Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
كتاب: الإيمان
[الأنعام: ١٠٣] أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿﴾ وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا
الْخَبِيرُ
قلت: كأن المراد أن الله سبحانه وتعالى قد تجلى لعبده المصطفى من وراء حجابه
النوري، فحصل له نوع رؤية لا كرؤيته في الآخرة بغير حجاب، وبعض الحجب لا يكون مانعاً
من مطلق الإبصار، وإن كان مانعاً من الإبصار التام الكامل، كما هو ظاهر، والله أعلم.
قوله: (﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾) إلخ: قال القرطبي: ((الأبصار في الآية جمع محلي
بالألف واللام، فيقبل التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعاً في قوله تعالى: ﴿كَّ إِنَّهُمْ عَن ◌َّتِهِم
(٥)﴾ [المطففين، آية: ١٥] فيكون المراد الكفار، بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى:
يَوْمَئِذٍ لََّحْجُوبُونَ
ـج)﴾ [القيامة، الآيتان: ٢٢، ٢٣] قال: وإذا جازت في الآخرة
إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ
﴿وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةً (
جازت في الدنيا، لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي)) انتهى. وهو استدلال جيد.
وقال عياض: ((رؤية الله سبحانه وتعالى جائزة عقلاً، وثبت الأخبار الصحيحة المشهورة
بوقوعها للمؤمنين في الآخرة، وأما في الدنيا فقال مالك: إنما لم ير سبحانه في الدنيا لأنه باق
والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصاراً باقية: رأوا الباقي بالباقي. قال
عياض: ((وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية إلا من حيث القدرة، فإذا أقدر الله من شاء من
عباده عليها لم يمتنع)).
قلت: ووقع في صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة في حديث مرفوع فيه: ((واعلموا أنكم
لن تروا ربكم حتى تموتوا)) وأخرجه ابن خزيمة أيضاً من حديث أبي أمامة، ومن حديث عبادة بن
الصامت، فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلاً فقد امتنعت سمعاً، لكن من أثبتها للنبي وَّ ر له أن
يقول: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه. كذا قال الحافظ.
ولعل الحكمة في اختصاصه وسلم بذلك أن نشأته * أكمل نشأة وأعدلها صورة ومعنا،
الجامعيته وّلو للحقائق على وجه الاعتدال، وهي فيه متجاذبة، ومقتضى ذلك: الثبات بإذن الله
تعالى، ومع ذلك فلم يقع له التجلي إلا في دار البقاء، فاجتمع مقتضى الموطن مع مقتضى كمال
اعتدال النشأة. كذا في روح المعاني.
قوله: (أو لم تسمع أن الله يقول: ما كان لبشر) إلخ: هو دليل ثاني استدلت به عائشة على
ما ذهبت إليه من نفي الرؤية، وتقريره: أنه سبحانه وتعالى حصر تكليمه لغيره في ثلاثة أوجه:
وهي الوحي بأن يلقي في روعه ما يشاء، أو يكلمه بواسطة من وراء حجاب، أو يرسل إليه
رسولاً، فيبلغه عنه، فيستلزم ذلك انتفاء الرؤية عنه حالة التكلم.
والجواب أن ذلك لا يستلزم نفي الرؤية مطلقاً، قاله القرطبي. قال: ((وعامة ما يقتضي نفي
تكليم الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، فيجوز أن التكليم لم يقع حالة الرؤية، كذا في الفتح.
وقال السنوسي: ((قد يقال: وجه تمسكها بهذه الآية أنها فهمت أن السبب فيها منع الكلام
٣٠٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآَبٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوجِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمٌ
٥١
[الشورى: ٥١] قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّه كَتَمَ شَيْئاً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أَغْظَمَ عَلَى
اللَّهِ الْفِرْيَةَ. وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكٌ وَإِن لَّْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ
الْفِرْيَةَ. وَاللَّهُ يَقُوَلُ: ﴿قُل لَّا يَعْلَؤُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
شفاهاً عجزاً لبشر وضعفهم عن رؤية ذاته جلّ وعزّ، بدليل تعليق الحصر فيها على البشر، وذكر
((كان)) معه ووصفه جلّ وعلا بكونه ((عليا)) أي: ما كان للبشر الضعيف أن يقوى على سماع كلام
الله تعالى في غير الأوجه الثلاثة، إنه على أن يراه البشر ما داموا على ضعفهم، حكيم، حتى
أوصل كلامه إلى أنبيائه في الأوجه الثلاثة، وإذا كان هذا هو السبب في امتناع الكلام شفاهاً كان
بعينه هو المانع من الرؤية، فتكون الآية على نظير قوله تعالى لموسى. ﴿لَنْ تَرَِ وَلَكِنِ أَنْتُرْ إِلَىَ
اَلْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانُ فَسَوْفَ تَرَبِيٌ﴾ [الأعراف، آية: ١٤٣] أي: لا تقوى على ذلك في الدنيا، فإن
الجبل مع مزيد قوته إذا لم يقو على ذلك فأنت أحرى، وقد قيل: إن الجبل إنما صار دكّاً من
مجرد ظهور صفة له من صفات الجلال، ولم ير الذات العلية، والله أعلم)).
قوله: (كتم شيئاً) إلخ: أي: كنتم شيئاً من الذي شرع الله له، لأنه رسول مأمور بالتبليغ.
قوله: (ومن زعم أنه يخبر) إلخ: وفي بعض الروايات عند الترمذي: ((من أخبرك أن
محمداً رأى ربه أو كتم شيئاً مما أمر به أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى: إن الله عنده علم
الساعة وينزل الغيث: فقد أعظم الفرية)) كذا في المشكاة.
فإن قلت: ما التوفيق بين الآية وبين ما اشتهر عن العرفاء من الأخبار الغيبية؟ فالجواب أن
للغيب مبادئ ولواحق، فمباديه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأما اللواحق فهو ما
أظهره الله على بعض أحبائه لوحة علمه، وخرج ذلك عن الغيب المطلق وصار غيباً إضافياً،
وذلك إذا تنور الروح القدسية وازداد نوريتها وإشراقها بالإعراض عن ظلمة عالم الحس وتخلية
مرآة القلب عن صدأ الطبيعة، والمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية حتى يقوى
النور وينبسط في فضاء قلبه، فتنعكس فيه النقوش المرتسمة في اللوح المحفوظ، ويطلع على
المغيبات. كذا في المرقاة، وقد تقدم تحقيقه مبسوطاً مشروحاً في شرح حديث جبريل في أوائل
الكتاب، فليراجع .
قوله: (والله يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [النمل، آية: ٦٥]) إلخ:
قال الحافظ: ((بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يرى أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي وَلِيل
على جميع المغيبات، كما وقع في المغازي لابن إسحاق: ((أن ناقة النبي ◌َّ رَ ضلت، فقال
زيد بن اللصيت - بصاد مهملة وآخره مثناة وزن ((عظيم)) - يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر
٣٠٣
كتاب: الإيمان
٤٣٩ - (٢٨٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. وَزَادَ: قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ،َّهِ كَاتِماً شَيْئاً مِمَّا أُنْزِلَ
عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِْكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِّ
اُللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُّبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال النبي وَطور: إن رجلاً يقول كذا وكذا، وإن والله لا أعلم إلا
ما علمني الله، وقد دلّني الله عليها، وهي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة، فذهبوا
فجاؤوا بها))، فأعلم النبي وَلهو أنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وهو مطابق لقوله تعالى:
﴿فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا ﴿ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن، الآيتان: ٢٦، ٢٧] الآية وقد اختلف
في المراد بالغيب فيها، فقيل: هو على عمومه، وقيل: ما يتعلق بالوحي خاصة، وقيل: ما يتعلق
بعلم الساعة، وهو ضعيف، لما تقدم في تفسير لقمان: أن علم الساعة مما استأثر الله بعلمه إلا
أن ذهب قائل ذلك إلى أن الاستثناء منقطع.
قال الطيبي تَُّ: الأقرب (أي: في تأويل: ﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا ﴿ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى
مِن رَسُولٍ﴾ الآية) تخصيص الاطلاع بالظهور والخفاء، فاطلاع الله الأنبياء على المغيب أمكن،
ويدل عليه حرف الاستعلاء في ((على غيبه)) فضمن ((يظهر)) معنى (يطلع))، فلا يظهر على غيبه
إظهاراً تاماً وكشفاً جلياً إلا الرسول يوحي إليه مع ملك وحفظة، ولذلك قال: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ
يَدَيِّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾ [الجن، آية: ٢٧] وتعليله بقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ [الجن، آية:
٢٨]، وأما الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات، وليسوا في ذلك كالأنبياء، وقد جزم
الأستاذ أبو إسحاق بأن كرامات الأولياء لا تضاهي ما هو معجزة للأنبياء. وقال أبو بكر بن
فورك: الأنبياء مأمورون بإظهارها، والولي يجب عليه إخفاؤها، والنبي يدعي ذلك بما يقطع به،
بخلاف الولي، فإنه لا يأمن الاستدراج. كذا في الفتح (١٣: ٤٠٨ - ٤٠٩).
٢٨٨ - (٠٠٠) - قوله: (لكتم هذه الآية) إلخ: قال السنوسي: ((قال عياض: لما تضمنته
من عتبه على إخفائه أمراً أعلمه الله تعالى أنه يقع)).
قال علي بن الحسين: ((أعلم الله نبيه و لو أن زيداً سيطلق زينب ويزوجها منه، فلما شكى
زيد حدتها وأراد أن يطلقها قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله، وأخفى في نفسه ما أعلمه
الله سبحانه أنه يطلقها، والذي خشي ولو إرجاف المنافقين، وهذا الذي عليه المحققون في تفسير
الآية لا ما قاله من لا تحقيق عنده من المفسرين: أنه كان يحب أن يطلقها ليتزوجها، فلما جاء
ليطلقها قال له أمسك عليك زوجك، وأخفى في نفسه أنه يحب أن يطلقها، وهذا لا يصح نسبته
إلى رسول الله وَ﴿، لا سيما وقد نهى عن مدّ عينيه إلى ما متع به غيره من زهرة الدنيا)) انتهى.
(قلت) وقد طهر قلبه وملئ حكمة وإيماناً، واتصل بالملأ الأعلى، ورأى عجائب
٣٠٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٤٠ - (٢٨٩) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ
مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ وَلِّ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، لَقَدْ قَفَّ
شَعْرِي لِمَا قُلْتَ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ وَأَظْوَلُ.
٤٤١ - (٢٩٠) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ،
عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ(١): فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنَ فَدَلَ
فَكَانَ قَابَ
٨
٩
قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ
﴾ [النجم: ٨-١٠] قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ
فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى
جِبْرِيلُ وَِّ، كَانَ يَأْتِيهِ في صُورَةِ الرِّجَالِ وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُوَرَتِهِ الَّتِي هِيَ
صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ.
السماوات وما فوقها، وسمع كلام الله ورآه على الصحيح، وخاض الجنة طولاً وعرضاً، كيف
يأنس إلى شيء من الدنيا الدنيّة؟ وأنسه و لول بما أنس به منها إنما هو لاشتماله على تحصيل رضا
مولاه جلّ وعز وامتثال أمره، لا لغرض دنيوي أو هوى نفسي، وما أشد جرأة من يخوض في
أمر فيه عطبه بحیث لا جبر له.
٢٨٩ - (٠٠٠) - قوله: (سبحان الله) إلخ: معناه: التعجب من جهل مثل هذا، وكأنها
تقول: كيف يخفى عليك مثل هذا، ولفظة: ((سبحان)) لإرادة التعجب كثيرة في الحديث وكلام
العرب، كقوله {وَليقول: ((سبحان الله تطهري بها)) و((سبحان الله المسلم لا ينجس)).
قوله: (لقد قفّ شعري) إلخ: أي: قام من الفزع لما حصل عندها من هيبة الله، واعتقدته
من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك، قال النضر بن شميل: القف - بفتح القاف وتشديد الفاء -
كالقشعريرة، وأصله التقبض والاجتماع، لأن الجلد ينقبض عند الفزع فيقوم الشعر لذلك.
٢٩٠ - (٠٠٠) - قوله: (عن ابن أشوع) إلخ: هو سعيد بن عمرو بن أشوع بفتح الهمزة
وإسكان الشين المعجمة، وفتح الواو، وبالعين المهملة.
قوله: (كان يأتيه في صورة الرجال) إلخ: أي: متشكلاً بأشكالهم، وغالباً في صورة
دحية رضپئه .
قوله: (في صورته التي هي صورته) إلخ: أي: صورته الأصلية التي خلق عليها .
(١) قوله: ((قلت لعائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم
((آمين)) والملائكة في السماء ... رقم (٣٢٣٥).
٣٠٥
كتاب : الإيمان
(٧٨) - باب: في قوله عليه السلام:
نور أَنَّى أَراه، وفي قوله: رأيت نوراً
٤٤٢ - (٢٩١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ(١)؛ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ ،وَ ﴿ هَلْ رَأَيْتَ
رَبَّكَ؟ قَالَ: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) .
٤٤٣ - (٢٩٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا أَبِي. ح
وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، كِلاَّهُّمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ. قَالَ قُلْتُ لأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتَُ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ لَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: عَنْ أَيِّ
شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُّهُ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ فَقَالَ: ((رَأَيْتُ
نُوراً» .
[(٧٨) - باب: في قوله عليه السلام:
«نور أنَّى أراه))، وفي قوله: ((رأيت نوراً))
٢٩١ - (١٧٨) - قوله: (نور أنى أراه) إلخ: هو بتنوين (نور)) وفتح الهمزة في ((أنى))
وتشديد النون وفتحها، و((أراه)) بفتح الهمزة، هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول
والروايات، ومعناه: حجابه نور، فكيف أراه؟ قال الإمام أبو عبد الله المأزري تغذّقُ: (الضمير
في ((أراه)) عائد على الله سبحانه وتعالى، ومعناه أن النور منعني من الرؤية، كما جرت العادة
بإغشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه)) اهـ.
وقد تقدم في تقرير الشيخ الأنور أن معناه: نور من أين أراه، ولا يخفى ما فيه من
اللطافة. قال الشيخ: هذا المعنى هو مختار ابن خزيمة، وأما من روى: ((نوراني أراء)) - بفتح
الراء وكسر النون وتشديد الياء - فهو تصحيف،، وإن أمكن التأويل على تقدير صحته.
٢٩٢ - (٠٠٠) - قوله: (رأيت نوراً) إلخ: أي: نوراً عظيماً، وقد تقدم شرح هذا الحديث
في شرح حديث عائشة تحت قوله: ((أو لم تسمع أن الله يقول: لا تدركه الأبصار)) إلخ منقولاً
عن العلامة السيد الآلوسي كثّفُهُ .
(١) قوله: ((عن أبي ذر)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة ((والنجم)) رقم
(٣٢٨٢).
٣٠٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٧٩) - باب: في قوله عليه السلام: إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور
لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه
٤٤٤ _ (٢٩٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنٍ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسى(١) قَالَ: ((قَامَ فِينَا
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ.
يَخِفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ،
حِجَابُهُ النُّورُ. (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ) لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهِى إِلَّيْهِ
بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)) .
(٧٩) - باب: في قوله ظلَّل: إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور لو
كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه
٢٩٣ - (١٧٩) - قوله: (ولا ينبغي له أن ينام) إلخ: أي: يستحيل في حقه النوم، فإن النوم
انغمار، وغلبة على العقل، يسقط به الإحساس، والله تعالى منزه عن ذلك، وهو مستحيل في
حقه جلّ وعلا .
قوله: (يخفض القسط ويرفعه) إلخ: المراد بالقسط الميزان، لأن القسط العدل وبالميزان
يقع العدل، والحاصل أن الله تعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة،
ويوزن من أرزاقهم النازلة، وهذا تمثيل لما يقدر تنزيله، فشبه بوزن الميزان. وقيل: المراد
بالقسط الرزق الذي هو قسط كل مخلوق يخفضه، فيقتره، ويرفعه فيوسعه.
قوله: (يرفع إليه عمل الليل قبل) إلخ: أي: يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذي
بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده.
قوله: (حجابه النور) إلخ: الحجاب أصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنما
تكون للأجسام المحدودة، والله تعالى منزه عن الجسم والحد، والمراد هنا المانع من رؤيته،
وسمى ذلك المانع نوراً أو ناراً لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة لشعاعهما .
قوله: (لأحرقت سبحات وجهه) إلخ: السبحات بضم السين والباء ورفع التاء في آخره،
جمع سبحة، قال اللغويون والمحدثون: معنى ((سبحات وجهه)) نوره وجلاله وبهاؤه.
قوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) إلخ: أي: جميع المخلوقات، لأن بصره سبحانه
(١) قوله: ((عن أبي موسى)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهيمة، رقم
(١٩٥) و(١٩٦).
٣٠٧
كتاب: الإيمان
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: عَنِ الأَعْمَشِ وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا .
٤٤٥ - (٢٩٤) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا
الإِسْنَادِ. قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
وَلَمْ يَذْكُرْ: ((مِنْ خَلْقِهِ)) وَقَالَ: حِجَابُهُ النُّورُ.
وتعالى محيط بجميع الكائنات، ولفظة ((من)) لبيان الجنس لا للتبعيض.
وحاصل الكلام: أنه سبحانه وتعالى لو أزال المانع من رؤيته - وهو الحجاب المسمى نوراً
وناراً - وتجلى لخلقه في هذا العالم الفاني: لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته، والله أعلم.
نقل الطيبي أن في الحديث إشارة إلى أن حجابه خلاف الحجب المعهودة، فهو محتجب
عن الخلق بأنوار عزه وجلاله وأشعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه
العقول، وتبهت الأبصار وتتحير البصائر، فلو كشفه فتجلى لما وراءه بحقائق الصفات وعظمة
الذات لم يبق مخلوق إلا احترق، ولا منظور إلى اضمحلّ. كذا في الفتح.
وقال ابن القيم: ((الحجب في لسان الطائفة: النفس وصفاتها وأحكامها، وهم مجمعون
على أن النفس من أعظم الحجب، بل هي الحجاب الأكبر، فإن حجاب الرب سبحانه عن ذاته -
هو النور - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وحجابه من عبده هو
نفسه وظلمته، فلو كشف عنه هذا الحجاب لوصل إلى ربه، والوصول عند القوم عبارة عن ارتفاع
هذا الحجاب وزواله، فالحجاب الذي يشتد على المحب ويشتد عطشه إلى زواله هو حجاب
الظلمة والنفس، وهو الحجاب الذي بينه هو وبين الله، وأما الحجاب الذي بين الله وبين خلقه هو
حجاب النور: فلا سبيل إلى كشفه في هذا العالم البتة، ولا يطمع في ذلك بشر، ولم يكلم الله
بشراً إلا من وراء الحجاب، وهذا الحجاب كاشف للعبد موصل له إلى مقام الإحسان الذي يعبر
عنه القوم بمقام المشاهدة، والأول ساتر للعبد قاطع له حائل بينه وبين الإحسان وحقيقة الإيمان)).
قوله: (ولم يقل: حدثنا) إلخ: هو من احتياط مسلم تغّفُ وورعه واتقانه، وهو أنه رواه عن
أبي كريب وأبي بكر، فقال أبو كريب في روايته: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، وقال
أبو بكر: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، فلما اختلفت عبارتهما في كيفية رواية شيخهما أبي
معاوية: بيّنها مسلم تغُ، فحصل فيه فائدتان:
إحداهما: أن ((حدثنا)) للاتصال بإجماع العلماء، وفي ((عن)) خلاف كما قدمناه في الفصول
وغيرها، والصحيح الذي عليه الجماهير من طوائف العلماء أنها أيضاً للاتصال، إلا أن يكون
قائلها مدلساً فبين مسلم ذلك.
والثانية: أنه لو اقتصر على إحدى العبارتين كان فيه خلل فإنه إن اقتصر على ((عن)) كان
مفوّتاً لقوة ((حدثنا)) وراوياً بالمعنى، وإن اقتصر على ((حدثنا)) كان زائداً في رواية أحدهما راوياً
بالمعنى، وكل هذا مما يجتنب، والله أعلم بالصواب، كذا في الشرح.
٣٠٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٤٦ - (٢٩٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: ((قَامَ فِينَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ بِأَرْبَعِ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنَامُ، وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ
إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ)) .
(٨٠) - باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى
٤٤٧ . (٢٩٦) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ
بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَاللَّفْظُ لأَّبِي غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
٢٩٥ - (٠٠٠) - قوله: (يرفع إليه عمل النهار والليل) إلخ: أي: عمل النهار في أول الليل
الذي بعده، وعمل الليل في أول النهار الذي بعده، فإن الملائكة الحفظة يصعدون بأعمال الليل
بعد انقضاءه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضاؤه في أول الليل، والله أعلم.
(٨٠) - باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم سبحانه وتعالى
قال الشارح: ((اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة
عقلاً، وأجمعوا أيضاً على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين.
وزعمت طائفة من أهل البدع: المعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة: أن الله تعالى لا يراه أحد
من خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلاً، وهذا الذي قالوه خطأ صريح، وجهل قبيح، وقد تظاهرت
أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في
الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابياً عن رسول الله وَله، وآيات القرآن فيها
مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة،
وكذلك باقي شبههم، وهي مستقصاة في كتب الكلام، وليس بنا ضرورة إلى ذكرها هنا .
وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فقد قدمنا أنها ممكنة، ولكن الجمهور من السلف والخلف
من المتكلمين وغيرهم أنها لا تقع في الدنيا، وحكم الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته
المعروفة، عن الإمام أبي بكر بن فورك، أنه حكى فيها قولين للإمام أبي الحسن الأشعري:
أحدهما: وقوعها، والثاني: لا تقع.
ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال
الأشعة، ولا مقابلة المرئي، ولا غير ذلك، لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضاً بوجود ذلك
على جهة الاتفاق لا على سبيل الاشتراط، وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بدلائله الجلية، ولا
يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة، تعالى عن ذلك، بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه،
لا في جهة والله أعلم)».
٣٠٩
كتاب : الإيمان
عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ (١)،
عَنِ النَّبِيِّ وََّ؛ قَالَ: ((جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانٍ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا
فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ
قال الحافظ: ((وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك (أي: الرؤية) في الآخرة لأهل الإيمان دون
غيرهم، ومنع ذلك في الدنيا إلا أنه اختلف في نبينا ◌َّ وما ذكروه من الفرق بين الدنيا والآخرة
أن أبصار أهل الدنيا فانية، وأبصارهم في الآخرة باقية: جيد، ولكن لا يمنع تخصيص ذلك بمن
ثبت وقوعه له)) اهـ.
وقد أطال الحافظ الأوحد المتكلم محمد بن أبي بكر القيم تقذفُ تعالى في إثبات رؤيته
تعالى يوم القيامة في كتابه ((حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)) من شاء الاطلاع على تفصيل أدلة
الرؤية السمعية فليراجعه، ومن شاء التحقيق العقلي والأجوبة الشافية المسكتة عن شبهات
المعتزلة الواهية: فليراجع كتاب شيخ شيخنا (تقرير دليذير)) في الهندية.
٢٩٦ - (١٨٠) - قوله: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) إلخ: وفي رواية حماد بن سلمة
عن ثابت البناني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد: لا أعلمه إلا قد رفعه، قال:
(جنتان من ذهب للمقربين، ومن دونهما جنتان من ورق لأصحاب اليمن)) أخرجه الطبري وابن
أبي حاتم، ورجاله ثقات. وظاهره أن الجنتين من ذهب لا فضة فيها، وبالعكس، ويعارضه
حديث أبي هريرة: ((قلنا: يا رسول الله، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب، ولبنة
من فضة)) الحديث، أخرجه أحمد والترمذي، وصححه ابن حبان، وله شاهد عن ابن عمر
أخرجه الطبراني وسنده حسن، وآخر عن أبي سعيد أخرجه البزار، ولفظه: ((خلق الله الجنة: لبنة
من ذهب، ولبنة من فضة)) الحديث، ويجمع بأن الأول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها،
والثاني صفة حوائط الجنان كلها، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في حديث أبي سعيد: ((أن الله
أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة)) وعلى هذا فقوله: (آنيتهما وما فيهما) بدل من
قوله: ((من ذهب))، كذا في الفتح.
قوله: (إلا رداء الكبرياء) إلخ: قال عياض: ((كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيراً، وهو
أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها، ومنه: قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء، آية: ٢٤] فمخاطبة
(١) قوله: ((عن أبيه)) وهو أبو موسى الأشعري - واسمه عبد الله بن قيس - والحديث أخرجه البخاري في
صحيحه، في كتاب التفسير، تفسير سورة الرحمن، باب ((ومن دونهما جنتان)) رقم (٤٨٧٨) وباب ((حور
مقصورات في الخيام)) رقم (٤٨٨٠) وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى
ربها ناظرة﴾ رقم (٧٤٤٤) والترمذي في جامعه، في كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة،
رقم (٢٥٢٨). وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، رقم (١٨٦).
٣١٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَلَى وَجْهِهِ، فِي جَنَّةِ عَذْزٍ)) .
٤٤٨ - (٢٩٧) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيٌّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى،َ عَنْ
صُهَيْبٍ(١)، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
النبي ◌َّ لهم برداء الكبرياء على وجهه ونحو ذلك: من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه،
فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له، وعلم أن الله منزه
عن الذي يقتضيه ظاهرها: إما أن يكذب نقلتها، وإما أن يؤولها، كأن يقول: استعار لعظيم
سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداء
الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته)) انتهى
ملخصاً، قاله الحافظ تَظّفُ .
((وحاصل مضمون الحديث أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية، فكان في الكلام حذفاً تقديره
بعد قوله: ((إلا رداء الكبر على وجهه، فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، فكأن
المراد أن المؤمنين إذا تبوّؤا مقاعدهم من الجنة لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال
بينهم بين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حفّهم برأفته، وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه
سبحانه، ثم وجدت في حديث صهيب في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلِّينَ أَحْسَنُواْ الُْسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
[يونس، آية: ٢٦] ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى: الحجاب المذكور في
حديث صهيب، وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنة إكراماً لهم، والحديث (أي: حديث صهيب)
أخرجه مسلم عقب حديث أبي موسى (أي: حديث الباب) ولعله أشار إلى تأويله به)) اهـ.
قوله: (على وجهه) إلخ: قال الطيبي: ((على وجهه، حال رداء الكبر، قال القرطبي في
المفهم: الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الآخر ((الكبرياء ردائي، والعظمة
إزاري)) وليس المراد الثياب المحسوسة لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين
للمخاطب من العرب عبر عن العظمة والكبرياء بهما، ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله
واستغنائه أن لا يراه أحد، لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه إكمالاً للنعمة، فإذا زال
المانع فعل منهم خلاف مقتضى الكبرياء، فكأنه رفع عنهم حجاباً كان يمنعهم».
قوله: (في جنة عدن) إلخ: راجع إلى القوم الناظرين، أي: وهم في جنة عدن، لا إلى
الله، فإنه لا تحويه الأمكنة، سبحانه.
(١) قوله: ((عن صهيب)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في رؤية الرب
تبارك وتعالى، رقم (٢٥٥٢). وابن ماجه في سننه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، رقم (١٨٧).
٣١١
كتاب: الإيمان
تُرِيدُونَ شَيْئاً أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ:
فَيَكْشِفُ الحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ)) .
٤٤٩ - (٢٩٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَِّينَ أَحْسَنُوا الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦].
(٨١) - باب: معرفة طريق الرؤية
٤٥٠ - (٢٩٩) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ(١) أَخْبَرَهُ؛ ((أَنَّ نَاساً قَالُوا
لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: هَلْ
٢٩٧ - (١٨١) - قوله: (تريدون شيئاً أزيدكم) إلخ: في معنى الاستفهام، أي: أتريدون؟.
قوله: (أزيدكم) إلخ: أي: على عطاياكم.
قوله: (تنجينا من النار) إلخ: بتشديد الجيم ويخفف، أي: ((وألم تخلصنا)). قال الطيبي:
تقرير تعجيب من أنه كيف يمكن الزيادة على ما أعطاهم الله من سعة فضله وكرمه؟
قوله: (فيكشف الحجاب) إلخ: بصيغة المجهول، والحجاب هو رداء الكبر على ما قاله
الحافظ، ورفع الحجاب رفع للتعجب، كأنه قيل لهم: هذا هو المزيد.
٢٩٨ - (٠٠٠) - قوله: (ثم تلا: هذه الآية ﴿لِلِّينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى﴾ [يونس، آية: ٢٦]) إلخ:
المراد بالحسنى: المثوبة الحسنى، أي: الجنة، وبالزيادة النظر إلى وجهه الكريم، وتنكير ((زيادة))
للتعظيم، أي: زيادة عظيمة لا يعرف قدرها ولا يكتنه كنهها .
قال الطيبي: ((وإذا كان مفسراً لتنزيل من نزل عليه فمن تعداه فقد تعدى طوره)). أقول:
أراد به الزمخشري في عدوله عنه إلى التأويل، وكذا من تبعه كالبيضاوي حيث عبر ((بقيل)) عن
هذا القول الجميل الثابت ممن نزل عليه التنزيل.
(٨١) - باب: معرفة طريق الرؤية
٢٩٩ - (١٨٢) - قوله: (هل نرى ربنا يوم القيامة) إلخ: في التقييد بيوم القيامة إشارة إلى
أن السؤال لم يقع عن الرؤية في الدنيا، وأخرج مسلم من حديث أبي أمامة: ((واعلموا أنكم لن
(١) قوله: ((أبا هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم، رقم
(٦٥٧٣) و(٦٥٧٤)، وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ رقم
(٧٤٣٧) و(٧٤٣٨). والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب موضع السجود، رقم (١١٤١).
٣١٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا: لا. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي
الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ:
تروا ربكم حتى تموتوا)). وأما الرؤية في الآخرة فذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جوازها
ووقوعها، ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة، وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي
محدثاً وحالاً في مكان.
قال القرطبي: ((اشترط النفاة في الرؤية شروطاً عقلية كالبنية المخصوصة، والمقابلة،
واتصال الأشعة، وزوال الموانع كالبعد، والحجب، في خبط لهم وتحكم، وأهل السنة لا
يشترطون شيئاً من ذلك سوى وجود المرئي، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى
المرئي، وتقترن بها أحوال يجوز تبدلها، والعلم عند الله تعالى.
قوله: (هل تضارّون في القمر) إلخ: بضم أوله وتشديد الراء بصيغة المفاعلة من الضرّ،
وأصله تضاررون بكسر الراء وبفتحها، أي: لا تضرون أحداً ولا يضركم بمنازعة ولا مجادلة ولا
مضايقة ولا مدافعة ولا مزاحمة .
قوله: (هل تضارّون في الشمس) إلخ: قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ((عطف
الشمس على القمر مع أن تحصيل الرؤية بذكره كاف، لأن القمر لا يدرك وصفه الأعمى حساً بل
تقليداً، والشمس ((يدركها الأعمى حساً بوجود حرها إذا قابلها وقت الظهيرة، فحسن التأكيد
بها)».
قال الحافظ: ((وليس في عطف الشمس على القمر إبطال لقول من قال في شرح حديث
جرير: الحكمة في التمثيل بالقمر أنه تيسر رؤيته للرائي بغير تكلف ولا تحديق يضر بالبصر
بخلاف الشمس فإنها حكمة الاقتصار عليه، ولا يمنع ذلك ورود ذكر الشمس بعده في وقت
آخر، فإن ثبت أن المجلس واحد خدش في ذلك)) اهـ.
قلت: والذي يخطر بالبال - والله أعلم - أن في تثنية المشبه به والجمع بين الشمس
والقمر: إشارة إلى تنوع التجليات في المشبه، فإن الشمس إذا تجلت لجرم القمر في الليل وظهر
نورها عند الرائين بواسطته يعطي من الأحكام ما لا يعطي في تجليها بنفسها في النهار، بل لا
يعرف حينئذ أنه نور الشمس إلا أهل الخبرة، والعلم باستفادة نور القمر من نور الشمس كما ثبت
ذلك عند أرباب النظر، وصرح به بعض كبراء أهل الكشف، والشرع ما جاء بإبطاله، وإذا تجلت
في النهار بنورها الذي هو نورها يعرفه كل أحد من العام والخاص بداهة، بحيث لا يستطيع أن
يجحده، كذلك الباري سبحانه وتعالى يأتي أولاً، أي: يتجلى بصورة لا يعرفونها، ولا ريب أن
المتجلي في تلك الصورة ليس إلا الباري سبحانه وتعالى، وهو قائل: (أنا ربكم) إلا أن الناس
ينكرون لعدم معرفتهم وقصور إدراكهم، ثم يأتي، أي: يتجلى كما هو مصرح بلفظ ((التجلي)) في
٣١٣
كتاب: الإيمان
فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلْيَتَّبِعْهُ،
فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرِ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ
الطَّاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ،
بعض روايات مسلم بعد ذلك في صورة معروفة عندهم، فيعرفونها ويخرون للسجود، والمتجلي
الأول المنكور هو هذا الآخر المعروف، لا شك عندنا في ذلك ولا مرية إلا أن الناس لما لم
يحيطوا علماً بأنواع التجليات أنكروا التجلي الأول وأثبتوا الآخر، فأوضح النبي ◌َّ بذكر
الشمس والقمر في موضع التشبيه تفنن التجليات وتنوعها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (فإنكم ترونه كذلك) إلخ: المراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح، وزوال الشك،
ورفع المشقة والاختلاف، لا تشبيه المرئي بالمرئي.
قال الزين بن المنير: ((إنما خص الشمس والقمر بالذكر - مع أن رؤية السماء بغير سحاب
أكبر آية وأعظم خلقاً من مجرد الشمس والقمر - لما خصا به من عظيم النور والضياء، بحيث
صار التشبيه بهما فيمن يوصف بالجمال والكمال: سائغاً شائعاً في الاستعمال)).
قوله: (من كان يعبد شيئاً فليتبعه) إلخ: بتشديد التاء المفتوحة وكسر الموحدة. قال
الحافظ: ((ووقع في حديث ابن مسعود: «ثم ينادي مناد من السماء: أيها الناس، أليس عدل من
ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم ثم توليتم غيره: أن يولي كل عبد منكم ما كان تولى؟ قال:
فيقولون: بلى، ثم يقول: لتنطلق كل أمة إلى من كانت تعبد)).
قوله: (من يعبد الطواغيت) إلخ: جمع طاغوت، وهو الشيطان، والصنم.
قال الطبري تغذّثُ: ((الصواب عندي أنه كل طاغ طغى على الله يُعبد من دونه: إما بقهر منه
لمن عبد، وإما بطاعة ممن عبد، إنساناً كان أو شيطاناً، أو حيواناً أو جماداً، قال: فاتباعهم لهم
حينئذ باستمرارهم على الاعتقاد فيهم، ويحتمل أن يتبعوهم بأن يساقوا إلى النار قهراً)).
ووقع في حديث أبي سعيد المذكور في التوحيد من صحيح البخاري: ((فيذهب أصحاب
الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم)) وفيه إشارة
إلى أن كل من كان يعبد الشيطان ونحوه ممن يرضى بذلك، أو الجماد والحيوان: داخلون في
ذلك، وأما من كان يعبد من لا يرضى بذلك: كالملائكة، والمسيح: فلا، لكن وقع في حديث
ابن مسعود: ((فيتمثل لهم ما كانوا يعبدون، فينطلقون)) وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: ((فيتمثل
لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره)) فأفادت هذه الزيادة تعميم من كان يعبد
غير الله إلا من سيذكر من اليهود والنصارى، فإنه يخص من عموم ذلك بدليله الآتي ذكره، وأما
التعبير بالتمثيل فقال ابن العربي: يحتمل أن يكون التمثيل تلبيساً عليهم، ويحتمل أن يكون
التمثيل لمن لا يستحق التعذيب، وأما من سواهم فيحضرون حقيقة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا
٣١٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فِي صُورَةٍ غَيْرٍ صُورَتِهِ .......
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء، آية: ٩٨] كذا قال الحافظ في الفتح.
قوله: (وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها) إلخ: قال ابن أبي جمرة كثّفُهُ: ((يحتمل أن يكون
المراد بالأمة: أمة محمد *: ويحتمل أن يحمل على أعم من ذلك، فيدخل فيه جميع أهل
التوحيد، حتى من الجن، ويدل عليه ما في بقية الحديث ((إنه يبقى من كان يعبد الله من برّ
وفاجر)).
قلت: ويؤخذ أيضاً من قوله في بقية هذا الحديث ((فأكون أول من يجيز)) فإن فيه إشارة إلى
أن الأنبياء بعده يجيزون أممهم. كذا في الفتح.
قوله: (فيها منافقوها) إلخ: قال النووي تَغّفُهُ: ((وقد يتوهم من هذا الحديث أن المنافقين
يرون الله تعالى، وإنما فيه أن الجمع الذي فيهم المؤمنون والمنافقون يرون الله تعالى، ثم يمتحن
بالسجود، فمن سجد كان مخلصاً، ومن لم يقدر عليه كان منافقاً، وهذا لا يدل على أن
المنافقين يرون الله تعالى)).
قوله: (فيأتيهم الله في صورة غير صورته) إلخ: أما الإتيان، فقيل: هو عبارة عن رؤيتهم
إياه، لأن العادة أن كل من غاب عن غيره لا يمكن رؤيته إلا بالمجيء إليه، فعبر عن الرؤية
بالإتيان مجازاً، وقيل: غير ذلك. وأما الصورة فاستدل ابن قتيبة بذكرها على أن الله صورة لا
كالصورة، كما ثبت أنه شيء لا كالأشياء، وتعقبوه، وقال ابن بطال: «تمسك به المجسمة،
فأثبتوا لله صورة ولا حجة لهم فيه لاحتمال أن يكون بمعنى العلامة، وضعها الله لهم دليلاً على
معرفته، كما يسمى الدليل والعلامة صورة، وكما تقول صورة حديثك كذا، وصورة الأمر كذا،
والحديث والأمر لا صورة لهما حقيقة، وأجاز غيره أن المراد بالصورة الصفة، وإليه ميل
البيهقي. ونقل ابن التين أن معناه صورة الاعتقاد، وأجاز الخطابي أن يكون الكلام خرج على
وجه المشاكلة لما تقدم من ذكر الشمس والقمر والطواغيت)).
قال ابن بطال عن المهلب: أن الله يبعث لهم ملكاً ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي
ليس كمثله شيء، فإذا قال لهم: أنا ربكم، ردّوا عليه لما رأوا عليه من صفة المخلوق، فقوله:
(فإذا جاء ربنا عرفناه)، أي: إذا ظهر لنا في ملك لا ينبغي لغيره وعظمة لا تشبه شيئاً من
مخلوقاته فحينئذٍ يقولون: ((أنت ربنا)).
قال الخطابي تقذفُ: ((ولا إشكال في حصول الامتحان في الموقف، لأن آثار التكليف لا
تنقطع إلا بعد الاستقرار في الجنة أو النار)).
وقال الطيبي: ((لا يلزم من أن الدنيا دار بلاء، والآخرة دار جزاء: أن لا يقع في واحدة
منهما ما يخص بالآخرى، فإن القبر أول منازل الآخرة، وفيه الابتلاء والفتنة بالسؤال وغيره.
٣١٥
كتاب: الإيمان
والتحقيق: أن التكليف خاص بالدنيا، وما يقع في القبر وفي الموقف هي آثار ذلك)) كذا قال
الحافظ في الفتح، وقد تقدم منا الإشارة في شرح قوله ◌َّير: ((هل تضارّون في رؤية الشمس))
إلخ: إلى أن المراد بإتيانه تعالى في صور مختلفة ظهوره في تجليات شتى، كما صرح به الشيخ
الأكبر في فتوحاته، والعلامة أحمد بن المبارك في ((الإبريز)) ناقلاً عن سيدي عبد العزيز الدباغ
وغيرهما من العارفين المحققين رحمهم الله.
قال الطيبي: ((قول من فسر الإتيان بالتجلي هو الحق، لأن ذلك قد تقدم في قوله: ((هل
تضارّون في رؤية الشمس والقمر)) وزيد في تقرير ذلك وتأكيده، وكل ذلك يدفع المجاز عنه والله
أعلم)) اهـ.
والحافظ وإن أطال الكلام في هذا المقام، وأتى بنقول وأقوال كثيرة، إلا أني ما حصّلتها
حق التحصيل، ولهذا لم أجد بداً من أن أذكر ههنا نبذاً من تحقيق مفهوم التجلي وأحكامه لكثرة
تكرار هذا اللفظ في كلام العلماء والصوفية ووروده في نصوص القرآن والحديث، والانتهاء إليه
والإحالة عليه في كثير من المسائل المهمة، والمباحث الدقيقة، مع قلة شارحيه وموضحيه بوجه
يليق به، وما وجدنا تفصيل أحكام التجلي وتحقيق ماهيته بحيث يطمئن به القلب، وينشرح به
الصدر، مع الفحص الشديد والتتبع البالغ في كتب القوم، إلا ما حققه العلامة الجليل، والعارف
النبيل، فقيد المثيل في زمانه، وعديم العديل في أقرانه، سيدي وسندي محمد المدعو بإسماعيل
الشهيد الدهلوي قدس الله روحه في كتابه ((العبقات)) فإنه - جزى الله عنا وعن كل من استفاد من
علومه - كفى وشفى حين بين الصبح لذي عينين. وها أنا التقط من جملة كلامه المتين كلمات
يسيرة تتعلق بغرضنا، ومن أراد مزيد الاطلاع على تفاصيل التجليات بل على تحقيق سائر
المسائل الدائرة بين أرباب الحقائق وأصحاب الأسرار فليراجع كتابه، فإنه عزيز جداً لم نجد له
نظيراً ..
قال قدس الله روحه في (ص ٦١).
الإشارة إلى التجليات
عبقة (١):
(النسب المتحققة بين الأشياء على أنحاء كثيرة لا يتأتى إحصاؤها، إلا من علام الغيوب،
كالمحاذاة، والمسامتة، والمساواة، والمشابهة، والمماثلة، والخلق، والإبداع، والظهور إلى
غير ذلك، وإن فتشتَ حق التفتيش وجدت هنا نسبة أثرها أن يكون أحد المنتسبين مما يثبت له
المبادئ دون الآثار إلا مجازاً، والآخر مما يستند إليه الآثار دون المبادئ إلا مجازاً، وليست
هذه السنبة عين النسبة التي تكون بين ذي الواسطة وبين الواسطة في العروض، فإن الواسطة هناك
٣١٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أصل في ثبوت المبادئ، واستناد الآثار جميعاً، فإن الحركة وآثارها من مباينة المتحرك لمكان،
ووصوله إلى آخر ومحاذاته لشيء وانطباقه على آخر إنما تثبت أولاً وبالذات للسفينة ثم للجالس،
بخلاف ما نحن فيه، فإن أحد المنتسبين بها مستبدّ باستناد الآثار لاحظ فيها للآخر الذي ثبت له
المبادئ، ولا هي عين النسبة التي تكون بين ذي الواسطة والواسطة في الثبوت، إذ استناد الآثار
هناك إلى ذي الواسطة إنما يعتمد على تحقق المبدأ فيه، وإن كان هذا التحقق معلولاً لتحقق
المبدأ في الواسطة، بخلاف ما نحن فيه، إذ تحقق المبدأ هنا في أحد المنتسبين يكفي في استناد
آثار ذلك المبدأ بعينه إلى الآخر، لا يتوقف استنادها إليه على تحقق مبدأ فيه، بل التحقيق فيما
نحن فيه أنه إذا لوحظ المبادئ فأحد المنتسبين واسطة في العروض بالنسبة إلى الآخر، وإذا
لوحظ الآثار فهو واسطة في الثبوت بالمعنى المشهور، وهو اتصاف ذي الواسطة مع عدم اتصاف
الواسطة، وهذه النسبة وإن لم يجردها أهل النظر عن سائر النسب، ولم يشتغلوا بالبحث عنه
لعدم تعلق غرضهم بها، إلا أنهم يسلمونها في مواضع لا تعد ولا تحصى، فلنورد نبذاً منها:
فمنها: النسبة بين النفس وقواها، أليس أن العلم الحصولي أي: كون الشيء عالماً من آثار
الصورة العلمية، والصورة في العلم بالجزئيات إنما تقوم بالقوى دون النفس، والعالمة هي النفس
دون القوى، وإن الإبصار إنما هو من آثار المحاذات المخصوصة، والمحاذاة إنما هو بين العين
والمرئي دون النفس، والمبصر هو النفس دون العين؟
ومنها: النسبة بين الشمس والمرآة، أليس أن مقابلة الأرض مبدأ لإضاءة الشمس إياها،
مع أن المقابل للجدار مثلاً إنما هو المرآة دون الشمس، والمضيء الشمس دون المرآة؟
ومنها: النسبة بين المالك والمملوك، أليس أن كون الرجل موهوباً له، أو مشترياً: مبدأ
لمالكيته، مع أن الموهوب له أو المشتري هو العبد - مثلاً - دون المولى، والمالك هو المولى
دون العبد.
ومنها: النسبة بين الموكل والوكيل، والمرسل والرسول، والمعنى واللفظ، فلنسم تلك
النسبة بالاضمحلال، ثم لو تصفحت حق التصفح لوجدت ههنا نسبة من آثارها أن يكون أحد
المنتسبين دالاً بالبداهة على كنه الآخر أو على ما هو في حكم كنهه مما يختص به ويمتاز به .
وبالجملة كل ما يذكر في جواب من سأل عن شيء ((بما هو)) عند أهل العرف فهو المراد
بالكنه ههنا، كالعظمة والخالقية للرب تبارك وتعالى، والإشراق المخصوص للشمس، واللون
والشكل والوضع المختصة لزيد، والمراد بالدلالة بالبداهة أن ينتقل ذهنك منه إليه بمجرد إدراكك
إياه بلا رويّة فكر، كما ينتقل ذهن النائم من صورة خيالية إلى شخص فيعلم في نومه أنه هذا، مع
أنه وإن لم يسمع قط أن فلاناً كان على صورة كذا، ولون كذا، بل ربما يرى خلاف ما علمه مع
أنه يتيقن بأنه فلان.
٣١٧
كتاب: الإيمان
وبالجملة فهذه النسبة أيضاً كالنسبة السابقة في أن أهل النظر لم يستأنفوا النظر إليها، ولم
يبحثوا عنها بحيالها مع أن أحداً لا يتأتى منه أن يشك في تحققها، أليس أن النسبة بين ذي
الصورة وصورته العقلية والخيالية والمنطبعة في الأجسام الصقيلة والمسطحة على الأجسام
والمجسمة المنحوتة كذلك؟ بل النسبة بين الحد والمحدود في العلم بالكنه، والوجه وذي الوجه
في العلم بالوجه، والعنوان والذات في عقد الوضع، ومفهوم القضية ومصداقها في جميع
القضايا، واللفظ والمعنى والنقش واللفظ كذلك.
والضابطة فيها أن أحد المنتسبين إذا كان بحيث يسري منه الملاحظة إلى المنتسب الآخر
أي: يتحقق هنا ملاحظة واحدة سارية من أحدهما إلى الآخر فهي المقصود ههنا، ولنسم تلك
النسبة بالمحاكاة)) .
عبقة (٢):
((الاضمحلال والمحاكاة بينهما عموم وخصوص من وجه، لأن الوكيل مضمحل في
الموكل ولا يحكيه، والصورة المجسمة غير مضمحلة في ذي الصورة مع أنها تحكيه، والصورة
العلمية مضمحلة في المعلوم حاكية له، فالشيء الذي اجتمع فيه الاضمحلال والحكاية لا جرم
أنه عنوان تام للمحكي عنه، وهو مادة التجلي، ثم إذا اتفق أن صار هذا الشيء مطروحاً في
البين، واقتضى المتجلي أن يجعل هذا الشيء عنواناً لنفسه وينصبه طريقاً لمعرفته وواسطة بينه
وبين المتجلي له في تكميله، وتعريفه، ودعوته إلى نفسه، والأوامر والنواهي، وإظهار الرضا
والسخط، والقبول والرد، والأنسة والوحشة، والقرب والبعد، والظهور والاستتار: صار تجلياً
بالفعل، وهذا لاقتضاء صورة التجلي، فما دام هذا الاقتضاء باقياً فهو تجلٍ بالفعل، وأما بدون
هذا الاقتضاء فهو مظهر أتم، ونور من أنوار المتجلي، وتجلٍ بالقوة فإذا صورة التجلي تقتضي
عدم استقلاله بالإشارة، وكونه مطروحاً في البين، وكون المتجلي هو المقصود بالإشارة بأن
تكون هنا إشارة واحدة تتعلق بالذات، والقصد بالمتجلي، وبالعرض بالتجلي، ألم تر إلى
العنوان في عقد الوضع حيث لا يمكن من الذهن تثنية النظر بل لا يكون هناك إلا نظر واحد نافذ
من العنوان إلى الذات، ولذا لا يمكن عقد الحكم بين العنوان والذات حال كونه عنواناً، ولذا
يحكم عليه بأنه مركب تقييدي لا خبري، وإن أردت أن تستبين حال التجلي حين هو تجلٍ فانظر
إلى من يتكلم بكلام حين يريد إظهار المعنى على السامع كاشحاً عن الاهتمام بالألفاظ، كما إذا
غضب المتكلم على السامع فيشتمه مرة ويسبّه أخرى، ويجهر عليه الصوت مرة ويدعو عليه
أخرى، فالمتكلم في هذه الحالة لا يلتفت إلى الألفاظ، بل كاد لا يشعر بها، ألا ترى إلى تلكؤ
لسانه وعدم تمكنه من رعاية الوزن والسجع، وعدم استطاعته على التكلم باللغة التي لم يألفها،
وكأنه يرمي السامع بسهام الغضب من قوس لسانه، ويخرج الكيفية الغضبية من قلبه على لسانه،
٣١٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وكذا السامع غير ملتفت إلى الألفاظ أصلاً، بل يحس من نفسه كأن المعاني المجردة من
الألفاظ، بل كأن الكيفية الغضبية خرجت من المتكلم ودخلت في قلبه، وهكذا الحال في المحبة
والعشق والخصومة، فالألفاظ في أمثال تلك الحالات تجليات للمعاني، واللسان تجلٍ للقلب،
فمن يتأتى منه الإشارة إلى التجلي والحكم بأنه تجلٍ في حال التجلي، فكأنه لم يفز بالتجلي حق
الفوز)).
عبقة (٣):
((التجلي مطاع دون غيره من المظاهر وإن كان أتم، إذ غايته أن يكون عنواناً له، حاكياً عن
بعض صفاته، مظهراً لأفعاله، ولا شك أن معنى الإطاعة هو موافقة الأمر، لا اقتداء بالأفعال،
والتشبه في الأوصاف، أليس أن من تشبه بالسلطان في لبس التاج، والجلوس على السرير: لا
يسمى مطيعاً بل عاصٍ يجب قتله، والتفصيل أن التجلي يجب به معرفة المتجلي وإطاعة ما ألقى
بواسطته، وأما غيره من المظاهر، فمنها ما لا يجب المعرفة به ولا إطاعة ما يظهر من قبله، ولا
يمنع شيء من ذلك كأكثر المظاهر التي لا يظهر، منها ما ينافي ما أمر به من قبل المتجلي، ولا
يحكى ما أريد ستره، ومنها ما يحرم إطاعة ما يظهر منه ولا يمنع به معرفة المتجلي، وهو ما
يكون حاكياً لصفات كاملة ظاهرة الكمال، لكن يكون مظهراً لأفعال تنافي ما أمر به من قبل
التجلي، والثالث ما يمنع به معرفة المتجلي أي: جعله عنواناً له للأكثر. وأما جوازها للمصطفين
المجتبين فهو خارج عما نحن فيه، وما يكون حاكياً لما قصد ستره، وذلك لغموض جهة كونه
كمالاً، وإيهامه نقصاً في أذهان الأكثر، ولنضرب ههنا مثلاً إيضاحاً لما أسلفنا:
فرضنا سلطاناً متعززاً مترفعا لا سبيل لآحاد الرعايا إلى الوصول إليه، فنصب تجاه مجلسه
مرآة صقيلة عظيمة على موضع يتأتى لكل واحد أن يصل إليه، فانطبع فيها صورة الملك كما
هي، فنادى في الرعايا أن اجتمعوا إليها في وقت كذا وكذا، وافعلوا ما تؤمرون من قبلها،
وانتهوا عما تنهون من قبلها، فلبس التاج وجلس على السرير، وأمر الخازن أن يقف عند المرآة
بحضرة الصورة المنطبعة، فإذا أشار إليه بأن يعطي أحداً شيئاً، أو يخلع عليه خلعة، فليفعل،
وأمر السياف والسياط أن يقفا عندها، فإذا أشار بقتل واحد أو جلده فليفعلا، وأمر الحجاب أن
يقفوا بحضرتها كوقوفهم بحضرته، فإذا أشار بتقريب أحد أو تبعيده فليفعلوا، فاجتمع أولئك
عندها محدقين إلى الصورة، مطأطئي رؤوسهم، واضعي أيديهم على السرة منتظرين لما يلقى
إليهم، واجتمع الداني والقاصي، والمطيع والعاصي بحضرتها، فجعل الملك يشير بسفك هذا
وجلد هذا، وإكرام هذا، وإعطاء هذا، وتقريب هذا، وتبعيد هذا، فالصورة المنطبعة في هذه
الحالة تجلٍ للملك، ويجب على كل واحد من رعاياه أن يعرفوه بما يحكي هذه من أنه صاحب
التاج والسرير، واللطف والقهر، والجلال والجمال، ويجب عليهم، إطاعة ما يؤمرون
٣١٩
كتاب: الإيمان
بواسطتها، فالمطيع من أخذ بما هطل إليه من قبلها، والعاصي من أعرض عما أشير من جهتها،
فهذا نظير التجلي .
وأما نظير المظاهر التي هي غير التجلي فكالصور المنطبعة في المرايا بمجرد محاذاتها
لوجه الملك من غير أن أراد أن يجعلها عنواناً لنفسه، أو واسطة في إلقاء أوامره ونواهيه، وفي
إظهار رضاه وسخطه، وأمثال ذلك، فعليك بالتأمل في الفرق بين ما يحكي الصورة التي جعلها
الملك تجلياً لنفسه، وبين ما تحكيه تلك الصورة، إذ ما من حركة تظهر من التجلي إلا وهو أمر
أو نهي يجب الاقتداء به، أليس أنها إذا صدرت منها حركة الضرب فذلك أمر للسيّاط بالجلد؟
أو حركة القتل فذلك أمر للسياف بالقتل؟ وأما ما يحكيه تلك الصورة من الحركات والأفعال
فكلا، بل منه ما لا يجوز الاقتداء به، كما إذا أشار الملك بحديدة أو سوط إلى ابنه تأديباً
فحكت الصورة المنطبعة في المرآة تلك الحركة، فلا يجوز لأحد أن يضرب ولده أو يقتله اقتداء
بما صدر منها، بل منه ما لا يجوز جعله عنواناً للملك بل يمنع معرفته به، كما إذا أراد الملك
امتحان حراسه ففعل من الحركات ما يفعله اللصوص، وحكت الصورة المنطبعة تلك الحركات،
فلا يجوز لأحد أن يجعل تلك الصورة حينئذٍ عنواناً له، وأن يعرفه بها وبما تحكيه، وإلا لبطل
حكمة الامتحان، فقس المظهر العزرائيلي وأشباهه التي هي مظاهر لتوفي الأنبياء والصلحاء
وآلامهم وأوجاعهم على الأول، وقس الحقيقة الإبليسية والدجالية على الثاني. نظيره ما اتفق
عليه الأشاعرة من أن كل ما يتكلم به الإنسان فذلك بإرادة الله ومشيته وبإيجاده، فنسبته إليه كنسبة
الكلام اللفظي إليه عندهم، لكونه مخلوقاً، إلا أن المطاع هو هذا، لما أنه نسبه إلى نفسه،
وجعله مظهراً لرضاه وسخطه دون ذلك، بل منه ما يجب السعي في إبطاله ككلام إبليس
والدجال، ألم تسمع ما ورد في النص من مدح المؤمنين لعدم معرفتهم الرب تبارك وتعالى
بالصورة التي تظهر بها في المحشر ابتلاء لهم؟)).
عبقة (٤):
(التجلي له جهتان: جهة مادية، وبها يمكن أن يحكم عليه بأنه موجود مغائر للمتجلي
وشيء من متعلقاته، وجهة صورية، وبها لا يمكن أن يحكم عليه أصلاً، لا بأنه عينه، ولا بأنه.
غيره، إذ الإشارة ههنا واحدة نافذة من التجلي إلى المتجلي، فلا يمكن لأحد أن يقول: هذا،
وأن يريد به التجلي حتى يتأتى منه الحكم عليه بأنه عين المتجلي أو غيره، وما مثله، كمثل
مفهوم الأبيض في قولنا: الأبيض قائم، وأردنا به زيداً، فنفس مفهوم الأبيض وإن كان بحيث إذا
لاحظناه مع قطع النظر عن وقوعه في عقد الوضع أمكننا أن نقول: إنه من عرضيات زيد إلا أنا
إذا لاحظناه من حيث وقوعه في عقد الوضع لا يمكن منا أن نحكم على مفهومه بشيء، بل يصير
قولنا ((الأبيض)) عرضي لزيد في مثابة قولنا: زيد رضي لنفسه، هذا فإذا تجلى متجلٍ في مكان
٣٢٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
خاص، أو زمان خاص، أو بشكل خاص، فإن لاحظنا التجلي بالجهة الأولى أمكن منا أن
نقول: هذا المتحقق في مكان كذا، أو في زمان كذا، أو المتشكل بشكل كذا: شيء من
متعلقات الشيء الفلاني، أعني المتجلي، وإن لاحظناه بالجهة الثانية لم يمكن منا شيءٍ من
ذلك، بل أحق التعبيرات عنه حينئذ أن يقال: إن هذا الشيء مشير إلى المتجلي صار متمكناً في
مكان كذا، أو تشكل بشكل كذا، ثم إن الملاحظة الأولى أوكس الملاحظات وأخدجها، لما أنه
سلخ للتجلي عن صورته واعتلاق بمادته، فكأنه قلب الموضوع من الميل إلا الكامن الذي هو
المادة، والإعراض عن البارز الذي هو الصورة فهو ظلم عظيم.
ثم إن الصورة ههنا هي اقتضاء المتجلي بأن يصير التجلي نفسه ساقطاً عن نظر المتجلي
له، مطروحاً في البين لا يستقل بالإشارة، فلا جرم أن الإشارة الاستقلالية إليه كفر بالمتجلي،
وصدّ عن سبيله، أليس أن من وصل إليه كتاب الملك آمراً أو ناهياً فيقول: إن هذا الكتاب إنما
هو شيء من متعلقات حكم الملك لا عينه؟ إذ هو كلام تكلم به، وتلك نقوش كتبت على
القرطاس، وأين النقوش من الألفاظ؟ فمن أعرض عنه لا يعد في العصاة لعدم بلوغ حكم الملك
إليه، وكذا من شافهه الملك بأوامر أو نواه فأعرض عنه قائلاً بأن الألفاظ إنما تصدر عن اللسان
وهو غير الملك الذي هو النفس، إلا بعد أمثال هؤلاء من المجانين؟
وأما الملاحظة الثانية فهو أحق الملاحظات وأطبقها لما في نفس الأمر، وأعرفها عند
جمهور الخلائق، وأوفقها لما أراد المتجلي، فالحكم بتغاير التجلي والمتجلي إنما ينشأ في
أوهام المحبوسين في سجن القيل والقال، الممنوعين عن الارتقاء إلى ذروة الحال، فلا يزال
الحكم - بالتغاير بينهما - يضمحل بحسب ارتقاء طبقات المتطلعين إلى الجبروت، حتى لا يبقى
له في النادية الأعلى عين ولا أثر، فلا جرم أن ليس له دعوة الحق، وأنه مما افتراه شياطين
الأهام، وأن لغة الأنبياء المعصومين بل لغة جميع الهداة الداعين إلى الصراط المستقيم إلى يوم
الدين مبنية على الاتحاد بينهما، فأولاهم بالله هو: أنساهم للتغاير، وأفصحهم بإجراء أحكام
التجليات على المتجلي بلا منازعة الوهم، فمن أهمه بيان التغاير بينهما وتأويل ما ورد من
النصوص المبنية على اتحادهما، فهو ملعون من قبل الرب المتجلي، ومن قبل الملأ الأعلى
المحدقين إلى الرب بالتجلي، ومن قبل الأنبياء المعصومين الداعي إلى وصول الناس إليه تبارك
وتعالى من سبيل التجليات، فكأنه شمر لقلع أساس الدين الذي هو معرفته تعالى بالتجليات
والعلم بأحكامه الثابتة له تعالى، بل الحق أن مقصود أرباب الشرائع صلوات الله عليهم هو ترك
الخوض في معنى التجلي، والاعتناء بمعرفته بها وبالأحكام الثابتة له في ضمنها، وهل يتصور
طريق إليه تعالى أقرب مما دعا الناس به إلى نفسه؟ وإنما اشتغل الأكابر من المتأخرين بتحققه
وتصويره لرد إشاعة أولئك الضلال واشتغالهم به كاشتغال كبراء أهل السنة بمسألة القدر، مع ما