Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ كتاب: الطهارة الفرائض) الاختيار، أي: الاستيقاظ، أما لو ركع أو سجد ذاهلاً كل الذهول أجزأه، فإن أتى بها أو بأحدها: بأن قام، أو قرأ، أو ركع، أو سجد، أو قعد الأخير نائماً: لا يعتد بما أتى به، بل یعیده)) . وقال الحافظ ابن حجر تَّقْهُ: ((أما إذا نوى العبادة وخالطها شيء مما يغاير الإخلاص فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري من جمهور السلف أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان في ابتدائه لله خالصاً لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره)) . وقال الحافظ ابن تيمية: ((الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلاً باتفاق أهل العلم، بل ينقص الأجر كما قال ابن عباس رضيبه: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها)). وفي السنن عن النبي ◌َ﴿ أنه قال: ((إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، إلا سبعها، إلا ثمنها، إلا تسعها، إلا عشرها)) ويقال: إن النوافل شرعت لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي ◌ّيقول أنه قال: أول ما يحاسب العبد من عمله: الصلاة، فإن أكملها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله، وهذا الإكمال يتناول مانقص مطلقاً. . وأما الوسواس الذي يكون غالباً على الصلاة، فقد قال طائفة - منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبو حامد، الغزالي وغيرهما - إنه يوجب الإعادة. وقال الجمهور: لا، لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة عنه أن النبي نَّ قال: ((إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول: أذكر كذا، أذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لم يدر كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم)). وقد صح عن النبي وّ الصلاة مع الوسواس مطلقاً، ولم يفرق بين القليل والكثير، ولا ريب أن الوسواس كلما قلّ في الصلاة كان أكمل، كما في الصحيح عنه من حديث عثمان رَّاته عن النبي ◌ّيقول: أنه قال: ((إن من توضأ نحو وضوئي ثم صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه: غفر له ما تقدم من ذنبه)) وكذلك في الصحيح أنه قال: ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بوجهه وقلبه: غفر له ما تقدم من ذنبه)) وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ نظريته: ((في ثلاث خصال: لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا: أنا، إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله وَلجر حديثاً لا يقع في ٤٤٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول ويقال لها)). وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد فانهدم طائفة منه، وقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر . وكان عبد الله بن الزبير ظُبه يسجد، فأتى المنجنيق، فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا یرفع رأسه. وقالوا لعامر بن عبد القيس: أتحدث نفسك في شيء في الصلاة؟ فقال: أو شيء أحبّ إليّ من الصلاة أحدث به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنة فيّ أحب إليّ، ومثال هذا متعدد)) اهـ. وأما قصة تجهيز عمر ظنه الجيش في الصلاة، فقد تقدم تحقيقه قريباً في شرح لقوله: ((لا یحدث فیهما نفسه)). وقد ظهر للعبد الضعيف الآن أن الخشوع قد وصف الله سبحانه وتعالى به الأبصار والأصوات والوجوه في آيات كثيرة، ووصف به القلوب في سورة الحديد، فقال عزّ وجل: : أَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْخَيِّ وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ (1)﴾ [الحديد، الآية: ١٦]، فقابل الخشوع بقسوتها، ولما كان القسوة هي الجفاء وغلظ القلوب كما قال في البقرة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالِحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة، ٧٤]، فخشوع القلب ينبغي أن يراد به ما يضادّ القسوة، وهو لين القلب، ورقة الفؤاد، وسرعة التأثر من ذكر الله، والخشية من ربه سبحانه وتعالى، والخشوع في الصلاة بهذا المعنى لا ينافيه تلقي ما يلهم عبد من عباده وقت مناجاته مع مولاه، وحضوره عنده من المعارف الشرعية، والارتفاقات الجهادية، وتجهيز الجيوش لحفظ ملة الإسلام وسداد الثغور، بل الخشوع المذكور لا يبعد أن يثمر هذا النوع من الإلهام لعبده المحدث المكلم، وليس هذا منافياً للخشوع وحضور القلب مع الله، بل هو من ثمراته وآثاره المباركة، والله أعلم. وهذا الجواب قد تنبهت لعمدة أجزائه بما سمعته من بعض كبرائنا الثقات من علوم شيخ مشايخنا الأكبر العارف بالله مولانا الحاج الشاه إمداد الله التهانوي المهاجر قدس الله روحه، وأفاض علينا من شآبيب فيوضه. آمين. قوله: (كفارة لما قبلها من الذنوب) إلخ: أي: لجميع ما قبلها، وإذا أتى الكبيرة لم يكن كفارة للجميع، فإن هذه الكبيرة أيضاً من الجميع لا محالة، وهي لا تغفر إلا بالتوبة أو برحمة الله وفضله . ٤٤٣ كتاب: الطهارة مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)) . ٥٤٣ - (٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَهُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ؛ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاساً يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ أَحَادِيثَ. لا أَدْرِي مَا هِيَ؟ إِلاَّ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّه تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ، وَكَانَتْ صَلاَتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً)). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ فَتَوَضَّأَ . ٥٤٤ - (٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِقُتَِبَةً وَأَبِي بَكْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ، قوله: (ما لم يُؤتِ كبيرة) إلخ: بكسر التاء معلوماً من الإيتاء. وقيل: مجهول، أي: ما لم يعمل كبيرة . قال النووي: ((معناه: أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر، وليس المراد أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت لا يغفر شيء من الصغائر فإن هذا وإن كان محتملاً فسياق الحديث يأباه. أو يقال: إن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض خاصة، فإن لم يجتنب لم تكفر هذه الفرائض شيئاً بالكلية، أو المراد بإتيان الكبيرة في الحديث: الإصرار على الصغائر، والصغائر بعد الإصرار تكون كبيرة كما نقلنا عن ابن عطية سابقاً، والله أعلم)). قوله: (وذلك الدهر كله) إلخ: ((الدهر)) بالنصب على الظرفية، و((كله)) تأكيد له، أي: لا وقت دون وقت. قال الأشرف: ((المشار إليه بذلك إما تكفير الذنوب، أي: تكفير الصلاة المكتوبة الصغائر لا يختص بفرض واحد، بل فرائض الدهر تكفر صغائره، وأما معنى: ((ما لم يوت)) أي: عدم الإتيان بالكبيرة في الدهر كله مع الإتيان بالمكتوبة: كفارة لما قبلها)). قال العلماء: إن هذا وما أشبهه صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفر من الصغائر كفره، وإن صادف كبيرة ولم يصادف صغيرة - يعني: غير مكفرة - رجونا أن يخفف من الكبائر، وإلا كتب له به حسنات، ورفع به درجات، كذا ذكره الطيبي تَّقُ تعالى. ٨ - (٢٢٩) - قوله: (ومشيه إلى المسجد نافلة) إلخ: أي: زائدة لا يقابلها شيء من الذنوب، وفي الهندية معناه: ((مفت)). قوله: (عن سفيان) إلخ: أي: الثوري. قوله: (عن أبي النضر) إلخ: اسمه سالم بن أمية المدني القرشي التيمي مولى عمر بن عبد الله التيمي وكاتبه. ٤٤٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَنْ أَبِي أَنَسٍ، أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ. فَقَالَ: أَلا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللّهِ وَ﴾؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاَثًاً ثُّلاَثًاً . وَزَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ أَبُو النَّضْرِ عَنْ أَبِي أَنَسٍ. قَالَ: وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. ٥٤٥ - (١٠) حدّثنا أَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَبِي صَخْرَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ. قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ. فَمَا أَتَى عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلا وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُظْفَةً. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلاَتِنَا هَذِهِ (قَالَ قوله: (عن أبي أنس) ألخ: اسمه مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، وهو جد مالك بن أنس الإمام، ووالد أبي سهيل عم مالك. قال الشارح تَقُ ((هذا الإسناد من جملة ما استدركه الدارقطني وغيره. قال أبو علي الغساني الجياني: ((ذكروا أن وكيع بن الجراح وهم في إسناد هذا الحديث قوله: ((عن أبي أنس)) وإنما يرويه أبو النضر عن بسر بن سعيد عن عثمان بن عفان، روينا هذا عن أحمد بن حنبل وغيره، قال: وهكذا قال الدارقطني: هذا مما وهم فيه وكيع على الثوري، وخالفه أصحاب الثوري الحفاظ: منهم الأشجعي عبد اللّه، وعبد الله بن الوليد، ويزيد بن أبي حكيم، والفريابي، ومعاوية بن هشام، وأبو حذيفة وغيرهم رووه عن الثوري عن أبي النضر عن بسر بن سعيد أن عثمان، وهو الصواب)). هذا آخر كلام أبي علي)) اهـ. قوله: (بالمقاعد) إلخ: بفتح الميم وبالقاف، قيل: هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان، وقيل: درج، وقيل: موضع بقرب المسجد، اتخذه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس والوضوء ونحو ذلك. قوله: (وعنده رجال من أصحاب النبي) إلخ: معناه: أن عثمان قال ما قاله والرجال عنده، فلم يخالفوه، وقد جاء في رواية رواها البيهقي وغيره: ((أن عثمان رَظُبه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال لأصحاب رسول الله وَّلير: هل رأيتم رسول الله وولي﴿ فعل هذا؟ قالوا: نعم)) والله أعلم. ١٠ - (٢٣٠) - قوله: (عن جامع بن شداد أبي صخرة) إلخ: بفتح الصاد المهملة، ثم خاء معجمة ساكنة، ثم راء، ثم هاء. قوله: (يفيض عليه نطفة) إلخ: بضم النون، وهي الماء القليل، ومراده لم يكن يمر عليه يوم إلا اغتسل فيه، وكانت ملازمته للاغتسال محافظة على تكثير الطهر، وتحصيل ما فيه من عظيم الأجر الذي ذكره في حديثه، والله أعلم. ٤٤٥ كتاب: الطهارة مِسْعَرٌ: أُرَاهَا الْعَصْرَ) فَقَالَ: (مَا أَذْرِي، أُحَدِّثُكُمْ بِشَيْءٍ أَوْ أَسْكُتُ؟)) فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ خَيْراً فَحَدِّثْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَّهَّرُ، فَيْتِمُّ الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بینھَا)) . ٥٤٦ - (١١) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. قَالا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ. قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ أَبَا بُرْدَةً فِي هَذَا الْمَسجِدِ، فِي إِمَارَةٍ بِشْرٍ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ)) . هَذَا حَدِيثُ ابْنٍ مُعَاذٍ، وَلَيْس فِي حَدِيثٍ غُنْدَرٍ: فِي إِمَارَةٍ بِشْرٍ، وَلاَ ذِكْرُ اُلْمَكْتُوبَاتِ . ٥٤٧ - (١٢) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ؛ قَالَ: تَوَضَّأَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَوْماً وُضُوءاً حَسَناً. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ بَيْهِ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَّلاَةُ، غُفِرَ لَهُ مَا خَلاَ مِنْ ذَنْبِهِ)). ٥٤٨ - (١٣) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قوله: (ما أدري أحدثكم بشيء) إلخ: يحتمل أن يكون معناه: ما أدري هل ذكري لكم هذا الحديث في هذا الزمن مصلحة أم لا؟ ثم ظهرت مصلحته في الحال عنده وَّر، فحدثهم به لما فيه من ترغيبهم في الطهارة وسائر أنواع الطاعات، وسبب توقفه أولاً أنه خاف مفسدة اتكالهم، ثم رأى المصلحة في التحدیث به . قوله: (إن كان خيراً فحدثنا) إلخ: يحتمل أن يكون معناه إن كان بشارة لنا وسبباً لنشاطنا وترغيبنا في الأمور أو تحذيراً وتنفيراً من المعاصي والمخالفات: فحدثنا به لنحرص على عمل الخير، والإعراض عن الشر، وإن كان حديثاً لا يتعلق بالأعمال ولا ترغيب فيه ولا ترهيب: فالله ورسوله أعلم. ومعناه: فالرأي: فيه رأيك، والله أعلم. ١٢ - (٢٣٢) - قوله: (لا ينهزه إلا الصلاة) إلخ: بفتح الياء والهاء وإسكان النون بينهما، ومعناه لا يدفعه وينهضه ويحركه، إلا الصلاة، قال أهل اللغة: نهزت الرجل أنهزه: إذا دفعته، ونهز رأسه: أي: حركه. قوله: (ما خلا من ذنبه) إلخ: أي: مضى من ذنبه. ٤٤٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ الْحُكَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ حَدَّثَهُمَا، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ. ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلاَّهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ)) . (٥) - باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ٥٤٩ - (١٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَّةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: «الصَّلاَةُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ. كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْتَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ)) . ١٣ - (٠٠٠) - قوله: (أن الحكيم بن عبد الله القرشي) إلخ: بضم الحاء وفتح الكاف. قوله: (ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة) إلخ: قال الحافظ: ((والحاصل أن لحمران عن عثمان حديثين في هذا، أحدهما مقيد بترك حديث النفس، ذلك في صلاة ركعتين مطلقاً غير مقيد بالمكتوبة والآخر في صلاة المكتوبة في الجماعة أو في المسجد من غير تقييد بترك حديث النفس)». [(٥) - باب: الصلوات الخمس والجمعة على الجمعة ... ] ١٤ - (٢٣٣) - قوله: (مولى الحرقة) إلخ: بضم الحاء المهملة، وفتح الراء، تقدم بيانه في أول الكتاب. قوله: (ما لم تغش الكبائر) إلخ: تقدم معناه في شرح قوله: (ما لم يؤت كبيرة) فراجعه. وفي القرآن العزيز: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء، آية: ٣١]، قال الشيخ الكلا باذي: ((يجوز أن يراد من الكبائر في الآية الشرك، وجمعه باعتبار أنواعه: من اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، أو يقال: جمعه ليوافق الخطاب، لأن الخطاب ورد على الجمع، لقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ﴾ فكبيرة كل واحد إذا ضمت إلى كبيرة صاحبه صارت كبائر)). وفيه أنه يحتاج حينئذ إلى تقدير ((إن شاء)) لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلوات الخمس رقم (٢١٤). ٤٤٧ كتاب: الطهارة ٥٥٠ - (١٥) حدّثني نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَىُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َ ﴿قَالَ: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ)). ٥٥١ _ (١٦) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَّيْلِيُّ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَّ كَانَ يَقُولُ: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتَتَبَ الْكَبَائِرَ)). (٦) - باب: الذكر المستحب عقب الوضوء ٥٥٢ - (١٧) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، يَعْنِي ابْنَّ يَزِيدَ، [النساء، آية: ٤٨] والأظهر أن الكبائر على معناها المتعارف، والمعنى: ((إن تجتنبوا عنها نكفر عنكم سيئاتكم بالطاعات)) كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة. كذا في المرقاة. وقال شيخنا المحمود قدس الله روحه بناء على ما حققنا سابقاً من أن الصغائر هي المبادىء من الذنوب، والكبائر هي الغايات والمقاصد: ((إن مسلما إذا أقدم على ارتكاب الكبيرة وابتلي بمباديها الصغار، ثم ترك الكبيرة وأعرض عنها خوفاً من الله سبحانه وتعالى، ذاكراً نهيه، فهذا الاجتناب من الكبيرة موجب لتكفير الصغائر التي هي من مبادئ تلك الكبيرة إن شاء الله تعالى، وليس المراد أن تكفير الصغائر مطلقاً معلق على اجتناب الكبائر مطلقاً، كما زعمته الخوارج والمعتزلة)) والله تعالى أعلم. ١٦ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي صخر) إلخ: من غيرها، في آخره، اسمه حميد بن زياد، يقال له: أبو الصخر الخراط صاحب العباء، المدني، سكن مصر. قوله: (إذا اجتنب الكبائر) إلخ: هكذا هو في أكثر الأصول: اجتنب، آخره باء موحدة، والكبائر منصوب، أي: إذا اجتنب فاعلها الكبائر، وفي بعض الأصول ((اجتنبت)) بزيادة تاء مثناة في آخره، على ما لم يسم فاعله، ورفع الكبائر، وكلاهما صحيح، ظاهر، والله أعلم. (٦) - باب: الذكر المستحب عقب الوضوء ١٧ - (٢٣٤) - قوله: (حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: نا معاوية بن صالح) لخ: قال أبو علي الغساني تقذفُهُ: «هذا حديث مختلف في إسناده، وأحسن طرقه ما أخرجه مسلم بن الحجاج من حديث ابن مهدي وزيد بن الحباب عن معاوية بن صالح)). ٤٤٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (١). ح. وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِي، فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ. فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَائِماً يُحَدِّثُ النَّاسَ. فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلا وَجَبَتْ لَّهُ الْجَنَّةُ)) قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ، فَإِذَا قَائِلٌ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ. قوله: (عن أبي إدريس الخولاني) إلخ: اسمه عائذ الله - بالذال المعجمة - ابن عبد الله. قوله: (قال وحدثني أبو عثمان عن جبير) إلخ: قال أبو علي الغساني الجياني كَّثُ في تقييد المهمل: ((الصواب أن القائل ذلك هو معاوية بن صالح، ثم استظهره وحققه وأتقنه بما لا مزيد عليه، كما هو مبسوط في الشرح. قوله: (كانت علينا رعاية الإبل) إلخ: معنى هذا الكلام أنهم كانوا يتناوبون رعي إبلهم، فيجتمع الجماعة ويضمون إيلهم بعضها إلى بعض، فيرعاها كل واحد منهم ليكون أرفق بهم، وينصرف الباقون في مصالحهم، والرعاية بكسر الراء وهي الرعي، وقوله: ((روحتها بعشي)) أي: رددتها إلى مراحها في آخر النهار، وتفرغت من أمرها، ثم جئت إلى مجلس رسول الله وَله . قوله: (مقبل عليهما) إلخ: أي: وهو مقبل. قوله: (بقلبه ووجهه) إلخ: قد جمع ◌َّله بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع الحسي والخشوع المعنوي . قوله: (ما أجود هذه) إلخ: يعني: هذه الكلمة، أو الفائدة، أو البشارة، أو العبادة، وجودتها من جهات، منها: أنها سهلة متيسرة يقدر عليها كل أحد بلا مشقة، ومنها: أن أجرها عظيم، والله أعلم. قوله: (فنظرت فإذا عمر قال) إلخ: أي: قال عمر: إني قد رأيتك، كأن عمر أراد بهذا بيان أنك ما قلت: ((ماأجود هذه)) إلا لما فاتتك التي قبلها من الفائدة، وقد عرفت ذلك لأنك ماجئت إلا آنفاً، ثم شرع عمر رضي ◌ُه في بيان الفائدة السابقة بقوله: ((ما منكم من أحد)» إلخ فقوله: (١) قوله: ((عن عقبة بن عامر)) الحديث أخرجه النسائي في سنه، في كتاب الطهارة، باب القول بعد الفراغ من الوضوء رقم (١٤٨) وباب ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين، رقم (١٥١). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا توضأ، رقم (١٦٩) و(١٧٠). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء، رقم (٥٥). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقال بعد الوضوء، رقم (٤٧٠). ٤٤٩ كتاب: الطهارة قَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُك جِئْتَ آنِفاً. قَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ)) . ٥٥٣ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكِ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَخْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) . ((قال: ما منكم)) إلخ: أي: عمر في بيان الفائدة السابقة: ما منكم إلى آخره، أو الضمير للنبي ◌َّر، على أن ((قال)) من مقول عمر رَُّبه، والله تعالى أعلم. قوله: (جئت آنفاً) إلخ: أي: قريباً، هو بالمد على اللغة المشهورة. قوله: (فيبلغ أو فيسبغ الوضوء) إلخ: هما بمعنى واحد، أي: يتمه ويكمله فيوصله مواضعه على الوجه المسنون. قوله: (ثم يقول. أشهد أن) إلخ: قال الطيبي كَذَهُ: ((قول الشهادتين عقيب الوضوء إشارة إلى إخلاص العمل لله تعالى، وطهارة القلب من الشرك والرياء بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث)». قال الإمام النووي تغذّلهُ: ((يستحب أن يقال عقيب الوضوء كلمتا الشهادة، وهذا متفق عليه، وينبغي أن يضم إليه ما جاء في رواية الترمذي: ((اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)) ويضم إليه ما رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة مرفوعاً: ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)). قال أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضاً. قوله: (يدخل من أيها شاء) إلخ: قيل: فيخير إظهاراً لمزيد شرفه، لكنه لا يلهم إلا اختيار الدخول من الباب المعد لعاملي نظير ما غلب عليه من أعماله، كالريّان للصائمين. (٠٠٠) - قوله: (نا زيد بن الحباب) إلخ: بضم الحاء المهملة، وبالباء الموحدة المكررة. قوله: (وأبي عثمان عن جبير) إلخ: معطوف على ربيعة لا على أبي إدريس قاله أبو علي الغسانى، وأثبته . ٤٥٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٧) - باب: في وضوء النبي ◌َّل ٥٥٤ - (١٨) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَّدِ بْنِ عَاصِمِ الأَنْصَارِيِّ(١) وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قِيَلَ لَهُ: تَوَضَّأُ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ. فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَكْفَأَ مِنْهَا عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثًاً، (٧) - باب: آخر في صفة الوضوء [صفة وضوء النبي وَلِّر] ١٨ - (٢٣٥) - قوله: (عن عبد الله بن زيد بن عاصم) إلخ: هو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان، كذا قاله الحفاظ من المتقدمين والمتأخرين. وغلّطوا سفيان بن عيينة في قوله: هو: هو، وممن نص على غلطه في ذلك البخاري في كتاب الاستقساء من صحيحه، وقد قيل: إن صاحب الأذان لا يعرف له غير حديث الأذان. والله أعلم. قوله: (فأكفأ منها) إلخ: أي: من المطهرة أو الإداوة. وفي بعض الروايات: ((فكفأ)) بفتح الكاف، وهما لغتان بمعنى، يقال: كفأ الإناء، وأكفأه: إذا أماله، وقال الكسائي: ((كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته))، والمراد في الموضعين إفراغ الماء من الإناء على اليد، كما صرح به في رواية مالك. قوله: (فغسلهما ثلاثاً) إلخ: فيه استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما في الإناء، وعدّ في الدر المختار من سنن الوضوء: البداءة بغسل اليدين الطاهرتين ثلاثاً، وفي النهر: ((الأصح الذي عليه الأكثر أنه سنة مطلقاً، لكنه عند توهم النجاسة سنة مؤكدة، كما إذا نام لا عن استنجاء، أو كان على بدنه نجاسة، وغير مؤكدة عند عدم توهمها، كما إذا نام لا عن شيء من ذلك، أو لم يكن مستيقظاً عن نوم)). (١) قوله: ((عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب الوضوء مرتين مرتين، رقم (١٥٨) وباب مسح الرأس كله، رقم (١٨٥) وباب غسل الرجلين إلى الكعبين، رقم (١٨٦). وباب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة، رقم (١٩١) وباب مسح الرأس مرة، رقم (١٩٢). وباب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة. رقم (١٩٧) وباب الوضوء من التور، رقم (١٩٩) والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب حد الغسل، رقم (٩٧). وباب صفة مسح الرأس، رقم (٩٨). وباب عدد مسح الرأس، رقم (٩٩). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي 8* رقم (١١٨) و(١١٩) و(١٢٠). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد، رقم (٢٨). وباب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديداً رقم (٣٥). وباب ما جاء فيمن يتوضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثاً، رقم (٤٧). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في مسح الرأس، رقم (٤٣٤). ٤٥١ كتاب: الطهارة ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا. فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفِّ وَاحِدَةٍ . ٠٠ قوله: (ثم أدخل يده) إلخ: فيه أن الاغتراف من الماء القليل للتطهير لا يصير الماء مستعملاً، وأما اشتراط نية الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها . وفي الدر المختار: ((لو أدخل الكف إن أراد الغسل صار الماء مستعملاً، وإن أراد الاغتراف: لا)). قوله: (من كف واحدة) إلخ: قال علي القاري: ((الأظهر أن من كف واحدة تنازع فيه الفعلان، والمعنى: مضمض من كف، واستنشق من كف، وقيد الوحدة احتراز من التثنية)) وسيأتي ما يؤيد هذا التأويل في شرح قوله: ((ففعل ذلك ثلاثاً) ولكن يدفعه ما وقع في بعض نسخ البخاري ((من غرفة واحدة)) فإن احتمال التثنية في الغرفة بعيد، وحينئذ فلا يظهر فائدة قيد الوحدة، وأيضاً قد ورد في الأحاديث الأخر ألفاظ لا تحتمل هذا التأويل، ولا التأويلات الآتية من ابن الهمام كَذَفُ، والله أعلم. قال الشيخ ابن الهمام تقذفه: ((وما روي بكف واحدة فلنفي كونه بكفين معاً أو على التعاقب، كما ذهب إليه بعضهم من أن المضمضة باليمنى والاستنشاق باليسرى)) اهـ. قلت: نفي كون المضمضة والاستنشاق بكفين معاً يقابله استعمال الكفين معاً في غسل الوجه، كما وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال، ثم أدخل يديه بالتثنية، ونظيره في حديث ابن عباس عند البخاري في باب غسل الوجه باليدين أنه «أخذ غرفة من ماء، فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه))، فمراد الشيخ كثُّ أن قوله: ((من كف واحدة)) في المضمضة والاستنشاق وقع في مقابلة هذه الهيئة في غسل الوجه، وأما احتمال كونه لنفي استعمال الكفين على التعاقب فيستشهد له بظاهر ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن أبي مالك الدمشقي قال: ((حدثت أن عثمان بن عفان اختلف في خلافته في الوضوء، فأذن للناس، فدخلوا عليه، فدعا بماء فغسل يديه ثلاثاً، ثم غرف بيمينه، ثم دفعها إلى فيه، فمضمض واستنشق بكف واحد، واستنثر بيساره، فعل ذلك ثلاثاً، ثم غرف بيده اليمنى على ذراعه اليمنى، فغسلها إلى المرفقين ثلاثاً، ثم غرف بيمينه فغسل يده اليسرى إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح مقدم رأسه مرة واحدة، ولم يستأنف ماء جديداً، ثم أدخل يده في صماخ أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين وخلل أصابعه، ثم غسل رجله اليسرى إلى الكعبين وخلل أصابعه ثلاثاً، وقال: إن النبي ◌َّ أذن كما أذنت لكم، وتوضأ لنا كما توضأت لكم، فمن كان سائلاً عن وضوء رسول الله ◌َجر فهذا وضوؤه)) فالظاهر أن المراد بكف واحد في هذا الحديث اليمين لمقابلته باليسار، وقد وقع في حديث عثمان من طريق ابن أبي مليكة عند أبي داود بإسناد صحيح ما يستفاد منه الفصل بين المضمضة والاستنشاق، ففيه: ((تمضمض ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً، وغسل ٤٥٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وجهه ثلاثاً)) وكذا في حديث علي من طريق أبي حية عند الترمذي، وصححه: ((ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً)) وأصرح لفظ في الفصل ما رواه ابن السكن في صحاحه - وقد التزم فيه الصحة - عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: ((شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وأفرد المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله ﴿ ﴿ توضأ)». قال النيموي: ((لم أظفر بإسناده، ولكنه أخرجه الحافظ في التلخيص، وعزاه إليه، ولفظه: ((وأما رواية علي وعثمان فيتبع(١) فيه الرافعي الإمام في النهاية، وأنكره ابن الصلاح في كلامه على الوسيط، فقال: ((لا يعرف ولا يثبت بل روى أبو داود عن علي ضده)). قلت(٢): روى أبو علي بن السكن في صحاحه من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة)) - ثم ساق الحديث - ثم قال: ((فهذا صريح في الفصل، فبطل إنكار ابن الصلاح)) اهـ. قلت(٣): سياق كلام الحافظ يدل على أن الحديث صحيح عنده، والله تعالى أعلم بالصواب)). قال الشيخ الأنور أطال الله بقاءه: ((وأما صفة الوضوء التي أراها عبد الله بن زيد ﴿ته، وفيه ما ظاهره الجمع، وهو حديث الباب، فالذي يظهر - والله أعلم - أنه أخذها من واقعة عين لا عموم لها، كما يدل عليه سياق عبد العزيز بن أبي سلمة عند البخاري في باب الغسل من المخضب، في أول هذا الحديث: ((أتانا رسول الله وَليل، فأخرجنا له ماء في تور من صفر، فتوضأ)) الحديث. ولعل هذه القصة هي التي روتها أم عبد الله بن زيد - وهي أم عمارة بنت كعب - (اسمها نسيبة، وزوجها زيد بن عاصم، وابناها منه: حبيب وعبد الله، كما في الإصابة للحافظ ابن حجر كَّفُ) ((أن النبي ◌َّلل توضأ، فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد، قال شعبة: فأحفظ أنه غسل ذراعيه، وجعل يدلكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما)) رواه النسائي في سننه من طريق حبيب، عن عباد بن تميم. وحبيب هذا هو: حبيب بن زيد بن خلاد، كما يظهر من التهذيب، وخلاد جد حبيب هذا: لعله ابن عبد الله بن زياد، كما يظهر من قول ابن سعد في ترجمة عبد الله: ((بلغني أنه قتل (١) كذا في المطبوع، وفي آثار السنن - المنقول عنه - (ص ٣٦) ((فتبع)) وفقاً لما قاله الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٧٩/١). (٢) القائل هو الحافظ ابن حجر رحمه الله. (٣) القائل هو العلامة ظهير أحسن محمد بن علي النيموي رحمه الله. ٤٥٣ كتاب: الطهارة فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثًاً. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا بالحرة، وقتل معه ابناء خلاد وعلي، كذا في التهذيب. وعباد بن تميم هو: ابن أخي عبد اللّه بن زید. فحديث عبد اللّه بن زيد - إن شاء الله - ليس حكاية للعادة الكريمة، بل هي حكاية فعل جزئي يمكن حمله على التخفيف والجواز دون الإكمال والإتمام كما يشعر به الاكتفاء بتثنية غسل الذراعين، مع أن السنة التثليث بالاتفاق، وفي حديث أم عمارة إشارة إلى قلة الماء الموجبة للتجوز في الوضوء. ويؤيد ما قلنا من كونه حكاية فعل جزئي ما قاله الحافظ تقّهُ في رواية مالك عن عمرو بن يحبى المازني عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد: ((أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله الطيار يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم فدعا بماء)) الحديث، قال: ((وفي رواية وهيب («فدعا بتور من ماء)) وفي رواية عبد العزيز بن أبي سلمة ((أتانا رسول الله وَ طير، فأخرجنا له ماء في تور من صفر)) قال: والتور المذكور يحتمل أن يكون هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد إذا سئل عن صفة الوضوء، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها)) اهـ. قلت: وهكذا حديث ابن عباس عند الدارمي وابن حبان والحاكم: ((أن النبي وَلّ توضأ مرة مرة، وجمع بين المضمضة والاستنشاق)) القصد فيه إلى التخفيف كما يظهر من توضئه وله مرة مرة، فالجمع يلائمه، وأما حديثه الذي أخرجه البخاري وغيره وليس فيه اتوضؤ مرة مرة: فليس بصريح في الجمع بل يحتمل الفصل ويحتمل توحد القصة في كلا الحديثين، والله أعلم. فقوله: ((من كف واحدة)) إن سلمنا دلالته على الجمع فمحمول على بيان الجواز وأداء سنتي المضمضة والاستنشاق دون إكمالهما، قال في الدر المختار وشرحه لابن عابدين: (لو أخذ بماء فمضمض ببعضه واستنشق بباقيه أجزأه، أي: عن أصل المضمضة والاستنشاق، وفاته سنة التجديد أي: تجديد الماء لكل واحد منهما)). وفي شرح النقاية لعلي القاري تغلفهُ بعد ذكر الروايات المختلفة، قال: ((لا منافاة بينها في حصول أصل السنة، وإنما الخلاف في زيادة الفضيلة)). قال في العناية: ((الفم والأنف عضوان منفردان، أي: منفرد كل واحد من الآخر، فلا يجمع بينهما بماء واحد كسائر الأعضاء)). والله أعلم. قوله: (ففعل ذلك ثلاثاً) إلخ: الظاهر أن معناه فعل ذلك الجمع بينهما من كف واحد ثلاثاً، ويلزمه التثليث في كليهما، وهذا جائز عند الحنفية أيضاً - كما ذكرنا - ووقع عند البخاري من رواية وهيب: ((فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء)). قال الشيخ ابن الهمام تغذفه: ((معلوم أن الاستنثار ليس أخذ ماء ليكون له غرفة، والمراد ٤٥٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرِفَقَيْنِ، مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ. بثلاث غرفات مثل المراد بقوله: ((ثلاثاً)) فكما أن المراد كل من المضمضة والاستنشاق ثلاثاً: فكذا كل من المضمضة والاستنثار بثلاث غرفات)) اهـ. قلت: وهذا كماوقع عند البخاري من رواية سليمان في باب الوضوء من التور: ((فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة)) فأوله الحافظ تقّفُ بأنه جمع بينهما ثلاث مرات، كل مرة من غرفة . قال ابن الهمام: وقد جاء مصرحاً في حديث الطبراني من رواية ليث بن أبي سليم: (حدثني طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده كعب بن عمرو اليامي أن رسول الله وسلم توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، يأخذ لكل واحدة ماء جديداً)) الحديث، وقد روى أبو داود هذا الحديث في سننه مختصراً، وفيه ليث بن أبي سليم. قال النووي في تهذيب الأسماء: ((اتفق العلماء على ضعفه». قلت: قد عده الإمام مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه في الطبقة الثانية من الرواة الذين هم وإن كانوا غير موصوفين بالحفظ والإتقان كالطبقة الأولى إلا أن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، وقد نقلنا أقوال العلماء في ليث في شرح المقدمة، فراجعه. وذكر أبو داود في باب صفة وضوء النبي و 98 لهذا الإسناد علة أخرى عن أحمد بن حنبل، قال: ((كان ابن عيينة ينكره، ويقول: أيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده)). وكذا حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني، وزاد: «سألت عبد الرحمن ابن مهدي عن اسم جده، فقال: عمرو بن كعب، أو كعب بن عمرو، وكانت له صحبة). وقال الدوري عن ابن معين: المحدثون يقولون: إن جد طلحة رأى النبي ®، وأهل بيته يقولون: ليست له صحبة، وقال الخلال عن أبي داود: سمعت رجلاً من ولد طلحة يقول: إن لجده صحبة. قال الشيخ ابن الهمام: «ما نقل عن ابن معين غير قادح، فإذا اعترف أهل الشأن بأنه له صحبة تم الوجه، أهل بيته يعرفون أم لا)). وقال ابن القطان: علة الخبر عندي الجهل بحال مصرف بن عمرو والد طلحة. وقال ولد مؤلف عون الباري في هامشه: ((قد أعلوه بجهالة مصرف وابنه طلحة، ولكن حسن إسناده ابن الصلاح. انظر السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني تكذُّهُ تعالی)». قوله: (إلى المرفقين) إلخ: المرفق بكسر الميم وفتح الفاء، هو العظم الناتئ في آخر الذراع، سمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه. قوله: (مرتين مرتين) إلخ: قال الحافظ: ((لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في ٤٥٥ كتاب: الطهارة فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَذْبَرَ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ. ٥٥٥ - (٠٠٠) وحدّثني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ. ٥٥٦ - (٠٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرِ ثَلاَثًاٌ. وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَذْبَرَ: بَدَأَ بِمُقَدَّم رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ. ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَغَسَل رِجْلَيْهِ. غسل اليدين مرتين، لكن في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي وَ﴿ توضأ وفيه: ((ويده اليمنى ثلاثاً، ثم الأخرى ثلاثاً)) فيحمل على أنه وضوء آخر لكون مخرج الحدیثین غیر متحد)) . قال النووي: ((في حديث الباب دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثاً، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك، ولكن المستحب تطهير الأعضاء كلها ثلاثاً ثلاثاً، كما قدمناه، وإنما كانت مخالفتها من النبي بَّر في بعض الأوقات بياناً للجواز، كما توضأ وَّر مرة مرة في بعض الأوقات بياناً للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه ◌َ ر، لأن البيان واجب عليه وَّر، فإن قيل: البيان يحصل بالقول. فالجواب أنه أوقع بالفعل في النفوس، وأبعد من التأويل، والله أعلم)). قوله: (فأقبل بيديه وأدبر) إلخ: هذا مستحب باتفاق العلماء، فإنه طريق إلى استيعاب الرأس ووصول الماء إلى جميع شعره. (٠٠٠) - قوله: (بدأ بمقدم رأسه) عطف بيان لقوله: ((فأقبل بهما وأدبر)) ومن ثم لم تدخل الواو على قوله: ((بدأ)). قال الحافظ كغّثه: ((الظاهر أنه من الحديث، وليس مدرجاً من كلام مالك، ففيه حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه، لظاهر قوله: ((أقبل)) و((أدبر)). ويرد عليه أن الواو لا يقتضي الترتيب، وفي بعض الروايات: ((فأدبر بيديه، وأقبل)) فلم يكن في ظاهره حجة، لأن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يعين ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطريقين متحد، فهما بمعنى واحد، وعينت رواية مالك البداءة بالمقدم فيحمل قوله: ((أقبل)) على أنه من تسمية الفعل بابتدائه، أي: بدأ بقبل الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك)). كذا في الفتح. ٤٥٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٥٧ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، بِمِثْلِ إِسْنَادِهِمْ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِيهِ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلاَثِ غَرَفَاتٍ. وَقَّالَ أَيْضاً: فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَذْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةٌ. قَالَ بَهْزٌ: أَمْلَى عَلَيَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ. وَقَالَ وُهَيْبٌ: أَمْلَى عَلَيَّ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَّيْنِ . ٥٥٨ _ (١٩) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ. قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ حَبَّانَ بْنَ وَاسِعٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِم الْمَازِنِيَّ يَذْكُرُ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللّهِ وَّهِ تَوَضَّأَ، فَمَضْمَضَ ثُمَّ اسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَّهُ ثَلاَثًاً، وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلاَثًاً، والأُخْرَى ثَلاَثًاً، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرٍ فَضْلٍ يَدِهِ. وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا . قَالَ أَبُو الظَّاهِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. (٠٠٠) - قوله: (من ثلاث غرفات) إلخ: بفتح الغين والراء، وقيل: بضمهما، جمع غرفة بمعنى مرة واحدة من ماء، قيل: الغرفة بالفتح مصدر غرف: أي: أخذ الماء بالكف، وبضم الغين الاسم، وهو الماء المغروف. وقيل: هي ملء الكف من الماء. قوله: (فأقبل به) إلخ: أي: بالمسح. قوله: (وقال وهيب: أملى عليّ) إلخ: ففيه مريد الثقة برواية وهيب. ١٩ - (٢٣٦) - قوله: (وحدثني هارون بن سعيد الأيلي) إلخ: الأيلي بفتح الهمزة وإسكان المثناة . قوله: (أن حبان بن واسع حدثه) إلخ: بفتح الحاء المهملة وبالموحدة. قوله: (بماء غير فضل يده) إلخ: أي: أخذ له ماء جديداً، ولم يقتصر على البلل الذي بيديه . قوله: (قال أبو الطاهر: حدثنا ابن وهب) إلخ: هذا من احتياط مسلم وورعه، فإنه روی الحديث أولاً عن شيوخه الثلاثة الهارونين، وأبي الطاهر، عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن ثابت، ولم يكن في رواية أبي الطاهر، إنما كان فيها عن عمرو بن الحارث، وقد تقرر أن لفظة ((عن)) مختلف في حملها على الاتصال، والقائلون أنها للاتصال ــ وهم الجماهير - يوافقون على أنها دون ((أخبرنا)) فاحتاط مسلم تَّثُ تعالى، وبين ذلك. وكم في كتابه من الدرر والنفائس المشابهة لهذا !! - كّلُ تعالى وجمع بيننا وبينه في دار كرامته - والله أعلم. ٤٥٧ كتاب: الطهارة (٨) - باب: الإيتار في الاستنثار والاستجمار ٥٥٩ - (٢٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُيَيْنَةَ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١) يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: ((إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِر وِتْراً، وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءَ، ثُمَّ لِيَنَْئِرْ)) . (٨) - باب: الإيتار في الاستنثار والاستجمار ٢٠ - (٢٣٧) - قوله: (إذا استجمر أحدكم) إلخ: أي: مسح محل النجو بالجمار، وهي الأحجار الصغار، وحمله بعضهم على استعمال البخور، فإنه يقال: تجمر واستجمر: أي: فليأخذ ثلاث قطع من الطيب، أو يتطيب ثلاثاً، أو أكثر وتراً. حكاه ابن حبيب عن ابن عمر ولا يصح، وكذا حكاه ابن عبد البر عن مالك، وروى ابن خزيمة في صحيحه عنه خلافه والأظهر الأول. قاله القسطلاني. قوله: (فليستجمر وتراً) إلخ: هذا محمول عند الحنفية على الاستحباب، لحديث السنن: ((من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)) وعند الشافعية محمول على الوجوب في الثلاث، وعى الاستحباب فيما زاد عليها، وهو كما ترى، ودل حديث الباب مع زيادة السنن على نفي الحرج عن من استجمر ولم يوتر، ولو اكتفى بما دون الثلاث فهذا حجة للحنفية على من اشترط التثليث في الاستنجاء، والله أعلم. قوله: (ثم لينتثر) إلخ: فيه دلالة ظاهرة على أن الاستنثار غير الاستنشاق، وأن الانتثار هو إخراج الماء بعد الاستنشاق مع ما في الأنف من مخاط وشبهه. قال الحافظ في الفتح: ((ظاهر الأمر أنه للوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق - كورود الأمر به، كأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر - أن يقول به في الاستنثار، وظاهر كلام صاحب المغني يقتضي أنهم يقولون بذلك، وأن مشروعية الاستنشاق لا تحصل إلا بالاستنثار، وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار، وفيه تعقيب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه . (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب الاستئثار في الوضوء، رقم (١٦١)، وباب الاستجمار وتراً، رقم (١٦٢)، والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، صفة الوضوء، باب إيجاد الاستنشاق (وفي نسخة: اتخاذ الاستنشاق) رقم (٨٦)، وباب الأمر بالاستنثار، رقم (٨٨)، وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة باب في الاستنثار، رقم (١٤٠). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار، رقم (٤٠٩) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب في الاستنشاق والاستجمار، رقم (٧٠٩). ٤٥٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٦٠ - (٢١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، واستدل الجمهور على أن الأمر فيه للندب بما حسنه الترمذي وصححه الحاكم من قوله وَلات للأعرابي: ((توضأ كما أمرك الله)) فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق. وأجيب بأنه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر الله سبحانه باتباع نبيّه وَر - وهو المبين عن الله أمره - ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه عليه الصلاة والسلام على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهو يرد على من لم يوجب المضمضة أيضاً، وقد ثبت الأمر بها أيضاً في سنن أبي داوؤد بإسناد صحيح)). قال الشوكاني: ((وتمكن مناقشة هذا بأنه إنما يتم لو أحاله فقط، وأما بالنظر إلى تمام الحديث وهو: ((فاغسل وجهك، ويديك، وامسح رأسك، واغسل رجليك)) فيصير نصاً على أن المراد كما أمرك الله في خصوص آية الوضوء لا في عموم القرآن، فلا يكون أمره وَّر بالمضمضة داخلاً تحت قوله للأعرابي كما أمرك الله، فيقتصر في الجواب على أنه قد صح أمر رسول الله وله بها، والواجب الأخذ بما صح عنه) اهـ. قال الحافظ: ((وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يعلم خلافاً في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل قوي، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة، ذكره كله ابن المنذر)) اهـ. إلا أن هذا الإطلاق يرده ما ذكره ابن حزم في المحلى: أن جماعة من السلف صح عنهم الأمر بالإعادة، منهم: حماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة، وابن أبي ليلى، ومجاهد، والزهري، وعد الشوكاني في نيل الأوطار: الزهري، والحكم بن عتيبة من القائلين بعدم الوجوب، فالله سبحانه وتعالى أعلم. قال صاحب البدائع: ((إن الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس (أي: بنص القرآن) وداخل الفم والأنف ليس من جملتها، أما ما سوى الوجه فظاهر، وكذا الوجه، لأنه اسم لما يواجه إليه عادة، وداخل الأنف والفم لا يواجه إليه بكل حال، فلا يجب غسله، وقد ورد في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم: ((ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرّت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء)) الحديث. وفيه دليل على أن داخل الفم والأنف ليس من الوجه، حيث بين أن غسل الوجه المأمور به غيرهما، بخلاف باب الجنابة، لأن الواجب هناك تطهير البدن، بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة، آية: ٦] أي: طهروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرج، ظاهراً كان أو باطناً، ومواظبة النبي والقر عليهما في الوضوء دليل السنية دون الفرضية، فإنه كان يواظب على سنن العبادات)) اهـ. قال العلامة الشعراني: ((وجه الاستحباب أن الفم والأنف باطنهما من جنس الباطن، ٤٥٩ كتاب: الطهارة عَنْ هَمّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ ليَنْتَثِزْ)) . ٥٦١ - (٢٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ س ◌ِ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرُ، وَمَنٍ اسْتَجْمَرَ فَلْیُوتِزْ)) . ٥٦٢ - (٠٠٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَذَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ والطهارة ما شرعت بالأصالة إلا على الظاهر من البدن، فالتعرض لهما إنما هو على سبيل الاستحباب)). قلت: ويؤيده أن الشارع قد نهى عن مس القرآن إلا لطاهر، كما في كتاب عمرو بن حزم، وأما القراءة فقد نهي عنها الجنب دون المحدث، ((وكان رسول الله وَل﴾ لا يحجزه من القرآن شيء ليس الجنابة))، فدل هذا الفريق بين الجنب والمحدث أن الحدث الأكبر يسري إلى شيء من باطن الجسد أيضاً، فيجب في الغسل إيصال الماء إلى كل موضع يمكن إيصاله إليه من غير حرج وكبير مشقة وضرر. وأما الحدث الأصغر فلا يتجاوز من ظاهر الجسد إلى باطنه، فلا يكون غسل الباطن من أعضاء الوضوء واجباً فيه، فالأمر الوارد في المضمضة والاستنشاق، والاستنثار محمول على الندب المقابل للوجوب الشامل للسنة المؤكدة أيضاً، والله أعلم. وأما ما أخرجه البيهقي عن عصام بن يوسف، ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله بصير قال: ((المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه)): فمعناه لا بد منه في إتمام الصلاة والطهارة وإكمالهما، كما ورد في رواية بلفظ: ((من الوضوء الذي لا يتم الصلاة إلا به))، ومع هذا قال الدارقطني: ((تفرد به عصام، وقد وهم فيه، والصواب: عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى مرسلاً، عن النبي وصّر، هكذا رواه السفيانان وغيرهم) كذا في نصب الراية. قال الشيخ الأجل ولي الله الدهلوي: ((لم أجد في رواية صحيحة، تصريحاً بأن النبي اله توضأ بغير مضمضة واستنشاق وترتيب، فهي متأكدة في الوضوء غاية الوكادة، وهما طهارتان مستقلتان من خصال الفطرة، ضمتا مع الوضوء ليكون ذلك توقيتاً لهما، ولأنهما من باب تعهد المغابن التي لا يصل إليها الماء إلا بعناية)). ٢١ - (٠٠٠) - قوله: (فليستشق) إلخ: الاستنشاق إيصال الماء إلى داخل الأنف، وجذبه بالنفس إلى أقصاه. قوله: (بمنخريه) إلخ: بفتح الميم وكسر الخاء، وقيل: بكسرهما، لغتان معروفتان. ٤٦٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَزِيدَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو إِذْرِيسَ الْخَولَانِيُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُوَلَانٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ بِمِثْلِهِ. ٥٦٣ - ٢٣ - حدّثني بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنِ ابْنِ انْهَادٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((إِذَا اسْتَنْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَثْثِرْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَیَاشِیمِهِ)» . ٢٣ - (٢٣٨) - قوله: (إذا استيقظ أحدكم من منامه) إلخ: ظاهر الحديث أن هذا يقع لكل نائم، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بمن لم يحترس من الشيطان بشيء من الذكر ثم إن الاستنشاق من سنن الوضوء اتفاقاً لكل من استيقظ أو كان مستيقظاً، وهل تتأدى السنة بمجرده بغير استنثار أم لا؟ خلاف، وهو محل بحث وتأمل. قوله: (يبيت على خياشيمه) إلخ: جمع الخيشوم، بفتح الخاء المعجمة، وبسكون الياء التحتانية، وضم المعجمة، وسكون الواو. قال علي القاري تغذَثُ: ((إن الشيطان إذا لم يمكنه الوسوسة عند النوم لزوال الإحساس يبيت على أقصى أنفه ليلقي في دماغه الرؤيا الفاسدة، ويمنعه عن الرؤيا الصالحة، لأن محله الدماغ، فأمر عليه الصلاة والسلام أن يغسلوا داخل أنوفهم لإزالة لوث الشيطان ونتنه منها)). قال التوربشتي والقاضي: ((الخيشوم أقصى الأنف، المتصل بالبطن المقدم من الدماغ الذي هو موضع الحس المشترك ومستقر الخيال، فإذا نام تجتمع الأخلاط، وييبس عليه المخاط، ويكلّ الحس، ويتشوش الفكر، فيرى أضغاث أحلام، فإذا قام وترك الخيشوم بحاله استمر الكسل والكلال، واستعصى عليه النظر الصحيح، وعسر الخضوع والقيام بحقوق الصلاة)). ثم قال التوربشتي: ما ذكره من طريق الاحتمال وحق الأدب في الكلمات النبوية أن لا يتكلم في هذا الحديث وأمثاله بشيء، فإن الله سبحانه قد خصه بغرائب المعاني وحقائق الأشياء ما يقصر عنه باع غيره. وروى النووي عن القاضي عياض: ((تحتمل بيتوتة الشيطان أن تكون حقيقة، فإن الأنف (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدأ الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم (٣٢٩٥). والنسائي في كتاب الطهارة، صفة الوضوء. باب الأمر بالاستثار عند الاستيقاظ من النوم، رقم (٩٠).