Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً. فَإِذَا اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ. وَإِذَا تَوَضَّأَ،
انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانٍ. فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ. فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ.
المحصل من القوى، ومنها يتناول القلب ما يريد التذكر به، كذا في الفتح.
قوله: (بكل عقدة يضرب) إلخ: أي يلقى على كل عقدة يعقدها هذا القول، وهو: ((عليك
ليل طويل أي طويل)) قال صاحب المغرب: ((يقال: ضرب الشبكة على الطائر: ألقاها عليه)).
وقال الحافظ كَُّ: «أي يضرب بيده على العقدة تأكيداً، أو إحكاماً لها، قائلاً ذلك.
وقيل: معنى ((يضرب) يحجب الحس عن النائم، حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَيْنَا
عَلَىْ ءَاذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] أي حجبنا الحسن أن يلج في آذانهم فينتبهوا)).
قوله: (عليك ليلاً طويلاً) إلخ: وفي بعض الروايات: ((فارقد)).
قال عياض: ((رواية الأكثر عن مسلم: ((ليلاً طويلاً)) بالنصب على الإغراء، ومن رفعه فعلى
الابتداء أي: باق عليك، أو بإضمار فعل، أي بقي عليك)).
وقال القرطبي كثّفُ: ((الرفع أولى من جهة المعنى، لأنه الأمكن في الغرور من حيث أنه
يخبره عن طول الليل، ثم يأمره بالرقاد بقوله: ((فارقد)) وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلا
الأمر بملازمة طول الرقاد وحينئذٍ يكون قوله: ((فارقد)» ضائعاً، ومقصود الشيطان بذلك تسويفه
بالقيام والإلباس عليه)) كذا في الفتح.
وقال العيني: ((لا يكون قوله: ((فارقد)) ضائعاً على تقدير الرفع، بل يكون تأكيداً، والله
أعلم)).
قوله: (فذكر الله) إلخ: فيه الحث على ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ، وجاءت فيه أذكار
مخصوصة مشهورة في الصحيح، وقد جمعتها وما يتعلق بها في باب من ((كتاب الأذكار)) ولا
يتعين لهذه الفضيلة ذكر، لكن الأذكار المأثورة فيه أفضل. قاله النووي تَّتُهُ.
قوله: (انحلت عنه عقدتان) إلخ: معناه تمام عقدتين، أي انحلت عقدة ثانية، وتم بها
عقدتان، وهو بمعنى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فی یَوْمِنِ إلى قوله: فِّ
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩، ١٠] أي في تمام أربعة، ومعناه في يومين آخرين تمت الجملة بهما أربعة
أيام، وله نظائر في الأحاديث كثيرة، ذكر النووي بعضاً منها .
قوله: (انحلت العقد) إلخ: أي العقد كلها بانحلال الأخيرة التي بها يتم انحلال العقد،
وهذا محمول على الغالب، وهو من ينام مضطجعاً فيحتاج إلى تجديد الطهارة عند استقاظه،
فيكون لكل فعل عقدة يحلها .
قوله: (نشيطاً طيب النفس) إلخ: قال الحافظ تغلفهُ: ((أي لسروره بما وفقه الله له من
الطاعة، وبما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عقد الشيطان، كذا قيل. والذي يظهر أن في

١٤٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِلا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ)).
صلاة الليل سراً في طيب النفس، وإن لم يستحضر المصلي شيئاً مما ذكر، وكذا عكسه، وإلى
ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ آلَِّلِ هِىَ أَشَدُ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾﴾ [المزمل: ٦].
وقال الطيبي كثّفُ: ((مثلت حال من لم يتكاسل ولم ينم عن وظائفه التي تسرع به إلى المقام
الزلفى وتنشيطه لاكتساب السعادة العظمى، فكلما همت النفس اللوامة بالفتور نداركها التوفيق
بالخلاص من نفث الشيطان وعقد النفس الأمارة بالسوء، فيصبح نشيط القلب مطمئن النفس
طيبها، يظهر في سيماها أثر السجود: بحالة من أسرة العدو، وشد على قفاه بريقة الأسر عقدة
بعد عقدة استيثاقاً وهو يتحرى الخلاص منه بلطائف حِيَله مرة بعد أخرى، حتى يتخلص منه
بالكلية، ويذهب لسبيله بلا مانع ولا منازع، بخلاف من أطاع الشيطان حتى تمكن من النفس
الأمارة بضرب العقد على قافية رأسه، فهل يستويان، ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِى
سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ﴾ .
قوله: (خبيث النفس) إلخ: أي بتركه ما كان اعتقاده أو أراده من الخير، كذا قيل. وقد
تقدم ما فيه .
وقال النووي تقذفُ: ((لما عليه من عقد الشيطان وآثار تثبيطه واستيلائه، مع أنه لم يزل ذلك
عنه)) .
قال ابن عبد البر: «هذا الذي يختص بمن لم يقم إلى صلاته، وضيعها، أما من كانت
عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة، أو إلى النافلة بالليل، فغلبته عينه فنام، فقد ثبت أن الله يكتب
له أجر صلاته، ونومه علیه صدقة)) .
وقال أيضاً: زعم قوم أن هذا الحديث يعارض قوله وقديجى: ((لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي))
وليس كذلك، لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه، كراهة لتلك الكلمة، وهذا
الحديث وقع ذماً لفعله، ولكل من الحدیثین وجه.
وقال الباجي: ((ليس بين الحديثين اختلاف، لأنه نهى عن إضافة ذلك إلى النفس لكون
الخبث بمعنى فساد الدين ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيراً منها وتنفيراً.
قلت: تقرير الإشكال أنه وَّجيل نهى عن إضافة ذلك النفس، فكل ما نهى المؤمن أن يضيفه
إلى نفسه نهى أن يضيفه إلى أخيه المؤمن، وقد وصف ◌َي هذا المرء بهذه الصفة، فيلزم جواز
وصفنا له بذلك التأسي، ويحصل الانفصال فيما يظهر بأن النهي محمول على ما إذا لم يكن
هناك حامل على الوصف بذلك، كالتنفير والتحذير. كذا في الفتح.
قوله: (كسلان) إلخ: بمعنى الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون.

١٤٣
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
(٢٩) - باب: استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد
١٨١٧ - (٢٠٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ:
أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)، عَنِ النَّبِيِّي ◌َّرِ قَالَ: ((اجْعَلُوا مِنْ صَلاَئِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ. وَلا
تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً)) .
باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، وسواء في هذا:
الراتبة وغيرها، إلا الشعائر الظاهرة، وهي العيد والكسوف، والاستقساء
والتراويح، وكذا ما لا يتأتى في غير المسجد: كتحية المسجد،
أو يندب كونه في المسجد، وهي ركعتا الطواف
قوله: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم) إلخ: قال القرطبي: ((من: للتبعيض، والمراد
النوافل، بدليل ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعاً: ((إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده
فليجعل لبيته نصيباً من صلاته)) قلت: وليس فيه ما ينفي الاحتمال، وقد حكى عياض عن بعضهم
أن معناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم، ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة
وغيرهن. وهذا وإن كان محتملاً، لكن الأول هو الراجح، وقد بالغ الشيخ محي الدين، فقال:
((يجوز حمله على الفرضية)).
قوله: (ولا تتخذوها قبوراً) إلخ: تأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في
البيوت، إذ الموتى لا يصلون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم، وهي
القبور.
واستنبط منه بعضهم أن القبور ليست بمحل للعبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة، كما ورد
في السنن: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((ولا
تتخدوها قبوراً)): لا تجعلوا بيوتكم وطناً للنوم فقط، لا تصلون فيها، فإن النوم أخو الموت،
والميت لا يصلي.
وقال التوربشتي كثّفُهُ: ((يحتمل أن يكون المراد أن من لم يصل في بيته جعل نفسه كالميت،
وبیته كالقبر)».
(١) قوله: (عن ابن عمر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب كراهية الصلاة في
المقابر، رقم (٤٣٢) وفي كتاب التهجد، باب التطوع في البيت، رقم (١١٨٧) والنسائي في سننه، في
كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الحثّ على الصلاة في البيوت والفضل في ذلك، رقم (١٥٩٩) وأبو
داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب فضل التطوع في البيت، رقم (١٤٤٨) والترمذي في جامعه، في
كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت، رقم (٤٥١) وابن ماجه في سننه، في كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في التطوع في البيت، رقم (١٣٧٧) وأحمد في مسنده (٢: ٦
و١٦).

١٤٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٨١٨ - (٢٠٩) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَتَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّي ◌َّهِ قَالَ: ((صَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلا تَتَّخِذُوَهَا قُبُوراً».
١٨١٩ - (٢١٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ (١). قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((إِذَا
قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيباً مِنْ صَلاتِهِ. فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ
مِنْ صَلاتِهِ خَیْراً» .
قلت: ويؤيده ما رواه مسلم: ((مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله
فيه: کمثل الحي والميت)).
قال الخطابي: ((وأما من تأوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس بشيء، فقد
دفن رسول الله وَّ﴿ في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته)). قلت ما ادعى أنه تأويل هو ظاهر لفظ
الحديث، ولا سيما أن جعل النهي حكماً منفصلاً عن الأمر، وما استدل به على ردّه تعقّبه
الكِرْماني، فقال: ((لعل ذلك من خصائصه، وقد روى ((أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون)).
قلت: هذا الحديث رواه ابن ماجه مع حديث ابن عباس عن أبي بكر مرفوعاً: ((ما قبض
نبي إلا دفن حيث يقبض)) وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف. وله طريق
أخرى مرسلة ذكرها البيهقي في الدلائل.
وروى الترمذي في الشمائل، والنسائي في الكبرى، من طريق سالم بن عبيد الأشجعي
الصحابي، عن أبي بكر الصديق: ((أنه قيل له: فأين يدفنون رسول الله وَّر؟ قال: في المكان
الذي قبض الله فيه روحه، فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب)) إسناده صحيح، لكنه موقوف.
والذي قبله أصرح في المقصود، وإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن
ذلك، بل هو متجه، لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر، فتصير الصلاة فيها
مكروهة، ولفظ حديث أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: ((لا تجعلوا
بيوتكم مقابر)) فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقاً. والله أعلم.
قوله: (فليجعل لبيته نصيباً من صلاته) إلخ: قال النووي: ((وإنما حث على النافلة في
البيت لكونه أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه
الرحمة وينفر منه الشيطان، كما جاء في الحديث الآخر، وهو معنى قوله وَطاهر: فإن الله جاعل في
(١) ((عن جابر)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم كثّفُ، وقد أخرجه ابن
ماجه: ((عن جابر بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري ... )) انظر كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء
في التطوع في البيت، رقم (١٣٧٦) وأخرج أحمد عن جابر رضيالله في مسنده (٣: ٣١٦).

١٤٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٨٢٠ - (٢١١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. قَالا:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى(١)، عَنِ النَّبِيِّ وَّرْ قَالَ: ((مَثَلُ
الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيْتِ)).
١٨٢١ - (٢١٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٢)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،وَِّ قَالَ: ((لا تَجْعَلُواَ
بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ. إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْقِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ».
١٨٢٢ - (٢١٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّصْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ(٣). قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ، أَوْ حَصِيرٍ، فَخَرَجَ
بيته من صلاته خيراً)) اهـ. ومع هذا تستثنى التراويح بالاتفاق لما سبق من فعله وَير، ولما تقرر
عليه إجماع الصحابة
قوله: (مثل الحي والميت) إلخ: فيه الندب إلى ذكر الله تعالى في البيت، وأنه لا يخلى من
الذكر، وإن ذكر الله هو روح الحياة، كما يشعر به قوله وَّر: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في
الأرض: الله، الله)).
قوله: (إن الشيطان ينفر) إلخ: هكذا ضبطه الجمهور: ((وينفر)) ورواه بعض رواة مسلم:
(يفر)) وكلاهما صحيح.
قوله: (احتجر رسول الله وَّ﴿ حجيرة) إلخ: قال النووي: ((الحجيرة، بضم الحاء، تصغير
حجرة، والخصفة والحصير بمعنى شك الراوي في المذكورة منهما، ومعنى احتجر حجرة: أي
حوّط موضعاً من المسجد بحصيرة ليستره، ليصلي فيه، ولا يمر بين يديه مار، ولا يتهوش بغيره،
ويتوفر خشوعه وفراغه قلبه، وفيه جواز مثل هذا إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين ونحوهم،
ولم يتخذه دائماً، لأن النبي ◌َّ ه كان يحتجرها بالليل يصلي فيها وينحيها بالنهار ويبسطها، كما
ذكره مسلم في الرواية التي بعد هذه، ثم تركه النبي ◌ّو بالليل والنهار، وعاد إلى الصلاة في
البيت)).
-
(١) قوله: (عن أبي موسى) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله
عز وجلّ، رقم (٦٤٠٧).
(٢) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل
سورة البقرة وآية الكرسي، رقم (٢٨٧٧).
(٣) قوله: (عن زيد بن ثابت) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب صلاة الليل، =

١٤٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ يُصَلِّي فِيهَا. قَالَ: فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاؤُوا يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ. قَالَ: ثُمَّ
جَاؤُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا. وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عَنْهُمْ قَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ. فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ
وَحَصَبُوا الْبَابَ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ مُغْضَباً. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا زَالَ
بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ◌َتَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ. فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاةِ فِي بُيُوتِكُمْ.
قوله: (فتتبع إليه رجال) إلخ: أصل التتبع: الطلب، ومعناه هنا: طلبوا موضعه واجتمعوا
إليه، كذا في الشرح.
قوله: (وحصبوا الباب) إلخ: أي رموه بالحصباء، وهي الحصا الصغار تنبيهاً له، وظنوا
أنه نسي أو نام.
قوله: (مغضباً) إلخ: قال الحافظ تَّهُ: ((والظاهر أن غضبه لكونهم اجتمعوا بغير أمره،
فلم يكتفوا بالإشارة منه، لكونه لم يخرج عليهم، بل بالغوا، فحصبوا بابه وتتبعوه، أو غضب
لكونه تأخر إشفاقاً عليهم، لئلا تفرض عليهم، وهم يظنون غير ذلك، وأبعد من قال: صلى في
مسجده بغير أمره)).
قوله: (ما زال بكم صنيعكم) إلخ: أي شدة حرصكم في إقامة صلاة التراويح بالجماعة،
وهذا الكلام ليس لأجل صلاتهم فقط، بل لكونهم رفعوا أصواتهم، وسبحوا به، ليخرج إليهم،
وحصب بعضهم الباب، لظنهم أنه نائم.
قوله: (حتى ظننت أنه سيكتب عليكم) إلخ: أي حتى خفت، من الظن بمعنى الخوف هنا،
وفي حديث عائشة: ((ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها)).
قال ابن المنير: ((ويؤخذ منه أن الشروع ملزم، إذ لا تظهر مناسبة بين كونهم يفعلون ذلك
ویفرض عليهم إلا ذلك)) انتهى.
وفيه نظر، لأنه يحتمل أن يكون السبب في ذلك لظهور اقتدارهم على ذلك من غير تكلف،
فيفرض عليهم. اهـ. كذا في الفتح، وتقدم بقية مباحث الحديث في باب قيام رمضان في شرح
عائشة، فراجعه.
رقم (٧٣١) وفي كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لا من الله تعالى، رقم (٦١١٣) وفي
=
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه، رقم (٧٢٩٠)
والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الحث على الصلاة في البيوت والفضل في
ذلك، رقم (١٦٠٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب صلاة الرجل التطوع في بيته، رقم
(١٠٤٤) وباب في فضل التطوع في البيت، رقم (١٤٤٧) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما
جاء في فضل صلاة التطوع في البيت، رقم (٤٥٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب صلاة
التطوع في أي موضع أفضل، رقم (١٣٧٣) وأحمد في مسنده (١٨٢:٥ و١٨٤ و١٨٦ و١٨٧).

١٤٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
فَإِنَّ خَيْرَ صَلاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ. إِلا الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ)).
١٨٢٣ - (٢١٤) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا
مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َهُ اتَّخَذَ حُجْرَةٌ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ. فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِيهَا لَّيَالِيَ. حَتَّى
اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَزَادَ فِيهِ: ((وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ».
(٣٠) - باب: فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره
١٨٢٤ - (٢١٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي الثَّقَفِيَّ،
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ
قوله: (فإن خير صلاة المرء في بيته) إلخ: قال الحافظ: ((ظاهره أنه يشمل جميع النوافل،
لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص
المسجد، كركعتي التحية، كذا قال بعض أئمتنا، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة ما يشرع في
البيت وفي المسجد معاً، فلا تدخل تحية المسجد، لأنها لا تشرع في البيت، وأن يكون المراد
بالمكتوبة ما تشرع فيه الجماعة)).
قوله: (إلا الصلاة المكتوبة) إلخ: هذا دال على أن المراد بالصلاة - أي في قوله في
الحديث الآخر: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً - صلاةُ النافلة، وحكى
ابن التين عن قول: أنه يستحب أن يجعل في بيته من فريضة، وزيفه بحديث الباب، والله أعلم.
قوله: (ولو كتب عليكم ما قمتم) إلخ: فيه: ترك بعض المصالح لخوف مفسدة أعظم من
ذلك، وفيه: بيان ما كان النبي وَلّر من الشفقة على أمته، ومراعاة مصالحهم، وأنه ينبغي لولاة
الأمور وكبار الناس والمتبوعين في علم وغيره: الاقتداء به وَّر في ذلك.
باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره
قوله: (حدثنا عبيد الله، عن سعيد) إلخ: عبيد الله هو ابن عمر العمري)) وسعيد هو
(١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على
العمل، رقم (٦٢٦٢) و(٦٢٦٤ - ٦٢٦٦) والنسائي في سننه، في كتاب القبلة، باب المصلى يكون بينه وبين
الإمام سترة، رقم (٧٦٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، أبواب قيام الليل، باب ما يؤمر به من
القصد في الصلاة، رقم (١٣٦٨) و(١٣٧٠) والترمذي في جامعه، في كتاب الأدب، باب (بدون ترجمة،
بعد باب ما جاء في الفصاحة والبيان) رقم (٢٨٥٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب المداومة
على العمل، رقم (١٢٣٨) وأحمد في مسنده (٣٢:٦ و٤٠ و٦١ و٨٤ و١١٣ و١٢٢ و١٢٥ و١٢٨ و١٤٧
و١٦٥ و١٧٦ و١٨٠ و١٨١ و١٨٩ و٢٠٣ و٢٣٣ و٢٤١ و٢٤٤ و٢٤٩ و٢٥٠ و٢٦٧ و ٢٦٨ و٢٧٣).

١٤٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِرَسُولِ اللهِ وَهِ حَصِيرٌ. وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ. فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ.
وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ. فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ. فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ.
فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ
المقبري، وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق: أولهم أبو سلمة، وهو مدنيون.
قوله: (وكان يحجره) إلخ: بضم الياء، وفتح الحاء، وكسر الجيم المشددة، أي يتخذه
حجرة، كما في الرواية الأخرى، وفيه إشارة إلى ما كان عليه رسول الله وّل من الزهادة في
الدنيا، والإعراض عنها، والإثراء من متاعها بما لا بد منه. كذا في الشرح.
قوله: (فثابوا ذات ليلة) إلخ: أي اجتمعوا، وقيل: رجعوا للصلاة.
قوله: (ما تطيقون) إلخ: أي تطيقون الدوام عليه بلا ضرر. وفيه: دليل على الحث على
الاقتصاد في العبادة، واجتناب التعمق، وليس الحديث مختصاً بالصلاة بل هو عام بلفظه في
جميع أعمال البر، وإن كان خاصاً بحسب مورده.
قال النووي: ((وفي هذا الحديث كما شفقته وَ ل﴾ ورأفته بأمته، لأنه أرشدهم إلى ما
يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر. فتكون النفس أنشط، والقلب
منشرحاً، فتتم العبادة، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق فإنه بصدد أن يتركه، أو بعضه،
أو يفعله بكلفة وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم، وقد ذم الله سبحانه وتعالى من اعتاد
عبادة ثم أفرط، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَاِيَّةُ ابْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا
حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبل رخصة رسول الله وَليه
في تخفيف العبادة ومجانبة التشديد)) اهـ.
قال الحافظ تَّهُ: ((والحاصل أنه أمر بالجِدِّ في العبادة والإبلاغ بها إلى حدّ النهاية، لكن
بقيد ما لا تقع معه المشقة المفضية إلى السآمة والملال)).
قوله: (فإن الله لا يمل حتى تملوا) إلخ: هو بفتح الميم في الموضعين، والملال: استثقال
الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته، وهو محال على الله سبحانه وتعالى باتفاق.
قال الإسماعيلي وجماعة من المحققين: إنما أطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازاً،
كما قال تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وأنظاره.
قال القرطبي تخذله: ((وجه مجازه أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل ملالاً:
عبر عن ذلك بالملال من باب تسمية الشيء باسم سببه)).
وقال الهروي: ((معناه: لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فتزهدوا في الرغبة إليه)).
وقال غيره: معناه لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم.

١٤٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ)). وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ وَّهِ إِذَا عَمِلُوا عَمَلاً أَثْبَتُوهُ.
١٨٢٥ - (٢١٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِّ سُئِلَ: أَيُّ
الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ)).
وهذا كله بناء على أن ((حتى)) على بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها من المفهوم.
وجنح بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه: لا يمل الله إذا مللتم، وهو مستعمل في كلام
العرب، يقولون: لا أفعل كذا حتى يبيض القار، أو حتى يشيب الغراب. ومنه قولهم في البليغ:
لا ينقطع حتى تنقطع خصومه، لأنه لو انقطع حتى ينقطعون لم يكن له عليهم مزية، وهذا المثال
أشبه من الذي قبله، لأن شيب الغراب ليس ممكناً عادة، بخلاف الملل من العابد.
وقال المازري: ((قيل: إن ((حقي)) هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يمل وتملون، فنفى
عنه الملل وأثبته لهم، قال وقيل: ((حتى)) بمعنى ((حين)) والأول أليق وأجرى على القواعد، وإنه
من باب المقابلة اللفظية، ويؤيده ما وقع في بعض طرق حديث عائشة بلفظ: ((أكلفوا من العمل
ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل)) لكن في سنده موسى بن عبيدة وهو
ضعيف .
وقال ابن حبان في صحيحه: هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف
القصد مما يخاطب به إلا بها)). وهذا رأيه في جميع المتشابه، كذا قال الحافظ تَتُ في الفتح
من أبواب الإيمان. ثم قال في أبواب التهجد: ((ومما يلحق هنا أني وجدت بعض ما ذكر هناك
من تأويل الحديث احتمالاً في بعض طرق الحديث، وهو قوله: ((إن الله لا يمل من الثواب حتى
تملوا من العمل)) أخرجه الطبري في تفسير سورة المزمل، وفي بعض طرقه ما يدل على أن ذلك
مدرج من قول بعض رواة الحديث، والله أعلم.
قوله: (ما دووم عليه) إلخ: دووم بواوين، على البناء للمفعول، أي ما داوم عليه صاحبه،
قال النووي تخلفه: ((بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله،
بخلاف الكثير الشاق، حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة)).
وقال ابن الجوزي: ((إنما أحب الدائم لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول
فيه كالمعرض بعد الوصول فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها،
وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه، ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم
الباب في كل يوم وقتاما كمن لازم يوماً كاملاً ثم انقطع.
قول .. (أثبتوه) إلخ: أي لازموه وداوموا عليه، والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته
وخواصه آلير من أزواجه وقرابته ونحوهم، قاله النووي كذُّهُ.

١٥٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٨٢٦ - (٢١٧) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا
جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ. قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قَالَ: قُلْتُ:
يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئاً مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ:
لا. كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً. وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ يَسْتَطِيعُ؟
١٨٢٧ - (٢١٨) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنِي
الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى
أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)».
قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ.
(٣١) - باب: أمر من نعس في صلاته، أو استعجم عليه القرآن،
أو الذكر بأن يرقد، أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك
١٨٢٨ - (٢١٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنِي
قوله: (هل كان يخص شيئاً من الأيام) إلخ: أي بعبادة مخصوصة لا يفعل مثلها في غيره.
قوله: (قالت: لا) إلخ: قال الحافظ كثّفُ: ((وقد استشكل ذلك بما ثبت عنها أن أكثر
صيامه كان في شعبان، وأنه كان يصوم في أيام البيض، كما ثبت في السنن، وأجيب بأن مرادها
تخصيص عبادة معينة في وقت خاص، وإكثاره الصيام في شعبان إنما كان لأنه كان يعتزيه الوعك
كثيراً، وكان يكثر السفر في الغزو فيفطر بعض الأيام التي كان يريد أن يصومها، فيتفق أن لا
يتمكن من قضاء ذلك إلا في شعبان، فيصير صيامه في شعبان بحسب الصورة أكثر من صيامه في
غيره، وأما أيام البيض فلم يكن يواظب على صيام في أيام بعينها، بل كان ربما صام من أول
الشهر، وربما صام من وسطه، وربما صام من آخره، ولهذا قال أنس: ((ما كنت تشاء أن تراه
صائماً من النهار إلا رأيته، ولا قائماً من الليل إلا رأيته)).
قوله: (كان علمه ديمة) إلخ: بكسر الدال المهملة وسكون التحتانية، أي دائماً، والديمة
في الأصل: المطر المستمر مع سكون، بلا رعد ولا برق، ثم استعمل في غيره وأصلها الواو،
فانقلبت بالكسرة قبلها : یاء)).
قوله: (وأيكم يستطيع) إلخ: أي في العبادة كمية كانت أو كيفية، من خشوع وخضوع،
وإخبات وإخلاص، والله أعلم.
قوله: (أدومها) إلخ: أي المداومة على عمل من أعمال البر ولو كان قليلاً أو مفضولاً:
أحب إلى الله من عمل يكون كثيراً، أو أعظم أجراً لكن ليس فيه مداومة.

١٥١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ(١)؛ قَالَ: دَخَلَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ الْمَسْجِدَ. وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ. فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟)) قَالُوا: لِزَيْنَبَ.
تُصَلِّي. فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ. فَقَالَ: ((حُلُّوهُ. لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ. فَإِذَا كَسِلَ
أَوْ فَتَرَ قَعَدَ)) .
وَفِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ ((فَلْيَقْعُدْ)).
١٨٢٩ - (٠٠٠) وحدّثناه شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ
أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ وََّ، مِثْلَهُ.
١٨٣٠ - (٢٢٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ(٢) زَوْجَ
قوله: (فإذا كُسِلت) إلخ: بكسر السين، أي إذا كسلت عن القيام في الصلاة: تعلقت به.
قوله: (حُلُوُّه) إلخ: بضم الحاء واللام المشددة، أمر للجماعة، من الحل، وفيه: إزالة
المنكر باليد لمن تمكن منه، وفيه: جواز التنفل في المسجد، فإنها كانت تصلي النافلة فيه، فلم
ینکر عليها .
قوله: (ليصل أحدكم) إلخ: بكسر اللام.
قوله: (نشاطه) إلخ: بفتح النون، أي ليصل أحدكم مدة نشاطه، فيكون انتصابه بنزع
الخافض، وروى بنشاطه، أي ملتبساً به.
قوله: (فليقعد) إلخ: ظاهر السياق يدل على أن المعنى: أنه إذا عيى عن القيام وهو
يصلي: فليقعد، فيستفاد منه جواز القعود في أثناء الصلاة بعد افتتاحها قائماً .
(١) قوله: (عن أنس) الحديث البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة،
رقم (١١٥٠) والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الاختلاف على عائشة في إحياء
الليل، رقم (١٦٤٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، أبواب قيام الليل، باب النعاس في الصلاة،
رقم (١٣١٢) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في المصلى إذا نعس،
رقم (١٣٧١) وأحمد في مسنده (٣: ١٠١).
(٢) قوله: (عن عائشة زوج النبي ◌ّ(*) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله
أدومه، رقم (٤٣) وفي كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، رقم (١١٥١) والنسائي في
سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل، رقم (١٦٤٣) وابن
ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب المداومة على العمل، رقم (٤٢٣٨) وأحمد في مسنده (٦: ٤٦ و٥١
و١٩٩ و٢١٢ و٢٣١ و٢٤٧).

١٥٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النَّبِيِّ وَّهِ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ الحَوْلاَءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبٍ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا .
وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللّهِ وَِّهِ. فَقُلْتُ: هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيَّتٍ. وَزَعَمُوا أَنَّهَا لا تَنَامُ اللَّيْلَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لا تَنَامُ اللَّيْلَ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ! لا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى
تَسْأَمُوا)».
١٨٣١ - (٢٢١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. حِ وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
هِشَامٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ،
فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟)) فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ. لا تَنَامُ، تُصَلِّي. قَالَ: ((عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ،
فَوَ اللَّهِ! لا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُوا))، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. وَفِي حَدِيثٍ
أَبِي أُسَامَةَ: أَنَّهَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ .
قال الحافظ: ((ويحتمل أن يكون أمراً بالقعود عن الصلاة، أي بترك ما كان عزم عليه من
التنفل، كما جاء في الحديث: ((إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ)) قال وفيه
الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها، والأمر بالإقبال عليها بنشاط)).
قوله: (أن الحولاء بنت تويت) إلخ: الحولاء بالمهملة والمد، وهو اسمها، بنت تويت
- بمثناتين مصغراً - ابن حبيب - بفتح المهملة - ابن أسد بن عبد العزى، من رهط خديجة أم
المؤمنين رضـ
قوله: (فقال رسول الله وض *: ((لا تنام الليل))) إلخ: أراد ◌َو: الإنكار عليها، وكراهة
فعلها، وتشديدها على نفسها، ويوضحه أن في موطأ مالك قال في هذا الحديث: ((وكره ذلك
حتى عرفت الكراهة في وجهه)) وفي هذا دليل لمذهبنا ومذهبه جماعة أو الأكثرين: أن صلاة
الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف: أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك كثّتُ إذا لم ينم عن
الصبح. كذا في الشرح.
قوله: (فوالله) إلخ: فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وقد يستحب إذا كان في تفخيم
أمر من أمور الدين، أو حث عليه، أو تنفير من محذور. قاله الحافظ تَّتُهُ .
قوله: (لا يسأم الله حتى) إلخ: أي لا يمل الله حتى تملوا.
قوله: (وعندي امرأة) إلخ: هذه المرأة هي الحولاء بنت تويت المذكورة في الرواية
السابقة. قاله الحافظ تكذّته .
قوله: (عليكم من العمل ما تطيقون) إلخ: أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة
عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن
تكلف ما لا يطاق.

١٥٣
كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٨٣٢ - (٢٢٢) حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُوْ كُرَيْبِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. جَمِيعاً عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَام بْنِ عُزَّوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ، فَلْيَزْقُدْ حَتَّى
يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ. فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ)).
باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن
أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك
قوله: (إذا نعس أحدكم) إلخ: بفتح العين، ويكسر. كذا في المرقاة.
قوله: (في الصلاة) إلخ: الفرض والنفل في الليل أو النهار عند الجمهور، أخذاً بعمومه،
لكن لا يخرج فريضة عن وقتها، وحمله مالك وجماعة على نفل الليل، لأنه محل النوم غالباً .
قوله: (فليرقد) إلخ: وفي رواية: ((فلينم)) إلخ: فليضطجع. والنعاس: أول النوم والرقاد:
المستطاب من النوم، ذكره الراغب.
وفي رواية النسائي: ((فلينصرف)) والمراد به التسليم من الصلاة بعد تمامها، فرضاً كانت أو
نفلاً، فالنعاس سبب للنوم، أو للأمر به، ولا يقطع الصلاة بمجرد النعاس، وحمله المهلب على
ظاهره، فقال: إنما أمر بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدل عليه أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك
عفی عنه .
قوله: (حتى يذهب عنه النوم) إلخ: وهو غشي ثقيل يهجم على القلب، فيقطعه عن معرفة
الأشياء، والأمر للندب، لا للوجوب.
قوله: (فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس) إلخ: زاد مالك في الموطأ بعده: ((لا يدري)» أي
لا يعلم ماذا يصدر عنه، وما يقول من غلبة النوم.
قوله: (لعله يذهب يستغفر) إلخ: أي يريد أن يستغفر.
قوله: (فيسب نفسه) إلخ: أي يدعو عليها، ففي النسائي من طريق أيوب، عن هشام:
(يدعو على نفسه) وهو بالنصب: جواباً لـ((لعل)) والرفع: عطفاً على ((يستغفر)).
(١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب الوضوء من النوم: ومن
لم ير من النعسة والنعسين أو الخفقة وضوءاً، رقم (٢١٢) والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب
النعاس، رقم (١٦٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، أبواب قيام الليل، النعاس في الصلاة، رقم
(١٣١٠) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة عند النعاس، رقم (٣٥٥) وابن
ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في المصلى إذا نعس، رقم (١٣٧٠)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب كراهية للناعس، رقم (١٣٩٠) وأحمد في مسنده (٦: ٥٦).

١٥٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٨٣٣ - (٢٢٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ(١) عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَِّهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ
مِنْهَاَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّرَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ
يَذْرِ مَا يَقُولُ، فَلْيَضْطَچِغْ)).
قال الطيبي: والنصب أولى، لأن المعنى: يطلب من الله الغفران لذنبه، ليصير مزكى،
فيتكلم بما يجلب الذنب، فيزيد العصيان على العصيان، وكأنه قد سب نفسه.
وجعل ابن أبي جمرة علة النهي خشية أن يوافق ساعة إجابة، والرجاء في ((لعل) عائد على
المصلي لا إلى المتكلم به، أي لا يدري أستغفر أم سب مترجياً للاستغفار، وهو في الواقع بضد
ذلك، وعبر أولاً بـ(نعس)) ماضياً، وثانياً بـ((نعاس)) اسم فاعل، تنبيهاً على أنه لا يكفي تجدد أو
في نعاس ونقيضه في الحال، بل لا بد من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول وعدم
علمه بما يقرأ.
قال الزين العراقي: ((وإنما أخذ بما لم يقصد من سبه نفسه وهو ناعس، لأنه عرض نفسه
للوقوع فيه بعد النهي عنه، فهو متعد، وبفرض عدم إثمه بعدم قصده فالقصد من الصلاة أداؤها
كما أمر، وتحصيل الدعاء لنفسه وبفواته يفوت المقصود)».
قال أبو عمر: «فيه أنه لا يجوز للمرء سب نفسه، وأن الصلاة لا ينبغي أن يقر بها من لا
يقيمها على حدودها، وأن ترك ما يشغله عن خشوعها واستعمال الفراغ لها واجب.
وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] قال: ((من
النوم)) ولا أعلم أحداً تابعه على ذلك.
وقال الباجي: ((قال جماعة من أهل التفسير معنى ذلك: من النوم، والأغلب أن يكون
ذلك في صلاة الليل، فمن أصابه ذلك، وفي الوقت سعة ومعه من يوقظه: فليرقد ليتفرغ لصلاته،
وإن ضاق الوقت صلى واجتهد في تصحيحها، فإن يتقن تمام فرضه وإلا قضاه بعد النوم)) كذا
قال الزرقاني في شرح الموطأ. وقال ابن الملك في تصوير مثال لما ذكر في الحديث ((من سبه
مترجياً للاستغفار، أي يقصد أن يستغفر لنفسه، بأن يقول: اللهم اغفر، فيسب نفسه بأن يقول:
اللهم اعفر، والعفر هو التراب فيكون دعاء عليه بالذل والهوان».
قوله: (فاستعجم القرآن) إلخ: أي استغلق، ولم ينطلق به لسانه لغلبة النعاس.
(١) قوله: (أبو هريرة) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، أبواب قيام الليل، رقم (١٣١١)
وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في المصلى إذا نعس، رقم (١٣٧٢)
وأحمد في مسنده (٢: ٣١٨).

١٥٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٠٠٠/٣٢ - كتاب: فضائل القرآن وما يتعلق به
(٣٣) - باب: الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول:
نسيت آية كذا، وجواز قول: أنسيتها
١٨٣٤ - (٢٢٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهُ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ. فَقَالَ:
كتاب فضائل القرآن وما يتعلق به
باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول نسيت آية كذا، وجواز قول: أنسيتها
قوله: (سمع رجلاً) إلخ: أي صوت رجل، روى البخاري في كتاب الشهادات، من طريق
عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ((سمع النبي وليه رجلاً يقرأ في
المسجد، فقال: تخذله، لقد أذكرني كذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا)» ثم قال: وزاد عباد بن
عبد الله، عن عائشة: ((تهجد النبي ◌َّر في بيتي، فسمع صوت عباد يصلي في المسجد، فقال: يا
عائشة، أصوت عباد هذا؟ قلت: نعم، قال: اللهم ارحم عباداً)) (وعباد هذا الذي سمع صوته
هو: عباد بن بشر، الصحابي الجليل).
قال الحافظ: ((وظاهر الحال أن المبهم في الرواية التي قبل هذه هو المفسر في هذه
الرواية، لأن مقتضى قوله: ((زاد)) أن يكون المزيد فيه والمزيد عليه حديثاً واحداً، فتتخذ القصة،
لكن جزم عبد الغني بن سعيد في المبهمات بأن المبهم في رواية هشام عن أبيه عن عائشة هو
عبد الله بن يزيد الأنصاري، فروى من طريق عمرة عن عائشة: ((أن النبي ◌َّر سمع صوت قارىء
(١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الشهادات، باب شهادة الأعمى وأمره
ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره وما يعرف بالأصوات، رقم (٢٦٥٥) وفي كتاب فضائل
القرآن، باب نسيان القرآن، وهو يقول نسيت آية كذا وكذا، رقم (٥٠٣٧) و(٥٠٣٨) وباب من لم ير بأساً أن
يقول: سورة البقرة وسورة كذا وكذا، رقم (٥٠٤٢) وفي كتاب الدعوات، باب قول الله تبارك وتعالى:
((وصلّ عليهم)) رقم (٦٣٣٥) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، أبواب قيام الليل، باب في رفع الصوت
بالقراءة في صلاة الليل، رقم (١٣٣١).

١٥٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(يَرْحَمُهُ اللَّهُ. لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا. آيَةً كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةٍ كَذَا وَكَذَا)).
يقرأ، فقال: صوت من هذا؟ قالوا: عبد الله بن يزيد قال: لقد ذكرني آية يرحمه الله، كنت
أنسیتها)).
ويؤيد ما ذهب إليه مشابهة قصة عمرة عن عائشة بقصة عروة عنها، بخلاف قصة عباد بن
عبد الله عنها فليس فيه تعرض لنسيان الآية، ويحتمل التعدد من جهة غير الجهة التي اتحدت،
وهو أن يقال: سمع صوت رجلين، فعرف أحدهما، فقال: لي هذا صوت عباد، ولم يعرف
الآخر فسأل عنه والذي لم يعرفه هو الذي تذكر بقراءته الآية التي نسيها. والله أعلم)).
قوله: (يرحمه الله) إلخ: فيه: الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيراً، وإن لم يقصده
ذلك الإنسان.
قوله: (كنت أسقطتها) إلخ: وفي رواية أخرى: «كنت أنسيتها)) وفي رواية معمر عن هشام
عند الإسماعيلي: ((كنت نسيتها)) بفتح النون ليس قبلها همزة.
قال الإسماعيلي: ((النسيان من النبي ◌َّلو لشيء من القرآن يكون على قسمين: أحدهما:
نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله وّ في حديث ابن
مسعود في السهو: ((إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون)).
والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله
تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَ تَنْسَ ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧].
فأما القسم الأول: فعارض سريع الزوال، لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا غَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
◌َفِظُونَ
﴾ [الحجر: ٩].
وأما الثاني: فداخل في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] على قراءة
من قرأ بضم أوله من غیر همز)).
قال الحافظ كثّفُ: (وفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي وَلقول فيما ليس طريقه
البلاغ مطلقاً، وكذا فيما طريقه البلاغ، لكن بشرطين: أحدهما: أنه بعد ما يقع منه تبليغه،
والآخر: أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصل له تَذكُّرهُ، إما بنفسه، وإما بغيره، وهل يشترط في
هذا: الفور؟ قولان، فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلاً، وزعم بعض الأصوليين
وبعض الصوفية: ((أنه لا يقع منه نسيان أصلاً، وإنما يقع منه صورته لِيَسنّ)).
قال عياض: ((لم يقل به من الأصوليين أحد إلا أبا المظفر الإسفرائيني، وهو قول ضعيف))
اهـ.
وفي الحديث: جواز قول المرء: أسقطت آية كذا من سورة كذا، إذا وقع ذلك منه، وقد
أخرج ابن أبي داود من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال: ((لا تقل أسقطت كذا، بل قل
أغفلت)) وهو أدب حسن، وليس واجباً .

١٥٧
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٨٣٥ - (٢٢٥) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: ((رَحِمَهُ اللَّهُ، لَقَدْ
أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أَنْسِيتُهَا)).
١٨٣٦ - (٢٢٦) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِّ الإِيِلِ
الْمُعَقَِّةِ. إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ)).
١٨٣٧ - (٢٢٧) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ.
قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيِى، وَهُوَ الْقَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ
الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (٢). ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
قوله: (قراءة رجل في المسجد) إلخ: فيه جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي
المسجد، ولا كراهة فيه إذا لم يؤذ أحداً، ولا تعرض للرياء والإعجاب ونحو ذلك.
قوله: (إنما مثل صاحب القرآن) إلخ: أي مع القرآن، والمراد بالصاحب: الذي ألفه.
قال عياض: المؤلفة: المصاحبة، وهو كقوله: أصحاب الجنة، وقوله: ألفه: أي، ألف
تلاوته، وهو أعم من أن يألفها نظراً من المصحف، أو عن ظهر قلب، فإن الذي يداوم على ذلك
يذل له لسانه، ويسهل عليه قراءته، فإذا هجره ثقلت عليه القراءة، وشقت عليه. وقوله: ((إنما))
يقتضي الحصر على الراجح، لكنه حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك.
قوله: (كمثل الإبل المعلقة) إلخ: أي كمثل صاحب الإبل المعقلة مع إبله، والمعقلة:
بضم الميم وفتح العين المهملة، وتشديد القاف، أي المشدودة بالعقال، وهو الحبل الذي يشد
في ركبة البعير، شبه درس القرآن استمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد، فما زال
التعاهد موجوداً، فالحفظ موجود كما أن البعير ما دام مشدوداً بالعقال فهو محفوظ، وخص
الإبل بالذكر، لأنها أشد الحيوان الأنسي نفوراً، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة.
قوله: (أمسکها) إلخ: أي استمر إمساكه لها .
قوله: (ذهبت) إلخ: أي انفلتت.
(١) قوله: (عن عبد الله بن عمر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل القرآن، باب استذكار
القرآن وتعاهده، رقم (٥٠٣١) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب جامع ما جاء في القرآن، رقم
(٩٤٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب الأدب، باب ثواب القرآن، رقم (٣٧٨٣) وأحمد في مسنده (٢: ٣٠
و ١١٢).
(٢) قوله: (عن عبد الله) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن =

١٥٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا
يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيِِّيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ،
يَغْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، جَمِيعاً عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنٍ
النَّبِيِّ وَّهَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ((وَ إِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ
فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالتَّهَارِ ذَكَرَهُ. وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ)) .
١٨٣٨ - (٢٢٨) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((بِثْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةً كَيْتَ وَكَيْتُ. بَلْ
قوله: (فقرأه بالليل والنهار) إلخ: قال إسحاق بن راهويه: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون
يوماً لا يقرأ فيها القرآن.
قوله: (بئسما لأحدهم) إلخ: قال القاري: ((ما)) في قوله: ((بئسما)) نكرة موصوفة، وقوله:
((أن يقول)) مخصوص بالذم، كقوله تعالى: ﴿ِشَْمَا أَشْتَّرَوَأْ بِهِةٍ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ
بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِيرٌ
[البقرة: ٩٠] أي بئس شيئاً كائناً للرجل قوله: نسيت آية.
٩٠
قوله: (آية كيت وكيت) إلخ: بفتح التاء على المشهور، قال القرطبي: ((كيت كيت: يعبر
بهما عن الجمل الكثيرة، والحديث الطويل، ومثلهما: ذيت وذيت، وقال ثعلب: كيت للأفعال،
وذيت للأسماء)).
قال الحافظ: ((واختلف السلف في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر،
وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً: قال ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا
بذنب أحدثه، لأن الله يقول: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِن تُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ونسيان
القرآن من أعظم المصائب.
واحتجوا أيضاً بما أخرجه أبو داود والترمذي، من حديث أنس مرفوعاً: ((عرضت على
ذنوب أمتي، فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها)) في إسناده ضعف.
تعاهده، رقم (٥٠٣٢) وباب نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا، رقم (٥٠٣٩) والنسائي في
=
سننه، في كتاب الافتتاح، باب جامع ما جاء في القرآن، رقم (٩٤٤) والترمذي في جامعه، في كتاب
القراءات، باب (بدون ترجمة، بعد باب ومن سورة الحج) رقم (٢٩٤٢) والدارمي في سننه، في كتاب
الرقاق، باب في تعاهد القرآن، رقم (٢٢٤٨) وفي كتاب فضائل القرآن، باب في تعاهد القرآن، رقم
(٣٣٥٠) وأحمد في مسنده (١: ٣٨١ و٣٨٢ و٤١٧ و٤٢٣ و٤٢٩ و ٤٣٨ و٤٣٩ و٤٤٩ و ٤٦٣).
١

١٥٩
كتاب: كتاب فضائل القرآن
هُوَ نُسِّيَ.
وقد أخرجه ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه، ولفظه: ((أعظم من حامل القرآن
وتارکە)).
ومن طريق أبي العالية موقوفاً: (كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام
عنه حتی ینساه» وإسناده جید.
ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن: ((كانوا يكرهونه ويقولون فيه
قولاً شديداً».
ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعاً: ((من قرأ القرآن ثم نسبه لقي الله وهو أجذم)) وفي
إسناده أيضاً مقال.
وقد قال به من الشافعية: أبو المكارم، والروياني. واحتج بأن الإعراض عن التلاوة
يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به، والتهاون بأمره.
وقال القرطبي: من حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا
أخلّ بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها: ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن
يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد)) اهـ.
ثم قال: ((واختلف في معنى ((الأجدم)) فقيل: مقطوع اليد، وقيل: مقطوع الحجة، وقيل:
مقطوع السبب من الخير، وقيل خالي اليد من الخير، وهي متقاربة، وقيل: يحشر مجذوماً
حقيقة، ويؤيده أن في رواية زائدة بن قدامة عند عبد بن حميد: ((أتى الله يوم القيامة وهو
مجذوم)).
قوله: (بل هو نُسِّيَ) إلخ: بضم النون وتشديد المهملة المكسورة. قال القرطبي: رواه
بعض رواة مسلم مخففاً. وقال الحافظ كثّفُ: ((والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في
البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في الغريب بعد
قوله: ((كيت وكيت)): ((ليس هو نَسِيَ، ولكنه نُسِّيَ، والأول: )) بفتح النون وتخفيف السين.
والثاني: بضم النون وتثقيل السين. قيل معنى ((نسي)) عوقب بالنسيان على ذنب أو سوء تعهد
بالقرآن، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ أَلْيَوْمَ نُسَى﴾ [طه: ١٢٦].
قال القرطبي: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه في معاهدته واستذكاره.
قال ومعنى التخفيف أن الرجل ترك غير ملتفت إليه، وهو كقوله تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾
[التوبة: ٦٧] أي تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة.
واختلف في متعلق الذم من قوله: ((بئس)) على أوجه، أرجحها عند الحافظ: أن سبب الذم
ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو

١٦٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ. فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّياً مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ
تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة: لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان: نسيت نسيت الآية
الفلانية فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد، لأنه الذى
یورث النسيان.
وقال عياض: أولى ما يتأول عليه ذم الحال لازم القول، أي بئس الحال حال من حفظه
ثم غفل عنه حتى نسيه.
وقد عقد البخاري في صحيحه: ((باب نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا)) ثم
أورد فيه هذا الحديث وغيره من الأحاديث المشعرة بإباحة هذا القول، فقال الحافظ كثّفُهُ: ((كأنه
يريد أن النهي عن قوله: ((نسيت آية كذا وكذا)) ليس للزجر عن هذا اللفظ، بل للزجر عن تعاطي
أسباب النسيان المقتضية لقول اللفظ، ويحتمل أن ينزل المنع والإباحة على حالتين: فمن نشأ
نسيانه عن اشتغاله بأمر ديني كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك، لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال
ديني، وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي ◌ّر من نسبة النسيان إلى نفسه، ومن نشأ
نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي - ولا سيما إن كان محظوراً -: امتنع عليه لتعاطيه أسباب النسيان))
اهـ.
وقال النووي: ((إن قوله: ((نسيت آية كذا)) يكره كراهة تنزيه، ولا يكره قوله: ((أنسيتها)) لأن
الأول يتضمن التساهل فيها، والتغافل عنها)).
قوله: (استذكروا القرآن) إلخ: أي واظبوا على تلاوته واطلبوا من أنسكم المذاكرة به.
قوله: (أشد تفصيّاً) إلخ: أي تفلّتاً وتخلّصاً وفراراً وخروجاً، يقال: تفصيت الديوان إذا
خرجت منها، وفي هذا الحديث زيادة على حديث ابن عمر، لأن في حديث ابن عمر تشبيه أحد
الأمرين بالآخر، وفي هذا أن هذا أبلغ في النفور من الإبل، لأن من شأن الإبل تطلب التفلت ما
أمكنها، فمتى لم يتعاهدها برباطها تفلتت، فكذلك حافظ القرآن إن لم يتعاهده تفلّت، بل هو
أشد فى ذلك.
وقال ابن بطال: ((هذا الحديث يوافق الآيتين: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَتُلْفِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
﴾ [المزمل: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ﴾ [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢ و٤٠] فمن أقبل عليه
بالمحافظة والتعاهد: يسر له، ومن أعرض عنه تفلت منه)).
قال الطيبي كثّفُ: ((وذلك أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر،
وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة، لأنه حادث، وهو قديم، والله سبحانه بلطفه العميم وكرمه
القديم مَنّ عليهم، ومنحهم هذه النعمة العظيمة، فينبغي له أن يتعاهده بالحفظ والمواظبة عليه ما
أمكنه)».