Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كتاب: الطهارة
وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ. ثُمَّ قَالَ:
ومن الكيف: النهي عن الوصال، والترغيب في السحور، والأمر بتأخيره، وتقديم الفطر،
فكل ذلك تشدد وتعمق من صنيع الجاهلية. ولا اختلاف بين قوله ◌َليقول: ((إذا انتصف شعبان فلا
تصوموه))، وحديث أم سلمة رضيثنا: ((ما رأيت النبي ◌َلّ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان
ورمضان))؛ لأن النبي ◌َ﴿ كان يفعل في نفسه ما لا يأمر به القوم، وأكثر ذلك ما هو من باب سد
الذرائع وضرب مظنات كلية، فإنه ◌َّ ر مأمون من أن يستعمل الشيء في غير محله، أو يجاوز
الحد الذي أمر به إلى إضعاف المزاج وملال الخاطر، وغيره ليس بمأمون، فيحتاجون إلى ضرب
تشریع وسد تعمق)) اهـ.
قال الحافظ في الفتح: ((التعمق المبالغة في تكلف ما لم يكلف به، وعمق الوادي: قعره.
قال النبي ◌َّر: ((لو مدّ بي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم)).
وقال في شرح حديث البخاري: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) وزاد أبو ذر في
حديثه: ((وأخروا السحور)): أخرجه أحمد، وما ظرفية، أي: مدة فعلهم ذلك امتثالاً للسنة،
واقفين عند حدها، غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها)). قال الشيخ ولي الله الدهلوي كتُّهُ :
((إن هذا راجع إلى تدبير الملة أن لا يتعمق فيها ولا يدخلها تحريف أو تغيير)) اهـ.
وقال القاضي عياض وغيره في حكمة قوله ولاير: ((الصبح أربعاً)) للرجل الذي رآه يصلي
ركعتين وقد أقيمت الصلاة: ((لئلا يتطاول الزمان فيظن وجوبها. ويؤيده قوله في بعض الروايات:
((يوشك أحدكم)) وعلى هذا إذا حصل الأمن لا يكره ذلك)).
قال الحافظ: ((وكأن المعنى في كراهة التطوع في الموضع الذي صلى فيه الفريضة خشية
التباس النافلة بالفريضة، وفي مسلم عن السائب بن يزيد «أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفل
بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن النبي مَله
أمرنا بذلك)) ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس)).
قلت: فلا شك أن الحكم باستحباب الزيادة على المرفقين والكعبين على الإطلاق ينافي
هذا الأصل الشرعي، والمقصد المهم يعني: مراعاة سد ذرائع التعمق، والأمن من التباس غير
الفريضة بالفريضة، وأخشى أن يكون من قبيل الاعتداء في الطهور، وأبو هريرة حظيبه أيضاً لم
يكن - ولله الحمد - ذاهلاً عن هذا الأصل الجليل الكلي، فقد روى المؤلف في آخر الباب عن
أبي حازم ((قال: كنت خلف أبي هريرة، وهو يتوضأ لصلاة، فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه،
فقلت: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ، أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ههنا ما
توضأت هذا الوضوء)) .
قال القاضي: ((وإنما أراد أبو هريرة ظله بكلامه هذا أنه لا ينبغي لمن يقتدى به إذا ترخص

٤٨٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ.
فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ)).
٥٨٠ - (٣٦) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ.
قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ قَالَ: ((إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنَ. لَّهُوَ أَشْدُ
بَيَاضاً مِنَ الَلْجِ. وَأَخْلَى
في أمر لضرورة، أو تشدد فيه لوسوسة، أو لاعتقاده في ذلك مذهباً شذ به عن الناس: أن يفعله
بحضرة العامة الجهلة، لئلا يترخصوا برخصته بغير ضرورة، أو يعتقدوا أن ما تشدد فيه هو
الفرض اللازم)) اهـ.
وأما ما روى ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن عن ابن عمر: «أنه ربما كان بلغ
بالوضوء إبطيه في الصيف - كما في تلخيص الحبير(١) -، فليس عندي من إطالة الغرة والتحجيل
في شيء، والظاهر أنه كان لقصد التبرد في الصيف، وإلا فاستحباب الإطالة لا يختص بصيف أو
شتاء عند من يقول به، والله أعلم.
٣٥ - (٠٠٠) - قوله: (إن أمتي يأتون) إلخ: أي: أمة الإجابة، وهم المسلمون، واستدل
الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة. وفيه نظر، لأنه ثبت في قصة
سارة رُها مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما همّ الملك بالدنو منها قامت تتوضأ
وتصلي. وفي قصة جريج الراهب أيضاً أنه قام فتوضأ وصلى، ثم كلّم الغلام.
فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرح
بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً، قال: ((سيما ليست لأحد غيركم)) وله من
حديث حذيفة نحوه.
٣٦ - (٢٤٧) - قوله: (إن حوضي) إلخ: أي: بعدما بين طرفي حوضي.
قوله: (أبعد من أيلة) إلخ: بفتح فسكون تحتية، أي: أزيد من بعد أيلة، وهي بلدة على
الساحل من آخر بلاد الشام مما يلي بحر اليمن.
قوله: (من عدن) إلخ: بفتحتين، يصرف، ولا يصرف، وهو آخر بلاد اليمن، مما يلي بحر
الهند .
قوله: (وأحلى) إلخ: أي: ألذّ.
(١) (٨٨/١ رقم ٩١) باب سنن الوضوء.

٤٨٣
كتاب: الطهارة
مِنَ الْعَسَلِ بَاللََّنِ. وَلَآَنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ. وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ
إِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَّعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ. لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ
لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ)).
٥٨١ _ (٣٧) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ، قَالا:
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((تَرِدُ عَلَّيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ. وَأَنَا أَذودُ النَّاسََ عَنْهُ. كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِلَ
الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِه)) قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ. لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ.
تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثارِ الوُضُوءِ، وَلِيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلاَ يَصِلُونَ. فَأَقُولُ:
قوله: (من العسل باللبن) إلخ: أي: المخلوط به .
قوله: (ولآنيته) إلخ: جمع إناء، أي: ولظروفه من كيزانه وغيرها .
قوله: (وإني لأصدّ) إلخ: أي: أدفع وأمنع.
قوله: (كما يصدّ الرجل) إلخ: أي: الراعي.
قوله: (إبل الناس) إلخ: أي الأجانب.
قوله: (عن حوضه) إلخ: أي: صيانة عن المشاركة والمخالطة.
قوله: (لكم سيما) إلخ: بالقصر، وقد يمد، وهو العلامة. قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِی
وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح، آية: ٢٩].
قوله: (ليست لأحد من الأمم) إلخ: ظهر الحديث أن هذه السيما إنما تكون لمن توضأ في
الدنيا من أمته، وبه جزم الأنصاري في شرح البخاري، ففيه رد على من زعم أنها تكون حتى
لمن لم يتوضأ، كما يقال لهم أهل القبلة: من صلى ومن لا، وفي قياسه على الإيمان نظر، لأنه
التصديق والشهادة، وإن ترك الواجب وفعل الحرام، بخلاف الغرة والتحجيل فمجرد فضيلة
وتشريف لمن توضأ بالفعل لا لسواه، والذي يظهر أن المراد المتوضئ في حياته لا من وضّأه
الغاسل، فلو تيمم لعذر طول حياته حصلت له السيما لقيامه مقام الوضوء، وقد سماه النبي وَال
وضوءاً، فقال: ((الصعيد الطيب وضوء المؤمن)) أخرجه النسائي بسند قوي عن أبي ذر. كذا قال
الزرقاني في شرح الموطأ.
قوله: (تردون عليّ) إلخ: بكسر الراء من الورود.
٣٧ - (٠٠٠) - قوله: (وأنا أذود الناس) إلخ: أي: أطرد.
قوله: (وليُصدن عني طائفة منكم) إلخ: ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة رفعه:
((ليردنّ عليّ الحوض رجال ممن صحبني ورآني)) وسنده حسن، وللطبراني من حديث أبي الدرداء

٤٨٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ونحوه، وزاد: ((فقلت: يا رسول الله أدع الله أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم)) وسنده
حسن .
قال الفربري: ((ذكر عن أبي عبد اللّه البخاري عن قبيصة، قال: هم الذين ارتدوا على عهد
أبي بكر فقاتلهم أبو بكر حتى قتلوا وماتوا على الكفر)).
وقال الخطابي: ((لم يرتد من الصحابة أحد (١)، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا
نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين(٢) ويدل قوله في بعض
الروايات: ((أصيحابي)) بالتصغير على قلة عددهم أو قلة صحبتهم)).
وقال الداودي: ((لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر والبدع في ذلك)).
وقال النووي: ((قيل: هم المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل،
لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم من أجل السيما التي عليهم، فيقال: إنهم بدلوا بعدك)) أي: لم
يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه.
قال عياض وغيره: ((وعلى هذا فتذهب عنهم الغرة والتحجيل، ويطفأ نورهم)).
وقيل: لا يلزم أن تكون عليهم السيما، بل يناديهم لما كان يعرف من إسلامهم.
وقيل: هم أصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطع بدخول
هؤلاء النار لجواز أن يذادوا عن الحوض أولاً عقوبة لهم، ثم يرحموا، ولا يمتنع أن يكون لهم
غرة وتحجيل، فعرفهم بالسيماء سواء كانوا في زمنه أو بعده. ورجح عياض والباجي وغيرهما ما
قال قبيصة راوي الخبر: ((إنهم من ارتد بعده (وَّ﴾)) ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم
السيما، لأنهاكرامة يظهر بما عمل المسلم، والمرتد قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم لا
بصفتهم باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، فمن عرف صورته ناداه مستصحباً لحاله التي فارقه
عليها في الدنيا، وأما دخول أصحاب البدع في ذلك فاستبعد لتعبيره في الخبر بقوله: ((أصحابي))
وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده، وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعم، واستبعد أيضاً أنه
لا يقال للمسلم - ولو كان مبتدعاً -: سحقاً. وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه
قضي عليه بالتعذيب على معصية، ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: ((سحقاً)) تسليماً لأمر الله مع
بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر.
(١) يعارضه ما ذكره آنفاً من رواية أحمد والطبراني من حديث أبي بكرة مرفوعاً: ((ليردن على الحوض رجال
ممن صحبني ورآني)) فتدبر (رف).
(٢) إذا قيد نفي قدح الصحابة بالمشهورين منهم فكيف بما اتفق عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة من
القاعدة: ((أن الصحابة كلهم عدول)) فتدبر (رف).
,٠

٤٨٥
كتاب: الطهارة
يَا رَبِّ، هَؤلاءٍ مِنْ أَصْحَابِي. فَيُجِيبُنِي مَلَكٌ فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟)).
٥٨٢ - (٣٨) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ
طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((إِنَّ حَوْضِي
وقال البيضاوي كثّفُهُ: ((ليس قوله: ((مرتدين)) نصاً في كونهم ارتدوا عن الإسلام، بل
يحتمل ذلك، ويحتمل أن يراد أنهم عصاة المؤمنين، المرتدون عن الاستقامة، يبدلون الأعمال
الصالحة بالسيئة)).
قوله: (وهل تدري ما أحدثوا بعدك) إلخ: أي: من الارتداد، أو تغيير سنته وَّة، أو ترك
الاستقامة على الطاعات - على اختلاف الأقوال - والمختار الأول، واستشكل مع قوله وخلقه :
((حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، تعرض عليّ أعمالكم، فما كان من حسن حمدت الله عليه،
وما كان من سيء استغفرت الله لكم» رواه البزار بإسناد جيد.
وأجيب بأنها تعرض عليه عرضاً مجملاً، فيقال: عملت أمتك شراً، عملت خيراً، وأنها
تعرض دون تعيين عاملها، ذكره الأبي. وفيهما بعد. فقد روى ابن المبارك عن سعيد ابن
المسيب: ((ليس من يوم إلا وتعرض على النبي وَلقر أعمال أمته غدوة وعشيا، فيعرفهم بسيماهم،
وأعمالهم)).
وقد أجاب بعضهم بأن مناداتهم لزيادة الحسرة والنكال، إذ بمناداته لهم حصل عندهم
رجاء النجاة، وقطع ما يرجى أشد في النكال والحسرة من قطع ما لا يرجى، ولا ينافيه قولهم:
((إنهم بدلوا بعدك)) لأنه أيضاً زيادة في تنكيلهم، وهي أجوبة إقناعية يرد على ثالثها رواية:
((فأقول: رب إنهم من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدثوا بعدك؟)) كذا قال الزرقاني في شرح
الموطأ .
قلت: والذي يظهر من سياق حديث البزار - والله أعلم - أن المراد بالأعمال المعروضة
على النبي ◌َّر أعمال أمة الإجابة، وبالارتداد يصير الرجل خارجاً منهم، فلعله لا يعرض عليه.
وأيضاً الحديث المذكور يدل على أن الأعمال المعروضة، إما حسنة يحمد الله عليها، وإما سيئة
يسوغ الاستغفار في حق فاعلها، والارتداد ليس من هذا ولا ذاك. أما انتفاء الأول: فظاهر،
وأما الثاني: فقال الله تعالى في حق من هو أهون من المرتد: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ
﴾ [التوبة، آية:
يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَاتُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ لْجَحِيمِ (
١١٣].
(١) قوله: ((عن حذيفة)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب ذكر الحوض. رقم
(٤٣٠٢).

٤٨٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَذودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِلَ
الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّا مُحَجَّلِينَ
مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ)).
٥٨٣ - (٣٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَليُّ بْنُ
حُجْرِ. جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. أَخْبَرَنِي الْعَلَاَءُ
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَتَّى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمِ
مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِكُمْ لاحِقُونَ،
٣٩ - (٢٤٩) - قوله: (أتى المقبرة) إلخ: بتثليث الباء، والكسر أقلها، موضع القبور،
والظاهر أنها مقبرة البقيع.
قوله: (السلام عليكم) إلخ: إشارة إلى أنهم يعرفون الزائر ويدركون كلامه وسلامه.
قوله: (دار قوم مؤمنين) إلخ: بنصب دار على الاختصاص أو النداء، لأنه مضاف،
والمراد بالدار على الوجهين: الجماعة والأهل.
قوله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) إلخ: قال النووي تكلّفُ وغيره: للعلماء في إتيانه
بالاستثناء - مع أن الموت لا شك فيه - أقوال : .
أظهرها: أنه ليس للشك، وإنما هو للتبرك وامتثال أمر الله فيه.
قال أبو عمر: ((الاستثناء قد يكون في الواجب لا شكاً، كقوله تعالى: ﴿لَتُكْثُنَّ الْمَسْجِدَ
اَلْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الفتح، آية: ٢٧] ولا يضاف الشك إلى الله)).
وقيل: هو للتأديب. عن أحمد بن يحيى استثنى الله تعالى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا
يعلمون، وأمر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَن يَشَآءَ
اللَّهُ﴾ [الكهف، الآيتان: ٢٣، ٢٤] ذكره الطيبي كثّفُ .
والثاني: أنه عادة المتکلم یحسن به كلامه .
والثالث: أنه عائد إلى اللحوق في هذا المكان، والموت بالمدينة.
والرابع: أن ((إن)) بمعن ((إذ)).
والخامس: أنه راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه .
والسادس: أنه كان معه من يظن بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب حلية الوضوء، رقم
(١٥٠). وابن ماجه في سننه في كتاب الزهد، باب ذكر الحوض، رقم (٤٣٠٦).

٤٨٧
كتاب: الطهارة
وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانْنَا)) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
وحكى ابن عبد البر: ((أنه عائد إلى معنى ((مؤمنين)) أي: لاحقون في حال إيمان، لأن
الفتنة لا يأمنها أحد، ألا ترى قول إبراهيم عليّا: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم، آية:
٣٥] وقول يوسف تعلَّلاً: ﴿تَوَقَِّ مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِينَ﴾ [يوسف، آية: ١٠١] ولأن نبينا وَّله يقول:
((اللهم اقبضني إليك غير مفتون)) اهـ.
واستبعد الأبي الثالث لقوله وَل﴿ للأنصار: ((المحيا محياكم والممات مماتكم)) قال: ((إلا
أن يكون قال ذلك قبل» كذا في شرح الموطأ .
قوله: (وددت) إلخ: أي: تمنيت وأحببت.
قوله: (أنا قد رأينا إخواننا) إلخ: تمنى رؤيتهم في الحياة، وقيل: بعد الممات. وأورد
كيف يتمنى رؤيتهم وهو حي، وهم حينئذ في علم الله تعالى لا وجود لهم في الخارج، والمعدوم
لا يرى؟ وأيضاً هو من تمنى ما لا يكون، لأن عمره لا يمتد حتى يرى آخرهم؟
وأجيب بأن الرؤية بمعنى العلم، وهو يتعلق بالمعدوم، أو رؤية تمثيل، بمعنى أن يمثلوا له
كمامثلت الجنة في عرض الحائط، أو أن هذا من رؤية الكون، وزوي الأرض حتى رأى
مشارقها ومغاربها كرامة من الله له، وعبر عن هذا بعض العارفين: ((بأن علم الأنبياء مستمد من
علم الله، وعلمه لا يختلف باختلاف النسب الزمانية، فكذا علم أنبيائه حالة التجلي والتكشف،
فهم - لما خلقوا عليه من التطهير والتجرد عن الأدناس - صارت مرآة الكون تتجلى في سرائرهم،
وصار الكون كله كأنه جوهرة واحدة، وهم مرآته المصقولة التي تتجلى فيها الحقائق والدقائق،
لكن ذلك لا يكون إلا في مقام الجمع ووقت التجلي، وربما كان في أقل من لمحة، ثم بعدها
يرجع العبد لوطنه وإلى شهود تفرقته وأحكام حسه، فلما لم يكن ذلك الحال مستمراً تمنى أن
يراهم رؤية كشف وإدراك في ذلك الآن، ويتأمل هذا يعلم أنه لا تعارض بينه وبين خبر: ((تجلى
لي علم ما بين المرق والمغرب)) وخبر: ((زويت لي الأرض)).
وأورد على أن المراد بعد الموت أنه يلزم منه تمني الموت، وقد قال: ((لا يتمنين أحدكم
الموت)) وأجيب بمنع الملزومية، وإن سلمت فالمنع لما قال: ((لضرّ نزل به)).
قال الأبي: ((وهذا كله على أنه تمن حقيقي، وقد لا يكون حقيقة، وإنما هو تشريف لقدر
أولئك الإخوان».
قال العلماء: في هذا الحديث جواز التمني لا سيما في الخير ولقاء الفضلاء وأهل
الصلاح، قيل: وجه اتصال ودّ ذلك برؤيته أصحاب القبور أنه عند تصوره السابقين تصور
اللاحقين، أو كشف له عن عالم الأرواح السابقين واللاحقين، قاله الزرقاني.
قوله: (أو لسنا إخوانك) إلخ: أي: ((أتقول هذا ولسنا إخوانك؟)).

٤٨٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((أَنْتُمْ أَصْحَابِي. وَإِخْوَاتُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ)). فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرِّ مُحَجَّلَةٌ. بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمِ،
قوله: (أنتم أصحابي) إلخ: قال الباجي: ((لم ينف بذلك أخوتهم، ولكن ذكر مرتبتهم
الزائدة بالصحبة، واختصاصهم بها، وإنما منع أن يسموا بذلك، لأن التسمية والوصف على
سبيل الثناء والمدح للمسمى: يجب أن يكون بأرفع حالاته وأفضل صفاته، وللصحابة بالصحبة
درجة لا يلحقهم فيها أحد، فيجب أن يوصفوا بها)). وقبله عياض ثم النووي، وزاد: ((فهؤلاء
إخوة صحابة، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة)).
وقال الأبي: ((حمل الباجي الأخوة على أنها في الإيمان، ولا شك أن الصحبة أخص،
وحملها أبو عمر على أخوة العلم والقيام بالحق عند قلة القائمين به، المقول فيهم - وهو يخاطب
أصحابه -: (للعامل منهم أجر سبعين منكم)) وغير ذلك مما وصفهم به، ورأى أن هذه الأخوة
أخص من مطلق الصحبة ولا يبعد كل من الحملين)). كذا في شرح الموطأ للزرقاني.
قوله: (وإخواننا الذين لم يأتوا) إلخ: ودل بإثبات الأخوة لهؤلاء على علو مرتبتهم، وأنهم
حازوا فضيلة الآخرية، كما حاز ◌َّله وأصحابه فضيلة الأولية، وهم الغرباء المشار إليهم بقوله:
(بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء)) وهم الخلفاء الذين أفادهم بقوله: ((رحم الله
خلفائي))، وهم القابضون على دينهم عند الفتن المشار إليهم بقوله: ((القابض على دينه كالقابض
على الجمر)) وهم المؤمنون بالغيب إلى غير ذلك مما لا يعسر على الفطن استخراجه من
الأحاديث.
قوله: (وكيف تعرف من لم يأت) إلخ: قال الطيبي تقذفُهُ: ((وسؤالهم بقولهم: ((كيف
تعرف؟)) أي: في المحشر: مبني على أنك تمنيت رؤيتهم في الدنيا، وإنما يتمنى ما لم يكن
حصوله، فإذن كيف تعرفهم في الآخرة، وإنما حملناه على الآخرة ليطابق قوله الآتي: ((غرّ
محجلة)) لظهورهما حينئذٍ)).
قوله: (قال: ((أرأيت) إلخ: أي: أخبرني أيها المخاطب.
قوله: (بين ظهري) إلخ: قيل: الظهر مقحم، في النهاية: أقاموا بين ظهرانيهم، أي:
أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، ومعناه: أن ظهراً منهم قدامه وظهراً وراءه،
فهو مكنوف من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً، كذا نقله الطيبي.
أقول: ثم استعمل في الإقامة بين الحيوانات مجازاً.
قوله: (دهم) إلخ: بضم الدال وسكون الهاء، جمع أدهم، والدهمة: السواد.
قوله: (بهم) إلخ: جمع بهيم، قيل: هو الأسود أيضاً. وقيل الذي لا يخالط لونه لون
سواه، سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر، بل يكون لونه خالصاً .

٤٨٩
كتاب: الطهارة
أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟)) قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنَ
الْوُضوءِ. وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوضِ. أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ.
أَنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَذَ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُخْقاً سُحْقاً».
٥٨٤ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَزْدِيَّ. ح
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ. جَمِيعاً عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ:
((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّا. إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِكُمْ لاحِقُونَ)) ... بِمِثْلٍ حَدِيثٍ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكِ: ((فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي)).
(١٣) - باب تبلغ الحِلْيَة حيث يبلغ الوضوء
٥٨٥ _ (٤٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا خَلَفٌ، يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ
الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمِ؛ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ(١) وَهُو يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ. فَكَانَ يَمُدُّ
يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ فَقُلْتٌ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُّوخَ، أَنْتُمْ
قوله: (وأنا فرطهم على الحوض) إلخ: أي: متقدمهم إلى حوضي في المحشر، فإن لكل
نبي حوضاً. يقال: فرط يفرط فرطا: فهو فارط وفرط، إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء،
ويهيىء لهم الدلاء والأرشية.
قوله: (البعير الضال) إلخ: الذي لا رب له فيسقيه.
قوله: (أناديهم: ألا هَلُمَّ) إلخ: بفتح الميم مشددة، يستوي فيه الجميع والمذكر والمفرد
والمؤنث في لغة الحجاز، ومنه: ﴿وَلْقَائِلِنَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب، آية: ١٨] أي: تعالوا.
قوله: (سحقاً سحقاً) إلخ: بضم الحاء وسكونها، لغتان: أي: بعداً بعداً. ونصبه بتقديم
(ألزمهم الله)) أو (سحقهم سحقاً)).
قال ابن عبد البر: ((كل من أحدث في الدين ما لا يرضاه فو من المطرودين عن الحوض،
وأشدهم من خالف جماعة المسلمين كالخوارج، والروافض، وأصحاب الأهواء، وكذلك
الظلمة المسرفون في الجور، وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، فكل هؤلاء يخاف عليهم أن
يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر)).
[(١٣) - باب: تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء]
٤٠ - (٢٥٠) - قوله: (يا بني فروخ) إلخ: أما فروخ فبفتح الفاء وتشديد الراء وبالخاء
(١) قوله: ((أبي هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب حلية الوضوء، رقم (١٤٩).

٤٩٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هُهُنَا؟ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هُهُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ. سَمِعْتُ خَلِيلِي نَّهِ يَقُولُ: ((تَبْلُغُ
الْحِلْيَّةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ)».
(١٤) - باب: فضل إسباغ الوضوء على المكاره
٥٨٦ - (٤١) حدّثنا يَخْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنٍ
جَعْفَر. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. أَخْبَرَنِي الْعَلاَءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ
رَسُولِّ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟)) قَالُوا:
بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ. وَكَثْرَةُ الْخُطَا
المعجمة، قال صاحب العين: ((فروخ، بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم و لو من ولد كان بعد
إسماعيل وإسحاق، كثر نسله ونما عدده، فولد العجم الذين هم في وسط البلاد)) وقال القاضي
عياض: ((أرا أبو هريرة رضيبه هنا الموالي، وكان خطابه لأبي حازم)).
قوله: (تبلغ الحلية) إلخ: أي: البياض أو الزينة في الجنة.
قوله: (حيث يبلغ الوضوء) إلخ: بالفتح، أي: الماء، وقيل بالضم.
(١٤) - باب: فضل إسباغ الوضوء على المكاره
٤١ - (٢٥١) - قوله: (يمحو الله به الخطايا) إلخ: محو الخطايا كناية عن غفرانها،
ويحتمل المحو عن كتاب الحفظة دلالة على غفرانها .
قوله: (ويرفع به الدرجات) إلخ: أي: المنازل في الجنة.
قوله: (إسباغ الوضوء) إلخ: بضم الواو، أي: تكميله وإتمامه باستيعاب المحل بالغسل،
وتطويل الغرة، وتكرار الغسل ثلاثاً .
قوله: (على المكاره) إلخ: جمع مكره - بفتح الميم - من الكره بمعنى المشقة والألم.
قيل: منها إعواز الماء والحاجة إلى طلبه أو ابتياعه بالثمن الغالي. كذا ذكره الطيبي كثّتُهُ: وقيل:
المراد حال ما يكره استعمال الماء كالتوضوء بالماء البارد في الشتاء أو ألم الجسم.
قوله: (وكثرة الخطا) إلخ؛ جمع خطوة بضم الخاء، وهي ما بين القديمن، وكثرتها إما
لبعد الدار، أو على سبيل التكرار.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب الفضل في ذلك (أي
إسباغ الوضوء) رقم (١٤٣). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في إسباغ الوضوء، رقم
(٥١) و(٥٢). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في إسباغ الوضوء، رقم
(٤٢٨).

٤٩١
كتاب: الطهارة
إِلَى الْمَسَاجِدِ. وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ. فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)).
قال الحافظ تقذفُ: ((واختلف في من كانت داره قريبة من المسجد، فقارب الخطا بحيث
تساوي خطا من دار بعيدة هل يساويه في الفضل أو لا؟ وإلى المساواة جنح الطبري، وروى ابن
أبي شيبة من طريق أنس رُه قال: ((مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخطا،
وقال: أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد)) وهذا لا يلزم منه المساواة في الفضل وإن دل على أن
في كثرة الخطا فضيلة، لأن ثواب الخطا الشاقة ليس كثواب الخطا السهلة)). كذا في الفتح.
قلت: وهذه المقاربة في الخطا متمسكاً بظاهر لفظ الحديث كأنها حيلة من العبد ليجلب
بها رحمة الله الواسعة، وما أحسن قول الشاعر الفارسي:
رحمت حق بها، نه مي جويد
رحمت حق بهانه مي جويد
وعن بعض السلف أنه قال: ((من خدعنا في الله انخدعنا له)) والله أعلم.
قوله: (إلى المساجد) إلخ: للصلاة وغيرها من العبادات.
قوله: (وانتظار الصلاة) إلخ: أي: وقتها أو جماعتها.
قوله: (بعد الصلاة) إلخ: يعني: إذا صلى بالجماعة أو منفرداً ثم ينتظر صلاة أخرى ويعلق
فكره بها، بأن يجلس في المجلس أو في بيته ينتظرها، أو يكون في شغله وقلبه معلق بها . قال
النبي ◌َّ: ((سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله)) فعد منهم ((رجلاً قلبه معلق في المساجد))، أي:
وإن كان الجسد خارجاً عنها .
وقال الباجي تغذّفُ: ((هذا الحديث في المشتركتي الوقت، وهو في غيرهما ليس من عمل
الناس)).
قال عياض: ((ليس في الحديث ما يدل على قصره عليهما، لولا ما ذكر من أنه ليس من
عمل الناس، ثم هو بناء على أنه يعني: بالانتظار الجلوس بالمسجد)).
قال ابن العربي: ((يحتمل أنه يريد به تعلق القلب بالصلاة، فيعم الخمس)).
قوله: (فذلكم الرباط) إلخ: بكسر الراء، يقال: رابطت أي: لازمت الثغر، وهو أيضاً
اسم لما يربط به، وسمي مكان المرابطة رباطاً .
قال القاضي: ((إن هذه الأعمال هي المرابطة الحقيقية، لأنها تسد طرق الشيطان على
النفس، وتقهر الهوى، وتمنعها من قبول الوساوس، فيغلب بها حزب الله جنودَ الشيطان، وذلك
هو الجهاد الأكبر، وذلكم إشارة إلى ما ذكر من الطاعات والخصال المذكورة هو الرباط المذكور
في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ﴾ [آل عمران، آية: ٢٠٠ والرباط
الجهاد، أي: ثواب هذه كثواب الجهاد، إذ فيه مجاهدة النفس بإذاقتها المكاره والشدائد، كما
في الجهاد، قيل: اسم الإشارة يدل على بعد منزلة المشار إليه، وكذا إيقاع (الرباط)) المحلى

٤٩٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٨٧ - (٠٠٠) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. جَمِيعاً عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ الرِّبَاطِ. وفِي حَدِيثِ مَالِكِ ثِنْتَيْنِ :
((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)).
(١٥) - باب: السواك
٥٨٨ - (٤٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١) عَنِ النَّبِيِّ ◌َ؛ قَالَ: ((لَوْلا أَنْ
أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (وَفِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ، عَلَى أُمَّتِي)
باللام الجنسية خبراً لاسم الإشارة: أي: هو الذي يستحق أن يسمى رباطاً، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ
[البقرة، آية: ٢] كأن غيره لا يستحق هذا الاسم، كذا في المرقاة.
الكتب﴾
١٠
(٠٠٠) - قوله: (وفي حديث مالك ثنتين) إلخ: أي: ذكر ((ثنتين)) أو كرر ثنتين. وفي
الموطأ ثلاث مرات. أما حكمة تكراره: فقيل: للاهتمام به وتعظيم شأنه. وقيل: كرر مير على
عادته في تكرار الكلام ليفهم عنه. والأول أظهر. والله أعلم، كذا في الشرح.
(١٥) - باب: السواك
٤٢ - (٢٥٢) - قوله: (لولا أن أشق) إلخ: يقال: شق عليه أي: ثقل أو حمله من الأمر
الشديد ما يشق ويشتد عليه، والمعنى: لولا خشية وقوع المشقة عليهم.
قال القاضي البيضاوي: ((لولا كلمة تدل عى انتفاء الشيء لثبوت غيره، والحق أنها مركبة
من ((لو)) الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره و((لا)) النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت
المشقة، لأن انتفاء النفي ثبوت، فيكون الأمر منفياً لثبوت المشقة)).
قال السندي: ((أي: لولا كراهة لحوق المشقة وخوفه، فلا يرد أن لولا لانتفاء الثاني
لوجود الأول ولا وجود ههنا للمشقة، فافهم)».
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة،
رقم (٨٨٧). وفي كتاب التمني، باب ما يجوز من اللو، رقم (٧٢٤٠). والنسائي في سننه، في كتاب
الطهارة، باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم، رقم (٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب
السواك، رقم (٤٦). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في السواك، رقم (٢٢). وابن
ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب السواك، رقم (٢٨٧). والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة والطهارة، باب في السواك، رقم (٦٨٧).

٤٩٣
كتاب: الطهارة
لِأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاَةٍ)).
قوله: (لأمرتهم) إلخ: أي: وجوباً، كما في المرقاة. قال الشافعي كثّفُهُ: (فيه دليل على
أن السواك ليس بواجب لأنه لو كان واجباً لأمرهم به، شق عليهم أو لم يشق)) اهـ.
وإلى القول بعدم وجوبه صار أكثر أهل العلم، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع، لكن حكى
الشيخ أبو حامد وتبعه الماوردي عن إسحاق بن راهويه، قال: هو واجب لكل صلاة، فمن تركه
عامداً بطلت صلاته، وعن داود أنه قال: هو واجب، لكن ليس شرطاً .
قوله: (بالسواك) إلخ: قال ابن الملك: ((السواك يطلق على الفعل، وعلى العود الذي
يستاك به)). وقال في النهاية: ((السواك بالكسر والمسواك: ما يدلك به الأسنان من العيدان،
يقال: ساك فاه يسوكه: إذا دلكه بالسواك، فإذا لم يذكر الفم يقال: استاك)).
وقال بعضهم: السواك بالكسر اسم للاستياك، وللعود الذي يستاك به، والمراد هنا الأول،
وهو ظاهر، أو الثاني، والمراد استعماله على حذف المضاف، كذا في المرقاة.
قوله: (عند كل صلاة) إلخ: قال النووي: ((السواك مستحب في جميع الأوقات، ولكن في
خمسة أوقات أشد استحباباً :
أحدها: عند الصلاة سواء كان متطهراً بماء أو بتراب، أو غير متطهر، كمن لم يجد ماء
ولا تراباً .
والثاني: عند الوضوء.
الثالث: عند قراءة القرآن.
الرابع: عند الاستيقاظ من النوم.
الخامس: عند تغير الفم، وتغيره يكون بأشياء، منها ترك الأكل والشرب، ومنها: أكل ما
له رائحة كريهة، ومنها: طول السكوت، ومنها: كثرة الكلام)).
وقال ابن عابدين تغذّهُ: ((قال في إمداد الفتاح: وليس السواك من خصائص الوضوء، فإنه
يستحب في حالات: منها: تغير الفم، والقيام من النوم، وإلى الصلاة، ودخول البيت،
والاجتماع بالناس، وقراءة القرآن، لقول أبي حنيفة كثُّهُ: إن السواك من سنن الدين. فتستوي فيه
الأحوال كلها)).
قلت: وقد صرح كثير من الشافعية والحنفية باستحباب السواك عند الوضوء وعند القيام
إلى الصلاة كليهما، فمن نقل الخلاف في أنه من سنن الوضوء أو من سنن الصلاة: فلعل مراده
أن الكلام في تعيين الموضع الذي كان قصد النبي وسلّ إيجاب السواك فيه لولا أن يشق على
أمته، فإن ذلك الموضع ينبغي أن يكون محلاً لمزيد تأكد الاستياك بالنسبة إلى سائر المواضع،
وهذا البحث إنما يدور على ألفاظ حديث الباب: ففي بعض الروايات: ((لولا أن أشق على أمتي

٤٩٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء)) وفي بعضها: ((عند كل وضوء)) وفي بعضها: ((عند كل صلاة))
وفي رواية واحدة للبخاري من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: ((مع كل
صلاة)) إلا أن الحافظ ابن حجر كثّفُ في الفتح أشار إلى شذوذ هذه اللفظة، فقال: ((لم أرها في
شيء من روايات الموطأ إلا عن معن بن عيسى، لكن بلفظ: ((عند كل صلاة)) وكذا النسائي عن
قتيبة عن مالك، وكذا رواه مسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد، وخالفه سعيد بن أبي هلال
عن الأعرج، فقال: ((مع الوضوء)) بدل ((الصلاة)) أخرجه أحمد من طريقه)). وله من طريق أبي
سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك))، وفي
حديث زيد بن خالد عند الترمذي: ((لأمرتهم بالسواك عن كل صلاة))، وفي حديث أم حبيبة عند
ابن أبي خيثمة في تاريخه بسند حسن: ((لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضؤون)).
والحاصل: أن من ذكر منهم الصلاة في الحديث لم يذكرها إلا بلفظة: ((عند))؛ ومن ذكر
الوضوء ذكره بلفظة: ((مع)) وأحياناً بلفظة: ((عند)).
وقد صرح العلامة الرضى في شرح الكافية: ((إن معنى: ((عند)) القرب حساً أو معنى، وأما
لفظة ((مع)) فيقال: جئنا معاً، أي: في زمان واحد، وكنا معاً: أي: في مكان واحد على
الظرفية. وقيل: انتصابه على الحالية، أي: مجتمعين. قال: والفرق بين ((فعلنا معاً)) و((فعلنا
جميعاً)) أن ((معاً)) تفيد الاجتماع في حال الفعل، و((جميعاً)) بمعنى كلنا سواء، سواء اجتمعوا
أولاً».
فعلى هذا ((عند)) أعم من ((مع)) فالمعية تستلزم العندية ولا عكس، فالذي يظهر من مجموع
الروايات المعروفة أنه كان قصد النبي ◌َّو إيجاب السواك عند كل صلاة أي: قريباً منها،
مشروعاً لأجلها كالوضوء مع كل وضوء أي: متصلاً وملتصقاً به، واقعاً في زمان يقع فيه
الوضوء.
وأصرح شيء في هذا المعنى ما روى ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة أن
رسول الله وسلم قال: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء عند كل صلاة)) نقله
في نيل الأوطار، وقال النيموي تثُّهُ: إسناده صحيح.
فهذا يدلك على أن السواك الذي اشتد تأكده عند كل صلاة محله الوضوء لا وقت القيام
إلى التحريمة، فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض الحنفية بتقدير المضاف في قوله: ((عند كل صلاة))
أي: عند وضوء كل صلاة. ولما كان السواك مطهرة للفم كما في حديث النسائي وفيه تطهير
الأفواه التي هي طرق القرآن كما أشير إليه في حديث رواه البزار قال العراقي: بإسناد جيد:
ناسب أن يكون محله في الوضوء عند المضمضة، وأما عند القيام إلى التحريمة فلا ننكر
استحبابه، كما لا ننكر في سائر المواضع التي صرح الفقهاء باستحبابه فيها، إلا أن الكلام في

٤٩٥
كتاب: الطهارة
٥٨٩ _ (٤٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ
الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْح، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ(١). قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ◌َل
إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بَالسِّوَاكِ.
٥٩٠ - ٤٤ - وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ عَنْ سُفْيَانَ،
عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ
بالسِّوَاكِ .
٥٩١ - (٤٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلاَنَ،
(وَهُوَ ابْنُ جَرِيرِ الْمَعْوَلِيُّ) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى(٢)؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ نَهُ
وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ .
تعيين المحل الذي كان قصد النبي ◌َّ إيجابه فيه، وهو - كما ذكرنا - ليس إلا الوضوء، والله
أعلم. قال في رد المحتار: ((وكيف لا يستحب للصلاة التي هي مناجاة الرب سبحانه وتعالى مع
أنه يستحب للاجتماع بالناس» اهـ.
وقال ابن دقيق العيد: ((الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حالا
تقرب إلى الله، فاقتضى أن يكون حال كمال ونظافة إظهاراً لشرف العبادة، وقد ورد من حديث
عليّ عند البزار ما يدل على أنه الأمر يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي، فلا يزال
يدنو منه حتى يضع فاه على فيه)) لكنه لا ينافي ما تقدم.
٤٣ - (٢٥٣) - قوله: (قالت بالسواك) إلخ: فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات،
وشدة الاهتمام به، وتكراره، لعدم تقييده بوقت الصلاة والوضوء.
٤٥ - (٢٥٤) - قوله: (وهو ابن جرير المعولي) إلخ: بفتح الميم وإسكان العين المهملة،
وفتح الواو، منسوب إلى المعاول بطن من الأزد.
قوله: (وطرف السواك على لسانه) إلخ: ألفاظ هذه الرواية قد اشتبهت على الحافظ تَُّهُ
(١) قوله: ((سألت عائشة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب السواك في كل حين، رقم
(٨). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في الرجل يستاك بسواك غيره، رقم (٥١) - وهذا
الحديث وقع في النسخ الهندية قبل باب فرض الوضوء تحت باب بلا ترجمة، فليتنبه - وابن ماجه في سننه،
في كتاب الطهارة وسننها، باب السواك، رقم (٢٩٠).
(٢) قوله: ((عن أبي موسى)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب السواك رقم
(٢٤٤). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب كيف يستاك، رقم (٣). وباب هل يستاك الإمام
بحضرة رعيته، رقم (٤). وأبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف يستاك رقم (٤٩).

٤٩٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٩٢ - (٤٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ(١) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
٥٩٣ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ. كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ بِ لَهَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ. بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَقُولُوا: لِيَتَهَجَّدَ.
٥٩٤ - (٤٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ. حَدَّثَنَا
في الفتح، فإنه أضاف الطرف إلى اللسان لا إلى السواك. فقال: ((جعل السواك على طرف لسانه
كما عند مسلم)) ثم فسره بأن المراد طرفه الداخل، كما عند أحمد: ((يستنّ إلى فوق)) فتنبه له.
وفي هذا الحديث تأكيد السواك، وأنه لا يختص بالأسنان، وفي رواية البخاري: ((فوجدته
يستنّ بسواك بيده يقول: ((أع أع)) والسواك في فيه، كأنه يتھوع)).
قال الحافظ: ((التهوع: التقيء، أي: له صوت كصوت المتقيىء على سبيل المبالغة)).
وفي حجة الله: ((أقول: ينبغي للإنسان أن يبلغ بالسواك أقاصي الفم، فيخرج بلاغم الحلق
والصدر، والاستقصاء في السواك يذهب بالقلاع (داء الفم) ويصفي الصوت، ويطيب
النكهة)) اهـ.
وفوائد السواك كثيرة ذكروها نظماً ونثراً، فليراجع شرح الإحياء للزبيدي.
٤٦ - (٢٥٥) - قوله: (إذا قام ليتهجد) إلخ: يقال: هجد الرجل إذا نام: وتهجد إذا خرج
من الهجود، وهو النوم بالصلاة كما يقال: تحنث، وتأثم، وتحرج إذا اجتنب الحنث، والإثم،
والحرج.
قوله: (يشوص فاه) إلخ: اختلف في معنى الشوص هنا: فقيل: هو الغسل. وقيل:
الدلك. وقيل: التنقية. وقيل: يشوص: يستاك عرضا. وقال ابن دريد تخلّثه: ((الشوص الاستياك
من الأسفل إلى أعلى، ويقال: شصت معرب ((شست)) بمعنى: غسلت بالفارسية.
قلت: ومصدره شستن بزيادة النون، كذا قال العلامة الزبيدي في شرح الإحياء.
(١) قوله: (عن حذيفة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب السواك، رقم (٢٤٥).
وفي كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، رقم (٨٨٩)، وفي كتاب التهجد، باب طول القيام في صلاة
الليل، رقم (١١٣٦). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب السواك إذا قام من الليل، رقم (٢).
وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب السواك لمن قام من الليل، رقم (٥٥). وابن ماجه في سننه،
في كتاب الطهارة وسننها، باب السواك، رقم (٢٨٦). والدارمي في سننه في كتاب الصلاة والطهارة، باب
السواك عند التهجد، رقم (٦٩١).

٤٩٧
كتاب: الطهارة
سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ. وَحُصَيْنٌ والأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه
كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ .
٥٩٥ - (٤٨) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِم،
حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ(١) حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ ذَاتَ لَيْلَةٍ. فَقَامَ نَّبِيُّ
٤٨ - (٢٥٦) - قوله: (حدثنا أبو المتوكل) إلخ: اسمه علي بن داود يقال: ابن داود
البصري .
(١) قوله: ((ابن عباس)) وهو حديث بيتوتة ابن عباس في بيت خالته ميمونة، وقد أخرجه البخاري في صحيحه،
في كتاب العلم، باب السمر في العلم، رقم (١١٧). وفي كتاب الوضوء، باب التخفيف في الوضوء، رقم
(١٣٨) وباب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره، رقم (١٨٣). وفي كتاب الأذان، باب يقوم عن يمين الإمام
بحذائه، سواء إذا كانا اثنين، رقم (٦٩٧). وباب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوّله الإمام إلى يمينه لم
تفسد صلاتهما. رقم (٦٩٨) وباب إذا لم ينو الإمام أن يؤم، ثم جاء قوم فأمّهم، رقم (٦٩٩). وباب إذا
قام الرجل عن يسار الإمام وحوّله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته، رقم (٧٢٦). وباب ميمنة المسجد
والإمام، رقم (٧٢٨). وباب وضوء الصبيان، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور، وحضورهم الجماعة
والعيدين والجنائز وصفوفهم، رقم (٨٥٩). وفي كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر، رقم (٩٩٢). وفي
كتاب العمل في لاصلاة، باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة، رقم (١١٩٨). وفي كتاب
التفسير، سورة آل عمران، باب ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ الآية رقم (٤٥٦٩). وباب ﴿الذين
يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾ الآية رقم (٤٥٧٠). وباب
﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار﴾ رقم (٤٥٧١) وباب ﴿ربنا إننا سمعنا منادياً
ينادي للإيمان﴾ الآية، رقم (٤٥٧٢). وفي كتاب اللباس، باب الذوائب، رقم (٥٩١٩). وفي كتاب
الأدب. باب رفع البصر إلى السماء، رقم (٦٢١٥). وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل،
رقم (٦٣١٦). وفي كتاب التوحيد، باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق، رقم
(٧٤٥٢).
وأخرجه مسلم أيضاً في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من رقم
(١٧٩٧) إلى رقم (١٨١١) والنسائي في سننه في كتاب الأذان، باب إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة، رقم
(٦٨٧). وفي كتاب الافتتاح، باب الدعاء في السجود، رقم (١١٢٢). وفي كتاب قيام الليل، باب ما
يستفتح به القيام، رقم (١٦٢٠) و(١٦٢١). وباب ذكر الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت في حديث ابن
عباس في الوتر، رقم (١٧٠٥ - ١٧٠٧). وأبو داود في سننه في كتاب الطهارة، باب السواك لمن قام من
الليل، رقم (٥٨) وفي كتاب الصلاة، باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان، رقم (٦١٠ -)
و(٦١١). وباب في صلاة الليل رقم (١٣٥٣ - ١٣٥٨) و(١٣٦٤ و١٣٦٥ و١٣٦٧). والترمذي في جامعه،
في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل، رقم (٢٣٢). وابن ماجه في سننه، في كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل، رقم (١٣٥٥) وباب ما جاء كم
يصلّي بالليل، رقم (١٣٦٣).

٤٩٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
اللّهِ وَّهِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ. ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ فِي آلٍ عِمْرَانَ: ﴿إِنَّ فِي
خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:
١٩٠، ١٩١] ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ
فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.
(١٦) - باب: خصال الفطرة
٥٩٦ - (٤٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً
عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً(١)، عَنِ النَّبِّ وَ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ،
قوله: (فنظر إلى السماء ثم تلا) إلخ: فيه أنه يستحب قراءة هذه الآية عند الاستيقاظ في
الليل مع النظر إلى السماء، لما في ذلك من عظيم التدبر، وإذا تكرر نومه واستيقاظه، وخروجه
استحب تكريره قراءة هذه الآيات، كما ذكر في الحديث.
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة، ويستنبط منه أحكام نفيسة، وقد ذكره مسلم كثّهُ هنا
مختصراً، وقد بسط طرقه في كتاب الصلاة، وهناك نبسط شرحه وفوائده إن شاء الله تعالى.
قوله: (ثم رجع فتسوك) إلخ: فيه تكرير السواك كلما قام من النوم وإن قصر.
قال ابن دقيق العيد: ((استحباب السواك عند القيام من النوم، لأن النوم مقتض لتغير الفم
لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسواك آلة تنظيفه، فيستحب عند مقتضاه)).
(١٦) - باب: خصال الفطرة
٤٩ - (٢٥٧) - قوله: (الفطرة خمس) إلخ: مفهوم العدد ليس بحجة لأنه اقتصر في هذا
الحديث - وهو حديث أبي هريرة - على خمس، وفي حديث ابن عمر على ثلاث، وفي حديث
عائشة على عشر، مع ورود غيرها، وأوصلها أبو بكر بن العربي إلى ثلاثين، فأفادنا ذلك أن ذكر
العدد لا يقتضي نفي الزيادة عليه، وهو قول أكثر أهل الأصول، ومن قال به يجيب بأن الله أعلمه
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب اللباس، باب قص الشارب، رقم
(٥٨٨٩). وباب تقليم الأظفار، رقم (٥٨٩١). وفي كتاب الاستئذان، باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط،
رقم (٦٢٩٧) والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، ذكر الفطرة، باب الاختتان، رقم (٩) وباب تقليم
الأظفار، رقم (١٠) وباب نتف الإبط، رقم (١١) وفي كتاب الزينة من السنن، باب الفطرة رقم (٥٠٤٦)
و(٥٠٤٧). وفي كتاب الزينة من المجتبى، باب ذكر الفطرة، رقم (٥٢٢٧). وأبو داود في سننه، في كتاب
الترجل، باب في أخذ الشارب، رقم (٤١٩٨). والترمذي في جامعه، في كتاب الأدب، باب ما جاء في
تقليم الأظفار، رقم (٢٧٥٦)، وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الفطرة، رقم (٢٩٢).

٤٩٩
كتاب: الطهارة
(أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ)،
بالزيادة في خصال الفطرة بعد أن لم يكن علمه لما حدث ببعضها، والله أعلم. كذا في شرح
الإحياء.
وقيل: بل الاختلاف في ذلك - أي: بيان خصال الفطرة - بحسب المقام، فذكر في كل
موضع اللائق بالمخاطبين. وقيل: أريد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة، كما حمل
عليه قوله: ((الدين النصيحة)) ((والحج عرفة)) ونحو ذلك.
قوله: (أو خمس من الفطرة) إلخ: شك من الراوي، وهو سفيان بن عيينة. قاله الحافظ
في الفتح.
قال ابن دقيق العيد: ((دلالة من)) على التبعيض في هذه الرواية أظهر من دلالة الرواية.
السابقة على الحصر)).
واختلف في المراد بالفطرة في هذه الأحاديث، فقيل: السنة، حكاه الخطابي عن أكثر
العلماء، ويدل عليه رواية أبي عوانة في المستخرج في حديث عائشة دينا: ((عشر من السنة))
فعلى هذا المراد بالسنة: الطريقة، أي: إن ذلك سنن الأنبياء وطريقتهم. وقيل: المراد بالفطرة
هنا : الدين، وقيل: الإسلام. ولكل وجهة.
وقال أبو شامة: ((أصل الفطرة الخلقة المبتدأة (سرشت) ومنه ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
[الأنعام، آية: ١٤] أي: المبتدئ خلقهن، وقوله وّله: «كل مولود يولد على الفطرة)) أي: على ما
ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ [الروم، آية:
٣٠] والمعنى أن كل أحد لو ترك من وقت ولادته وما يؤديه إليه نظره لأداه إلى الدين الحق، وهو
التوحيد، ويؤيده قوله تعالى قبلها: ﴿فَفِرْ وَجْهَكَ لِلّنِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم، آية: ٣٠] وإليه
يشير في بقية الحديث حيث عقبه بقوله: ((فأبواه يهودانه وينصرانه)) والمراد بالفطرة في حديث
الباب: أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحثهم
عليها، واستحبها لهم، ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة)).
قال أبو بكر بن العربي: ((إن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من
جملة المسلمين)) .
قال صاحب المفهم: ((في هذه الخصال محافظة على حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما
يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة التي خلق الناس عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها
يشوّه الإنسان ويقبحه بحيث يستقذر ويجتنب، فيخرج مما تقتضيه الفطرة الأولى لهذا المعنى.
كذا في شرح الأحياء.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي تقذفُ: ((هذه الطهارات منقولة عن إبراهيم ظلّلها، متداولة في

٥٠٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْخِتَانُ،
٠٠
طوائف الأمم الحنيفية، أشربت في قلوبهم، ودخلت في صميم اعتقادهم، عليها محياهم،
وعليها مماتهم، عصراً بعد عصر، ولذلك سميت بالفطرة، وهذه شعائر الملة الحنفية، ولا بد
لكل ملة من شعائر يعرفون بها، ويؤاخذون عليها، ليكون طاعتها وعصيانها أمراً محسوساً)).
وقد ردّ القاضي البيضاوي تكلفهُ الفطرة في حديث الباب إلى مجموع ما ورد في معناه، وهو
الاختراع، والجبلة، والدين والسنة، فقال: ((هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت
عليها الشرائع، وكأنها أمر جبلي فطروا عليها)).
قوله: (الختان) إلخ: بكسر المعجمة وتخفيف المثناة، مصدر ختن أي: قطع، والختن
بفتح ثم سكون: قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص. ووقع في رواية يونس عند مسلم
(الاختتان)) والختان اسم لفعل الخاتن، ولموضع الختان أيضاً، كما في حديث عائشة: ((إذا
التقى الختانان)) والأول المراد هنا، وهو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض
الجلدة التي في أعلى فرج المرأة، ويسمى ختان الرجل عذاراً بالعين المهملة والذال المعجمة
والراء، وختان المرأة خفاضها بالخاء المعجمة والضاد المعجمة أيضاً. كذا في شرح الإحياء.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي: ((والعزلة (أي: القلفة) عضو زائد يجتمع فيها الوسخ، ويمنع
الاستبراء من البول، وينقص لذة الجماع، وفي التوراة: ((أن الختان ميسم الله على إبراهيم
وذريته)» معناه أن الملوك، جرت عادتهم بأن يسموا ما يخصهم من الدواب لتتميز عن غيرها،
والعبيد الذين لا يريدون إعتاقهم، فكذلك جعل الختان ميسما عليهم، وسائر الشعار يمكن أن
يدخلها تغيير وتدليس، والختان لا يتطرق إليه تغيير إلا بجهد)) اهـ.
قلت: قول الشيخ: ((وينقص لذة الجماع)) يخالفه ما ادعاه الفخر الرازي تخلّفُ أن الحكمة
في الختان أن الحشفة قوية الحس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوي اللذة عند المباشرة، فإذا
قطعت القلفة تصلبت الحشفة، فضعفت اللذة، وهو اللائق بشريعتنا للّذة، لا قطعاً لها، فالعدل
الختان)).
قال في الدر المختار: ((إن الختان سنة، وهو من شعائر الإسلام، فلو اجتمع أهل بلدة
على تركه حاربهم الإمام، فلا يترك إلا لعذر، وعذر شيخ لا يطيقه ظاهر)).
ووقته غير معلوم، وقيل: سبع سنين، وقيل: عشر، وقيل: أقصاه اثنتا عشرة سنة، وقيل:
العبرة بطاقته، وهو الأشبه بالفقه. وقال أبو حنيفة تغذّفه: لا علم لي بوقته، ولم يرو عنهما (أي:
الصاحبين) فيه شيء، فلذا اختلف المشايخ فيه.
وفي فتح الباري: ((نقل ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع، لأنه فعل
اليهود، وقال مالك: يحسن إذا أثغر، أي: ألقى ثغره، وهو مقدم أسنانه، وذلك يكون في السبع