Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب: كتاب فضائل القرآن
وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا)).
١٨٩٤ - (٢٦٩) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنِي أَبِي
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ وَاثِلَةَ؛ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ. وَكَانَ
عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ. فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَىُ. قَالَ:
وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلَى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفَّتَ عَلَيْهِمْ مَوْلَّى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِىءٌ
الخارجية: المال، ثم الفضائل إما تامة، وإما فوق التامة، والأخرى أفضل من الأولى، لأنها
كاملة متعدية، وهذه قاصرة غير متعدية.
وقال الخطابي كثّفُهُ: ((ومعنى الحديث: الترغيب في طلب العلم، وتعلمه، والتصدق
بالمال)).
قوله: (آتاه الله حكمة) إلخ: وفي بعض الروايات: ((الحكمة)) والمراد بالحكمة: القرآن،
كما في حديث ابن عمر رضي الله، أو أعم من ذلك، وضابطها: ما منع الجهل وزجر عن القبيح.
قال ابن المنير تثاثه: المراد بالحسد هنا، الغبطة، وليس المراد بالنفي حقيقته، وإلا لزام
الخُلفُ، لأن الناس حسدوا في غير هاتين الخصلتين، وغبطوا من فيه سواهما، فليس هو خبراً،
وإنما المراد به الحكم، ومعناه: حصر المرتبة العليا من الغبطة في هاتين الخصلتين فكأنه فكأنه
قال: هما آكد القربات التي يغبط بها، وليس المراد نفي أصل الغبطة مما سواهما، فيكون من
مجاز التخصيص، أي لا غبطة كاملة التأكيد لتأكيد أجر متعلقها إلا الغبطة بهاتين الخصلتين.
قوله: (فهو يقتضي بها) إلخ: معناه: يعمل بها ويعلمها احتساباً .
قال الحافظ: ((وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه، وقوى على
إعمال الحق، ووجد له أعواناً لما فيه من الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحق
لمستحقه، وكف يد الظالم، والإصلاح بين الناس، وكل ذلك من القربات، ولذلك تولاه الأنبياء
ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين ومِنْ ثَمَّ اتفقوا على أنه من فروض الكفاية، لأن أمر الناس لا
يستقيم بدونه، قال: وإنما فرّ من فرّ منه خشية العجز عنه، وعند عدم المعين عليه، وقد يتعارض
الأمر حيث يقع تولية من يشتد به الفساد إذا امتنع المصلح، والله المستعان. وهذا حيث يكون
هناك غيره، ومن ثَمَّ كان السلف يمتنعون منه، ويفرون إذا طلبوا له)).
قوله: (يستعمله على مكة) إلخ: أي اتخذه عاملاً .
قوله: (على أهل الوادي) إلخ: يعني من ذا الذي استخلفته على أهل مكة؟
قوله: (ابن أبزى) إلخ: هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، مولى نافع بن عبد الحارث،
مختلف في صحبته. كذا في تهذيب التهذيب.
قوله: (فاستخلفت عليهم مولى) إلخ: قال الأبي: ((فيه اعتبار النسب في الولاية، وإن

٢٠٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. قَالَ عُمَرُ(١): أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ وَِّ قَدْ قَالَ: ((إِنَّ
اللَّهَ يَزْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَاماً وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)) .
١٨٩٥ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسَحَاقَ.
قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ وَائِلَةَ اللَّيْئِيُّ؛
أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيَّ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(٤٨) - باب: بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه
١٨٩٦ - (٢٧٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (٢)
العلم والقرآن يجبران نقص النسب، إن الله يرفع بهذا الكتاب قوماً ويضع به آخرين)).
قلت: المعنى أن هذا الأمير رفعه الله عز وجل على هؤلاء المؤمر عليهم، وقال بعضهم:
إن الله سبحانه وتعالى يرفع من عمل بالعلم ويضع من لم يعمل به، والعلم - من حيث إنه علم -
لا یضع.
باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف وبيان معناها
قوله: (عن عبد الرحمن بن عَبْدٍ) إلخ: هو بالتنوين، غير مضاف لشيءٍ.
قوله: (القاريّ) إلخ: بتشديد الياء التحتانية، نسبة إلى قارة، بطن من خزيمة بن مدركة،
والقارة لقب، واسمه أَنْيَعُ، بالمثلثة، مصغراً، ابن مُلَيْح، بالتصغير، وآخره مهملة، ابن الهُوْنِ،
(١) قوله: (قال عمر) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب فضل من تعلّم القرآن وعلّمه، رقم
(٢١٨) والدارمي في سننه، في كتاب فضائل القرآن، باب إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع آخرين، رقم
(٣٣٦٨) وأحمد في مسنده (١: ٣٥).
(٢) قوله: (عمر بن الخطاب) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الخصومات، باب كلام الخصوم
بعضهم في بعض، رقم (٢٤١٩) وفي كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، رقم
(٤٩٩٢) وباب من لم ير بأساً أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا، رقم (٥٠٤١) وفي كتاب استتابة
المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين، رقم (٦٩٣٦) وفي كتاب التوحيد، باب قول الله
تعالى: فاقرأوا ما تيسر منه، رقم (٧٥٥٠) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب جامع ما جاء في
القرآن، رقم (٩٣٧ - ٩٣٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصالة، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، رقم
(١٤٧٥) والترمذي في جامعه، في كتاب القراءات، باب القرآن على سبعة أحرف، رقم (٢٩٤٣) وأحمد في
مسنده (١ : ٢٤ و٤٠ و ٤٣).

٢٠٣
كتاب: كتاب فضائل القرآن
يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا. وَكَان
رَسُولُ اللهِ وَهِ أَقْرَأَنِيهَا. فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ. ثُمَّ لَبَّيْتُهُ بِرِدَائِهِ.
بضم الهاء، ابن خزيمة. وقيل: بل القارة هو الديش - بكسر المهملة، وسكون التحتانية، بعدها
معجمة - من ذرية أُنْيُع المذكورة، وليس هو منسوباً إلى القراءة، وكانوا قد حالفوا بني زهرة،
وسكنوا معهم بالمدينة بعد الإسلام. وكان عبد الرحمن من كبار التابعين، وقد ذكر في الصحابة،
لكونه أتى به إلى النبي ◌َّه وهو صغير، أخرج ذلك البغوي في مسند الصحابة بإسناد لا بأس به،
ومات سنة ثمان وثمانين في قول الأكثر، وقيل: سنة ثمانين. كذا في الفتح.
قوله: (سمعت هشام بن حكيم بن حزام) إلخ: أي الأسدي، له ولأبيه صحبته، وكان
إسلامهما يوم الفتح، وكان لهشام فضل، ومات قبل أبيه، وليس له في البخاري رواية، وأخرج
له مسلم حديثاً واحداً مرفوعاً عروة عنه، وهذا يدل على أنه تأخر إلى خلافة عثمان وعلي،
ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر أو عمر، وأخرج ابن سعد عن معن بن عيسى، عن
مالك، عن الزهري: ((كان هشام بن حكيم يأمر بالمعروف، فكان عمر يقول إذا بلغه الشيء أما
عشت أنا وهشام فلا يكون ذلك.
قوله: (فكدت أن أعجل عليه) إلخ: قال القاري في شرح المشكاة: ((بفتح الهمزة والجيم،
وفي نسخة بالتشديد، أي قاربت أن أخاصمه وأظهر بوادر غضبي عليه بالمعجمة في أثناء
القراءة .
قوله: (حتى انصرف) إلخ: أي من الصلاة، لما في بعض الروايات: ((حتى سَلّم)).
قوله: (ثم لبيته بردائه) إلخ: بفتح اللام وموحدتين، الأولى: مشددة، والثانية: ساكنة، أي
جمعت عليه ثيابه عند لبته، لئلا يتفلت مني، وكان عُمَرُ شديداً في الأمر بالمعروف، وفعل ذلك
عن اجتهاد منه لظنه أن هشاماً خالف الصواب، ولهذا لم ينكر عليه النبي ◌َ ◌ّ، بل قال له: أرسله
وزاد في بعض الروايات: ((فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها
رسول الله وَل﴿، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ◌َ ﴿ل قد أقرأنيها على غير ما قرأت)).
قال الحافظ كثّفُ: ((في قوله)) ((كذبت)) إطلاق ذلك على غلبة الظن، أو المراد بقوله:
((كذبت)) أي أخطأت، لأن أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ .
وقوله: ((فإن رسول الله ◌َ ﴿ قد أقرأنيها على غير ما قرأت)) هذا قاله عمر استدلالاً على ما
ذهب إليه من تخطئة هشام، وإنما ساغ له ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته، بخلاف
هشام، فإنه كان قريب العهد بالإسلام، فخشي عمر من ذلك أن لا يكون أتقن القراءة، بخلاف
نفسه، فإنه كان قد أتقن ما سمع، وكأنّ سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من
رسول الله وَ﴿ قديماً، ثم لم يسمع ما نزل فيها، بخلاف ما حفظه وشاهده، ولأن هشاماً من

٢٠٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ بِهَ! فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى
غَيْرِ مَا أَقْرَ أْتَنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَرْسِلْهُ. اقْرَأْ) فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَّه: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ)). ثُمَّ قَالَ لِيَ: ((اقْرَأْ) فَقَرَأْتُ. فَقَّالَ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنَّ هَذَا
الْقُرْآنَ أَنْزِلَ عَلَى سَبْعَةٍ أَخْرُفٍ. فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)) .
مسلمة الفتح، فكان النبي ﴿ أقرأه على ما نزل أخيراً فنشأ اختلافهما من ذلك، ومبادرة عمر
للإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع حديث ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)» إلا في هذه
الواقعة)) كذا في الفتح.
قوله: (إن هذا القرآن أنزل) إلخ: قال الحافظ: ((هذا أورده النبي ◌َل﴾ تطميناً لعمر، لئلا
ينكر تصويب الشيئين المختلفين، وقد وقع عند الطبري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة، عن أبيه، عن جده، قال: ((قرأ رجل فغير عليه عمر، فاختصما عند النبي ◌َّ، فقال
الرجل: ألم تقرئني يا رسول الله؟ قال: بلى، قال: فوقع في صدر عمر شيء عرفه النبي ◌َّ في
وجهه، قال: فضرب في صدره، وقال: ابعد شيطاناً، قالها ثلاثاً، ثم قال: يا عمر، القرآن كله
صواب ما لم تجعل رحمة عذاباً أو عذاباً رحمة)) ومن طريق ابن عمر: ((سمع عمر رجلاً
يقرأ ... )) فذكر نحوه، ولم يذكر: ((فوقع في صدر عمر)) لكن قال في آخره: ((نزل القرآن على
سبعة أحرف، كلها كاف شاف)) ووقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام.
قوله: (على سبعة أحرف) إلخ: الأكثر على أن السبعة للتحديد.
وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق
على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعين في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد
العدد المعين، وإلى هذا جنح عياض، ومن تبعه.
قال الحافظ ابن حجر: ((وذكر القرطبي عن ابن حبان: أنه بلغ الاختلاف في معنى
الأحرف السبعة إلى خمس وثلاثين قولاً، ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة، قال المنذري:
أكثرها غير مختار، ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من صحيحه)) اهـ.
قوله: (فاقرأوا ما تيسر منه) إلخ: أي من المنزل، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد
المذكور، وإنه للتيسير على القارىء، وهذا يُقَّوى قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى
باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمر، ومع ذلك
فقد اختلف قراءتهما، نبه على ذلك ابن عبد البر غلّفُ ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد
بالأحرف السبعة .
وذهب أبو عبيدة وآخرون إلى أن المراد اختلاف اللغات، وهو اختيار ابن عطية.
وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة.

٢٠٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
.
وأجيب بأن المراد أفصحها .
قال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش، وهذيل، وتيم الرباب، ولأزد، وربيعة،
وهوازن، وسعد بن بكر. واستنكره ابن قتيبة واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَّ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا
بِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] فعلى هذا فتكون اللغات بسبع في بطون قريش، وبذلك جزم أبو علي
الأهوازي.
وقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ: على سبع لغات، بل اللغات السبع مفرقة
فيه، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وعين بعضهم فيما حكاه ابن
عبد البر السبع من مضر.
ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من
العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرؤه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها، على
اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة،
ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد كل ذلك مع اتفاق المعنى، وعلى هذا يتنزل
اختلافهم في القراءة وتصويب رسول الله وسلّ كُلاً منهم.
قلت: وتتمة ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي إن كل أحد بغير
الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبي ◌ََّ، ويشير إلى ذلك قول كُلِّ
من عمر وهشام في حديث الباب: ((أقرأني النبي وَّ)) لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه
كان يقرأ بالمرادف، ولو لم يكن مسموعاً له، ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود قراءته: ((عَتَى
حِيْنٍ)) أي: ﴿حَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] وكتب إليه: ((أن القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فاقرىء الناس
بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل)) وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة.
قال ابن عبد البر بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بسنده يحتمل أن يكون هذا من عمر
على سبيل الاختيار، لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز، قال: وإذا أبيحت قراءته على سبعة
أوجه أنزلت: جاز الاختيار فيما أنزل. قال أبو شامة: ويحتمل أن يكون مراد عمر ثم عثمان
بقولهما: ((نزل بلسان قريش)) أن ذلك كان أول نزوله، ثم إن الله تعالى سهله على الناس، فجوز
لهم أن يقرأوه على لغاتهم، على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب لكونه بلسان عربي مبين،
فأما من أراد قراءته من غير العرب فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش، لأنه الأولى، وعلى هذا
يحمل ما كتب به عمر إلى ابن مسعود، لأن جميع اللغات، بالنسبة لغير العربي مستوية في
التعبير، فإذا لا بد من واحدة، فلتكن بلغة النبي والقر. وأما العربي المجبول على لغته فلو كلف
قراءته بلغة قريش لعسر عليه التحول، مع إباحة الله له أن يقرأه بلغته، ويشير إلى إلى هذا قوله في
حديث أبَيّ: ((هون على أمتي)) وقوله: ((إن أمتي لا تطيق ذلك)) وكأنه انتهى عند السبع لعلمه أنه

٢٠٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لا تحتاج لفظة من ألفاظه إلى أكثر من ذلك العدد غالباً، وليس المراد - كما تقدم - أن كل لفظة
منه تقرأ على سبعة أوجه.
٠
قال ابن عبد البر: وهذا مجمع عليه، بل هو غير ممكن، بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ
على سبعة أوجه إلا الشيء القليل.
وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء: أن معنى: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) أي أنزل موسعاً
على القارىء أن يقرأه على سبعة أوجه، أي يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه،
كأنه قال: أنزل هذا الشرط، أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهيل قراءته، إذ لو أخذوا بأن
يقرأوه على حرف واحد لشق عليهم، كما تقدم.
قال ابن قتيبة في أول تفسير المشكل له: ((كان من تيسير الله أن أمر نبيه أن يقرأ كل قوم
بلغتهم فالهذلي يقرأ ((عَتّى حين)) يريد ((حتى حين)) ((والأسدي يقرأ ((يعلمون)) بكسر أوله، والتميمي
بهمز والقرشي لا يهمز، قال: ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغتهم وما جرى عليه لسانه:
طفلاً، وناشئاً، وكهلاً: لشق عليه غاية المشقة فيسر عليهم ذلك بمنه، ولو كان المراد أن كل
كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه: لقال مثلاً: أنزل سبعة أحرف، وإنما المراد أن يأتي في الكلمة
وجه أو وجهان أو أكثر إلى سبعة».
وقال ابن عبد البر كّه: ((أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف: اللغات، لما تقدم
من اختلاف هشام وعمر، ولغتهما واحدة، قالوا: وإنما المعنى: سبعة أوجه من المعاني المتفقة
بالألفاظ المختلفة، نحو: أقبل، وتعال، وهلم))، ثم ساق الحديث الماضية الدالة على ذلك.
قلت: ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ، مع اتفاق
المعنى، مع انحصار ذلك في سبع لغات.
ذكر الطحاوي أن القراءة بالأحرف السبعة كانت في أول الأمر خاصة للضرورة، لاختلاف
لغة العرب، ومشقة أخذ جميع الطوائف بلغة، فلما كثر الناس والكتاب، وارتفعت الضرورة:
كانت أهل قراءة واحدة.
وقد حمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها التغاير في سبعة أشياء:
الأول: ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته، مثل: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾
[البقرة: ٢٨٢] ونصب الراء ورفعها.
والثاني: ما يتغير بتغير الفعل، مثل: ((بعد بين أسفارنا)) و﴿بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]
بصيغة الطلب والفعل الماضي.

٢٠٧
كتاب: كتاب فضائل القرآن
الثالث: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل: ((ثم ننشرها)) (١) بالراء والزاي.
[الواقعة:
الرابع: ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر، مثل: ﴿وَطَلْحِ مَنصُودٍ
٢٩] في قراءة علي ((وطلع منضود)).
الخامس: ما يتغير بالتقديم والتأخير، مثل: ﴿وَجَّمَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [قَ: ١٩] في قراءة
أبي بكر الصديق، وطلحة بن مصرف، وزين العابدين: ((وجاءت سكرة الحق بالموت)).
السادس: ما يتغير بزيادة أو نقصان، عن ابن مسعود، وأبي الدرداء: ﴿وَأَِّلِ إِذَا يَفْشَى
وَلَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٦َ وَمَا خَلَقَ الذُّكَرَ وَالْأُنثَ ﴾﴾ [الليل: ١-٣] هذا في النقصان. وأما في الزيادة فكما
تقدم في تفسير ((تبت يدا أبي لهب)) في حديث ابن عباس: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:
٢١٤] ورهطك منهم المخلصين)) .
السابع: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها مثل: ((العِهْنِ الْمَنْفُوْشِ)) في قراءة ابن مسعود:
وسعيد بن جبير: ((الصُّوف المنقوش) وهذا وجه حسن. وقال أبو الفضل الرازي: الكلام لا
يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف:
الأول: اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، أو تذكير، وتأنيث.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع، وأمر.
الثالث: وجوه الإعراب.
الرابع: النقص، والزيادة.
الخامس: التقديم والتأخير.
السادس: الإبدال.
السابع: اختلاف اللغات، كالفتح، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والإدغام، والإظهار.
ونحو ذلك.
قلت: وقد أخذ كلام ابن قتيبة، ونقحه.
وقال أبو شامة: ((وقد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هل هي
مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيه إلا حرف واحد؟ مال ابن البَاقِلاَنِيّ
إلى الأول، وصرح الطبري وجماعة بالثاني، وهو المعتمد. وقد أخرج ابن أبي داود في
((المصاحف)) عن أبي الطاهر بن أبي السرح، قال: ((سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين
(١) البقرة: ٢٥٩، وليس في الآية: ((ثم ننشزها)) بل فيها ((كيف ننشزها ... )).

٢٠٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والعراقيين، هل هي الأحرف السبعة؟ قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل: هلم، وتعال،
وأقبل، أي ذلك قلت أجزأك)) قال وقال لي ابن وهب مثله.
والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر
النبي ◌َّر، وفيه بعض ما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي:
﴿تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ [التوبة: ١٠٠] في آخر ((براءة)) وفي غيره بحذف ((من)) وكذا ما وقع من
اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاآت، وعدة
لامات، ونحو ذلك. وهو محمول على أنه نزل بالأمر معاً، وأمر النبي وَلّ بكتابته لشخصين، أو
أعلم بذلك شخصاً واحداً وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القرآآت مما لا يوافق
الرسم: فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس وتسهيلاً، فلما آل الحال إلى ما وقع
من الاختلاف في زمن عثمان وكفر بعضهم بعضاً: اختار الاقتصار على اللفظ المأذون في
كتابته، وتركوا البواقي)).
قال الطبري: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار كمن اقتصر ممن خير فيه على
خصلة واحدة، لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على
سبيل الرخصة .
قلت: ويدل عليه قوله وَير في حديث الباب: ((فاقرءوا ما تيسر منه)) وقد قرر الطبري ذلك
تقريراً أطنب فيه، ووهى من قال بخلافه، ووافقه على ذلك جماعة.
وقال البغوي في شرح السنة: ((المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على
رسول الله ◌َ، فأمر عثمان بنسخة في المصاحف، وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك
قطعاً لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما
نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم.
وقال أبو شامة: ((ظن قوم أن القرآت السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث،
وهو خلاف إجماع هل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل)).
وقال أبو بكر بن العربي: ((ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها، كقراءة
أبي جعفر، وشيبة، والأعمش، ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم، وكذا قال غير واحد،
منهم: مكي بن أبي طالب، وأبو العلاء الهمداني، وغيرهم من أئمة القراء)).
وقال ابن أبي هاشم: ((إن السبب في اختلاف القرآآت السبع وغيرها أن الجهات التي
وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف
خالية من النقط والشكل، قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعاً عن الصحابة

٢٠٩
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٨٩٧ - (٢٧١) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الَرَّحْمُنِ بْنَ عَبْدِ الْقَارِيَّ
أَخَبَرَاهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعًا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ
فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللّهِ لَّهِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. بِمِثْلِهِ. وَزَادَ: فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلاَةِ.
فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ .
١٨٩٨ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَرِوَايَةٍ يُونُسَ بِإِسْنَادِهِ.
١٨٩٩ - (٢٧٢) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ(١) حَدَّثَهُ؛ أَنَّ
بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط امتثالاً لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة، لما
رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمِنْ ثَمَّ نَشَأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين
بحرف واحد من السبعة)).
وقال مكي بن أبي طالب: ((وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء - كنافع وعاصم - هي
الأحرف السبعة التي في الحديث: فقد غلط غلطاً عظيماً.
هذا كله ما لخصته من الفتح إلا كلمات يسيرة من الطحاوي، وقد أطنب الحافظ في شرح
هذ الحديث إطناباً بليغاً، من أراد الاطلاع عليه، فليراجعه، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب.
قوله: (فكدت أساوره) إلخ: بسين مهملة، أي أواثبه، وزنه ومعناه، وقيل: هو من قولهم:
سار يسور: إذا ارتفع ذكره، وقد يكون بمعنى البطش، لأن السورة قد تطلق على البطش، لأنه
ينش عنها. كذا في الفتح.
قوله: (أن ابن عباس حدثه أن رسول الله وَلقر قال) إلخ: قال الحافظ: ((هذا مما لم يصرح
ابن عباس بسماعه له من النبي ◌َّر، وكأنه سمعه من أبيّ بن كعب، فقد أخرج النسائي من طريق
عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، نحوه، والحديث
مشهور عن أبي، أخرجه مسلم وغيره من حديثه، كما سأذكره.
(١) قوله: (ابن عباس) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم
(٣٢١٩) وفي كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، رقم (٤٩٩١) وأحمد في مسنده
(١ : ٢٤ و٢٩٩ و٣١٣).

٢١٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولَ اللَّهِ فَ هِ قَالَ: ((أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى حَرْفٍ. فَرَاجَعْتُهُ. فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ
فَيَزِيدُنِ. حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَخْرُفٍ)).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَخْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ
وَاحِداً، لا يَخْتَلِفُ فِي حَلاَلٍ وَلا حَرَامٍ .
قوله: (فلم أزل أستزيده) إلخ: أي أطلب من الله الزيادة، أو أطلب من جبريل أن يطلب
من الله الزيادة، وفي حديث أبي بن كعب عند الترمذي: ((قال: لقي رسول الله وَّل جبريل، إني
بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ
كتاباً قط)).
قوله: (حتى انتهى) إلخ: أي طلب الزيادة والإجابة أو أمر القرآن.
قوله: (إلى سبعة أحرف) إلخ: المراد بالأحرف اللغات، أو القرآآت. وفد تقدم تحقيق ما
هو الحق. والأحرف جمع حرف، مثل فلس وأفلس، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه
من اللغات، لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن بَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى
حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازاً، لكونه
بعضها .
قوله: (لا يختلف في حلال ولا حرام) إلخ: يعني أن مرجع الجميع واحد في المعنى،
وإن اختلف اللفظ في هيأته، وأما الاختلاف بأن يصير المثبت منفياً، والحلال حراماً، فذلك لا
يجوز في القرآن. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندٍ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
وهذا لما كان من عند الله فلم يجدوا فيه اختلافاً يسيراً، وكان ابن شهاب قصد بذلك رد القول
المشهور أن المراد بالأحرف السبعة أن القرآن أنزل على سبعة أصناف ثم اختلف القائلون فقيل:
أمر، ونهي، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. واحتجوا بحديث الحاكم والبيهقي
((كانت الكتب الأول تنزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على
سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال)).
وأجاب عنه قوم بأنه ليس المراد بما فيه تلك الأحرف السبعة التي في الأحاديث السابقة،
لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، إذ هي ظاهرة في أن المراد يقرأ على وجهين
وثلاثة إلى سبعة، تيسيراً وتهويناً، والشيء الواحد لا يكون حلالاً وحراماً في آية واحدة. وبه
جزم بعضهم، فقال: من أول تلك بهذه فهو فاسد. وممن ضعف هذا القول ابن عطية، فقال:
الإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل ولا تحريم ولا تغيير شيء من المعاني المذكورة، وبه
صرح الماوردي.
وقال غير واحد: قوله في الحديث: ((زاجر ... )) استئناف، أي القرآن زاجر وآمر، ويؤيده

٢١١
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٩٠٠ - (٠٠٠) وحدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ
الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
١٩٠١ _ (٢٧٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عِيسى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ جَدِّهِ،
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ(١)؛ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ. فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي. فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا
عَلَيْهِ. ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ. فَقَرَأَ قِرَاءَةٌ سِوَى فِرَاءَةٍ صَاحِبِهِ. فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعاً عَلَى
رواية ((زاجراً)) بالنصب، أي: ((نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، حال كونه زاجراً ... )).
قال أبو شامة: ((يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب، لا للأحرف، أي سبعة أبواب
من أبواب الكلام وأقسامه، أي أنزل الله عليه هذه الأصناف لم يقتصر منها على صنف واحد،
كغيره من الكتب)) اهـ. وهو الظاهر المتبادر، كذا المرقاة.
والحديث الذي نقله عن الحاكم والبيهقي، قال فيه ابن عبد البر: «هذا حديث لا يثبت،
لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، ولم يلق ابن مسعود.
وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران.
قلت: وأطنب الطبري في مقدمة تفسيره في الرد على من قال به.
وحاصله أن يستحيل أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الآوجه السبعة، وقد صحح
الحديث المذكورة ابن حبان، والحاكم. وفي تصحيحه نظر، لانقطاعه بين أبي سلمة وابن
مسعود .
وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري عن أبي سلمة مرسلاً، وقال: هذا مرسل
جید .
ثم قال: إن صح فمعنى قوله في هذا الحديث: ((سبعة أحرف)) أي سبعة أوجه، كما فسرت
في الحديث وليس المراد الأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى. قاله الحافظ
في الفتح.
قوله: (فدخل رجل يصلي) إلخ: وعند الطبري من وجه آخر، عن أبي أن ذلك وقع بينه
وبين ابن مسعود، والله أعلم.
(١) قوله: (عن أبي بن كعب) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب جامع ما جاء في
القرآن، رقم (٩٤٠ - ٩٤٢) وأبو داود في سنن، في كتاب الصلاة، باب ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))
رقم (١٤٧٧) (١٤٧٨) والترمذي في جامعه، في كتاب القراءات باب ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف
رقم (٢٩٤٤) وأحمد في مسنده (٥: ١٢٤ و١٢٥ و١٢٧).

٢١٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولِ اللَّهِ بِهِ. فَقُلْتُ: إِنَّ هُذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرأَ سِوَى قِرَاءَةِ
صَاحِبِهِ. فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ فَقَرَآَ. فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ◌َهِ شَأْنَهُمَا. فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ
التَّكْذِيبِ وَلا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَلَمَّا رَأَىْ رَسُولُ اللَّهِ وَ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي
صَدْرِي. فَفِضْتُ عَرَقاً. وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرَقاً. فَقَالَ لِي: ((يَا أُبَيُّ، أُرْسِلَ
إِلَيَّ: أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي. فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ
قوله: (فحسن النبي ◌َّ﴿ شأنهما) إلخ: أي قال: كلاهما محسن.
قوله: (فسقط في نفسي من التكذيب) إلخ: وفي رواية عند الطبري: ((فقلت: ما كلانا
أحسن ولا أجمل)) وفي بعض رواياته: ((فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي،
فضرب في صدري، وقال: اللهم أخسأ عنه الشيطان)).
قوله: (ولا إذ كنت في الجاهلية) إلخ: قال الطيبي تقذفُ: ((يعني وقع في خاطري من
تكذيب النبي وو لتحسينه بشأنهما تكذيباً أكثر من تكذيبي إياه قبل الإسلام، لأنه كان قبل
الإسلام غافلاً، أو مشكّكاً، وإنما استعظم هذه الحالة لأن الشك الذي داخله في أمر الدين إنما
ورد علی مورد الیقین)) اهـ.
وقال القاضي عياض تقذفُ: ((سقط في نفسي)) أنه اعترته حيرة ودهشة، قال: وقوله: ((ولا إذ
كنت في الجاهلية)) معناه أن الشيطان نزغ في نفسه تكذيباً لم يعتقده، قال: وهذه الخواطر إذا لم
یستمر عليها لا يؤاخذ بها)).
قال القاضي: ((وقال المازري: معنى هذا أنه وقع في نفسي أبي بن كعب نزغة من الشيطان
غير مستقرة، ثم زالت في الحال حين ضرب النبي وَّ بيده في صدره، فاض عَرَقاً.
قوله: (ما قد غشيني) إلخ: أي من حصول الوسوسة وهجوم الخواطر.
قوله: (ضرب في صدري) إلخ: قال القاضي: ((ضربه ◌َّ في صدره تثبتاً له حين رآه قد
غشيه ذلك الخاطر المذموم)).
قوله: (ففضت عَرَقاً) إلخ: بكسر الفاء الثانية، أي فجرى عرقي من جميع بدني.
قوله: (فرقاً) إلخ: أي خوفاً، قال الطيبي تَّقُ: ((كان أَبَيّ رَؤُه من أفضل الصحابة
ومن الموقنين، وإنما طرأ عليه ذلك التلويث بسبب الاختلاف نزغة من الشيطان، فلما أصابته
بركة ضربه * بيده المباركة على صدره ذهبت تلك الهاجسة، وخرجت مع العرق فرجع إلى
اليقين، فنظر إلى الله تعالى خوفاً وخجلاً مما غشيه من الشيطان)).
قوله: (فرددت إليه) إلخ: أي جبريل إلى الله تعالى.
قوله: (أن هون على أمتي) إلخ: أي سهل ويسر عليهم، قال الأبي: ((أن مفسرة لأن رددت

٢١٣
كتاب: كتاب فضائل القرآن
عَلَى حَزْفَيْنٍ. فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي. فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ.
فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لأُمَّتِي. اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لأُمّتِي.
في معنى القول، وهو رجع أي فرجعت إليه القول: أن هون، ومن معنى قوله في الآخر:
((فقلت: أسأل الله معافاته ومغفرته)).
قوله: (فرد إلى الثالث أن اقرأ على سبعة أحرف) إلخ: ووقع في طريق مجاهد، عن ابن
أبي ليلى، كما سيأتي بعده، ثم جاءه الرابعة، فقال: ((إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على
سبعة أحرف)) قال النووي: ((وهذا مما يشكل معناه، والجمع بين الروايتين، وأقرب ما يقال فيه:
((أن قوله في الرواية الأولى: ((فرد إلى الثالثة)) المراد بالثالثة الأخيرة، وهي الرابعة، فسماها ثالثاً
مجاز، وحملنا على هذا التأويل تصريحه في الرواية الثانية أن الأحرف السبعة إنما كانت في
المرة الرابعة، وهي الأخيرة، ويكون قد حذف الرواية الأولى أيضاً بعض المرات)) كذا في
الشرح .
قوله: (فلك بل ردة رددتها) إلخ: قال النووي: ((وفي بعض النسخ: ((رددتكها)) هذا يدل
على أنه سقط في الرواية الأولى ذكر بعض الردات الثلاث، وقد جاءت مبنية في الرواية الثانية))
اهـ. أي لك بمقابلة كل دفعة رجعت إلى رددتكها، بمعنى أرجعتكها إليها، بحيث ما هونت على
أمتك من أول الأمر.
قوله: (مسألة تسألينها) إلخ: قال النووي: ((معناه مسألة مجابة قطاً، وأما باقي الدعوات
فمرجوة ليست قطعية الإجابة)) اهـ.
وقال الأبي: ((تقدم ما في حديث ((لكل نبي دعوة .... )) أن معناه أن تلك الدعوة محققة
الإجابة، وأن غيرها على الرجاء، وأن كونها محققة الإجابة لا يمنع من قبول غيرها، ومن قبول
غيرها هذا الحديث، لأنه لو لم تكن الأولى والثانية هنا مقبولتين لم يكن لقوله «لك بل ردة
مسألة)) فائدة.
وقال الطيبي: ((أي ينبغي أن تسألنيها فأجيبك إليها)).
قوله: (اللهم اغفر لأمتي) إلخ: دعا بها مرتين، قيل: الأولى لأهل الكبار، والأخرى
لأهل الصغائر، وقيل: بالعكس.
وقال بعضهم: لما انقسم المحتاج إلى المغفرة من أمته إلى مفرّطٍ ومُفْرِطِ: استغفر وَليه
للمقتصد المفرط في الطاعة، وأخرى للظالم والمفرط في المعصية، أو الأولى: للخواص، لأن
كل أحد لا يسو عن تقصير ما في حقه تعالى، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَُّ
(د)﴾ [عبس:
٢٣] والثانية: للعوام، أو الأولى في الدنيا، والأخرى في العقبى.

٢١٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَخَّرْتُ الثَّالِئَةَ لِيَوْمِ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ. حَتَّى إِبْرَاهِيمُ وَ)).
١٩٠٢ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنِي
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي لَيْلَىْ.
أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ؛ أَنَّهُ كَانَ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ. إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى. فَقَرَأَ قِرَاءَةٌ.
وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ .
١٩٠٣ - (٢٧٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ
ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَم،
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَهَ كَانَ عِنْدَ أَضَاةٍ بَنِي
غِفَارٍ. قَالَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأْ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى
حَرْفٍ. فَقَالَ: ((أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ. وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ)). ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَّةَ. فَقَالَ:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ. فَقَالَ: ((أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ. وَإِنَّ
أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ)). ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأْ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلاثَةٍ
أَحْرُفٍ. فَقَالَ: «أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ)). ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةٍ أَخْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَأُوا عَلَيْهِ، فَقَدْ أَصَابُوا.
١٩٠٤ - (٠٠٠) وحدّثناه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
قوله: (يرغب إلى الخلق) إلخ: بتشديد الياء، أي يحتاجون إلى شفاعتي، ويرجون قبولها .
قوله: (حتى إبراهيم عليّلا) إلخ: بالرفع، معطوف على ((الخلق)) وفيه دليل على رفعه إبراهيم
على سائر الأنبياء، وتفضيل نبينا على الكل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قوله: (كان جالساً في المسجد الحرام) إلخ: هذا ظاهر في أنه كان بمكة، ويخالفه ما
سيأتي من طريق مجاهد: أن نزول ذلك على النبي * كان عند أضاة بني غفار وهي بالمدينة
واستدل به الحافظ على أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة. فلعل الراوي وَهِمَ في قوله:
((في المسجد الحرام)) والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قوله: (عند أضاة بني غفار) إلخ: هي بفتح الهمزة والضاد المعجمة، بغير همز، وآخره تاء
تأنيث هو مستنقع الماء كالغدير، وجمعه ((أضا)) كعصا، وقيل: بالمد والهمز، مثل ((آناء)» وهو
موضع بالمدينة النبوية، ينسب إلى بني غفار - بكسر المعجمة وتخفيف الفاء - لأنهم نزلوا عنده.
قوله: (فأيما حرف قرؤوا عليه) إلخ: معناه لا يتجاوز أمتك سبعة أحرف، ولهم الخيار في
السبعة، ويجب عليهم نقل السبعة إلى من بعدهم بالتخير فيها، وأنها لا تتجاوز، والله أعلم.

٢١٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
(٤٩) - باب: ترتيل القراءة واجتناب الهذ،
وهو: الإفراط في السرعة، وإباحة سورتين فأكثر في ركعة
١٩٠٥ - (٢٧٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ. قَالَ أَبُو
بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ
إِلَىَّ عَبْدِ اللَّهِ(١). فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ،َ كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ. أَلِفاً تَجِدُهُ أَمْ يَاءً:
مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ أَوْ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ؟ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَكُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ أَحْصَيْتَ غَيْرَ
هَذَا؟ قَالَ: إِنِّي لأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذَّا كَهَذُّ الشِّعْرِ؟ إِنَّ أَقْوَاماً
باب ترتيل القراءة واجتناب الهذّ،
وهو الإفراط في السرعة، وإباحة سورتين فأكثر في ركعة
قوله: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير جميعاً) إلخ: هذا الإسناد وما بعده
کوفیون.
قوله: (نهيك بن سنان) إلخ: أي البجلي، ونهيك: بفتح النون، وكسر الهاء.
قوله: (وكل القرآن قد أحصيت) إلخ: قال النووي: ((هذا محمول على أنه فهم منه أنه غير
مسترشد في سؤاله، إذ لو كان مسترشداً لوجب جوابه، وهذا ليس بجواب)).
قوله: (إني لأقرأ المفصل في ركعة) إلخ: معناه أن الرجل أخبره بكثرة حفظه وإتقانه، فقال
ابن مسعود: أتهذّه هذاً؟ وهو بتشديد الذال، وهو شدة الإسراع والإفراط في العجلة، ففيه النهي
عن الهذّ على الترتيل والتدبر، وبه قال جمهور العلماء.
قال القاضي: ((وأباحت طائفة قليلة: الهذَّ، قال العلماء: أول القرآن السبعة الطول، ثم
ذوات المئين. وهو ما كان في السورة منها مائة آية ونحوها، ثم المثاني، ثم المفصل. وقد سبق
بيان الخلاف في أول المفصل، فقيل: من ((القتال)) وقيل: من ((الحجرات)) وقيل: من ((ق))
وسمي المفصل لقصر سوره، وقرب انفصال بعضهن من بعض)).
قوله: (هذاً كهذّ الشعر) إلخ: بفتح الهاء وتشديد الذال المعجمة، معناه: في تحفظه
(١) قوله: (عبد الله) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب الجمع بين السورتين في
الركعة، رقم (٧٧٥) وفي كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، رقم (٤٩٩٦) وباب الترتيل في القراءة،
رقم (٥٠٤٣) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب قراءة سورتين في ركعة، رقم (١٠٠٥ - ١٠٠٧)
وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب تحزيب القرآن، رقم (١٣٩٦) والترمذي في جامعه، في كتاب
الصلاة، باب ما ذكر في قراءة سورتين في ركعة، رقم (٦٠٢) وأحمد في مسنده (١: ٤١٢ و٤١٧ و٤١٨
و٤٢١ و ٤٢٧ و٤٣٦ و ٤٥٥ و ٤٦٢).

٠٠
٢١٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ. وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ، نَفَعَ. إِنَّ أَفْضَلَ
الصَّلاَةِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ. إِنِّي لأَعْلَمُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ.
سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَخَلَ عَلْقَمَةُ فِي إِثْرِهِ.
وروايته، لا في إنشاده وترنمه، لأنه يرتل في الإنشاد والترنم في العادة.
قوله: (لا يجاوز تراقيهم) إلخ: قال عياض: ((التراقي: عظام بين النحر والحلق)).
قوله: (ولكن إذا وقع في القلب) إلخ: قال النووي: ((معناه: أن قوماً ليس حظهم من
القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل
المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه، في القلب)) اهـ.
قال الحافظ: ((وفي هذا الحديث من الفوائد: كراهة الإفراط في سرعة التلاوة، لأنه ينافي
المطلوب من التدبر والتفكر في معاني القرآن، ولا خلاف في جواز السرد بدون تدبر، لكن
القراءة بالتدبر أعظم أجراً)).
قوله: (إن أفضل الصلاة: الركوع والسجود) إلخ: قال النووي: ((هذا مذهب ابن
مسعود ربه، وقد سبق في قول النبي وقّطاهر: أفضل الصلاة طول القنوت)) وفي قوله وَليقول: ((أقرب
ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) بيان مذاهب العلماء في هذه المسألة)).
قوله: (إني لأعلم النظائر) إلخ: أي السور المتماثلة في المعاني، كالموعظة، أو الحكم،
أو القصص، لا المتماثلة في عدد الآي، لما سيظهر عند تعيينها .
قال المحب الطبري: ((كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العد، حتى اعتبرتها، فلم أجد
فيها شيئاً متساوياً)).
قوله: (يقرن) إلخ: بضم الراء، وكسرها .
قوله: (سورتين في كل ركعة) إلخ: فيه الجمع بين السور في ركعة، لأنه إذا جمع بين
السورتين شاغ الجمع بين ثلاث فصاعداً، لعدم الفرق.
وقد روى أبو داود، وصححه ابن خزيمة، من طريق عبد الله بن شقيق، قال: ((سألت
عائشة: أكان رسول الله وَلو يجمع بين السور؟ قالت: نعم، من المفصل))، ولا يخالف هذا ما
سيأتي في التهجد: أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال، لأنه يحمل على النادر.
وقال عياض في حديث ابن مسعود: ((هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالباً،
وأما تطويله فإنما كان في التدبر والترتيل، وما ورد غير ذلك من قراءة البقرة وغيرها في ركعة:
فكان نادراً)).
قلت: لكن ليس في حديث ابن مسعود ما يدل على المواظبة، بل فيه أنه كان يقرن بين
هذه السورة المعينات إذا قرأ من المفصل.

٢١٧
كتاب: كتاب فضائل القرآن
ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَنِي بِهَا .
قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ. وَلَمْ يَقُلْ: نَهِيكُ بْنُ
سِنَانٍ .
١٩٠٦ - (٢٧٦) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، يُقَالُّ لَهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ وَكِيْعٍ. غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: فَجَاءَ عَلْقَمَةُ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ. فَقُلْنَا لَهُ: سَلْهُ عَنِ النَّظَائِرِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَقْرَأُ
بِهَا فِي رَكْعَةٍ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَال: عِشْرُونَ سُورَةً مِنَ الْمُفَضَّلِ. فِي
تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ.
قوله: (قد أخبرني بها) إلخ: ففي سنن أبي داود بعد قوله: ((كان يقرأ النظائر)): ((السورتين))
في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات
في ركعة، وإذا الشمس كورت والدخان في ركعة)).
قوله: (عشرون سورة في عشر ركعات) إلخ: قال عياض: ((هو دليل صحيح موافق لرواية
عائشة وابن عباس: أن قيامه ( # كان إحدى عشرة ركعة بالوتر)).
قال الأبي: ((ليس بدليل، لأنه لم يرد أنه كان يقرأ في شفع الوتر بشيء من هذه السور،
وإنما كان يقرأ فيها بـ(سبح)) و((الكافرون)) وإنما هو دليل لكون قيامه كان ثلاث عشر ركعة بالوتر،
عشر ركعات يقرأ فيه بما ذكر، ثم الوتر بشفعه الخاص)).
قوله: (من المفصل في تأليف عبد الله) إلخ: وفي الرواية الأخرى: ((ثمانية عشر من
المفصل، وسورتين من آل حم)).
قال الحافظ: ((والجمع بينهما أن الثمان عشرة غير ((الدخان)) والتي معها، وإطلاق المفصل
على الجميع تغليباً، وإلا فالدخان ليست من المفصل على المرجح، لكن يحتمل أن يكون تأليف
ابن مسعود على خلاف تأليف غيره، فإن في آخر رواية الأعمش على تأليف ابن مسعود:
((آخرهن حم الدخان وعم)) فعلى هذا لا تغليب. وقد أجاب النووي على طريق التنزل بأن المراد
بقوله: ((عشرين من المفصل)) أي معظم العشرين)) اهـ.
وفي حديث الباب دلالة على أن تأليف مصحف ابن مسعود على غير التأليف العثماني.
وأما المصحف على ما هو عليه الآن: فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: يحتمل أن يكون
النبي - هو الذي أمر بترتيبه هكذا، ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة، ثم رجح الأول،
ونظر فيه الحافظ، وتكلم عليه العلامة الألوسي في مقدمة روح المعاني، فرجح التوقيف،
فليراجع.

٢١٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٠٧ - (٢٧٧) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا
الأَعْمَشُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا. وَقَالَ: إِنِّي لأَغْرِفُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ
رَسُولُ اللّهِ وَهِ. اثْنَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، عِشْرِينَ سُورَةً فِي عَشْرِ رَكَعَاتٍ.
١٩٠٨ - (٢٧٨) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا وَاصِلٌ
الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْماً بَعْدَ مَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ.
فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ. فَأَذِنَ لُنَا. قَالَ: فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيَّةٌ. قَالَ: فَخَرَجَتِ الْجَارِيَّةُ فَقَالَتْ: أَلا
تَدْخُلُونَ؟ فَدَخَلْنَا. فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ. فَقَّالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟
فَقُلْنَا: لا. إِلا أَنَّا ظَتَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ. قَالَ ظَنَنْتُمْ بِآلِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةً؟ قَالَ:
ثُمَّ أَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَذَّ طَلَعَتْ. فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ! انْظُرِي. هَلْ طَلَعَتْ؟ قَالَ
فَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَظْلُعْ. فَأَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَّعَتْ قَالَ: يَا جَارِيَةُ!
انْظُرِي. هَلْ طَلَعَتْ؟ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ قَدْ طَلَعَتْ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلِهِ الَّذِي أَقَالَنَا يَوْمَنَا هَذَا.
- (فَقَالَ مَهْدِيٍّ وَأَحْسِبُهُ قَالَ) - وَلَمْ يُهْلِكْنَا بِذُنُوبِنَا. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: قَرَأْتُ
الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ كُلَّهُ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذَّا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ إِنَّا لَقَدْ سَمِعْنَا الْقَرَائِنَ. وَإِنِّي
قوله: (فمكثنا بالباب هنية) إلخ: هو تسليم الاستئذان. و((هنية)) بتشديد الياء دون همزة.
قوله: (فإذا هو جالس بسبح) إلخ: قال الأبي: ((وفيه أن الأوقات المخصوصة بالذكر
ثواب الذكر فيها أكثر من ثواب التلاوة)).
قوله: (فقال: ما منعكم) إلخ: فيه أن الكلام بمثل هذا لا يقطع ورد التسبيح والذكر.
قوله: (فقلنا: لا، أنا ظننا) إلخ: معناه لا مانع لنا إلا أن توهمنا أن بعض أهل البيت
نائم، فنزعجه، ومعنى قولهم: ((ظننا)) توهمنا وجوزنا، لا أنهم أرادوا الظن المعروف
للأصوليين، وهو رجحان الاعتقاد، وفي هذا الحديث: مراعاة الرجل لأهل بيته ورعيته في أمور
دینهم .
قوله: (بآل ابن أم عبد) إلخ: ابن أم عبد هو: عبد الله بن مسعود نفسه،
قوله: (أقالنا يومنا هذا) إلخ: أي رد إلينا هذا اليوم، ومقتضى ما فعلنا أن لا يرد والله
تعالى أعلم.
وقال القاضي: ((قال ذلك توقعاً منه بطوع الشمس من مغربها، قال الأبي: أنظر كيف
يتوهم طلوعها من مغربها، وعيسى معظلّ والدجال لم يظهر إلا أن يكون مذهبه أن طلوعها
قبلهما. كذا في حاشية السندي على صحيح مسلم. فتأمل.

٢١٩
كتاب: كتاب فضائل القرآن
لِأَحْفَظُ الْقَرَائِنَ الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهُنَّ رَسُولُ اللّهِ بِهِ. ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ الْمُفَصَّلِ. وَسُورَتَيْنِ مِنْ
آلٍ حم.
١٩٠٩ - (٢٧٩) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ،
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ. يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ، إِلَى
عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ: إِنِّي أَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذَّا كَهَذُّ الشِّعْرِ؟ لَقَدْ عَلِمْتُ
النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَقْرَأُ بِهِنَّ. سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ .
١٩١٠ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ
إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنِّي قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ. فَقَّالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذَّا كَهَذِّ
الشِّعْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَّقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ. قَالَ:
فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ. سُورَتَيْنِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
(٥٠) - باب: ما يتعلق بالقراءات
١٩١١ - (٢٨٠) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو
إِسْحَاقَ. قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً سَأَلَ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، وَهُوَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ:
كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟ ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] أَدَالاً أَمْ ذَالاَ؟ قَالَ: بَلْ دَالاً. سَمِعْتُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ (١) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مُذَّكِرٍ)) دَالاً.
قوله: (وسورتين من آل حم) إلخ: أي السورة التي أولها ((حم)) وقيل يريد ((حم)) نفسها،
كما في حديث أبي موسى: ((أنه أوتي مزماراً من مزامير آل داود)» يعني داود نفسه.
قال الخطابي: «قوله: آل داود یرید به داود نفسه)).
قال الحافظ: ((قوله)): ((وسورتين من آل حم)) مشكل، لأن الروايات لم تختلف أنه ليس في
العشرين من الحواميم غير الدخان، فيحمل على التغليب، أوفيه حذف، كأنه قال: ((وسورتين
إحداهما من آل حم)).
قوله: (عن شقيق) إلخ: هو شقيق بن سلمة أبو وائل، كان مشهوراً بكنيته.
باب ما يتعلق بالقرآآت
قوله: (مدكر، أدالاً) إلخ: يعني بالمهملة، قال الحافظ: ((أصله مذكر)) بمثناة، بعد ذال
(١) قوله: (عبد الله بن مسعود) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأنبياء، باب قول الله
عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِن﴾ رقم (٣٣٤١) وباب ((فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم =

٢٢٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩١٢ - (٢٨١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسَحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. عَنِ
النَّبِّ وَِّهِ أَنَّهُ كَانَّ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ: ((فَهَلْ مِنْ مُذَكِرٍ)).
١٩١٣ - (٢٨٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ)،
قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ(١). قَالَ: قَدِمْنَا الشَّأَمَ.
فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: أَفِيَّكُمْ أَحَدَ يَقْرَأُ عَلَّى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعْمِ. أَنَا. قَالَ:
فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ؟ ﴿وَّلِ إِذَا يَغْثَى﴾ [الليل: ١]. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ :
(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىْ)) وَالذَّكَرِ وَالأَنْتَى قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ، هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقْرَؤُهَا.
وَلَكِنْ هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ: وَمَا خَلَقَ.
معجمة، فأبدلت التاء دالاً مهملة، ثم أهملت المعجمة لمقاربتها، ثم أدغمت. قال: وسبب ذكر
ذلك أن بعض السلف قرأها بالمعجمة، وهو منقول أيضاً عن قتادة.
قوله: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، واللفظ لأبي بكر) إلخ: قال النووي: ((هذا
إسناد كوفي كله، وفيه ثلاثة تابعيون: الأعمش، وإبراهيم وعلقمة)).
قوله: (والذكر والأنثى) إلخ: قال الحافظ: ((هذه القراءة لم تنقل إلا عمن ذكر هنا، ومن
عداهم قرؤوا: ((وما خلق الذكر والأنثى)) عليها استقر الأمر مع قوة إسناد ذلك إلى أبي الدرداء،
ومن ذكر معه، ولعل هذا ممن نسخت تلاوته ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذكر معه. والعجب
من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة وعن ابن مسعود، وإليها تنتهي القراءة
بالكوفة، ثم لم يقرأ بها أحد منهم، وكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبي الدرداء، ولم يقرأ
أحد منهم بهذا، فهذا مما يقوى أن التلاوة بها نسخت)).
قوله: (ولكن هؤلاء يريدون) إلخ: وفي رواية: ((وهؤلاء يأبون علينا)) وفي أخرى: ((هؤلاء
منكرون)) رقم (٣٣٧٦) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة اقتربت الساعة، تفسير ((تجري بأعيننا جزاء لمن كان
كفر، ولقد تركناها آية فهل من مذكر)) رقم (٤٨٦٩) وباب ((ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)) رقم
(٤٨٧٠) وباب: أعجاز نخل منقعر فكيف كان عذابي ونذر)) رقم (٤٨٧١) وباب ((فكانوا كهشيم المحتظر،
ولقد يسّرنا القرآن لذكر فهل من مدّر)) رقم (٤٨٧٢) وباب ((ولقد صحبهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي
ونذر)) رقم (٤٨٧٣) و(٤٨٨٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الحروف والقراءات، رقم (٣٩٩٤) والترمذي
في جامعه، في كتاب القراءات، باب ((ومن سورة القمر)) رقم (٢٩٣٧) وأحمد في مسنده (١: ٣٩٥ و ٤١٣
و ٤٦١).
(١) قوله: (عن علقمة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير تفسير سورة الليل، باب
(والنهار إذا تجلى)) رقم (٤٩٤٣) وباب ((وما خلق الذكر والأنثى)) رقم (٤٩٤٤) والترمذي في جامعه، في
كتاب القراءات، باب ((ومن سورة الليل)) رقم (٢٩٣٩).