Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب: كتاب فضائل القرآن
فَلا أُتَابِعُهُمْ.
١٩١٤ - (٢٨٣) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
قَالَ: أَتَى عَلْقَمَةُ الشَّامَ. فَدَخَلَ مَسْجِداً فَصَلَّى فِيهِ. ثُمَّ قَامَ إِلَى حَلْقَةٍ فَجَلَسَ فِيهَا، قَالَ:
فَجَاءَ رَجُلٌ فَعَرَفْتُ فِيهِ تَحَوُّشَ الْقَوْمِ وَهَيْئَتَهُمْ. قَالَ: فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي. ثُمَّ قَال: أَتَحْفَظُ
كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأَ؟ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
١٩١٥ - (٢٨٤) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ
دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةً؛ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ. فَقَالَ لِي: مِمَّنْ
أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَ: مِنْ أَيِّهِمْ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ: هَلْ تَقْرَأُ
عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بَنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:
يريدونني أن أزول عما أقرأني رسول الله وَله، ويقولون لي: اقرأوا ما خلق الذكر والأنثى، وإني
والله لا أطیعھم)).
قوله: (فلا أتابعهم) إلخ: قال السندي: ((كأنه ما كان ذلك منه إنكاراً لقراءتهم، بل إيثاراً
للقراءة التي سمع من النبي ◌َّير، وأخذها منه بلا واسطة، على ما بلغه منه بالواسطة، بناء على
ظنه جواز القراءتين، فاختار المسموع على غيره والله تعالى أعلم)).
قوله: (فدخل مسجداً) إلخ: أي مسجد دمشق. كما في المرقاة.
قوله: (فصلى فيه) إلخ: أي ركعتين، ثم قال: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، كما ثبت من
رواية علقمة عند البخاري.
قوله: (إلى حلقة) إلخ: هي بإسكان اللام في اللغة المشهورة، وقال الجوهري وغيره:
ويقال فى لغة رديئة بفتحها. قاله النووي تكّثهُ .
قوله: (فعرفت فيه تحوش القوم) إلخ: هو بمثناة في أوله، مفتوحة، وحاء مهملة، وواو
مشددة، وشين معجمة .
قال عياض: ((وتحوش القوم: انقباضهم، والحوش: الذي لا يخالط، ويحتمل أن يكون
من الفطنة والذكاء، يقال: رجل حوشي الفؤاد، أي حديده، وقد يكون معنى التحوش هنا:
الاجتماع حوله، احتوش القوم فلاناً: جعلوه وسطهم)) اهـ.
قوله: (وعيشتهم) إلخ: كذا في النسخة المصرية التي بأيدينا، وفي سائر النسخ الهندية
والمصرية: ((وهيئتهم)) وكذا وقع في مجمع البحار في مادة ((حوش)) فلعل علقمة أراد بالقوم:
الصحابة ه، والمقصود أنه عرف في أبي الدرداء عيشة الصحابة رضيه وما كانوا عليه من
التحوش والهيأة الحسنة. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

٢٢٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١]. قَالَ فَقَرَأْتُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرِ وَالأَنْثَى﴾. قَال فَضَحِكَ ثُمَّ
قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ يَقْرَؤْهَا .
١٩١٦ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ
عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ. قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةً.
(٥١) - باب: الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها
١٩١٧ - (٢٨٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
يَخْيَى بْنِ حَبَّنَ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ
الْعَصْرِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسَُ وَعَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها
قوله: (بعد العصر) إلخ: أي بعد صلاة العصر وكذا في قوله: ((بعد الصبح)) أي بعد صلاة
الصبح كما هو الظاهر.
قال الطحاوي: ((جاءت الآثار عن رسول الله وم* متواترة بالنهي عن الصلاة بعد العصر
حتى تغرب الشمس، وعمل بذلك أصحابه من بعده، لا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك)) اهـ.
وقال ابن بطال: ((تواترت الأحاديث عن النبي وَلغير أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد
العصر، وكان عمر رظُله يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير))
اهـ.
وفي السراج المنير تحت حديث أبي سعيد الآتي في الباب: أخرجه الشيخان، والنسائي،
وابن ماجه، عن أبي سعيد مرفوعاً، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عن عمر مرفوعاً، قال
المناوي: ((وهذا متواتر)) اهـ.
وقال ابن دقيق العيد: ((هذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وخالف بعض
المتقدمين وبعض الظاهرية من بعض الوجوه))، أهـ.
قال العيني كثّفُ: «فدل على أن صلاته وَ ل (بعد العصر ركعتين) مخصوصة به دون أمته،
(١) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، وفي كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد
الفجر حتى ترتفع الشمس، رقم (٥٨٤) وباب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، رقم (٥٨٨) وفي
كتاب اللباس، باب اشتمال الصمّاء، رقم (٥٨١٩) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب النهي عن
الصلاة بعد الصبح، رقم (٥٦٢) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب النهي عن
الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، رقم (١٢٤٨) وأحمد في مسنده (٢: ٤٦٢ و٤٩٦ و٥١٠ ٥٢٩).

٢٢٣
كتاب: كتاب فضائل القرآن
وكره ذلك علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب، وزيد بن
ثابت، وسلمة بن عمر، وكعب بن مرة، وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة، وعائشة، والصنابحي
ـ واسمه عبد الرحمن بن عقيلة ـ وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو.
وفي مصنف ابن أبي شيبة، عن أبي العالية، قال: ((لا يصلح الصلاة بعد العصر حتى تغيب
الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، قال: وكان عمر ظُه يضرب على ذلك)).
وعن الأشتر قال: ((كان خالد بن الوليد يضرب الناس على الصلاة بعد العصر، وكرهها
سالم، ومحمد بن سیرین.
وعن ابن عمر رَب ◌ُه قال: ((صليت مع النبي وَلّر، مع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلا صلاة
بعد الغداة حتى تطلع الشمس)).
قال أبو سعيد: ((تمرتان بزبد أحب إلي من صلاة بعد العصر)).
عن ابن مسعود: ((كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها)).
وقال بلال: ((لم ينه عن الصلاة إلا عن غروب الشمس، لأنها تغرب في قرن الشيطان)).
ورأى أبو مسعود رجلاً يصلي عند طلوع الشمس فنهاه، وكذا شريح.
وقال الحسن: ((كانوا يكرهون الصلاة عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند غروبها حتى
تغيب)) وحكاه ابن حزم عن أبي بكرة.
وفي (فوائد أبي الشيخ)): ((رأى حذيفة رجلاً يصلي بعد العصر، فنهاه فقال: أو يعذبني الله
عليها؟ قال يعذبك على مخالفة السنة)) اهـ.
وحكى ابن حزم في المحلى: ((أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين
بعد العصر، فلما توفي عمر ركعهما، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أن عمر كان يضرب الناس
عليهما)) .
قال ابن حزم: ((في الحديث بيان واضح أن أبا بكر الصديق، وعثمان شؤًا كان يجيزان
الركوع بعد العصر)) اهـ.
قلت: ليس فيه دلالة على أنهما يجيزانه، نعم! هو دليل على محض نفي الضرب والتشديد
الذي كان في زمن عمر به على فاعله، وأين هذا من ذلك؟! والله أعلم.
اختلاف العلماء في جواز الصلاة بعد الصبح
والعصر، وعند الطلوع والغروب والاستواء
قال القاضي: ((اختلفوا في جواز الصلاة بعد الصبح، والعصر، وعند الطلوع والغروب وعند
الاستواء، فذهب داود إلى جواز الصلاة فيها مطلقاً (وادعى نسخ أحاديث النهي) وروى عن

٢٢٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
جمع من الصحابة، فلعلهم لم يسمعوا نهيه عليه الصلاة والسلام (أو قالوا وعملوا به قبل بلوغ
النهي إليهم) أو حملوه على التنزيه دون التحريم.
وخالفهم الأكثرون، فقال الشافعي: لا يجوز فيها فعل صلاة لا سبب، لها أم الذي
كالمنذورة وقضاء الفائتة: فجائز، لحديث كريب عن أم سلمة، واستثنى أيضاً مكة واستواء
الجمعة لحديث جبير بن مطعم وأبي هريرة.
وقال أبو حنيفة: يحرم فعل كل صلاة في الأوقات الثلاثة سوى عصر يومه عند الاصفرار،
ويحرم المنذورة والنافلة بعد الصلاتين، دون المكتوبة الفائتة، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة.
وقال مالك: يحرم فيها النوافل دون الفرائض، ووافقه أحمد، غير أنه جوز فيها ركعتي
الطواف. كذا في المرقاة مع زيادة.
وفصل ابن عابدين كثُّ تعالى مذهب أصحابنا فقال:
((واعلم أن ما يسمى صلاة ولو توسعا إما فرض، أو واجب، أو نفل.
والأولى علمي وقطعي، فالعملي: الوتر، والقطعي: كفاية وعين، فالكفاية صلاة الجنازة،
والعين: المكتوبات الخمس، والجمعة، والسجدة الصلبية.
والواجب إما لعينه، وهو ما لا يتوقف وجوبه على فعل العبد، أو لغيره وهو ما يتوقف
عليه. فالأول: الوتر، فإنه يسمى واجباً، كما يسمى فرضاً عملياً، وصلاة العيدين، وسجدة
التلاوة. والثاني: سجدتا السهو وركعتا الطواف وقضاء نفل أفسده، والمنذور.
والنفل: سنة مؤكدة وغير مؤكدة.
واعلم أن الأوقات المكروهة نوعان: الأول: الشروق والاستواء والغروب، والثاني: ما
بين الفجر والشمس وما بين صلاة العصر إلى الاصفرار.
فالنوع الأول: لا ينعقد فيه شيء من الصلوات التي ذكرناها إذا شرع بها فيه، وتبطل إن
طرأ عليها إلا صلاة جنازة حضرت فيها، وسجدة تليت آيتها فيها، وعصر يومه، والنفل، والنذر
المقيد بها، وقضاء ما شرع به فيها ثم أفسده، فتنعقد هذه الستة بلا كراهة أصلاً في الأول منها،
ومع الكراهة التنزيهية في الثانية، والتحريمية في الثالثة، وكذا في البواقي، لكن مع وجوب القطع
والقضاء في وقت غير مكروه.
والنوع الثاني: ينعقد فيه جميع الصلوات التي ذكرناها من غير كراهة إلا النفل والواجب
لغيره، فإنه ينعقد مع الكراهة، فيجب القطع والقضاء في وقت غير مكروه)) اهـ. مع بعض تغيير.
قال في البحر: ((وحديث النهي عن الصلاة في الوقتين بعمومه متناول للفرائض،

٢٢٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٩١٨ - (٢٨٦) وحدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم. جَمِيعاً عَنْ هُشَيْم.
قَالَ دَاوُدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: أَخْبَرَنَّا أَبُو الْعَالِيَةِ عَنِ ابَّنِ
عَبَّاسٍ(١) قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
وَكَانٌ أَحَبَّهُمْ إِلَيَّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ، حَتَّى تَظْلُعَ الشَّمْسُ.
وَبَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
١٩١٩ - (٢٨٧) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح
وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلُّىِ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ. ح وَحدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنِي أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِي
حَدِيثِ سَعِيدٍ وَهِشَامٍ: بَعْدَ الصُّبِّحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ.
فأخرجوها منه بالمعنى، وهو أن الكراهة كانت لحق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به، لا
بمعنى في الوقت، فلم يظهر في حق الفرائض، وقد بحث فيه المحقق ابن الهمام بأن هذا
الاعتبار لا دليل عليه، ثم النظر إليه يستلزم نقيض قولهم: العبرة في المنصوص عليه لعين النص،
لأنه يستلزم معارضة النص بالمعنى، والنظر إلى النصوص يفيد منع القضاء تقديماً للنهي العام
على حديث التذكر، نعم! يمكن إخراج صلاة الجنازة وسجدة التلاوة بأنهما ليسا بصلاة مطلقة،
ويكفي في إخراج القضاء من الفساد: العلم بأن النهي ليس بمعنى في الوقت، وذلك هو
الموجب للفساد، وأما من الكراهة ففيه ما سبق)) اهـ.
والحاصل أن الدليل يقتضي ثبوت الكراهة في كل صلاة وتخصيصه بلا مخصص شرعي.
كذا في البحر، وسيأتي المزيد عليه، إن شاء الله تعالى.
قوله: (أخبرنا أبو العالية) إلخ: هو الرياحي بالياء التحتانية، واسمه رفيع، بالتصغير.
قوله: (حتى تشرق الشمس) إلخ: قال النووي: ((ضبطناه بضم التاء وكسر الراء، وهكذا
أشار إليه القاضي عياض في شرح مسلم وضبطناه أيضاً بفتح التاء وضم الراء، وهو الذي ضبطه
أكثر رواة بلادنا، وهو الذي ذكره القاضي عياض في المشارق. قال أهل اللغة: يقال: شرقت
(١) قوله: (عن ابن عباس) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد
الفجر حتى ترتفع الشمس، رقم (٥٨١) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب النهي عن الصلاة بعد
الصبح، رقم (٥٦٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس
مرتفعة، رقم (١٢٧٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد وبعد
الفجر، رقم (١٨٣) وابن ماجه في جامعه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب النهي عن الصلاة بعد
الفجر وبعد العصر، رقم (١٢٥٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب أي ساعة يكره فيها الصلاة،
رقم (١٤٤٠) وأحمد مسنده (١: ١٨ و١٩ و٢٠ و٣٩ و٥٠ و٥١).

٢٢٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٢٠ - (٢٨٨) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ؛ أَنَّ
ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْئِيُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ(١)
الشمس تشرق، أي طلعت على وزن: طلعت تطلع، وغربت تغرب، ويقال: أشرقت تشرق، أي
ارتفعت وأضاءت. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] أي أضاءت، فمن
فتح التاء هنا احتج بأن باقي الروايات قبل هذه الرواية وبعدها حتى تطلع الشمس، فوجب حمل
هذه على موافقتها، ومن قال بضم التاء: احتج له القاضي بالأحاديث الأخرى في النهي عن
الصلاة عند طلوع الشمس، والنهي عن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حتى تبرز، وحديث:
ثلاث ساعات، حتى تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، قال: وهذا كله يبين أن المراد بالطلوع في
الروايات الأخر ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها، وهذا الذي قاله القاضي
صحیح متعین لا عدول عنه، للجمع بین الروايات)) اهـ.
وفي الفتح: ((قال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات
المنهي عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب
كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف وصلاة الجنازة،
وقضاء الفائتة فذهب الشافعي تقُّ وطائفة إلى جواز ذلك كله بلا كراهة، وذهب أبو حنيفة
وآخرون إلى أن ذلك داخل في عموم النهي.
واحتج الشافعي كفُّ بأنه ولّ قضى سنة الظهر بعد العصر، وهو صريح في قضاء السنة
الفائتة، فالحاضرة أولى. والفريضة المقضية أولى، ويلتحق ما له سبب.
قلت: وما نقله من الإجماع والاتفاق متعقب، فقد حكى غيره عن طائفة من السلف
الإباحة مطلقاً، وأن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم
ابن حزم وعن طائفة أخرى: المنع مطلقاً في جميع الصلوات، وصح عن أبي بكرة وكعب بن
عجرة: المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات)).
(١) قوله: ((أبا سعيد الخدري))) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب لا
يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، رقم (٥٨٦) وفي كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب
فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، رقم (١١٨٨) وباب مسجد بيت المقدس، رقم (١١٩٧) وفي كتاب
جزاء الصيد، باب حجّ النسيان، رقم (١٨٦٤) وفي كتاب الصوم، باب صوم يوم الفطر، رقم (١٩٩٢)
وباب صوم يوم النحر، رقم (١٩٩٥) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب النهي عن الصلاة بعد
العصر، رقم (٥٦٧) و(٥٦٨) و(٥٦٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب النهي
عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، رقم (١٢٤٩) وأحمد في مسنده (٣: ٦ و٧ و٣٤ و٣٩ و٤٥ و ٥٣ و٦٠
و٦٤ و٦٦ و٦٧ و٧١ و٧٣ و٩٥ و٩٦) وانظر ما سيأتي من كتاب الصيام، باب تحريم صوم يومي العيدين،
رقم (٢٦٨٧).

٢٢٧
كتاب: كتاب فضائل القرآن
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. وَلا صَلاَةَ بَعْدَ
صَلاَةِ الْفَجْرِ ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» .
١٩٢١ - (٢٨٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ (١)؛
قوله: (لا صلاة بعد صلاة العصر) إلخ: قال ابن دقيق العيد: ((صيغة النفي في ألفاظ
الشارع إذا دخلت على فعل كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعي، لا الحسي، لأنا لو
حملناه على نفي الفعل الحسي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار، والأصل عدمه، وإذا حملناه
على الشرعي لم نحتج إلى إضمار، فهذا وجه الأولوية، وعلى هذا فهو نفي بمعنى النهي،
والتقدير: لا تصلوا)).
وحكى أبو الفتح اليعمري عن جماعة من السلف: أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد
الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يتطوع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به
وقت الطلوع ووقت الغروب، ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود، والنسائي، بإسناد حسن، عن علي،
عن النبي وَّ قال: ((لا تصلوا بعد الصبح ولا بعد العصر إلا أن تكون الشمس نقية)) وفي رواية:
((مرتفعة)) فدل على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه، وإنما المراد وقت الطلوع ووقت
الغروب، وما قاربها، والله أعلم)) كذا قال الحافظ في الفتح.
وفيه كما ترى - تحسينه حديث أبي داود، وقد صرح في موضع آخر منه أن إسناده صحيح
قوي والله أعلم، وقد حمل بعض فضلاء عصرنا حديث أبي داود على الفوائت، إلا أن الذوق
السليم يرد هذا التخصيص، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
قوله: (حتى تطلع الشمس) إلخ: وفي البخاري من طريق صالح، عن ابن شهاب: ((حتى
تطلع الشمس)).
قال ابن حجر تغّه: ((أي كلامح في رأي العين، وهو قدر سبعة أذرع تقريباً، وإلا فالمسافة
طويلة، لما في رواية أبي نعيم: ((حتى ترتفع كرمح أو رمحين)) كذا في المرقاة.
(١) قوله: (عن ابن عمر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد
الفجر حتى ترتفع الشمس، رقم (٥٨٢) وباب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، رقم (٥٨٥) وباب من
لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر، رقم (٥٨٩) وفي كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب
مسجد قباء، رقم (١١٩٢) وفي كتاب الحج، باب الطواف بعد الصبح والعصر، رقم (١٦٢٩) وفي كتاب
بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم (٣٢٧٣) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب النهي
عن الصلاة عند طلوع الشمس، رقم (٥٦٤) و(٥٦٥) وأحمد في مسنده (٢: ٢٤ و٤٢ و١٠٦).

٢٢٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((لا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلا عِنْدَ غُرُوبِهَا)).
وقال بعض فقهائنا: ينبغي تصحيح ما نقلوه عن الأصل للإمام محمد من أنه ما لم ترتفع
الشمس قدر رمح فهي في حكم الطلوع، لأن أصحاب المتون مشوا عليه في صلاة العيد، حيث
جعلوا أول وقتها من الارتفاع، ولذا جزم به هنا الفيض ونور الإيضاح.
قوله: (لا يتحرى أحدكم) إلخ: قال الحافظ تغلفهُ: ((كذا وقع بلفظ الخبر، قال السهيلي:
يجوز الخبر عن مستقر أمر الشرع، أي لا يكون إلا هذا.
قوله: (فيصلي) إلخ: بالنصب، والمراد نفي التحري والصلاة معاً، ويجوز الرفع، أي لا
يتحرى أحدكم الصلاة في وقت كذا فهو يصلي فيه. وقال ابن خروف: ((يجوز في ((فيصلي)) ثلاثة
أوجه: الجزم على العطف، أي لا يتحرى ولا يصلي، والرفع على القطع، أي لا يتحرى فهي
وصلى، والنصب على جواز النهي، والمعنى: لا يتحرى مصلياً)).
وقال الطيبي كثّفُهُ: ((لا يتحرى)) نفي بمعنى النهي، ويصلي)) لأنه جوبه، كأنه قيل: لا
يتحرى، فقيل: لم؟ فأجيب: خيفة أن يصلي، ويحتمل أن يقدر غير ذلك، وقد وقع في رواية
القعنبي في الموطأ: ((لا يتحرى أحدكم أن يصلي)) ومعناه لا يتحرى الصلاة.
قوله: (ولا عند غروبها) إلخ: قال في الكنز: ((ومنع عن الصلاة، وسجدة التلاوة، وصلاة
الجنازة: عند الطلوع، والاستواء، والغروب، إلا عصر يومه)) اهـ.
قال في البحر: ((أطلق الصلاة، فشمل فرضها ونفلها، لأن الكل ممنوع، فإن المكروه من
قبيل الممنوع، لأنها تحريمية، لما عرف من أن النهي الظني الثبوت غير المصروف عن مقتضاه:
يفيد كراهة التحريم، وإن كان قطعيه أفاد التحريم، فالتحريم في مقابلة الفرض في الرتبة، وكراهة
التحريم في رتبة الواجب، والتنزيه في رتبة المندوب، والنهي في حديث عقبة من الأول، فكان
الثابت به كراهة التحريم، فإن كانت الصلاة فرضاً أو واجبة فهي غير صحيحة، لأنها لنقصان في
الوقت بسبب الأداء فيه، تشبيهاً بعبادة الكفار المستفاد من قوله وَلاير: ((إن الشمس تطلع بين قرني
شيطان إذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت لغروب قارنها،
وإذا غربت فارقها)) ونهى عن الصلاة في تلك الساعات. رواه مالك في الموطأ. وهذا هو المراد
بنقصان الوقت، وإلا فالوقت لا نقص فيه نفسه، بل هو وقت كسائر الأوقات، وإنما النقص في
الأركان، فلا يتأدى بها ما وجب كاملاً، فخرج الجواب عما قيل: لو ترك بعض الواجبات
صحت الصلاة، مع أنها ناقصة يتأدى بها الكامل، لأن ترك الواجب لا يدخل النقص في
الأركان التي هي المقومة للحقيقة، بخلاف فعل الأركان في هذه الأوقات، وإنما جاز القضاء
في أرض الغير وإن كان النهي ثم لمعنى في غيره، لأن النهي ثم ورد للمكان، وهنا للزمان،
واتصال الفعل بالزمان أكثر، لأنه داخل في ماهيته، ولهذا فسد صومه يوم النحر، وإن ورد النهي
فيه لمعنى في غيره، لأن النهي فيه باعتبار الوقت، والصوم يقومه، ويطول بطوله، لأنه معياره،

٢٢٩
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٩٢٢ - (٢٩٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْرُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. قَالا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: ((لا تَحَرَّوْا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا
تَطْلُعُ بِقَرْنَي شَيْطَانٍ.
١٩٢٣ - (٢٩١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَابْنُ بِشْرٍ. قَالُوا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ (١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: (إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشِمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَبْرُزَ.
فازداد الأثر، فصار فاسداً، وإن كانت الصلاة نفلاً فهي صحيحة مكروهة، حتى وجب قضاءه إذا
قطعه، وقضاؤه فيغير مكروه في ظاهر الرواية، ولو أتمه خرج عن عهدة ما لزمه بذلك الشروع،
وفي المبسوط: القطع أفضل والأول هو مقتضى الدليل)).
قوله: (لا تحروا) إلخ: أصله تتحروا، أي تقصدوا .
قوله: (بقرني شيطان) إلخ: قال النووي كثّلهُ: ((قيل: المراد بـ((قرني شيطان)) حزبه وأتباعه،
وقيل: قوته وغلبته وانتشار فساده. وقيل: القرنان ناحيتا الرأس، وإنه على ظاهره، وهذا هو
الأقوى. قالوا: ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من
الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر، وتمكن من أن يلبسوا
على المصلين صلاتهم، فكرهت الصلاة حينئذٍ صيانة لها، كما كرهت في الأماكن التي هي
مأوى الشيطان، وفي رواية لأبي داود، والنسائي، في حديث عمرو بن عبسة: ((فإنها تطلع بين
قرني الشيطان، فيصلي لها الكفار)) وفي بعض أصول مسلم في حديث ابن عمر هنا: ((بقرني
الشيطان)) بالألف واللام، وسمي شيطاناً لتمرده وعتوه، وكل ماردٍ عاتٍ: شيطان، والأظهر أنه
مشتق من (شطن)) إذا بعد، لبعده من الخير والرحمة، وقيل: مشتق من ((شاط)) إذا هلك واحترق.
قوله: (حاجب الشمس) إلخ: أي طرف قرصها، قال الجوهري: حواجب الشمس:
نواحيها .
قوله: (حتى تبرز) إلخ: أي حتى تصير الشمس بارزة ظاهرة، والمراد: ترتفع، كما سبق
تقريره .
(١) قوله: (عن ابن عمر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد
الفجر حتى ترفع الشمس، رقم (٥٨٣) وفي كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم (٣٢٧٢)
والنسائي في سننه في كتاب المواقيت. باب النهي عن الصلاة بعد العصر، رقم (٥٧٢) وأحمد في مسنده
(٢: ١٩ و١٠٦).

٢٣٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ)) .
١٩٢٤ - (٢٩٢) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْم
الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمِ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ(١)؛ قَالَ:
صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصَ. فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا. فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
قوله: (حتى تغيب) إلخ: أي تغيب الشمس كلها .
قوله: (عن خير بن نعيم) إلخ: بالخاء المعجمة.
قوله: (عن أبي تميم الجيشاني) إلخ: بفتح الجيم، وإسكان الياء، وبالشين المعجمة،
منسوب إلى ((جيشان)) قبيلة معروفة من اليمن، واسم أبي تميم: عبد الله بن مالك.
قوله: (عن أبي بصرة الغفاري) إلخ: بفتح الباء، وسكون الصاد. قال في التهذيب:
حميل بن بصرة بن وقاص بن حاجب بن غفار، أبو بصرة الغفاري، روى عن النبي بَّر، وعن
أبي ذر، وفي اسمه اختلاف، حميل: بفتح الحاء، قال الدراوردي في روايته، وذكر ابن المديني
عن بعض الغفارين: أنه تصحيف، وذكر البخاري أنه وهم، وحميل، بالضم، وعليه الأكثر،
وصححه ابن المديني، وابن حبان، وابن عبد البر، وابن ماكولا، ونقل الاتفاق عليه وغيرهم،
وقيل غير ذلك.
قوله: (بالمُخَمَّص) إلخ: بضم الميم الأولى، وفتح الخاء المعجمة، والميم جميعاً،
وقيل: بفتح الميم، وسكون الخاء، وكسر الميم بعدها، وفي آخرها صاد مهملة. قال
النووي تثاثُ: موضع معروف.
وقال القاري كَذَلُهُ: اسم طريق، نقله ميرك عن المنذري.
وفي شرح القاموس للزبيدي: ((اسم طريق في جبل عير إلى مكة حرسها الله تعالى)).
قوله: (على من كان قبلكم) إلخ: من اليهود والنصارى.
قوله: (فضيعوها) إلخ: أي ما قاموا بحقها وما حافظوا على مراعاتها، فأهلكهم الله
تعالى، فاحذروا إن تكونوا مثلهم، ولذا قال تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ وَالصَلَوَةِ
الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٩] أي العصر على الصحيح، خصت بالمحافظة، وورد الوعيد الشديد على
ترکها وتقويتها .
قوله: (أجره مرتين) إلخ: إحداهما: للمحافظة عليها خلافاً لمن قبلهم، وثانيتهما: أجر
(١) قوله: (عن أبي بصرة الغفاري) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب تعجيل
المغرب، رقم (٥٢٢) وأحمد في مسنده (٦: ٣٩٧).

٢٣١
كتاب: كتاب فضائل القرآن
وَلَا صَلاَةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ)).
وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ.
١٩٢٥ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي
عَنِ ابْنٍ إِسْحَاقَ. قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمِ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّبَائِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً، عَنْ أَبِي تَمِيمِ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ،
قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللّهِ وَهِ الْعَصْرَ. بِمِثْلِهِ.
١٩٢٦ - (٢٩٣) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ
عُلَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ(١) يَقُولُ: ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَّ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ. أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانًا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ
...
عمله كسائر الصلوات. قاله الطيبي، أو أجر للمحافظة على العبادة، وأجر لترك البيع والشراء
بالزهادة، فإن وقت العصر كان زمان سوقهم، وأوان شغلهم. وقال ابن حجر: مرة لفضلها لأنها
الوسطى، ومرة للمحافظة عليها، ومشاركة بقية الصلوات لها في هذا لا تؤثر في تخصيصها
بمجموع الأمرین.
قوله: (حتى يطلع الشاهد) إلخ: أي يدل على دخول الليل.
قوله: (والشاهد النجم) إلخ: أي أحد الشاهدين ظهوره، إذ بغيبة الشمس يظهر نوره.
قوله: (عن موسى بن علي) إلخ: هو بضم العين على المشهور، ويقال: بفتحها، وهو
موسى بن علي بن رباح اللخمي.
قوله: (أو أن نقبر فيهن موتانا) إلخ: نقبر: على وزن ((ننصر)) أي ندفن، يقال: قبرته: إذا
دفنته، وأقبرته إذا جعلت له قبراً يوارى فيه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَقْرَّهُ﴾ [عبس: ٢١] قال في البحر:
والمراد بقوله: ((وأن نقبر)) صلاة الجنازة كناية، لأنها ذكر الرديف وإرادة المردوف، إن الدفن
غير مكروه خلافاً لأبي داود، ولما رواه ابن دقيق العيد في ((الإمام)) عن عقبة، قال: ((نهانا
(١) قوله: (عقبة بن عامر الجهني) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب الساعات التي
نهى عن الصلاة فيها، رقم (٦٥١) وباب النهي عن الصلاة نصف النهار، رقم (٥٦٦) وفي كتاب الجنائز،
باب الساعات التي نهى عن إقبار الموتى فيهنّ، رقم (٢٠١٥) وأبو داود في سننه، في كتاب الجنائز باب
الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها، رقم (٣١٩٢) والترمذي في جامعه، في كتاب الجنائز، باب ما جاء
في كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها، رقم (١٠٣٠) وابن ماجه في سننه، في
كتاب الجنائز، باب ما جاء في الأوقات التي لا يصلي فيها على الميت ولا يدفن، رقم (١٥١٩) والدارمي
في سننه، في كتاب الصلاة، باب أي ساعة يكره فيها الصلاة، رقم (١٤٣٩) وأحمد في مسنده (٤: ١٥٢).

٢٣٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الطَّهِيرَةِ
رسول الله ◌َو أن نصلي على موتانا عند طلوع الشمس)) اهـ.
ولهذا بوب عليه الترمذي كثّفُهُ: ((كراهة صلاة الجنازة عند طلوع الشمس)) وذكر حديث
الباب، ونقل الزيلعي والطيبي عن ابن المبارك أنه قال: معنى: أن نقبر فيها على موتانا)) يعني
صلاة الجنازة.
وقال الحافظ في الدراية بعد ذكر حديث عقبة هذا: ((وأخرجه ابن شاهين في الجنائز
بلفظ: ((أن نصلي موتانا)) وهذا يرد حمل أبي داود له على الدفن الحقيقي)) اهـ.
ولكن قال في التلخيص: فيه خارجة بن مصعب، وهو ضعيف، اهـ.
قال بعض الفضلاء: ((فيه خارجة بن مصعب، عن ليث بن سعد، كما في نصب الراية،
وضعفوه إلا أن مسلماً نقَلَتْهُ قال سمعت يحيى بن معين - وسئل عن خارجة - فقال: مستقيم
الحديث عندنا، ولم يكن ينكر من حديثه إلا ما يدلس عن غياث بن إبراهيم، كما في تهذيب
التهذيب .
وقال ابن عدي تكثّتُهُ: ((هو ممن يكتب حديثه، كما نقد الرجال (ص ٣٨) فالحديث مما
يعضد به)) اهـ. ومثله يكفي لتعيين المراد من بين الاحتمالين، والله أعلم.
قال علي القاري تكفَّهُ: ((والمذهب عندنا: أن هذه الأوقات الثلاثة يحرم فيها الفرائض
والنوافل وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة، إلا إذا حضرت الجنازة، أو تليت آية السجدة حينئذٍ،
فإنهما لا يكرهان، لكن الأولى تأخيرهما إلى خروج الأوقات)) اهـ.
وفي التحفة: الأفضل أن لا يؤخر الجنازة، قال ابن عابدين كثّفُ: ((وما في التحفة أقره في
البحر، والنهر، والفتح، والمعراج، لحديث: ((ثلاث لا يؤخرن .... )) منها الجنازة إذا
حضرت .
وقال في شرح المنية: ((والفرق بينهما وبين سجدة التلاوة ظاهر، لأن التعجيل فيها مطلوب
مطلقاً إلا لمانع، وحضورها في وقت مباح مانع من الصلاة عليها في وقت مكروه، بخلاف
حضورها في وقت مكروه، وبخلاف سجدة التلاوة، لأن التعجيل لا يستحب فيها مطلقاً)) اهـ.
أي بل يستحب في وقت مباح فقط، فثبتت كراهة التنزيه في سجدة التلاوة دون صلاة الجنازة،
انتھی .
قوله: (بازغة) إلخ: أي طالعة ظاهرة.
قوله: (حتى ترتفع) إلخ: والمراد ترتفع كرمح في رأي العين، كما مر.
قوله: (وحين يقوم قائم الظهيرة) إلخ: هي شدة الحر في نصف النهار، قال السندي: ((قال
النووي: الظهيرة حال استواء الشمس، ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق
ولا في المغرب)) انتهى.

٢٣٣
كتاب: كتاب فضائل القرآن
وفي المجمع: ((هو من قامت به دابته ووقفت، يعني أن الشمس إذا بلغت وسط السماء
أبطأت حركته، إلى أن يزول، فيحسب أنها قد وقفت، وهي سائرة، لكن لا يظهر أثره ظهوره
قبل الزوال وبعده)) انتهى.
قلت: والوجهان لا يخلو عن بعد أما الأول فلعدم دلالة اللفظ عليه، وأما الثاني فلأن
إطلاق القائم على الشمس بصيغة التذكير بعيد، والأقرب أن يراد به الظل، أي حين يستقر الظل
لا يظهر له زيادة ولا نقصان، وهذا مبني على ما ذكر في المجمع أنه لا يظهر حركة الشمس
حينئذٍ، فلا يظهر حركة الظل أيضاً، والله تعالى أعلم. اهـ.
وبالجملة فالحديث صريح في النهي عن الصلاة وقت الاستواء.
قال الحافظ كثّفُ: ((وفي أربعة أحاديث: حديث عقبة بن عامر (وهو حديث الباب) وحديث
عمرو بن عبسة (كما سيأتي) وحديث أبي هريرة وهو عند ابن ماجه، والبيهقي، ولفظه: ((حتى
تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا زالت فصل)) وحديث الصنابحي، وهو في الموطأ،
ولفظه: ((ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها)) وفي آخره: ((ونهى رسول الله وَله عن الصلاة
في تلك الساعات)» وهو حديث مرسل مع قوة رجاله.
وفي الباب أحاديث أخر ضعيفة وبقضية هذه الزيادة قال عمر بن الخطاب: ((فنهى عن
الصلاة نصف النهار)) وعن ابن مسعود قال: ((كنا ننهى عن ذلك، وعن أبي سعيد المقبري قال:
((أدركت الناس وهم يتقون ذلك)) وهو مذهب الأئمة الثلاثة والجمهور.
وخالف مالك، فقال: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار.
قال ابن عبد البر: ((وقد روى مالك حديث الصنابحي، فإما أنه لم يصح عنده، وإما أنه رده
بالعمل الذي ذكره» انتهى.
وقد استثنى الشافعي تَظُّ ومن وافقه من ذلك اليوم يوم الجمعة، وحجتهم أنه وَلّ ندب
الناس إلى التبكير يوم الجمعة، ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام - كما سيأتي في باب -
وجعل الغاية خروج الإمام، وهو لا يخرج إلا بعد الزوال، فدل على عدم الكراهة، وجاء فيه
حديث عن أبي قتادة مرفوعاً: ((أنه * كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة)) في إسناده
انقطاع وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة إذا ضمت قوي الخبر، والله أعلم)) كذا في الفتح.
وما ذكره من مذهب الشافعي هو مذهب أبي يوسف من أصحابنا، قال في الدر المختار:
((إلا يوم الجمعة على القول الثاني المصحح المعتمد كذا في الأشباه، ونقل الحلبي عن الحاوي
أن عليه الفتوى)) اهـ.
قال ابن عابدين كفته: «لكن شراح الهداية انتصروا القول الإمام، وأجابوا عن الحديث

٢٣٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ. وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ.
(٥٢) - باب: إسلام عمرو بن عبسة
١٩٢٧ - (٢٩٤) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَمَّارٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةً
- قَالَ عِكْرِمَةُ: وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ وَوَاثِلَةَ. وَصَحِبَ أَنَساً إِلَى الشَّامِ. وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَضْلاً
المذكور بأحاديث النهي عن الصلاة وقت الاستواء، فإنها محرمة، وليس هذا من المواضع التي
يحمل فيها المطلق على المقيد، كما يعلم من كتب الأصول، وفي البدائع: وكذا رواية استثناء
يوم الجمعة غريب، فلا يجوز تخصيص المشهور به)) اهـ والله أعلم بالصواب.
وفي شرح النقاية للبرجندي: ((قد وقع في عبارات الفقهاء أن الوقت المكروه هو عند
انتصاف النهار إلى أن تزول الشمس، ولا يخفى أن زوال الشمس إنما هو عقيب انتصاف النهار
بلا فصل، وفي هذا القدر من الزمان لا يمكن أداء صلاة فيه، فلعل المراد أنه لا تجوز الصلاة
بحيث يقع جزء منها في هذا الزمان، أو المراد بالنهار هو النهار الشرعي، وهو من أول طلوع
الصبح إلى غروب الشمس، وعلى هذا يكون نصف النهار قبل الزوال بزمان يعتمد به)) اهـ.
إسماعيل، ونوح، وحموي.
وفي القنية: ((واختلف في وقت الكراهة عند الزوال، فقيل: من نصف النهار إلى الزوال،
لرواية أبي سعيد عن النبي ◌َّ: ((أنه نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس)).
قال ركن الدين الصباغي: وما أحسن هذا، لأن النهي عن الصلاة فيه يعتمد تصورها فيه))
اهـ.
وعزا في القهستاني القول بأن المراد انتصاف النهار العرفي إلى أئمة ما وراء النهر، وبأن
المراد انتصاف النهار الشرعي، وهو الضحوة الكبرى إلى الزوال إلى أئمة خوارزم، كذا في رد
المحتار.
قوله: (حتى تميل الشمس) إلخ: أي من المشرق إلى المغرب، وتزول عن وسط السماء
إلى الجانب الغربي، وميلها هذا هو الزوال.
قوله: (وحين تضيف الشمس) إلخ: أي تتضيف، بمعنى تميل للغروب، وتشرع فيه،
وأصل ((الضيف)) الميل، سمي الضيف به لميله إلى من ينزل عليه.
قوله: (أحمد بن جعفر المعقري) إلخ: هو بفتح الميم، وإسكان العين المهملة، وكسر
القاف، منسوب إلى معقرو، وهي ناحية باليمن.

٢٣٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
وَخَيْراً - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ(١): كُنْتُ، وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَىْ ضَلَاَلَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ. وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ. فَسَمِعْتُ
بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَاراً. فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي. فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
مُسْتَخْفِياً، جُرَآءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: ((أَنَا
نَبِّ)) فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٍّ؟ قَالَ: ((أَرْسَلَنِيَ اللَّهُ) فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: ((أَرْسَلَنِي بِصِلَةٍ
الأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ يُؤَخَّدَ اللَّهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ)) قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟
قَالَ: ((َحُرِّ وَعَبْدٌ))، (قَالَ: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ)، فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ.
قوله: (وأنا في الجاهلية أظن) إلخ: قال الأبي: ((الأظهر من هذا الكلام أنه قد اهتدى في
نفسه، فالظن بمعنى العلم، وهو في ذلك كقس بن ساعدة، وكان شيخاً يحمل الظن على بابه،
ويقول: لا مانع من حمله عليه .
قوله: (جُرَآءُ عليه قومه) إلخ: قال النووي: ((هكذا هو في جميع الأصول: ((جرآء)» بالجيم
المضمومة، جمع ((جرىء)) بالهمز من الجراءة، وهي الإقدام والتسلط، وذكره الحميدي في
الجمع بين الصحيحين ((حرا)) بالحاء المكسورة، ومعناه: غضاب ذوو غم، قد عیل صبرهم به،
حتى أثر في أجسامهم، من قولهم: ((حرى جسمه يحرى - كضرب يضرب -: إذا نقص من ألم
وغيره، والصحيح أنه بالجيم.
قوله: (فقلت له) إلخ: هكذا هو في الأصول: ((ما أنت)) وإنما قال: ((ما أنت)) ولم يقل:
((من أنت)) لأنه سأله عن صفته، لا عن ذاته، والصفات مما لا يعقل.
قوله: (بصلة الأرحام) إلخ: قال النووي كثّفُ: ((يدل على تأكيد صلتها، لأنه قرنها
بالتوحيد))، قال الأبي: ((صح أنه جواباته ولو كانت بحسب السائل، وبحسب الزمان والحال،
فتخصيص الرحم بالذكر يحتمل أنه لرعى حال العرب فيها، أو أن غيرها من الفرائض لم يكن
فرض)).
قوله: (أبو بكر وبلال) إلخ: قال السندي: ((لعل تخصيصهما من بين الرجال، فلا ينافي
وجود عليّ وخديجة ◌ًَّا، لكون علي من الصبيان، وخديجة من النساء، والله تعالى أعلم)).
قوله: (فقلت: إني متبعك) إلخ: قال النووي: ((معناه: قلت له: إني متبعك على إظهار
(١) قوله: (عمرو بن عبسة السلمي) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب ثواب من توضأ
كما أمر، رقم (١٤٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس
مرتفعة، رقم (١٢٧٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ثواب الطهور، رقم (٢٨٣)
وأحمد في مسنده (٤: ١١١ و١١٢ و١١٤ و٣٨٥).

٢٣٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: ((إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا. أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى
أَهْلِكَ. فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأَتِنِي)) قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي. وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
الْمَدِينَةَ. وَكُنْتُ فِي أَهْلِي. فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ. حَتَّى قَدِمَ
عَلَيَّ نَشَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟
فَقَالُوا: الدَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعْ. وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ. فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ. فَدَخَلْتُ
عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: (نَعَمْ. أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟)) قَالَ: فَقُلْتُ:
بَلَى. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَخْبِزْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ. أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاَةِ؟ قَالَ:
((صَلِّ صَلاَةَ الصُّنْحِ. ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ
تَطَلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ. وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ. ثُمَّ صَلْ. فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ.
حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظُّلُّ بِالرُّمْحِ. ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ .
الإسلام هنا، وإقامتي معك، فقال: لا تستطيع ذلك، لضعف شوكة المسلمين، ونخاف عليك
من أذى كفار قريش، ولكن قد حصل أجرك، فابق على إسلامك، وارجع إلى قومك، واستمر
على الإسلام في موضعك، حتى تعلمني ظهرت، فائتني وفيه معجزة للنبوة، وهي إعلامه بأنه
سیظهر)) .
قوله: (أخبرني عما علمك الله) إلخ: أي أخبرني عن حكمه وصفته، وبينه له.
قوله: (أقصر عن الصلاة) إلخ: من الاقتصار، وهو الكف عن الشيء مع القدرة عليه.
قوله: (حتى تطلع الشمس حتى ترتفع) إلخ: فيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول
بنفس الطلوع، بل لا بد من الارتفاع، وقد سبق بيانه.
قوله: (مشهودة محضورة) إلخ: أي يحضرها الملائكة ليكتبوا أجرها، ويشهدوا بها لمن
صلاها، ويؤيده أن في رواية: ((مشهودة مكتوبة)).
وقال الطيبي: ((أي يحضرها أهل الطاعة من سكان السماء والأرض، وعلى المعنيين:
فـ(محضورة) تفسيره ((مشهودة)) وتأكيد لها، ويمكن أن يحمل ((مشهودة)) على المعنى الأول،
و((محضورة)) على الثاني، أو الأولى بمعنى الشهادة، والثانية بمعنى الحضور للتبرك، والتأسيس
أولى من التأكيد، وفيه بيان لفضيلة صلاة الضحى)).
قوله: (حتى يستقل الظل بالرمح) إلخ: أي -حتى يرتفع الظل مع الرمح، أو في الرمح، ولم
يبق على الأرض منه شيء، أو يرتفع الظل بالرمح، أي بارتفاع الرمح، من الاستقلال بمعنى
الارتفاع .
قال ابن الملك: ((يعني لم يبق ظل الرمح، وهذا بمكة والمدينة وحواليها في أطول يوم في

٢٣٧
كتاب: كتاب فضائل القرآن
فَإِنَّ، حِينَئِذٍ، تُسْجَرُ جَهَنَّمُ. فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ. فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى
تُصَلِّيَ الْعَصْرَ. ثمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ. حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ.
وَحِيَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ)).
السنة، فإنه لا يبقى عند الزوال ظل على وجه الأرض، بل يرتفع عنها، ثم إذا مالت الشمس من
جانب المشرق إلى جانب المغرب - وهو أول وقت الظهر - يقع الظل على الأرض.
وقيل: من ((القلة)) يقال: استقله، إذا رآه قليلاً، أي حتى يقل الظل الكائن بالرمح، أدنى
غاية القلة وهو المسمى بظل الزوال)) اهـ.
وروى: ((حتى يستقل الرمح بالظل)) أي يرفع ظله، فالباء للتعدية، وعلى الروايتين هو مجاز
عن عدم بقاء ظل الرمح على الأرض، وذلك يكون في وقت الاستواء، وتخصيص الرمح بالذكر
لأن العرب كانوا إذا أرادوا معرفة الوقت ركزوا رماحهم في الأرض، ثم نظروا إلى ظلها .
قال الإمام النووي: ((قوله: ((حتى يستقل الظل بالرمح)) أي يقوم مقابله فيجهة الشمال،
ليس مائلاً إلى المغرب، ولا إلى المشرق، وهو حالة الاستواء.
قال السندي تقذفُ: ((وأنت خبير بأن هذا المعنى لا يتجه إلا إذا كانت الرواية (يستقبل))
بالباء قبل اللام، من الاستقبال، لا ((يستقل)) بتشديد اللام من الاستقلال، نعم! قد روى: ((حتى
يستقبل الرمح بالظل)) وتلك الرواية تفسير لما ذكره النووي كثّفُ، وأما رواية الكتاب فهي ستقبل
من الاستقلال، فلا يمكن تفسيرها بما ذكر، والله تعالى أعلم)).
وجعل السندي تقّثُ الباء للسببية، وفسره: ((حتى يعد الظل الظاهر بسبب نصب الرمح
قليلاً)) والله أعلم.
قوله: (فإن حينئذٍ تسجر جهنم) إلخ: تسجر بالتشديد والتخفيف، مجهولاً، أي توقد عليها
إيقاداً بليغاً .
قوله: (فإذا أقبل الفيء) إلخ: أي رجع بعد ذهابه من وجه الأرض، فهذا وقت الظهر
والفيء ما نسخ الشمس، وذلك بالعشي والظل ما نسخته الشمس، وذلك بالغدوة.
وقال النووي تغذفه: ((الفيء مختص بما بعد الزوال، وأما الظل فيقع على ما قبل الزوال
وبعده))، وفيه كلام نفيس بسطه في تهذيب الأسماء.
قوله: (حتى تصلي العصر) إلخ: فيه دليل على أن النهي لا يدخل بدخول وقت العصر،
ولا بصلاة غير الإنسان، وإنما يكره لكل إنسان بعد صلاة العصر، حتى لو أخر عن أول الوقت
لم يكره التنفل قبلها .
قوله: (وحينئذٍ يسجد لها) إلخ: فلا يشابه أهل النار في عبادتهم، فضلاً عن غيرها، وأما
ما بين فرض الصبح وحين الطلوع، وبين فرض العصر وزمان الغروب: فوقت مكروه للنوافل

٢٣٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَالْوُضُوءُ؟ حَدِّثْنِي عَنْهُ. قَالَ: (مَا مِنْكُمْ رَجْلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ
فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ. ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا
أَمَرَهُ اللَّهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ. ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلا
خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ. ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافٍ
فقط عندنا، قيل: والحكمة في ذلك بعد ورود الأحاديث: أن ما قارب الشيء أعطى حكمه،
كحريم فرج الحائض، ومن حام الحمى يوشك أن يقع فيه.
وأيضاً فعباد الشمس ربما تهيؤوا لتعظيمها من أول ذينك الوقتين، فيرصدونها مراقبين لها
إلى أن تظهر، ويخروا لها سجداً، فلو أبيح التنفل في ذينك الوقتين لكان فيه أيضاً تشبيه لهم، أو
إيهامه، أو التسبب إليه. كذا في المرقاة.
قوله: (فالوضوء حدثني عنه) إلخ: أي أخبرني عن فضله.
قوله: (يقرب وضوءه) إلخ: يقرب بالتشديد على بناء الفاعل، وقيل: على بناء المفعول،
وقوله: ((وضوءه)) بفتح الواو، أي الماء الذي يتوضأ به.
قوله: (فيستنشق وينتشر) إلخ: الاستنشاق إدخال الماء في الأنف، والاستنثار إخراج ما
في الخيشوم من الأوساخ.
قوله: (وفيه) إلخ: أي خطايا فمه من وجه الكلام، ومن طريق الطعام.
قوله: (وخياشيمه) إلخ: أي أنفه جمع ((خيشوم)) وهو باطن الأنف من جهة رائحة طيب
محرم على جهة القصد، والظاهر أن عطف ((فيه)) وما بعده على ما قبله تفسيري، لقوله فيما بعد:
(ثم إذا غسل وجهه ... )) الحديث، وقد مر بيان خرور الخطايا في كتاب الطهارة فليراجع.
قوله: (ثم إذا غسل وجهه كما أمر الله) إلخ: إشارة إلى أن غسله فرض بأمره تعالى عز
قائلاً: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بخلاف ما سبق، فإنهما سنتان
بأمره ◌ِلَّا، أو بمعنى كما أمره الله أن يبدأ بغسله، ولذا قال عليّله عند إرادة السعي: ((ابدؤوا بما
بدأ الله تعالى)).
قوله: (إلا خرت خطايا وجهه) إلخ: من ذنوب عينيه.
قوله: (من أطراف لحيته) إلخ: أي موضعها .
قوله: (ثم يغسل يديه إلى المرفقين) إلخ: قال القاري: ((أي منضمتين إليهما، أو ((إلى)) بمعنى
((مع)) خلافاً لزفر، فإنه ليس بفرض عنده، وفي الآية والحديث رد على الشيعة، حيث انعكس الأمر
عليهم، وانقلب الرأي لديهم، فيغسلون اليدين من المرفقين إلى الأصابع)) اهـ. وفيه تأمل.
قوله: (إلا خرت خطايا رأسه) إلخ: ومنها: خطايا الأذنين، ولذا يمسحان بمائة عندنا،
فيكون قوله: ((من أطراف شعره)) نظراً إلى الأصل أو التغليب.

٢٣٩
كتاب: كتاب فضائل القرآن
شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ. ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ .
فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بَالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلاَّ
انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةً
صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ، انْظُرْ مَا تَقُولُ، فِي مَقَام
وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَال عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ، لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبْ
أَجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَلا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ. لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ إِلا مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا، (حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ)، مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَداً،
وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
(٥٣) - باب: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها
١٩٢٨ - (٢٩٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاؤُسِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ أَنَّهَا قَالَتْ: وَهِمَ عُمَرُ. إِنَّمَا نَهَى
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ وَغُرُوبُهَا .
قوله: (وفرغ قلبه لله) إلخ: أي جعله حاضراً لله، وغائباً عما سواه.
قوله: (كهيأته يوم ولدته أمه) إلخ: أي كصفته يوم ولدته أمه في الطهارة من الذنوب،
وظاهره غفران الكبائر والصغائر، إلا أن الصغائر محققة، والكبائر بالمشيئة مقيدة، وقد سبق
تحقيقه مفصلاً في كتاب الطهارة، ولله الحمد.
قوله: (انظر ما تقول في مقام واحد) إلخ: قال السندي كثّفُ: ((ولعل المراد بالمقام الواحد
هو العمل الواحد، كالوضوء - مثلاً - والمراد بالرجل صاحب ذلك العمل، أي أيُّ شيء تقول
في عمل واحد يعطي لصاحبه، والله تعالى أعلم)).
قوله: (لم أسمعه من رسول الله وَّل﴿) إلخ: قال النووي: ((قد يستشكل من حيث إن ظاهره
أنه لا يرى التحديث إلا إذا سمعه أكثر من سبع مرات، ومعلوم أن من سمع مرة واحدة جاز له
الرواية، بل تجب عليه إذا تعين لها، وجوابه أن معناه لو لم أتحققه وأجزم به لما حدثت به،
وذكرا لمرات بيان لصورة حاله، ولم يرد أن ذلك شرط، والله أعلم)).
قوله: (وهم عمر، إنما نهى رسول الله وَّه) إلخ: تعني عمر بن الخطاب رَظُه في روايته
النهي عن الصلاة بعد العصر.
(١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب النهي عن الصلاة بعد
العصر، رقم (٥٧١) وأحمد في مسنده (٦: ١٢٤ و٢٥٥).

٢٤٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٢٩ - (٢٩٦) وحدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ
طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَدَعْ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْد
الْعَصْرِ. قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلا غُرُوبَهَا.
فَتُصَلُّوا عِنْدَ ذَلِكَ)) .
(٥٤) - باب: معرفة الركعتين
اللتين كان يصليهما النبيّ ◌َل بعد العصر
١٩٣٠ - (٢٩٧) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب.
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، (وَهُوَ ابْن الْحَارِثِ)، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ(٢)؛ أَنَّ
قال العلامة السندي تقذفه: ((التحري هو القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على
تخصيص الشيء بالفعل أو القول، فكأنها فهمت من لفظ ((التحري)) أن النهي عن تخصيص
الوقتين المذكورين للصلاة، واعتقادهما أولى وأحرى، فوهمت عمر في النهي عن الصلاة مطلقاً
في الوقتين، أو أنها فهمت خصوص وقت الطلوع والغروب، فوهمت عمر في ما بعد الفجر
والعصر مطلقاً، والله تعالى أعلم)).
قال الحافظ: ((ومنهم من جعله نهياً مستقلاً، وكره الصلاة في تلك الأوقات، سواء قصد
لها أم لم يقصد، وهو قول الأكثر، قال البيهقي: إنما قالت ذلك عائشة رضيّها لأنها رأت النبي وَّل
يصلي بعد العصر، فحملت نهيه على من قصد ذلك لا على الإطلاق. وقد أجيب عن هذا
(١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب ما يصلي بعد
العصر من الفوائت ونحوها، رقم (٥٩٠ - ٥٩٣) وفي كتاب الحج، باب الطواف بعد الصبح والعصر، رقم
(١٦٣١) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب الرخصة في الصلاة بعد العصر، رقم (٥٧٥ - ٥٧٨)
وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة، تفريع أبواب التطوع وركعات السنة، باب من رخص فيهما إذا كانت
الشمس مرتفعة، رقم (١٢٧٩) و(١٢٨٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في الركعتين بعد
العصر، رقم (١٤٤١) و(١٤٤٢) وأحمد في مسنده (٦: ٥٠ و٨٤ و٩٦ و١٠٩ و١١٣ و١٣٤ و١٤٥ و١٥٩
و١٦٩ و١٧٦ و١٨٤ و١٨٨ و٢٠٠ و٢٤١ و٢٥٣).
(٢) قوله: (عن كريب مولى ابن عباس) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب السهو، باب إذا كلّم
وهو يصلي فأشار بيده واستمع، رقم (١٢٣٣) وفي كتاب المغازي، باب وفد، عبد القيس، رقم (٤٣٧٠)
والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب الرخصة في الصلاة بعد العصر، رقم (٥٨٠) و(٥٨١) وباب
الرخصة في الصلاة قبل غروب الشمس، رقم (٥٨٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة
بعد العصر، رقم (١٢٧٣) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في الركعتين بعد العصر، رقم
(١٤٤٣) وأحمد في مسنده (٦: ٢٩٣ و٣٠٠ و٣٠٩ و٣١١).