Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٢٣٩ - (٦٢) حدّثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي فِي
خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعْلَامِ. فَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا. فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ: ((اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إِلَى
أبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةً. وَاثْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفاً فِي صَلاَِّي)) .
١٢٤٠ - (٦٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ؛ أن النَّبِيَّ وَّهَ كَانَتْ لَهُ خَمِيصَةٌ لَهَا عَلَمٌ. فَكَانَ يَتَشَاغَلُ بِهَا فِي الصَّلاَةِ. فَأَعْطَاهَا
أَبَا جَهْمٍ. وَأَخَذَ كِسَاءً لَهُ أَنْبِجَانِيًّا .
(١٦) - باب: كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله
في الحال، وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين
١٢٤١ - (٦٤) أَخْبَرَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ:
(إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ،
وقال الخطابي: «إنها منسوبة إلى أذربيجان، وقد حذف بعض حروفها وعرّب)).
٦٢ - ( ... ) - قوله: (ألهتني آنفاً) الخ: أي: قريباً، وهو مأخوذ من ائتناف الشيء، أي
ابتداءه.
(١٦) - باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال
٦٤ - (٥٥٧) - قوله: (إذا حضر العشاء) الخ: بفتح العين، وهو ما يؤكل في ذلك الوقت،
وقيل: ما يؤكل بعد الزوال. قال ابن حجر: ((وهو مثال، والمراد تتوق نفسه إليه وإن لم يكن
عشاء)) .
قوله: (وأقيمت الصلاة) الخ: قال ابن دقيق العيد: الألف واللام في ((الصلاة)) لا ينبغي أن
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب إذا حضر الطعام
وأقيمت الصلاة، رقم (٦٧٢) وفي كتاب الأطعمة، باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه، رقم
(٥٤٦٣) والنسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب العذر في ترك الجماعة، رقم (٨٥٤) والترمذي في
جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء، رقم (٣٥٣) وابن
ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب إذا حضرت الصلاة ووضع الشعاء، رقم (٩٣٣)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، رقم (١٢٨٥) وأحمد في
مسنده (٣: ١٠٠ و١١٠ و١٦١ و٢٣١ و٢٣٨ و٢٤٩).

١٠٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَابْدَؤُوا بَالْعَشَاءِ)).
يحمل على الاستغراق، ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن تحمل على المغرب، لقوله:
((فابدأوا بالعشاء)) ويترجح حمله على المغرب لقوله في الرواية الأخرى: ((فابدأوا به قبل أن
تصلوا المغرب)) والحديث يفسر بعضه بعضاً، وفي رواية صحيحة: ((إذا وضع العشاء وأحدكم
صائم ... )) انتهى.
وما يقع في بعض كتب الفقه: ((إذا حضر العشاء والشعاء فابدأوا بالعشاء)) لا أصل له في
كتب الحديث بهذا اللفظ، كذا نقله الحافظ عن شرح الترمذي بشيخه أبي الفضل.
قال الفاكهاني: ((ينبغي حمل الصلاة على العموم نظراً إلى العلة، وهي التشويش المفضي
إلى ترك الخشوع، وذكر المغرب لا يقتضي حصراً فيها، لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق
إلى الأكل من الصائم)) انتهى. وحمله على العموم إنما هو بالنظر إلى المعنى إلحاقاً للجائع
بالصائم، وللغداء بالعشاء، لا بالنظر إلى اللفظ الوارد. كذا في الفتح.
قوله: (فابدأوا بالعشاء) الخ: حمل الجمهور هذا الأمر على الندب، ثم اختلفوا: فمنهم
من قيّده بمن إذا كان محتاجاً إلى الأكل، وهو المشهور عند الشافعية، وزاد الغزالي ما إذا خشي
فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدل فعل ابن
عمر، أي المذكور في صحيح البخاري، من أنه كان يوضع له الطعام وتقام الصلاة ولا يأتيها
حتى يفرغ، وإنه يسمع قراءة الإمام.
وأفرط ابن حزم فقال: ((تبطل الصلاة)).
قال النووي: ((في هذه الأحاديث التي وردت في الباب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي
يريد أكله، لما فيه من اشتغال القلب، وذهاب كمال الخشوع، وهذه الكراهة إذا صلى كذلك،
وفي الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل خرج الوقت لا يجوز تأخير الصلاة، ولأصحابنا وجه
أنه يأكل وإن خرج الوقت، لأن المقصود من الصلاة الخشوع، فلا تفوته. وفيه دليل على امتداد
وقت المغرب وعلى أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله.
وقال في شرح السنة: ((الابتداء بالطعام إنما هو فيما إذا كانت نفسه شديدة التوقان إلى
الأكل، وكان في الوقت سعة وإلا فيبدأ بالصلاة، لأن النبي وَّ﴿ كان يحتزّ من كتف شاة، فدعي
إلى الصلاة فألقاها وقام يصلي)).
وقال أحمد بن حنبل: يؤول هذا الحديث أعني حديث الحزّ من كتف شاة بأن من شرع في
الأكل ثم أقيمت الصلاة أنه يقوم ولا يتمادى في الأكل، لأنه قد أخذ منه ما يمنعه من شغل
البال، وإنما الذي أمر بالأكل قبل الصلاة من لم يكن بدأ به، لئلا يشتغل باله.
وقال ابن بطال: ((ويردّ هذا التأويل حديث ابن عمر: ((ولا يعجل حتى يقضي حاجته))
انتھی .

١٠٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٢٤٢ - (٠٠٠) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ
وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاَةَ الْمَغْرِبِ.
قيل: لا ردّ عليه، لأنه يقول: إنه قد قضى حاجته، كما في الحديث، إذ ليس من شرطه أن
يستوفي أكل الكتف لا سيما قلة أكله ظل*، وأنه يكتفي بحزة واحدة، ولكن لقائل أن يقول:
ليست الصلاة التي دعي إليها في حديث عمرو بن أمية وهو حديث الحزّ من كتف الشاة أنها
المغرب، وإذا ثبت ذلك زال ما يؤول به.
وفي التوضيح: ((واختلف العلماء في تأويل هذه الأحاديث، فذكر ابن المنذر أنه قال
بظاهرها: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق. وأصله شغل
القلب وذهاب كمال الخشوع.
وقال الشافعي: يبدأ بالصوم(١) إذا كان نفسه شديدة التوقان إليه، فإن لم يكن كذلك ترك
العشاء، وإتيان الصلاة أحب إليّ. وذكر ابن حبيب مثل معناه.
وقال ابن المنذر عن مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعاماً خفيفاً. وفي الدارقطني:
((قال حميد: كنا عند أنس، فأذن بالمغرب، فقال أنس: ابدأوا بالعشاء، وكان عشاءه خفيفاً)).
وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يصلي بحال، بل يأكل، وإن خرج الوقت، والصواب
خلافه .
وقال ابن الجوزي: ((وقد ظن قوم أن هذا من باب تقديم حظ العبد على حق الحق عز
وجل، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق، ليدخل العباد في العبادة بقلوب غير مشغولة)).
كذا في عمدة القاري.
قال علي القاري: ((وما أحسن ما روينا عن أبي حنيفة: لأن يكون أكلي كله صلاة أحب
من أن تكون صلاتي كلها أكلاً)).
فإن قلت: روى أبو داود من حديث جابر قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا تؤخر الصلاة
لطعام ولا لغيره)) قلت: هذا حديث ضعيف، فبالضعيف لا يعترض على الصحيح، ولئن سلمنا
صحته فله معنى غير معنى الآخر، بمعنى: إذا وجبت لا تؤخر، وإذا كانت (٢) الوقت باقياً يبدأ
بالعشاء، فاجتمع معناهما ولم يتهاترا .
( ... ) - قوله: (قبل أن تصلوا صلاة المغرب) الخ: استدل به النووي وغيره على امتداد
(١) لعله: ((بالطعام)) من المؤلف رحمه الله تعالى.
(٢) قوله: ((كانت)) الصواب ((كان)).

١٠٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلاَ تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ)).
١٢٤٣ - (٦٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَحَفْصٌ وَوَكِيعٌ عَنْ
هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً(١) عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
أَ
أَنَسِ.
١٢٤٤ - (٦٦) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ (٢)؛
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: ((إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ. فَّابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ. وَلا
يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ)».
وقت المغرب، واعترضه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر،
وإن أريد به مطلق التوسعة فمسلم، ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى
المعلوم أن طعامه وشلر قليل، وكذا طعام أصحابه وطعام السلف بعده، فخرج الحديث رعياً لهذا
المعنى .
قوله: (ولا تعجلوا عن عشائكم) الخ: وفي الرواية الآتية: (ولا يعجلن حتى يفرغ منه)) قال
النووي: «فيه دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله، وهذا هو الصواب، وأما ما تأوله
بعض أصحابنا على أنه يأكل لقماً يكسر بها شدة الجوع: فليس بصحيح، وهذا الحديث صريح
في إبطاله)).
٦٦ - (٥٥٩) - قوله: (عشاء أحدكم) الخ: قال الحافظ: هذا أخص من الرواية الماضية،
حيث قال: ((إذا وضع العشاء ... )) فيحمل العشاء في تلك الرواية على عشاء من يريد الصلاة،
(١) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب إذا حضر الطعام وأقمت
الصلاة، رقم (٦٧١) وفي كتاب الأطعمة، باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه، رقم (٥٤٦٥) وابن
ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب إذا حضرت الصلاة وضع العشاء، رقم (٩٣٥)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، رقم (١٢٨٤) وأحمد في
مسنده (٦: ٤٠ و٥١ و١٩٤).
(٢) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب إذا حضر الطعام
وأقيمت الصلاة، رقم / ٦٧٣) و(٦٧٤) وفي كتاب الأطعمة، باب إذا حضر العشاء فلا يجعل عن عشائه،
رقم (٥٤٦٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الأطعمة، بابإذا حضرت الصلاة والعشاء، رقم (٣٧٥٧)
والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء،
رقم (٣٥٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب إذا حضرت الصلاة ووُضع
العشاء، رقم (٩٣٤) وأحمد في مسنده (٢ ٢٠ و٢٥ و١٠٣ و١٤٨).

١٠٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٢٤٥ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقُ الْمُسَيِّبِيُّ. حَدَّثَنِي أَنَسٌ، (يَعْنِي ابْنَ
عِيَاضٍ)، عَنْ مُوَسى بْنِ عُقْبَةَ ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةً عَنِ
ابْنِ جُرَيْجٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَيُّوبَ. كُلُّهُمَّ
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، بِنَحْوِ.
١٢٤٦ - (٦٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، (هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ)، عَنْ
يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ؛ قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ(١) رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا حَدِيثاً. وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلاً لَحَّانَةً. وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَالَكَ لاَ
تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا؟ أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ. هَذَا أَذَبَتْهُ أُمُّهُ وَأَنْتَ
فلو وضع عشاء غيره لم يدخل في ذلك، ويحتمل أن يقال بالنظر إلى المعنى لو كان جائعاً،
واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك، وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان أو يتناول مأكولاً يزيل
شغل باله، ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ، ويؤيد هذا الاحتمال عموم قوله في رواية مسلم من
طريق أخرى عن عائشة: ((لا صلاة بحضرة الطعام ... )) الحديث.
( ... ) - قوله: (حدثنا سفيان بن موسى) الخ: سفيان هذا بصري ثقة معروف. قال
الدارقطني: هو ثقة مأمون، وقال أبو علي الغساني: هو ثقة، وأنكروا على من زعم أنه مجهول.
قاله النووي .
٦٧ - (٥٦٠) - قوله: (عن ابن أبي عتيق) الخ: هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن
ته .
أبي بكر الصديق
قوله: (أنا والقاسم) الخ: أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق
قوله: (رجلاً لحّانة) الخ: أي: كثير اللحن، كعلامة صيغة مبالغة لكثير العلم، ووقع
للعذري: لحنة، بضم اللام وسكون الحاء، وهو بمعناه، أي يلحنه الناس، كخُذْعة للذي يخدع.
وهزأة، للذي يهزأ به، وباب فُعَلة - بفتح العين - بضد ذلك، لمن يفعل ذلك بغيره، كصُرَعة،
الذي يصرع الناس، وهُزَأة، للذي يهزأ بهم، وخدعة، للذي يخدعهم.
قوله: (كان لأم ولد) الخ: أي: من بطنها .
قوله: (كما يحدث ابن أخي هذا) الخ: أي: ابن أبي عتيق الراوي.
(١) قوله: ((عائشة)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب أيصلي الرجل وهو حاقن، رقم
(٨٩) وأحمد في مسنده (٦: ٤٣ و٥٤ و٧٣).

١٠٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَذِّبَتْكَ أُمُّكَ. قَالَ: فَغَضِبَ الْقَاسِمُ وَأَضَبَّ عَلَيْهَا. فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أُتِيَ بِهَا قَامَ.
قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي. قَالَتِ: اجْلِسْ. قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي. قَالَتِ: اِجْلِسْ غُدَرُ، إِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهَ يَقُولُ: ((لاَ صَلاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلاَ هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْيَتَانِ)) .
١٢٤٧ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ)، أَخْبَرَنِي أَبُو حَزْرَةَ الْقَاصُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ
عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ.
قوله: (وأضبّ عليها) الخ: بفتح الهمزة والضاد المعجمة وتشديد الباء الموحدة، أي:
حقد، من الضبّ، وهو الحقد.
قوله: (اجلس غُدَر) الخ: بضم الغين المعجمة وفتح الدال، أي: يا غادر، قال أهل
اللغة: الغدر: ترك الوفاء، ويقال من غدر: غادر، وغدور: أكثر ما يستعمل في النداء بالشتم.
وإنما قالت له: غدر، لأنه مأمور باحترامها، لأنها أم المؤمنين، وعمته، وأكبر منه، وناصحة
له، ومؤدبة، فكان حقه أن يحتملها ولا يغضب عليها .
قوله: (لا صلاة بحضرة الطعام) الخ: أي: بحضور طعام يريد أكله. قال ابن دقيق العيد:
والتحقيق أن المتيسر حضوره عن قرب كالحاضر.
قوله: (ولا وهو يدافعه الأخبثان) الخ: أي: البول والغائط، وفي معناه: القىء، والريح
والمذي. قال القاري: ((الواو)) في ((وهو يدافعه)) للحال من مقدر، تقديره: ((ولا صلاة كاملة
حاصلة والشخص يدافعه الأخبثان)) أي مقارنة لمدافعة الأخبثين، والمدافعة إما على حقيقتها،
أي يدفعه الأخبثان عنها، وهو يدفعهما، وإما بمعنى الدفع مبالغة. قال ابن حجر: ومنه أخذ أكثر
أئمتنا كراهة الصلاة مع مدافعة واحد مما ذكر، وإن خاف فوت الجماعة، وقال جمع منهم -
ونقل عن الشافعي - بحرمة ذلك، وفساد الصلاة إن أدى إلى ذهاب خشوعه، للخبر الصحيح:
((لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حاقن، حتى يتخفف)) وحمله الأولّون
على ما إذا اشتد به الحال، وظن أنه يضره، فحبسه حينئذ حرام)). كذا في المرقاة.
( ... ) - قوله: (أخبرني أبو حزرة) الخ: بحاء مهملة مفتوحة ثم زاي ساكنة ثم راء،
واسمه يعقوب بن مجاهد، وهو يعقوب بن مجاهد المذكور في الإسناد الأول، ويقال: كنيته أبو
يوسف، وأما أبو حزرة فلقب له، والله أعلم.

١٠٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
(١٧) باب: نهي من أَكل ثوماً أَو بصلاً أو كراثاً أو نحوها
١٢٤٨ - (٦٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى،
(وَهُوَ الْقَطَّانُ)، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَّرُ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه
قَالَ، فِي غَزْوَةٍ خَيْبَرَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، (يَعْنِي الثَّمَ)، فَلاَ يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ)).
(١٧) - باب: نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها مما له رائحة كريهة
عن حضور المساجد، حتى تذهب تلك الريح، وإخراجه من المساجد
٦٨ - (٥٦١) - قوله: (عن عبيد الله) الخ: هو ابن عمر.
قوله: (في غزوة خيبر) الخ: أي: عقب فتح خيبر، كما يدل عليه حديث أبي سعيد الآتي
في الباب.
قوله: (من هذه الشجرة) الخ: فيه مجاز، لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها
ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، وبهذا فسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ
يَسْجُدَانِ ﴾﴾ [الرحمن: ٦] ومن أهل اللغة من قال: كل ما ثبتت له أرومة - أي أصل - في
الأرض، يخلف ما قطع منه، فهو شجر، وإلا فنجم.
وقال الخطابي: ((في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم، والعامة لا تعرف الشجر إلا
ما كان له ساق)) اهـ.
ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوص، فكل نجم شجر من غير عكس،
كالشجر والنخل، فكل نخل شجر من غير عكس.
قوله: (يعني الثوم) الخ: قال الحافظ: ((لم أعرف القائل)): ((يعني)) ويحتمل أن يكون
عبيد الله بن عمر، فقد رواه السراج من رواية يزيد بن الهادي عن نافع بدونها)).
قوله: (فلا يأتين المساجد) الخ: هذا يدفع قول من خص النهي بمسجد النبي ◌َّر، وقد
حكاه ابن بطال عن بعض أهل العلم، ووهاه، وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال:
((قلت لعطاء: هل النهي للمسجد الحرام خاصة أو في المساجد؟ قال: لا، بل في المساجد».
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النّىء
والبصل والكراث، رقم (٨٥٣) وفي كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم (٤٢١٥) وأبو داود في سننه،
في كتاب الأطعمة، باب في أكل الثوم، رقم (٣٨٢٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة
فيها، باب من أكل الثوم ف لا يقربن المسجد رقم (١٠١٦) والدارمي في سننه، في كتاب الأطعمة، باب
في أكل الثوم، رقم (٢٠٥٩) وأحمد في مسنده (٢: ١٣ و٢٠).

١٠٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ زُهَيْرٌ: فِي غَزْوَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ.
١٢٤٩ - (٦٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبِي. قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا، حَتَّى
يَذْهَبَ رِيعُهَا)) يَعْنِي الثُّومَ.
١٢٥٠ - (٧٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ)، عَنْ
عَبْدِ الْعَزِيزِ، (وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ)، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ(١) عَنِ الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ
٦٩ - (٠٠٠) - قوله: (من هذه البقلة) الخ: قال أهل اللغة: البقل كل نبات اخضرّت به
الأرض.
قوله: (فلا يقربّنا) الخ: بفتح الراء والموحدة وتشديد النون، وليس في هذا تقييد النهي
بالمسجد، فيستدل بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد، كمصلى العيد والجنازة، ومكان
الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسك بهذا العموم أولى، ونظيره قوله: ((وليقعد في
بيته)) لكن قد علل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة وترك أذى المسلمين، فإن كان كل منهما
جزء علة اختص النهي بالمساجد وما في معناها، وهذا هو الأظهر وإلا لعمّ النهي كل مجمع
كالأسواق، ويؤيد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: ((من أكل من هذه الشجرة
شيئاً فلا يقربنا في المسجد)).
قال القاضي ابن العربي: ذكر الصفة في الحكم يدل على التعليل بها، ومن ثم ردّ على
المازري حيث قال: «لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ما له رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف
ما إذا أكل بعضهم))، لأن المنع لم يختص بهم، بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنع من
تناول شيئاً من ذلك، ودخل المسجد مطلقاً، ولو كان وحده.
واستدل بأحاديث الباب على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين. قال ابن دقيق العيد:
(«لأن اللازم من منعه أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحاً، فتكون الجماعة ليست
فرض عين، أو حراماً فتكون صلاة الجماعة فرضاً، وجمهور الأمة على إباحة أكلها، فيلزم أن
لا تکون الجماعة فرض عین».
وتقريره أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة
(١) قوله: ((أنس رضي الله عنه)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم
النىء والبصل والكراث، رقم (٨٥٦) وفي كتاب الأطعمة، باب ما يكره من الثوم والبقول، رقم (٥٤٥١)
وأحمد في مسنده (٣: ١٨٦).

١٠٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّا، وَلا يُصَلِي مَعَنَا)).
١٢٥١ - (٧١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلا
يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثّومِ».
١٢٥٢ - (٧٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامِ
في حق آكلها جائز، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب، ونقل عن أهل الظاهر أو
بعضهم تحريمها بناء على أن الجماعة فرض عين، كذا في الفتح.
قوله: (ولا يصل معنا) الخ: على النهي، ووقع في أكثر الأصول: ((ولا يصلي)) بإثبات
الياء على الخبر الذي يراد به النهي، وكلاهما صحيح.
وفيه نهي لمن أكل الثوم ونحوه عن حضور مجمع المصلين، وإن كانوا في غير مسجد،
ويؤخذ منه النهي عن سائر مجامع العبادات ونحوها كما سبق، وألحق بعضهم بذلك من بفيه
بَخر، أو به جرح له رائحة، وزاد بعضهم فألحق أصحاب الصنائع: كالسمّاك، والعاهات:
كالمجذوم، ومن يؤذي الناس بلسانه. وأشار ابن دقيق العيد إلى أن ذلك كله توسع غير مرضي.
قال ابن المنير ((ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بآكل الثوم في المنع من المسجد،
قال: وفيه نظر، لأن آكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع، والمجذوم علته سماوية))
اهـ.
قال الشيخ بدر الدين العيني: ((ولا يبعد أن يعذر من كان معذوراً بأكل ما له ريح كريهة،
لما روى ابن حبان في صحيحه عن المغيرة بن شعبة: ((انتهيت إلى رسول الله وَّر، فوجد مني
ريح الثوم، فقال: من أكل الثوم؟ قال: فأخذت يده فأدخلتها فوجد صدري معضوباً، فقال: إن
لك عذراً)). وفي رواية الطبراني في الأوسط: ((اشتكيت صدري فأكلته)) وفيه: ((فلم يعنفه وَّ)»
اهـ.
٧١ - (٥٦٣) - قوله: (ولا يؤذينًا) الخ: بتشديد النون، وإنما نبّهت عليه لأني رأيت من
خففه، ثم استشكل عليه إثبات الياء، مع أن إثبات الياء المخففة جائز على إرادة الخبر، كما
سبق .
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من
أكل الثوم فلا يقربن المسجد، رقم (١٠١٥) وأحمد في مسنده (٢: ٢٦٤ و٢٦٦ و٤٢٩).

١١٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الدَّسْتَوَائِيٌّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (١). قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ
وَالْكُرَّاثٍ. فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا. فَقَالَ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنِنَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ
مَسْجِدَنَا. فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ)).
١٢٥٣ - (٧٣) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : -
وَفِي رِوَايَةٍ حَرْمَلَةَ: وَزَعَمَ - أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ لهِ قَالَ: ((مَنَّ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، فَلْيَعْتَزِلْنَا،
أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ)). وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقِدْرٍ
٧٢ - (٥٦٤) - قوله: (والكرّاث) الخ: بضم الكاف وتشديد الراء، في الهندية: گندنا .
قوله: (فغلبتنا الحاجة) الخ: وفي حديث أبي سعيد الآتي: ((والناس جياع))، فهذا يدل
على أن النهي يعم الآكل من الجوع أو غيره، والله أعلم.
قوله: (فإن الملائكة تأذى) الخ: هكذا ضبطناه بتشديد الذال فيهما، وهو ظاهر، ووقع في
أكثر الأصول: ((تأذى مما يأذى منه الإنس)) بتخفيف الذال فيهما، وهي لغة، يقال: أذِي يأذى،
مثل: عمي يعمى، ومعناه: تأذّى، قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم
ونحوه من دخول المسجد وإن كان خالياً، لأنه محل الملائكة، ولعموم الأحاديث.
٧٣ - ( ... ) - قوله: (وزعم - أن رسول الله) الخ: الزعم قد يستعمل في القول المحقق،
وهو هنا كذلك.
قوله: (أو ليعتزل مسجدنا) الخ: شك من الراوي، وهو الزهري، ولم تختلف الرواة عنه
في ذلك.
قوله: (وليقعد في بيته) الخ: هو أخص من الاعتزال، لأنه أعم من أن يكون في البيت أو
غيره .
قوله: (أتى بقدر) الخ: بكسر القاف، وهو ما يطبخ فيه، ويجوز فيه التأنيث والتذكير،
والتأنيث أشهر، لكن الضمير في قوله: ((فيه خضرات)) يعود على الطعام الذي في القدر،
(١) قوله: ((عن جابر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النيء
والبصل والكراث، رقم (٨٥٤) و(٨٥٥) وفي كتاب الأطعمة، باب ما يكره من الثوم والبقول، رقم (٥٤٥٢)
وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل، رقم (٧٣٥٩) والنسائي في سننه،
في كتاب المساجد، باب من يمنع من المسجد، رقم (٧٠٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الأطعمة، باب
ما جاء في كراهية أكل الثوم والبصل، رقم (١٨٠٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب الأطعمة، باب أكل
الثوم والبصل والكراث، رقم (٣٣٦٥) وأحمد في مسنده (٣٧٤ و٣٨٠ و٣٨٧ و٤٠٠).

١١١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحاً، فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ. فَقَالَ: ((قَرِّبُوهَا))
إِلَى بَعْضٍ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: ((كُلْ، فَإِنِّي أَنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي)) .
فالتقدير: ((أتى بقدر من طعام فيه خضروات)) ولهذا لما أعاد الضمير على القدر أعاده بالتأنيث،
حيث قال: ((فأخبر بما فيها)) وحيث قال: ((قرّبوها)).
وقال العيني: ((ولما جاز في القدر التذكير والتأنيث أعاد الضمير إليه تارة بالتذكير وتارة
بالتأنيث، نظراً إلى جواز الوجهين)) اهـ.
وحديث الباب يدل بظاهره على امتناعه وَلّ من المطبوخ، مع أنه قد ورد الإذن فيه. قال
الحافظ: ولا تعارض بين امتناعه وَله من أكل الثوم وغيره مطبوخاً وبين إذنه لهم في أكل ذلك
مطبوخاً، فقد علل ذلك بقوله: ((إني لست كأحد منكم)) وترجم ابن خزيمة على حديث أبي أيوب
ذكر ما خص الله نبيه به من ترك أكل الثوم ونحوه مطبوخاً، وقد جمع القرطبي في ((المفهم)) بين
الروايتين بأن الذي كان في القدر لم ينضج حتى تضمحلّ رائحته فبقي في حكم النيء.
قال النووي: ((ووقع في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة
((أتى ببدر)) بيائين موحدتين، قال العلماء: هذا هو الصواب، وفسر الرواة وأهل اللغة والغريب:
البدر بالطبق، قالوا: سمي بدراً لاستدارته كاستدارة البدر)).
قوله: (في خضرات) الخ: بضم الخاء وفتح الضاد المعجمتين، وقيل: بفتح أوله وكسر
ثانيه، وهو جمع خضرة، ويجوز مع ضم أوله ضم الضاد وتسكينها أيضاً.
قوله: (قربوها إلى بعض أصحابه) الخ: قال الكرماني: ((فيه النقل بالمعنى، إذ الرسول الله
لم يقله بهذا اللفظ، بل قال: ((قربوها إلى فلان)) مثلاً، أو فيه حذف، أي: قال: قربّوها مشيراً،
أو أشار إلى بعض أصحابه)).
قوله: (فإني أناجي من لا تناجي) الخ: أي: الملائكة، وفي حديث أبي أيوب عند ابن
خزيمة وابن حبان من وجه آخر ((أن رسول الله ◌َ و أرسل إليه بطعام من خضرة فيه بصل أو
كراث، فلم ير فيه أثر رسول الله وَلقره، فأبى أن يأكل، فقال له: ما منعك؟ قال: لم أر أثر يدك،
قال: أستحيي من ملائكة الله، وليس بمحرم)) ولهما من حديث أم أيوب قالت: ((نزل علينا
رسول الله ﴿ فتكلفنا له طعاماً فيه بعض البقول ... )) فذكر الحديث نحوه، وقال فيه: ((كلوا،
فإني لست كأحد منكم، إني أخاف أن أوذي صاحبي)).
واستدل المهلب بقوله: ((فإني أناجي من لا تناجي)) على أن الملائكة أفضل من الآدميين،
وتعقب بأنه لا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل الجنس على الجنس.
واختلف هل كان أكل ذلك حراماً على النبي وَّر أولاً. والراجح الحل، لعموم قوله وَّه :
((وليس بمحرم)).

١١٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٢٥٤ - (٧٤) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ.
قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،َ عَنِ النَّبِيِّ وَّ؛ قَالَ: ((مَنْ أَكَّلَ مِنْ هَذِهِ،
الْبَقْلَةِ، الثُّوم - وَقَالَ مَرَّةَ: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ - فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ
الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّىَّ مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ)) .
١٢٥٥ - (٧٥) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح قَالَ:
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالا جَمِيعاً: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، بِهَذَا
الإِسْنَادِ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِّهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ الثُّومَ - فَلاَ يَغْشَنَا فِي مَسْجِدِنَا))، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَصَلَ
وَالْكُرَّاثَ.
١٢٥٦ - (٧٦) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ
أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدَري (١)؛ قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ. فَوَقَعْنَا، أَصْحَابَ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ. الثُّومِ. وَالنَّاسُ جِيَاعٌ. فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلاً شَدِيداً. ثُمَّ رُحْنَا
إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الرَّيحَ. فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئاً
فَلاَ يَقْرَبَنَّا فِي الْمَسْجِدِ)) فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ. حُرِّمَتْ. فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ وَ فَقَالَ: «أَيُّهَا
النَّاسُ، إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَخْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي. وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا)).
٧٥ _ ( ... ) - قوله: (يريد الثوم) الخ: قال الحافظ: ((لم أعرف الذي فسره، وأظنه ابن
جریج)).
قوله: (فلا يغشنا) الخ: والمراد بالغشيان: الإتيان، أي فلا يأتينا .
٧٦ _ (٥٦٥) - قوله: (لم نعد أن فتحت خيبر) الخ: من عدا يعدو، بمعنى تجاوز، أي:
ما تجاوزنا فتح خيبر حتى قمنا، أي متصلاً بفتح خيبر، مقارناً معه قمنا .
قوله: (من هذه الشجرة الخبيثة) الخ: سماها خبيثة لقبح رائحتها. قال أهل اللغة: الخبيث
في كلام العرب المكروه من: قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص.
قوله: (ليس لي تحريم ما أحل الله) الخ: فيه دليل على أن الثوم ليس بحرام، وهو إجماع
من يعتد به كما سبق، وقد اختلف أصحابنا في الثوم: هل كان حراماً على رسول الله وَلتر، أم
كان يتركه تنزهاً، وظاهر هذا الحديث أنه ليس بمحرم عليه ◌ّطاهر، ومن قال بالتحريم يقول: المراد
ليس لي أن أحرم على أمتي ما أحل الله لها. قاله النووي.
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأطعمة، باب في أكل الثوم،
رقم (٣٨٢٣) وأحمد في مسنده (٣: ٦٠ و٦٥).

١١٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٢٥٧ - (٧٧) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ
رَسُوْلَ اللَّهِ وَلَّهِ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُّهُ. فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهُ. وَلَّمْ يَأْكُلْ
آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ. فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ. وَأَخّرَ الآخَرِينَ حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا .
١٢٥٨ - (٧٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ.
حَذَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ(١)
٧٧ - (٥٦٦) - قوله: (مرّ على زرّاعة بصل) الخ: بفتح الزاي وتشديد الراء، وهي الأرض
المزروعة .
٧٨ - (٥٦٧) - قوله: (عن معدان بن أبي طلحة) الخ: قال النووي: هذا الحديث مما
استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثة حفاظ، وهم:
منصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن مرة، فرووه عن سالم عن عمر
منقطعاً، لم يذكروا فيه معدان. قال الدارقطني: وقتادة وإن كان ثقة وزيادة الثقة مقبولة عندنا:
فإنه مدلس، ولم يذكر فيه سماعه من سالم، فأشبه أن يكون بلغه عن سالم فرواه عنه.
قلت: هذا الاستدراك مردود، لأن قتادة وإن كان مدلساً فقد قدمنا في مواضع من هذا
الشرح أن ما رواه البخاري ومسلم عن المدلسين وعنعنوه فهو محمول على أنه ثبت من طريق
آخر سماع ذلك المدلس هذا الحديث ممن عنعنه عنه، وأكثر، أو كثير منه يذكر مسلم وغيره
سماعه من طريق آخر متصلاً به، وقد اتفقوا على أن المدلس لا يحتج بعنعنته، كما سبق بيانه في
الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح.
ولا شك عندنا في أن مسلماً رحمه الله تعاى يعلم هذه القاعدة ويعلم تدليس قتادة، فلولا
ثبوت سماعه عنده لم يحتج به، ومع هذا كله فتدليسه لا يلزم منه أن يذكر معدانا من غير أن
يكون له ذكر، والذي يخاف من المدلس أن يحذف بعض الرواة: إما زيادة من لم يكن، فهذا لا
يفعله المدلس، وإنما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه، وإنما ذكر معدان زيادة ثقة فيجب
قبولها .
والعجب من الدارقنطي رحمه الله تعالى في كونه جعل التدليس موجباً لاختراع ذكر رجل
(١) قوله: ((عن عمر بن الخطاب)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المساجد، باب من يخرج من
المسجد، رقم (٧٠٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من أكل الثوم فلا
يقربن المسجد، رقم (١٠١٤) وفي كتاب الفرائض، باب الكلالة، رقم (٢٧٢٦) وفي كتاب الأطعمة، باب
أكل الثوم والبصل والكراث، رقم (٣٣٦٣) وأحمد في مسنده (١: ١٥ و٢٦ و٢٧ و٢٨ و٣٨ و٤٨ و٤٩).

١١٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ بَ. وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ. قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكاً
لا ذكر له، ونسبه إلى مثل قتادة الذي محله من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية، وبالله
التوفيق. كذا قال النووي في الشرح.
قوله: (خطب يوم الجمعة) الخ: الظاهر أنها خطبة الصلاة، ففيه جواز ذكر مثل هذا فيها،
وليس من اللغو لما اشتمل عليه من المصالح الدينية، وأول الثلاث نقرات بأنها طعنات ينقضي
بها أجله، وكان الطاعن له أبا لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة، ووجه تعبير الديك بالعلج
كونه أعجمياً، والقضية أن عمر رضي الله تعالى عنه استلقى على ظهره ورفع يديه فقال: ((اللهم
كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع))، ثم بعد أيام قال: ((رأيت
كأن ديكاً نقرني ثلاث نقرات، فقلت: شهادة ساقها الله لي، يقتلني رجل أعجمي)) وفي تفسير
الديك بالأعجمي ما تقدم.
وكان عمر به لا يترك أحداً من العجم يدخل المدينة، فكتب إليه المغيرة - وكان على
الكوفة - أن لي غلاماً نجاراً حداداً، فيه لأهل المدينة منافع، فإن رأيت أن أبعثه إليها فعلت،
فأذن له، وكان المغيرة جعل عليه خراجاً مائة، وقيل: مائة وعشرين، فشكا إلى عمر كثرة
الخراج، فقال له عمر رظله: ما خراجك بكثير في جنب ما تحسن، فانصرف العلج مغضباً، ثم
مرّ بعمر يوماً فقال له: ألم أُحَدّث أنك قلت: لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح: فعلت،
فالتفت العلج إلى عمر ساخطاً، وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث بها في المشرق والمغرب،
فقال عمر رظه للرهط الذين معه: توعدني العبد، فلبث عمر رضي الله ليالي، ثم اشتمل الغلام على
خنجر له رأسان، ونصابه في وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد، فلم يزل هنالك حتى
خرج عمر ظه يوقظ الناس لصلاة الفجر، وكان عمر رضيله يفعل ذلك، فلما دنا عمر منه وثب
عليه، فطعنه ثلاث طعنات: إحداها في سرته، وهي التي قتلته، وطعن ثلاثة عشر رجلاً من أهل
المسجد، مات منهم سبعة، فأقبل حطان بن مالك التميمي، فألقى كساء عليه، واحتضنه، ثم لما
علم العلج أنه مأخوذ نحر نفسه بخنجره، فمات، فأخذ عمر بيد عبد الرحمن بن عوف، وقدمه
للصلاة، فصلى بهم يومئذ، وقرأ أقصر سورة ﴿وَالْعَصْرِ﴾، و﴿إِنَّ أَعْطَيِّنَكَ اُلْكَوْثَرَ﴾.
وقال القرطبي: طعنه بعد أن دخل في الصلاة وهو بعيد، وكان أول من دخل على عمر ابن
عباس، فقال: انظر من قتلني، فخرج وقال: غلام المغيرة بن شعبة، فقال: الصنع؟ فقال: نعم،
فقال: قاتله الله! لقد كنت أمرت به معروفاً، والحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد أحد يدعي
الإسلام، فقال له الناس: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، فقال: أرسلوا إلى طبيب ينظر
جرحي، فجاؤوا بطبيب من العرب، فسقاه نبيذاً، فتشبه النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التي
تحت سرته، فدعي له طبيب من الأنصار، فسقاه لبناً، فخرج أبيض، فقال: أعهد يا أمير
المؤمنين، فقال: صدقتني، ولو قلت غيرها كذبتك، فأرسل إلى عائشة رضيله يستأذنها في الدفن

١١٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
نَقَرَنِي ثَلاَثَ نَقَرَاتٍ. وَإِنِّي لا أُرَاهُ إِلا حُضُورُ أَجَلِي. وَإِنَّ أَقْوَاماً يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ.
وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلا خِلاَفَتَهُ، وَلَا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ نَّهِ. فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ.
فَالْخِلاَفَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ. الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. وَإِنِّي قَدْ
مع صاحبيه، فقالت: أعددته لنفسي ولأوثرنّه اليوم، فقال عمر: ما كان شيء أعظم عندي من
ذلك، ثم قال: يا عبد الله بن عمر إذا متّ على سريري فقف بي على الباب، واستأذن، فإن
أذنت فأدخلني، وإلا فادفنّ في مقابر المسلمين. كذا في الإكمال.
قوله: (نقرني ثلاث نقرات) الخ: وفي رواية جويرية بن قدامة عن عمر نحوه، وزاد: ((فما
مرّ إلا تلك الجمعة حتى طعن))، وعند ابن سعد من رواية سعيد بن أبي هلال قال: ((بلغني أن
عمر ... )) ذكر نحوه، وزاد: ((فحدثتها أسماء بنت عميس، فحدثتني أنه (قال) يقتلني رجل من
الأعاجم)).
قوله: (وإن أقواما يأمرونني) الخ: ظاهره أنه قبل قضية العلج، ولعله بعد سماعهم دعاءه
المتقدم .
قوله: (وإن الله لم يكن ليضيع) الخ: قال الأبي: «لما دل عليه التواتر من حفظ الدين،
وإلا فلا يجب عليه تعالى شيء)).
قال عياض: ((وفيه حجة لما أجمع عليه المسلمون من وجوب نصب الإمام)) وسيأتي
الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: (شورى بين هؤلاء الستة) الخ: لم يختلف أنه تركه شورى بين الستة، وهم:
عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وقه، وإنما
حصرها فيهم لأنه رآهم أفضل أهل زمانهم، وأنها لا تصلح لغيرهم، وقال في حقهم: إنه
مات الَّر وهو راض عنهم، يريد رضا خاصاً، وإلا فهو وَ لّ عن كل أصحابه راض، ولم يترجح
في نظره واحد منهم على التعيين، فأراد أن يستظهر برأي غيره من المؤمنين.
قال الحافظ: ((واقتصار عمر على الستة من العشرة لا إشكال فيه، لأنه منهم، وكذلك أبو
بكر، ومنهم أبو عبيدة، وقد مات قبل ذلك، وأما سعيد بن زيد فهو ابن عمر، فلم يسمه عمر
فيهم مبالغة في التبري من الأمر، وقد صرح في رواية المدائني بأسانيده ((أن عمر عد سعيد بن
زيد فيمن توفي النبي ص 8* وهو عنهم راض، إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه، وقد
صرح بذلك المدائني بأسانيده قال: فقال عمر: ((لا إرب لي في أموركم، فأرغب فيها لأحد من
أهلي)).
ويروى أنه قال: «لو كان أبو عبيدة حياً لم أتردد فيه، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك
يقول: إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً استخلفته، فإن سألني ربي قلت:

١١٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سمعت نبيك يقول: إن سالماً يحب الله حباً لو لم يخفه لم يعصه، فقيل: لو عهدت إلى عبد الله بن
عمر فإنه لها أهل في فضله وعلمه ودينه وقدم إسلامه، فقال: حسب آل الخطاب أن يحاسب
منهم عن هذا الأمر رجل واحد، ولوددت أني نجوت منه كفافاً لا لي ولا عليّ)).
ويروى أنه قال: «لقد هممت أن أولي أمركم رجلاً أرجو أن يحملكم على الحق، وأشار
إلى علي، ثم رأيت أن لا أتحملها حياً وميتاً، فعلكيم بهؤلاء الرهط الذين قال فيهم
رسول الله ويلشير: إنهم من أهل الجنة، وكان طلحة غائباً، فلما أصبح دعا علياً وبقية الستة غير
طلحة، فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، ولا
أخاف الناس عليكم، وأخافكم على الناس، وقد قبض رسول الله وَّر وهو عنكم راض،
فاجتمعوا إلى حجرة عائشة فتشاوروا، واختاروا رجلاً منكم، وليصل بالناس صهيب ثلاثة أيام،
ولا يأتي اليوم الرابع إلا وعليكم رجل منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيراً، ولا شيء له من
الأمر، وطلحة شريككم في الأمر إن قدم في الثلاث، وإن لم يقدم فيها فامضوا أمركم، ثم قال
لأبي طلحة الأنصاري: إن الله قد أعز بكم الإسلام، فاختر منكم خمسين رجلاً، وكن مع هؤلاء
الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم، وقال للمقداد: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط
حتى يختاروا رجلاً منهم، وأدخل عبد الله معهم، وليس له من الأمر شيء، فإن اجتمع خمسة
على رأي وأبى واحد فاضربه بالسيف، وإن رضي أربعة رجلاً، وأبي اثنان، فاضرب رؤوسهما،
وإن رضي ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً فحكموا عبد الله، فإن لم يرضوا عبد الله فكونوا مع الذين
فيهم ابن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما أجمع عليه الناس، فخرجوا فكان من حديث
الشوری ما استوفاه البیاسي، فلا نطول به .
وعن ابن عباس قال: ((رأيت عمر مفكراً، فقلت: يا أمير المؤمنين، كأنك تفكر فيمن
يصلح لهذا الأمر بعدك؟ فقال: ما أخطأت ما في نفسي، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما تقول في
عثمان؟ فقال: كلَف بأقاربه، يحمل أبناء أبي معيط على رقاب الناس، فيحطمونهم حطم الإبل
نبت الربيع، فيدخل الناس من ههنا فيقتلونه، وأشار إلى مصر والعراق، والله إن فعلت ليفعلن
وإن فعل ليقتلن.
قلت: فصلحت(١)؟ قال: صاحب بأق وزهو، هذا الأمر لا يصلح لمتكبر.
قلت: فالزبير؟ قال: يظل نهاره بالبقيع يحاسب على الصاع من التمر، وهذا الأمر لا
يصلح إلا لمنشرح الصدر. قلت: فسعد؟ قال: صاحب شيطان إذا غضب، وإنسان إذا رضي،
فمن للناس إذا غضب؟ قلت: فابن عوف؟ قال: لووزن إيمانه بإيمان الناس لرجحهم، لكنه
(١) لعله: ((طلحة)) من المؤلف رحمه الله تعالى.

١١٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَاماً يَطْعَنُونَ فِي هَذَا الأَمْرِ. أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ. فَإِنْ فَعَلُوا
ضعيف. قلت: فعلي؟ فصفق بإحدى يديه على الأخرى، وقال: هو لها لولا دعابة فيه، ووالله
إن ولي ليحملنهم على البيضاء))، ويأتي في آخر الكتاب أن عمر لما طعن، وقيل له: استخلف،
قال: إن أستخلف قد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني. قال ابنه
عبد الله: ما هو إلا أن سمعته ذكر رسول الله وَ ﴿، فعلمت أنه لا يعدل به. وكان الشيخ يقول:
إنه جمع بالشورى بين الأمرين، فاستخلف بأن جعل الشورى في الستة، ولم يستخلف إذ لم
يعين. كذا في إكمال إكمال المعلم.
قوله: (يطعنون في هذا الأمر) الخ: بضم العين وفتحها، قال عياض: ((يأبون الخلافة
ووصفهم بالكفر والضلال لفعلهم بالطعن فيها فعل من كفر وارتد بعد وفاته وَ لّه وفيهم كفار حقيقة
إن استحلوا ذلك».
قال القرطبي: ((يعني يطعنون في جعل الأمر شورى في الستة، ولم يرضوا بهم، ووصفهم
بالكفر إن أظهروا الطعن والخلاف، لفهمه أنهم منافقون، أو فعلهم فعل الكفار من الخلاف
واتباع الأهواء، فیکون کفر نعمة)).
(قلت:) فسّر عياض الطعن بالإباية من الخلافة، ولم أر من نقل أن أحداً أبى الخلافة
حينئذ، بل ثبت بالتواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاته وي لهم على امتناع خلو الوقت
من خليفة حين قال أبو بكر ربه في خطبته المشهورة: ((إن محمداً قد مات، ولا بد لهذا الدين
ممن يقوم به)) فكلهم وافق وبادر إلى تصديقه، ولم يخالف فيه أحد من المسلمين، والقول بعدم
وجوب الإمام إنما حدث بعدهم بأزمنة، لأنه إنما قال به بعض المعتزلة، فالله أعلم بمن عنى
عمر ظلُّه بهؤلاء القوم الطاعنين الآبين من الخلافة؟
نعم! كان قوم يأبون أن تكون في أهل البيت:
فعن ابن عباس قال: قال لي عمر يوماً: أبوك عم رسول الله وَلّر، وأنت ابن عمه، فما
يمنع قومكم منكم؟ قال: قلت لا أدري، قال: لكني أدري، كرهوا أن تجتمع فيكم النبوة
والخلافة، قالوا: إن فضلونا بالخلافة والنبوة لم يبقوا لنا شيئاً، وإن أفضل النصيبين ما بين
أيديكم، وما إخالها إلا مجتمعة فيكم، وإن نزلت على رغم أنف قريش.
وعن المقداد أنه قال: ((وا عجباً لقريش ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم، وفيهم أول
المؤمنين، وابن عم رسول الله و الله أعلم الناس وأفقههم في دين الله عز وجل، وأفضلهم غناء في
الإسلام، وأبصرهم بالطريق، وأهداهم إلى الصراط المستقيم، والله! لقد ردوها عن الهادي،
المهتدي، الطاهر، التقي، والله! ما أرادوا بها صلاحاً للأمة، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة)) -
يعني بذلك علي بن أبي طالب كرم الله وجهه -.

١١٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ذُلِكَ فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ، الْكَفَرَةُ الضُّلاَّلُ. ثُمَّ إِنِّي لا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئاً أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ
الْكَلاَلَةِ. مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَاَلَةِ. وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي
شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِيِ صَدْرِي. فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ، أَلا تَكْفِيكَ آيَّةُ
الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟)) وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ
الْقُرْآنَ وَمَنْ لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ، إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ. وَإِنِي إِنَّمَا
بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ وَّةَ، وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ
فَيْئَهُمْ، وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ. ثُمَّ إِنَّكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لا
وتطاول عمرو بن العاص للشورى، فقال له عمر: ((اطمئن كما وضعك الله، والله لا
جعلت فيها أحداً حمل السلاح على رسول الله (وَ لات)).
وقال مرة: ((إن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء، ولا لأبناء الطلقاء، ولو استقبلت من أمري ما
استدبرت ما جمعت ليزيد بن أبي سفيان، ومعاوية بن أبي سفيان ولاية الشام)) فيحتمل أن يكون
عمر نظره أراد بالطاعنين هؤلاء الآبين كونها في أهل البيت، وقد يشهد لذلك قوله: ((أنا ضربتهم
بيدي هذه على الإسلام)) كذا في إكمال إكمال المعلم. والله أعلم.
قوله: (في الكلالة) الخ: وقد اختلف في تفسير الكلالة، والجمهور على أنه من لا ولد له
ولا والد، واختلف في بنت وأخت هل ترث الأخت مع البنت، وكذا في الجد هل يتنزل منزلة
الأب، فلا ترث معه الإخوة.
قال السهيلي: ((الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس، لأن الكلالة وراثة تكللت العصبة،
أي أحاطت بالميت من الطرفين، وهي مصدر كالقرابة، وسمي أقرباء الميت كلالة بالمصدر كما
يقال: هم قرابة، أي ذوو قرابة، وإن عنيت المصدر قلت: ورثوه عن كلالة، وتطلق الكلالة على
الورثة مجازاً، قال: ولا يصح قول من قال: الكلالة: المال، ولا الميت، إلا على إرادة تفسيره
معنى، من غير نظر إلى حقيقة اللفظ. ثم قال: ومن العجب أن الكلالة في الآية الأولى من
النساء لا يرث فيها الإخوة مع البنت، مع أنه لم يقع فيها التقييد بقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:
١٧٦] وقيد به في الآية الثانية مع أن الأرض فيها ورثت مع البنت والحكمة فيها أن الأولى عبّر
فيها بقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾ [النساء: ١٢] فإن مقتضاه الإحاطة بجميع المال،
فأغنى لفظ ((يورث)) عن القيد، ومثله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّمَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]
أي يحيط بميراثها. وأما الآية الثانية فالمراد بالولد فيها: الذكر، كما تقدم تقريره، ولم يعبر فيها
بلفظ ((يورث)) فلذلك ورثت الأخت مع البنت)). كذا في الفتح.
قوله: (ما أغلظ لي فيه) الخ: فيه الإلحاح على العالم، ومراجعته، وتأديب المتعلم إذا
أسرف في ذلك.

١١٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَيْنِ. هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ. لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ، إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنْ
الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأَخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ. فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخاً .
١٢٥٩ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلاَهُمَا عَنْ
شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(١٨) - باب: النهي عن نشد الضالة
في المسجد وما يقوله من سمع الناشد
١٢٦٠ - (٧٩) حدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً(١)
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لّهِ: ((مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَتْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا اللَّهُ
قوله: (فأخرج إلى البقيع) الخ: فيه إخراج من وجد منه ريح الثوم والبصل ونحوهما من
المسجد وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه.
قوله: (فليمتهما طبخاً) الخ: معناه من أراد أكلهما فليمت رائحتهما بالطبخ، وإماتة كل
شيء كسر قوته وحدته. ومنه قولهم: قتلت الخمر: إذا مزجها بالماء وكسر حدتها. كذا في
الشرح .
(١٨) - باب: النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد
٧٩ - (٥٦٨) - قوله: (ينشد ضالة) الخ: قال أهل اللغة: يقال: نشدت الدابة: إذا طلبتها
وأنشدتها إذا عرفتها. ورواية هذا الحديث: ((ينشد ضالة)) بفتح الياء وضم الشين، من: نشدت:
إذا طلبت، ومثله قوله في الرواية الأخرى: ((إن رجلاً نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل
الأحمر؟ فقال النبي وَلاغير: لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له)).
قوله: (لا ردّها الله عليك) الخ: لقلة أدبك، حيث رفعت صوتك في المسجد، وشوشّت
على المصلين أو المعتكفين ذكرهم أو حضورهم، أو قالهم أو حالهم.
(١) قوله: ((أبا هريرة)) الحديث أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب في كراهية إنشاد الضالة في المسجد،
رقم (٤٧٣) والترمذي في جامعه، في كتاب البيوع، باب النهي عن البيع في المسجد، رقم (١٣٢١) وابن
ماجه في سننه، في كتاب المساجد والجماعات، باب النهي عنإنشاد الضوال في المسجد، رقم (٧٦٧)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب النهي عن إنشاد الضالة في المسجد والشراء والبيع، رقم
(١٤٠٨) وأحمد في مسنده (٢: ٣٤٩ و٤٢٠).

١٢٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَلَيْكَ. فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا)) .
١٢٦١ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْمُقْرِىءُ. حَدَّثَنَا حَيْوَةُ. قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا الأَسْوَدِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ. يَقُولُ: بِمِثْلِهِ.
١٢٦٢ - (٨٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا
الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ فِي
الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّ:
قوله: (فإن المساجد) الخ: تعليل للحكم، ويحتمل أن يكون من جملة المقول.
قوله: (لم تبن لهذا) الخ: أي لنشدان الضالة ونحوه، بل لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن
والوعظ، حتى كره مالك البحث العلمي، وجوزه أبو حنيفة وغيره لأنه مما يحتاج الناس إليه،
لأن المسجد مجمعهم. قاله ابن الملك.
قال ابن حجر: ويستثنى من ذلك عقد النكاح فيه، فإنه سنة للأمر به، رواه الترمذي.
قال ابن حجر: ولا بأس بإعطاء السائل فيه شيئاً، للحديث الصحيح: ((هل أحد منكم
أطعم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل، فوجدت كسرة خبز في يد
عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه)) وروى البيهقي: ((أنه ظللا أمر سليكاً الغطفاني بالصلاة يوم
الجمعة في حال الخطبة، ليراه الناس فيتصدقون عليه، وأنه أمرهم بالصدقة وهو على المنبر)).
قلت: لا دلالة في الحديث على أنه كان سائلاً، وإنما الكلام فيه. وقد قال بعض
السلف: لا يحل إعطاؤه فيه لما في بعض الآثار: ((ينادى يوم القيامة ليقم بغيض الله، فيقوم
سُؤال المسجد)).
وفصل بعضهم بين من يؤذي الناس بالمرور ونحوه، فيكره إعطاؤه، لأنه إعانة له على
ممنوع، وبين من لا يؤذي، فيسن إعطاؤه لأن السؤال كانوا يسألون على عهد رسول الله وَّل في
المسجد، حتى يروي أن علياً كرم الله وجهه تصدق بخاتمه، وهو في الركوع، فمدحه الله بقوله:
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَّكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] وفيه أنه ليس في الحديث ولا الآية: أن إعطاء عليّ كان
في المسجد، والظاهر أن الخلاف خلاف عصر وزمان لا اختلاف السائلين، والله أعلم، كذا في
المرقاة .
٨٠ - (٥٦٩) - قوله: (من دعا إلى الجمل الأحمر) الخ: أي: الذي ضلّ خارج المسجد.
(١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخره ابن ماجه في سننه، في كتاب المساجد والجماعات، باب النهي عن إنشاد
الضوال في المسجد، رقم (٧٦٥) وأحمد في مسنده (٥: ٣٦٠ و٣٦١).