Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
مِنْ صَلاةٍ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا)).
١٤٧١ - (٢٤٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((تَفْضُلُ صَلاةٌ فِي
الْجَمِيعِ عَلَى صَلاةِ الرَّجُلِ وَحدَّهُ خَمْساً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً))، قَالَ: ((وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ
وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْمَانَ
اَلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
ووجوبها، بل يحتمل أن يكون لتأكد الجماعة مع أمور أخر تجب مراعاتها في مثل ذلك
الموطن، ولا ينبغي الإغماض عنها، فإن في توحيد الجماعة في حين لقاء العدو إظهار وحدة
كلمتهم، وائتلاف قلوبهم واجتماعهم على إمام واحد، وإعلائهم شعائر الله، وتعاونهم على البر
والتقوى في وقت نظاير الرؤس، وإقامة نظام الألفة فيما بينهم في أحوج وقت إليها، وانكبابهم
جميعاً على ذكر الله في مقام يكاد يذهل الإنسان عن نفسه فيه. وفي هذا كله إرهاب لأعداء الله،
وأعدائهم، وإلقاء الرعب والهيبة في قلوبهم، واستجلاب رحمة الله على المؤمنين، ونصره الذي
يختص بشأن الجماعة، لا سيما إذا تنازعوا في الاقتداء بإمام واحد، فإن قطع المنازعة من أهم
ما يعتنى به في مثل ذاك المقام، ولهذا صرح فقهاؤنا رحمهم الله أن صلاة الخوف بالكيفية
المنصوصة في الكتاب إن تنازعوا في الصلاة خلف واحد، وإلا فالأفضل أن يصلي بكل طائفة
إمام.
والحاصل أن آية الخوف لا تدل على فرضية الجماعة بوجه، والله أعلم.
قال الحافظ: ((وادعى بعضهم أن فرضية الجماعة كانت في أول الإسلام لأجل سدّ باب
التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نسخ، حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ
الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، كما تقدم، وكذا ثبوت ما يتضمنه التحريق من
جواز العقوبة بالمال، والله سبحانه وتعالى أعلم)).
قوله: (بخمسة وعشرين) الخ: قال الشوكاني: ((اعلم أن التخصيص بهذا العدد من أسرار
النبوة التي تقصر العقول عن إدراكها، وقد تعرض جماعة للكلام على وجه الحكمة، وذكروا
مناسبات، وقد طول الكلام في ذلك صاحب الفتح، فمن أحب الوقوف على ذلك رجع إليه)).
قوله: (جزءاً) الخ: وفي بعض الروايات: ((درجة)) وفي بعضها: ((ضعفاً)) وفي بعضها:
(صلاة)) والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة،
والمراد أنه يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبعاً وعشرين مرة.
٢٤٦ - ( ... ) - قوله: (وتجتمع ملائكة الليل) الخ: تقدم الكلام على ما يتعلق به في باب
فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما .

٣٠٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٤٧٢ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ
الزُّهْرِيِّ. قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَّمَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ.
بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: ((بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءا)) .
١٤٧٣ - (٢٤٧) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا أَفْلَحُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ، عَنْ سَلْمَانَ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
((صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمَّساً وَعِشْرِينَ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ» .
١٤٧٤ - (٢٤٨) حَدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. قَالا: حَدَّثَنَا
حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِيّ الْخُوَارِ؛ أَنَّهُ بَيْنَا
هُوَ جَالِسٌ مَعَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم،َ إِذْ مَرَّ بِهِمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّنَ، مَوْلَى
الْجُهَنِيِّينَ. فَدَعَاةً نَافِعٌ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ: ((صَلاةٌ مَعَ
الإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلاةَ يُصَلِيهَا وَحْدَهُ)).
١٤٧٥ - (٢٤٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَِّ قَالَ: ((صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذْ بِسَبْعَ وَعِشْرِينَ
دَرَجَةً)).
٢٤٧ - ( ... ) - قوله: (من صلاة الفذّ) الخ: الفذ بالمعجمة، أي المنفرد، يقال: فذّ
الرجل من أصحابه: إذا بقي منفرداً .
٢٤٨ - ( ... ) - قوله: (عطاء بن أبي الخوار) الخ: بضم الخاء المعجمة وتخفيف الواو.
قوله: (ختن زيد بن زبّان) الخ: بفتح الزاء وتشديد الباء الموحدة، والختن زوج بنت
الرجل، أو أخته أو نحوها(٢).
٢٤٩ - (٦٥٠) - قوله: (بسبع وعشرين درجة) الخ: قال الترمذي: ((عامة من رواه. قالوا:
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة،
رقم (٦٤٥) وباب فضل صلاة الفجر جماعة، رقم (٦٤٩) والنسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب فضل
الجماعة، رقم (٨٣٨) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل الجماعة، رقم
(٢١٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب المساجد والجماعات، باب فضل الصلاة في جماعة، رقم (٧٧٩)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في فضل صلاة الجماعة، رقم (١٢٨٠) وأحمد في مسنده (٢ :
١٧ و٦٥ و١٠٣ و١١٢).
(٢) الخَتَن: كل من كان من قِبَل المرأة مثل الأب والأخ، وهم الأخْتَان، هكذا عند العرب. وأما العامة فخَتَن
الرجل عندهم زوج ابنته. كذا في مختار الصحاح (ص ١٦٩).

٣٠٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٧٦ - (٢٥٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ. قَالَ: ((صَلاةُ الرَّجُلِ فِي
الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ وَحْدَهُ سَبْعاً وَعِشْرِينَ)) .
خمساً وعشرين إلا ابن عمر، فإنه قال: سبعاً وعشرين)).
وقد اختلف: هل الراجح رواية السبع والعشرين، أو الخمس والعشرين؟ فقيل: رواية
الخمس، لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع، لأن فيها زيادة من عدل حافظ، وقد جمع بينهما
بوجوه: منها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد. وقيل: إنه وَلقول
أخبر بالخمس، ثم أخبره الله بزيادة الفضل، فأخبر بالسبع. وتعقب بأنه محتاج إلى التاريخ،
وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه. وقيل: الفرق باعتبار قرب المسجد وبعده. وقيل:
الفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم وأخشع. وقيل: الفرق بإيقاعها في المسجد أو غيره.
وقيل: الفرق بالمنتظر الصلاة وغيره. وقيل: الفرق بإدراكها كلها أو بعضها. وقيل: الفرق بكثرة
الجماعة وقلتهم. وقيل: السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر والعصر، والخمس بما
عدا ذلك. وقيل: السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسريّة. ورجحه الحافظ في الفتح.
قال الشوكاني: ((والراجح عندي أولها، لدخول مفهوم الخمس تحت مفهوم السبع)).
وقال الحافظ ابن تيمية: ((وقد جمع بينهما بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل
الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة، والفضل خمس وعشرون، وحديث السبعة
والعشرين ذكر فيه صلاته منفرداً وصلاته في الجماعة، والفضل بينهما، فصار المجموع سبعاً
وعشرين)) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر كثّفُ: ((وقرأت بخط شيخنا البلقيني فيما كتب على العمدة: ظهر لي
في هذين العددين شيء لم أسبق إليه، لأن لفظ ابن عمر: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ))
ومعناه الصلاة في الجماعة، كما وقع في حديث أبي هريرة: ((صلاة الرجل في الجماعة)) وعلى
هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة، وأدنى الأعداد الت يتحقق فيها ذلك
ثلاثة، حتى يكون كل واحد صلى في جماعة وكل واحد منهم أتى بحسنة، وهي بعشرة، فيحصل
من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد، وهو سبعة وعشرون دون ثلاثة التي
هي أصل ذلك، انتهى.
وظهر لي في الجمع بين العددين أن أقل الجماعة إمام ومأموم، فلولا الإمام ما سمي
المأموم مأموماً، وكذا عكسه، فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجة
حمل الخبر الوارد بلفظها على الفضل الزائد، والخبر الوارد بلفظ ((سبع وعشرين)) على الأصل
والفضل)) اهـ.

٣٠٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٤٧٧ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. ح
قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. قَالاَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
قَالَ ابْنُ نُمَيْرِ عَنْ أَبِيهِ: ((بِضْعاً وَعِشْرِينَ)). وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: ((سَبْعاً وَعِشْرِينَ
دَرَجَةً)).
١٤٧٨ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ رَافِع. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ. قَالَ: ((بِضْعاً وَعِشْرِينَ)).
١٤٧٩ - (٢٥١) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ فَقَدَ نَاساً فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: ((لَقَدْ
......
هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّقُونَ عَنْهَا. فَآمُرَ بِهِمْ
( ... ) - قوله: (بضعاً وعشرين) الخ: هذا لا ينافي الروايات المتقدمة لصدق البضع على
السبع.
٢٥١ - (٦٥١) - قوله: (لقد هممت) الخ: والهم العزم، وقيل: دونه، وسبق تحقيقه في
أبواب الإيمان، وفيه تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسرّه أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون
من الزجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة، نبه عليه ابن دقيق العيد تغذُّهُ .
قوله: (رجلاً يصلي بالناس) الخ: فيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل
إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذكروا من الأعذار
في التخلف عنها خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم في حق الإمام كالغرماء، كذا في الفتح.
قوله: (ثم أخالف) الخ: أي: آتیھم من خلفهم.
قال الطيبي: ((أي أخالف ما أظهرت من إقامة الصلاة واشتغال بعض الناس وأقصد إلى
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب وجوب صلاة
الجماعة، رقم (٦٤٤) وباب فضل العشاء في الجماعة، رقم (٦٥٧) وفي كتاب الخصومات، بإخراج أهل
المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة، رقم (٢٤٢٠) وفي كتاب الأحكام، باب إخراج الخصوم وأهل
الريب من البيوت بعد المعرفة، رقم (٧٢٢٤) والنسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب التشديد في
التخلف عن الجماعة، رقم (٨٤٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك
الجماعة، رقم (٥٤٨) و(٥٤٩) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن يسمع النداء فلا
يجيب، رقم (٢١٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلف عن
الجماعة، رقم (٧٩١) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب فيمن تخلف عن الصلاة، رقم (١٢٧٧)
وأحمد في مسنده (٢: ٢٤٤ و٣٧٦ و٣٧٧ و٤١٦ و٤٢٤ و٤٧٢ و٤٧٩ و٤٨٠ و٥٢٦ و٥٣١ و٥٣٩).

٣٠٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ، بِحُزَمِ الْخَطَبِ، بُيُوتَهُمْ. وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْماً سَمِيناً لَشَهِدَهَا))
يَعْنِي صَلاةَ الْعِشَاءِ.
١٤٨٠ - (٢٥٢) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، (وَاللَّفْظُ لُهُمَا)، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
بيوت من أمرتهم بالخروج عنها للصلاة فلم يخرجوا عنها، فأحرقها عليهم)).
قال ابن حجر: ((من: خالفت إلى كذا: إذا قصدته، وأنت مُولٌّ عنه، ومن قوله تعالى:
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنكُمْ عَنَّهُ﴾ [هود: ٨٨] كذا في المرقاة.
وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة، لأنه ◌َيّ همّ بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه
الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد.
قاله الحافظ تَذَهُ .
قوله: (فيحرقوا عليهم) الخ: بالتشديد، والمراد به التكثير، يقال: حرّقه إذا بالغ في
تحریقه .
قوله: ((عليهم)): يشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق
المقصودين، والبيوت تبعاً للقاطنين بها، وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح: ((فأحرق بيوتاً
على من فيها)) واستدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاوناً بها، ونوزع
في ذلك، ورواية أبي داود التي فيها: ((أنهم كانوا يصلون في بيوتهم)) - كما قدمناه - تعكر عليه.
نعم! يمكن الاستدلال بوجه آخر، وهو أنهم استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة
خارجة عنها، سواء قلنا: واجبة أو مندوبة، فكان من تركها أصلاً ورأساً أحق بذلك، لكن لا
يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل لا دائماً، ولا غالباً، لأنه يمكن الفرار منه أو الإخماد له
بعد حصول المقصود منه من الزجر والإرهاب. كذا في الفتح.
قوله: (بحُزم الحطب) الخ: جمع حزمة، بضم الحاء وسكون الزاي، والحزمة: ما حزم
من الحطب وغيره، أي: شُدّ.
قوله: (أنه يجد) الخ: أي: في المسجد.
قوله: (عظماً سميناً) الخ: إنما وصف العظم بالسمن ليكون ثمّ باعث نفساني على
تحصيله، وفيه الإشارة إلى ذم المتخلّفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من
مطعوم أو غيره، مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات ومنازل الكرامة.
قوله: (يعني صلاة العشاء) الخ: قال الشارح: ((ثم إنه في رواية: أن هذه الصلاة التي همّ
بتحريقهم للتخلف عنها هي العشاء، وفي رواية: أنها الجمعة، وفي رواية: ((يتخلفون عن
الصلاة)) مطلقاً، وكله صحيح لا منافاة بين ذلك)).

٣٠٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((إِنَّ أَثْقَلَ صَلاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ
الْعِشَاءِ وَصِّلاةُ الْفَجْرِ. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لِأَنَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً. وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ
فَتُقَامَ. ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلْيَ بِالنَّاسِ. ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ خَطَبٍ، إِلَى قَوْمِ
لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأَحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ)».
١٤٨١ - (٢٥٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عُنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا.
وَقَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي أَنْ يَسْتَعِدُوا لِي بِحُزَم مِنْ خَطَبٍ. ثُمَّ آمُرَ
رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ. ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتْ عَلَى مَنْ فِيهَا)).
١٤٨٢ - (٠٠٠) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وَكِيعٍ،
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّرَ، بِنَحْوِهِ.
١٤٨٣ - (٢٥٤) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو
إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ. سَمِعَهُ مِنْهُ عَنْ عَبْدِ اللّهِ(١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ، لِقَوْمٍ يَتَخَلَّقُونَ
٢٥٢ - ( ... ) - قوله: (إن أثقل صلاة) الخ: دل هذا على أن الصلاة كلها ثقيلة على
المنافقين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ ككُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] وإنما كانت العشاء
والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلى تركهما، لأن العشاء وقت السكون والراحة،
والصبح وقت لذة النوم، وقيل: وجه كون المؤمنين يفوزون بما ترتب عليهما من الفضل لقيامهم
بحقهما دون المنافقين.
قوله: (ما فيهما) الخ: أي: من مزيد الفضل.
قوله: (لأتوهما) الخ: أي: الصلاتين، والمراد: لأتوا إلى المحل الذي يصليان فيه
جماعة، وهو المسجد.
قوله: (ولو حبوا) الخ: أي: يزحفون إذا منعهم مانع من المشي، كما يزحف الصغير،
وفي بعض الروايات: ((ولو حبوا على المرافق والركب)).
قوله: (فتقام ثم آمر رجلاً) الخ: قال النووي: ((وإنما همّ بإتيانهم بعد إقامة الصلاة، لأن
بذلك الوقت يتحقق مخالفتهم وتخلفهم، فيتوجه اللوم عليهم. وفيه جواز الانصراف بعد إقامة
الصلاة لعذر)).
( ... ) - قوله: (عن جعفر بن برقان) الخ: بضم الباء الموحدة، وإسكان الراء.
(١) قوله: ((عن عبد الله)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله، وقد
أخرجه أحمد في مسنده (١: ٣٩٤ و٤٠٢ و٤٢٢ و٤٤٩ و٤٥٠ و٤٦١).

٣٠٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
عَنِ الْجُمُعَةِ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّقُونَ، عَنِ
الْجُمُعَةِ، بُيُوتَهُمْ)) .
١٤٨٤ - (٢٥٥) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ
وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ. كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ. قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: أَتَى النَّبِيِّ نَّهُ
رَجُلٌ أَعْمَىُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ. فَسَأَلَ
رَسُولَ اللّهِ وَّهِ أَنْ يُرَخِصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ. فَرَخَّصَ لَهُ. فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: ((هَلْ
تَسْمَعُ النّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟)) فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَأَجِبْ)).
٢٥٥ _ (٦٥٣) - قوله: (رجل أعمى) الخ: هو ابن أم مكتوم، جاء مفسراً في سنن أبي
داود وغيره.
قوله: (فلما ولى) الخ: أي: رجع وأدبر.
قوله: (فأجب) الخ: أي: فأت الجماعة. قال الطيبي: ((فيه دليل على وجوب الجماعة،
وقيل: حث ومبالغة في الأفضل الأليق بحاله، فإنه من فضلاء المهاجرين، رخص أولاً ثم رده
إما بوحي أو بتغير اجتهاد» اهـ.
والظاهر أنه أطلق له الجواب، ثم قيده بقيد عدم السماع. وقال ابن الملك: ((وإنما لم
يرخص له مع عدم وجدانه قائداً لعلمه بقدرته على الحضور بلا قائد، أو للتأكيد في الجماعة.
قال: واستدل به أبو ثور على وجوب حضور الجماعة، وقال بعض الشافعية: هي فرض على
الكفاية، والأصح أنه سنة مؤكدة، وعليه الأكثرون)).
قال ابن الهمام: ((وما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال: يا رسول الله، إني ضرير شاسع
الدار - أي بعيدها - ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: أتسمع
النداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة)) رواه أبو داود وأحمد والحاكم وغيرهم، ومعناه:
لا أجد لك رخصة تحصّل لك فضيلة الجماعة من غير حضورها، لا الإيجاب على الأعمى،
فإنه ظلَّل* رخص لعتبان بن مالك في تركها)).
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي كثُّ: ((إن سؤاله (أي ابن أم مكتوم) كان في العزيمة فلم
يرخص له)) اهـ.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب المحافظة على الصلوات
حیث ینادی بهن، رقم (٨٥١).

٣٠٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٤٤) - باب: صلاة الجماعة من سنن الهدى
١٤٨٥ _ (٢٥٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا
زَكّرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ. قَالَ: قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ(١): لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلاةِ إِلَّ مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ. أَوْ مَرِيضٌ. إِنْ
كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلاةَ. وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ عَلَّمَنَا سُنَّنَ
الْهُدَىُ. وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤََّّنُ فِهِ.
١٤٨٦ _ (٢٥٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ عَنْ أَبِي
الْعُمَيْسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى
(٤٤) - باب: صلاة الجماعة من سنن الهدى
٢٥٦ - (٦٥٤) - قوله: (لقد رأيتنا) الخ: أي: معشر الصحابة رضي.
قوله: (قد علم نفاقه) الخ: قال ابن حجر: ((إن قلت: كيف مع علم نفاقه يقر عليه؟
قلت: لمصلحة أن لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه على أن الذي تدل عليه
سيرهم أنهم كانوا لا يعلمون النفاق في أحد بعينه، وإنما كانوا يظنونه، فالعلم بمعنى الظن)).
قال ابن الهمام كثّفُ: ((يعني أن وصف النفاق يتسبب عن التخلف، لا إخبار أن الواقع أن
التخلف لا يقع إلا من منافق، فإن الإنسان قد يتخلف كسلاً مع صحة الإسلام ويقين التوحيد
وعدم النفاق، وحديث ابن مسعود ربه إنما يفيد أن الواقع إذ ذاك أن لا يقع التخلف إلا من
منافق)) .
قال النووي: ((هذا دليل ظاهر على صحة ما سبق تأويله في الذين همَّ رسول الله وَل
بتحريق بيوتهم أنهم كانوا منافقين)). كذا في المرقاة.
قوله: (أو مريض) الخ: أي: كامل في مرضه، لا يمكن التوصل إلى المسجد بحيلة.
قوله: (إن كان المريض) الخ: إن مخففة من الثقيلة.
قوله: (ليمشي بين رجلين) الخ: أي: يتوكأ عليهما، لشدة ما به من قوة المرض وضعف
البدن .
قوله: (سنن الهدى) الخ: أي: طرائق الهدى والصواب.
(١) قوله: ((عبد الله)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب المحافظة على الصلوات حيث
ينادي بهن، رقم (٨٥٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة، رقم
(٥٥٠) وأحمد في مسنده (١ : ٤٥٥).

٣٠٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
اللَّهَ غَداً مُسْلِماً فَلْيُحَافِظُ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِّكُمْ وَجل
سُنَّنَ الْهُدَى، وَ إِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا
الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِّكُمْ. وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ. وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ
٢٥٧ - (٠٦٠) - قوله: (وإنهن من سنن) الخ: أي: الصلوات الخمس بالجماعة.
قوله: (كما يصلي هذا المتخلف) الخ: قال الطيبي: تحقير للمتخلف، وتبعيد من مظان
الزلفى.
قوله: (لضللتم) الخ: وفي بعض الروايات: ((لكفرتم)). قال عياض: «تحذير من ترك إقامة
الجماعة وتشديد في ترك السنن، وكان ذلك ضلالاً وكفراً، لأن تركها داع إلى التهاون بالشريعة،
وترك الشريعة كفر)). كذا في الإكمال. وقال الشيخ ولي الله الدهلوي كثّفُ: ((اعلم أنه لا شيء
أنفع من غائلة الرسوم، من أن يجعل شيء من الطاعات رسماً فاشياً يؤدي على رؤس الخامل
والنبيه. ويستوي فيه الحاضر والباد، ويجري فيه التفاخر والتباهي حتى تدخل في الارتفاقات
الضرورية التي لا يمكن لهم أن يتركوها ولا أن يهملوها، لتصير مؤيداً لعبادة الله، والسنة تدعو
إلى الحق، ويكون الذي يخاف منه الضرر هو الذي يجلبهم إلى الحق، ولا شيء من الطاعات
أتم شأناً، ولا أعظم برهاناً من الصلاة، فوجب إشاعتها فيما بينهم، والاجتماع لها، وموافقة
الناس فيها .
وأيضاً فالملة تجمع ناساً علماء يقتدى بهم، وناساً يحتاجون في تحصيل إحسانهم إلى
دعوة حثيثة، وناساً ضعفاء البنية لو لم يكلفوا أن يؤدوا على أعين الناس تهاونوا فيها، فلا أنفع
ولا أوفق بالمصلحة في حق هؤلاء جميعاً أن يكلفوا أن يطيعوا الله على أعين الناس ليتميز فاعلها
من تاركها، وراغبها من الزاهد فيها، ويقتدى بعالمها، ويعلم جاهلها، وتكون طاعة الله فيه
كسبيكة تعرض على طائف الناس، ينكر منها المنكر، ويعرف منها المعروف، ويرى غشها
وخالصها .
وأيضاً فلاجتماع المسلمين راغبين في الله، راجين راهبين منه، مسلمين وجوههم إليه:
خاصية عجيبة في نزول البركات، وتدليّ الرحمة، كما بينًا في الاستسقاء والحج.
وأيضاً فمراد الله من نصب هذه الأمة أن يكون كلمة الله هي العليا، وأن لا يكون في
الأرض دين أعلى من الإسلام، ولا يتصور ذلك إلا بأن يكون سنتهم أن يجتمع خاصتهم
وعامتهم، وحاضرهم وباديهم، وصغيرهم وكبيرهم لما هو أعظم شعائره وأشهر طاعاته، فلهذه
المعاني انصرفت العناية التشريعية إلى شرع الجمعة والجماعات، والترغيب فيها، وتغليظ النهي
عن تركها، والإشاعة إشاعتان: إشاعة في الحي، وإشاعة في المدينة، والإشاعة في الحي يتيسّر
في كل وقت صلاة، والإشاعة في المدينة لا يتيسر إلا غبّ طائفة من الزمان، كالأسبوع)) اهـ.

٣١٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَيُحْسِنُ الظُهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا
حَسَنَةً. وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةٌ. وَيَحُظُ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً. وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّ مُنَافِقٌ،
مَعْلُومُ النَّفَاقِ. وَلَقْدَ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَّى بِهِ يُهَادَىْ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ.
(٤٥) - باب: النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن
١٤٨٧ - (٢٥٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
الْمُهَاجِرِ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ؛ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةً(١). فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ.
فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشِي. فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةً بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ. فَقَال أَبُو
هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ وَّرِ.
وفي شرح البخاري للقسطلاني ناقلاً عن البرماوي: «لمشروعية الجماعة حكمة ذكرها
الشيخ قطب القسطلاني في مقاصد الصلاة، منها: قيام نظام الألفة بين المصلين، ولذا شرعت
المساجد في المحال، ليحصل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران. ومنها: قد
يتعلم الجاهل من العالم ما يجهله من أحكامها. ومنها: أن مراتب الناس متفاوتة في العبادة،
فتعم بركة الكامل على الناقص، فتكمل صلاة الجميع.
قوله: (بكل خطوة) الخ: بفتح الخاء أو ضمها .
قوله: (يهادى بين الرجلين) الخ: بصيغة المجهول، أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه،
يعتمد عليهما، وهو مراده بقوله في الرواية الأولى: ((إن كان المريض ليمشي بين رجلين)) وفي
هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه
التوصل إليها استحب له حضورها .
(٤٥) - باب: النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن
٢٥٨ - (٦٥٥) - قوله: (فقد عصى أبا القاسم) الخ: فيه كراهة الخروج من المسجد بعد
الأذان حتى يصلي المكتوبة، إلا بعذر، وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعاً:
((لا يسمع النداء في مسجدي ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق)).
(١) قوله: ((أبي هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الأذان، باب التشديد في الخروج من
المسجد بعد الأذان، رقم (٦٨٤) و(٦٨٥) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الخروج من المسجد
بعد الأذان، رقم (٥٣٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية الخروج من
المسجد بعد الأذان، رقم (٢٠٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب الأذان والسنة فيها، رقم (٧٣٣) والدارمي
في سننه، في كتاب الصلاة، باب كراهية الخروج من المسجد بعد النداء، رقم (١٢٠٨) وأحمد في مسنده
(٢ : ٥٠٦ و ٥٣٧).

٣١١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٨٨ - (٢٥٩) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، (هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ)، عَنْ
عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْنَاءِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ أَبِهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ،
وَرَأَى رَجُلاً يَجْتَازُ الْمَسْجِدَ خَارِجاً، بَعْدَ الأَذَانِ، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا
الْقَاسِمِلهِ.
(٤٦) - باب: فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة
١٤٨٩ _ (٢٦٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، (وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ)، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي
عَمْرَةَ. قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ(١) الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ. فَقَعَدَ وَحْدَهُ. فَقَعَدْتُ
إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: (مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ
فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ. وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ)).
١٤٩٠ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَسَدِيُّ. ح
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ
عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
١٤٩١ - (٢٦١) وحدّثني نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، (يَعْنِي ابْنَ
(٤٦) - باب: فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة
٢٦٠ - (٦٥٦) - قوله: (فكأنما قام نصف الليل) الخ: أي: النصف الأول، يعني كإحيائه
بالصلاة والذكر.
قوله: (فكأنما صلى الليل كله) الخ: أي: بانضمامه ذلك النصف، فكأنه أحيى نصف
الليل الأخير، أو يكون إشارة إلى أن قيام الصبح أفضل من قيام صلاة العشاء، فإنه أشق
وأصعب على النفس، وأشد على الشيطان، فإن ترك النوم بعد الدخول فيه أشق من إرادة الدخول
فيه، إذ الكسل يستولي في الأول أكثر، فتكون مجاهدته على الشيطان أكبر.
(١) قوله: ((عثمان بن عفان)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في فضل صلاة
الجماعة، رقم (٥٥٥) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في
الجماعة، رقم (٢٢١) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة باب المحافظة على الصلوات، رقم (١٢٢٧)
وأحمد في مسنده (١ : ٥٨ و ٦٨).

٣١٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مُفَضَّلٍ)، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ(١) يَقُولُ: قَالَ
رَسُولِّ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلَّىَ الصَّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ. فَلا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ
فَيَدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)).
١٤٩٢ - (٢٦٢) وَحَدَّثَنِيهِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ خَالِدٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَباً الْقَسْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (( مَنْ صَلَّى
٢٦١ - (٦٥٧) - قوله: (سمعت جندب بن عبد الله) وفي الرواية الأخرى: ((جندب بن
سفيان)) وهو جندب بن عبد الله بن سفيان، ينسب تارة إلى أبيه، وتارة إلى جده.
قوله: (فهو في ذمة الله) الخ: أي: في عهده وأمانه في الدنيا والآخرة، وهذا غير الأمان
الذي ثبت بكلمة التوحيد.
قوله: (فلا يطلبنكم الله) الخ: أي: لا يؤاخذكم من باب ((لا أرينك)) المراد نهيهم عن
التعرض لما يوجب مطالبة الله إياهم.
قوله: (من ذمته) الخ: ((من)) بمعنى ((لأجل)) والضمير في ((ذمته)) إما لله، وإما لمن،
والمضاف محذوف، أي لأجل ترك ذمته، أو بيانية والجار والمجرور حال من ((شيء)) وفي
المصابيح: ((بشيء من ذمته)) قيل: أي: ينقض عهده وإخفار ذمته بالتعرض لمن له ذمة، أو المراد
بالذمة الصلاة الموجبة للأمان، أي لا تتركوا صلاة الصبح فينتقض به العهد الذي بينكم وبين
ربكم، فيطلبكم به. كذا في المرقاة.
قوله: (بشيء) الخ: أي: یسیر.
قوله: (فيدركه) الخ: أي: فإن من يطلبه الله بشيء من ذمته يدركه، إذ لا يفوت منه
هارب.
قوله: (فيكبه في نار جهنم) الخ: والمعنى: لا تتعرضوا له بشيء، ولو يسيراً، فإنكم إن
تعرضتم له يدرككم الله ويحيط بكم ويكبكم في النار.
قال الطيبي: وإنما خص صلاة الصبح لما فيها من الكلفة، وأداؤها مظنة خلوص الرجل،
ومئنة إيمانه، أي علامته، ومن كان خالصاً كان في ذمة الله.
٢٦٢ - ( ... ) - قوله: (جندبا القسري) الخ: بفتح القاف وإسكان السين المهملة، وقد
توقف بعضهم في صحة قولهم: القسري، لأن جندبا ليس من بني قسر، إنما هو بجلي علقي،
(١) قوله: ((جندب بن عبد الله)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل
العشاء والفجر في الجماعة، رقم (٢٢٢) وأحمد في مسنده (٤: ٣١٢ و٣١٣).

٣١٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
صَلاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ. فَلا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ
بِشَيْءٍ يُذْرِكُهُ. ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)) .
١٤٩٣ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ
أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِّ وَهَ بِهَذَا. وَلَمْ يَذْكُرْ: ((فَيَكُبَّهُ
فِي نَارِ جَهَنَّمَ)).
(٤٧) - باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر
١٤٩٤ - (٢٦٣) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيَّ(١) حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عِثْبَانَ بْنَ مَالِكِ،
وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهُ، مِمَّنْ شَهِدَ بَدَّراً، مِنَ الأَنْصَارِ؛ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي. وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي. وَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ
سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ. فَأُصَلِّيَ لَهُمْ. وَدِدْتُ أَنَّكَ
وعلقة بطن من بجيلة، هكذا ذكره أهل التواريخ والأنساب والأسماء، وقسر هو أخو علقة، قال
القاضي عياض: لعل لجندب حلفاً في بني قسر، أو سكناً أو جواراً، فنسب إليهم لذلك، أو
لعل بني علقة ينسبون إلى عمهم قسر، كغير واحدة من القبائل ينسبون بنسبة بني عمهم لكثرتهم أو
شهرتهم. قاله النووي.
(٤٧) - باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر
٢٦٣ - ( ... ) - قوله: (أن عتبان بن مالك) الخ: أي: الخزرجي السالمي، من بني
سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وهو بكسر العين، ويجوز ضمها .
قوله: (أنه أتى رسول الله) الخ: وفي الإيمان من طريق ثابت أنه بعث إلى النبي ◌َّ يطلب
منه ذلك، وقد مرّ وجه الجمع بينهما هناك.
قوله: (إني قد أنكرت بصري) الخ: أراد به ضعف بصره أو عماه.
قوله: (وأنا أصلي لقومي) الخ: أي: لأجلهم، والمراد أنه كان يؤمهم، وصرح بذلك أبو
داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد. وفي الدر المختار: ((أنه يكره تنزيهاً إمامة الأعمى إلا أن
یکون أعلم القوم، فهو أولى)».
قوله: (فأصلي لهم) الخ: بالنصب عطفاً على ((آتي)).
(١) قوله: ((محمود بن الربيع)) قد مرّ تخريج هذا الحديث في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على
التوحيد دخل الجنة قطعاً، رقم (١٥٨) وقد أخرجه أحمد في مسنده (٤: ٤٤) و(٥: ٤٤٩ و ٤٥٠).

٣١٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي مُصَلَّى، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلَّى. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)). قَالَ عِثْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ وَهُ وَأَبُو بَكْرِ الصُّدِيقُ حِينَ ازْتَفَعَ
قوله: ((وددت)) بكسر الدال الأولى، أي تمنيت، وحكى القزاز جواز فتح الدال في
الماضي، والواو في المصدر، والمشهور في المصدر: الضم، وحكى فيه أيضاً الفتح، فهو
مثلث.
قوله: (فتصلي في مصلى) الخ: بسكون الياء، ويجوز النصب لوقوع الفاء بعد التمني.
قوله: (أتخذه مصلى) الخ: قال النووي: ((فيه التبرك بالصالحين وآثارهم، والصلاة في
المواضع التي صلوا بها، وطلب التبريك منهم) اهـ.
وتتبع ابن عمر آثار النبي وَ لاير، وصلاته في مواضع صلاته وَّر موجود في باب المساجد بين
مكة والمدينة من صحيح البخاري، وقد تقدم منا في بعض أحاديث الإسراء أنه أمر جبريل
نبينا وَ * بأن ينزل ويصلي في يثرب، وإليها المهاجرة، وطور سيناء حيث كلم الله موسى تكليماً،
ومدين مسكن شعيب، ومورد موسى، وبيت اللحم مولد المسيح، على نبينا وعليهم الصلاة
والسلام، فهذه النصوص كلها تدل على مشروعية التبرك بآثار الصالحين ومواضع صلواتهم إذا
خلا من غلو الغالين وتعمق المتعمقين.
وقد تكلمنا مع السلطان عبد العزيز بن الفيصل من آل سعود ومع أكبر علماء النجود
وأشهرهم عبد الله بن بليهد في هذه المسألة (أي في سنة أربع وأربعين وثلثمائة بعد الألف حين
نزلنا مكة، وكنا من مندوبي جمعية العلماء الهندية في مؤتمر العالم الإسلامي) وعرضنا عليهم
هذه الآثار التي تدل على نفي قولهم بكون التبرك بالأمكنة والمواضع بدعة أو غير مشروع، فلم
يأتوا بجواب شاف سوى المعارضة بقصة قطع الشجرة التي رواها ابن سعد في الطبقات من
طريق نافع، عن عمر، وهو مع كونه منقطعاً - لأن نافعاً لم يدرك عمر، كما في التهذيب - ليس
من المرفوع، بل هو اجتهاد من عمر رُه، وفعله لمصلحة رآها مرجحة في ذلك الوقت، فليس
هو من بيان المسألة في شيء، بل هو من قبيل سد ذرائع الشرك وحسم مادته. والله أعلم.
قوله: (قال عتبان: فغدا رسول الله) الخ: أعاد محمود بن الربيع اسم شيخه عتبان اهتماماً
بذلك، لطول الحديث.
قوله: (فغدا رسول الله) الخ: وللطبراني من طريق أبي أويس: أن السؤال وقع يوم
الجمعة، والتوجه إلیه وقع يوم السبت.
قوله: (وأبو بكر الصديق) الخ: وفي بعض الروايات: ((أبو بكر وعمر)) وفي بعضها: ((وما
شاء الله من أصحابه)) وفي بعضها: ((في نفر من أصحابه)) فيحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه وحده
في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه.

٣١٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
النَّهَارُ. فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ. فَأَذِنْتُ لَهُ. فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخْلَ الْبَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: ((أَيْنَ
تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟)) قَالَ: فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فَكَبَّرَ .
فَقُمْنَا وَرَاءَهُ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ. قَالَ:
قوله: (فلم يجلس حتى دخل) الخ: هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم: ((حتى دخل))
وزعم بعضهم أن صوابه: حين دخل، و((حتى دخل)) غلط.
قال عياض: ((وليس كذلك، بل المعنى: فلم يجلس في الدار ولا غيرها حتى دخل البيت
مبادراً إلى ما جاء بسببه، وفي رواية يعقوب عند البخاري، وكذا عند الطيالسي: ((فلما دخل لم
يجلس حتى قال: أين تحب ... )) وكذا للإسماعيلي من وجه آخر، وهي أبين في المراد، لأن
جلوسه إنما وقع بعد صلاته، بخلاف ما وقع منه في بيت مليكة، حيث جلس فأكل، ثم صلى،
لأنه هناك دعي إلى الطعام فبدأ به، وهنا دعي إلى الصلاة فبدأ بها)). كذا في الفتح.
قوله: (فأشرت إلى ناحية) الخ: فيه التزام الصلاة، بموضع معين. والنهي عن استيطان
الرجل مكاناً إنما هو في المسجد العام إذا استلزم رياء أو نحوه.
قوله: (فقمنا وراءه) الخ: قال النووي: ((فيه جواز صلاة النفل جماعة، وفي الدر
المختار: ((ولا يصلي الوتر ولا التطوع بجماعة خارج رمضان، أي يكره ذلك لو على سبيل
التداعي)).
قال ابن عابدين: ((أشار إلى ما قالوا: من أن المراد من قول القدوري في مختصره: ((لا
يجوز)) الكراهة، لا عدم أصل الجواز، لكن في الخلاصة عن القدوري أنه لا يكره، وأيده في
الحلية بما أخرجه الطحاوي عن المسور بن مخرمة، قال: ((دفنّا أبا بكر ◌ُبه ليلاً، فقال
عمر ربه: إني لم أوتر، فقام وصفنا وراءه، فصلى بنا ثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن.
ثم قال: ويمكن أن يقال: الظاهر أن الجماعة فيه غير مستحبة، ثم إن كان ذلك أحياناً كما فعل
عمر كان مباحاً غير مكروه، وإن كان على سبيل المواظبة كان بدعة مكروهة، لأنه خلاف
المتوارث، وعليه يحمل ما ذكر القدوري في مختصره، وما ذكره في غير مختصره يحمل على
الأول، والله أعلم)) اهـ.
قلت: ويؤيده أيضاً ما في البدائع من قوله: ((إن الجماعة في التطوع ليست بسنة إلا في قيام
رمضان)) اهـ.
فإن نفي السنية لا يستلزم الكراهة، نعم! إن كان مع المواظبة كان بدعة، فيكره.
وفي حاشية البحر للخير الرملي: ((علل الكراهة في الضياء والنهاية بأن الوتر نفل من وجه،
حتى وجبت القراءة في جميعها، وتؤدى بغير أذان وإقامة، والنفل بالجماعة غير مستحب، لأنه
لم تفعله الصحابة في غير رمضان)) اهـ. وهو كالصريح في أنها كراهة تنزيه تأمل. اهـ والمراد

٣١٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ لَهُ. قَالَ فَتَابَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ حَوْلَنَا. حَتَّى اجْتَمَعَ فِي
الْبَيْتِ رِجَالٌ ذَوُو عَدَّدٍ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
بالتداعي هو أن يدعو بعضهم بعضاً كما في المغرب، وفسره الوافي بالكثرة، وهو لازم معناه.
أما حد الكثرة فقال ابن عابدين: ((أما اقتداء واحد بواحد، أو اثنين بواحد: فلا يكره،
وثلاثة بواحد فيه خلاف، بقي لو اقتدى به واحد أو اثنان ثم جاءت جماعة اقتدوا به. قال
الرحمتي: ينبغي أن تكون الكراهة على المتأخرين) اهـ.
قلت: وهذا كله لو كان الكل متنفلين، أما لو اقتدى متنفلون بمفترض: فلا كراهة. كذا
حققه أصحابنا الحنفية .
قال في الفتح: وروى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس بأن يؤم النفر في النافلة، فأما أن
يكون مشتهراً ويجمع له الناس: فلا، وهذبناه على قاعدته في سدّ الذرائع لما يخشى من أن يظن
من لا علم له أن ذلك فريضة، واستثنى ابن حبيب من أصحابه قيام رمضان، لاشتهار ذلك من
فعل الصحابة ومن بعدهم
قوله: (وحبسناه) الخ: أي: معناه من الرجوع.
قوله: (على خزير) الخ: وفي بعض الروايات: ((على خزيرة)) بخاء معجمة مفتوحة، بعدها
زاى مكسورة، ثم ياء تحتانية، ثم راء، ثم هاء، نوع من الأطعمة. قال ابن قتيبة: ((تصنع من
لحم يقطع صغاراً، ثم يصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق، وإن لم يكن فيه لحم فهي
عصيدة))، وكذا ذكر يعقوب وزاد: ((من لحم بات ليلة)) قال: وقيل: هي حساء من دقيق فيه
دسم. وحكي في الجمهرة نحوه، وحكى الأزهري عن أبي الهيثم أن الخزيرة من النخالة. قال
عياض: المراد بالنخالة دقيق لم يُغَرْبَل .
قلت: ويؤيد هذا التفسير قوله في رواية الأوزاعي عند مسلم: ((على جشيشة)) بجيم
ومعجمتين، قال أهل اللغة: هي أن تطحن الحنطة قليلاً، ثم يلقى فيها شحم أو غيره، وفي
المطالع: أنها رويت في الصحيحين بحاء وراءين مهملات، وحكى البخاري في الأطعمة عن
النضر أيضاً أنها - أي التي بمهملات - تصنع من اللبن.
قوله: (فثاب إليه): هو بالثاء المثلثة، وآخره باء موحدة، أي اجتمعوا.
قوله: (رجال من أهل الدار) الخ: أي: المحلة، لقوله: ((خير دور الأنصار دار بني
النجار)) أي محلتهم، والمراد أهلها.
وفيه: اجتماع أهل المحلة على الإمام أو العالم إذا ورد منزل بعضهم، ليستفيدوا منه،
ویتبر کوا به .
قوله: (أين مالك بن الدخشن) الخ: هذا تقدم ضبطه، والاختلاف فيه، وشرح حديثه،

٣١٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ. أَلَا تَرَاهُ قَدْ
قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللّهُ. يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟)) قَالَ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى
وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ
قَالَ: لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللّهِ).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ،
وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ، عَنْ حَدِيثٍ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ. فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ.
وسائر ما يتعلق بحديث الباب في باب قصة عتبان من كتاب الإيمان، فليراجع.
قوله: (ذلك منافق) الخ: فيه التنبيه على من يظن به الفساد في الدين عند الإمام على جهة
النصيحة، ولا يعد ذلك غيبة محرمة، وأن على الإمام أن يتثبت في ذلك، ويحمل الأمر فيه على
الوجه الجميل. وأن من نسب من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرينة تقوم عنده لا يكفر بذلك
ولا يفسق، بل يعذر بالتأويل.
قوله: (قد قال: لا إله إلا الله) الخ: قال الكرماني: هذا شعار لكلمة الشهادة بتمامها .
قوله: (يريد بذلك وجه الله) الخ: وهذه شهادة من رسول الله وَله بإيمانه باطناً، وبراءته من
النفاق.
قوله: (فإنما نرى وجهه) الخ: أي: توجهه، ولعل كان له عذر في ذلك، كما كان
لحاطب بن أبي بلتعة، وهو أيضاً ممن شهد بدراً.
قوله: (حرّم على النار من قال) الخ: تقدم تأويله في كتاب الإيمان.
قوله: (الحصين بن محمد الأنصاري) الخ: بضم الحاء المهملة، وبالصاد المهملة
المفتوحة، وهكذا ضبطه جميع الرواة إلا القابسي، فإنه ضبطه بالضاد المعجمة، وغلطوه في
ذلك. وهو الحصين بن محمد الأنصاري المدني من ثقات التابعين.
وقال الكرماني: («فإن قلت: محمود كان عدلاً فلم سأل الزهري غيره؟ قلت: إما للتقوية،
ولاطمئنان القلب، وإما لأنه عرف أنه نقله مرسلاً، وإما لأنه تحمله حال الصبا، واختلف في
قبول المتحمل زمن الصبا)».
قوله: (من سراتهم) الخ: أي: الحصين بن محمد من سراة بين سالم. والسراة - بفتح
السين - جمع سَرِيّ، قال أبو عبيدة: وهو المرتفع القدر.
قوله: (فصدقه بذلك) الخ: أي: بالحديث المذكور، وهذا يحتمل أن يكون الحصين سمعه
أيضاً من عتبان، ويحتمل أن يكون حمله من صحابي آخر، وليس للحصين ولا لعتبان في
الصحيحين سوى هذا الحديث. كذا في عمدة القاري.

٣١٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٤٩٥ _ (٢٦٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: حَدَّثَنِيَ مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ:
أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَيْهِ وَسَاقَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ:
أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ أَوِ الدُّخَيْشِنِ؟ وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا
الْحَدِيثِ نَفَراً، فِيهِمْ أَبُوَ أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ. فَقَالَ: مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: مَا قُلْتَ.
قَال: فَحَلَفْتُ، إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِنْبَانَ. أَنْ أَسْأَلَهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ
ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ. فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ. فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ. فَحَدَّثَنِيِهِ كَمَا
حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ نَرَى أَنَّ الأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا. فَمَنِ
اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَغْتَرَّ فَلا يَغْتَرَّ.
٢٦٤ - ( ... ) - قوله: (فيهم أبو أيوب) الخ: هو خالد بن زيد الأنصاري الذي نزل عليه
رسول الله ﴿ لما قدم المدينة، وتوفي في غزوة الروم في خلافة معاوية ظه، ذكر ابن سعد
وغيره أن أبا أيوب أوصى أن يدفن تحت أقدام الخيل ويغيب موضع قبره، فدفن إلى جانب جدار
القسطنطينية(١).
قوله: (ما أظن رسول الله وَ ل﴿ قال) الخ: أنكر أبو أيوب رَظُله على محمود بن الربيع لما
غلب على ظنه من نفي القول المذكور، وأما الباعث له على ذلك فقيل: إنه استشكل قوله: ((إن
الله قد حرّم النار على من قال: لا إله إلا الله)) لأن ظاهره لا يدخل أحد من عصاة الموحدين
النار، وهو مخالف لآيات كثيرة وأحاديث شهيرة، منها أحاديث الشفاعة، لكن الجمع ممكن بأن
يحمل التحريم على الخلود، وقد وافق محموداً على رواية هذا الحديث عن عتبان: أنس بن
مالك، كما أخرجه مسلم عن طريقه، وهو متابع قوي جداً، وكأن الحامل لمحمود على الرجوع
إلى عتبان ليسمع الحديث منه ثاني مرة أن أبا أيوب لما أنكر عليه اتهم نفسه بأن يكون ما ضبط
القدر الذي أنكره عليه، ولهذا قنع بسماعه عن عتبان ثاني مرة. كذا في الفتح.
وقد تقدم الكلام على إنكار أبي أيوب هذا الحديث ونظائره في مقدمة هذا الشرح مبسوطاً
شافياً، ولله الحمد.
قوله: (قال الزهري: ثم نزلت بعد ذلك) الخ: قد تقدم الإشكال في هذا القول وحلّه في
باب قصة عتبان من كتاب الإيمان، فليراجع.
(١) قوله: ((القسطنطنية)) كذا وقع ههنا بتقديم النون على الياء المثناة من تحت، والصواب - كما في معجم البلدان -
((القُسْطُنْطِينية)) بزيادة الياء بيي الطاء الثانية والنون الثانية، ويقال: ((القسطنطينة)) بحذف الياء الأخيرة.

٣١٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٩٦ - (٢٦٥) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم عَنِ
الأَوْزَاعِيِّ. قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُودٍ بْنِ الرَّبِيعِ. قَالَ: إِنِيِّ لأَعْقِلُ مَجَّةً مِّجَّهَا
رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ مِنْ دَلْوِ فِي دَارِنَا. قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَصَرِي قَدْ سَاءَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنٍ، وَحَبَسْنَا
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ عَلَى جَشِيشَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ زِيَادَةِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ .
(٤٨) - باب: جواز الجماعة في النافلة،
والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات
١٤٩٧ - (٢٦٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ(١)؛ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةً
٢٦٥ - ( ... ) - قوله: (مجّة مجّها رسول الله) الخ: قال عياض: مجّه بِّ في وجه
محمود فيه جواز مباسطته وتأنيسه للصغار وبرّ آبائهم، كما مازح ◌َّ ر أبا عمير، وما كان عليه وَّل
من حسن العشرة، ولعله أراد ◌َل# أن يحفظ محمود النازلة فينقلها كما وقع، فيحصل له فضل نقل
حديث رسول الله وَ﴿ وصحة الصحبة، قيل: وكان حينئذ ابن أربع سنين، وقيل: ابن خمس،
وبحديث محمود هذا احتجوا على جواز اسماع الصغير إذا عقل، وجعل بعضهم هذا السن حداً
في صحة سماعهم، وليس كذلك، بل حتى يعقل كما عقل محمود مجه أيَّار .
وقد تقدم تحقيق هذه المسألة في مقدمة هذا الشرح فليراجع. وقد تقدم تحقيق معنى المج
في الأبواب السالفة، وهو طرح الماء من الفم بالتزريق.
(٤٨) - باب: جواز الجماعة في النافلة،
والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات
٢٦٦ - (٦٥٨) - قوله: (أن جدته مليكة) الخ: هي بضم الميم، تصغير ملكة، والضمير في
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخره البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة على
الحصير، رقم (٣٨٠) وفي كتاب الأذان، باب المرأة وحدها تكون صفاً، رقم (٧٢٧) وباب وضوء
الصبيان، رقم (٨٦٠) وباب صلاة النساء خلف الرجال، رقم (٨٧١) وباب صلاة النساء خلف الرجال،
رقم (٨٧٤) وفي كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، رقم (١١٦٤) والنسائي في سننه، في
كتاب الإمامة، باب إذا كانوا ثلاثة وامرأة، رقم (٨٠٢) وباب إذا كانوا رجلين وامرأتين، رقم (٨٠٣)
و (٨٠٤) وباب موقف الإمام إذا كان معه صبي، رقم (٨٠٦) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب إذا
كانوا ثلاثة كيف يقومون، رقم (٦١٢) وباب الصلاة على الحصير، رقم (٦٥٨) والترمذي في جامعه، في =

٣٢٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ لِطَعَامِ صَنَعَتْهُ. فَأَكَلَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: ((قُومُوا فَأَصَلِّيَ لَكُمْ)) قَالَ أَنَسُ بْنُ
مَالِكٍ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٌ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولٍ مَا لُبِسَ. فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ. فَقَامَ عَلَيْهِ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ. وَصَفَفْتُ أَنَّا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ.
جدته يعود على إسحاق، جزم به ابن عبد البر وعبد الحق وعياض، وصححه النووي، وجزم ابن
سعد وابن مندة وابن الحصار بأنها جدة أنس والدة أمه أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين
في النهاية ومن تبعه، وكلام عبد الغني في العمدة، وهو ظاهر السياق، ولكل من القولين
مؤيدات ذكرها الحافظ في الفتح.
قوله: (دعت رسول الله (*) الخ: في هذا الحديث من الفوائد: إجابة الدعوة ولو لم تكن
عرساً، ولو كان الداعي امرأة، لكن حيث تؤمن الفتنة.
قوله: (فأصلي لكم) الخ: فيه جواز النافلة جماعة (وقد مرّ تحقيقه في الباب الذي قبله)
وتبريك الرجل الصالح والعالم أهل المنزل بصلاته في منزلهم، فقال بعضهم: ولعل النبي وَلـ
أراد تعليمهم أفعال الصلاة مشاهدة مع تبريكهم، فإن المرأة قلما تشاهد أفعاله ويّهر في المسجد،
فأراد أن تشاهدها وتتعلمها، وتُعلمها غيرها.
قوله: (فقمت إلى حصير لنا) الخ: فيه جواز الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض،
وهذا مجمع عليه، وما روي عن عمر بن عبد العزيز من خلاف: هذا محمول على استحباب
التواضع بمباشرة نفس الأرض.
قوله: (اسودّ من طول ما لبس) الخ: كناية عن كثرة الاستعمال، وأصل هذه المادة - أي
اللبس - يدل على مخالطة ومداخلة، وليس ههنا لبس من: لبست الثوب، وإنما هو من قولهم:
لبست امرأة، أي تمتعت بها زماناً، فحينئذ يكون معناه: قد اسود من كثرة تمتع به طول الزمان،
ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم: وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم النهي عن
لبس الحرير، وقصد هذا القائل الغمز فيما قال أبو حنيفة كَّثُ من جواز افتراش الحرير وتوسده،
ولكن الذي يدرك دقائق المعاني ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك، ويقر بأن أبا حنيفة لا
يذهب إلى شيء سدى، هكذا قال العيني كَُّ في شرح البخاري.
قوله: (فنضحته بماء) الخ: يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير، أو لتنظيفه، أو
لتطهيره، ولا يصح الجزم بالأخير بل المتبادر غيره، لأن الأصل الطهارة.
قوله: (واليتيم وراءه) الخ: هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة.
كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه الرجال والنساء، رقم (٢٣٤) وأحمد في مسنده (٣:
١٣١ و١٤٩ و١٦٤ و١٩٣ و١٩٤ و٢١٧).