Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب: الصلاة
اللَّهُ. قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ - مِنْ قَلْبِهِ - دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
٨٤٩ - (١٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
قَيْسِ الْقُرَشِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنِ الْحُكَيْمِ بَّنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنَ
عَامِرٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ(١)، عَنْ رَّسُوَلِ اللَّهِ وَزِ؛ أَنَّهُ
قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَّهَ إِلا اللَّهُ وَخْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَضِيتُ بِاللَّهِ رَبَّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ)).
قَالَ ابْنُ رُمْحِ فِي رِوَايَتِهِ: ((مَنْ قَالَ، حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ)) وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَةُ
قَوْلَهُ: وَأَنَّا .
قوله: (من قلبه) إلخ: أي: قال ذلك بلسانه مع اعتقاده بقلبه حقية ما دل عليه، وإخلاصه
فيه .
١٣ - (٣٨٦) - قوله: (عن الحكيم بن عبد الله بن قيس) إلخ: بضم الحاء وفتح الكاف.
قال النووي: ((وإن كل ما في الصحيحين من هذه الصورة فهو حكيم بفتح الحاء، إلا اثنين بالضم
حکیم هذا، وزریق بن حکیم)).
قوله: (من قال حين يسمع المؤذن) إلخ: زاد الطحاوي من طريق عبد الله بن المغيرة: ((من
قال حين يسمع المؤذن يتشهد)) وظاهره أنه يقول بعد قوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) وإليه يشير
العطف في قوله: ((وأنا أشهد)) من رواية ابن رمح، والله أعلم.
قوله: (رضيت بالله رباً) إلخ: تمييز، أي: بربوبيته وبجميع قضائه وقدره، فإن الرضاء
بالقضاء باب الله الأعظم، وقيل: حال، أي: مربياً، ومالكاً، وسيداً، ومصلحاً.
قوله: (وبمحمد رسولاً) إلخ: أي: بجميع ما أرسل به وبلغه إلينا من الأمور الاعتقادية
وغيرها .
قوله: (وبالإسلام) إلخ: أي: بجميع أحكام الإسلام من الأوامر والنواهي.
قوله: (ديناً) إلخ: أي: اعتقاداً وانقياداً.
(١) قوله: ((عن سعد بن أبي وقاص)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الأذان، باب الدعاء عند
الأذان، رقم (٦٨٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا سمع المؤذن، رقم (٥٢٥)
والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء، رقم
(٢١٠) وابن ماجه في سننه، في كتاب الأذان والسنة فيها، باب ما يقال إذا أذن المؤذن، رقم (٧٢١).

٢٢٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٨) - باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه
٨٥٠ - (١٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَهُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى،
عَنْ عَمِّهِ؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلاَّةِ. فَقَالَ
مُعَاوِيَةُ(١): سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((الْمُؤَذُِّونَ أَْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
٨٥١ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ
طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ .
بِمِثْلِهِ.
(٨) - باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه
١٤ - (٣٨٧) - قوله: (عن عمه) إلخ: هو عيسى بن طلحة بن عبيد الله، كما بينه في الرواية
الأخرى.
قوله: (فجاءه المؤذن يدعوه) إلخ: فيه التثويب بين الأذان والإقامة للإمام.
قوله: (أطول الناس أعناقاً) إلخ: قيل: معناه أكثر الناس تشوفاً إلى رحمة الله تعالى، لأن
المتشوف يطيل عنقه إلى ما يتطلع إليه، فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب.
وقال النضر بن شميل: ((إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم، لئلا ينالهم ذلك
الكرب والعرق)).
وقيل: معناه أنهم سادة ورؤساء، والعرب تصف السادة بطول العنق.
وقيل: معناه أكثر اتباعاً. وقال ابن الأعرابي: معناه أكثر الناس أعمالاً، يقال: لفلان عنق
من الخير، أي: قطعة منه.
قال القاضي عياض وغيره: ورواه بعضهم ((إعناقاً)) بكسر الهمزة، أي: إسراعاً إلى الجنة،
وهو من سير العنق.
وقال ميرك: ((وعندي - والله أعلم - أن يكون المراد بطول الأعناق استقامتهم طمأنينة
لقلوبهم، وإظهاراً لكرامتهم، وأنهم غير واقفين موقف الهوان والذلة، مهطعين مقنعي رؤوسهم،
ولا ناكسي رؤوسهم كالمجرمين، جزاء بما كانوا عليه في الدنيا من مد أعناقهم في الأذان)» اهـ.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((أمر المجازاة مبني على مناسبة المعاني
(١) قوله: ((فقال معاوية)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب الأذان والسنة فيها، باب فضل الأذان
وثواب المؤذنین، رقم (٧٢٥).

٢٢٣
كتاب: الصلاة
٨٥٢ - (١٥) حدّثنا قُتَيِّبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ)، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ
جَابِرٍ (١)؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ بَّهَ يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ، ذَهَبَ حَتَّى
يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ» .
قَالَ سُلَيْمَانُ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّوْحَاءِ؟ فَقَالَ: هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلاَثُونَ مِيلاً .
٨٥٣ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٨٥٤ _ (١٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَاللَّفْظ
لِقُتَيْبَةَ)، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي
بالصور، وعلاقة الأرواح بالأشباح، فوجب أن يظهر نباهة شأن المؤذن من جهة عنقه وصوته،
وتتسع رحمة الله عليه اتساع دعوته إلى الحق، كما ورد في الحديث: «المؤذن يغفر له مدى
صوته، ويشهد له الجن والإنس)) والله أعلم)).
١٥ - (٣٨٨) - قوله: (عن الأعمش عن أبي سفيان) إلخ: اسم الأعمش: سليمان بن
مهران، واسم أبي سفيان: طلحة بن نافع.
قوله: (إن الشيطان إذا سمع) إلخ: المراد إبليس على الظاهر، ويحتمل أن المراد جنس
الشيطان، وهو كل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة. قاله
الزرقاني.
قوله: (ذهب) إلخ: هارباً لكراهته الأذان والإقامة.
قوله: (حتى يكون مكان الروحاء) إلخ: أي: يبعد منه إلى هذه الغاية.
فإن قلت: كيف يهرب والضرورة تقضي بأنه لا بد من مخالفة حين الأذان إما من المؤذن،
أو سامعه؟ فقيل في الجواب: لعل تلك المخالفة من وسوسة سبقت الأذان، أو أنه لم يقم دليل
على أن كل المخالفات من الشيطان، إذ قد تكون من النفس. قاله الأبي.
قوله: (الروحاء) إلخ: بفتح الراء، وبالحاء المهملة، وبالمد.
قوله: (قال سليمان) إلخ: أي: الأعمش.
قوله: (فسألته) إلخ: ضمير المفعول راجع إلى أبي سفيان.
(١) قوله: ((عن جابر)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.

٢٢٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)، عَنِ النَّبِّ وَّرِ قَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النَّدَاءَ بِالصَّلاَةِ أَحَالَ لَهُ
ضُرَاطٌ. حَتَّى لا يَسْمَعَ صَوْتَهُ. فَإِذَا سَكْتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ، فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتَّى لا
١٦ - (٣٨٩) - قوله: (أحال) إلخ: بالحاء المهملة أي: ذهب هارباً.
قوله: (له ضراط) إلخ: بضم المعجمة كغراب، وهو ريح من أسفل الإنسان وغيره. وهذا
لثقل الأذان عليه كما للحمار من ثقل الحمار. كذا في المرقاة.
قال عياض: ((ويمكن حمله على ظاهره، لأنه جسم متغذ يصح منه خروج الريح، ويحتمل
أنها عبارة عن شدة نفاره، ويقويه رواية لمسلم: ((له حصاص)) - بمهملات، مضموم الأول - فقد
فسره الأصمعي وغيره: بشدة العدو)).
قال الطيبي: ((شبه شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه
عن سماع غيره، ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له)). كذا في الفتح.
قوله: (حتى لا يسمع صوته) إلخ: أي: صوت النداء بالصلاة، وفي بعض الروايات:
((حتى لا يسمع التأذين)) ولهذا يستحب رفع الصوت بالأذان.
وظاهر الحديث أنه يتعمد إخراج ذلك، إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع
المؤذن، أو يصنع ذلك استخفافاً، كما يفعله السفهاء، ويحتمل أن لا يتعمد ذلك بل يحصل له
عند سماع الأذان شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها، ويحتمل أن يتعمد ذلك، ليقابل ما
يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث. كذا في الفتح.
قوله: (فإذا سكت) إلخ: أي: المؤذن.
قوله: (رجع) إلخ: أي: الشيطان.
قوله: (فوسوس) إلخ: وعن عمر بن عبد العزيز: أن إنساناً سأل الله سنة أن يريه صورة
وسوسة الشيطان، فرأى في منامه إنساناً أجوف، والشيطان عند نغص كتفه، ماداً خرطومه إلى
قلبه يوسوس، كلما ذكر الله خنس، كذا في شرح الأبي.
قوله: (فإذا سمع الإقامة) إلخ: وهذا يبين أن المراد بالتثويب الوارد في بعض الروايات
الآتية: الإقامة.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب فضل التأذين، رقم
(٦٠٨) وفي كتاب العمل في الصلاة، باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة، رقم (١٢٢٢) وفي كتاب
السهو، باب إذا لم يدركم صلى - ثلاثاً أو أربعاً - سجد سجدتين وهو جالس، رقم (١٢٣١) وفي كتاب بدء
الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم (٣٢٨٥) والنسائي في سننه، في كتاب الأذان، باب فضل التأذين،
رقم (٦٧١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب رفع الصوت باوذان، رقم (٥١٦) والدارمي في
سننه، في كتاب الصلاة، باب الشيطان إذا سمع النداء فرّ، رقم (١٢٠٧).

٢٢٥
كتاب: الصلاة
يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ)) .
٨٥٥ - (١٧) حدّثني عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانِ الْوَاسِطِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، (يَعْنِي ابْنَ
عَبْدِ اللَّهِ)، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((إِذَا أَذَّنَ
الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَّهُ حُصَاصٌ)).
٨٥٦ - (١٨) حدّثني أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، (يَعْنِي ابْنَ زُرَيْع)، حَدَّثَنَا رَوْحٌ،
عَنْ سُهَيْلٍ. قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ. قَالَ: وَمَعِي غُلاَمٌ لَنَا، (أُوْ صَاحِبٌ لَنَا)،
فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ. قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، فَذَكَرْتُ
ذُلِكَ لأَبِي فَقَالَ: لَوْ شَعَرْتُ أَنَّكَ تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتاً فَنَادِ
بِالصَّلاَةِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ، إِذَا
نُودِيَ بِالصَّلاَةِ، وَلَّى وَلَهُ خُصَاصٌ)).
١٧ - ( ... ) - قوله: (وله حصاص) إلخ: بحاء مهملة مضمومة وصادين مهملتين، أي:
ضراط، كما في الرواية الأخرى، وقيل: الحصاص شدة العدو، قالهما أبو عبيد والأئمة من
بعده .
١٨ - ( ... ) - قوله: (أرسلني أبي) إلخ: وهو أبو صالح.
قوله: (مناد من حائط) إلخ: ظن أبو صالح أن المنادي كان من الجن.
قوله: (أشرف الذي معي) إلخ: أي: صاحبي.
قوله: (فلم ير شيئاً) إلخ: فإنه يراكم هو وقبیله من حیث لا ترونهم.
قوله: (إذا سمعت صوتاً فناد) إلخ: أي: لدفع الشيطان الجني، وقد استنبط هذا أبو صالح
من حديث أبي هريرة، فكأنه فهم أن مراد الحديث الإتيان بصورة الأذان، وإن لم توجد فيه
شرائط الأذان من وقوعه في الوقت وغير ذلك.
وقال ابن عبد البر: ((قال مالك: استعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم، وكان لا
يزال يصاب فيه الناس من الجن، فلما وليهم شكوا ذلك إليه فأمرهم بالأذان، وأن يرفعوا
أصواتهم به، ففعلوا فارتفع ذلك عنهم، فهم عليه حتى اليوم، قال مالك: أعجبني ذلك من
زید» .
وذكرت الغيلان عند عمر بن الخطاب فقال: ((إن شيئاً من الخلق لا يستطيع أن يتحول في
غير خلقه، ولكن للجن سحرة كما للإنس سحرة، فإذا خشيتم شيئاً من ذلك فأذّنوا بالصلاة)) كذا
في شرح الموطأ للزرقاني، وفيه تأمل. والله أعلم.

٢٢٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٨٥٧ _ (١٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، (يَعْنِي الْحِزَامِيَّ)، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَه
ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَّعَ التَّذِينَ. فَإِذَا قُضِيَ التَّذِينُ أَقْبَلَ. حَتَّى إِذَا تُوَّبَ بِالصَّلاَةِ أَذْبَرَ، حَتَّى إِذَا
قُضِيَ النَّْوِيبُ أَقْبَلَ. حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ. يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ
١٩ - ( ... ) - قوله: (يعني الحزامي) إلخ: بالحاء المهملة والزاي.
قوله: (فإذا قضي التأذين) إلخ: بضم أوله، والمراد بالقضاء الفراغ أو الانتهاء، ويروى
بفتح أوله على حذف الفاعل، والمراد المنادي.
قوله: (إذا ثوّب بالصلاة) إلخ: بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة، قيل: هو من ثاب:
إذا رجع، ومنه الثواب، فإنه منفعة عمله العائدة إله، فكأن العمل عاد إلى العامل. وقيل: من
ثوب: إذا أشار بثوبه عند الفراغ الإعلام غيره.
قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه، والخطابي
والبيهقي وغيرهم.
قال القرطبي: ((ثوب بالصلاة: إذا أقيمت، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكل من
ردّد صوتاً فهو مثۆّب)).
قوله: (حتى يخطر) إلخ: بضم الطاء، قال عياض: ((كذا سمعناه من أكثر الرواة، وضبطناه
عن المتقنين بالكسر، وهو الوجه. ومعناه: يوسوس، وأصله من خطر البعير بذنبه: إذا حركه
فيضرب به فخذيه، وأما بالضم فمن المرور، أي: يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه فيشغله. وضعف
الهجري في نوادره الضم مطلقاً، وقال: هو يخطر بالكسر في كل شيء، كذا في الفتح)).
قوله: (بين المرء ونفسه) إلخ: أي: قلبه. قال الباجي: المعنى أنه يحول بين المرء وبين
ما يريده من إقباله على صلاة، وإخلاصه فيها .
قال الحافظ: وقد اختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان
والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة.
فقيل: يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا
إنس إلا شهد له.
وقيل: يهرب نفوراً عن سماع الأذان، ثم يرجع موسوساً، ليفسد على المصلي صلاته،
فصار رجوعه من جنس فراره، والجامع بينهما الاستخفاف.
وقال ابن الجوزي: على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها، لأنه لا يكاد يقع في
الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصلاة، فإن النفس تحضر فيها فيفتح لها الشيطان
أبواب الوسوسة.

٢٢٧
كتاب: الصلاة
يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ. حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَذْرِي كَمْ صَلَّى)).
٨٥٨ - (٢٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
وقد ترجم عليه أبو عوانة: الدليل على أن المؤذن في أذانه وإقامته منفي عنه الوسوسة
والرياء لتباعد الشيطان منه .
وقيل: لأن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ هي من أفضل الذكر، لا
يزاد فيها ولا ينقص منها، بل تقع على وفق الأمر، فيفر من سماعها، وأما الصلاة فلما يقع من
كثير من الناس فيها من التفريط، فيتمكن الخبيث من المفرّط، فلو قدّر أن المصلي وفى بجميع
ما أمر به فيها لم يقربه إذا كان وحده، وهو نادر، وكذا إذا انضم إليه من هو مثله، فإنه يكون
أندر. أشار إليه ابن أبي جمرة نفع الله ببركته، كذا في الفتح.
وقال الشيخ الإمام ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((إن التأذين شعبة من شعب النبوة،
لأنه حث على أعظم الأركان وأم القربات، ولا يرضي الله ولا يغضب الشيطان مثل ما يكون في
الخير المتعدي، وإعلاء كلمة الحق))، وهو قوله وَل: ((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف
عابد))، وقوله وَلي: ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط)) اهـ.
قوله: (لما لم يكن يذكر من قبل) إلخ: أي شيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في
الصلاة، ومن ثم استنبط أبو حنيفة للذي شكا إليه أنه دفن مالاً ثم لم يهتد لمكانه أن يصلي،
ويحرص أن لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، ففعل، فذكر مكان المال في الحال.
قيل: خصه بما يعلم دون ما لا يعلم، لأنه يميل لما يعلم أكثر، لتحقق وجوده، والذي
يظهر أنه الأعم من ذلك، فيذكره بما سبق له به علم ليشغل باله به، وبما لم يكن سبق له ليوقعه
في الفكرة فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا، أو في أمور الدين كالعلم، لكن هل
يشمل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك، لأن غرضه نقص خشوعه
وإخلاصه بأي وجه كان، كذا في الفتح.
ولعل المراد بالتفكر: التفكر في المباحث الزائدة على مقاصدها، والتعمق في حواشي
الكلام وأطرافه، دون التدبر في نفس المطالب الذي يورث الخشوع وينمي العبودية، والله أعلم.
قوله: (حتى يظل) إلخ: بالظاء المفتوحة، ومعناه في الأصل: اتصاف المخبر عنه بالخبر
نهاراً، لكنها هنا بمعنى ((يصير)) أو ((يبقى)).
قوله: (كم صلى) إلخ: وفي بعض الروايات عند البخاري: ((حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم
أربعاً)).
٢٠ - ( ... ) - قوله: (إن يدري) إلخ: بكسر همزة ((إن)) وهي نافية بمعنى (لا)).

٢٢٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ
يَذْرِيَ کَیْفَ صَلَّى)).
(٩) - باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام
والركوع، وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود
٨٥٩ _ (٢١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، (وَاللَّفْظُ
لِيَحْيَى)، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيْهِ (١)؛ قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ ﴿ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ،
(٩) - باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام
والركوع وفي الرفع من الركوع وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود
٢١ - (٣٩٠) - قوله: (إذا افتتح الصلاة رفع يديه) إلخ: أي: قبل التكبير، وقيل: معه،
وقيل: بعده، والأول أولى كما في البحر والنهر، كذا في رد المحتار.
قال ابن المنذر: ((لم يختلفوا أن رسول الله والتر كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة)).
وقال النووي: ((أجمعت الأمة على استحباب الرفع عند الإحرام، واختلفوا في غيره)).
قوله: (حتى يحاذي منكبيه) إلخ: وسيأتي في رواية مالك بن الحويرث: ((حتى يحاذي بهما
أذنيه)) ووفق بين الروايتين بأن الرفع إلى المنكبين إذا كانت اليدان في الثياب للبرد، كما قاله
الطحاوي أخذاً من بعض الروايات، وتبعه صاحب الهداية وغيره.
(١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه الخباري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب رفع اليدين في التكبيرة
الأولى مع الافتتاح سواء، رقم (٧٣٥) وباب رفع اليدين إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع، رقم (٧٣٦) وباب
إلى أين يرفع يديه؟ رقم (٧٣٨) وباب رفع اليدين إذا قام من الركعتين، رقم (٧٣٩) والنسائي في سننه، في
كتاب الافتتاح، باب العمل في افتتاح الصلاة، رقم (٨٧٧) وباب رفع اليدين قبل التكبير، رقم (٨٧٨)
وباب رفع اليدين حذو المنكبين، رقم (٨٧٩) وباب رفع اليدين حذو المنكبين عند الرفع من الركوع، رقم
(١٠٥٨) وباب ما يقول الإمام إذا رفع رأسه من الركوع، رقم (١٠٦٠) وأبو داود في سننه، في كتاب
الصلاة، أبواب تفريع الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة، رقم (٧٢١) و(٧٢٢) وباب افتتاح الصلاة، رقم
(٧٤١) و(٧٤٢) وباب بلا ترجمة، رقم (٧٤٣). والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في
رفع اليدين عند الركوع، رقم (٢٥٥) و(٢٥٦). وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها،
رقم (٨٥٨). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في رفع اليدين في الركوع والسجود، رقم
(١٢٥٣). وأحمد في مسنده (١٣٤/٢).

٢٢٩
كتاب: الصلاة
وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ،
واعتمد ابن الهمام التوفيق بأنه عند محاذاة اليدين للمنكبين من الرسغ تحصل المحاذاة
للأذنین بالإبهامین، وهو صریح رواية أبي داود.
قال في الحلية: وهو قول الشافعي، ومشى عليه النووي، وقال في شرح مسلم: إنه
المشهور من مذهب الجماهير.
قوله: (وقبل أن يركع) إلخ: قال النووي كثّفُ: ((قال الشافعي تَُّ وأحمد وغيرهما:
يستحب رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، وهو رواية عن مالك».
وللشافعي قول أنه يستحب رفعهما في موضع آخر رابع، وهو إذا قام من التشهد الأول،
وهذا القول هو الصواب، فقد صح فيه حديث ابن عمر ◌ًا عن النبيّ وَّ ر أنه كان يفعله، رواه
البخاري، وصح أيضاً من حديث أبي حميد الساعدي، رواه أبو داود والترمذي بأسانيد
صحيحة .
وقال أبو بكر بن المنذر وأبو علي الطبري من أصحابنا، وبعض أهل الحديث: يستحب
أيضاً في السجود.
وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة: ((لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام،
وهو أشهر الروايات عن مالك)) اهـ. وهي رواية ابن القاسم صاحب المدونة عنه، وذكر ابن رشد
المالكي في بداية المجتهد أن مالكاً رجح ترك الرفع لموافقة عمل أهل المدينة به، قال الترمذي:
((وبه (أي: بترك الرفع) يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيّ وَّر والتابعين، وهو
قول سفيان الثوري، وأهل الكوفة).
وفي التعليق الممجد عن الاستذكار لابن عبد البر عن محمد بن نصر، وكذا في شرح
الإحياء: ((لا نعلم مصراً من الأمصار تركوا بإجماعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع إلا أهل
الكوفة)) اهـ.
قال الشيخ الأنور: ((فهذه العبارة مستوعبة كل أهل الكوفة فكفينا عهدة استقرائهم) اهـ.
وتمسك الرافعون بحديث الباب وغيره.
وتمسك التاركون بما روى الترمذي وأبو داود والنسائي عن علقمة، قال: قال عبد الله بن
مسعود: ((ألا أصلي بكم صلاة رسول الله وَّر؟ فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة)) حسنه
الترمذي، وصححه ابن حزم في المحلى (كما في اللآلىء المصنوعة للسيوطي).
الكلام على حديث ابن مسعود في ترك الرفع
فإن قلت: قال الترمذي: ((قال عبد الله بن المبارك: قد ثبت حديث من يرفع))، وذكر

٢٣٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
حديث الزهري عن سالم عن أبيه، ولم يثبت حديث ابن مسعود ((أن النبيّ وَّر لم يرفع إلا في
أول مرة)).
قلت: إن حديث ابن مسعود مروي بالمضمونين: الرفع الفعلي - كما ذكرنا آنفاً - والرفع
القولي، كما أخرجه الطحاوي من ((أنه (وَلو كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود)». والظاهر
أن تغليط ابن المبارك للمضمون الثاني لا الأول، كيف؟! وقد روى ابن المبارك نفسه المضمون
الأول في سنن النسائي، ولم يقل لههنا: ((لم يثبت حديث من لم يرفع)) أي حديث ابن مسعود،
كما قال في قرينة: ((قد ثبت حديث من يرفع)) فإنه لو قال كذلك لكان دالاً على عدم ثبوت الرفع
مطلقاً، وهذا كان خلاف الواقع، وخلاف ما كان يرويه بنفسه، فلذا عين الألفاظ التي يريد
إعلالها، والمحدثون في باب الإعلال يتقيدون بالألفاظ شديداً، فلا ينبغي أن يعدو الناظر إلى
غيره. فقد أعلوا في حديث ابن مسعود الرفع صريحاً بأن يكون من ابن مسعود تعليماً قولياً، فلا
يتعدى منه إلى غيره من الوصف الفعلي. قال الشيخ الأنور - أطال الله بقاءه -: ((واعلم أن إعلال
حديث ابن مسعود رائه بلفظ ((ألا أصلي بكم صلاة رسول الله وَّر فصلى فلم يرفع يديه إلا في
أول مرة)) لا يمكن، لأنهم قد صرحوا أن ابن مسعود لم يثبت عنه الرفع، كما في الاستذكار
والفتح، فلو أعلوه لزمهم ادّعاء أنه كان يرفع، وقد تواتر نقل العلماء عنه خلافه، فلذا وجه
عبد الله بن المبارك إنكاره - كما عند الترمذي - إلى لفظ آخر قد روى عن ابن مسعود أيضاً ((أن
النبيّ ◌َّ﴿ لم يرفع إلا في أول مرة)). وكذا نقله الدارقطني عنه في سننه، وأصرح منه عبارة
البيهقي، وبنحو هذا اللفظ من قول ابن مسعود بناء على كونه ناقلاً فعله ◌َّر أعله أبو حاتم، كما
نقله ابنه عنه، فخرج كلاهما عما نحن فيه.
وأما ابن القطان فقد صحح في كتاب ((الوهم والإيهام)) الحديث باللفظ الأول، أي:
الحكاية الفعلية، ولكنه أعلّ قوله: ((ثم لا يعود)» الذي وقع في بعض الروايات، لأن وكيعاً - كما
قالوا - يقولها من قبل نفسه وتارة أتبعها الحديث، كأنها من كلام ابن مسعود اهـ. فإذا جعلها ابن
القطان من وكيع نقل كلام ابن مسعود ظه، وأن ضمير ((لا يعود)) عائد على النبيّ وَلجر: أمكنه
إعلاله، وإلا لم يمكنه، وهو كما ترى، وكذا إنكار الدارقطني وغيره على نقل ابن القطان - كما
في تخريج الهداية - راجع إلى أن يكون ابن مسعود نقله من فعل النبيّ وَالتّ صريحاً، وإما أن يكون
قال أولاً: ((ألا أصلي بكم صلاة رسول الله بَّر؟ ثم صلى ولم يرفع - هو، أعني ابن مسعود -
يديه إلا في أول مرة)) فلا يمكنهم إعلاله وإلا لكانوا التزموا خلاف الواقع من رفع ابن مسعود،
فاعلمه، وكذا ما ذكره في التلخيص أن أحمد بن حنبل وشيخه يحيى بن آدم قالا: هو ضعيف،
نقله البخاري عنهما، فهو من الحافظ عجلة تأخذ المرء عند الظفر بالمقصود، وليس في جزء رفع
اليدين إلا أنه قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس عن

٢٣١
كتاب: الصلاة
عاصم بن كليب، ليس فيه: ((ثم لم يعد)) اهـ. ثم تكلم البخاري من قبل نفسه، ولا دخل لأحمد
وشيخه فيه، والعجلة تعمل العجائب.
وأصل ذلك في المسند (١: ١٦٨): ((حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا
عبد الله بن إدريس، أملاه عليّ من كتابه عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، ثنا
علقمة، ثنا عبد الله، قال: ((علمنا رسول الله ◌َّظهر الصلاة فكبر ورفع يديه، ثم ركع، وطبق بين
يديه، وجعلهما بين ركبتيه)) اهـ. وفي آخره: ((حدثني عاصم بن كليب هكذا)) اهـ.
وهذا يومىء إلى أنه قد بلغه لفظ سفيان، وشاع.
وأخرج أبو داود حديث ابن إدريس قبل ((باب من لم يذكر الرفع)) متصلاً، فليس ما في
بعض نسخه من العبارة مناسباً، قال: إنه مختصر من حديث طويل، والمقام مقام التعريف (أي:
كان المناسب أن يقول من الحديث الطويل) ولو كان لكان في كل النسخ، لكونه مهمّاً كعامة ما
يقوله في كتبه، وما قال في حديث يزيد بن أبي زياد، وقد بوب على الترك، واهتمّ بذكر
ألفاظهم، وإن ثبت من قوله فهو يريد أنه اختصار مخل جعل المسوق له هو هذا المقدار فقط، لا
يريد الكلام على الترك فقط، ولذا قال: ليس بصحيح على هذا المعنى، أو على هذا اللفظ.
وأيضاً عدم صحة الحديث لا يستلزم ضعفه، بل يمكن أن يكون حسناً كما حكم الترمذي
على حديث ابن مسعود بأنه حسن، وهذا الكتاب لعبد الله بن إدريس لا لعاصم بن كليب، فلم
يك هناك شيء من الاضطراب، وعبد الله بن إدريس كان في المسائل على مختار أهل المدينة،
ذكره في التهذيب، فلعله لم يجمع ما هو مختار أهل الكوفة، بخلاف سفيان، فكان ماذا؟
ثم يتبادر من سياق ابن إدريس أن فاعل التطبيق هو النبيّ وَ له، وعليه بنى أبو حاتم كلامه،
وهو الظاهر فيه، وعلى هذا هو فاعل ((فلم يرفع يديه إلا مرة)) عنده في لفظ سفيان، فأعله،
وسفيان يجعله فعل ابن مسعود وهو أقرب وعند الحازمي عن ابن سيرين: جعل الفاعل هو
النبيّ وَّه، ولكنها رواية مستقلة لم يروها عن ابن مسعود، وإذا كان الأمر أن الفاعل في سياق
ابن إدريس هو النبيّ وَّر، وهو في سياق سفيان بن مسعود لم يتعارضا، وكان وصفاً قولياً في
التطبيق، وفعلياً في ترك الرفع، فاحفظه ولا تنسنا.
ثم إن أحمد قد أخرج في مسنده حديث ابن مسعود في مواضع، وجعل - كما في عمدة
القاري (١: ٧٠٦) - كتابه أصلاً فيما هو ثابت، وفيما هو غير ثابت، وبوب عليه النسائي،
وشرطه معلوم، فهذا القدر من السعي في إعلاله قد طاح.
وما ذكره الحافظ في التلخيص من حكم أبي داود على حديث ابن مسعود بأنه ليس
بصحيح: فإنه في النسخ لحديث البراء، كما في التخريج وشرح المهذب، ثم رأيت عبارة التمهيد

٢٣٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
نقلها بعضهم، وقد نقل فيها كلام البزار في حديث ابن مسعود، وهو في العمدة والتلخيص في
حديث يزيد، فيحتاط في النقل، فقد كثر التصحيف اهـ. كذا في نيل الفرقدين.
قال الشيخ العلامة الأنور: ((وجملة الكلام فيما تقدم من المرام أن ابن المبارك أنكر
الوصف القولي من ابن مسعود، ولم يتعرض للوصف الفعلي بالإنكار، بل رواه بنفسه عند
النسائي ويكون عنده فيه احتمال أن يكون الإحالة على صلاة النبيّ وَّر في أشياء أخر غير ترك
الرفع، ولم يتعرض لفعل ابن مسعود بنفسه، ثم جاء البخاري وأراد إعلال الوصف الفعلي
أيضاً، واستشعر أنه لا يمكن إلا أن ينفي ثبوت الترك عن أحد من الصحابة، فادعاه وأصرّ عليه،
فكأن تصحيح الحديث عنده أشد من إنكار الواقع، فأنكر الواقع ليمكنه إعلال الحديث، مع أن
الترك متواتر عن ابن مسعود ربه، وعن علي ◌َُّه عند أهل الكوفة، لا حق لأحد في مزاحمتهم
فيه، ثم جاء آخرون فقلدوه، ولم يشعروا بما يقولون، فصححوا قول ابن مسعود: ((ألا أصلي
بكم)) وإذا سُلّم هذا القول منه ولو هذه الجملة فقط، وكان الواقع أنه لم يكن يرفع كما تواتر
عنه، فإذن لا يكون الرفع في تلك الصلاة إلا أول مرة، فماذا صنعوا؟ وماذا فهموا؟ وسواء كان
الحديث على سياق سفيان أو على سياق غيره من الوصف القولي والفعلي كليهما في التطبيق
والقيام بين الإثنين، ولكنه لا يكون رفع على كل حال، فإنه لم يثبت عنه، وفي كلام أبي عمر أنه
لم يختلف عنه فيه، فإذن لا يمكن الإعلال إلا أن يحجروا على ابن مسعود أن يقول في عمره:
((ألا أصلي بكم صلاة رسول الله وَّر)) فالنافع لهم هو حجره عن هذا القول طول عمره، ثم التردد
في أن هذا القدر من الحجر أيضاً يكفي أم لا، أو لا بد أن يحجر على النية أيضاً حتى لا ينوي
أيضاً في الترك إحالة هذا؟ ولهذا السر أنكر البخاري ثبوته عن أحد منهم، فلله ما أدقّ مغزاه
حتى لم يدرك من تأخر مرماه» اهـ.
ثم قال: ((والحاصل أنه لا راحة إلا بالحجر على ابن مسعود، فإنه متى قال: ((ألا أريكم»
ثم ترك، ثبت الترك مرفوعاً، وفيه المحذور، فافهمه موضحاً، والعجلة تعمل العجائب)).
ثم لا يخفى عليك ما ناقض به خليفة البخاري الإمام الترمذي إياه حيث قال: ((وبه - أي
بترك الرفع - قال غير واحد من الصحابة والتابعين))، وأقول ثبت عندنا تركه عن عمر، وعلي،
وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عمر، والبراء بن عازب، وكعب بن عجرة، عملاً أو تصديقاً
منه، وآخرين ممن لم يذكر أسماءهم، ولم يعينوا، ومن التابعين عن جل أصحاب علي وابن
مسعود وجماهير أهل الكوفة وكثير من أهل المدينة في عهد مالك، أو الأكثر، وفي سائر البلاد
أيضاً تاركون لم يسموا كما يقع كثيراً في التعامل والتوارث أن لا يأتي إسناد فيه لكونه غير عزيز
عند المتقدمين، وأمراً لا يعتنى به حينئذٍ، أو يعوز الإسناد فيه، ثم يأتي الخلف ويتطلبون
الإسناد، وإذا لم يجدوا أنكروا التواتر العملي، وكثيراً ما يقتحمه ابن حزم في محلاه، كأنه لم

٢٣٣
كتاب: الصلاة
تقع عنده في الدنيا وقائع ما لم يكن هناك إسناد، وهذا قطعي البطلان أو بديهيه، كأنه لا يوجد
المحكي عنه ما لم توجد الحكاية، فينكر كثيراً من الإجماعيات المنقولة بالآحاد، ويخرب أكثر
مما يعمر وهو ضرر عظيم، وهذا القرآن المجيد كيف تواتر على وجه البسيطة عند المسلمين
تواتر طبقة بعد طبقة، بحيث لا يوجد أحد منهم لا يعلم أن كتاباً سماوياً نزل على النبيّ وَّر،
وأنه بأيدينا، ومع هذا لو طلبنا تواتر إسناد كل آية منه لأعوزنا ذلك الأمر، وعجزنا، وهكذا فعل
ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) في بعض نظائر مسألة الزيادة بخبر الواحد على القاطع، كما فعل
في حديث حرمة الجمع بين العمة وابنة أخيها، وبين الخالة وابنة أختها، فإنه متواتر من حيث
التوارث والتعامل، خبر واحد إسناداً)) كذا في نيل الفرقدين.
وأما قول ابن حبان في الصلاة: ((هذا أحسن خبر روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في
الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه، لأن له عللاً
تبطله)) اهـ. فلم نقف على علة من تلك العلل، فلعله كما قال الطيبي في حديث البسملة: لعل
المعل مال إلى مذهبه، والإذعان للحق أحق من المراء.
ولنرجع إلى إنكار ابن المبارك على حديث ابن مسعود الذي شرعنا الكلام منه، فنقول:
قال العلامة النيموي: ((وكيف ما كان، أجاب عنه الشيخ العلامة ابن دقيق العيد المالكي
الشافعي في كتابه ((الإمام)»: ((بأن عدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من النظر فيه، وهو
یدور علی عاصم بن کلیب، وقد وثقه ابن معين) اهـ.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: لا بأس بحديثه. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم:
صالح، وقال أبو داود: كان أفضل أهل الكوفة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أحمد بن
صالح المصري: يعد من وجوه الكوفيين الثقات. وقال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد.
وقال ابن سعد: يحتج به، وليس بكثير الحديث. كذا في التهذيب. وهو من رجال مسلم روى له
في صحيحه .
قال الشيخ الأنور: ((ثم إن مذهب عاصم بن كليب - كما في العمدة - وسفيان ووكيع: ترك
الرفع، فيكونون اعتنوا بحديثه أشد الاعتناء، وبنوا مذهبهم عليه، وسفيان إذا روى لهم الجهر
بآمين كان أحفظ الناس ثم إذا روى ترك الرفع صار أنسى الناس، فوهم عندهم في حديث ابن
مسعود، وقد ناظر الأوزاعي في الترك كما في شرح الإحياء)).
هذا، وقد صحح الحديث ابن القطان في كتاب ((الوهم والإيهام)) وإنما أنكر فيه على وكيع
قوله: (ثم لا يعود)) ويردّ بما أخرجه النسائي في سننه بإسناد صحيح من طريق عبد الله بن
المبارك، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن

٢٣٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عبد الله، قال: ((ألا أخبركم بصلاة رسول الله وَطير؟ قال: فقام فرفع يديه أول مرة، ثم لم يعد)»
انتهى. قلت: وهذا إسناد صحيح.
وقال أبو داود بعدما أخرجه: ((حدثنا الحسن بن علي نا معاوية، وخالد بن عمرو، وأبو
حذيفة، قالوا: نا سفيان بإسناده بهذا، قال: فرفع يديه في أول مرة. وقال بعضهم: مرة واحدة))
انتهى فثبت بذلك أن وكيعاً لم يتفرد بذلك، بل تابعه ابن المبارك وغيره من أصحاب الثوري.
وأما ما زعم الدارقطني من أن أحمد بن حنبل وأبا بكر بن أبي شيبة لم يقولا فيه: (ثم لم
یعد»؛ فمدفوعٌ.
بما رواه أحمد في مسنده: ((حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن
عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: ((ألا أصلي لكم صلاة
رسول الله ﴾؟ قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة)).
وبما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: ((حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن
كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله، قال: ((ألا أريكم صلاة
رسول الله ﴾؟ فلم يرفع يديه إلا مرة))، انتهى.
وأما ما زعم الدارقطني من أن جماعة من أصحاب وكيع لم يقولوا هكذا، فباطل أيضاً،
لأنه مرّ آنفاً أن أحمد وأبا بكر بن أبي شيبة روياه عن وكيع، وقالا فيه: ((فلم يرفع يديه إلا مرة)»
وهذه الكلمة في معنى قوله: ((فرفع يديه ثم لم يعد)) وقد تابعهما جماعة عن وكيع، منهم:
عثمان بن أبي شيبة عند أبي داود، وهناد عند الترمذي، ومحمود بن غيلان عند الترمذي
والنسائي ونعيم بن حماد ويحيى بن يحيى عند الطحاوي كلهم عن وكيع، وقالوا فيه: ((فلم يرفع
يديه إلا مرة)) أو ما في معناه.
وأما ما زعم البخاري في جزء رفع اليدين من أن الوهم فيه من سفيان ففي كتاب عبد الله بن
إدریس عن عاصم بن کلیب، لیس فیه «ثم لم يعد)» فيجاب عنه بوجوه:
أحدها : أن ما رواه ابن إدريس فهو حديث آخر، يدل عليه اختلاف سياقهما .
وثانيها: أن سفيان أحفظ من ابن إدريس، وقد قال الحافظ في التقريب في ترجمة سفيان
(ثقة، حافظ، إمام، حجة) انتهى. فمع وثوقه وحفظه وإمامته لا يضر مخالفة ابن إدريس له.
وثالثها : أن هذه زيادة، والزيادة من الثقة الحافظ المتقن مقبولة.
وأما قولهم: إن الكتاب أحفظ عند أهل العلم فغير مسلم إطلاقه، فإنه ربما يقع الوهم
والسهو والغلط في الكتابة، ثم يصححه ويصلحه العالم من حفظه، فلا يبعد أن كانت لفظة ((لا
يعود)» سقطت من كتاب ابن إدريس لأجل زلة الكاتب.

٢٣٥
كتاب: الصلاة
وأجاب عنه الحافظ جمال الدين الزيلعي كثّلهُ في نصب الراية: ((بأن البخاري كَآتُ وأبا
حاتم جعلا الوهم فيه من سفيان، وابن القطان وغيره يجعلون الوهم فيه من وكيع، وهذا اختلاف
يؤدي إلى طرح القولين، والرجوع إلى صحة الحديث لوروده عن الثقات)) انتهى كلامه.
فخلاصة الكلام أن هذا الخبر مع هذه الزيادة صحيح، وكل ما أوردوه عليه فهو مدفوع.
وأما ما قالوا من أنه يجوز أن ابن مسعود نسي الرفع في غير الافتتاح كما نسي وضع
اليدين على الركب في الركوع، وكذلك ما وقع له في المواضع المتعددة من النسيان: فسخيف
جداً، لأنه دعوى لا دليل عليها، ولا سبيل إلى معرفة أن عبد الله بن مسعود رظُه علمه ثم نسيه،
بل العقل يستغربه ولا يجوزه، بل الحق أن نسبة النسيان إلى عبد الله بن مسعود تظله الذي كان
ملازماً لصحبة النبيّ و # وخادماً له إلى زمان طويل في مثل رفع اليدين الذي يتكرر في الصلوات
صباحاً ومساءً وليلاً ونهاراً: لا تخلو من إساءة الأدب. وأما ما طبق بين يديه في الركوع فلم
يكن من جهة نسيانه، بل كان هذا مشروعاً ثم نسخ، كما جاء مصرحاً في الخبر، فلم يطلع ابن
مسعود على نسخه، ولا يلزم من نسخ التطبيق نسخ الاقتصار على الرفع في التكبيرة الأولى:
قلت: وكذلك سائر ما أوردوه مثالاً لنسيانه لم يكن لنسيانه، بل كان له وجه آخر قد بينوه في
موضعه، وأول من نسب النسيان إلى عبد الله بن مسعود في هذه المواضع هو أبو بكر بن إسحاق
نقل قوله البيهقي في سننه، ثم ابن عبد الهادي في التنقيح، وقد بالغ في رد كلام أبي بكر بن
إسحاق هذا: العلامة ابن التركماني في ((الجوهر النقي في الرد على البيهقي)) كذا قال
النيموي كثّفُ في آثار السنن.
قلت: والتطبيق أو وضع الأكف على الركب مما لا يكاد يخفى على أحد كان يصلي مع
النبيّ ◌َ﴿ ليلاً ونهاراً، فلعله ظبه حمل ما رأى من ترك التطبيق بعدما رأى رسول الله ولم يطبق
على بيان الإباحة، وجواز الأمرين لا على نسخ الفعل المتقدم، وهذا دليل صريح على أنه لم
تكن عادته ظبه الانتقال من مجرد ترك شيء فعله رسول الله وَ لقر إلى نسخ ذلك الفعل، حتى
يظهر له من دليل خارجي أن الترك إنما وقع بطريق النسخ، فتركه رفع اليدين في غير تكبيرة
الإحرام على سبيل الاعتياد والدوام، مع ما هو المتيقن الجلي من رؤية الرفع الذي كان يعمل به
النبيّ ◌َّ﴿ في يوم وليلة أكثر من مائة مرة: دليل على أنه ظهر له من النبيّ وَّر شيء زائد على
مجرد تركه (يثير، فهذا يدل على مرجوحية الرفع، والله أعلم)).
حديث جابر «ما لي أراكم رافعي أيديكم)» إلخ:
وقد صح عند مسلم من طريق تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة، قال: ((خرج علينا
رسول الله ، فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟!، اسكنوا في
الصلاة)) وشمس: بضم المعجمة وسكون الميم، جمع شَمُوس بفتحها وضم الميم، أي:

٢٣٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
صَعْب، واعتراض البخاري في كتابه رفع اليدين بأن هذا الرفع كان في التشهد وقت التسليم،
بدليل حديث عبد الله بن القبطية عن جابر أيضاً: رُد بأن الظاهر أنهما حديثان، لأن الذي يرفع
يديه حال التسليم لا يقال له: ((اسكن في الصلاة)) كما لا يقال لمن صرف وجهه حال التسليم
يميناً وشمالاً: إنه التفت إلى اليمين والشمال في الصلاة، وهذا واضح، ولأن سياق تميم بن
طرفة يدل على أنه وي* خرج عليهم ولم يكونوا معه في الصلاة، فرآهم أنهم يرفعون أيديهم مرة
بعد أخرى في أثناء الصلاة، كما هو دأب الخيل الشموس في تحريك ذنبه، فإن هذا التشبيه لا
يتصور إلا إذا كان الرفع يقع مرة بعد مرة، وسياق حديث عبد الله بن القبطية يدل على أنهم كانوا
يصلون مع النبيّ وَّر، فرآهم يؤمون بأيديهم عند التسليم يميناً وشمالاً، فأنكر عليهم، وعلّمهم
هيئة التسليم، وليس فيه ((اسكنوا في الصلاة)) فليس بين السياقين توحد إلا في التشبيه بأذناب
الخيل الشمس.
قال الحافظ جمال الدين الزيلعي المخرج: ((لقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر
أحدهما بالآخر، وهذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده، وروى الآخر في
وقت آخر كما شاهده، وليس في ذلك بعد والله أعلم)».
وقال بعض أصحابنا على تقدير توحد القصة: ((إن العبرة لعموم اللفظ، وهو قوله:
((اسكنوا في الصلاة)) لا لخصوص السبب، وهو الإيماء حال التسليم، فكأن النبيّ وَّر نبه بهذه
اللفظة على أن المقصود الأصلي في الصلاة السكون، والحركة إنما تقع لضرورة، والضرورات
تقدر بقدرها، فمتى ثبت في جزء من أجزاء الصلاة أمران من الشارع: ما فيه حركة، وما فيه
سكون أو تقليل حركة، فينبغي لنا أن نرجح جانب السكون أو قلة الحركة على ما يقابله، وإذا
كان في المسألة جانب واحد فقط كما في رفع اليدين عند التحريمة، أو في تكبيرات العيدين:
تعين المصير إليه، ولا خيرة لأحد في ترجيح تركه على فعله، تمسكاً بقوله: ((اسكنوا في الصلاة))
وإلا لصار جميع أجزاء الصلاة متروكة، فإن الصلاة كلها حركات وانتقالات.
وأما قوله يلي: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم)) مع أن هذا الرفع في الصلاة لم يكن منهم إلا
بحكم التأسي، فهو كقوله والر: ((ما بالهم وبال الكلاب)) مع أن قتل الكلاب إنما وقع بأمره وَلّ إلا
أنه * لما أراد النسخ نبّههم باختيار هذا العنوان على أن الأمر بالقتل ما كان حكماً أصلياً
مستمراً بل حكماً وقتياً لمصلحة طارئة، وإلا فما لهم ولها. وكذا قول عمر حضرته: ((ما لنا
وللرمل)) مع علمه بمشروعية الرمل.
ترجيح ترك الرفع على الرفع:
قال في فتح القدير: ((واعلم أن الآثار عن الصحابة والطرق عنه وَّهُ كثيرة جداً، والكلام

٢٣٧
كتاب: الصلاة
فيها واسع من جهة الطحاوي وغيره، والقدر المتحقق بعد ذلك كله ثبوت رواية كل من الأمرين
عنه عليه الصلاة والسلام: الرفع عند الركوع - كما رواه الأئمة الستة في كتبهم عن ابن عمر -
وعدمه ـ كما رواه أبو داود وغيره عن ابن مسعود وغيره - فيحتاج إلى الترجيح لقيام التعارض.
ويترجح ما صرنا إليه بأنه قد علم أنها كانت أقوال مباحة في الصلاة وأفعال من جنس هذا
الرفع، وقد علم نسخها، فلا يبعد أن يكون هو أيضاً مشمولاً بالنسخ (أي: نسخ استحبابه
وسنيته، لا جوازه) خصوصاً، وقد ثبت ما يعارضه ثبوتاً لا مردّ له، بخلاف عدمه (أي: عدم رفع
اليدين) فإنه لا يتطرق إليه احتمال عدم الشرعية، لأنه ليس من جنس ما عهد فيه ذلك، بل من
جنس السكون الذي هو طريق ما أجمع على طلبه في الصلاة أعني الخشوع» اهـ. كما في
القرآن: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [سورة المؤمنون، آية: ١و ٢] والخشوع
المطلوب في الصلاة هو السكون الذي أمر به النبيّ وَّر بقوله: ((اسكنوا في الصلاة)).
قال الحافظ في الفتح: ((والخشوع تارة يكون من فعل القلب: كالخشية، وتارة من فعل
البدن: كالسكون. وقيل: لا بد من اعتبارهما، حكاه الفخر الرازي تَّهُ في تفسيره، وقال غيره:
هو معنى يقوم بالنفس، يظهر عنه سكون في الأطراف، يلائم مقصود العبادة، ويدل على أنه من
عمل القلب حديث عليّ: ((الخشوع في القلب)) أخرجه الحاكم. وأما حديث: ((لو خشع هذا
خشعت جوارحه)) ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن)) اهـ.
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن مجاهد قال: ((كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه
عود)» وحدث أن أبا بكر الصديق كان كذلك. قال: وكان يقال: ذاك الخشوع في الصلاة)) اهـ.
قلت: فإذا ثبت الأمران من النبيّ وَّر والصحابة والتابعين وتبعهم: رفع اليدين، وتركه،
فزينة الصلاة الترك الذي هو السكون لا الرفع. فبهذا يترجح ما ذهب إليه الأحناف رحمهم
الله تعالى، وكذا بأفضلية الرواة عن رسول الله وَلقر ، كما قاله أبو حنيفة للأوزاعي في الحكاية
المشهورة عنهما .
وذلك أنه اجتمع مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين - كما حكى ابن عيينة - فقال
الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون عند الركوع والرفع منه؟ فقال لأجل أنه لم يصح عن
رسول الله ﴿ فيه شيء، (أي لم يصح سالماً من المعارض. وإلا فقد صح حديث ابن عمر
وغيره) فقال الأوزاعي: كيف لم يصح؟! وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه ((أن
رسول الله ﴿ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه)) فقال أبو حنيفة:
حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن عبد الله بن مسعود، ((أن النبيّ وَلّ كان لا
يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة، ثم لا يعود لشيء من ذلك)) فقال الأوزاعي: أحدثك عن
الزهري، عن سالم، عن أبيه، وتقول حدثني حماد عن إبراهيم؟ فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه

٢٣٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون من ابن عمر في الفقه، وإن كانت
لابن عمر صحبة، وله فضل صحبة، فالأسود له فضل كثير، وعبد الله عبد الله. فرجح بفقه الرواة
كما رجح الأوزاعي بعلو الإسناد، وهو المذهب المنصور عندنا. كذا في فتح القدير.
وروى الطحاوي وأبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الأسود قال: ((رأيت عمر بن
الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود)) قال الطحاوي: ((هو حديث صحيح)). وقال ابن
التركماني: ((وهذا السند أيضاً صحيح على شرط مسلم)). وقال الحافظ ابن حجر في الدراية:
(رجاله ثقات)) اهـ. ولا يلتفت بعد تصحيح الطحاوي وغيره إلى قول من قال: إن في سنده إبراهيم
النخعي، وهو مدلس يروي عن الأسود بالعنعنة، فإن المتبحر في الحديث كما قال الحاكم - يميز ما
سمعه مما دلّسه، والظنّ به أن لا يحكم بصحة إسناد حتى يطمئن قلبه بنفي التدليس، وإلا فالجري
مطلقاً على القاعدة المشهورة أن معنعن المدلس كالمنقطع صعب عسير يوجب إطراح كثير من
الأحاديث التي صححوها، إذ يتعذر علينا إثبات سماع المدلس فيها من شيخه، ولكن نحسن الظن
بالأولين المتبحرين أنهم اطلعوا على ذلك، وإن لم نطلع نحن عليه، - والله أعلم - .
وأما ما زعمه الحاكم من أن الثوري رواه عن الزبير بن عدي، ولم يقل فيه: ((لم يعد))
فأجاب عنه الشيخ العلامة ابن دقيق العيد خلفه ((بأن الذي رواه سفيان الثوري في مقدار الرفع
(ولفظه في سنن البيهقي (٢: ٢٥): ((أن عمر كان يرفع يديه إلى المنكبين))، وكذلك عند ابن أبي
شيبة وبوّب عليه ((إلى أين يبلغ يديه))) والذي رواه الحسن بن عياش في محل الرفع، ولا تعارض
رواية من زاد رواية من ترك)) اهـ.
وأما ما قال الحاكم: إن رواية الأسود لا تعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاوس بن
كيسان عن ابن عمر، ((أن عمر كان يرفع يديه في الكبير في الركوع وعند الرفع منه)»: فقال
النيموي كثّفُ: ((زيادة قوله: ((أن عمر)) هي سهو غير صحيحة، والصواب: ((عن ابن عمر كان
يرفع يديه)) إلخ، وأتى عليه بقرائن توجب التردد في صحتها .
وقال الشيخ الأنور: والظاهر أن الحاكم عارضه بفعل عمر نفسه، واستخرجه من روايته
المرفوعة استبعاداً أن لا يكون يرفع بعد الرواية، لا من فعله بالنقل الصريح. قال في الجوهر
النقي: ثم خرج البيهقي (عن شعبة عن الحكم: رأيت طاوساً يكبر، فرفع یدیه حذو منکبیه عند
التكبير، وعند ركوعه، وعند رفعه رأسه من الركوع، فسألت رجلاً من أصحابه، فقال: إنه
يحدث به عن ابن عمر عن عمر عن النبيّ وَّر) ثم قال: (قال أبو عبد الله الحافظ: فالحديثان
كلاهما محفوظان: ابن عمر عن عمر عن النبيّ وَّر، وابن عمر عن النبيّ ◌َّ، فإن ابن عمر
رأى النبيّ وَ لّ فعله، ورأى أباه فعله ورواه). قلت: في الإمام: كذا رواه آدم وابن عبد الجبار
المروزي عن شعبة، ووهما فيه، والمحفوظ عن ابن عمر عن النبيّ وَّر، وهذه الرواية ترجع إلى

٢٣٩
كتاب: الصلاة
مجهول، وهو الرجل الذي من أصحاب طاؤس حدث الحكم، فإن كانت قد رویت من وجه آخر
على هذا الوجه عن عمر، وإلا فالمجهول لا تقوم به حجة.
وفي علل الخلال عن أحمد بن أثرم: سألت أبا عبد الله - يعني عن هذا الحديث - فقال:
من يقول هذا عن شعبة؟ قلت: آدم العسقلاني، قال: ليس هذا بشيء، إنما هو عن ابن عمر عن
النبيّ ◌َلآر .
وفي الخلافيان للبيهقي: ((ورواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة، ولم يذكر في إسناده
عمر)) اهـ.
قلت: وهذا الذي أورده الحاكم معارضاً لأثر عمر في تركه الرفع لا غيره - كما سيأتي -
استبعاداً منه أن يروي الرفع مرفوعاً، ثم لا يرفع هو.
وبالجملة فقد ثبت عن عمر رظه عدم الرفع فيما سوى الافتتاح، ولا يخفى على أحد من
أهل العلم أن عمر بن الخطاب كان أعلم بالسنة من ابنه عبد الله، وممن كان مثله أو دونه،
ولذلك جعل الطحاوي فعل عمر بن الخطاب مظ لته دليلاً على النسخ.
وروى الطحاوي وابن أبي شيبة والبيهقي بإسناد صحيح عن عاصم بن كليب عن أبيه ((أن
علياً كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعد)) وقال البخاري في جزء رفع
اليدين: ((قال عبد الرحمن بن مهدي: ذكرت للثوري حديث النهشلي عن عاصم بن كليب
فأنكره)) اهـ. فكأنه لم يبلغه، وبقي ابن مهدي يرويه كما في التعليق، وابن مهدي يوثق النهشلي،
كما في التهذيب (١٠: ٢٣٠) والإنكار في أصل اللغة عدم المعرفة، كما في مفردات الراغب
والقاموس، وما في النهاية أنه الجحود فعرف حادث. وقال عمر لعدي بن حاتم: ((وعرفت إذا
أنكروا)) ولم يذكروا لسفيان الثوري رواية عن أبي بكر. وفي كتاب الأم (١: ٩١): أن إبراهيم
عدّ علياً من التاركين، فهو ثابت عنه، وهو في اختلاف الحديث (ص ٢١٥) وفي السنن (٢: ٨١)
عنه ما يفيد أن حديث علي قد شاع عن عاصم، وليس النهشلي بمداره.
قال في الاختلاف: فإن إبراهيم النخعي أنكر حديث وائل بن حجر، وقال: أترى وائل بن
حجر أعلم من علي وعبد الله؟ مع ما عنه في شرح الألفية (ص ٣٢٣): وفي كلام الدارقطني في
نصب الراية أن النهشلي روى المرفوع أيضاً من حديث علي. قال الزيلعي: وهو أثر صحيح.
قال البخاري كثّفُ في كتابه في رفع اليدين: ((وروى أبو بكر النهشلي عن عاصم بن كليب
عن أبيه ((أن علياً رفع يديه في أول التكبيرة، ثم لم يعد)) وحديث عبيد الله بن أبي رافع أصح))
انتهى. فجعله دون حديث عبيد الله بن أبي رافع في الصحة، وحديث ابن أبي رافع صححه
الترمذي وغيره.

٢٤٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال الدارقطني في علله: ((واختلف على أبي بكر النهشلي فيه، فرواه عبد الرحيم بن
سليمان، عنه، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبيّ وَّ مرفوعاً، ووهم في رفعه، وخالفه
جماعة من الثقات، منهم: عبد الرحمن بن مهدي، وموسى بن داود، وأحمد بن يونس،
وغيرهم، فرووه عن أبي بكر النهشلي موقوفاً على عليّ، وهو الصواب، وكذلك رواه محمد بن
أبان عن عاصم، موقوفاً)) انتهى. فجعله الدارقطني موقوفاً صواباً، - والله أعلم - . فلعل الثوري
أنكر المرفوع، وهو المتبادر من سؤال ابن مهدي بلفظ الحديث، والتساؤل أيضاً إنما كان عنه
لاستغرابه .
قال الشيخ العلامة ابن دقيق العيد المالكي الشافعي في كتابه ((الإمام)): ((وما قاله الدارمي
ضعيف، فإنه جعل رواية الرفع المرفوعة عن علي مع حسن الظن به في ترك المخالفة دليلاً على
ضعف هذه الرواية الموقوفة، وخصمه يعكس الأمر، ويجعل فعل علي بعد الرسول وَل* دليلاً
على نسخ ما تقدم)).
أثر ابن عمر في ترك الرفع إلا في التكبيرة الأولى
وروى الطحاوي وابن أبي شيبة والبيهقي في المعرفة بسند صحيح عن مجاهد قال:
((صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة)) ووافق مجاهداً
عليه عبد العزيز بن حكيم عند محمد بن الحسن في موطأه، من طريق محمد بن أبان بن صالح،
وهو - أي محمد بن أبان - وإن كان ضعيفاً لكنه ليس ممن يكذب، وحديثه یکتب، فبذلك يعتضد
حدیث مجاهد.
والجمع بين ما رواه مجاهد من ترك الرفع وبين ما رواه طاوس وغيره من رفع اليدين
ممكن، بأن ابن عمر رفع مرة وترك أخرى.
قال الطحاوي: ((فقد يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاوس يفعله قبل أن تقوم عنده
الحجة بنسخه، ثم قامت عنده الحجة بنسخه، فتركه، وفعل ما ذكره عنه مجاهد)) اهـ.
وأثر مجاهد هذا قد رواه الطحاوي من طريق أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن
حصين .
وأبو بكر بن عياش هذا: هو أحد الحفاظ المشهورين في الحديث والقراء المذكورين في
القراءة، وقد احتج به البخاري كما في الفتح (٩: ١٠٩). وقد روى له البخاري من طريق
أحمد بن يونس في كتاب التفسير من صحيحه. وقد حكى الحافظ في مقدمة الفتح عن ابن عدي
أنه قال: ((لم أجد له حديثاً منكراً من رواية الثقات عنه)) وهو الذي قال: ((ما رأيت فقيهاً قط
يفعله يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى))، كما سيأتي، فقد فتش عن هذه المسألة، وهذا يدل
علی مزید تثبت .