Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب: الإيمان
فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذُلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ.
٤١٢ - (٢٦٢) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
سُلَيْمَانُ وَهُوَ ابْنُ بِلاَلٍ قال: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ قال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ
مَالِكٍ يُحَدِّثْنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللّهِ وَهِ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ؛ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلاَثَةُ نَفَرِ قَبْلَ أَنْ
يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
قوله: (فاستقبلوه) إلخ: أي: توجه جمع من قومها إليه فرأوه.
قوله: (وهو منتقع اللون) إلخ: بفتح القاف أي: متغيره، ففي القاموس انتقع لونه مجهولاً
إذا تغير. وقال التوربشتي: يقال: انتقع لونه: إذا تغير من حزن أو فزع، وكذلك ((امتقع)) بالميم.
قوله: (أثر ذلك المخيط) إلخ : - بكسر الميم - الإبرة.
وله: (في صدره) إلخ: ولعل مراده بهذا أن شق الصدر كان حسياً لا معنوياً.
٢٦٢ - (٠٠٠) - قوله: (حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر) إلخ: بفتح النون وكسر
الميم، وهو تابعي مدني يكنى أبا عبد اللّه، وهو أكبر من شريك بن عبد الله النخعي القاضي،
كذا في الفتح.
قوله: (أنه جاءه ثلاثة نفر) إلخ: قال الحافظ تَغَفُهُ: ((النفر الثلاثة لم أقف على تسميتهم
صريحاً، لكنهم من الملائكة، وأخلق بهم أن يكونوا من ذكر في حديث جابر بلفظ: ((جاءت
ملائكة إلى النبي 8ّ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب
يقظان)) وبينت في شرحه أن منهم جبرئيل وميكائيل، ثم وجدت التصريح بتسميتها في رواية
ميمون بن سياه عن أنس عند الطبراني، ولفظه: («فأتاه جبرئيل وميكائيل، فقالا: أيهم؟ - وكانت
قريش تنام حول الكعبة - فقالا: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاءا وهم ثلاثة، فألقوه فقلبوه
لظهره)).
قوله: (قبل أن يوحى إليه) إلخ: أنكر هذه الزيادة: الخطابي، وابن حزم، وعبد الحق،
والقاضي عياض، والنووي، وعبارة النووي: ((وقع في رواية شريك - يعني: هذه - أوهام أنكرها
العلماء، أحدها: قوله: ((قبل أن يوحى إليه)) وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن
فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي؟)) انتهى، وصرح المذكورون بأن شريكاً
تفرد بذلك، وفي دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس - بمعجمة ونون مصغراً - عن أنس
كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي، من طريقه. كذا في الفتح.
قوله: (وهو نائم في المسجد الحرام) إلخ: قد أكد هذا بقوله في آخر الحديث: ((فاستيقظ
وهو في المسجد الحرام)) ونحوه ما وقع في حديث مالك بن صعصعة: ((بين النائم واليقظان)) قال
الحافظ: ((وهو محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد فأركبه البراق استمر

٢٦٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثٍ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ. وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئاً وَأَخَّرَ. وَزَادَ وَنَقَصَ.
في يقظته، وقوله: ((بين النائم واليقظان)) إشارة إلى أنه لم يكن استحكم في نومه. وقوله في آخر
الحديث: ((فاستيقظ وهو في المسجد الحرام)). فقال القرطبي: ((يحتمل أن يكون استيقاظاً من
نومة نامها بعد الإسراء، لأن إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنما كان في بعضها، ويحتمل أن يكون
المعنى: أفقت مما كنت فيه، مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ
ءَايَتِ رَبِهِ الْكُبْرَةِ (٣)﴾ فلم يرجع إلى حال بشريته وَّ إلا وهو بالمسجد الحرام، وهذا كله مبني
على توحد القصة وإلا فمتى حملت على التعدد بأن كان المعراج مرة في المنام وأخرى في
اليقظة فلا يحتاج لذلك.
قوله: (وقدم فيه شياً وأخر وزاد ونقص) إلخ: نبه مسلم كثُّ على ما في رواية شريك من
مخالفة الثقات.
قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين: ((زاد فيه - يعني: شريكاً - زيادة مجهولة، وأتى
فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأت أحد منهم بما أتى به
شريك، وشريك ليس بالحافظ)) وسبق إلى ذلك أبو محمد بن حزم فيما حكاه الحافظ أبو الفضل
ابن طاهر في جزء جمعه سماه ((الانتصار لإمامي الأمصار)) فنقل فيه عن الحميدي عن ابن حزم
قال: ((لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يحتمل مخرجاً إلا حديثين تم عليه في
تخريجه الوهم مع إتقانهما وصحة معرفتهما)) فذكر هذا الحديث وقال: فيه ألفاظ معجمة والآفة
من شریك)) .
قال أبو الفضل ابن طاهر: ((تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفة منه
شيء لم يسبق إليه، فإن شريكاً قبله أئمة الجرح والتعديل، ووثقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه
في تصانیفهم، واحتجوا به)).
وروى عبد الله بن أحمد الدورقي، وعثمان الدارمي، وعباس الدوري، عن يحيى بن
معين : لا بأس به .
وقال ابن عدي: مشهور من أهل المدينة، حدث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا
روى عنه ثقة لا بأس به إلا أن يروي عنه ضعيف. قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقة وهو
سليمان بن بلال، قال الحافظ: ((وسبق ابنَ حزم أيضاً إلى الكلام في شريك أبو سليمان الخطابي
فإنه قال في شريك: إنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه سائر الرواة، وقال: قد روي
هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك، فلم يذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوي
الظن أنها صادرة من جهة شريك، وتكلم النسائي وأبو محمد بن الجارود في شريك، فقالا :
ليس بالقوي، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، نعم، قال محمد بن سعد: وأبو داود
وثقه، فهو مختلف فيه، فإذا تفرد عدّ ما ينفرد به شاذاً، وكذا منكراً على رأي من يقول: المنكر

٢٦٣
كتاب: الإيمان
٤١٣ - (٢٦٣) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرِّ (١) يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ
قَالَ: ((فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَتَزَلَ جِبْرِيلُ وَ ﴿، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ
زَهْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِىءٍ حِكْمَةً وَإِيمَاناً،
والشاذ شيء واحد، والأولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره. والجواب عنها إما
بدفع تفرده وإما بتأويله على وفاق الجماعة. ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من
المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك))، ثم ذكر الحافظ هذه الأشياء تكلم فيها وختم كلامه
بقوله: ((فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث، لم أرها مجموعة في كلام أحد ممن
تقدم، وقد بينت في كل واحد إشكال من استشكله والجواب عنه إن أمكن وبالله التوفيق.
٢٦٣ - (١٦٣) - قوله: (فرج سقف بيتي) إلخ: بضم الفاء وتخفيف الراء وتشدد، من الفرج
والتفريج بمعنى الشق والكشف، كذا في المرقاة.
قال الحافظ: ((والحكمة فيه أن الملك انصبّ إليه من السماء انصبابة واحدة، ولم يعرج
على شيء سواه مبالغة في المناجاة، وتنبيهاً على أن الطلب وقع على غير ميعاد، وعلى أن المراد
منه أن يعرج به إلى جهة العلو، ويحتمل أن يكون السر في ذلك التمهيد لما وقع من شق صدره،
فكأن الملك أراه بانفراج السقف والتئامه في الحال كيفية ما سيصنع به لطفاً به وتثبيتاً له، والله
أعلم)).
قوله: (ففرج صدري) إلخ: بفتح الفاء من فرج: أي: شقه.
قوله: (ممتلئ حكمة وإيماناً) إلخ: قال النووي: ((معناه أن الطست كان فيها شيء يحصل
به زيادة في كمال الإيمان وكمال الحكمة، وهذا الملء يحتمل أن يكون على حقيقته وتجسيد
المعاني جائز، كما جاء أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة، والموت في صورة كبش،
وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك من أحوال الغيب)).
وقال البيضاوي: ((لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني وقع كثيراً، كما مثلت له
الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس)).
وقال ابن أبي جمرة: ((فيه أن الحكمة ليس بعد الإيمان أجل منها، ولذلك قرنت معه
ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْقِيَ خَيْرًا كَثِيرً﴾ [البقرة، ٢٦٩]، وأصح ما قيل في
(١) قوله: ((كان أبو ذر يحدث)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب كيف فرضت
الصلوات في الإسراء؟ رقم (٣٤٩). وفي كتاب الحج، باب ما جاء في زمزم، رقم (١٦٣٦) وفي كتاب
الأنبياء، باب ذكر إدريس عليه السلام، رقم (٣٣٤٢).

٢٦٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَظْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ. فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ
الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: اقْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا
جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. مَعِيَ مُحَمَّدٌ وَّهِ. قَالَ: فَأُرْسِلَ إِليهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَفَتَحَ. قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ.
قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَل شِمَالِهِ بَكَىْ. قَالَ: فَقَالَ: مَرْحَباً بَالنَّبِيِّ
الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ بَّهِ. وَهَذِهِ
الأَسْوِدَّةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنَ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَ الأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ
الحكمة: أنها وضع الشيء في محله أو الفهم في كتاب الله)).
قال النووي: ((في تفسير الحكمة أقوال كثيرة مضطربة صفا لنا منها أن الحكمة: العلم
المشتمل على المعرفة بالله مع نفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق للعمل به، والكف
عن ضده، والحكيم من حاز ذلك)) اهـ ملخصاً.
وقد تطلق الحكمة على القرآن وهو مشتمل على ذلك كله، وعلى النبوة كذلك، وقد تطلق
على العلم فقط، وعلى المعرفة فقط، ونحو ذلك.
قوله: (فأفرغها) إلخ: أي: الطست، يعني: صب ما في الطست.
قوله: (ثم أطبقه) إلخ: أي: غطى صدري، ولأم شقه.
قوله: (فعرج بي) إلخ: بالفتح أي: الملك.
قوله: (عن يمينه أسودة) إلخ: جمع سواد، كأزمنة جمع زمان، بمعنى الشخص، لأنه يرى
أنه أسود من بعید.
قوله: (قلت يا جبريل من هذا) إلخ: ظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم: مرحباً،
ورواية مالك بن صعصعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة، فتحمل هذه عليها، إذ ليس في هذه أداة
ترتيب .
قوله: (نسم بنيه) إلخ: النسم - بالنون والمهملة المفتوحتين - جمع نسمة، وهي الروح،
وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل.
قال القاضي عياض تغذَهُ: ((قد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين
منعمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟)).
وأجاب بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتاً، فصادف وقت عرضها مرور النبي وَّر،
ويدل على أن كونهم في الجنة والنار إنما هو في أوقات دون أوقات: قوله تعالى: ﴿النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر، آية: ٤٦].

٢٦٥
كتاب: الإيمان
شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِي
جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ. فَقَالَ لِخَازِنِهَا: اقْتَحْ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ
خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا. فَفَتَحَ)).
فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: ((فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِذْرِيسَ وَعِيسَى وَمُوسَى
واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء كما هو نص القرآن.
والجواب عنه ما أبداه هو احتمالا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم والنار في جهة شماله
وكان يكشف له عنهما، ويحتمل أن يقال: إن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد،
وهي مخلوقة قبل الأجساد ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه فلذلك
كان يستبشر إذا نظر إلى من عن يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من عن يساره بخلاف التي في
الأجساد، فليست مرادة قطعاً، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مستقرها من جنة أو نار
فليست مرادة أيضاً فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويعرف أن قوله: ((نسم بنيه)) عام مخصوص،
أو أريد به الخصوص. كذا قال الحافظ في أبواب الصلاة من الفتح.
وقال في شرح حديث المعراج من السيرة النبوية: ((ظهر لي الآن احتمال آخر، وهو أن
يكون المراد بها من خرجت من الأجساد حين خروجها، لا أنها مستقرة، ولا يلزم من رؤية آدم
لها - وهو في السماء الدنيا - أن يفتح لها أبواب السماء ولا تلجها، وقد وقع في حديث أبي
سعيد عند البيهقي ما يؤيده، ولفظه: ((فإذا أنا بآدم تعرض عليه أرواح ذرية المؤمنين، فيقول:
روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذرية الفجار، فيقول: أرواح
خبيثة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين)).
وفي حديث أبي هريرة عند البزار: ((فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله
باب يخرج منه ريح خبيثة)) الحديث. فظهر من الحديثين عدم اللزوم المذكور، لكن سند هذين
الحديثين ضعيف، كما صرح به في كتاب الصلاة)).
قوله: (فقال أنس بن مالك: فذکر) إلخ: أي: أبو ذر رقُه.
قوله: (أنه وجد في السماوات آدم وإدريس) إلخ: قد استشكل رؤية الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام في السماوات مع أن أجسادهم مسترة في قبورهم بالأرض.
وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أو أحضرت أجسادهم لملاقات النبي (وَثّل
تلك الليلة تشريفاً له وتكريماً. ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عن أنس ففيه: ((وبعث آدم
فمن دونه من الأنبياء)) فافهم. كذا في الفتح، ودلت النصوص الصحيحة على حياة الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، كما سأتي إن شاء الله تعالى في موضع يليق به .

٢٦٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ. غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ
آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا. وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ
وَرَسُولُ اللّهِ وَ بَإِذْرِيسَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قَالَ:
ثُمَّ مَرَّ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِذْرِيسُ. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَىَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ:
مَرْحَباً بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هُذَا مُوسَى. قَالَ: ثُمَّ
مَرَرْتُ بِعِيسَى. فَقَالَ: مَرْخَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ وَالأَخْ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هُذَا.
عِيَسى ابْنُ مَرْيَمَ. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ: مَرْحَباً بِالْنبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ
الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ)) .
٤١٤ - ٠٠٠ /٠٠٠ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ
الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولان: قَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ: ((ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَىَ أَسْمَعُ فِيهِ
صَرِيفَ الأَقْلاَم)).
قوله: (وإبراهيم في السماء السادسة) إلخ: هذا موافق لرواية شريك عن أنس عند
البخاري، والثابت في جميع الروايات غير هاتين أنه في السابعة، فإن قلنا بتعدد المعراج فلا
تعارض، وإلا فالأرجح رواية الجماعة، لقوله فيها: ((فأنه رآه مسنداً ظهره إلى البيت المعمور))
وهو في السابعة بلا خلاف، ولأنه قال هنا: إنه لم يثبت كيف منازلهم، فرواية من أثبتها أرجح.
قوله: (قال: فلما مرّ جبريل ورسول الله) إلخ: القائل هو أنس فه، كما في البخاري.
قوله: (ثم مررت بعيسى) إلخ: ليست ((ثم)) على بابها في الترتيب، إلا إن قيل بتعدد
المعراج، إذ الروايات متفقة على أن المرور به كان قبل المرور بموسى.
قوله: (قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم) إلخ: أي: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم، وأما أبوه محمد: فلم يسمع الزهري منه لتقدم موته، لكن رواية أبي بكر عن أبي حبة
منقطعة، لأنه استشهد بأحد قبل مولد أبي بكر بدهر، وقبل مولد أبيه محمد أيضاً.
قوله: (وأبا حبة الأنصاري) إلخ: بفتح المهملة وبالموحدة المشددة على المشهور، وعند
القابسي بمثناة تحتانية، وغلط في ذلك، وذكره الواقدي بالنون.
قوله: (حتى ظهرت) إلخ: أي: علوت وارتفعت.
قوله: (المستوي) إلخ: بفتح الواو منوناً، المصعد، وقيل: المكان المستوي، قال علي
القاري: ((المستوي: المستقر وموضع الاستعلاء).
قوله: (أسمع فيه صريف الأقلام) إلخ: بالصاد المهملة تصويتها حال الكتابة. قال
الخطابي كثّفُ: ((هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله سبحانه وتعالى، ووحيه، وما ينسخونه

٢٦٧
كتاب: الإيمان
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ
صَلاَةَ. قَالَ: فَرَجَعْتُ بِذْلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى
أُمَّتِكَ؟ قَالَ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمَسْينَ صَلاَةَ. قَالَ لِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَرَاجِعْ رَبَّكَ.
فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ. قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ
السَّلاَمُ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ. قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي. فَقَالَ:
هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ.
من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره)).
قال القاضي: ((في هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير
في كتب الله تعالى من اللوح المحفوظ، وما شاء بالأقلام التي هو تعالى يعلم كيفيتها على ما
جاءت به الآيات من كتاب الله تعالى والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره
لكن كيفية ذلك وصورته وجنسه مما لا يعلمه إلا الله تعالى، أو من أطلعه على شيء من ذلك من
ملائكته ورسله، وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان إذ جاءت به الشريعة
المطهرة، ودلائل العقول لا تحيله، والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد حكمة من الله
وإظهاراً لما يشاء من غيبه لمن يشاء من ملائكته وسائر خلقه، وإلا فهو غني عن الكتب
والاستذكار سبحانه وتعالى.
قال القاضي: ((وفي علو منزلة نبينا* وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء صلوات الله
وسلامه عليهم أجمعين، وبلوغه حيث بلغ من ملكوت السماوات: دليل على علو درجته وإبانة
فضله، وقد ذكر البزار خبراً في الإسراء عن علي كرم الله وجهه وذكر مسير جبريل منظلكل على
البراق، حتى أتى الحجاب وذكر كلمة، وقال: ((خرج ملك من وراء الحجاب، فقال جبريل:
والذي بعثك بالحق، إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت، وإني أقرب الخلق مكاناً) وفي حديث
آخر ((فارقني جبريل وانقطعت عني الأصوات)) هذا آخر كلام القاضي رحمه الله تعالى، والله
أعلم. كذا في الشرح.
قوله: (قال ابن حزم) إلخ: أي: عن شيخه.
قوله: (وأنس) إلخ: أي: عن أبي ذر ◌ُّبه كذا جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن
يكون مرسلاً من جهة ابن حزم، ومن رواية أنس بلا واسطة.
قوله: (هي خمس وهي خمسون) إلخ: قدمت في شرح رواية ثابت عن أنس أنه تمسك به
قوم جوزوا النسخ قبل العمل، وههنا أورد ما ذكره الشيخ بدر الدين العيني في شرح الصحيح مما
يتعلق بهذه المسألة، قال:

٢٦٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى. فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ
((إن قوماً استدلوا بالنقض على أنه يجوز نسخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر أبو جعفر
النحاس تخذله، هذا القول من وجهين :
أحدهما: البناء على أصله ومذهبه في أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها، لأن ذلك
عنده من البداء، والبداء على الله سبحانه وتعالى محال.
والثاني: أن العبادة، وإن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يراه، فليس يجوز عند أحد
نسخها قبل هبوطها إلى الأرض ووصولها إلى المخاطبين، قال: وإنما ادعى النسخ فيها القاشاني
ليصحح بذلك مذهبه في أن البيان لا يتأخر. قال أبو جعفر: وهذا إنما هي شفاعة شفعها
رسول الله وَليّ لأمته ومراجعة راجعها ربه ليخفف عن أمته ولا يسمى نسخاً.
وقال السهيلي: قول أبي جعفر: ((وذلك بداء)) ليس بصحيح، لأن حقيقة البداء أن يبدو
للآمر رأي: يتبين الصواب فيه بعد أن لم يكن تبينه، وهذا محال في حق الله تعالى، والذي يظهر
أنه نسخ ما وجب على النبي ◌َّ من أداءها ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب، وهذا
نسخ على الحقيقة، نسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ، فقد كان في كل مرة عازماً على تبليغ ما
أمر به ومراجعته وشفاعته لا تنفي النسخ فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم فشفاعته ويّ ا كانت
سبباً للنسخ لا مبطلة لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرناه من حكم التبليغ الواجب عليه قبل
النسخ، وحكم الصلوات في خاصته، وأما أمته فلم ينسخ عنهم حكم، إذ لا يتصور نسخ الحكم
قبل وصوله إلى المأمور، والوجه الثاني أن يكون هذا خبراً لا تعبداً، فإذا كان خبراً لا يدخله
النسخ، ومعنى الخبر أنه ◌َ﴾﴿ أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة ومعناه أنها في اللوح
المحفوظ خمسون، فتأولها عليه الصلاة والسلام على أنها خمسون بالفعل، فبينها له ربه تعالى
عند مراجعته أنها في الثواب لا في العمل)).
قوله: (لا يبدل القول لديّ) إلخ: فإن قيل: ألم يبدل القول لديه حيث جعل الخمسين
خمساً؟ أجيب بأن معناه لا يبدل الإخبارات مثل أن ثواب الخمس خمسون، لا التكليفات، أو
لا يبدل القضاء المبرم لا القضاء المعلق الذي يمحو الله ما يشاء منه ويثبت منه، أو معناه لا يبدل
القول بعد ذلك، كذا في عمدة القاري.
ويمكن أن يقال: إنه كان مراد الله سبحانه وتعالى من ابتداء الأمر إظهار فرض الخمس
تدريجاً، لا تحثُّم فرض الخمسين، وكان المقصود بهذا التدريج، وإنهاء الأمر إلى الخمس بعد
كثرة ذهابه 9 إلى ربه وإيابه وتكرار مراجعته ومخاطبته بغير تكلف: التنويه بشأنه وصله وإظهار
منزلته وفضله عند المقربين، خصوصاً عند كليم الله وَلير، والله أعلم.
وفي حجة الله البالغة: ((أمر بخمس صلوات بلسان التجوز لأنها خمسون باعتبار الثواب،

٢٦٩
كتاب: الإيمان
مِنْ رَبِّي. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهِىَ. فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لا أَدْرِي مَا
هِيَ. قَالَ: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيَهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُوِ. وَإِذا تُرَابُهَا الْمِسْكُ)).
٤١٥ - (٢٦٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ (لَعَلَّهُ قَالَ) عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ (رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ) قَالَ: قَالَ
نَبِيُّ اللّهِ وَهِ: (بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْطَانِ، إِذْ سَمِعْت
ثم أوضح الله مراده تدريجاً ليعلم أن الحرج مدفوع، وأن النعمة كاملة».
وقال السندي: ((الظاهر أن المراد به - والله تعالى أعلم - أن مساواة الواحدة منها، وأنها
لا تنقص عن عشرة، لا يتبدل، ولا يتغير، ولا يلحقه تغير ولا نسخ، وليس المراد أن كون
الصلاة خمساً لا يتبدل ولا يتغير إذ لو كان المراد: الثاني لما كان لاعتذاره وَّو عند موسى
بقوله: ((فقد استحييت)) كثير وجه، كما لا يخفى عند من يتأمل أدنى تأمل، وعلى هذا فالحديث
لا ينافي القول بوجوب الوتر كما قال أبو حنيفة كثّفُ. والله أعلم)).
قوله: (ألوان) إلخ: أي: من الأنوار أو أوصاف من أجنحة الملائكة أو غيرها .
قوله: (لا أدري) إلخ: أي: الآن أوفى ذلك الزمان، لتوجه نظره لى المكون دون المكان،
كذا في المراقاة.
قوله: (ما هي) إلخ: أي: حقيقته ما هي في ذلك المكان والزمان.
قوله: (فإذا فيها جنابذ) إلخ: إذا للمفاجأة، والجنابذ جمع جنبذ - بضم الجيم وسكون
النون وبالموحدة المضمومة وبالذال المعجمة - وهو ما ارتفع من الشيء واستدار، كالقبة،
والعامة تقول بفتح الباء، والأظهر أنه فارسي معرب.
قلت: هو في لسان العجم كنبذ (كنبد) بضم الكاف الصماء، وسكون النون، وفتح الباء
الموحدة، وهي القبة.
قوله: (وإذا ترابها المسك) إلخ: وهو أطيب الطيب، وفي الخبر: ((أنه يفوح ريح الجنة
مسيرة خمسمائة عام)) كذا في المرقاة.
٢٦٤ - (١٦٤) - قوله: (عن مالك بن صعصعة) إلخ: أي: ابن وهب بن عدي بن مالك
الأنصاري، من بني النجار، ما له في البخاري ولا في غيره سوى هذا الحديث، ولا يعرف روى
عنه إلاّ أنس بن مالك، قاله الحافظ.
وقال أبو الحسن الدارقطني: ((لم يروه عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة غير قتادة،
والله أعلم)) كذا في الشرح.
قوله: (بينا أنا عند البيت) إلخ: وفي بعض الروايات: ((بينما أنا في الحطيم)) وفي حديث
.

٢٧٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَائِلاً يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي. فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ
ماءٍ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا. (قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قال:
إِلَى أَسْفَل بَطْنِهِ) فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي، فَغُسِلَ بِمَاءٍ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَاناً
وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ الْبُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ
أَقْصَى طَرْفِهِ فَحُمِلْتُ عَلْيهِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ وَّهِ.
فَقِيلَ: مَنْ هُذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ مَّهِ. قيل: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَفَتَحَ لَنَا. وَقَالَ: مَرْحَباً بِهِ. وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. قَالَ: فَأَتَيْنَا عَلَى
آدَمَ وَّهِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيَسىْ وَيَحْيَى عَلَيْهِمَا
السَّلاَمِ. وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ. وَفِي الرَّابِعَةِ إِذْرِيسَ وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَسَلَّم قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَنْتَهَيْنَا إِلى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. فَأَتَيْتُ عَلَى مُوَسِى عَلَيْهِ السَّلامُ
أبي ذر: ((فرج سقف بيتي وأنا بمكة)) وفي رواية الواقدي بأسانيده («أنه أسري به من شعب أبي
طالب)) وفي حديث أم هانىء عند الطبراني ((أنه بات في بيتها، قال: ففقدته من الليل، فقال: إن
جبريل أتاني)) والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانىء، وبيتها عند شعب أبي طالب،
ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه، فنزل منه الملك، فأخرجه من البيت إلى
المسجد، فكان به مضطجعاً، وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد، فأركبه
البراق، وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق: ((أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد،
فأركبه البراق)) وهو يؤيد هذا الجمع.
قوله: (قائلاً يقول) إلخ: وهو الملك.
قوله: (أحد الثلاثة بين الرجلين) إلخ: المراد بالرجلين حمزة وجعفر، وإن النبي وَلو كان
نائماً بينهما، ويستفاد منه ما كان فيه ويظهر من التواضع وحسن الخلق، وفيه جواز نوم جماعة في
موضع واحد، وثبت من طرق أخرى أنه يشترط أن لا يجتمعوا في لحاف واحد.
قوله: (قال قتادة: فقلت للذي معي) إلخ: ولعله الجارود بن أبي سبرة البصري صاحب
أنس .
قوله: (ثم حشي) إلخ: ماض مجهول من الحشو، أي: ملئ.
قوله: (ولنعم المجيء جاء) إلخ: فيه تقديم وتأخير، وحذف المخصوص بالمدح، أي:
جاء، فنعم المجيء مجيئه، وقيل: تقديره نعم المجيء الذي جاء، فحذف الموصول واكتفى
بالصلة، أو نعم المجيء مجيء جاء، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة، كذا في المرقاة.

٢٧١
كتاب: الإيمان
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَرْحَباً بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَىْ. فَنُودِيَ: مَا
يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ، هَذَا غُلاَمٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي. يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ
أُمَّتِي. قَالَ: ثُمَّ انْطَلْقَنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ فِي
الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللّهِ وَهِ، أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ
قوله: (فلما جاوزته بكى) إلخ: قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حسداً - معاذ الله - فإن
الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى: بل كان أسفاً
على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة
المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره، لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا
كان من اتبعه من أمته في العدد دون من اتبع نبينا وَ ير مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة.
وأما قوله: ((غلام)) فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه،
إذ أعطي لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحداً قبله ممن هو أسن منه، وقد وقع من موسى
من العناية بهذه الأمة من أمر الصلاة ما لم يقع لغره، ووقعت الإشارة بذلك في حديث أبي
هريرة عند الطبري والبزار، قال عليه الصلاة والسلام: ((كان موسى أشدهم عليّ حين مررت به،
وخيرهم لي حين رجعت إليه)) وفي حديث أبي سعيد ((فأقبلت راجعاً، فمررت بموسى - ونعم
الصاحب كان لكم ــ فسألني كم فرض عليك ربك)) الحديث.
وقال ابن أبي جمرة: ((إن الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جعل في قلوب
غيرهم، فلذلك بكى رخمة لأمته، وأما قوله: ((هذا الغلام)) فأشار إلى صغر سنه بالنسبة إليه)).
قال الخطابي: ((العرب تسمي الرجل المستجمع السن غلاماً ما دامت فيه بقية من
القوة)) اهـ.
قال الحافظ: ((ويظهر لي أن موسى ظلَّا أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا عليهما الصلاة
والسلام من استمرار القوة في الكهولية، وإلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه
هرم ولا اعترى قوته نقص حتى إن الناس في قدومه المدينة - كما سيأتي من حديث أنس - لما
رأوه مردفاً أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشاب، وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه في العمر أسن
من أبي بكر والله أعلم)).
وقد وقع من موسى عليه الصلاة والسلام في هذه القصة من مراعاة جانب النبي والقر أنه
أمسك عن جميع ما وقع له حتى فارقه النبي والتر أدباً معه وحسن عشرة، فلما فارقه بكى، وقال
ما قال.
قوله: (أربعة أنهار يخرج من أصلها) إلخ: أي: من أصل سدرة المنتهى، كما جاء مبيناً
في صحيح البخاري وغيره.
ʻ

٢٧٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَنَهْرَانِ بَاطِنَانٍ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَتَهْرَانِ فِي
الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الّاهِرَانِ فَالنِّيْلُ وَالْقُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَّعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا
هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمَ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ
يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ وَالآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ،
فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقِيلَ: أَصَبْتَ، أَصَابَ اللَّهُ بِكَ. أُمَّتُكَ عَلَى الْفِظْرَةِ. ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ كُلَّ
يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلاَةً)). ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَها إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
٤١٦ - (٢٦٥) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي
عَنْ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةً(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلّ قَالَ: فَذَكَرَ
نَحْوَهُ. وَزَادَ فِيهِ: ((فَأَتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِىءٍ حِكْمَةً وَإِيمَاناً، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقٌ
الْبَطْنِ، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِىءَ حِكْمَةٌ وَإِيَمانا)».
قوله: (آخر ما عليهم) إلخ: قال صاحب مطالع الأنوار: ((رويناه آخر ما عليهم)) برفع الراء
ونصبها، فالنصب على الظرف، والرفع على تقدير: ((ذلك آخر ما عليهم من دخوله)) قال: والرفع
أوجه .
قوله: (أصبت) إلخ: أي: أصبت الفطرة.
قوله: (أصاب الله بك) إلخ: أي: أراد بك الفطرة والخير والفضل، وقد جاء ((أصاب))
﴾ [صّ، آية: ٣٦] أي:
بمعنى أراد، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِيَحَ تَّجْرِى بِأَمْرِهِ رُغَةٍ حَيْثُ أَصَابَ
حيث أراد. اتفق المفسرون وأهل اللغة. كذا نقل الواحدي اتفاقهم عليه .
قوله: (أمتك على الفطرة) إلخ: معناه أنهم أتباع لك، وقد أصبت الفطرة، فهم يكونون
عليها، وفي حجة الله البالغة: ((فكان هو ◌َّ جامع أمته، ومنشأ ظهورهم، وكان اللبن اختيارهم
الفطرة والخمر اختيارهم لذات الدنيا)).
٢٦٥ - (٠٠٠) - قوله: (إلى مراق البطن) إلخ: بفتح الميم وتخفيف الراء وتشديد القاف،
(١) قوله: ((عن مالك بن صعصعة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب ذكر
الملائكة، رقم (٣٢٠٧)، وفي كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله عز وجل: وهل أتاك حديث
موسى ... رقم (٣٣٩٣). وباب قول الله تعالى: ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا ... ﴾ رقم (٣٤٣٠). وفي
كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، رقم (٣٨٨٧). والنسائي في سننه، في كتاب الصلاة باب فرض
الصلاة، رقم (٤٤٩). والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة ﴿ألم نشرح﴾ رقم
(٣٣٤٦) .

٢٧٣
كتاب: الإيمان
٤١٧ - (٢٦٦) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ
نَبِّكُمْ بَّهِ (يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ (١)) قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ فَقَالَ: ((مُوسَى آدَمُ
طُوَالٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالٍ شَئُوءَةً)» .
وَقَالَ: ((عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعْ. وَذَكَرَ مَالِكاً خَازِنَ جَهَّنَمَ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ)) .
هو ما سفل من البطن ورقّ جلده، وأصله مراقق، سميت بذلك لأنها موضع رقة الجلد، قال
الجوهري: لا واحد لها، وقال صاحب المطالع: واحدها مرق.
٢٦٦ - (١٦٥) - قوله: (موسى آدم) إلخ: بالمد، أسمر.
قوله: (طوال) إلخ: بضم الطاء وتخفيف الواو، ومعناه طويل، وهما لغتان.
قوله: (كأنه من رجال شنوءة) إلخ: بفتح المعجمة وضم النون وسكون الواو، بعدها
همزة، ثم هاء تأنيث: حي من اليمن ينسبون إلى شنوءة وهو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن
مالك بن نصر بن الأزد، ولقب شنوءة لشنآن كان بينه وبين أهله، والنسبة إليه شنوئي بالهمز بعد
الواو، وبالهمز بغير الواو. قال ابن قتيبة: ((سمي بذلك من قولك: رجل فيه شنوءة، أي: تقززة،
والتقزز - بقاف وزايين - التباعد من الأدناس. قال الداودي: رجال الأزد معروفون بالطوال،
ووقع في حديث ابن عمر: كأنه من رجال الزط وهم معروفون بالطول والأدمة.
قوله: (عيسى جعد مربوع) إلخ: وقع في أكثر الروايات في صفته: ((سبط الرأس والجعد))
ضد السبط، فقال العلماء رحمهم الله: المراد بالجعد هنا جعودة الجسم، وهو اجتماعه
واكتنازه، وليس المراد جعودة الشعر، وأما الجعد في صفة موسى ظلّلا فقال صاحب التحرير:
فيه معنيان: أحدهما ما ذكرنا في عيسى ظلِّلا، وهو اكتناز الجسم، والثاني: جعودة الشعر، قال:
والأول أصح لأنه قد جاء في رواية أبي هريرة في الصحيح: ((أنه رجل الشعر)) هذا كلام صاحب
التحرير. والمعنيان فيه جائزان، وتكون جعودة الشعر على المعنى الثاني، ليست جعودة القطط،
بل معناها: أنه بين القطط والسبط، والله أعلم.
والسبط بفتح الباء وكسرها لغتان مشهوران، ويجوز إسكان الباء مع كسر السين وفتحها
على التخفيف، كما في كتف وبابه، قال أهل اللغة: الشعر السبط وهو المسترسل ليس فيه
(١) قوله: ((ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدر الخلق، باب إذا قال أحدكم:
آمين. والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر لع ما تقدم من ذنبه، رقم (٣٢٣٩) وفي كتاب
أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: وهل أتاك حديث موسى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ رقم (٣٣٩٦).

٢٧٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤١٨ - (٢٦٧) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِّكُمْ وَّهِ (ابْنُ عَبَّاسٍ) قَالَ؛ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. رَجُلٍ آدَمُ طُوَالٍ
جَعْدٍ. كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَئُوءَةَ. وَرَأَيْتُ عِيَسى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ. إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ.
سَبِطَ الرَّأْسِ. وَأُرِيَ مَالِكَأَ خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ)). فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ. ﴿فَلَا تَكُنَ فِى
مِرْيَةٍ مِّن لِقَآئِهِ،﴾ [السجدة: ٢٣].
تكسير، ويقال في الفعل منه: سبط شعره - بكسر الباء - يسبط - بفتحها - سبطا - بفتحها - أيضاً،
والله أعلم.
قوله: (مربوع) إلخ: أي: ليس بطويل جداً، ولا قصير جداً، بل وسط.
٢٦٨ - (٠٠٠) - قوله: (إلى الحمرة والبياض) إلخ: حال، أي: مائل لونه إليهما، فلم
يكن شديد الحمرة والبياض، بل كان بينهما من البياض المشوب بالحمرة.
قوله: (وأري مالكاً خازن النار) إلخ: أرى بضم الهمزة وكسر الراء، ومالكاً بالنصب،
ومعناه أرى النبي ◌َّر مالكاً، وقد ثبت في صحيح البخاري في هذا الحديث: ((ورأيت مالكاً)).
قوله: (في آيات أراهن الله إياه) إلخ: أي: النبي ◌ِّر، يعني: رأى النبي ◌َّر الدجال مع
آيات أخر أراهن الله النبي وَلّر، وما حكاها وقوله: (في آيات أراهن الله إياه) من كلام الراوي
أدرجه في الحديث دفعاً لاستبعاد السامعين، وإماطة لما عسى أن يختلج في صدورهم، ولو كان
من قول النبي ◌َ ﴿ لقال: ((أراهن الله إياي)) كذا ذكره الشارح.
والظاهر أن يكون الضمير راجعاً إلى الدجال، والمراد بالآيات خوارق العادات التي
قدرها الله سبحانه استدراجاً للدجال وابتلاء للعباد على ما تقدم، والله تعالى أعلم.
قال الطيبي كَلُهُ: (قوله: في آيات)) أي: رأيت المذكور في جملة آيات، ولعله أراد بها
الآيات المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ اَلْكُتْرَىِ (٣)﴾ [النجم، آية: ١٨] فعلى هذا في
الكلام التفات حيث وضع ((إياه)) موضع ((إياي)) أو الراوي نقل معنى ما تلفظ به، والله أعلم.
قوله: (فلا تكن في مرية من لقائه) إلخ: الظاهر أنه متعلق بأول الكلام، وهو حديث
موسى عليّا تلميحاً إلى ما في التنزيل من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَتِ
مِّن لِّقَآيَةٍ﴾ [السجدة، آية: ٢٣]، وفي الكشاف: ((قيل: من لقائك موسى عليه الصلاة والسلام ليلة
الإسراء، فيكون ذكر عيسى وما يتبعه من الآيات على سبيل التبعية والإدماج، أي: لا تكن يا
محمد في رؤية ما رأيت من الآيات في شك، فعلى هذا الخطاب في قوله: ((فلا تكن))
لرسول الله وَالر، والكلام كله متصل ليس فيه تغيير من الراوي إلا لفظ ((إياه))، ويشهد له قول
الشيخ محي الدين تَّلُ في شرح هذا الحديث: ((كان قتادة يفسرها أن النبي ◌َّ قد لقي

٢٧٥
كتاب: الإيمان
قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ بََّ قَدْ لَقِيَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
٤١٩ - (٢٦٨) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ قَالا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا
دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ مَرَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ
فَقَالَ: أَّ وَادِ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الأَزْرَقِ. قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ
هَابِطاً مِنَ الثَنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بَالتَّلْبِيَةِ. ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَىْ. فَقَالَ: أَّ ثَنِيَّةِ هَذِهِ؟
قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى. قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ
عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ.
موسى ظلّل ووافقه عليه جماعة، منهم: مجاهد، والكلبي، والسدي، ومعناه: فلا تكن في شك
من لقائك موسى، والشارحون ذهبوا إلى أن قوله: (في آيات أراهن الله) من كلام الراوي ألحقه
بالحديث دفعاً لاستبعاد السامعين وإماطة لما عسى يختلج في صدورهم، وقال الخطاب: في
((فلاتكن)) خطاب عام لمن سمع هذا الحديث إلى يوم القيامة، والضمير في ((لقائه)) عائد إلى
الدجال، أي: إذا كان خروجه موعوداً فلا تكن في شك من لقائه)). وقال غيره: الضمير راجع
إلى ما ذكر، أي: فلا تكن في شك من رؤية ما ذكر من الآيات إلى يوم القيامة، كذا في
المرقاة .
٢٦٨ - (١٦٦) - قوله: (مرّ بوادي الأزرق) إلخ: هو موضع بين الحرمين، سمي به لزرقته،
وقيل: منسوب إلى رجل بعينه .
قال الحافظ: ((هو خلف أمج، بينه وبين مكة ميل واحد، وأمج: بفتح الهمزة والميم
وبالجيم قرية ذات مزارع هناك)).
قوله: (وله جوار إلى الله بالتلبية) إلخ: بضم جيم فهمز، وقد يبدل، أي: تضرع. وقال
الطيبي تغذّهُ: ((رفع صوت بها، ولا منع من الجمع)).
قوله: (على ثنية هرشا) إلخ: بفتح مثلثة وكسر نوع وتشديد تحتية، أي: عقبة، وهي طريق
عال في الجبل، أو بين الجبلين. وهرشي بهاء فراء فشين معجمة فألف مقصورة تكتب بالياء،
كسكرى، على طريق الشام والمدينة قرب الجحفة.
قوله: (على ناقة حمراء جعدة) إلخ: الجعدة هي مكتنزة اللحم.
قوله: (جبة من صوف) إلخ: أي: للتواضع واختيار الزهد، وهذا مأخذ للصوفية، ومن
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب المناسك باب الحج على الرحل، رقم
(٢٨٩١).

٢٧٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ. وَهُوَ يُلَبِّي)).
تبعهم من العلماء كالكسائي، ولعله لبسها على غير هيئة المعتاد أو كان جائزاً في شرعه للمحرم
لبس الجبة ونحوها مطلقاً، والله أعلم.
قوله: (خطام ناقته) إلخ: أي: زمامها وزناً ومعنى، وهو الحبل الذي يقاد به البعير، يجعل
على خطمه، أي: مقدم أنفه وفمه.
قوله: (خلبة) إلخ: بضم الخاء المعجمة وسكون اللام وبضمها فموحدة فهاء: ليفة نخل.
قوله: (وهو يلبي) إلخ: فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات والدار الآخرة ليست
بدار عمل؟ .
قلنا : أجيب عن ذلك بوجوه:
أحدها: أن الأنبياء أفضل من الشهداء، والشهداء أحياء عند ربهم فكذلك الأنبياء، فلا
يبعد أن يصلوا ويحجوا ويتقربوا إلى الله بما استطاعوا ما دامت الدنيا، وهي دار تكليف باقية.
ثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم أرى حالتهم التي كانوا في حياتهم عليها، فمثلوا له كيف
كانوا؟ وكيف كان حجهم وتلبيتهم؟ ولهذا قال أيضاً في رواية أبي العالية عن ابن عباس عند
مسلم: ((كأني أنظر إلى موسى، وكأني أنظر إلى يونس)).
ثالثها: أن يكون أخبر عما أوحي إليه وَلچر من أمرهم وما كان منهم، فلهذا أدخل حرف
التشبيه في الرواية، وحيث أطلقها فهي محمولة على ذلك، والله أعلم.
وقد جمع البيهقي كتاباً لطيفاً في حياة الأنبياء في قبورهم أورد فيه حديث أنس: ((الأنبياء
أحياء في قبورهم يصلون)) أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير - وهو من رجال الصحيح - عن
المستلم بن سعيد - وقد وثقه أحمد وابن حبان - عن الحجاج الأسود - وهو ابن أبي زياد البصري
وقد وثقه أحمد وابن معين - عن ثابت عنه، وأخرجه أيضاً أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه
وشاهد هذا الحديث ما ثبت في صحيح مسلم من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس
رفعه: ((مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)) وأخرجه أيضاً
من وجه آخر، عن أنس، فإن قيل: هذا خاص بموسى، قلنا: قد وجدنا له شاهداً من حديث
أبي هريرة أخرجه مسلم أيضاً من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه:
((لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي)) الحديث، وفيه: ((وقد رأيتني في جماعة من
الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه)) وفيه: ((وإذا عيسى بن مريم قائم
يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم،
فحانت الصلاة فأممتهم)).
ومن شواهد الحديث أيضاً ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه، وقال فيه:

٢٧٧
كتاب: الإيمان
قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ هُشَيْمٌ: يَعْنِي لِيفاً.
٤٢٠ - (٢٦٩) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي
الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: ((سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ،
فَقَالٍ: أَيُّ وَادِ هَذَا؟ فَقَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ. فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى نَِّ (فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ
وَشَعْرِهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظُهُ دَاوُدُ) وَاضِعاً إِصْبَعَيْهِ فِي أَذْنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَّةِ، مَارَاً بِهَذَا
(وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) سنده صحيح، وأخرجه أبو الشيخ في كتاب
الثواب بسند جيد: ((من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً بُلّغْتُه)) وعند أبي داود
والنسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره، عن أوس بن أوس رفعه في فضل يوم الجمعة: ((فأكثروا
فيه عليّ من الصلاة، فإن صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا
عليك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)).
ومما يشكل على ما تقدم ما أخرجه أبو داود من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: ((ما من
أحد يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي، حتى أرد عليه السلام)) ورواته ثقات، وجه الإشكال فيه
أن ظاهره أن عود الروح إلى الجسد يقتضي انفصالها عنه، وهو الموت، وقد أجاب العلماء عن
ذلك بأجوبة :
أحدها: أن المراد بقوله: ((رد الله عليّ روحي)) أن رد روحه كانت سابقة عقب دفنه، لا
أنها تعاد ثم تنزع ثم تعاد.
الثاني: سلمنا لكن ليس هو نزع موت بل لا مشقة فيه.
الثالث: أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك.
الرابع: المراد بالروح النطق، فتجوز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه.
الخامس: أنه يستغرق في أمور الملأ الأعلى، فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه ليجيب من
سلم عليه .
وقد استشكل ذلك من جهة أخرى وهو أنه يستلزم استغراق الزمان كله في ذلك الاتصال
الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة. وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك
بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة. والله أعلم، كذا في الفتح.
٢٦٩ - (٠٠٠) - قوله: (فذكر من لونه وشعره شيئا) إلخ: أي: بعضاً من أوصافهما وهو أن
لونه أسمر، وشعره جعد، على ما سبق.
قوله: (واضعاً إصبعيه على أذنيه) إلخ: بضم الذال ويسكن، قال الشارح تَّفُهُ: (وفي هذا
دليل على استحباب وضع الأصبع في الأذن عند رفع الصوت بالأذان ونحوه، مما يستحب له

٢٧٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْوَادِي قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ. فَقَالَ: أَّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: هَرْشَى، أَوْ لَفَتْ.
فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ. عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ، مَارّاً
بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّياً)) .
٤٢١ - (٢٧٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ المَثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ؛ قَالَ: ((كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسِ. فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ. فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ.
قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (١): لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ. وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ، فَانْظُرُوا إِلَى
صَاحِبِكُمْ. وَأَمَّا مُوسَى، فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُوم بِخُلْبَةٍ. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ
رفع الصوت، وهذا الاستنباط والاستحباب يجيء على مذهب من يقول من أصحابنا وغيرهم:
إن شرع من قبلنا شرع لنا، والله أعلم)).
قال علي القاري: ((هذا الاستنباط إنما تم لو قيل باستحباب وضع الإصبعين في الأذنين
وقت التلبية، ولا أظن أن أحداً قال بهذا، وأما وضع الإصبع في الأذن حال الأذان فله دليل
مستقل ذکر في بابه)).
قوله: (أو لفت) إلخ: بكسر اللام وسكون الفاء وبعدها تاء مثناة من فوق، قال بعضهم:
هرشي ثنية بقرب الجحفة، يقال لها أيضاً: لفت، والشك للراوي، ويمكن أن يكون ((أو)) للتنويع
على أن بعضهم قال هرشي وبعضهم لفت، ولا خلاف في الحقيقة.
٢٧٠ - (٠٠٠) - قوله: (فذكروا الدجال فقال) إلخ: أي: فقال بعض الحاضرين: إنه
مكتوب بين عينيه كافر إلى قوله: ((لم أسمعه - أي: النبي ◌َّ - قال ذلك، ولكنه قال)) إلى أخره.
فإن قلت: أي: مناسبة بين الكلامين؟ قلت: لعل الكلام جرى في ذكر العجائب، فذكروا
في جملة ذلك حال الدجال، فذكر لهم ابن عباس أنه ما سمع منه وَّر هذه العجيبة، ولكنه سمع
عجيبة أخرى، فذكر تلك العجبة، والله أعلم، كذا في حاشية السندي.
قوله: (فانظروا إلى صاحبكم) إلخ: يعني: نفسه بَّرَ، فإنه كان أشبه ولد إبراهيم به.
قوله: (كأن أنظر إليه) إلخ: قال الحافظ: ((وقد اختلف أهل التحقيق في معنى قوله: ((كأني
أنظر)) على أوجه: الأول هو على الحقيقة، والأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا مانعٍ أن
يحجوا في هذا الحال كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس ((أنه وَيُ رأى موسى قائماً في
قبره يصلي))، قال القرطبي: ((حببت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم لا
(١) قوله: ((فقال ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، باب التلبية إذا انحدر في
الوادي، رقم (١٥٥٥) وفي كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾، رقم (٣٣٥٥)
وفي كتاب اللباس، باب الجعد، رقم (٥٩١٣).

٢٧٩
كتاب: الإيمان
إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي)).
. ٤٢٢ - (٢٧١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ،
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءٌ.
فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ،
فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَّيْهِ، فَإِذَا أَقْرَبُ
مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً صَاحِبُكُمْ (يَعْنِي نَفْسَهُ) وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَنْتُ بِهِ
شَبَهاَ دَخْيَةُ)) .
بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر، ويؤيده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء لقوله تعالى:
﴿دَعْوَدُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس، آية: ١٠] الآية لكن تمام هذا التوجيه أن يقال: إن المنظور إليه
هي أرواحهم، فلعلها مثلت له وَّر في الدنيا كما مثلت له ليلة الإسراء، وأما أجسادهم هي في
القبور، قال ابن المنير وغيره: ((يجعل الله لروحه مثالا فيرى في اليقظة كما يرى في النوم، ثانيها
كأنه مثلت له أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا، كيف تعبدوا؟ وكيف حجوا؟ وكيف لبوا؟
ولهذا قال: (كأني)). ثالثها: كأنه أخبر بالوحي عن ذلك فلشدة قطعه به، قال: ((كأني أنظر إليه))
رابعها: كأنها رؤية منام تقدمت له، فأخبر عنها لما حج عندما تذكر ذلك، ورؤيا الأنبياء وحي،
هذا هو المعتمد عندي لما سيأتي في أحاديث الأنبياء من التصريح بنحو ذلك في أحاديث أخر،
وكون ذلك في المنام والذي قبله ليس ببعيد، والله أعلم)) اهـ.
قوله: (إذا انحدر في الوادي يلبي) إلخ: وفي الحديث: ((أن التلبية في بطون الأودية من
سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود)).
٢٧١ - (١٦٧) - قوله: (عرض عليّ الأنبياء) إلخ: بصيغة المجهول، أي: أظهر لدي.
قوله: (ضرب من الرجال) إلخ: هو الرجل بين الرجلين في كثرة اللحم وقلته، قاله
القاضي عياض، أو الرجل الخفيف اللحم، قاله النووي أو ضرب من الرجال بمعنى نوع من
الرجال، قاله علي القاري. والله أعلم.
قوله: (فإذا أقرب من رأيت به شبهاً) إلخ: بفتحتين، أي: نظيراً.
قوله: (عروة بن مسعود) إلخ: قيل: هو أخو عبد الله بن مسعود، وليس بصحيح، فإن
عروة هذا ثقفي، وعبد اللّه هذلي.
(١) قوله: ((عن جابر)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب المناقب، باب في صفة النبي ◌َّ رقم
(٣٦٤٩).

٢٨٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْح): ((دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ)).
٤٢٣ - (٢٧٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَ
ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهُ: ((حِينَ أُسْرِيَ بِي لَقِيتُ
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ (فَتَعَتَهُ النَِّيْ نََّ﴾ فَإِذَا رَجُلٌ (حَسِبْتُهُ قَالَ) مُضْطَرِبٌ. رَجِلُ الرَّأْسِ. كَأَنَّهُ
قوله: (دحية بن خليفة) إلخ: بكسر الدال وقد يفتح، وهو من الصحابة، كان من أجمل
الناس صورة.
٢٧٢ - (١٦٧) - قوله: (حسبته قال: مضطرب) إلخ: القائل: ((حسبته)) هو عبد الرزاق،
والمضطرب الطويل غير الشديد، وقيل: خفيف اللحم، قال ابن التين: ((هذا الوصف مغاير لقوله
في بعض أحاديث البخاري: ((إنه جسيم)) وقال: والذي وقع نعته بأنه جسيم إنما هو الدجال،
وقال عياض: رواية من قال: ((ضرب)) أصح من رواية من قال: ((مضطرب)) لما فيها من الشك،
قال: وقد وقع في الرواية الأخرى ((جسيم)) وهو ضد الضرب إلا أن يراد بالجسيم الزيادة في
الطول)).
قال الحافظ: ((والذي يتعين المصير إليه ما جوزه عياض أن المراد بالجسيم في صفة
موسى: الزيادة في الطول، ويؤده قوله في بعض الروايات: ((كأنه من رجال الزط)) وهم طوال
غير غلاظ، ووقع في حديث الإسراء وهو في بدء الخلق عند البخاري: ((رأيت موسى جعداً
طوالاً)) واستنكره الداودي فقال: لا أراه محفوظاً، لأن الطويل لا يوصف بالجعد، وتعقب
بأنهما لا يتنافيان)).
وقال النووي: ((الجعودة في صفة موسى ظلّل جعودة الجسم، وهو اكتنازه واجتماعه، لا
جعودة الشعر، لأنه جاء أنه كان رَجْل الشعر)).
قوله: (رجل الرأس) إلخ: بكسر الجيم ويسكن ويفتح، ففي القاموس: شعر رجل، ككتف
وجبل، بين السبوطة والجعودة. وفي النهاية: أي: لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل
بینھما .
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله
تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾، رقم (٣٣٩٤). وباب قول الله: ﴿واذكر في
الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾ رقم (٣٤٣٧). وفي كتاب التفسير، باب ﴿أسرى بعبده ليلاً من المسجد
الحرام﴾، رقم (٤٧٠٩). وفي كتاب الأشربة، باب قول الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب
والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾، رقم (٥٥٧٦)، وباب شرب اللبن ... رقم
(٥٦٠٣). والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، رقم (٣١٣٠).