Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب: الصلاة
القرآن، قال: ((كان رسول الله ﴿ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فأنزل الله
عز وجل: ﴿لَا تُحرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (ثَ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾ [سورة القيامة، آية: ١٦ و١٧] قال
جمعه لك صدرك، وتقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، قال: فاستمع له وأنصت، فكان
رسول الله ﴿ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبيّ وَل﴿ كما قرأ)) أخرجه
الشيخان. فعلم من نهي الله تعالى نبيه وَّط﴿ من تحريك الشفتين بالقراءة مع جبريل، وأمره إياه
باتباعها: أن اتباع قراءة القرآن إنما هو الاستماع والإنصات لا غير، فقوله وَّيقول: ((إنما جعل
الإمام ليؤتم به)) أدل دليل على صحة مضمون هذه الزيادة (وإذا قرأ فأنصتوا).
قال الحافظ ابن تيمية كثَّهُ: ((وهي زيادة من الثقة لا تخالف المزيد، بل توافق معناه، فإن
الإنصات إلى قراءة القارىء من تمام الائتمام به)) اهـ.
قلت: وقد قدمنا أن في إنصات المقتدي للإمام ملحظين: أحدهما: كون المقتدي مستمعاً
لقراءة إمامه، والثاني: كون الإمام ترجماناً لهم وكافياً عنهم في القراءة. ففي الملحظ الأول ورد
ظاهر حديث الزهري، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة، عند مالك وغيره ((أن
رسول الله * انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معني أحد منكم آنفاً؟ فقال
رجل: نعم، يا رسول الله، قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن ؟! قال: فانتهى الناس عن
القراءة مع رسول الله وَّر فيما جهر فيه النبيّ وَيهر بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من
رسول الله (َّلير)) اهـ. لفظه لأبي داود، قال أبو حاتم في ابن أكيمة: صحيح الحديث، حديثه
مقبول. وهكذا وثقه ابن حبان في صحيحه، كذا في الجوهر النقي.
قال الشافعية: إن ((فانتهى الناس)) إلى آخره قول الزهري، وليس قول أبي هريرة، عن أبي
هريرة ((فانتهى الناس)) لم يبلغ صوته بعض تلامذته، فلم يسمع، وسأل عن الآخر: ما قال
الزهري؟ قال: قال الزهري: ((فانتهى الناس عن القراءة)) فزعمه المحدثون أنه قول الزهري من
جانبه .
والدليل على هذا ما في أبي داود: قال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري، قال
أبو هريرة: ((فانتهى الناس)) إلخ: وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان: وتكلم
الزهري بكلمة لم أسمعها، فقال معمر: إنه قال: ((فانتهى الناس عن القراءة» إلخ. ونظائر هذا
عندي كثيرة. كذا في العرف الشذي.
وقال الحافظ ابن تيمية: ((وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو أدل الدلائل على أن
الصحابة لم يكونوا يقرؤون في الجهر مع النبيّ وَّر ، فإن الزهري من أعلم أهل زمانه بالسنة،
وقراءة الصحابة خلف النبيّ وَّو إذا كانت مشروعة واجبة أو مستحبة تكون من الأحكام العامة
التي يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فيكون الزهري من أعلم الناس، فلو لم يبينها

٢٦٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لم يكونوا يقرؤون خلف
لاستدل بذلك على انتفائها، فكيف إذا قطع الزهري بأن الصحابة
النبيّ وَّر في الجهر)) اهـ.
وقال الفاضل السنبهلي في حاشية مسند الإمام الأعظم: ((وهذا الحديث وإن كان بظاهره
يوافق مذهب مالك، لكنه يؤيدنا بعد النظر الممعن، لأن منشأ المنع والاستكراه هو المنازعة
والمجاذبة، وهو يتصور في السرية أيضاً إذا كان بقرب الإمام ممن يليه، فإن الصوت السري
یسمع عند القرب والدنو) اهـ.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي كثّفُ تعالى: ((إن العامة متى أرادوا أن يصححوا الحروف
بأجمعهم كانت لهم لجبة مشوشة))، اهـ. لا سيما إذا كان صوت الإمام خفياً غير قاهر
لأصواتهم، فعند عموم العلة یعم الحكم.
وأما تخصيص الصلاة بالجهرية في الحديث فلا مفهوم له عندنا، لعدم قولنا بمفهوم
المخالفة، ولأن القائلين به أيضاً شرطوا فيه أن لا يكون ذلك موقع قياس، أو مفهوم موافقة، أي
دلالة نص، وهذا مفقود ههنا، فاحتجاجنا إنما هو بقوله وفر: ((ما لي أنازع القرآن)) لا بما ورد
في الحديث: ((فانتهى الناس عن القراءة» إلخ سواء كان من قول ابن شهاب أو من قول أبي
هريرة .
وقد يقال من قبل الحنفية: إن معنى منازعتهم له أن لا يفردوه بالقراءة، ويقرؤوا معه، على
ما نقله الزرقاني في شرح الموطأ عن أبي الوليد الباجي، كما قاله بعض المصنفين، وهذا المعنى
صادق على المقتدي في الصلاة السرية أيضاً، فإنه لا يفرد الإمام في القراءة، بل يقرأ معه، وهو
معنى التنازع انتهى.
قال الفاضل السنبهلي في حاشية مسند الإمام الأعظم: ((لا يقال المنازعة على التقرير
الأول لا يتصور إذا كان المقتدي بعيداً عن الإمام في السرية، فإنه لا منازعة هناك ظاهراً،
والحكم عندكم سواء في القرب والبعد، لأنا نقول ذلك بحكم طرد العلة، وتوسيع الدائرة،
وعدم النظر إلى خصوص الموارد طرداً للباب، كما هو شاكلة الشرع في عامة الأحكام الشرعية،
كما منعهم عن القراءة في الجهرية إذا كان بعيداً أيضاً، مع أنه لا منازعة هناك إذا كان البعد بعيداً
بحيث لا يسمع أحدهما صوت الآخر أصلاً)) اهـ.
قلت: قد جاء حديث أبي هريرة بلفظ: ((المنازعة))، وجاء حديث عبادة في السنن بلفظ
(المنازعة)) تارة، وبلفظ: ((الالتباس)) أخرى، وحديث ابن مسعود بلفظ: ((الخلط))، وحديث
عمران بن حصين بلفظ: ((المخالجة))، وهذه الألفاظ كلها متقاربة المراد، وظني أن قراءة
المقتدي لما صارت ممنوعة بآية الأعراف (أي: آية الاستماع والإنصات) وهي مكية، وبحديث

٢٦٣
كتاب: الصلاة
الإنصات الذي هو كالمبين لنص الكتاب، ثم ارتكبها بعض القوم خصوصاً في الجهرية كما في
حديثي أبي هريرة وعبادة: فكان ارتكاب هذا المنهي نفسه سبباً ومنشأ لمنازعة القرآن ومخالجته
والالتباس والتخليط على النبيّ وَلّر بتأثير خفي، وعلاقة معنوية لا مدخل فيها لمصادمة الأصوات
وتجاذبها، ونظيره ما وقع عند النسائي في باب القراءة في الصبح بالروم عن رجل من أصحاب
النبيّ وَّر عن النبيّ ◌َّر («أنه صلى صلاة الصبح وقرأ الروم، فالتبس عليه، فلما صلى قال: ما
بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور، فإنما يلبس علينا القرآن أولئك)). فإذا كان عدم
إحسان بعض القوم في الطهور موجباً للبس القرآن عليه ون تر: فعدم الإنصات والاستماع في
الصلاة أولى وأحق بأن يكون سبباً للتلبيس والتخليط والمنازعة والمخالجة، وهذه أمور لا شبهة
في أنه ينبغي أن ينهى عنها، وعما يوجبها، أو يفضي إليها في الأغلب، وهذا لا يتصور إلا بنهي
المأموم عن القراءة وراء الإمام، فقوله بَّر في حديث أبي هريرة - وهو في الجهرية - : إني أقول
ما لي أنازع القرآن)) وقوله وَّر في حديث عمران بن حصين - وهو في السرية -: ((قد ظننت أن
بعضكم خالجنيها)) أبلغ في النهي عندي من قوله: ((لا تقرؤوا)) لو كان ورد، - والله سبحانه
وتعالى أعلم بالصواب - .
وفي الملحظ الثاني للإنصات قد ورد حديث عبد الله بن شداد مرسلاً، ومسنداً عن جابر،
وهو حديث: ((من كان له أمام فقراءة الإمام له قراءة)).
وفي بعض رواياته من طريق الإمام أبي حنيفة تغلُّ عند ابن عدي، والحاكم، كما نقله ابن
الهمام في فتح القدير بإسناده: ((أن النبيّ وَّه صلى ورجل خلفه يقرأ، فجعل رجل من أصحاب
النبيّ وَّه ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلما انصرف أقبل عليه الرجل وقال: أتنهاني عن القراءة
خلف رسول الله وَّر؟ فتنازعا حتى ذكر ذلك للنبيّ وَّر، فقال وَّ: من صلى خلف إمام فإن
قراءة الإمام له قراءة)» .
وفي رواية لأبي حنيفة: أن ذلك كان في الظهر أو العصر.
قال ابن الهمام: ((وهذا يفيد أن أصل الحديث هذا، غير أن جابراً روى عنه محل الحكم
فقط تارة، والمجموع تارة، ويتضمن رد القراءة خلف الإمام، لأنه خرج تأييداً لنهي ذلك
الصحابي عنها مطلقاً في السرية والجهرية خصوصاً في رواية أبي حنيفة له أن القصة كانت في
الظهر والعصر لا إباحة فعلها وتركها)) اهـ.
وقال بعض علمائنا: إن هذا الحديث دليل على كفاية قراءة الإمام وإجزائها لا الحجر عن
قراءة المقتدي.
قلت: مدلول الحديث الصريح وحدة قراءة الإمام والمأموم، لا الكفاية والإجزاء، فقد
اعتبر الشارع المأمومين قارئين بقراءة الإمام، فواجب القراءة كما يتأدى عن الإمام بقراءته كذلك

٢٦٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يتأدى عن المأمومين بنفس قراءة الإمام، وحينئذ فلو قرأ المأموم لكان له قراءتان في صلاة
واحدة، وهو غير مشروع، والأمور الشرعية المحدودة المعتبرة من حيث المادة والصورة لا
يكفي فيها الإباحة العامة الأصلية، والإجازة المرسلة.
وأما الاحتجاج بحديث عبادة ونحوه فسنذكر الجواب عنه، وتأمل في شأن جماعة وفدوا
على ملك، وكان مطلوبهم وغرضهم واحداً، فشرع قائدهم في التكلم مع الملك في ذلك الغرض
فشرع كل واحد واحد منهم يتكلم معه في آن واحد، فقيل من قبل الملك: إن قائدکم یکفیکم،
وخطابه خطابكم، وكلامه كلامكم، أليس هذا عند أولى النهي نهياً عن تكلم الجميع وأمراً
بالاكتفاء بخطاب القائد ونيابته عنهم؟! هذا أمر واضح لا شك فيه، فهكذا قوله وَلير: ((من كان
له إمام فقراءة الإمام له قراءة)» إنما سيق في مقام يبتغي فيه انكفاف القوم عن القراءة، واكتفائهم
بقراءة إمامهم، لا مجرد إسقاط القراءة عن المقتدي، وجعله مخيراً فيها فعلاً وتركاً . - والله
سبحانه وتعالى أعلم . .
ثم البيهقي حمل هذا الحديث ونظائره على ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام، وعلى قراءة
السورة دون الفاتحة، وهذا تخصيص بلا مخصص، وبعيد عن مضمون الحديث بمراحل، وناء
عن المقصود بمنازل، لا تعلق له بألفاظه، ولا إشارة فيها إليه أصلاً، كيف! والواقعة واقعة
صلاة الظهر والعصر على ما يشهد به رواية الإمام، فما معنى لجهر شخص فيهما بالقراءة خلف
رسول الله وَ﴾؟ ولا يقرأ الإمام فيهما جهراً، ولا سائر المقتدين.
وأما ما عند الدارقطني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ولو القوم كانوا يقرؤون
القرآن ويجهرون به: ((خلطتم عليّ القرآن)) ومثله في كتاب القراءة للبيهقي، وجزء القراءة
للبخاري، فهل فيه شيء أزيد على أن الجهر كان سبب العلم بها وسبب الاطلاع؟ لا أنه هو
مورد الإنكار بقوله: ((خلطتم عليّ القرآن)) والجهر قد يطلق ولا يراد به رفع الصوت، بل يراد به
الإظهار مطلقاً، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِأَلِشُوْءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلٍِّ﴾ [سورة
النساء، آية: ١٤٨] (راجع روح المعاني وغيره) وفي مراتب السر الفقهي أيضاً يوجد الإظهار في
الجملة، فلعل المراد بالجهر في حديث عبد الله القراءة بحيث يسمع ويطلع عليها بعض من يليه،
مع أن لفظ الحديث عند الأكثر: ((كانوا يقرؤون خلف النبيّ وَّر)) بدون ذكر الجهر. وفي كنز
العمال (٤: ٢٠٥) ((فاستنكر القوم رفع صوته)) أي حين دخل رجل في الصف، فقال: الله أكبر
كبيراً اهـ. فعلم أنهم (أي الصحابة) لم يكونوا يعرفون رفع الصوت.
وأما(١) في حديث عبادة وأنس ورجل من أصحاب النبيّ وَّر وأبي هريرة فالسؤال قد وقع
(١) لعل كلمة ((ما)) ساقطة بعد قوله: ((أما)).

٢٦٥
كتاب: الصلاة
عن أصل القراءة، فلم يقل فيها: لعلكم تجهرون خلف إمامكم، ولم يقل حين الإرشاد: لا
تجهروا على الإمام. إنما ورد الإنكار فيها على المنازعة، وليس مساوقاً للجهر، وهكذا في
حديث عمران بن حصين ((أن النبيّ وَّ ه صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه: سبح اسم ربك
الأعلى، فلما انصرف قال: أيكم قرأ؟ أو أيكم القارىء؟ فقال الرجل: أنا، فقال: لقد ظننت أن
بعضكم خالجنيها))، أي نازعينها فلم يصرح فيه بالجهر، والسؤال أيضاً قد وقع بعنوان القراءة لا
الجهر، والمخالجة لا يجب أن يكون سببها الجهر كما مرّ منا تحقيقه. وأيضاً تخصيص الذكر
(بسبح اسم)) اتفاقي واقعي لا مدخل له في إيراث المخالجة، والمثير للسؤال ومحط الاستنكار
ومورده ليس قراءة سورة دون سورة، فقراءة ((سبح اسم)) و((الغاشية)) و((الفجر)) و((الفاتحة)) كلها
سواء .
هذا؛ ولنرجع إلى التكلم على حديث: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)) إسناداً بعد
ما تكلمنا عليه متناً، فنقول: قد أخرجه أحمد بن منيع في مسنده بسند على شرط الشيخين، كما
نقله الشيخ ابن الهمام، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، ثنا سفيان، وشريك، عن موسى بن أبي
عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَلقر: ((من كان له إمام
فقراءة الإمام له قراءة)) ثم نقله عن مسند عبد بن حميد من طريق الحسن بن صالح عن أبي الزبير
عن جابر.
قال ابن قدامة: ((قد رواه الإمام أحمد، ثناأسود بن عامر، ثنا الحسن بن صالح، عن أبي
الزبير عن جابر عن النبيّ وَّه، وهذا إسناد صحيح متصل، رجاله كلهم ثقات، الأسود بن عامر
روى له البخاري، والحسن بن صالح أدرك أبا الزبير ولد قبل وفاته بنيف وعشرين سنة)) انتهى
کلا مه .
وأما ما في بعض نسخ ابن ماجة عن الحسن بن صالح عن جابر (الجعفي) عن أبي الزبير،
فلعله من المزيد في متصل الأسانيد.
وبالجملة فالاعتماد على الطريقة الأولى، وبها أخرجه الإمام محمد بن الحسن عن الإمام
الأعظم أبي حنيفة في موطأه، وكتاب الآثار، والطحاوي من طريق ابن وهب عن الليث بن
سعد، عن أبي يوسف كثُّ ، ورجا البيهقي في كتابه صحته، ثم أوله بما لا يجدى.
ولا يلتفت إلى جرح الدارقطني أو ابن عدي في حق الإمام الهمام أبي حنيفة نظر ته ، وقد
وثقه إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأثنى عليه جماعة من الأئمة كما
في آثار السنن، مع أن جرحهما مبهم، والجرح المبهم لا يقبل في حق من ثبت عدالته، كما
حقق في مقدمة هذا الشرح، على أن الجرح المفسر، أيضاً لا يقبل ببعض الأحيان في حق
الأعيان، قال العلامة التاج السبكي في الطبقات الكبرى: ((قد عرفناك أن الجارح لا يقبل منه

٢٦٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الجرح، وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه، ومادحوه على ذاميه، ومزكوه على
جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة فيه من تعصب مذهبي،
أو منافسة دنيوية كما بين النظراء وغير ذلك، وحينئذ فلا يلتفت لكلام الثوري وغيره في أبي
حنيفة، وابن أبي ذئب وغيره في مالك، وابن معين في الشافعي، والنسائي في أحمد بن صالح،
ونحوه، ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه
طاعنون وهلك فیه هالکون) اهـ.
قال الشيخ بدر الدين العيني بعد نقل ثناء الأئمة على أبي حنيفة: ((وقد ظهر لك من هذا
تحامل الدار قطني عليه، وتعصبه الفاسد، وليس له مقدار بالنسبة إلى هؤلاء حتى يتكلم في إمام
متقدم على هؤلاء في الدين والتقوى والعلم، وبتضعيفه إياه يستحق هو التضعيف، أفلا يرضى
بسكوت أصحابه عنه؟ وقد روى في سننه أحاديث سقيمة ومنكرة ومعلولة وغريبة وموضوعة،
ولقد روى أحاديث ضعيفة في كتابه ((الجهر بالبسملة)) واحتج بها مع علمه بذلك حتى أن بعضهم
استحلفه علی ذلك، فقال: ليس فيه حديث صحيح) اهـ.
قلت: وقد أشبعنا الكلام في ترجمة الإمام أبي حنيفة في مقدمة هذا الشرح، وهذا البحث
کله بناء على رواية الحدیث مسنداً عن جابر، ولو کان مرسلاً عن عبد الله بن شداد - کما رواه
الأكثرون - فهو أيضاً حجة، فإن عبد الله بن شداد من صغار الصحابة له رؤية، وليس له سماع
كما في الفتح وغيره.
قال الحافظ ابن تيمية: ((وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير
أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومرسله من أكابر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفق
الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل)) اهـ.
ويقوي الظن بصحة روايته مسنداً عن جابر كون جابر الراوي لها قد أفتى بمقتضاه، فقد
روى مالك بإسناد صحيح عن وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ((من صلى ركعة
لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام)) وعن عبد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله بن
عمر، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، فقالوا: ((لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات))
رواه الطحاوي، وإسناده صحيح، وفتوى زيد بن ثابت موجود في صحيح مسلم أيضاً في باب
سجود التلاوة، ويوافقهم فتاوى ابن مسعود، وابن عباس، وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم.
روي عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: ((أنصت للقراءة، فإن في الصلاة شغلاً، وسيكفيك
ذلك الإمام)).
وعن أبي جمرة قال: ((قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين يديّ؟ فقال: لا)).

٢٦٧
كتاب: الصلاة
وعن كثير بن مرة عن أبي الدرداء قال: ((قام رجل، فقال: يا رسول الله، أفي كل صلاة
قرآن؟ قال: نعم، فقال رجل من القوم: وجب هذا، فقال أبو الدرداء: يا كثير - وأنا إلى جنبه -
لا أرى الإمام إذا أمّ القوم إلا قد كفاهم)) رواه الدارقطني والطحاوي وأحمد بإسناد حسن.
هذا، وكالبديهي من حكم الشريعة بإدراك الركعة لمدرك الركوع فإذا كان الصحابة شاهدوا
إدراكها بلحوق المصلين شيئاً فشيئاً إلى إدراك الركوع ما كان لهم أن يترددوا في عدم وجوب
القراءة على المقتدي، ولا يتردد فيه إلا من ألغى البداهة واقتصر على اللفظ، ولا يعلم من
الصحابة من يقول: إن مدرك الركوع بدون القراءة لا يدرك الركعة، ففي الفتح من أواخر الوتر:
وروى محمد بن نصر من طريق أخرى عن حميد عن أنس ((أن أول من جعل القنوت قبل الركوع
- أي دائماً - عثمان، لكي يدرك الناس الركعة)) اهـ. وفيه حديث مرفوع، قال الحافظ في
المطالب العالية: ((قال مسدد: حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني عبد العزيز بن رفيع، عن شيخ
من الأنصار، قال: ((إن رجلاً دخل المسجد، فسمع رسول الله وَل خفق نعليه، فلما سلم قال:
كيف أدركتنا؟ قال: سجوداً، فسجدت، قال: كذلك فافعل، ولا تعتدّوا بالسجدة ما لم تدركوا
الركعة، فإذا رأيتم الإمام قائماً فقوموا، وراكعاً فاركعوا، وساجداً فاسجدوا، وجالساً
فاجلسوا))، صحيح . اهـ. وهو عند آخرين أيضاً، وإنما نقلته عن المطالب لتصحيحه إياه، وما
قاله البيهقي في المعرفة: إنه مرسل، فإنه يريد ما لم يسم صحابيّه، واعتبر مثل هذا الحديث من
الأحاديث، فلا ترى هناك أمراً للمسبوق بالقراءة، وإنما بسرد الأفعال، وذلك لأن القراءة ليست
عليه .
وفي حديث مرفوع عند أبي داود عن أبي قتادة قال: ((وكان يطول في الركعة الأولى ما لا
يطول في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الغداة، قال: فظننا أنه يريد بذلك
أن تُدرك الركعة الأولى) اهـ.
وعنده عن عبد الله بن أبي أوفى ((أن النبيّ وَّ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة
الظهر، حتى لا يسمع وقع قدم)) اهـ والرجل المبهم فيه هو طرفة الحضرمي، وذكره ابن حبان في
الثقات، كما في اللسان، ونحو من ذلك عند أحمد عن أبي مالك الأشعري، ذكره في المنتقى
من باب موقف الصبيان والنساء من الرجال، وفي شرح الموطأ للزرقاني.
وأفاد الحافظ برهان الدين أن التحويل وقع في ركوع الثالثة، فجعلت كلها ركعة للكعبة،
مع أن قيامها وقراءتها وابتداء ركوعها للقدس، لأنه لا اعتداد بالركعة إلا بعد الرفع من الركوع،
ولذا يدركها المسبوق قبله، كذا في فصل الخطاب.
وأخرج ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن
يقيم الإمام صلبه)) قال الشوكاني: ((وهو أنهض ما احتج به الجمهور في هذه المسألة)) اهـ.

٢٦٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال الحافظ ابن تيمية: ((وأيضاً فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِعِينَ
(١)﴾ [سورة البقرة، آية: ٤٣] إما أن يراد به المقارنة بالفعل، وهى الصلاة جماعة، وإما أن يراد به
ما يراد بقوله: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [سورة التوبة، آية: ١١٩] فإن أريد الثاني فلم يكن فرق بين
قوله: صلوا مع المصلين وصوموا مع الصائمين واركعوا مع الراكعين، والسياق يدل على
اختصاص الركوع بذلك. فإن قيل: فالصلاة كلها تفعل مع الجماعة، قيل: خص الركوع بالذكر،
لأنه تدرك به الصلاة، فمن أردك الركعة فقد أدرك السجدة فأمن بما يدرك به الركعة، كما قال
لمريم: ﴿أَقْنُقِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ [سورة آل عمران، آية: ٤٣] فإنه لو قيل: اقنتي مع
القانتين: لدل على وجوب إدراك القنوت، ولو قيل: اسجدي لم يدل على وجوب إدراك
الركوع، بخلاف قوله: ﴿وَأَزَّكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾، فإنه يدل على الأمر بإدراك الركوع وما بعده دون
ما قبله، وهو المطلوب)) اهـ.
نعم! ذهب أبو هريرة إلى أنه لا بد أن يدرك المسبوق الإمام قبل شروعه في الانحناء، وإن
لم يدرك القراءة، وذلك أن الركوع في اللغة الانحناء نفسه، وأما البقاء منحنياً فحالة بقائه، كما
يطلق القيام على الانتقال من القعود إليه، ثم بعده حالة بقائه، كذلك الركوع هو الانتقال من
القيام إلى الانحناء، فاشترط بعضهم أن يدركه قبل الانحناء لهذا، لا للقراءة.
وروى ابن ماجة عن ابن عباس ((أنه لما مرض النبيّ وَطار .... )) فذكر حديث صلاة أبي
بكر بالناس، ومجيء رسول الله وَّه إليهم، وفيه: ((فكان أبو بكر يأتمّ بالنبيّ وَلّ والناس يأتمون
بأبي بكر)) قال ابن عباس: وأخذ رسول الله وَّر في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر. قال
وكيع: وكذا السنة. قال: فمات رسول الله وَل﴾ في مرضه ذلك. قال الحافظ: إسناده حسن،
وكانت الصلاة صلاة الظهر، ولعله وَّلو سمع لما قرب من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها
خاصة، وقد كان هو رَله يسمع الآية أحياناً في الصلاة السرية.
وبالجملة فقد تحصل مما ذكرنا من نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة واعتبار العقل أن
وظيفة المقتدي ليست إلا الإنصات، ومع كونه منصتاً قد اعتبره الشارع قارئاً بقراءة إمامه، وأن
قراءة المقتدي في الجهرية أو السرية تورث مخالجة ومنازعة للإمام، ولهذا كره الإمام أبو
حنيفة كَّهُ قراءته في جميع الصلوات، لا سيما في الجهرية.
الجواب عن الروايات المثبتة للقراءة خلف الإمام
وأما المثبتون لقراءته، فقال شيخنا المحمود - قدس الله روحه - : ((إنهم تمسكوا بأحاديث
صحيحة غير صريحة في حق المقتدي، أو صريحة غير صحيحة، فأصح ما احتجوا به حديث
عبادة في الصحيحين أن النبيّ وَّر قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) فلفظ ((صلاة))
ولفظة ((من)) عام لكل صلاة ولكل مصل، فيدخل فيه المقتدي أيضاً.

٢٦٩
كتاب: الصلاة
قال النيموي: ((وفي الاستدلال بهذه الأحاديث نظر، قال الترمذي: ((قال أحمد بن حنبل:
معنى قول النبيّ وَّر: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) إذا كان وحده)). وقال أبو داود:
((قال سفيان: لمن يصلي وحده)). والأولى أن يقال: إن هذا الحكم لمن كان ضامناً للصلاة
ومتكفلاً لها إماماً كان أو منفرداً، فإن تعبير أحمد وسفيان كان موهماً لاختصاصه بالمنفرد،
ويؤيد ما قلناه من التخصيص ما رواه مسلم وغيره من طريق معمر، عن الزهري، في آخر
الحديث لفظ ((فصاعداً)) كما مر)) اهـ.
قلت: نصوص الإنصات وقوله وخلفي: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)) عامة في حق
القراءة فاتحة كانت أو غيرها، وخاصة في حق المقتدي، وحديث عبادة بالعكس:
فإما أن يخصص حديث عبادة بحديث الإنصات وغيره بمن كان ضامناً للصلاة، وهو
الإمام، أو المنفرد.
وأما زيادة ((خلف الإمام)) في الحديث كما أخرجه البيهقي في كتاب القراءة من طريق
عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري: فهي شاذة لا يتابع عليها، ويدل عليه الحديث الذي
. أخرجه الشيخان، وكذلك سائر طرق حديث عبادة. وقد ادعى الشيخ الأنور في ((فصل الخطاب))
أن هذه الزيادة مدرجة، ولو حلف أحد بإدراجها لكان بارّاً وما حنث. قال: ((وروى الحديث
سفيان بن عيينة عن الزهري، وابن وهب عن يونس عنه، وصالح عنه عند مسلم، ومعمر عنه
عنده، وعند غيره، ومالك الإمام وقرة بن عبد الرحمن وعقيل وعبد الرحمن بن إسحاق المدني
والأوزاعي وشعيب بن أبي حمزة عند البيهقي في كتابه، وموسى بن عقبة عند الطبراني في
الصغير (ص ٤٢) والليث بن سعد في خلق أفعال العباد، ولكنه في جزء القراءة عن يونس عنه،
ثم له طرق عن عبادة من غير طريق الزهري، ثم عن جماعة من الصحابة غيره، ولا أثر في شيء
من الطرق لهذه الزيادة، وليست عن عثمان بن عمر أيضاً في كتابه (ص ١٠) ومسند الدارمي
(ص ١٤٦) ومصحح هذه الزيادة يحتاج أن يقول: إن الحديث كانت عنده الترجمة، والإسناد كله
بلفظين، فأودعوا عند بعض كذا، وعند بعض كذا، أو في مرة كذا وفي مرة كذا، أو سقطت عند
العدد، وبقيت عند واحد، وكل هذا لا يقبل)) اهـ.
وإما أن نعمم القراءة في حديث عبادة، ونريد منها القراءة التي اعتبرها الشرع قراءة حسيّة
كانت أم لا، فنقول: لا صلاة لمن لم يقرأ إلا أن المقتدي قارىء أيضاً بقراءة إمامه، فلم تكن
صلاته خالية عن القراءة الشرعية، وإن كانت خالية عن القراءة الحسية، - والله أعلم(١) - .
(١) كما قال العلماء في حديث السترة: فإنه قال ◌َ له: ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد
فلينصب عصاً، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطاً، ولا يضره ما مر بين يديه)) رواه أحمد وأبو داود وابن =

٢٧٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال الشيخ ابن الهمام في التحرير: ((لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب)) عام في المصلين،
خاص في المقروء، ((ومن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)»: خاص بالمقتدي، عام في
المقروء، فإن خص عموم المصلين بالمقتدي عن وجوب الفاتحة عليه وجب أن يخصص
خصوص المقروء - وهو الفاتحة - عموم المقروء المنفي عن المقتدي، فيجب عليه الفاتحة،
فيتدافعان - أي الدليلان المذكوران - في المقتدي لإيجاب الأول قراءة الفاتحة عليه، والثاني نفي
قراءتها عليه، فالوجه في هذا أن لا تعارض، إذ لم ينف الدليل الثاني قراءتها على المقتدين، بل
أثبت أن قراءة الإمام جعلت شرعاً قراءة له، أي المقتدي)) كذا في شرح التحرير.
وأصرح ما احتجوا به وأشهره ما رواه الترمذي وغيره من أصحاب السنن عن عبادة قال:
(كنا خلف رسول الله ◌َّله في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله بَله، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ
قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، هذا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة
الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)).
قال الحافظ ابن تيمية كثّفُ: ((وهذا الحديث معلل عن أئمة أهل الحديث كأحمد وغيره من
الأئمة. وقد بسط الكلام على ضعفه في غير هذا الموضع، وبين أن الحديث الصحيح قول
رسول الله : ((لا صلاة إلا بأم القرآن)) فهذا هو الذي أخرجاه في الصحيح، رواه الزهري عن
محمود بن الربيع عن عبادة.
وأما الحديث (أي حديث السنن) فغلط فيه بعض الشاميين، وأصله أن عبادة كان يوماً في
بيت المقدس، فقال هذا، فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة، - والله أعلم - .
قال الشيخ الأنور: ((ويمكن في وجه الإعلال في حديث عبادة بأنه روي عنه ثلاثة
مضامين :
أحدها: أنه قرأ بنفسه، فسأله سائل: لم قرأت خلف الإمام؟ فتمسك بعموم حديث ((لا
صلاة لمن لم .... إلخ))، وما احتج بالقصة، وليس فيه ذكر القصة الواقعة في عهده ظلّل، وهذا
قوي سنداً .
والثاني: ما بين أيدينا من حديث الباب.
والثالث: قوله : ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) ولا قصة فيه أصلاً، وهذا أيضاً
ماجه، فإذا صلى جماعة مع الإمام في الفضاء، فلم يقل أحد من العلماء فيما نعلم أن كل واحد واحد من
الجماعة يجعل تلقاء وجهه شيئاً، بل العلماء بأجمعهم قائلون بأن سترة الإمام يكفي للقوم، والسترة التي بين
يدي الإمام تعتبر بين يدي كل واحد واحد من القوم شرعاً، وليس أمامه شيء حساً، مع أن الأمر بالسترة
عام لكل من صلى. من المؤلف رحمه الله.

٢٧١
كتاب: الصلاة
صحيح، والحديث الأول مروي عن نافع بن محمود، والحديث الثالث روي عن محمود بن
الربيع، وأخطأ مكحول في الجمع بين ما عنده عن نافع، وما عنده عن محمود، وتفرد مكحول
في ذكر القصة والحديث القولي، فالعلة هذا» اهـ.
وادعى ابن التركماني الاضطراب في إسناده:
فقد رواه مكحول مرة عن عبادة بن الصامت مرسلاً، وأخرى عن نافع بن محمود عن
عبادة، وتارة عن محمود عن عبادة، وآونة عن محمود عن أبي نعيم أنه سمع عبادة بن الصامت،
ومع ذلك قد تفرد بذكر محمود بن الربيع عن عبادة في طريق مكحول محمد بن إسحاق.
وأما ما رواه أبو داود والنسائي من طريق نافع بن محمود بن الربيع، وفيه قصة عبادة
موقوفاً مع حديثه مرفوعاً، فنافع بن محمود مستور، كما ذكره الحافظ في التقريب، وأبو عمر بن
عبد البر، والطحاوي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: إن حديثه معلل، كما في الميزان.
وحديث عبادة بن الصامت في التباس القراءة قد روي بوجوه ضعّفها النيموي تغذّثُمُ وتعقب
عليه بعضهم، ولئن سلمنا صحته فنقول: ((إن هذا الحديث يدل على وجوب قراءة الفاتحة على
المأمومين، وإن جهر بها الإمام لأن الواقعة واقعة الصبح، وكذلك يدل على أنه لا بأس بقراءتهم
مع قراءة الإمام وبمنازعة القرآن عند قراءة الفاتحة، فيعارض بما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ
اٌلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وبما أخرجه مسلم وغيره من حديث: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) وبما رواه
أبو هريرة من حديث المنازعة، فعند التعارض يرجح النص، وما هو أصح في الباب من
الأخبار))، اهـ. مع كونه مذهب عامة الصحابة وجمهور أهل العلم من عدم إيجاب القراءة خلف
الإمام في الجهرية كما قدمناه نقلاً عن الإمام أحمد.
وقد تصدى الشيخ الأنور في فصل الخطاب لتوجيه حديث عبادة، وأطال فيه، وفصّله
تفصيلاً لا يسعنا تلخيصه في هذا الشرح، من شاء فليراجعه.
وأما القراءة عند سكتات الإمام أو عند سكتة طويلة له فلم يثبت بدليل صحيح، ومع ذلك
سياق حديث عبادة يخالف ذلك الأمر.
قال الحافظ ابن تيمية كلّفُ: ((وأيضاً فلو كانت القراءة في الجهرية واجبة على المأموم لزم
أحد أمرين: إما أن يقرأ مع الإمام وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ، ولم نعلم
نزاعاً بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت ليقرأ المأموم بالفاتحة ولا غيرها، وقراءته
معه منهى عنها بالكتاب والسنة، فثبت أنه لا يجب عليه القراءة معه، بل نقول: لو كانت قراءة
المأموم في حال الجهر مستحبة لاستحبّ للإمام أن يسكب ليقرأ المأموم، ولا يستحبّ للإمام
السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل
وغيرهم، وحجتهم في ذلك أن النبي وَلّه لم يكن يسكت ليقرأ المأمون، ولا نقل أحد هذا عنه

٢٧٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بل ثبت عنه في الصحيح سكوته بعد التكبير للاستفتاح، وفي السنن: ((أنه كان له سكتتان: سكتة
في أول القراءة وسكتة بعد القراءة)) وهي لطيفة للفصل، لا تتسع لقراءة الفاتحة، وقد روي أن
هذه السكتة كانت بعد الفاتحة، ولم يقل أحد منهم أنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات،
فمن نقل عن النبي ◌َّ﴿ ثلاث سكتات أو أربعاً فقد قال قولاً لم ينقله عنه أحد من المسلمين،
والسكتة التي عند قوله: (ولا الضالين)) من جنس السكتات التي عند رؤس الآي، ومثل هذا لا
يسمى سكوتاً، ولم ينقل أحد من العلماء أنه يقرأ في مثل هذا، وكان بعض من أدركنا من
أصحابنا يقرأ عقيب السكوت عند رؤس الآي، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال:
الحمد لله رب العالمين، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: إياك نعبد وإياك نستعين.
وهذا لم يقله أحد من العلماء.
وقد اختلف العلماء في سكوت الإمام على ثلاثة أقوال: فقيل: لا سكوت في الصلاة
بحال، وهو قول مالك، وقيل: فيها سكتة واحدة للاستفتاح، كقول أبي حنيفة، وقيل: فيها
سكتتان، وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما، لحديث سمرة بن جندب ((أن رسول الله وَلو كان
له سكتتان: سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع، فذكر ذلك
لعمران بن حصين فقال: كذب سمرة، فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أبي بن كعب، فقال:
صدق سمرة)) رواه أحمد - واللفظ له - وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن،
وفي رواية أبي داود: ((سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من غير المغضوب عليهم ولا الضالين))
وأحمد رجح الرواية الأولى، واستحب السكتة الثانية لأجل الفصل، ولم يستحب أحمد أن
يسكت الإمام لقراءة المأموم، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك، ومعلوم أن النبي وَل ◌ّ لو كان
يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل
هذا أحد علم أنه لم يكن، والسكتة الثانية في حديث سمرة نفاها عمران بن حصين، وذلك أنها
سكتة يسيرة لا يضبط مثلها، وقد روي أنها بعد الفاتحة، ومعلوم أنه لم يسكت إلا سكتتين،
فعلم أن إحداهما طويلة، والأخرى بكل حال لم تكن طويلة متسعة لقراءة الفاتحة، وأيضاً فلو
كانت الصحابة كلهم يقرؤون الفاتحة خلفه، إما في السكتة الأولى، وإما في الثانية لكان هذا مما
تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فكيف ولم ينقل أحد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في
السكتة الثانية يقرؤون الفاتحة، مع أن ذلك لو كان مشروعاً لكان الصحابة أحق الناس بعلمه،
فعلم أنه بدعة، وأيضاً فالمقصود بالجهر استماع المأمومين، ولهذا يؤمنون على قراءة الإمام في
الجهر دون السر، فإذا كانوا مشغولين عنه بالقراءة فقد أمر أن يقرأ على قوم لا يستمعون لقراءته،
وهو بمنزلة من يحدث من لا يستمع لحديثه، ويخطب من لا يستمع لخطبته، وهذا سفه تتنزه عنه
الشريعة)»، اهـ.

٢٧٣
كتاب: الصلاة
قال النيموي: ((وأما ما رواه الحاكم في المستدرك، وزعمه مستقيم الإسناد، عن عطاء عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَيقول: ((من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في
سكتاته)) الحديث: ففيه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، ضعّفه ابن معين،
والدارقطني، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، ومع ذلك اختلف في
إسناده، رواه مرة عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً كما هو عند الحاكم، ومرة عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً، كما هو عند الدارقطني فلا يحتج به)) اهـ.
واحتج الموجبون لقراءة المؤتم بما رواه البخاري في جزء القراءة عن أبي قلابة عن أنس
((أن رسول الله وَ لو صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: أتقرؤون في
صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل - أو قائلون - إنا
لنقرأ، قال: قلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه)) وأعله البيهقي بأن هذا الطريق
عير محفوظ، وروى محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ◌َّ قال: قال النبي وَلّ:
((أتقرؤون والإمام يقرأ - أو قال تقرؤون خلف الإمام والإمام يقرأ - قالوا: نعم، قال: فلا تفعلوا
إلا أن يقرأ أحدكم فاتحة الكتاب في نفسه)) رواه أحمد في مسنده، وقد تفرد بها خالد الحذاء،
وخالفه أيوب السختياني، فرواه عن أبي قلابة عن النبي وَ له مرسلاً، وقد أرسله خالد الحذاء
أيضاً عند أبي بكر بن أبي شيبة، قال الدارقطني في كتاب العلل: ((إن المرسل الصحيح)).
وبالجملة فهذه الأحاديث من حيث صحتها وقوة إسنادها لا تقاوم نصوص الكتاب والسنة
في الإنصات، وتوحد قراءة الإمام والمأموم وغيرها من أدلة ترك القراءة، ولئن سلمنا صحة هذه
الأحاديث (أي أحاديث أنس ورجل من الصحابة) فيحتمل أن يكون معنى قوله: وليقرأ أو إلا أن
يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه)): أن يقرأها حال كونه في نفسه أي وحده، لا في جماعة،
فهذا حكم المنفرد بعد بيان حكم المقتدي، وهو كما قال ابن عمر: ((إذا صلى أحدكم خلف
الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ)) رواه مالك في الموطأ، والاستثناء في
حديث رجل من الصحابة حينئذ منقطع بمعنى ((لكن)) كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِحَرَةٌ عَن ◌َرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ٢٩] وفي قوله تعالى:
﴿َّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴿ إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴿ فَعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [سورة الغاشية، آية: ٢٢ و٢٣
و ٢٤] وما ذكرنا من معنى قوله: ((في نفسه)) هو ما ذكره في روح المعاني وغيره، تحت قوله
تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [سورة النساء، آية: ٦٣] أي قل لهم خالياً ليس معهم
أحد، وقد جعل النبي ◌َّ﴾ الذكر في نفسه قسيماً للذكر في الملأ في حديث البخاري، والملأ:
الجماعة، وفي بعض الروايات (وضع الذكر خالياً موضع في نفسه)) كما في كنز العمال، فلما
نهى رسول الله * المقتدين عن القراءة وأمرهم بالإنصات كان هذا مظنة لشيء من انكسار

٢٧٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ
قلوبهم بسبب كونهم ممنوعين ظاهراً عن أشرف الذكر وأعلاه في أفضل أحوال المؤمن - أي
الصلاة - وحرمانهم عن قراءة القرآن حساً لا سيما فاتحة الكتاب التي هي أم القرآن ولا تجزىء
صلاة إلا بها، بل سماها صلاة في حديث أبي هريرة، وهي التي لم ينزل في التوراة، ولا في
الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان: مثلها، وهي عوض عن غيرها وليس غيرها منها
عوض، وإنها سبع من المثاني وأعظم سورة في القرآن، ولم يحفظ أنه كان في الإسلام صلاة
بغيرها، فناسب أن يعقب هذا النهي عن القراءة للمقتدي بأمر القراءة، لا سيما قراءة الفاتحة أو
إجازتها في حالة انفراده عن الجماعة تلافياً لما فاته ظاهراً، وجبراً لانكسار يعتريه لحرمانه عن
القراءة الحسية مع شدة حرص المؤمن فيها، كأنه قيل: لا تتحرجوا، فإن للذكر والقراءة التي
نهيتم عنها لكفاية الإمام مجالاً واسعاً وأوقاتاً كثيرة لا يضيق نطاقها فاشتغلوا بها، وهذا كما قال
النبي * للأئمة بعد ما أمرهم بتخفيف الصلاة: ((وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)) ولعل لهذه
الدقيقة عقب الله سبحانه وتعالى آية الاستماع والإنصات بقوله: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُعًا
﴾ [سورة الأعراف، آية: ٢٠٥]، أي
٢٠٥
وَخِيفَةُ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوّلِ بِالْغُدُرِّ وَاَلْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِّنَ الْغَفِلِينَ
اذكر ربك وحدك إذا كنت لا في جماعة، وهذا التفسير رأيته منقولاً عن ابن عباس به إلا أنه
من رواية الكلبي، والغرض أن لغة القرآن لا تأباه. وأما تفسيره بالذكر سرّاً فيغنى عنه قوله
تعالى: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ أي في كل حين، كما في روح المعاني.
قيل: ليس المراد التخصيص أي بهذين الوقتين بل دوام الذكر واتصاله أي: اذكر كل
وقت اهـ. فلا يكن في صدرك حرج من كونك ممنوعاً عن القراءة في وقت يسير يقرأ عليك
القرآن فيه مع كون الاستماع والإنصات خيراً لك من قراءتك في ذلك الوقت أيضاً.
وقول أبي هريرة: ((اقرأ بها في نفسك يا فارسي)) أيضاً يحمل على ما حملنا عليه حديث
أنس أي ((اقرأ بها وحدك)) وهذا القول منه ربه بعد رواية الحديث المرفوع: ((من صلى صلاة لم
يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام)) يشبه ما قال سفيان بعد روايته: ((لا صلاة لمن لم
يقرأ بفاتحة الكتاب لمن يصلي وحده)) كما مرّ.
والحاصل أن المسلك الراجح القوي عندنا بالنظر إلى النصوص، والقياس: ترك القراءة
للمقتدي مطلقاً، كما هو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى، وكل يعمل على شاكلته
فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً .
قوله: (لمن لم يقرأ) إلخ: استدل به على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة بناء على أن
الركعة الواحدة تسمى صلاة لو تجردت، وفيه نظر، لأن قراءتها في ركعة واحدة من الرباعية مثلاً
يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة،
والأصل أيضاً عدم إطلاق الكل على البعض، لأن الظهر مثلاً كلها صلاة واحدة حقيقة كما

٢٧٥
كتاب: الصلاة
بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)).
٨٧٣ - (٣٥) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي
حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ
الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لا صَلَّةَ لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِىءُ بِأَمِّ
الْقُرْآنِ» .
٨٧٤ - (٣٦) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.
صرح به في حديث الإسراء حيث سمى المكتوبات خمساً، وكذا حديث عبادة: ((خمس صلوات
كتبهن الله على العباد)) وغير ذلك، فإطلاق الصلاة على ركعة منها يكون مجازاً. كذا في الفتح.
قوله: (بفاتحة الكتاب) إلخ: قال الطيبي: ((أي لم يبدأ القراءة بها)).
قال ابن حجر: ((يعني عدي ((يقرأ)) بالباء، مع تعديته بنفسه، لتضمينه معنى ((يبدأ)). ويلزم
منه فساد على مذهبه، لانحلاله إلى نفي الحقيقة عمن ابتدأ القراءة بغير الفاتحة، ثم ختم
بالفاتحة، ولا قائل به من الشافعية في ما نعلم، فالصواب أنها زائدة للتأكيد، كذا في المرقاة.
وقال الشيخ الأنور: ((وفي نفس قوله بَلّ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أو بأم
القرآن)) بدون قوله: ((فصاعداً)) إشارة إلى السورة، وبناء الكلام عليه، وذلك للفرق بين قولهم:
((قرأها)) و((قرأ بها) فالأول: على ما تعرف، والثاني: بمعنى ((أتى بها في جملة القراءة)) وقد
أوضحه الحافظ ابن القيم في بدائع الفوائد فقال: ((ومما يتعلق بهذا قولهم: قرأت الكتاب
واللوح ونحوهما، يتعدى بنفسه، وأما قرأت بأم القرآن وقرأت بسورة كذا كقوله: ((لا صلاة لمن
لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) ففيه نكتة بديعة، قلّ من يتفطن لها، وهي أن الفعل إذا عدي بنفسه
فقلت: قرأت سورة كذا، اقتضى اقتصارك عليها لتخصيصها بالذكر، وأما إذا عدى بالباء فمعناه:
((لا صلاة لمن لم يأت بهذه السورة في قراءته أو في صلاته)) أي في جملة ما يقرأ به، وهذا لا
يقتضي الاقتصار عليها، بل يشعر بقراءة غيرها معها)) اهـ. ثم أتى بأمثلة وشواهد تدل على هذا
الفرق، فراجعه.
٣٥ - ( ... ) - قوله: (لمن لم يقترىء بها) إلخ: أي لمن لم يقرأ، وهو افتعال من القراءة،
كذا في مجمع البحار.
قوله: (بأم القرآن) إلخ: سميت بها لاشتمالها على مقاصد القرآن من إثبات ما يجب
الله تعالى وما يستحيل عليه وما يمكن في حقه ولأنبيائه كذلك، وعلى أحوال المعاش والمعاد،
وعلى الخبر والطلب، وعلى القصص، وعلى مدح المهتدين، وذم ضدهم، وانقسامهم إلى
المغضوب عليهم وضالين، وغير ذلك، حتى قال بعض العارفين: جميع منازل السائرين مبني
على ((إياك نعبد وإياك نستعين)) وقال بعضهم: جميع القرآن مجمل في الفاتحة. كذا في المرقاة.

٢٧٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيع، الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ
فِي وَجْهِهِ مِنْ بِتْرِهِمْ، أَخْبَرَهُ؛ أَنْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((لا
صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأَمِّ الْقُرْآنِ» .
٨٧٥ - (٣٧) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَزَادِ: فَصَاعِداً.
٨٧٦ - (٣٨) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ
الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)، عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأَمَّ
الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجْ)»
٣٦ - ( ... ) - قوله: (مجّ رسول الله) إلخ: أي أخذ الماء من بئرهم، فمجّها في وجهه،
أي صبها وقذفها فيه، والمج بفتح الميم وتشديد الجيم وهو إرسال الماء من الفم، وقيل: لا
يسمى مجّاً إلا إن كان على بعد. وفعله النبي ◌ّ﴿ مع محمود - وهو ابن خمس سنين - إما مداعبة
له، أو ليبارك عليه بها، كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة
٣٧ - ( ... ) - قوله: (وزاد فصاعداً) إلخ: أي فما زاد عليها من الصعود، وهو الارتفاع
من سفل إلى علو، وهو منصوب على الحال كقولهم: اشتريته بدرهم فصاعداً، أي فزاد الثمن
صاعداً، وهذا اللفظ يقتضي أن السورة واجبة، وهو مذهب أبي حنيفة تكلُّ تعالى.
٣٨ - (٣٩٥) - قوله: (فهي خداج) إلخ: بكسر الخاء المعجمة.
قال الخليل، والأصمعي، وأبو حاتم السجستاني، والهروي، وآخرون: الخداج النقصان،
يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق. وأخدجت: إذا ولدته
ناقصاً، وإن كان لتمام الولادة.
قال جماعة من أهل اللغة: خدجت وأخدجت: إذا ولدت لغير تمام، قالوا: فقوله:
خداج، أي ذات خداج. كذا في نيل الأوطار.
قال الشيخ الأنور: ((جعلت الصلاة عند انتفاء قراءة الفاتحة خداجاً لا منفية، فإن الحديث
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب ترك قراءة بسم الله
الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب، رقم (٩١٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما ترك القراءة
في صلاته بفاتحة الكتاب، رقم (٨١٩) و(٨٢٠) و(٨٢١) والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب
ومن سورة فاتحة الكتاب، رقم (٢٩٥٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، رقم
(٨٣٨) وأحمد في مسنده (٢/ ٢٥٠ و ٢٨٥ و٤٨٧).

٢٧٧
كتاب: الصلاة
ثَلاَثَاً، غَيْرُ تَمَامٍ.
فَقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ. فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ.
شبه الصلاة باعتبار حكمها بشيء ناقص الخلقة حساً، فلا يتأتى أن يقال: إن المراد أنها ناقصة
حساً، وإن كانت باطلة حكماً، ثم قال: ولا يخفى أن الحقائق الحسية لا تبطل بذهاب جزء
كإنسان مخدج اليد، فلو كان حاذى في الحديث بتلك الحقائق وأراد نقصانها حساً لم يدل أيضاً
على بطلانها إلا بضم مقدمة هي: أن ناقصة الجزء من الحقائق الشرعية حساً باطلة حكماً، ولم
يحكم الشارع في هذا الحديث بتلك المقدمة، وإنما جعلها ناقصة كالحسيات، فالحكم بالبطلان
خلاف الحديث، وإنما يخرج منه وجوب الفاتحة وإثبات مرتبة الواجب وهو مراد أصحابنا .
والحاصل أنه كيف كان المراد بالحديث - اعتبار حال الصلاة حساً أو اعتباره حكماً - ليس
فیه الحكم إلا بالنقصان» اهـ.
قوله: (ثلاثاً) إلخ: أي قالها ثلاثاً: هي خداج، هي خداج، هي خداج. كما في رواية
الموطأ، وهذا التثليث للتأكيد.
قوله: (غیر تمام) إلخ: بیان «خداج)) أو بدل منه.
قوله: (فقيل لأبي هريرة) القائل هو السائب مولى بني عبد الله بن هشام بن زهرة كما في
الموطأ، وهو أنصاري مدني ثقة تابعي من الطبقة الثالثة، كما في تقريب التهذيب. يقال: اسمه
عبد الله بن السائب كما في شرح الموطأ .
وهذا السؤال منه يدل على أنه ما رأى أحداً من الصحابة أو التابعين يقرأ خلف الإمام ولم
يعرفه منهم وإلا فلا معنى لقوله: ((إنا نكون وراء الإمام)) لو كانت القراءة وراء الإمام معروفة
عنده، نبه عليه شيخ مشايخنا مولانا رشيد أحمد الكنكوهي قدس الله روحه في رسالته الفريدة
((هداية المعتدي إلى قراءة المقتدي)).
قوله: (اقرأ بها في نفسك) إلخ: قال الشارح: ((معناه اقرأها سراً، بحيث تسمع نفسك،
وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم أن المراد تدبر ذلك وتذكره، فلا يقبل، لأن القراءة لا
تطلق إلا على حركة اللسان بحيث يسمع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه
من غير حركة لسانه لا يكون قارئاً مرتكباً لقراءة الجنب المحرمة) اهـ.
قلت: وقد تقدم منا في تحقيق مسألة القراءة خلف الإمام أنه يمكن حمل قول أبي هريرة
على الانفراد، ومعنى (في نفسك)): وحدك، أي لا في جماعة، - والله أعلم - .
قال القاري تقذفُ في المرقاة بعد ما فسره بالسر: ((وبه أخذ الشافعي، وهو مذهب صحابي
لا يقوم به حجة على أحد مع احتمال التقييد بالصلاة السرية، كما قال به الإمام مالك والإمام
محمد من أصحابنا)) اهـ.

٢٧٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي
نِصْفَیْنِ،
قوله: (فإني سمعت رسول الله (وَل﴿) إلخ: فيه إشارة إلى أنه قال هذا القول بطريق
الاستدلال والاستنباط.
قوله: (قسمت الصلاة) إلخ: أي الفاتحة، وأطلق عليها لفظ الصلاة لأن الصلاة لا تتم إلا
بها، فيحتج به لتعيينها في الصلاة ووجوبها، كما قال: ((الحج عرفة)).
وقال الخطابي: ((المراد بالصلاة القراءة من قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾.
قال الشيخ الأكبر كثّفُ تعالى: ((المصلي يناجي ربه، والمناجاة كلام، والقرآن كلام الله،
والعبد قاصر أن يعرف من نفسه ما ينبغي أن يكلم به ربه في وقت مناجاته، فعلمه ربه حين قال
له: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)) ثم قال في الحديث: ((يقول العبد الحمد الله رب
العالمين، يقول الله: حمدني عبدي)) الحديث، فما ذكر في حق المصلي إذا ناجاه أنه يناجيه بغير
كلامه، ثم عين من كلامه أم القرآن إذا كان لا ينبغي أن يناجي إلا بكلامه، والجامع من كلامه،
فإن الأم هي الجامعة، وبعد أن علمنا كيف نناجيه وبماذا نناجيه فالعالم العاقل الأديب مع الله لا
يناجيه في الصلاة إلا بقراءة أم القرآن)).
قوله: (نصفين) إلخ: يحتج به لكون البسملة ليست من الفاتحة إذ لم يختلف أنها سبع
آيات: ثلاث ثناء، وثلاث مسألة، والسابعة - وهي (إياك نعبد وإياك نستعين - وسط بين
النوعين: نصفها إخلاص متصل بما قبله، ونصفها مسألة متصل بما بعده، فلو كانت منها لم تكن
القسمة بنصفين. وأيضاً يقول العبد: الحمد الله، ولم يذكر البسملة، وما جاء في بعض الروايات
من قوله: ((يقول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الله: ذكرني عبدي)) وهو من رواية
محمد بن سمعان، وهو ضعيف، لا سيما وقد انفرد بها، وخالفه فيها الحفاظ الثقات: مالك،
وابن جريج، وابن عيينة، وغيرهم، فلم يذكروها. وبالجملة فالحديث أبين شيء في الباب، كذا
في إكمال إكمال المعلم.
قال الزرقاني: ((وأجيب بأن التضعيف عائد على جملة الصلاة، لا إلى الفاتحة، هذا حقيقة
اللفظ أو عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، و الأول تعسف باطل سببه الحماية
المذهبية، لأنا أجمعنا على أن المراد بالصلاة الفاتحة أو قراءتها، ولا يصح إرادة الحقيقة بوجه
بعد قوله: ((فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين)»، والثاني أن عوده إلى ما يختص بالفاتحة
دليل لنا على أنها ليست منها، إذ هي بدونها سبع آيات بإجماع كما قال، وقالوا: أيضاً: إن معنى
يقول العبد: ((الحمد لله)) أي إذا انتهى إلى ذلك، وهذا مجاز لا دليل عليه، وبعد ذلك لا دلالة
فيه على أن البسملة منها)).

٢٧٩
كتاب: الصلاة
وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي
عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى: أَثْتَى عَلَيَّ عَبْدِي.
قوله: (ولعبدي ما سأل) إلخ: أي سؤاله، ومني الإعطاء.
قال القاري: ((والأظهر أن التقدير: لذاتي ما وصف من الثناء، ولعبدي ما سأل من
الدعاء)).
قوله: (فإذا قال العبد) إلخ: قال الشيخ الأكبر: ((يقول العارف: الحمد لله، أي عواقب
الثناء ترجع لله، ونعني بعواقب الثناء أن كل ثناء يثنى به على كونه من الأكوان دون الله فاقبته
إلى الله بطريقين: الطريق الأولى: أن الثناء على الكون إنما يكون بما هو عليه ذلك الكون من
الصفات المحمودة، أو بما يكون منه، وعلى أي وجه كان فإن ذلك راجع إلى الله تعالى إذا
كان الله هو الموجد لتلك الصفة، ولذلك الفعل لا للكون، فعاقبة الثناء عادت إلى الله. والطريق
الثانية: أن ينظر العارف فيرى أن وجود الممكنات المستفاد إنما هو عين ظهور الحق فيها، فهو
متعلق الثناء لا الأكوان)) اهـ.
وقد مرّ بعض تفصيله في أوائل الإيمان، تحت قوله { 18: ((أن تؤمن بالله)) من حديث
جبريل، فتذكره.
قوله: (قال الله تعالى: ((حمدني عبدي)) إلخ: الحمد الثناء بصفات الأفعال، والتمجيد
الثناء بصفات الجلال، والثناء يكون بهما، ولذا أتى ((بالرحمن الرحيم)) لاشتمال الاسمين على
صفة الذات من الرحمة مدلول الرحمن، ولذا اختص به تبارك وتعالى، فلا يتصف به غيره،
وذلك نهاية العظمة وصفة الفعل من الإنعام مدلول ((الرحيم)) لأن الرحيم هو العائد برحمته على
عباده، وقيل: على المؤمنين خاصة، ووجه مطابقة التمجيد ((إياك نعبد)) أن قوله: ﴿يوم
الدين﴾(١) يتضمن انفراده تبارك وتعالى يومئذ بالملك، ولا دعوى لأحد فيه لا حقيقة ولا مجازاً
كما في الدنيا، وفي هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد والتفويض ما لا يخفى. كذا في إكمال
المعلم.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((روح الصلاة هي الحضور مع الله،
والاستشراف للجبروت، وتذكر جلال الله مع تعظيم ممزوج بمحبة وطمأنينة، وإليه الإشارة في
قوله : ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) وأشار إلى كيفية تمرين
النفس عليها بقوله: ((قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا
قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي ... )) الحديث فذلك إشارة إلى
الأمر بملاحظة الجواب في كل كلمة فإنه ينبه للحضور تنبيهاً بليغاً)).
(١) كذا في الأصل والصحيح ((ملك يوم الدين)). من المؤلف رحمه الله.

٢٨٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. (وَقَالَ مَرَّةٌ: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي). فَإِذَا
قال الحافظ ابن القيم: ((فإذا قال: الحمد لله رب العالمين،، وقف هنيهة يسيرة ينتظر
جواب ربه له بقوله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، انتظر الجواب بقوله: أثنى عليّ
عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، انتظر جوابه يمجّدني عبدي، فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور
نفسه، يقول ربه: عبدي ثلاث مرات، فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم
النفوس لاستطيرت فرحاً وسروراً بقول ربها وفاطرها ومعبودها: حمدني عبدي، وأثنى عليّ
عبدي، ومجّدني عبدي) اهـ.
وقد رأيت في الفتوحات أيضاً نحواً مما قالاه، إلا أنه لم يحضرني الآن موضع التصريح
منها، - والله أعلم - .
قوله: (فإذا قال: مالك يوم الدين) إلخ: أي يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، لظهور الجزاء
فيه بوجه أكمل وأشمل وأوضح وأعم، وخص بالذكر لأنه لا ملك ظاهراً فيه لأحد إلا لله تعالى:
﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر، آية: ١٦] ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ اُلْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [سورة الفرقان،
آية: ٢٦] ومن قرأ ((مالك)) بالألف فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿وَمَّاً
أَدْرَكَ مَا يَوْمُ الذِيِنِ
يَوَمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ
ثُمَّ مَآ أَذْرَكَ مَا يَوْمُ الّذِينِ
١٧
لِّلَّهِ﴾ [سورة الانفطار، آية: ١٧ - ١٩].
قال الشيخ الأكبر تغلفُ : ((إذا قال العارف: مالك يوم الدين، لم يقتصر بذلك على الدار
الآخرة فقط، ونظر أن ((الرحمن الرحيم)) لا يفارق ((مالك يوم الدين)) فيكون الجزاء دنيا وآخرة،
ولذلك ظهر إقامة الحدود، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض
الذي عملوا، (﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [سورة الشورى، آية: ٣٠] وغير ذلك
من النصوص) وهذا هو عين الجزاء، فيرى أن الكفارات سارية في الدنيا، وأن الإنسان لا يسلم
من أمر يضيق صدره ويؤلمه حسناً وعقلاً قرضة البرغوث والعثرة)) اهـ.
قوله: (مجدني عبدي) إلخ: أي عظمني، والتمجيد نسبته إلى المجد، وهو الكرم أو
العظمة.
قوله: (فوض إليّ عبدي) إلخ: أي فوّض الملك والملك(١) كليهما إليه تعالى.
قال الشيخ الأكبر كثّفُ تعالى: ((التمجيد راجع إلى جناب الحق من حيث ما تقتضيه ذاته،
ومن حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه، والتفويض من حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه لا غير
ذلك، ففي حق قوم يقول: مجدني عبدي، وفي حق قوم آخرين دونهم يقول: فوّض إليّ عبدي)).
(١) الأوّل بفتح الميم والثاني بكسر الميم.