية إليها من رواية موسى بن
طلحة: ((هل صلاهما رسول الله ◌َ﴿ عندك؟ قالت: لا، ولكن أخبرتني أم سلمة ..... )) وفيها
من رواية أبي سلمة عند الطحاوي، فقالت: ((لا أدري، سلوا أم سلمة)) ومن رواية عبد الرحمن بن
أبي سفيان عنده، فقالت: ((ليس عندي صلاتهما، ولكن أم سلمة حدثتني ... )) الحديث. ذكر
هذه الزيادة الحافظ في الفتح (٣: ٨٥) ولم يتكلم عليه، وقال ابن حزم: ((عبد الرحمن هذا
مجهول)) اهـ.
وقال الذهبي في الميزان، ثم الحافظ في اللسان: ((عبد الرحمن بن أبي سفيان - راوي
حديث: ((حمى عليه الصلاة والسلام المدينة بريداً من كل ناحية)) وعنه العقدي، وزيد بن الحباب
- قال أبو حاتم: لا أعرفه، ومشاه غيره)) اهـ.
قلت: وحديث الحمى عند أبي داود من رواية عبد الله بن أبي سفيان.
وهكذا ذكره الحافظ في ترجمته من التهذيب، والذهبي في الميزان، فلا أدري: أهو رجل
واحد له إسمان أم كيف هو؟ وتقدم من مقدمة هذا الشرح تحقيق رواية المجهول والمستور،
فراجعه .
وأفرط ابن حزم، فقال: ((إنه خبر موضوع لا شك فيه))، وأغلظ القول فيه كما هو دأبه،
.أتى بعبارات شنيعة لا يخفى على المتأمل سخافتها، وركاكة ما احتج به .
قال النووي كثُّهُ: ((وفي حديث الباب: أنه يستحب للعالم إذا طلب منه تحقيق أمر مهم

٢٤٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ. فَقَالَتْ أُمُ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَنْهَى عَنْهُمَا. ثُمَّ رَأَيْتُهُ
يُصَلِّيهِمَا. أَمَّا حِينَ صَلاَّهُمَا فَإِنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ. ثُمَّ دَخَلَ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ
الأَنْصَارِ. فَصَلاَّهُمَا. فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلْمَةَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ. وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ
فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ. قَالَ فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ. فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ:
(يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةً! سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ .
ويعلم أن غيره أعلم به أو أعرف بأصله: أن يرشد إليه إذا أمكنه، وفيه: الاعتراف لأهل الفضل
بمزيتهم، وفيه إشارة إلى دأب الرسول في حاجة، وأنه لا يستقل فيها بتصرف لم يؤذن له فيه،
ولهذا لم يستقل كريب بالذهاب إلى أم سلمة، لأنهم إنما أرسلوه إلى عائشة إلى أم سلمة وكان
رسولاً للجماعة لم يستقل بالذهاب حتى رجع إليهم، فأخبرهم، فأرسلوه إليها)).
قوله: (ينهى عنهما) إلخ: تعني في ضمن النهي عن الصلاة النافلة، أو وقع النهي
بالخصوص عنهما .
قوله: (فأرسلت إليه الجارية) إلخ: قال الحافظ: ((فيه قبول أخبار الآحاد، والاعتماد عليه
من الأحكام، ولو كان شخصاً واحداً، رجلاً أو امرأة، لاكتفاء أم سلمة بإخبار الجارية، وفيه
دلالة على فطنه أم سلمة وحسن تأنيها بملاطفة سؤالها، واهتمامها بأمر الدين، وكأنها لم تباشر
السؤال لحال النسوة اللاتي كن عندها، فيؤخذ منه إكرام الضيف واحترامه)).
قوله: (قومي بجنبه) إلخ: قال الحافظ: ((فيه جواز استماع المصلي إلى كلام غيره، وفهمه
له، ولا يقدح ذلك في صلاته، وأن الأدب في ذلك أن يقوم المتكلم إلى جنبه لا خلفه، ولا
أمامه لئلا يشوش عليه بأن تمكنه الإشارة إليه إلا بمشقة)).
قوله: (إني سمعت تنهى عن) إلخ: معنى ((أسمعك)): سمعتك في الماضي، وهو من
إطلاق لفظ المضارع لإرادة الماضي، كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤].
وفي هذا الكلام أنه ينبغي للتابع إذا رأى من المتبوع شيئاً يخالف المعروف من طريقته
والمعتاد من حاله: أن يسأله بلطف عنه، فإن كان ناسياً رجع عنه، وإن كان عامداً وله معنى
مخصص عرفه التابع واستفاده، وإن كان مخصوصاً بحال يعلمها ولم يتجاوزها، وفيه مع هذه
الفوائد فائدة أخرى، وهي أنه بالسؤال يسلم من إرسال الظن السيىء بتعارض الأفعال والأقوال،
وعدم الارتباط بطريق واحد.
قوله: (فأشار بيده) إلخ: فيه جواز الإشارة في الصلاة، وتقدم البحث فيه.
قوله: (يا ابنة أبي أمية) إلخ: هو والد أم سلمة، واسمه حذيفة، وقيل: سهيل بن المغيرة
المخزومي .

٢٤٣
كتاب: كتاب فضائل القرآن
إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالإِسْلاَمِ مِنْ قَوْمِهِمْ. فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ
الظُّهْرِ. فَهُمَا هَاتَانٍ)) .
١٩٣١ - (٢٩٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ). أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ، (وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ)، قَالَ: أَخْبَرَنِي
أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ(١) عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ
الْعَصْرِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ. ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلاَّهُمَا بَعْدَ
الْعَصْرِ. ثُمَّ أَثْتَهُمَا. وَكَانَ إِذَا صَلى صَلاَةً أَثْبَتَهَا .
قوله: (إنه أتاني أناس من بني عبد القيس) إلخ: قال الحافظ في الفتح: ((وللطحاوي من
وجه آخر: ((قدم على قلائص من الصدقة، فنسيتهما، ثم ذكرتهما، فكرهت أن أصليهما في
المسجد والناس يرون، فصليتهما عندك)). وله من وجه آخر: ((فجاءني مال فشغلني))، وله من
وجه آخر: ((قدم علي وفد من بني تميم أو جاءتني صدقة)). وقوله: ((من بني تميم)) وهم، وإنما
هم من بني عبد القيس، وكأنهم حضروا معهم بمال المصالحة من أهل البحرين، كما سيأتي في
الجزية من طريق عمرو بن عوف: ((أن النبي والر كان صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن
الحضرمي، وأرسل أبا عبيدة، فأتاه بجزيتهم)).
قوله: (فهما هاتان) إلخ: قال الحافظ: ((في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أم
سلمة عند الطحاوي من الزيادة: ((فقلت أمرت بهما؟ فقال: لا، ولكن كنت أصليهما بعد الظهر،
فشغلت عنهما، فصليتهما الآن)) وله من وجه آخر عنها لم أره صلاهما قبل ولا بعد، لكن هذا لا
ينبغي الوقوع، فقد ثبت في مسلم عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عنهما، فقالت: ((كان يصليهما
قبل العصر، فشغل عنهما أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة
أثبتها، أي داوم عليها)) ومن طريق عروة عنها: ((ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط)).
ومن ثم اختلف نظر العلماء، فقيل: تقضي الفوائت في أوقات الكراهة لهذا الحديث،
وقيل: هو خاص بالنبي ◌َّ، وقيل: هو خاص بمن وقع له نظير ما وقع له)) اهـ وسيأتي الكلام
عليه فيما بعد.
قوله: (كان يصليهما قبل العصر) إلخ: قال النووي: ((هذا الحديث ظاهر في أن المراد
بالسجدتين ركعتان، هما سنة العصر قبلها. وقال القاضي: ينبغي أن تحمل على سنة الظهر، كما
في حديث أم سلمة، ليتفق الحديثان، وسنة الظهر تصح تسميتها أنها قبل العصر.
(١) انظر تخريج حديث رقم (١٩٤٢).

٢٤٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: تَعْنِي دَاوَمَ عَلَيْهَا).
١٩٣٢ - (٢٩٩) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا
أَبِي. جَمِيعاً عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِيَ قَظُ.
قوله: (ما ترك رسول الله ( * ركعتين) إلخ: قال الحافظ: ((مرادها من الوقت الذي شغل
عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ولم ترد أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين من
أول ما فرضت الصلوات - مثلاً - إلى آخر عمره، بل في حديث أم سلمة ما يدل على أنه لم يكن
يفعلهما قبل الوقت الذي ذكرت أنه قضاهما فيه.
وفي مجمع الزوائد عن عائشة، قالت: (فاتت رسول الله - 8* ركعتان قبل العصر، فلما
انصرف صلاهما، ثم لم يصلهما بعد)) رواه الطبراني في الأوسط.
قال الهيثمي: ((وفيه: أبو يحيى القتات، ضعفه أحمد، وابن معين في رواية، ووثقه في
أخرى» اهـ.
وفي التهذيب: ((وقال ابن سعد: أبو يحيى القتات فيه ضعف. وقال ابن عدي: وفي حديثه
بعض ما فيه، إلا أنه يكتب حديثه. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. وقال البزار: لا نعلم به
بأساً، وهو كوفي معروف. وقال ابن حبان: فحش خطأه، وكثر وهمه، حتى سلك غير مسلك
العدول في الروايات» اهـ.
قلت: وشاهده ما رواه الترمذي وحسنه عن ابن عباس: ((إنما صلى النبي ◌َّر الركعتين بعد
العصر، لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد)).
وفيه جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، وقد سمع منه بعد اختلاطه .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: تمسك بأحاديث عائشة وأم سلمة المذكورة في الباب من
أجاز الركعتين بعد العصر، أو ذوات الأسباب من النوافل، أو الصلاة مطلقاً .
وأما المانعون فقالوا: إن أحاديث النهي متواترة مفيدة للعلم، كما نقلنا فيما سبق عن
الطحاوي، وابن بطال، والمناوي، ومعمولة عند جمهور الفقهاء، أو أكثرهم، كما قال ابن دقيق
العيد. وهي أقوال، وضوابط كلية، ومحرمة، وسالمة من الاختلاف، وأحاديث الإباحة في كل
ذلك ليست بهده المثابة، فإنها من الأفعال الجزئية التي تحتمل الخصوصية وغيرها من
الاحتمالات، ولذا قال زيد بن ثابت: ((يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله وَطلو من عائشة،
إنما نهى رسول الله وَيقر عن الصلاة بعد العصر)) رواه أحمد (مجمع الزوائد).
لا سيما وقد وقع اختلاف في حديث عائشة نفسها، كما تقدم، وهو العمدة في هذا
الباب، فأصح الروايات عنها: ((أنه ◌ّ كان يصلي بعد العصر ركعتين في بيتها، ويواظب

٢٤٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
عليهما)) روايات الطحاوي وغيره تدل على نفي هذا الصلاة في بيتها أو عدم علمها بها. ويؤكد
هذا النفي نفيها صريحاً عن أم سلمة إلا مرة عند قضاء راتبة الظهر، ولا يعقل أن النبي وَلّ قد
عمل عملاً وبدأ به في بيت أم سلمة، ثم أراد إثباته، فداوم عليه حين يكون في بيت عائشة فقط،
لا في بيت أم سلمة، ولا في غيره.
ومع هذا ففي حديث أم سلمة ما يدل دلالة ظاهرة على كون المرة الواحدة أيضاً من
خصائصه ، كما روى عن أبي سعيد أنه جعلها خاصة لرسول الله وَّر، فقد أخرج الطحاوي،
وأحمد، وابن حبان، عن أم سلمة أنها قالت: ((فقلت: يا رسول الله، أنقضيهما إذا فاتا؟ لا))،
وهذه الرواية وإن ضعفها البيهقي فقد صححه السيوطي في الخصائص. وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح، وقال ابن حزم بعد ما ذكره من طريق حماد بن سلمة (كما
هو عند الطحاوي): ((حديث منكر، لأنه ليس هو في كتب حماد بن سلمة، وأيضاً فإنه منقطع،
لم يسمعه ذكوان من أم سلمة، برهان ذلك أن أبا الوليد الطيالسي روى هذا الخبر عن حماد بن
سلمة، عن الأزرق بن قيس عن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة: ((أن النبي ◌َّ في بيتها
ركعتين بعد العصر فقلت: ما هاتان الزيادة لم يسمعها ذكوان من أم سلمة رضيها ولا ندري عمن
أخذها فسقطت)) اهـ.
وحديث عائشة رضيها مع قطع اللحظ عن الاختلاف فيه يحمل أيضاً على الخصوصية، كما
يشعر به سياق ما رواه أبو داود عن ذكوان مولى عائشة، أنها حدثته: ((أن رسول الله وَلو كان
يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال)) قال العزيزي: ((إسناد صحيح))
اهـ.
وفيه محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، ولم يصرح بالتحديث، ويشهد
لذلك ما رواه ابن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل، عن عبد الملك بن عطاء، عن عائشة: ((أنها
قالت: ((إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر فطف، وآخر الصلاة حتى تغيب
الشمس، أو حتى تطلع، فصل لكل أسبوع ركعتين)) قال الحافظ: ((هذا إسناد حسن (٣: ٣٩٢).
والأقرب عندي أن يقال: إن النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة إنما هو وقت
الطلوع والغروب أصالة، وأما النهي عنهما في هذين الوقتين أي بعد صلاة الفجر والعصر فإنهما
هو من باب سد الذرائع، كما يشير إليه قول عائشة في توهيم عمر بن الخطاب رضيًا، ويدل عليه
ما روى عبد الرزاق من حديث زيد بن خالد سبب ضرب عمر الناس على ذلك، عن زيد بن
خالد: ((أن عمر رآه وهو خليفة ركع بعد العصر، فضربه)) فذكر الحديث، وفيه: ((فقال عمر: يا
زيد، لو لا اني أخشى أن يتخذهما الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما)) فلعل
عمر كان يرى أن النهي عن الصلاة بعد إنما هو خشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس.

٢٤٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٣٣ - (٣٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: صَلاَتَانِ مَا تَرَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَه
فِي بَيْتِي قَظُ، سِرًّا وَلا عَلَاَنِيَةً، رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
١٩٣٤ - (٣٠١) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَّنَى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ. قَالاَ: نَشْهَدُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا
قَالَتْ: مَا كَانَ يَوْمُهُ الَّذِي كَانَ يَكُونُ عِنْدِي إِلاَّ صَلَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فِي بَيْتِي. تَعْنِي
الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
وقد روى يحيى بن بكير، عن الليث، عن أبي الأسود، عن عروة، عن تميم الداري، نحو
رواية زيد بن خالد، وجواب عمر له، وفيه: ((ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين
العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله والتر أن يصلي فيها)) وهذا أيضاً يدل
لما قلناه، والله أعلم.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((أن النبي ◌َّلو كان يفعل في نفسه ما لا يأمر
به القوم، وأكثر ذلك ما هو من باب سد الذرائع، وهرب مظنات كلية، فإنه وي القر مأموم من أن
يستعمل الشيء في غير محله، أو يجاوز الحد الذي أمر به، وغيره ليس بمأمون، فيحتاجون إلى
ضرب تشريع وسدّ تعمق، ولذلك كان ◌َّه ينهاهم أن يجاوزوا أربع نسوة وكان أحل له تسعٌ فما
فوقها، لأن علة المنع أن لا يفضي إلى جور)) اهـ.
وهذا الباب مظنة لوقوع الخلاف فيه من بعض الخواص، وتنوع مسالك الاجتهاد، ولا
يستبعد في مثله أن يفعل النبي ◌َّل* فعلاً يريد إخفاءه عن العامة، وقد مر بعض الكلام عليه في
بحث إطالة الغرة والتحجيل من كتاب الطهارة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولعلك فهمت مما قررنا أن النهي عن الصلاة في هذين الوقتين لما كان سد للذرائع
وحسماً للمادة: خصه الحنفية بالنوافل ونحوها، لأنها مظنة للإفضاء إلى الصلاة عند الغروب
والطلوع غالباً، وأما الفوائت فليست كذلك إلا على النذور والله أعلم.

٢٤٧
كتاب: كتاب فضائل القرآن
(٥٥) - باب: استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب
١٩٣٥ - (٣٠٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ. قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ(١)
عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ؟ فَقَالَ: كَانَّ عُمَرُ يَضْرِبُ الأَيْدِيْ عَلَى صَلاَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ. وَكُنَّا
نُصَلِّي عَلَىَ عَهْدِ النَّبِيِّ نَّهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ. فَقُلَّتُ لَهُ:
أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ صَلَأَّهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا. فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا .
١٩٣٦ - (٣٠٣) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ،
(وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(٢)؛ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ. فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَةٍ
الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ. فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ. حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ
باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب
قوله: (يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر) إلخ: أي أيدي من عقد الصلاة وأحرم
بالتكبير، أي يمنعهم منها .
قوله: (ولم ينهانا) إلخ: أي لم يأمر من لم يصل ولم ينه من صلى، وفيه تقرير منه عليه
الصلاة والسلام.
قوله: (فإذا أذن المؤذن) إلخ: وفي بعض الروايات: ((إذا أخذ المؤذن في أذان المغرب)).
قوله: (ابتدروا السواري) إلخ: أي استقبلوا إليها، والسوري جمع سارية، وكان غرضهم
بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى، وفي رواية عمرو بن
عامر عن أنس عند البخاري: ((قام ناس من أصحاب النبي ◌َّ يبتدرون السواري حتى يخرج
النبي ◌َّ وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بينهما (أي بين الأذان والإقامة)
شيء أي شيء كثير، ونفي الكثير يقتضي إثبات القليل. قاله الحافظ كَذفه .
(١) قوله: (أنس بن مالك) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة قبل المغرب،
رقم (١٢٨٢) وأحمد في مسنده (٣: ١٢٩).
(٢) قوله: (عن أنس بن مالك) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة إلى الأسطوانة، رقم
(٥٠٣) وفي كتاب الأذان، باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة، رقم (٦٢٥) ، سائي في سننه،
في كتاب الأذان، باب الصلاة بين الأذان والإقامة، رقم (٦٨٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة
الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الركعتين قبل المغرب، رقم (١١٦٣) والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة، باب الركعتين قبل المغرب، رقم (١٤٤٨) وأحمد في مسنده (٣: ٢٨٠ و٢٨٢).

٢٤٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلاَةَ قَدْ صُلِّيَتْ، مِنْ كَثْرَةٍ مَنْ يُصَلِّيهِمَا .
(٥٦) - باب: بين كل أذانين صلاة
١٩٣٧ - (٣٠٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَوَكِيعٌ عَنْ
كَهْمَسِ. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةً عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُغَفَّلِ الْمُزَنِيِّ(١)؛ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ بِ: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ)) قَالَهَا ثَلاَثَاً. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: ((لِمَنْ شَاءَ)) .
وفي رواية النسائي: ((قام كبار أصحاب رسول الله (صلو .... )) قال الحافظ: ((وكذا
للبخاري في أبواب ستر العورة)).
قوله: (فيحسب أن الصلاة) إلخ: بكسر السين وفتحها، أي فيظن، والمراد بالصلاة فرض
المغرب .
قوله: (من كثرة من يصليهما) إلخ: قال القاري: ((ولا شك أن هذا كان نادراً، لأنه عليه
الصلاة والسلام كان يعجل الصلاة المغرب إجماعاً، ويلزم من هذا تأخير المغرب، بل خروجه
عن وقته عند بعض العلماء، فلعله وقع هذا عن بعض في وقت فهموا تأخيره عليه السلام لعذر،
والله أعلم)) اهـ. وسيأتي الكلام عليه عن قريب إن شاء الله تعالى.
وفي نفس الحديث دليل للمتأمل على ندور تلك الحالة، فإنها لو كانت دائمة ومعرفة لما
كان لحسبان الجائي الغريب أن المغرب قد صليت: وجهٌ، كما هو الظاهر، والله أعلم.
قوله: (بين كل أذانين) إلخ: أي أذان وإقامة، ولا يصح حمله على ظاهره، لأن الصلاة
بين الأذانين مفروضة، والخبر ناطق بالتخيير، لقوله: ((لمن شاء)) وتوارد الشراح على أن هذا من
باب التغليب، كقولهم: القمرين للشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان،
لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت. كذا في الفتح.
قوله: (صلاة) إلخ: أي وقت صلاة، والمراد: صلاة نافلة، أو نكرت لكونها تتناول كل
عدد نواه المصلي من النافلة، كركعتين، أو أربع، أو أكثر، ويحتمل أن يكون المراد به الحث
(١) قوله: (عن عبد الله بن مغفل المزني)، الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب كم
بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة، رقم (٦٢٤) وباب بين كل أذانين صلاة لمن شاء، رقم (٦٢٧)
والنسائي في سننه، في كتاب الأذان، باب الصلاة بين الأذان والإقامة، رقم (٦٨٢) وأبو داود في سننه، في
كتاب الصلاة، باب الصلاة قبل المغرب، رقم (١٢٨٣) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما
جاء في الصلاة قبل المغرب، رقم (١٨٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما
جاء في الركعتين قبل المغرب، رقم (١١٦٢) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الركعتين قبل
المغرب، رقم (١٤٤٧) وأحمد في مسنده، (٨٦:٤) و(٥: ٥٤ و٥٦).

٢٤٩
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٩٣٨ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنِ الْجُرَيْرِيِّ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيَّ وََّ، مِثْلَهُ. إِلا أَنَّهُ قَالَ فِي
الرَّابِعَةِ: ((لِمَنْ شَاءَ)) .
على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة، لأن منتظر الصلاة في صلاة، قاله
الزين بن المنير.
قوله: (قال في الرابعة: لمن شاء) إلخ: قال الحافظ: ((لكأن المراد بالرابعة في هذه
الرواية: المراد الرابعة، أي إنه اقتصر فيها على قوله: ((لمن شاء))، فأطلق عليها بعضهم رابعةً
باعتبار مطلق القول، وبهذا تتوافق الروايتان، وقد ثبت في حديث أنس: ((أنه وَّ كان إذا تكلم
بكلمة أعادها ثلاثاً)) وكأنه قال بعد الثلاث: ((لمن شاء)» ليدل على أن التكرار لتأكيد
الاستحباب)).
وقال ابن الجوزي: ((فائدة الحديث؛ أنه يجوز أن يتوهم أن الأذان للصلاة يمنع أن يفعل
سوى الصلاة التي أذن لها، فبين أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز)) اهـ.
أدلة من قال باستحباب الركعتين قبل المغرب،
ومن قال بعدم استحبابهما، وتحقيق ما هو المختار عند الحنفية
وهل يندب قبل المغرب ركعتان، ذهبت طائفة إليه، منهم: أحمد وإسحاق، وأنكره كثير
من السلف وأصحابنا، ومالك
وقال النخعي: هي بدعة.
تمسك الأولون بما في أحاديث الباب، وبما في البخاري أنه وهو قال: ((صلوا قبل
المغرب، ثم قال: صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس
سنة)) وفي لفظ لأبي داود: ((صلوا قبل المغرب ركعتين)).
وفي عون المعبود: أخرج الإمام الحافظ محمد بن نصر في قيام الليل، حدثني
عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، حدثني أبي، حدثنا حسين، عن ابن بريدة
عبد الله المزني حدثه: ((أن رسول الله ( صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل
المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء خاف أن يحسبها الناس سنة)).
قال العلامة أحمد بن علي المقريزي في مختصره: ((هذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وقد صح في ابن حبان حديث آخر: ((أن النبي ◌َ ◌ّ صلى ركعتين قبل المغرب))، اهـ
ملخصاً .

٢٥٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقوله: ((كراهية أن يتخذها الناس سنة)) قال المحب الطبري: ((لم يرد به نفي استحبابها،
لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أقوى الأدلة على استحبابها، ومعنى
قوله: ((سنة)) أي شريعة وطريقة لازمة، وكأن المراد انحطاط مرتبتها عن رواتب الفرائض، ولهذا
لم يعدها أكثر الشافعية في الرواتب. واستدركها بعضهم، وتعقب بأنه لم يثبت أن النبي وَ لّر قد
واظب عليها .
قال بعض علمائنا: والجواب المعارضة بما في أبي داود، عن طاوس، قال: ((سئل ابن
عمر عن الركعتين قبل المغرب، فقال ما رأيت أحداً على عهد رسول الله وَلا يصليهما، ورخص
في الركعتين بعد العصر)) سكت عنه أبو داود، والمنذري بعده في مختصره، وهذا تصحيح
منهما .
وقال النووي تظلُّ في الخلاصة: ((إسناده حسن، كما في تخريج الهداية.
وأحاديث الصحيحين وأن ترجحت بحسب أصحية الإسناد، فقد يترجح حديث أبي داود
بأن عمل الأكابر الصحابة كان على وفقه، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وجماعة من
الصحابة، كما صرح به النووي، ونقله الحافظ عن محمد بن نصر وغيره، حتى نهى إبراهيم
النخعي عنها فيما رواه محمد عن أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان عنه: أنه نهى عنهما،
وقال: إن رسول الله وَّر، وأبا بكر، وعمر، ﴿يا لم يكونوا يصلونهما، وهذا وإن كان فجماعة
من الحفاظ صححوا مراسيل إبراهيم، كما في التهذيب. وقال أحمد: لا بأس بها، بل رجحها
ابن معين على مراسيل سعيد بن المسيب، كما تقدم في مقدمة هذا الشرح.
قال الشيخ ابن الهمام: ((ولو كان حديث أبي داود حسناً كما ادعاه بعضهم ترجح على
ذلك الصحيح بهذا، فإن وصف الحسن والصحيح والضعيف إنما هو باعتبار السند ظناً، أما في
الواقع فيجوز غلط الصحيح وصحة الضعيف، وعن هذا جاز في الحسن أن يرتفع إلى صحة إذا
كثرت طرقه، والضعيف يصير حجة بذلك، لأن تعدده قرينة على ثبوته في نفس الأمر، فلم لا
يجوز في الصحيح السند أن يضعف بالقرينة الدالة على ضعفه في نفس الأمر؟، والحسن أن
يرتفع إلى الصحة بقرينة أخرى؟ كما قلناه من عمل أكابر الصحابة على وفق ما قلناه، وتركهم
لمقتضى ذلك الحديث، وكذا أكثر السلف، ومنهم مالك نجم الحديث.
وما زاده ابن حبان على ما في الصحيحين من: ((أن النبي (وَّ ر صلاهما)) لا يعارض ما
أرسله النخعي من: ((أنه ◌ّ ﴿ يصلهما)) لجواز كون ما صلاه قضاء عن شيء فاته، وهو ثابت،
روى الطبراني في مسند الشاميين عن جابر، قال: ((سألنا نساء رسول الله وَليقول: هل رأيتن
رسول الله * يصلي الركعتين قبل المغرب؟ فقلن: لا، غير أم سلمة، قالت: صلاها عندي
مرة، فسألته: ما هذه الصلاة؟ فقال ◌َله: نسيت الركعتين قبل العصر، فصليتهما الآن)) (وفي

٢٥١
كتاب: كتاب فضائل القرآن
إسناده راويان اختلف فيهما، فالأكثر على تضعيفهما، والبعض على توثيقهما) ففي سؤالها له وَلقر ،
وسؤال الصحابة نساءه - كما يفيده قول جابر: ((سألنا)) لا ((سألت)) - ما يفيد أنهما غير معهودتين
من سننه، وكذا سؤالهم لابن عمر، فإنه لم يبتدىء التحديث به، بل لما سئل، والذي يظهر أن
مثير سؤالهم ظهور الرواية بهما مع عدم معهوديتهما في ذلك الصدر، فأجاب نساءه اللاتي يعلمن
من علمه ما لا يعلمه غيرهن بالنفي عنه، وأجاب ابن عمر بنفيه عن الصحابة أيضاً، وما قيل:
المثبت أولى من النافي، فيترجح حديث أنس على حديث ابن عمر: ليس بشيء، فإن الحق عند
المحققين: أن النفي إذا كان من جنس ما يعرف بدليله كان كالإثبات، فيعارضه ولا يقدم هو
عليه، وذلك لأن تقديم رواية الإثبات على رواية النفي ليس إلا لأن مع رواية زيادة علم، بخلاف
النفي، إذ قد يبني رواية الأمر على ظاهر الحال من العدم، لما لم يعلم باطنه، فإذا كان النفي من
جنس ما يعرف: تعارضاً، لابتناء كل منهما حينئذٍ على الدليل، وإلا فنفس كون مفهوم المروي
مثبتاً لا يقتضي التقديم، إذ قد يكون المطلوب في الشرع العدم، كما قد يكون المطلوب في
الشرع الإثبات، وتمام تحقيقه في أصول أصحابنا، وحينئذٍ لا شك أن هذا النفي كذلك، فإنه لو
كان الحال على ما في رواية أنس لم يخف على ابن عمر، بل ولا على أحد ممن يواظب
الفرائض خلف رسول الله وَّله، بل ولا على من لم يواظب، بل يحضرها خلفه أحياناً، ثم الثابت
بعد هذا هو نفي المندوبية. أما ثبوت الكراهة فلا، إلا أن يدل دليل آخر، وما ذكر من استلزام
تأخير المغرب فقد قدمنا من القنية استثناء القليل، والركعتان لا تزيد على القليل إذا تجوز فيهما))
(فتح القدير ١ : ٣١٨) اهـ بزيادة يسيرة.
قال في الدر المختار: ((وقبل صلاة المغرب لكراهة تأخيره إلا يسيراً)) اهـ.
قال ابن عابدين: ((وأفاد في الفتح، وأقره في الحلية والبحر: أن صلاة ركعتين إذا تجوز
فيهما لا تزيد على اليسير، فيباح فعلهما)) اهـ.
قال الحافظ: ((ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما، كما في ركعتي الفجر.
وقال قوم: إنما تستحب الركعتان المذكورتان لمن متأهباً بالطهر وستراً لعورة، لئلا يؤخذ
المغرب عن أول وقتها، ولا شك أن إيقاعها في أول الوقت أولى، ولا يخفى أن محل
استحبابهما ما لم تقم الصلاة)) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لما تحقق أن مذهب أصحابنا في كراهة الركعتين قبل
المغرب إنما هو لكراهة تأخير فرض المغرب إلا يسيراً، وأن التجوز في الركعتين ينفي هذه
الكراهة عند المحققين، فبقي الأمر على الإباحة، وحينئذٍ إن ثبت الاستحباب أيضاً من
الأحاديث فلا يخالف مذهبنا، وغاية الأمر أنه يصير مما سكت عنه الفقه، ونطق به السنة، فقد

٢٥٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثبت التنفل؛ كعتين قبل المغرب عن النبي وَله: فعلاً، كما في حديث ابن حبان، ومحمد بن
نصر، وقولاً، بالعموم في جميع الأوقات، كما في أحاديث الصحيحين، وبالخصوص في
المغرب، كما في حديث البخاري: ((صلوا قبل المغرب ثلاثاً)) وتقريراً، كما في سائر الأحاديث
المذكورة في الباب وغيرها .
أما ادعاء أن حديث ابن حبان الفعلي يحتمل أنه وهو صلاها قضاء عن شيء فاته، فيرده
سياق محمد بن نصر، فإن فيه: ((أنه لو صلى ركعتين قبل المغرب: ثم قال: صلوا قبل المغرب
ركعتين .... الحديث.
وأما حديث جابر عند الطبراني في مسند الشاميين الذي نقله الشيخ ابن الهمام تُّهُ فمع
قطع النظر عن الكلام في صحته ليس عندي مما نحن فيه، بل الذي يغلب على الظن - والله
أعلم - أنه يتعلق بالركعتين بعد العصر، ولكن عبرها الراوي بالركعتين قبل المغرب، أي قبل
غروب الشمس، لا قبل صلاة المغرب وبعد غروب الشمس، وهذا ليس ببعيد كما مرّ في الباب
السابق في حديث عائشة نقله عن القاضي عياض: أن سنة الظهر تصح تسميتها أنها قبل العصر،
فكذا ههنا، سمي الراوي الصلاة بعد العصر بالصلاة قبل المغرب.
ويخطر بالبال - والله أعلم - أن حديث ابن عمر عند أبي داود في الركعتين قبل المغرب:
((ما رأيت أحداً على عهد رسول الله وَ ﴿ يصليهما)) لعل المراد بهما أيضاً هاتان الركعتان اللتان
كان النبي وّل يصليهما بعد العصر قبل غروب الشمس واصفرارها، فأخبر ابن عمر أنه ما رأى
أحداً من أصحابه وير يصليهما، ومع ذلك رخص هو في هاتين الركعتين إذ لم يتحر المصلي
الغروب، كما هو مذهبه، والمراد أن النبي ◌َّ ر رخص - أي بفعله - في الركعتين بعد العصر، كما
سبق في الباب السابق عن عائشة وغيرها. فلم يغير ظُله في مقام نفي رؤيته تعبير السائل، وغير
في مقام الترخيص، حيث قال: ((ورخص في الركعتين بعد العصر)) فإن هذا العنوان أوفق
بالرخصة من عنوان الركعتين قبل المغرب، وعلى هذا فلا معارضة بين هذا الحديث وأحاديث
الركعتين قبل صلاة المغرب بعد غروب الشمس، وإلا فكيف يعقل خفاء ما كان يفعله كثير من
الصحابة فيه جهاراً في المسجد النبوي على أمثال ابن عمر ◌ًا، هذا من أمحل المحال.
وأما ما روى عن إبراهيم النخعي أن النبي بَلّر وأبا بكر وعمر لم يكونوا يصلونهما، فلعل
المراد به نفي اهتمامهما والمواظبة عليهما، كسائر الرواتب، وكذا نهيه عنها .
وقوله: ((إنها بدعة)) أراد به النهي عن المواظبة عليها، لكونها بدعة عنده، كما تقدم في
صلاة الضحى أن ابن عمر طًّا قال: ((إنها بدعة)) وأولوا كلامه بمثل هذا التأويل، لوجود
الأحاديث الكثيرة في إثباتها وترغيبها، والله أعلم.

٢٥٣
كتاب: كتاب فضائل القرآن
وأما ما رواه البزار، والبيهقي، وابن حزم في المحلى من طريق حيان بن عبيد الله، عن
ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي وَالر: ((بين كل أذانين صلاة إلا المغرب)) وفي لفظ: ((ما خلا
المغرب)) فقال الحافظ تَغَفُ: ((إن هذه الزيادة شاذة، لأن حيان بن عبيد الله وإن كان صدوقاً عند
البزار وغيره، لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه، وقد
وقع فيبعض طرقه عند الإسماعيلي: ((وكان بريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب)) فلو كان
الاستثناء محفوظاً لم يخالف بريدة راويه.
وقال السيوطي في التعقبات (ص ١٠): ((وعندي أن الحديث وهم فيه حيان بإسقاط عبد الله
(بن مغفل) وزيادة ((إلا المغرب)) ويمكن أن لا وهم، فإن بريدة صحابي، وغاية الأمر أن يكون
مرسل صحابي، والزيادة المذكورة لا تنافي أصل الحديث)) اهـ.
وقال البيهقي في السنن: ((أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخرني محمد بن إسماعيل، حدثنا
أبو بكر بن محمد بن إسحاق - يعني ابن خزيمة - على إثر هذا الحديث: قال حيان بن عبيد الله:
هذا قد أخطأ في الإسناد، لأن كهمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الجريري، وعبد المؤمن
العتكي: رووا الخبر عن ابن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، عن أبيه، هذا علمي من الجنس الذي
كان الشافعي تَغْلَُّ يقول: أخذ طريق المحبرة، فهذا الشيخ لما رأى إخبار ابن بريدة عن أبيه:
توهم أن هذا الخبر هو أيضاً عن أبيه، ولعله لما رأى العامة لا تصلي قبل المغرب توهم أنه لا
يصلي قبل المغرب، فزاد هذه الكلمة في الخبر، وزاد علماً بأن هذه الرواية خطأ. إن ابن
المبارك قال في حديثه عن كهمس: ((فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين)) فلو كان ابن
بريدة قد سمع من أبيه عن النبي ◌َّ هذا الاستثناء الذي زاد حيان بن عبيد الله في الخبر (ما خلا
صلاة المغرب) لم يكن يخالف خبر النبي ◌َّ)) اهـ.
وقال في الجوهر النفي: ((فهذه زيادة من ثقة، فيحمل على أن لابن بريدة فيه سندين،
سمعه من ابن مغفل بغير تلك الزيادة، وسمعه من أبيه بالزيادة)) اهـ.
وقد تقدم البحث في قبول زيادات الثقات في مقدمة هذا الشرح مبسوطاً فليراجع.
وظني أن ما قاله الحافظ ابن حجر، والبيهقي، في توهيم هذه الرواية وكونها شاذة: هو
الصواب، وليعلم أن ما في رواية كهمس: ((فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين)» هكذا
وقع: ((فكان)» بالفاء في موضعين من سنن البيهقي، ووقع في موضع آخر: ((وكان بالواو، فإن
كان بالفاء فهي صريحة في ترتب فعله على روايته، وهذا لا يمكن على تقدير ثبوت الاستثناء في
روايته، نعم! إن كان بالواو فيحتمل أن يكون قصد الراوي بيان مخالفة عمله لما رواه، ولكن
رواية الفاء يرجح احتمال الموافقة وينفي المخالفة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

٢٥٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٥٧) - باب: صلاة الخوف
١٩٣٩ - (٣٠٥) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ
.......
الزّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)؛ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ صَلاَةَ الْخَوْفِ.
باب صلاة الخوف ومشروعية صلاة الخوف بعد النبي ◌َّ
قوله: (صلى رسول الله وَلله صلاة الخوف) إلخ: والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ
فِيِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الضَّلَوةَ فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢].
قال الحافظ: ((وأما قوله تعالى وإذا كنت فيهم)) فقد أخذ بمفهومه أبو يوسف في إحدى
الروايتين عنه، والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه، وإبراهيم بن علية، وحكى عن المزني
صاحب الشافعي، واحتج عليهم بإجماع الصحابة على فعل ذلك بعد النبي وَّ، وبقوله وَلّى:
(صلوا كما رأيتموني أصلي)) فعموم منطوقه مقدم على المفهوم.
وقال ابن العربي وغيره: شرط كونه وَلقر فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير:
(بين لهم بفعلك، لكونه أوضح من القول)).
ثم إن الأصل أن كل عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفية وردت
لبيان الحذر من العدو، وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم.
وقال الزين بن المنير: ((الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم، كالخوف في
قوله تعالى: ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُِّنًا﴾
[النساء: ١٠١].
وقال الطحاوي: ((كان أبو يوسف بَّفُ قد قال مرة: لا تصلي صلاة الخوف بعد
رسول الله ◌َو، وزعم أن الناس إنما صلوها معه لفضل الصلاة معه وَالطهر، قال: وهذا القول عندنا
ليس بشيء، وقد كان محمد بن شجاع يعيبه، يقول: إن الصلاة خلف النبي ◌َّ وإن كانت أفضل
من الصلاة مع الناس جميعاً، إلا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره)) انتهى.
(١) قوله: (عن ابن عمر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الخوف، باب صلاة الخوف، رقم
(٩٤٢) وباب صلاة الخوف رجالاً وركباناً، رقم (٩٤٣) وفي كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، رقم
(٤١٣٢) و(٤١٣٣) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، باب ((فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً .... )) رقم
(٤٥٣٥) والنسائي في سننه، في كتاب صلاة الخوف، رقم (٥١٣٩ - ١٥٤٣) وأبو داود في سننه، كتاب
الصلاة، باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم فيقوم كل صف فيصلون لأنفسهم ركعة، رقم (١٢٤٣)
والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الخوف، رقم (٥٦٤) وابن ماجه في سننه،
في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الخوف، رقم (١٢٥٨) والدارمي في سننه، في
كتاب الصلاة، باب في صلاة الخوف، رقم (١٥٢٩) وأحمد في مسنده (٢: ١٣٢ و١٤٧ و١٥٠ و١٥٥).

٢٥٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
وقال الشيخ كمال الدين الهمام كغذّفُ: ((ولا يخفى أن استدلال أبي يوسف تغذُّ ليس باعتبار
مفهوم الشرط، ليدفع بأنه ليس بحجة، بل بأن الصلاة مع المنافي لا تجوز في الشرع، ثم إنه
أجازها في صورة بشرط، فعند عدمه تبقى على ما كان من عدم الشرعية، لا أن عدم الشرعية عند
عدمه مدلول للتركيب الشرطي، فالجواب الحق أن الأصل كما انتفى بالآية حال كونه فيهم،
كذلك انتفى بعده بفعل الصحابة من غير نكير، فدل أجماعهم على علمهم من جهة الشارع بعد
اختصاصها بحال کونه فیھم.
فمن ذلك ما في أبي داود: ((أنهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة كابل، فصلى بنا صلاة
الخوف)) وروى: أن علياً صلاها يوم صفين، وصلاها أبو موسى الأشعري بأصبهان، وسعد بن
أبي وقاص في حرب المجوس بطبرستان، ومعه الحسن بن علي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن
عمرو بن العاص، وسألها سعيد بن العاص أبا سعيد الخدري، فعلمه، فأقامها .
وما في البخاري، في تفسير سورة البقرة، عن نافع: ((أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة
الخوف، قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس، فيصلي بهم ركعة ... )) الحديث.
وفي الترمذي عن سهل بن أبي حثمة أنه قال في صلاة الخوف: قال: ((يقوم الإمام .... ))
الحديث، فالصيغتان في الحديثين صيغة الفتوى لا إخبار عما كان ظّلا فعل، وإلا لقالا: ((قام
عليه الصلاة والسلام فصف خلفه .... )) إلخ دون أن يقول: ((يقوم الإمام)) ولذا قال مالك في
الأول: قال نافع لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله وَالقول، وقال محمد بن بشار
في الثاني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن هذا الحديث، فحدثني عن شعبة، عن
عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن حوات، عن سهل بن أبي حثمة عن النبي وَله
بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، قال الترمذي: حسن صحيح، لم يرفعه يحيى بن سعيد
الأنصاري، عن القاسم بن محمد، ورفعه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد)) اهـ.
وقال الشيخ الأنور تخَّثُ: ((لعل مراد أبي يوسف أن صلاة الخوف بجماعة واحدة مقصورة
على عهده يُها، ويجوز تعدد الأئمة والجماعات بعده)) اهـ.
وفي فتح القدير: ((واعلم أن صلاة الخوف على الصفة المذكورة إنما تلزم إذا تنازع القوم
في الصلاة خلف الإمام، وأما إذا لم يتنازعوا فالأفضل أن يصلي بإحدى الطائفتين تمام الصلاة،
ويصلي بالطائفة الأخرى إمام آخر تمامها)).
بيان صفة صلاة الخوف
وصفة صلاة الخوف المختارة عند أصحابنا هي ما في الهداية: ((أنه إذا اشتد الخوف جعل
الإمام الناس طائفتين: طائفة إلى وجه العدو، وطائفة خلفه فيصلي بهذه الطائفة ركعة وسجدتين،

٢٥٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة،
فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين، وتشهد وسلم، ولم يسلموا وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت
الطائفة الأولى فصلوا ركعة وسجدتين وحداناً بغير قراءة، لأنهم لاحقون، وتشهدوا وسلموا،
ومضوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى وصلوا ركعة وسجدتين بقراءة، لأنهم
مسبوقون، وتشهدوا وسلموا)).
قال ابن الهمام: ((وقد روى تمام صورة التمام موقوفاً على ابن عباس من رواية حنيفة، ذكر
محمد في كتاب الآثار، وساق إسناد الإمام، ولا يخفى أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، لأنه
تغيير بالمنافي في الصلاة، فالموقوف فيه كالمرفوع.
وأما حديث ابن مسعود عند أبي داود، وحديث ابن عمر في الكتب الستة (وهو حديث
الباب): فلا يخفى أن كلاً من الحديثين يدل على بعض المطلوب، لا على تمامه، وما روى أبو
داود من صلاة عبد الرحمن بن سمرة في غزوة كابل: قريب من الصفة التي قلنا بها .
وروى عن أبي يوسف جواز صلاة الخوف، وصفتها عنده فيما إذا كان العدو في جهة
القبلة: أن يحرموا مع الإمام كلهم، ويركعوا، فإذا سجد سجد معه الصف الأول، والثاني
يحرسونهم، فإذا رفع رأسه تأخر الصف الأول وتقدم الثاني، فإذا سجد سجدوا معه، وهكذا
يفعل في كل ركعة.
والحجة عليه ما روينا من حديث ابن عمر وابن مسعود، وقال سبحانه: ﴿فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ
مِنْهُم مَّعَكَ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُسَلُواْ مَعَكَ﴾ جعلهم سبحانه طائفتين، وصرح بأن
بعضهم فاته شيء من الصلاة معه، وعلى ما ذكره لم يفتهم شيء.
وقول الشافعي تغذّثه: ((إذا رفع رأسه من السجدة الثانية انتظر هذه الطائفة حتى تصلي ركعتها
الثانية، وتسلم، وتذهب، وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعته الثانية، فإذا رفع رأسه من السجدة
الثانية انتظر هذه الطائفة حتى تصليها ركعتها الثانية، وتشهد وسلم، وسلموا معه.
ومذهب مالك هذا أيضاً، إلا أنه يتشهدوا ويسلم، ولا ينتظرهم، فيصلون ركعتهم بعد
تسليمة، والكل من فعل به ظلّلا منقول، ورجحنا نحن ما ذهبنا إليه من الكيفية بأنه أوفق بالمعهود
استقراره شرعاً في الصلاة، وهو أن لا يركع المؤتم ويسجد قبل الإمام للنهي عنه، وأن لا ينقلبا
موضوع الإمامة، حيث ينتظر الإمام المأموم، وأقرب إلى سياق القرآن من قوله تعالى: ﴿فإذا
سجدوا فليكونوا من وراءكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ ... الآية.
قال ابن عابدين كثالله: ((اعلم أنه ورد في صلاة الخوف روايات كثيرة، وأصحها ست عشرة
رواية، واختلف العلماء في كيفيتها، وفي المستصفى: أن كل جائز، والكلام في الأولى،

٢٥٧
كتاب: كتاب فضائل القرآن
بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً. وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ. ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامٍ
والأقرب من ظاهر القرآن هذه الكيفية. امداد، وفي ((ط)) عن المجتبى: وفرق بينهما إذا كان
العدو في جهة القبلة أو لا على المعتمد)) اهـ.
وقال الحافظ: ((وقد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجح ابن عبد البر تَُّ
هذه الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها، لقوة الإسناد، ولموافقة الأصول في أن
المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه .
وعن أحمد، قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة، أيها فعل المرء جاز،
ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة الآتي في الباب، وكذا رجحه الشافعي كثُّهُ ولم يختر
إسحاق شيئاً على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد، منهم: ابن المنذر، وسرد ثمانية أوجه،
وكذا ابن حبان في صحيحه، وزاد تاسعاً. وقال ابن حزم: ((صح فيها أربعة عشر وجهاً)) وبينها
في جزء مفرد.
وقال ابن العربي في القبس: ((جاء فيها روايات كثيرة أصحها ستة عشر رواية مختلفة)) ولم
یبینھا .
٠
وقال النووي نحوه في شرح مسلم، ولم بينها أيضاً، وقد بينها شيخنا الحافظ أبو الفضل
في شرح الترمذي، وزاد وجهاً آخر، فصارت سبعة عشر وجهاً، لكن يمكن أن تتداخل.
قال صاحب الهوى: ((أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا
اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهاً من فعل النبي وَلقر، وإنما هو من اختلاف الرواة اهـ.
وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا بقوله: ((يمكن تداخلها)» وحكى ابن القصار المالكي
أن النبي ويقول صلاها عشر مرات، وقال ابن العربي: صلاها أربعاً وعشرين مرة، وقال الخطابي:
صلاها النبي ◌َّلهم في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ
للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى)) اهـ.
وقال السهيلي: اختلف العلماء في الترجيح:
فقالت طائفة: يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن.
وقالت طائفة: يجتهد في طلب الأخير منها، فإنه الناسخ لما قبله.
وقالت طائفة: يؤخذ بأصحها نقلاً وأعلاها رواة.
وقالت طائفة: يؤخذ بجميعها على حسب اختلاف أحوال الخوف، فإذا اشتد الخوف أخذ
بأيسرها مؤنة، والله أعلم)»؟
قوله: (بإحدى الطائفتين) إلخ: قال الحافظ: ((واستدل بقوله: ((طائفة)) على أنه لا يشترط

٢٥٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَصْحَابِهِمْ. مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ. وَجَاءَ أُولَئِكَ. ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ وَهِ رَكْعَةً. ثُمَّ سَلَّمَ
النَّبِيُّ ◌َ. ثُمَّ قَضَىْ هَؤُلاءِ رَكْعَةً. وَهَؤُلاءِ رَكْعَةً.
١٩٤٠ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّهُ كَانَّ يُحَدِّثُ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ فِي الْخَوْفِ
وَيَقُوَلُ: صَلَّيْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ بِهَذَا الْمَعْنَى.
١٩٤١ - (٣٠٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ صَلاَةَ الْخَوْفِ فِي
بَعْضٍ أَيَّامِهِ. فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ. فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ذَهَبُوا وَجَاءَ
الآخَّرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةٌ. ثُمَّ قَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَةً. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِذَا
كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ
استواء الفريقين في العدد، لكن لا بد أن تكون التي تحرس يحصل الثقة بها في ذلك، والطائفة
تطلق على الكثير والقليل، حتى على الواحد.
قوله: (ثم قضى هؤلاء ركعة) إلخ: قال الحافظ كثّفُ: ((القضاء فيها على معنى الأداء لا
على معنى القضاء الاصطلاحي، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم
أتموا على التعاقب، وهو المرجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة
وإفراد الإمام وحده، ویرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود.
قوله: (في بعض أيامه) إلخ: أي بعض مغازيه، وفي رواية أخرى: ((غزوت مع
رسول الله وَ لاَ قِبَلَ نجد)» .
تنبيه:
قد صح أن النبي ◌َّ صلى صلاة الخوف في أربعة مواضع:
ذات الرقاع، وهو في الصحيحين من طريق صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة.
وبطن نخل، وهو في النسائي عن جابر.
وعسفان، وهو عند أبي داود والنسائي من حديث أبي عياش الزرقي.
وغزوة ذي قرد، وهو في النسائي من حديث ابن عباس. (راجع له الدراية والدر
المختار).
قوله: (وقال ابن عمر: فإذا كان خوف) إلخ: قال الحافظ: ورواه ابن المنذر من طريق
داود بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، موقوفاً كله، لكن قال في آخره: ((وأخبرنا نافع أن

٢٥٩
كتاب: كتاب فضائل القرآن
فَصَلِّ رَاكِباً، أَوْ قَائِماً. تُومِىءُ إِيمَاءً.
١٩٤٢ - (٣٠٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (١). قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهِ صَلاَةَ الْخَوْفِ. فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صَفِّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا
وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ. فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَكَبَّرْنَا جَمِيعاً. ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعاً. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ
الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعاً. ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِيِ يَلِيهِ. وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي
نَحْرِ الْعَدُوِّ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َِّ السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ. انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ
عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي ◌ّر، فاقتضى ذلك رفعه كله، وروى مالك في الموطأ
عن نافع كذلك، لكن قال في آخره: ((قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن
النبي (وَ لّه)) وزاد في آخره: ((مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها)) وقد أخرجه البخاري من هذا الوجه
في تفسير سورة البقرة، ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً كله بغير شك.
أخرجه ابن ماجه، ولفظه: ((قال رسول الله وَير في صلاة الخوف: أن يكون الإمام يصلي
بطائفة .... )) فذكر نحو سياق سالم عن أبيه، وقال في آخره: ((فإن كان خوف أشد من ذلك
فرجالاً وركباناً)) وإسناده جيد، والحاصل أنه اختلف في قوله: ((فإن كان خوف أشد من ذلك))
هل هو مرفوع أو موقوف علي ابن عمر؟ والراجح رفعه، والله أعلم)).
قوله: (فصل راكباً أو قائماً) إلخ: والمعنى أنا لخوف إذا اشتد، والعدو إذا كثر، فخيف
من الانقسام لذلك - جازت الصلاة حينئذٍ بحسب الإمكان، وجاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من
الأركان، فينتقل عن القيام إلى الركوع، وعن الركوع والسجود إلى الإيماء إلى غير ذلك، وبهدا
قال الجمهور، ولكن قال المالكية: لا يصنعون ذلك حتى يخشى فوات الوقت. كذا في الفتح.
وفي الدر المختار: ((وإن اشتد خوفهم وعجزوا عن النزول صلوا ركباناً فرادى، إلا إذا
كان رديفاً للإمام، فيصح الاقتداء بالإيماء إلى جهة قدرتهم للضرورة)) اهـ.
وفي رد المختار تحت قوله: ((صلوا ركباناً)): ((أي ولو مع السير مطلوبين، فالراكب لو
طالباً لا يجوز صلاته، لعدم ضرورة الخوف في حقه. وتمامه في الإمداد)) اهـ.
قوله: (ثم انحدر بالسجود) إلخ: أي انخفض له.
قوله: (في نحو العدو) إلخ: أي في مقابلته، ونحو كل شيء: أوله، كذا في الشرح، وفي
(١) قوله: (عن جابر بن عبد الله) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي باب غزوة ذات
الرقاع، رقم (٤١٢٥ - ٤١٢٧) و(٤١٣٠) و(٤١٣٦ و٤١٣٧) والنسائي في سننه، في كتاب صلاة الخوف،
رقم (١٥٤٦ - ١٥٤٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة
الخوف، رقم (١٢٦٠) وأحمد في مسنده (٣: ٢٦٨ و٣١٩ و٣٦٤ و٣٧٤ و٣٩٠).

٢٦٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِالسُّجُودِ. وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ◌َهُ
وَرَكَعْنَا جَمِيعاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعاً، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي
يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخّراً فِي الرَّكْعَةِ الأُوَلَىَ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى
النَّبِيُّ وَّهِ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ. فَسَجَدُوا. ثُمَّ سَلَّمَ
النَّبِيُّ وَّهِ وَسَلَّمْنَا جَمِيعاً. قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِمْ.
١٩٤٣ - (٣٠٨) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ
عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ قَوْماً مِنْ جُهَيْنَةَ. فَقَاتَلُونَا قِتَالاً شَدِيداً. فَلَمَّا
بعض نسخ المشكاة: ((في نحر العدو)) أي صدرهم ومقابلتهم كيلا يهجموا على مقاتلتهم، كذا
في المرقاة.
قوله: (ثم تقدم الصف المؤخر) إلخ: قال القاري تقذفُ: ((ثم الحكمة - والله أعلم - في
التقدم والتأخر: حيازة فضيلة المعية في الركعة الثانية، جبراً لما فاتهم من المعية في الركعة
الأولية.
قوله: (ثم سلم النبي ◌َّ ** ) إلخ: قال القاري: ((والظاهر أنه قعد قدر التشهد، كما يدل
عليه: (ثم سلم)) ويعضده انحدار الصف المؤخر، ولا يلزم من تسليمهم جميعاً أن المنحدرين لم
يقدروا للتشهد، فإنه وإن تأخر السلام عن الإمام يصدق عليه أنهم سلموا جميعاً، لعدم لزوم
المعية من الجمعية .
قوله: (كما يصنع حرسكم هؤلاء) إلخ: جمع حارس، أي كما يفعل جندكم بأمرائهم.
قوله: (غزونا مع رسول الله ( ليزر قوماً من جهينة) إلخ: قال الحافظ: ((وروى أحمد
والترمذي، وصححه، والنسائي من طريق عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة: ((أن رسول الله وَ الهول
نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبناءهم .... ))
فذكر الحديث في نزول جبريل لصلاة الخوف. وروى أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن
حبان من حديث أبي عياش الزرقي، قال: ((كنا مع النبي ◌َّلر بعسفان، فصلى بنا الظهر وعلى
المشركين يومئذٍ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة، ثم قال: إنلهم صلاة بعد هذه
هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا
العصر، ففرقنا فرقتين .... )) الحديث. وسياقه نحو رواية زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، وهو
ظاهر في اتحاد القصة.
وقد روى الواقدي من حديث خالد بن الوليد، قال: ((لما خرج النبي وَّو إلى الحديبية لقيته
بعسفان، فوقفت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه، فهمنا أن نغير عليهم، فلم يعزم لنا،
فأطلع الله نبيه على ذلك، فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف ... )) الحديث. وهو ظاهر بما