Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب: الحيض (٢٤) - باب: نسخ الوضوء مما مست النار ٧٨٨ - (٩١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ. ٧٨٩ - (٠٠٠) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً. أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَ وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. حِ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ (٢)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ أَكَلَ عَرْقاً، (أَوْ لُحْماً)، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوضَّأُ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً)). ٧٩٠ - (٩٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّح. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيَّهِ؛ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفٍ يَأْكُلُ مِنْهَا. ثُمَّ صَلَّى وَلَّمْ يَتَوَضَّأْ . (٢٤) - باب: نسخ الوضوء مما مس النار ( ... ) - قوله: (أكل عرقاً) إلخ: بفتح العين وإسكان الراء، وهو العظم عليه قليل من اللحم . ٩٢ - (٣٥٥) - قوله: (يحتزّ من كتف) إلخ: بالمهملة والزاي: أي: يقطع. (١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، رقم (٢٠٧). وفي كتاب الأطعمة، باب النهش وانتشال اللحم، رقم (٥٤٠٤) و(٥٤٠٥) والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار، رقم (١٨٤). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في ترك الوضوء مما مست النار، رقم (١٨٧) و(١٨٩) و(١٩٠). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك، رقم (٤٨٨). (٢) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، رقم (٢٠٨) وفي كتاب الأذان، باب إذا دعى الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل، رقم (٦٧٥). وفي كتاب الجهاد، باب ما يذكر في السكّين، رقم (٢٩٢٣). وفي كتاب الأطعمة، باب قطع اللحم بالسكين، رقم (٥٤٠٨)، وباب شاة مسموطة والكتف والجنب، رقم (٥٤٢٢). وباب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه، رقم (٥٤٦٢). والترمذي في جامعه، في كتاب الأطعمة، باب ما جاء عن النبي 18 من الرخصة في قطع اللحم بالسكين، رقم (١٨٣٦). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك، رقم (٤٩٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب الرخصة في ترك الوضوء، رقم (٧٣٣). ١٦٢ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٩١ - (٩٣) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاةِ. فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِينَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. ٧٩٢ - (٠٠٠) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ بِذَلِكَ. ٧٩٣ . (٠٠٠) قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ(١) زَوْجِ النَّبِّ وَِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفاً ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. ٧٩٤ - (٠٠٠) قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِي جَعْفَر بْنُ رَبِيعَةً عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َهِ بِذَلِكَ. ٧٩٥ _ (٩٤) قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ(٢)، قَالَ: أَشْهَدُ لَكُنْتُ أَشْوِي ٩٣ - ( ... ) - قوله: (فَدُعي إلى الصلاة) إلخ: بيّن النسائي من حديث أم سلمة أن الذي دعاه إلى الصلاة: هو بلال. قوله: (وطرح السكين) إلخ: سميت سكيناً لتسكينها حركة المذبوح. قال الحافظ: «فيه دلالة على جواز قطع اللحم بالسكين، وفي النهي عنه حديث ضعيف في سنن أبي داود، فإن ثبت خص بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك لما فيه من التشبه بالأعاجم وأهل الترف)». ٩٤ - (٣٥٧) - قوله: (عن أبي غطفان) إلخ: بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة، هو ابن طريف المري المدني، قال الحاكم أبو أحمد: لا يعرف اسمه. قوله: (عن أبي رافع) إلخ: مولى رسول الله وَلقر، واسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت. قوله: (أشهد) إلخ: أي: أقسم بالله. (١) قوله: ((عن ميمونة زوج النبي ( 8)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ، رقم (٢١٠). (٢) قوله: ((عن أبي رافع)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة سوى مسلم رحمه الله. ١٦٣ كتاب: الحيض لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ بَظْنَ الشَّاةِ. ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. ٧٩٦ - (٩٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ لِهِ شَرِبَ لَبَناً. ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ وَقَالَ: ((إِنَّ لَهُ دَسَماً)). ٧٩٧ - (٠٠٠) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. وأَخْبَرَنِي عَمْرٌو. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَىْ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي يُونُسُ. كُلَّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادٍ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، مِثْلَهُ. قوله: (بطن الشاة) إلخ: يعني الكبد والطحال، وما معهما من القلب وغيرهما . ٩٥ - (٣٥٨) - قوله: (فتمضمض) إلخ: وروى الشافعي عن ابن عباس راوي الحديث أنه شرب لبناً فمضمض، ثم قال: ((لو لم أتمضمض ما باليت)). وروى أبو داود بإسناد حسن عن أنس: ((أن النبيّ ◌َ ﴿ شرب لبناً، فلم يتمضمض ولم يتوضأ)) فحديث الباب محمول على الاستحباب. قوله: (إن له دسماً) إلخ: بفتحتين، أي: زهومة، تعليل للتمضمض، وفيه إشعار بأن التمضمض مناسب، فيدل على استحبابه من كل شيء دسم، ويُستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف. قال النووي: ((اختلف العلماء في استحباب غسل اليدين قبل الطعام وبعده، والأظهر استحبابه أولاً إلا إن تيقن نظافة اليدين من النجاسة والوسخ، واستحبابه بعد الفراغ إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام، بأن كان يابساً، أو لم يمسه بها)) كذا في المرقاة. فرع: قال ابن الملك ناقلاً عن الظهيرية: ((لو أكل السكر أو الحلواء، ثم شرع في الصلاة - والحلاوة في فمه - فدخل مع الريق، لا يفسد)). ( ... ) - قوله: (نا ابن وهب، قال: وأخبرني عمرو) إلخ: هكذا هو في الأصول بالواو (١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب هل يمضمض من اللبن، رقم (٢١١) وفي كتاب اوشربة، باب شرب اللبن، رقم (٥٦٠٩). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب المضمضة من اللبن، رقم (١٨٧). وأبو داود في سننه في كتاب الطهارة، باب في الوضوء من اللبن (١٩٦). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة، وسننها، باب المضمضة من شرب اللبن، رقم (٤٩٨). ١٦٤ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٩٨ - (٩٦) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّد بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ لَّهِ جَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ. فَأْتِيَ بِهَدِيَّةٍ خُبْزَ وَلَخْمٍ. فَأَكَلَ ثَلاثَ لُقَمٍ. ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ. وَمَا مَسَّ مَاءً. ٧٩٩ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَاقَ الْحَديثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ ابْنِ حَلْحَلَةَ، وَفِيهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ ذُلِكَ مِنَ النَّبِيِّ بَّهِ. وَقَالَ: صَلَّى. وَلَمْ يَقُلْ: بِالنَّاسِ. (٢٥) باب: الوضوء من لحوم الإبل ٨٠٠ - (٩٧) حدّثنا أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ(١)؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُوَلَ اللَّهِ وَّهِ: أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمَ؟ قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ، فَتَوَضَّأَ. وَإِنْ شِئْتَ، فَلا في ((وأخبرني)) وهي واو العطف، والقائل: ((وأخبرني عمرو)) هو ابن وهب، وإنما أتى بالواو أولاً لأنه سمع من عمرو أحاديث، فرواها وعطف بعضها على بعض، فقال ابن وهب: أخبرني عمرو بكذا، وأخبرني عمرو بكذا، وعدّد تلك الأحاديث، فسمع أحمد بن عيسى لفظ ابن وهب هكذا بالواو، فأدّاه أحمد بن عيسى كما سمعه، فقال: ((حدثنا ابن وهب، قال - يعني ابن وهب : - وأخبرني عمرو)) والله أعلم، كذا في الشرح. ٩٦ - (٣٥٩) - قوله: (محمد بن عمرو بن حلحلة) إلخ: بالحائين المهملتين المفتوحتين، بينهما اللام الساكنة . ( ... ) - قوله: (أن ابن عباس شهد ذلك) إلخ: أي: رأى هذه القصة. (٢٥) - باب: الوضوء من لحوم الإبل ٩٧ - (٣٦٠) - قوله: (إن شئت فتوضأ) إلخ: قال ابن تيمية صاحب المنتقى: ((هذه النصوص إنما تنفي الإيجاب لا الاستحباب، ولولا أن الوضوء من ذلك مستحب لما أذن فيه، لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة)). .. (١) قوله: ((عن جابر بن سمرة)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، رقم (٤٩٥). ١٦٥ كتاب: الحيض تَوَضأ)) قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ. فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ)) قَالَ: أُصَلِّي فِي قوله: (أأتوضأ من لحوم الإبل) إلخ: والظاهر أن مراد السائل اللحم المطبوخ، فإن أكل النيّ لیس معتاداً حتى يسأل عنه. قوله: (قال: نعم، فتوضأ) إلخ: أي: لشدة زهومته، فالوضوء منه إما واجب كما ذهب إليه أحمد، أو أشد استحباباً من الغنم كما زعم بعض من لا يوجبه. ووجه كون الوضوء مشروعاً منه ما قاله الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين: ((إنه قد جاء أن على ذروة كل بعير شيطاناً، وجاء أنها جن خلقت من جن، ففيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه بالمغتذي، ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، لأنها دواب عادية، فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل، وفيها تلك القوة الشيطانية، والشيطان خلق من نار، والنار تطفأ بالماء)»، هكذا جاء الحديث، ونظيره: الحديث الآخر: ((إن الغضب من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ، فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفىء تلك القوة الشيطانية، فتزول تلك المفسدة)) اهـ. وقال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((أما لحم الإبل فالأمر فيه أشد، لم يقل به أحد من فقهاء الصحابة والتابعين، ولا سبيل إلى الحكم بنسخه، فلذلك لم يقل به من يغلب عليه التخريج، وقال به أحمد وإسحاق، وعندي أنه ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان، والله أعلم. والسر في إيجاب الوضوء من لحوم الإبل - على قول من قال به - أنها كانت محرمة في التوراة، واتفق جمهور أنبياء بني إسرائيل على تحريمها، فلما أباح الله لنا شرع الوضوء منها لمعنيين: أحدهما: أن يكون الوضوء شكراً لما أنعم الله علينا من إباحتها بعد تحريمها على من قبلنا، وثانيهما: أن يكون الوضوء علاجاً لما عسى أن يختلج في بعض الصدور من إباحتها بعد ما حرّمها الأنبياء من بني إسرائيل، فإن النقل من التحريم إلى كونه مباحاً يجب من الوضوء أقرب لاطمئنان نفوسهم، وعندي أنه کان في أول الإسلام ثم نسخ» اهـ. قلت: ولعله وي تدرج في نسخ إيجاب الوضوء مما مسته النار، كما تدرج في نسخ قتل الكلاب، فإنه ◌َ ر أمر أولاً بقتل الكلاب مطلقاً، ثم بقتل الأسود فقط، وقال: ((إنه شيطان)) ثم استقر الأمر على الترخيص، وهكذا لا يبعد كل البعد أن يؤمر بالوضوء مما مست النار مطلقاً، ثم من لحوم الإبل خاصة، ثم كان آخر الأمرين من رسول الله * ترك الوضوء مما مست النار، واستقر الأمر على ما في حديث أبي أمامة الباهلي عند الضياء في المختارة، كما ذكرناه في شرح الوضوء مما مست النار، وكأن من أوجب الوضوء من لحوم الإبل فقط لم ينظر إلى زيادة الألبان في حديث سمرة الشواني (كذا في الأصل والظاهر أنه سمرة السوائي الصحابي ذكر ترجمته في ١٦٦ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مَرَابِضٍ الْغَنَمِ؟ قَالَ: (نَعَمْ)) قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: ((لا)). ٨٠١ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ سِمَاكٍ. ح وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَشْعَثَ بْنٍ أَبِي الشَّعْنَاءِ. كُلُّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنٍ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َّهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي كَامِلٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةً. التهذيب) قال: ((سألت رسول الله وَله، فقلت: إنا أهل بادية وماشية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل وألبانها؟ قال: نعم، قلت: فهل نتوضأ من لحوم الغنم وألبانها؟ قال: لا)) رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: ((وإسناده حسن إن شاء الله تعالى)) وله شاهدان من حديثي أسيد بن حضير، وعبد الله بن عمرو عند ابن ماجه، ومقتضى مجموع هذه الأحاديث أن يكون الوضوء واجباً من ألبان الإبل أيضاً عند من أوجب من لحومها، والله أعلم. قوله: (في مرابض الغنم) إلخ: جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء، وهو موضع ربوض الغنم، وهو للغنم بمنزلة الاضطجاع للإنسان، والبروك للإبل والجثوم للطير. قوله: (قال: نعم) إلخ: فلا كراهة للصلاة فيه، لأنه لا نفار لها بحيث يشوش على المصلي الخشوع والحضور، كذا في المرقاة. قوله: (في مبارك الإبل) إلخ: جمع مبرك، بفتح الميم. قوله: (قال: لا) إلخ: لما لا يؤمن من نفارها، فيلحق المصلي ضرر من صدمة أو غيرها، فلا یکون له حضور . قال ابن حجر: ((والبقر كالغنم، وفيه بحث، ومحل الفرق حيث خلت المرابض والمبارك عن النجاسة، وإلا فكرهت في المرابض أيضاً لكن للنجاسة)) كذا في المرقاة. وقال الأبي: ((قال عياض: والتخيير في مرابض الغنم، والمنع في معاطن الإبل: يدل على ما تقدم من التوجيه بقوة الرائحة والزفورة، إذ الخلاف في طهارة أبوال الجميع سواء، قال بطهارتها مالك، وبنجاستها الشافعي وأبو حنيفة، ولم يفرق أحد، وقيل في علة المنع: إنهم كانوا يستترون بها لقضاء الحاجة)). ١٦٧ كتاب: الحيض (٢٦) - باب: الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك ٨٠٢ . (٩٨) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حِ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ (١)؛ شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ الرَّجُلُ، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ . (٢٦) - باب: الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك ٩٨ - (٣٦١) - قوله: (قال عمرو: حدثنا سفيان بن عيينة) إلخ: أي: قال عمرو الناقد بصيغة التحديث، وسمي ابن عيينة. قوله: (عن سعيد) إلخ: هو ابن المسيب. قوله: (شكى إلى النبيّ ◌َ ﴿) إلخ: بضم الشين وكسر الكاف، والرجل مرفوع، ولم يسم هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاري أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوي، وينبغي أن لا يتوهم بهذا أنه شكى مفتوحة الشين والكاف، ويجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا الوهم غلط، والله أعلم. قوله: (يخيل إليه) إلخ: بضم أوله وفتح المعجمة وتشديد الياء الأخيرة المفتوحة، وأصله من الخيال، والمعنى: يظن، والظن هنا أعمّ من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما على ما هو أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين، كذا في الفتح. قوله: (يجد الشيء) إلخ: أي: الحدث خارجاً منه، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه إلا للضرورة. قوله: (في الصلاة) إلخ: ليس القيد للتخصيص، فإن ما كان ناقضاً خارج الصلاة ينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض. (١) قوله: (عن عمه)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء، باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، رقم (١٣٧). وباب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر، رقم (١٧٧). وفي كتاب البيوع، باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، رقم (٢٠٥٦). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من الريح، رقم (١٦٠) وأبو داود في سننه في كتاب الطهارة، باب إذا شك في الحديث، رقم (١٧٦). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب لا وضوء إلا من حدث، رقم (٥١٣). ١٦٨ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: ((لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحً». قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ . ٨٠٣ - (٩٩) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((إِذَا وَجَّدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئاً فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ. أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لا. فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً». قوله: (لا ينصرف) إلخ: بالجزم على النهي، ويجوز الرفع على أن ((لا)) نافية. قوله: (حتى يسمع صوتاً) إلخ: أي: من مخرجه. قوله: (أو يجد ريحاً) إلخ: أو للتنويع، قال الحافظ كَّفُ: ((دل حديث الباب على صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين، لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى، قاله الخطابي)). وقال النووي: «هذا الحديث أصل في حكم بقاء الأشياء على أصولها، حتی یتیقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارىء عليها، وأخذ بهذا الحديث الجمهور)). وقال في شرح السنة: ((معنى قوله وَله: ((حتى يسمع صوتاً)) إلى آخره حتى يتيقن الحدث، لا أن سماع الصوت أو وجدان الريح شرط إذ قد يكون أصم فلا يسمع الصوت، وقد يكون أخشم فلا يجد الريح، وينتقض طهره، إذا تيقن الحدث)). قوله: (هو عبد الله بن زيد) إلخ: أي: عم عباد بن تميم، هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وهو راوي حديث صفة الوضوء، وحديث صلاة الاستسقاء، وغيرهما، وليس هو ابن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري الأذان. ٩٩ - (٣٦٢) - قوله: (في بطنه شيئاً) إلخ: كالقمرقرة، بأن تردد في بطنه ريح. قوله: (فأشكل عليه) إلخ: أي: التبس. قوله: (فلا يخرجن من المسجد) إلخ: أي: للتوضؤ، لأن المتيقن لا يبطله الشك، قيل: يوهم أن حكم غير المسجد بخلاف المسجد، لكن أشير به إلى أن الأصل أن يصلي في المسجد، لأنه مكانها، فعلى المؤمن ملازمة الجماعات للمسجد. (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب إذا شكّ في الحدث، رقم (١٧٧). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من الريح، رقم (٧٤) و(٧٥). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب لا وضوء إلا من حدث، رقم (٥١٥). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب لا وضوء إلا من حدث، رقم (٧٢٧). ١٦٩ كتاب: الحيض (٢٧) - باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ ٨٠٤ - (١٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمِّرَ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(١)؛ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ. فَمَاتَتْ. فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَيِ فَقَالَ: ((َهَلَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَها، فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟)) (٢٧) - باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ ١٠٠ - (٣٦٣) - قوله: (تصدق) إلخ: بالبناء للمجهول، أي: دفعت صدقة. قوله: (على مولاة) إلخ: عتيقة. قوله: (هلا أخذتم) إلخ: أي: لم لا أخذتم. قوله: (إهابها) إلخ: بكسر الهمزة، وتخفيف الهاء، هو الجلد قبل أن يدبغ، وقيل: هو الجلد دبغ أو لم يدبغ، وجمعه ((أهب)) بفتحتين، ويجوز بضمتين. قوله: (فانتفعتم به) إلخ: فيه جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ. واستثنى الشافعي تنذفُ منها الكلب والخنزير لنجاسة عينهما، واستثنى أبو حنيفة تقُّ الخنزير فقط، لأنه عنده محرم العين بمنزلة الخمر والدم، فلا تعمل فيه الذكاة، ألا ترى أنه لا يجوز الانتفاع به في حال الحياة، والكلب يجوز الانتفاع به في حال الحيوة، فليس هو محرم العين. والله أعلم. وذهب قوم إلى أنه لا ينتفع من الميتة بشيء سواء دبغ الجلد أم لم يدبغ، وتمسكوا بحديث عبد الله بن عكيم (بتصغير عكيم): ((قال: أتانا كتاب رسول الله وَل﴿ قبل موته أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) أخرجه الشافعي، وأحمد والأربعة، وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي، وفي رواية للشافعي، ولأحمد، ولأبي داود: ((قبل موته بشهر)). قال الترمذي: ((كان أحمد يذهب إليه، ويقول: هذا آخر الأمر، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده)). وكذا قال الخلال نحوه، وردّ ابن حبان على من ادعى فيه الاضطراب، والتفصيل في الفتح ونيل الأوطار. (١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب البيوع، باب جلود الميتة قبل أن تدبغ، رقم (٢٠٢١). وفي كتاب الذبائح والصيد، باب جلود الميتة، رقم (٥٥٣١) و(٥٥٣٢). والنسائي في سننه، في كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، رقم (٤٢٤٠) و(٤٢٤١) و(٤٢٤٣) و(٤٢٤٤). وأبو داود في سننه، في كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، رقم (٤١٢١) والترمذي في جامعه، في كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، رقم (١٧٢٧) والدارمي في سننه، في كتاب الأضاحي، باب الاستمتاع بجلود الميتة، رقم (١٩٩٤). ١٧٠ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قال الحافظ: ((وأقوى ما تمسك به من لم يأخذ بظاهره (أي: بظاهر حديث ابن عكيم) معارضة الأحاديث الصحيحة له، وأنها عن سماع، وهذا عن كتابة، وأنها أصح مخارج، وأقوى من ذلك الجمع بين الحديثين بحمل الإهاب على الجلد قبل الدباغ، وأنه بعد الدباغ لا يسمى إهاباً، إنما يسمى قربة وغير ذلك. وقد نقل ذلك عن أئمة اللغة كالنضر بن شميل، وهذه طريقة ابن شاهين، وابن عبد البر، والبيهقي )) اهـ. قلت: إلا أن هذا الجمع يأباه سياق ابن عدي، والطبراني، من حديث شبيب بن سعيد عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه، ولفظه: ((جاءنا كتاب رسول الله ◌َله - ونحن بأرض جيهنة - أني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها، فلا تنتفعوا بإهاب ولا عصب)). قال الحافظ في التلخيص: ((وإسناده ثقات، وتابعه فضالة بن المفضل عند الطبراني في الأوسط»، فلو كان المراد بالإهاب الجلد الذي لم يدبغ فهذا السياق يدل على أن الانتفاع به وبالعصب كان مرخصاً شرعياً في الابتداء، وهو مما لا يقبله الذوق الصحيح، والله أعلم، فلا سبيل إلا إلى إثبات المعارضة وترجيح أحاديث الإباحة على حديث التحريم بقوة الإسناد، وكثرة الطرق الصحيحة، فقد روي في ذلك أعني تطهير الدباغ للأديم خمسة عشر حديثاً، عن ابن عباس حديثان، وعن أم سلمة ثلاثة، وعن أنس حديثان، وعن سلمة بن المحبق وعائشة، والمغيرة، وأبي أمامة، وابن مسعود، وشيبان، وثابت، وجابر، وأثران عن سودة وابن مسعود، كما في نيل الأوطار. قال الشيخ أبو بكر الرازي الحنفي: ((وهذه الأخبار كلها متواترة موجبة للعلم والعمل، قال: إن حديثي التحريم والإباحة لو تساويا في النقل لكان خبر الإباحة أولى لاستعمال الناس له وتلقيهم بالقبول إياه)). وقال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((إن استعمال جلود الحيوانات المدبوغة أمر شائع مسلم عند طوائف الناس، والسر فيه أن الدباغ يزيل النتن والرائحة الكريهة)). وقد ناظر إسحاق بن راهويه الشافعي : - وأحمد بن حنبل حاضر ـ في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟ فقال الشافعي: حديث ابن عباس عن ميمونة (المذكور في الباب) فقال إسحاق: حديث ابن عكيم أشبه أن يكون ناسخاً لحديث ميمونة، لأنه قبل موته بشهر، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع، فقال: إن النبيّ وَلـ كتب إلى كسرى وقيصر وكان حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل تتّثُ ذهب إلى حديث ابن عكيم، وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي، فأفتى بحديث ميمونة. كذا في طبقات الشافعية الكبرى. قال صاحب الطبقات: وهذه المناظرة قد حكاها البيهقي وغيره، وقد يظن قاصر الفهم أن ١٧١ كتاب: الحيض فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَّةٌ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)). قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِمَا: عَنْ مَيْمُونَة رضي اللَّهُ عَنْهَا . ٨٠٥ - (١٠١) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ وَجَّدَ شَّاةً مَيْتَةً، أُعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ، مِنَ الصَّدَقَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((هَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟)) قَالُوا: ((إِنَّها مَيْنَةٌ)) فَقَال: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)). الشافعي انقطع فيها مع إسحاق، وليس الأمر كذلك، ويكفيه - مع قصور فهمه - أن يتأمل رجوع إسحاق إلى قول الشافعي، فلو كان حجته قد نهضت على الشافعي لما رجع إليه . ثم تحقيق هذا أن اعتراض إسحاق فاسد الوضع لا يقابل بغير السكوت، بيانه أن كتاب عبد الله بن عكيم كتاب عارضه سماع، ولم يتيقن أنه مسبوق بالسماع، وإنما ظن ذلك ظناً لقرب التاريخ، ومجرد هذا لا ينهض بالنسخ، أما ما كتب رسول الله وَلتر إلى كسرى وقيصر فلم يعارضها شيء، بل عضدتها القرائن، وساعدها التواتر الدال على أن هذا النبيّ وَلقر جاء بالدعوى إلى ما في هذا الكتاب، فلاح بهذا أن السكوت من الشافعي تسجيل على إسحاق بأن اعتراضه فاسد الوضع، فلم يستحق عنده جواباً، وهذا شأن الخارج عن المبحث عند الجدليين، فإنه لا يقابل بغير السكوت، وربّ سكوت أبلغ من نطق، ومن ثم رجع إليه إسحاق، ولو كان السكوت لقيام الحجة لأكد ذلك ما عند إسحاق، فافهم ما يلقى إليك اهـ. قوله: (إنما حرم) إلخ: رويناه على وجهين: حرم: بفتح الحاء وضم الراء، وحرم: بضم الحاء وكسر الراء المشددة، كذا في الشرح. قال الشيخ أبو بكر الرازي: ((إن قوله تعالى: ﴿إِنََّا حَرَّمَ عَلَيِْكُمُ الْمَيْتَةَ وَاُلَّمَ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٧٣ وسورة النحل، آية: ١١٥])) وقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَا أُوْجِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٤٥] يقتضي تحريم الميتة بجميع أجزائها، وجلدها من أجزائها، لأنه قد حله الموت بدلاً من الحياة التي كانت فيه، إلا أن قوله: ((على طاعم يطعمه)) قد دلّ على الاقتصار بالتحريم على ما يتأتى فيه الأكل، وقد بيّن النبيّ ◌َّ هذا المعنى في جلد الميتة بعد الدباغ بقوله: ((إنما حرم أكلها وإنما حرم لحمها)) اهـ. قوله: (قال أبو بكر وابن أبي عمر في حديثهما) إلخ: يعني: أنهما ذكرا في روايتهما أن ابن عباس رواه عن ميمونة. قال الحافظ: ((الراجح عند الحفاظ في حديث الزهري ليس فيه ميمونة، نعم أخرج مسلم والنسائي من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن عطاء عن ابن عباس أن ميمونة أخبرته)) اهـ. ١٧٢ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٨٠٦ - (٠٠٠) حدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعاً عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنِي أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ بِنَحْوِ رِوَايَةٍ يُونُسَ. ٨٠٧ - (١٠٢) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ الزُّهْرِيُّ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي عُمَرًا، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهُ مَرَّ بِشَاةٍ مَظْرُوحَةٍ. أُعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَّةَ، مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَلَا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ؟)). ٨٠٨ - (١٠٣) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ مُنْذُ حِينٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي ابَّنُ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ مَيْمُوَنَةَ(١) أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ دَاجِئَةً كَانَتْ لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَمَاتَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَلا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟)) . ٨٠٩ - (١٠٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وََّ مَرَّ بِشَاةٍ لِمَوْلاقٍ لِمَيْمُونَةَ. فَقَالَ: ((أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟». ٨١٠ - (١٠٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ وَعْلَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (٢) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وِهُ يَقُولُ: ((إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهَرَ)). ١٠٣ - (٣٦٤) - قوله: (أن داجنة) إلخ: بالدال المهملة، والجيم، والنون، قال أهل اللغة: ((وداجن البيوت ما ألفها من الطير والشاه وغيرهما. وقد دجن في بيته: إذا لزمه، والمراد بالداجنة هنا الشاة، وعدم تقييده بالدبغ في الطرق الآتية يقتضي عليه تقييده بذلك في الطريق الأول لوجوب ردّ المطلق إلى المقيد. قاله الآبي تقذفُ)). ١٠٥ - (٣٦٦) - قوله: (أن عبد الرحمن بن وعلة أخبره) إلخ: بفتح الواو، وإسكان العين المهملة . (١) قوله: ((ميمونة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، رقم (٤٢٣٩) و(٤٢٤٢). وأبو داود في سننه، في كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، رقم (٤١٢٠). وابن ماجه في سننه، في كتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، رقم (٣٦١٠). (٢) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه النسائي في كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة رقم (٤٢٤٦) = ١٧٣ كتاب: الحيض ٨١١ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْروُ النَّاقِدُ. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ. كُلُّهُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ وَعْلَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٌٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّرَ بِمِثْلِهِ، يَعْنِي حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ یحیى. ٨١٢ - ٩/١٠٦ - حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسَحَاقَ. (قَالَ أَبُو بَكْرِ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب؛ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ. قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى أَبَّنٍ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْواً. فَمَسِسْتُهُ. فَقَالَ: مَالَّكَّ تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ، قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ. وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ. نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ. وَنَحْنُ لَا نَأكُلُ ذَبَائِحَهُمْ. وَيَأْتُونَا بِالسِّفَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللّهِ وَه عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: ((دِبَاغُهُ طَهُورُهُ)). قوله: (يعني حديث يحيى بن يحيى) إلخ: بالياء المثناة من تحت، ولعله من كلام الراوي عن مسلم كلّثهُ . ١٠٦ - ( ... ) - قوله: (أن أبا الخير حدثه) إلخ: بالخاء المعجمة، واسمه مرثد بن عبد الله اليزني، بفتح الياء والزاي. قوله: (علي بن وعلة السبئي) إلخ: بفتح السين المهملة وبعدها الباء الموحدة، ثم الهمزة، ثم ياء النسب. قوله: (فروا) إلخ: هكذا هو في النسخ: فروا، وهو الصحيح المشهور في اللغة، (أي: پوستين) وجمع الفرو: فراء، وككعب وكعاب، وفيه لغة قليلة أنه يقال: فروة، بالهاء. قوله: (مالك تمسه) إلخ: بفتح الميم أو بضمها . قوله: (ومعنا البربر) إلخ: قوم يسكنون أفريقية، وقد كتب ابن خلدون في تاريخه مجلدات . قوله: (يجعلون فيه الودك) إلخ: بالعين بعد الجيم، ورواه بعضهم يجملون بالميم، ومعناه: يذيبون، يقال: بفتح الياء وضمها لغتان، يقال: جملت الشحم وأجملته: أذبته. والله أعلم. و(٤٢٤٧). وأبو داود في سننه، في كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، رقم (٤١٢٣). والترمذي في = جامعه، في كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، رقم (١٧٢٨)، وابن ماجه في سننه، في كتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، رقم (٣٦٠٩). والدارمي في سننه، في كتاب الأضاحي، باب الاستمتاع بجلود الميتة، رقم (١٩٩١) و(١٩٩٢). ١٧٤ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٨١٣ - ١٠/١٠٧ - وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ. حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَّعْلَةَ السَّبَئِيُّ. قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ، فَيَأْتِينَا الْمَجُوسُ بِالأَسْقِيَةِ فِيهَا الْمَاءُ وَالْوَدَكُ. فَقَالَ: اشْرَبْ. فَقُلْتُ: أَرَأْيٌ تَرَاهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ يَقُولُ: ((دِبَاغُهُ طَهُورُهُ)) . (٢٨) - باب: التيمم ٨١٤ - ١/١٠٨ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَخْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةٍ (١)؛ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ اَلجُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ. (٢٨) - باب: التيمم ١٠٨ - (٣٦٧) - قوله: (في بعض أسفاره) إلخ: قال ابن عبد البر في التمهيد: ((يقال: إنه كان في غزاة بني المصطلق))، وجزم بذلك في الاستذكار، وسبقه إلى ذلك ابن سعد، وابن حبان، وغزاة بني المصطلق هي غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصة الإفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضاً، فإن كان ما جزموا به ثابتاً حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين، كما هو بيّن في سياقهما. وقال الحافظ: وفي بعض روايات الحديث عند البخاري من قول أسيد بن حضير: ((فوالله ما نزل بك من أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه خيراً)) وفي بعضها: ((إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركة)) وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فيقوي (١) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في فاتحة كتاب التيمم، رقم (٣٣٤). وفي كتاب فضائل أصحاب النبي وَّر، باب قول النبي ◌َّفي: لو كنت متخذاً خليلاً، رقم (٣٦٧٢). وباب فضل عائشة، رقم (٣٧٧٣). وفي كتاب التفسير، باب ((وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط))، رقم (٤٥٨٣). وباب ((فلم تجدوا ماء فيتمموا صعيداً طيباً)، رقم (٤٦٠٧) و(٤٦٠٨). وفي كتاب النكاح، باب استعارة الثياب للعروس وغيرها، رقم (٥١٦٤). وباب قول الرجل لصاحبه: هل أعرستم الليلة، وطعن الرجل ابنته في الخاصرة عند العتاب، رقم (٥٢٥٠). وفي كتاب اللباس، باب استعارة القلائد، رقم (٥٨٨٢). وفي كتاب الحدود، باب من أدّب أهله أو غيره دون السلطان، رقم (٦٨٤٤) و(٦٨٤٥). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب بدء التيمم، رقم (٣١١). وباب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد، رقم (٣٢٤). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب التيمم، رقم (٣١٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، أبواب التيمم، باب ما جاء في السبب، رقم (٥٦٨) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب التيمم مرّة، رقم (٧٥٢). ١٧٥ كتاب: الحيض حَتَّى إِذَا كُنَّا بَالْبَيْدَاءِ (أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ) انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ وَه عَلَى الْتِمَاسِهِ. وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ. وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ. وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد، وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباري، فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع. وفي غزوة بني المصطلق، وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزاتين كانت أولاً، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: ((لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع)) الحديث، فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق، لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف، والبخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى رُهُ، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة، ومما يدل على تأخر القصة أيضاً عن قصة الإفك ما رواه الطبراني عن عائشة قالت: ((لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله وسلم في غزوة أخرى، فسقط أيضاً عقدي حتى حبس الناس على التماسه، فقال لي أبو بكر: يا بنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله عز وجل الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة ثلاثاً)) وفي إسناده محمد بن حميد الرازي، وفيه مقال. وقال العيني: ((إسناده جيد حسن، وفيه التصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين، والله أعلم) اهـ. قوله: (بالبيداء) إلخ: بفتح الموحدة والمد، أدنى إلى مكة من ذي الحليفة، قاله القسطلاني في شرح البخاري. قوله: (أو بذات الجيش) إلخ: بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية، آخره شين معجمة، هما موضعان بين مكة والمدينة، والشك من أحد الرواة عن عائشة. وقيل: منها، واستبعدوا الذي في غير هذا الحديث أنه كان بذات الجيش، كحديث عمار بن ياسر ربه عند أبي داود، والنسائي بإسناد جيد، قال: ((عرّس رسول الله ◌َّ و بذات الجيش، ومعه عائشة زوجه، فانقطع عقدها)) الحديث، ولم يشك بينه وبين البيداء، كذا في إرشاد الساري. قوله: (عقد لي) إلخ: بكسر العين وسكون القاف، أي: قلادة لي كان ثمنها اثني عشر درهماً، وإضافة ((لي)) باعتبار حيازتها للعقد واستيلائها بالمنفعة، لا أنه ملك لها بدليل ما في الرواية الأخرى أنها استعارت من أسماء قلادة، ففيه جواز السفر بالعارية، وهو محمول على رضا صاحبها . قوله: (على التماسه) إلخ: أي: لأجل طلب العقد، وفيه اعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين، وإن قلت، وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال. قوله: (فأتى الناس إلى أبي بكر) إلخ: فيه شكوى المرأة إلى أبيها، وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر لكون النبيّ وَ لو كان نائماً، وكانوا لا يوقظونه. ١٧٦ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَلا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ. وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ. وَلَيْسَ مَعَهم مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ بَّهِ وَاضِحُ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ. فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ وَالنَّاسَ. وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالَتْ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ. وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيدِهِ فِي خَاصِرَتِي. فَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلا مَكَانُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عَلَى فَخِذِي. فَنَامَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَّهُم فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ - وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ : مَا هِيَ بِأَوَّلٍ قوله: (ما صنعت عائشة) إلخ: فيه نسبة الفعل إلى من كان سبباً فيه. قوله: (وجعل يطعن بيده) إلخ: بضم العين، وقد تفتح، أو الفتح للقول، كالطعن في النسب، والضم للرمح، وقيل: كلاهما بالضم، وفيه تأديب الرجل ابنته، ولو كانت مزوجة كبيرة خارجة عن بيته . قوله: (فلا يمنعني من التحرك) إلخ: فيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة، إذ يحصل به تشويش للنائم، وكذا لمصل، أو قارىء، أو مشتغل بعلم، أو ذكر. قاله الحافظ. قوله: (حتى أصبح على غير ماء) إلخ: يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح، وقال بعضهم: ليس المراد بقوله: ((حتى أصبح)) بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح، لأنه قيّد قوله: ((حتى أصبح)) بقوله: ((على غير ماء)) أي: آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء، وأما رواية عمرو بن الحارث فلفظها: ((ثم إن النبيّ وَّر استيقظ، وحضرت الصبح)) فإن أعربت الواو حالية كان دليلاً على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح، وهو الظاهر، واستدل به على الرخصة في ترك التهجد في السفر إن ثبت أن التهجد كان واجباً عليه. كذا في الفتح. قوله: (فأنزل الله آية التيمم) إلخ: أي: التي بالمائدة، كما هو المصرح في رواية عمرو بن الحارث. قوله: (فتيمموا) إلخ: بلفظ الماضي أي: تيمم الناس لأجل الآية، أو هو أمر على ما هو لفظ القرآن، ذكره بياناً أو بدلاً عن آية التيمم، أي: أنزل الله فتيمموا. قال الحافظ: ((واستدل بالآية على وجوب النية في التيمم، لأن معنى ((فتيمموا)»: اقصدوا، وهو قول فقهاء الأمصار إلا الأوزاعي)). قوله: (فقال أسيد بن حضير) إلخ: بضم الهمزة في الأول مصغر أسد، وبضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة في الآخر، الأوسي الأنصاري الأشهلي ظـ ◌ُ . قوله: (هو أحد النقباء) إلخ: ليلة العقبة الثانية. قوله: (ما هي) إلخ: أي البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التيمم. ١٧٧ كتاب: الحيض بَرَكَّتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ. فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: «لما كان من سنة الله في شرائعه أن يسهل عليهم كل ما لا يستطيعونه، وكان أحق أنواع التيسير أن يسقط ما فيه حرج إلى بدل لتطمئن نفوسهم ولا تختلف الخواطر عليهم بإهمال ما التزموه غاية الالتزام مرة واحدة، ولا يألفوا ترك الطهارات أسقط الوضوء والغسل في المرض والسفر إلى التيمم، ولما كان ذلك كذلك نزل القضاء في الملأ الأعلى بإقامة التيمم مقام الوضوء والغسل، وحصل له وجود تشبيهي أنه طهارة من الطهارات، وهذا القضاء أحد الأمور العظام التي تميزت بها الملة المصطفوية من سائر الملل، وهو قوله بَلقر: ((جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء)). (أقول)(١): إنما خص الأرض لأنها لا تكاد تفقد، فهي أحق ما يرفع به الحرج، ولأنها طهور في بعض الأشياء كالخف والسيف بدلاً عن الغسل بالماء، ولأن فيه تذللاً بمنزلة تعفير الوجه في التراب، وهو يناسب طلب العفو، وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء ولم يشرع التمرغ: لأن من حق ما لا يعقل معناه بادي الرأي أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فإنه هو الذي اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب، ولأن التمرغ فيه بعض الحرج فلا يصلح رافعاً للحرج بالكلية، وفي معنى المرض البرد الضارّ لحديث عمرو بن العاص، والسفر ليس بقيد إنما هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر إلى الذهن، وإنما لم يؤمر بمسح الرجل بالتراب لأن الرجل محل الأوساخ، وإنما يؤمر بما ليس حاصلاً ليحصل به التنبه)) اهـ. قوله: (بأوّل بركتكم) إلخ: أي: بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، والمراد بآل أبي بكر نفسه وأهله وأتباعه، وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها، وتكرار البركة منهما، وفي رواية عمرو بن الحارث: ((لقد بارك الله للناس فيكم)) وفي تفسير إسحاق البستي من طريق ابن أبي مليكة عنها أن النبيّ وَّير قال لها: ((ما كان أعظم بركة قلادتك)). قوله: (فوجدنا العقد تحته) إلخ: ظاهر في أن الذين توجهوا في طلبه أولاً لم يجدوه وفي بعض روايات البخاري: ((فبعث رسول الله و ﴿ رجلاً فوجدها أي: القلادة))، وسيأتي لمسلم: ((فأرسل ناساً من أصحابه في طلبها)» ولأبي داود: ((فبعث أسيد بن حضير وناساً معه)) وطريق الجمع بين هذه الروايات أن أسيداً كان رأس من بعث لذلك، فلذلك سمي في بعض الروايات دون غيره، وكذا أسند الفعل إلى واحد مبهم، وهو المراد به، وكأنهم لم يجدوا العقد أولاً، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير وجده أسيد بن حضير بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره. كذا في الفتح. (١) القائل هو الشاه ولي الله رحمه الله تعالى. ١٧٨ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٨١٥ - (١٠٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ بِشْرٍ عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً. فَهَلَكَتْ. فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ نَاساً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَذْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ. فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ بِّهِ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ. فَنَزَلَّتْ آيَةُ التَّيَّمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرَاً. فَوَاللَّهِ! مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَظُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجاً. وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً. ٨١٦ - (١١٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ(١)؛ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً. كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلاةِ؟ فَقَال عَبْدُ اللَّهِ: لا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة؛ ٦] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، ١٠٩ - ( ... ) - قوله: (فهلكت) إلخ: أي: ضاعت. قوله: (فصلوا بغير وضوء) إلخ: استنبط منه النووي وغيره حكم فاقد الطهورين، وقد تقدم بسطه بقدر الكفاية في أوائل الطهارة. ١١٠ - (٣٦٨) - قوله: (يا أبا عبد الرحمن) إلخ: كنية عبد الله بن مسعود رُّته. قوله: (لا يتيمم وإن لم يجد الماء) إلخ: وفي رواية حفص عند البخاري، ((فقال عبد الله : لا يصلي حتى يجد الماء)» ويستفاد منه أن فاقد الطهورين حكمه عند عبد الله بن مسعود أنه لا يصلي كما هو مذهب الحنفية. قوله: (فقال عبد الله لو رخص) إلخ: زاد في رواية حفص عند البخاري (فما دری عبد الله ما يقول)) أي: لم يعرف عبد الله بن مسعود ما يقول في توجيه الآية على وفق فتواه. قاله القسطلاني. قوله: (لو رخص لهم في هذه الآية) إلخ: قال الخطابي وغيره: «فيه دليل على أن عبد الله كان يرى أن المراد بالملامسة في الآية الجماع، فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى، وإلا لكان يقول (١) قوله: ((عن شقيق)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض، أو الموت، أو خاف العطش تيمم، رقم (٣٤٥) و(٣٤٦) وباب التيمم ضربة، رقم (٣٤٧). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب تيمم الجنب، رقم (٣٢١) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب التيمم، رقم (٣٢١). ١٧٩ كتاب: الحيض لِأَوْشَكَ، إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ، أَنْ يَتَمَّمُوا بَالصَّعِيدِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ. فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ. فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ. ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَرَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ له: المراد من الملامسة التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلاً من الوضوء لا يستلزم جعله بدلاً من الغسل. كذا في الفتح. قوله: (لأوشك) إلخ: أي: قرب وأسرع. قوله: (إذا برد عليهم) إلخ: بفتح الراء، وقيل: بضمها، وهذا الكلام من عبد الله يدل على أن نهيه عن تيمم الجنب كان من رعاية المصالح وسدّ ذرائع التهاون والتساهل في الدين، لا من باب الأحكام الأصلية، ولعل نهي عمر بن الخطاب رضيبه أيضاً كان منوطاً بأمثال هذه المصالح. والله أعلم بالصواب. قوله: (أن يتيمموا بالصعيد) إلخ: قال الشيخ أبو بكر الرازي: ((لما قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِبًا﴾ [سورة المائدة، آية: ٦])) وكان الصعيد إسماً للأرض: اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ما كان من الأرض، وأخبرنا أبو عمر غلام ثعلب عنه عن ابن الأعرابي قال: الصعيد الأرض، والصعيد: التراب، والصعيد: القبر، والصعيد: الطريق. فكل ما كان من الأرض فيجوز التيمم به بظاهر الآية، وإنما أراد بالطيب الطاهر المباح، لقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ [سورة طه، آية: ٨١] فأفاد بذلك إيجاب التيمم بالصعيد الطاهر دون النجس، والله أعلم. قوله: (ألم تسمع قول عمار) إلخ: ظاهره أن ذكر أبي موسى لقصة عمار متأخر عن احتجاجه بالآية، وفي رواية حفص عند البخاري احتجاجه بالآية متأخر عن احتجاجه بحديث عمار، ورواية حفص أرجح، لأن فيها زيادة تدل على ضبط ذلك وهي قوله: ((فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية)). قوله: (كما تمرّغ الدابة) إلخ: بفتح المثناة وضم الغين المعجمة، وأصله تتمرّغ، فحذفت إحدى التائين أي: تقلبت في التراب ظناً بأن إيصال التراب إلى جميع الأعضاء واجب في الجنابة كالماء. قوله: (إنما كان يكفيك) إلخ: قال النووي: ((اختلف العلماء في كيفية التيمم، فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنه لا بد من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين))، وممن قال بهذا من العلماء علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والحسن البصري، والشعبي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأصحاب الرأي، وآخرون ﴿م أجمعين. وذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب عطاء، ومكحول، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق بن المنذر، وعامة أصحاب الحديث)). كذا في الشرح. ١٨٠ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وما نسب إلى أبي حنيفة من كونه إلى المرفقين هو ظاهر الرواية عنه، ورواية الحسن عن أبي حنيفة: أنه إلى الرسغ، كذا في العناية وشرح النقاية. قال الزرقاني: ((وعند مالك كثّفُ: الواجب ضربة لهما إلى الكوعين، نعم، السنة عندنا ضربتان إلى المرفقين)). قال النووي: ((وفي حديث الباب دلالة لمذهب من يقول يكفي ضربة واحدة للوجه والكفين جميعاً، وللآخرين أن يجيبوا عنه بأن المراد هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم، وقد أوجب الله تعالى غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال تعالى في التيمم: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ٤٣ وسورة المائدة، آية: ٦] والظاهر أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء في أول الآية فلا يترك هذا الظاهر إلا بصريح)»، والله أعلم. ويؤيد ظاهر الآية ما رواه البغوي في شرح السنة عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة قال: ((مررت على النبيّ وَّه وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ حتى قام إلى جدار، فحتّه بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم ردّ عليّ)) قال البغوي: «هذا حديث حسن)). قلت: وفي تحسينه نظر، فإنه من طريق الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى كما في المرقاة. قال الحافظ في التلخيص: ((إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى (ويقال له إبراهيم بن أبي يحيى كما في الميزان) ضعيف، لكنه حجة عند الشافعي)). وبسط الذهبي في ترجمته ورجّح تضعيفه، ثم رأيت في عمدة القاري: ((قلت: كيف حسّنه (أي: البغوي) وشيخ الشافعي وشيخ شيخه ضعيفان لا يحتج بهما؟ قاله مالك وغيره، وأيضاً فهو منقطع، لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم عمير نصّ علیه البيهقي وغیرہ)) اهـ. وقد روى الدارقطني في سننه حديث أبي الجهيم هذا من طريق محمد بن إسحاق، وفيه ذكر الذراعين، وله شاهد من حديث ابن عمر عند أبي داود، وقد تفرد فيه محمد بن ثابت بذکر الذراعين، وهو ضعيف كما في التلخيص. قال البخاري كَلَهُ: ((وخالفه أيوب وعبيد الله والناس، فقالوا: عن نافع، عن ابن عمر فعله، قال البيهقي: وفعل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين والمرفقين شاهد لصحة رواية محمد بن ثابت، يعني أن فعله وفتواه يقوي الظن بأن المرفوع مما أجاد فيه الراوي المضعف)). وفي الباب حديث قولي عن ابن عمر مرفوعاً: ((التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين)) رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وصحح الأئمة وقفه، وفيه علي بن ظبيان ضعفه القطان، وابن معین وغير واحد.