Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
كتاب: الإيمان
وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ)) ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هُذَا الْحَدِيثَ بِغْيرِ شَيْءٍ. فَقَدْ كَانَ
الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ.
٣٨٦ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
كُلَّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
قوله: (وتزوجها) إلخ: أي: تحصيناً لها ورحمة عليها .
قوله: (فله أجران) إلخ: قال الحافظ: ((هو تكرير، لطول الكلام، للاهتمام به)).
قال المهلب: في الحديث دليل على أن من أحسن في معنيين من أي: فعل كان من أفعال
البر: كان له أجره مرتين. وقال السيد جمال الدين: يمكن أن يقال: إن هذه الطوائف الثلاثة
لكل منها أجران بسبب عمل واحد، بشرط مقارنة عمل آخر، فالذي آمن من أهل الكتاب وآمن
بمحمد: له أجران بسبب الإيمان بنبينا، لكن بشرط الإيمان بنبيه، والعبد المملوك له أجران
بسبب أداء حق الله، لكن بشرط أداء حق مولاه. تأمل.
قوله: (خذ هذا الحديث بغير شيء) إلخ: أي: شيءٍ من الأجور الدنيوية، وإلا فالأجر
الأخروي حاصل له، وفيه جواز قول العالم مثل هذا تحريضاً للسامع على حفظ ما قاله.
قوله: (ويرحل فيما دون هذا) إلخ: أي: يرحل لأجل ما هو أهون منه.
قوله: (إلى المدينة) إلخ: أي: المدينة النبوية، وكان ذلك في زمن النبي ◌َّر والخلفاء
الراشدين، ثم تفرق الصحابة في البلاد بعد فتوح الأمصار، وسكنوها، فاكتفى أهل كل بلد
بعلمائه إلا من طلب التوسع في العلم، فرحل.
وقد روى الدارمي بسند صحيح عن بسر بن عبد الله - وهو بضم الموحدة، وسكون
المهملة - قال: ((إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد)).
وعن أبي العالية قال: «كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا ترضى حتى نركب، فنسمعه
منهم)) كذا في الفتح.
قال صاحب ((السراج الوهاج)): ((والرحلة هذه من خصائص أهل الحديث في طلبه، وقلّ
من يشركهم، ثم نقل عبارة طويلة بليغة من ((إرشاد النقاد)) للسيد العلامة محمد بن إسماعيل
الأمير اليماني كثّفُ في هذا الموضوع، لولا مخافة الإطناب لنقلتها بتمامها. فليراجع.
٢٠٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٧١) - باب: نزول عيسى ابن مريم
صَلَ اللَّهِ
حاكماً بشريعة نبينا محمد
وسلم
٣٨٧ - (٢٤٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح،
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً(١) يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكِنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ
(٧١) - باب: بيان نزول عيسى ابن مريم
حاكماً بشريعة نبينا محمد رَلـ
٢٤٢ - (١٥٥) - قوله: (والذي نفسي بيده) إلخ: فيه الحلف في الخبر مبالغة في تأكيده.
قوله: (ليوشكن) إلخ: بضم الياء وكسر الشين، أي: لقربنّ، أي: لا بدّ من ذلك سريعاً .
قوله: (أن ينزل فيكم ابن مريم) إلخ: أي: في هذه الأمة، فإنه خطاب لبعض الأمة ممن
لا يدرك نزوله .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه :
اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أراد أن يظهر صفة إنعامه وانتقامه: خلق الخلق، وجعله
أصنافاً، فخلق منابع الإيمان والهداية من غير نوع الإنسان - وهم الملائكة - ومن نوع الإنساني -
وهم الأنبياء والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وخلق معادن الكفر والضلالة من
غير نوع الإنسان - وهم الشياطين - ومن النوع الإنساني - وهم الدجالون الكذابون عليهم لعنة الله
- فالأولون هم سادة السعداء النازلين في دار كرامته وفضله، ومظاهر رحمته ورضاه سبحانه
وتعالى، والآخرون هم رؤوس الأشقياء الساقطين في محل عقوبته وسخطه، ومظاهر نقمته
وغضبه، والمحاربة قائمة بين الفريقين، والمخالفة واقعة بين الطرفين، على ما يقتضيه نظام
التجاذب الواقع بين صفات الله الجمالية والقهرية، فملائكة الله في طرف، والشياطين في طرف
آخر، وأولياء الرحمن في جانب، والدجاجلة أعداء الله في جانب آخر، وما زالوا يتحاربون
(١) قوله: ((أبا هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب البيوع، باب قتل الخنزير، رقم (٢٢٢٢)
وفي كتاب المظالم، باب كسر الصليب وقتل الخنزير، رقم (٢٤٧٦) وفي كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول
عيسى ابن مريم عليهما السلام، رقم (٣٤٤٨) و(٣٤٤٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الملاحم، باب
خروج الدجال، رقم (٤٣٢٤) والترمذي في جامعه، في كتاب الفتن، باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم
عليهما السلام، رقم (٢٢٣٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن
مريم وخروج يأجوج ومأجوج، رقم (٤٠٧٨) وأحمد في مسنده (٢/ ٢٤٠ و٢٧٢ و٣٩٤ و٤٠٦ و٤١١ و٤٨٢
و ٤٩٤ , ٥٣٨).
٢٠٣
كتاب: الإيمان
ويتقاتلون في كل عصر، ولا يزالون مختلفين حتى يأتي أمر الله، ولذلك خلقهم، وكلاً يمد
هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربنا، وما كان عطاء ربنا محظوراً، انظر كيف فضل بعضهم على بعض!
وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً .
ومن المعلوم المتيقن أنه كلما ظهر في هذه الأمة دجال كذاب قام من ورثة سيد الأنبياء اله
شخص أو قوم بدفع مكايده، وإبطال حيله، وكبت معالمه، والله سبحانه وتعالى نصر الصادق
وخذل الكاذب، ولا تزال هذه المحاربة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، حتى يخرج رأس
الكفر من المشرق، وهو الدجال الأعظم، وعدو الله الأكبر، الذي أنذر به كل نبي قومه،
وختمت به سلسلة الدجل والكذب، وانتهت إليه مراتب الكفر والإضلال في نوع البشر، حتى
تجاوز كفره من روحه إلى جسده، ومن قلبه إلى وجهه، فيكون مكتوباً بين عينيه ((ك ف ر)) يدعي
الألوهية مع كون اللعين أعور، ويجيء معه بمثل الجنة والنار، ويتبعه من يهود أصفهان سبعون
ألفاً، عليهم الطيالسة، يطأ كل بلدة إلا المسجدين - أي: مكة، والمدينة - يأمر السماء فتمطر،
والأرض فتنبت، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجى كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النخل،
ويأمر بالرجل فيوشر بالميشار من مفرقه، حتى يفرق بين رجليه، ثم يمشي بين القطعتين، ثم
يقول له: قم، فيستوي قائماً، وهذه فتنة لا توجد فتنة أعظم منها، فهنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا
زلزالاً شديداً، فكأن الظاهر أن لا يقوم بمقاومة خاتم الدجاجلة الكاذبين إلا خاتم الأنبياء
والمرسلين، وهو الذي أخذ الله ميثاق النبيين: ليؤمنن به ولينصرنه، وآدم ومن دونه يكون تحت
لوائه يوم القيامة، ودعا له الخليل والذبيح، وبشر بمقدمه المسيح، وماوسع موسى لو كان حياً
إلا اتباعه، وانتهت إليه مراتب النبوة والرسالة حتى سرت آثار ختم النبوة التي هي صفة الروح في
جسده الكريم، بحيث كانت خاتم النبوة في ما بين كتفيه من علامات صدقه المأثورة عن
الأقدمين، وهو عبد الله المطلق الذي أرسل بالحق كافة للناس بشيراً ونذيراً، فلا يبقى على ظهر
الأرض بيت وبر ولا مدر إلا أدخله الله دينه القويم، فكان الأوفق فيما يبدو للناس أن يكون
النبي ◌َّ بنفسه النفيسة حجيج عدو الله الأكبر، نضالاً عن أمته، إلا أن الله سبحانه وتعالى رفع
منزلته، وجعل أمر الدجال اللعين أهون من أن يقوم في مقابلته بَّر، ويخرج مبارزاً له، ونوّه
بشأن الأمة المحمدية المرحومة حيث أبقى خاتم أنبياء بني إسرائيل سيدنا عيسى ظلا - وهو
الملقب بروح الله لغلبة آثار الحياة عليه - حياً قائماً صحيحاً طرياً إلى الآن في حصنه العلي
الحصين، والموطن الذي ليس هو موطن الكون والفساد، حتى ينزل في آخر الزمان حاكماً لا
بشريعة الإنجيل، بل بشريعة خاتم الأنبياء و لر، ونائباً منابه لإهلاك عدوه، وإظهار دينه على سائر
الأديان، واستيصال اليهود: أتباع الدجال، وترغيمهم وطمس معالم النصرانية، وإصلاح ما
حرفوه من الديانة الصادقة .
٢٠٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حُكَماً مُفْسِطَاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ،
ومن المعلوم البيِّن أن أعظم ما وصف به نبينا ◌َطير وأخصه هي العبدية المطلقة للمعبود
المطلق، وهو الموسوم ((بعبد اللّه)) في قوله تعالى ﴿ وَأَنَّهُ لَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوُهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾
[الجن، آية: ١٩] وهذا اللقب الخاص لم يجر إطلاقه في القرآن على واحد من الأنبياء غير محمد وله
أصالة، وعيسى عليه الصلاة والسلام حكاية عن قوله: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾ فهذا إيماء لطيف إلى أن
لعيسى عظّلا مناسبة خاصة بمحمد 18 في أشهر نعوته، وأخص أوصافه من العبدية المحضة،
فقائل ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم، آية: ٣٠] في المهد هو الأحرى من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام بأن يبعث والياً ونائباً من الحضرة المحمدية، لينصر أمته ويهلك عدوه الذي يستنكف
عن العبدية، ويثبت الألوهية لنفسه - معاذ الله -.
ومما يزيد حسن هذه المقابلة كون المسيح الثلا - مع ادعائه لنفسه العبدية الخالصة - ممن
اتخذه أمة كبيرة: إلهاً - تعالى الله عما يقول الظالمون: عباد مسيح الهداية، وعباد مسيح
الضلالة، علواً كبيراً - ثم الخوارق التي تصدر من الدجال اللعين استدراجاً من إحياء الأموات
وغيره، لما كانت بحسب الصورة من جنس الخوارق التي ظهرت على يد المسيح، والبركات
العظيمة التي تظهر بعد نزوله ظلّلا بطريق الإعجاز، فكان عيسى ظلّ هو الأحق بإهلاك اللعين
من هذه الجهة أيضاً. هذا تفصيل بعض ما أجمله شيخ شيخنا قاسم العلوم والخيرات نور الله
مرقده في كتابه الهندي ((آب حيات)).
وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)): ((قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى ظلّلا دون غيره
من الأنبياء: الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم،
أو نزوله لدنو أجله، ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها. وقيل:
إنه دعا الله لما رأى صفة محمد وأمته أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في
آخر الزمان مجدداً لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال، فيقتله، والأول أوجه)).
قوله: (حكماً) إلخ: أي: حاكماً. والمعنى أنه ينزل حاكماً بهذه الشريعة، فإن هذه الشريعة
باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى حاكماً من حكام هذه الأمة، ولا يكون نزوله من حيث إنه نبي
مستقل، كما كان قد بعث قبل في بني إسرائيل.
قال العلامة السندي تخذفيه: «قوله: ((حكماً)) أي: حاكماً، وفيه تنبيه على أنه لا يأتي على أنه
نبي، وإن كان نبياً في الواقع، ولكونه حاكماً ورد أنه إمام)).
قوله: (مقسطاً) إلخ: المقسط: العادل بخلاف القاسط، فهو الجائر، ولأحمد من وجه
آخر عن أبي هريرة: ((اقرؤوه من رسول الله السلام)).
قوله: (فيكسر الصليب) إلخ: قال ابن الملك: ((الصليب في اصطلاح النصارى خشبة مثلثة
٢٠٥
كتاب : الإيمان
وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)).
يدّعون أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب على خشبة مثلثة على تلك الصورة، وقد يكون فيه
صورة المسيح)) .
قال الحافظ: ((أي: يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه
النصارى من تعظيمه)).
قوله: (ويقتل الخنزير) إلخ: قال في ((الفتح)): ((ويستفاد منه تحريم اقتناء الخنزير وتحريم
أكله وأنه نجس، لأن الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه. ووقع للطبراني في الأوسط من طريق
أبي صالح عن أبي هريرة: ((فيكسر الصليب ويقتل الخنزير والقرد)) وزاد فيه (القرد)) وإسناده لا
بأس به، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير، لأن القرد ليس بنجس
العين اتفاقاً، ويستفاد منه أيضاً تغيير المنكرات وكسر آلة الباطل)) اهـ.
ولعل في قتل القرد إشارة إلى إبطال أوهام الهنود المشركين، فإنهم يعظمونها كما أن في
كسر الصليب وقتل الخنزير إشعاراً بهدم شعار النصارى الدينية، وخصائصهم المعاشية. وأما
اليهود فقتلهم واستئصالهم منصوص عليه، والله أعلم.
قوله: (ويضع الجزية) إلخ: والمعنى أن الدين يصير واحداً فلا يبقى أحد من أهل الذمة
يؤدي الجزية. وقيل: معناه أن المال يكثر، حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية إليه، فتترك
الجزة استغناء عنها. وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفار من
غير محاباة، ويكون كثرة المال بسبب ذلك، وتعقبه النووي وقال: الصواب أن عيسى لا يقبل إلا
الإسلام.
قلت: ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة ((وتكون الدعوى واحدة)) وتعقبه
((بأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس)) ويجاب بجواز أن يرتد بعضهم بعد موت عيسى،
وترسل الريح فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، فحينئذ فلا يبقى إلا الشرار. قال النووي: ((ومعنى
وضع عيسى الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى لما دل
عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا (َّ ر هو المبين للنسخ بقوله هذا)). قال
ابن بطال: ((وإنما قبلناها قبل نزول عيسى للحاجة إلى المال بخلاف زمن عيسى، فإنه لا يحتاج
فيه إلى المال، فإن المال في زمنه يكثر حتى لا يقبله أحد)).
قوله: (ويفيض المال) إلخ: بفتح أوله وكسر الفاء وبالضاد المعجمة من فاض المال يفيض
إذا كثر حتى سال كالوادي على ما في القاموس، أي: يكثر المال.
وسبب كثرته نزول البركات وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظلم، وحينئذ تخرج
الأرض كنوزها، وتقل الرغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة.
٢٠٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٨٨ - (٠٠٠) وحدّثناه عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ؛
قال: حَدَّثَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ
عُبَيْنَةَ: ((إِمَاماً مُقْسِطاً وَحَكَماً عَذْلاً)).
وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: ((حَكَماً عَادِلاً)) وَلَمْ يَذْكُرْ ((إِمَاماً مُقْسِطاً)). وَفِي حَدِيثٍ صَالِحِ
((حَكَماً مُقْسِطَا)) كَمَا قَالَ اللَّيْثُ. وَفِي حَدِيثِهِ، مِنَ الزِّيَادَةِ ((وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرَاً
مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)).
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنِهِ﴾
[النساء: ١٥٩] الآيَةً.
قوله: (حتى تكون السجدة الواحدة خيراً) إلخ: معناه - والله أعلم -: أن الناس تكثر
رغبتهم في الصلاة وسائر الطاعات لقصر آمالهم وعلمهم بقرب القيامة وقلة رغبتهم في الدنيا
لعدم الحاجة إليها، وهذا هو الظاهر من معنى الحديث. وقال القاضي عياض تغَّهُ: ((معناه: أن
أجرها خير لمصليها من صدقته بالدنيا وما فيها لفيض المال حينئذ، وهوانه، وقلة الشح وقلة
الحاجة إليه للنفقة في الجهاد)). وقال: والسجدة هي السجدة بعينها أو تكون عبارة عن الصلاة،
والله أعلم. وأما قوله ((ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِه
قَبْلَ مَوْنِ﴾ [النساء، آية: ١٥٩] ففيه دلالة ظاهرة على أن مذهب أبي هريرة في الآية أن الضمير في
موته يعود على عيسى ظلّلا، ومعناها: وما من أهل الكتاب يكون في زمن عيسى عظَلا إلا من آمن
به، وعلم أنه عبد اللّه وابن أمته، وهذا مذهب جماعة من المفسرين.
وذهب كثيرون أو الأكثرون إلى أن الضمير يعود إلى الكتابي، ومعناها: وما من أهل
الكتاب أحد يحضره الموت إلا من آمن عند الموت قبل خروج روحه بعيسى وَلّ، وأنه عبد الله
وابن أمته، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان لأنه في حضرة الموت وحالة النزع، وتلك الحالة لا حكم
لما يفعل أو يقال فيها، فلا يصح فيها إسلام ولا كفر، ولا وصية ولا بيع ولا عتق ولا غير ذلك
من الأقوال لقول الله تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
اُلْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْثَنَ﴾ [النساء، آية: ١٨] وهذا المذهب أظهر فإن الأول يخص الكتابي، وظاهر
القرآن عمومه لكل كتابي في زمن عيسى وقبل نزوله، ويؤيد هذا قراءة من قرأ: ((قبل موتهم)).
وقيل: إن الهاء في (به)) يعود على نبينا محمد بَّر، والهاء في ((موته)) تعود على الكتابي.
والله أعلم.
قوله: (ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم) إلخ: قال الطيبي: ((استدل بالآية على نزول
٢٠٧
كتاب: الإيمان
٣٨٩ - (٢٤٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ
عيسى ظّل في آخر الزمان مصداقاً للحديث)) قال علامة عصرنا الكشميري نفعنا الله بعلومه:
(لعل قوله: ((ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم)) مرفوع في الأصل، ففي كنز العمال (٢٦٨:٧)
((عن أبي هريرة قال: ((إن المساجد لتحدر لخروج المسيح، وإنه سيخرج فيكسر الصليب، ويقتل
الخنزير، ويؤمن به من أدركه، فمن أدركه منكم فليقرئه مني السلام)) مع قول بعضهم: أن حديث
أبي هريرة كله مرفوع، وهو كذلك بصورة المرفوع في الدر المنثور عنه عند ابن مردويه وعند ابن
کثیر .
وقوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ﴾ [النساء، آية: ١٥٩] ((إن)) بمعنى ما، أي:
لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى إلا آمن به، وهذا مصير من
أبي هريرة إلى أن الضمير في قوله: (إلا ليؤمنن به) وكذلك في قوله: (قبل موته) يعود على
عيسى، أي: إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير من
طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح، ومن طريق أبي رجاء عن الحسن قال قبل موت عيسى :
والله إنه الآن لحي، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، ونقله عن أكثر أهل العلم، ورجحه ابن
جرير وغيره كما يؤيده نظم القرآن الحكيم.
ونقل أهل التفسير في ذلك أقوالاً أخر، وإن الضمير في قوله ((به)) يعود لله أو لمحمد، وفي
(موته)) يعود على الكتابي على القولين، وقيل على عيسى، وروى ابن جرير من طريق عكرمة عن
ابن عباس: ((لا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن بعيسى، فقال له عكرمة: أرأيت إن خرّ من
بيت أو احترق أو أكله السبع، قال: لا يموت حتى يحرك شفتيه بالإيمان بعيسى)) وفي إسناده
خصيف وفيه ضعف. ورجح جماعة هذا المذهب بقراءة أبي بن كعب ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
أي: أهل الكتاب. قال النووي تغذّهُ: ((معنى الآية على هذا ليس من أهل الكتاب أحد يحضره
الموت إلا آمن عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى وأنه عبد اللّه وابن أمته، ولكن لا ينفعه هذا
الإيمان في تلك الحالة كما قال تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ
أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْتَنَ﴾ [النساء، آية: ١٨] قال وهذا المذهب أظهر، لأن الأول خص
الكتابي الذي يدرك نزول عيسى، وظاهر القرآن عمومه في كل كتابي في زمن نزول عيسى وظاهر
القرآن عمومه في كل كتابي في زمن نزول عيسى وقبله، كذا(١) في الفتح.
وقال علامة عصرنا الكشميري ثم الديوبندي - متع الله المسلمين بفيوضه -: إن الأول هو
المتعين، وقوله تعالى ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ [النساء، آية: ١٥٩] الآية بالنسبة إلى الموجودين إذ ذاك
كقوله {858* إذا نزل فيكم ابن مريم وهو كثير من قبيل: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة، آية، ٧٢] وقد قرره
(١) فتح الباري للحافظ، الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام، رقم (٣٤٤٨).
٢٠٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَاللَّهِ، لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ
حَكَماً عَادِلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخَنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتْرَكَنَّ الْقِلاَصُ فَلاَ
يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّخْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ (وَلَيُدْعَوُنَّ) إِلَى الْمَالِ ...
ابن كثير في (٢٣٣:٣) وقراءة أبي بن كعب ربه «قبل موتهم)) لها معنى آخر يتغاير ولا يتناقض،
وأراد به ((وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موتهم إيماناً مقبولاً)) وهو أيضاً عند نزوله قبل
موته ظلَّلا، فعاد إلى القراءة المشهورة، وكيف لا يقبل الإيمان قبل الموت ولا تموتن إلا وأنتم
مسلمون، وإنما يعهد عند لقاء المؤمن به .
وقد اختلف في موت عيسى نعلّلا قبل رفعه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِلَىَّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ
إِلَّ﴾ [آل عمران، آية: ٥٥] فقيل على ظاهره وعلى هذا فإذا نزل إلى الأرض ومضت المدة المقدرة له
يموت ثانياً وقيل معنى قوله متوفيك من الأرض فعلى هذا لا يموت إلا في آخر الزمان، واختلف
في عمره حين رفع فقيل ابن ثلاث وثلاثين، وقيل مائة وعشرين، كذا في الفتح. وقد حقق معنى
التوفي وفصل المباحث المتعلقة بحياة عيسى ونزوله العلامة الشيخ الأنور في كتابه ((عقيدة
الإسلام)) بما لا مزيد عليه فليراجع.
٢٤٣ - (٠٠٠) - قوله: (عن عطاء بن ميناء) إلخ: بكسر الميم بعدها ياء مثناة من تحت
ساكنة ثم نون ثم ألف ممدودة.
قوله: (وليتركن القلاص) إلخ: بصيغة الفاعل أو المفعول، وهو الملائم لقوله ((فلا يسعى
عليها)) أي: لا يعمل على القلاص، وهو بكسر القاف جمع قلوص بفتحها، وهي من الإبل
كالفتاة من النساء والحدث من الرجال، ومعناه أن يزهد فيها، ولا يرغب في اقتنائها، لكثرة
الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة، وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف
الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى قول الله عزّ وجل ﴿وَإِذَا اُلْعِشَارُ عُطِّلَتْ
(ج)﴾ [التكوير، آية: ٤] ومعنى ((لا يسعى عليها)) لا يعتني بها، أي: يتساهل أهلها فيها، ولا يعتنون
فيها، هذا هو الظاهر. وقال القاضي عياض وصاحب المطالع رحمهما الله: معنى ((لا يسعى
عليها)) أي: لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها، وهذا تأويل باطل من وجوه كثيرة تفهم من
هذا الحديث وغيره، بل الصواب ما قدمناه والله أعلم. كذا في الشرح.
قوله: (ولتذهبن الشحناء) إلخ: بفتح الشين، أي: لتزولن العداوة التي تشحن القلب
وتملأه من الغضب.
قوله: (والتباغض) إلخ: أي: الذي هو سبب العداوة.
قوله: (والتحاسد) إلخ: أي: الذي هو باعث التباغض، وكلها نتيجة حب الدنيا من المال
والجاه، فتزول كل هذه العيوب بزوال محبة الدنيا عن القلوب.
٢٠٩
كتاب: الإيمان
فَلاَ يَقْبَلُهُ أَحَدٌ)) .
٣٩٠ - ٢٤٤ /٤ - حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيَكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟».
قوله: (فلا يقبله أحد) إلخ، أي: استغناء بإعطاء الأحد جلّ جلاله .
٢٤٥ - (٠٠٠) - قوله: (أخبرني نافع ((مولى أبي قتادة الأنصاري))) إلخ، قال الحافظ: هو
أبو محمد ابن عياش الأقرع قال ابن حبان: هو مولى امرأة من غفار. وقيل له: مولى أبي قتادة
لملازمته له .
قوله: (كيف أنتم) إلخ، أي: حالكم ومآلكم، قال الأبي: هو تعجب من حسن الحال لا
من شدة الأمر.
قوله: (وإمامكم منكم) إلخ: قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وعند أحمد من حديث جابر
في قصة الدجال ونزول عيسى ((وإذا هم بعيسى فيقال: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم،
فليصل بكم)) ولابن ماجه في حديث أبي أمامة الطويل في الدجال قال: ((وكلهم أي: المسلمون
ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح قد تقدم ليصلي بهم، إذ نزل عيسى فرجع الإمام ينكص ليتقدم
عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه ثم يقول: تقدم فإنها لك أقيمت)) وقال أبو الحسن الخسعي
الأبدي في مناقب الشافعي: تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي
خلفه، ذكر ذلك رداً للحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس وفيه ((لا مهدي إلا عيسى))، وقال
أبو ذر الهروي: حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين قال: معنى قوله: ((وإمامكم منكم)) يعني:
أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل. وقال ابن التين: معنى قوله ((وإمامكم منكم أن الشريعة المحمدية
متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم. وهذا والذي قبله لا يبين كون
عيسى إذا نزل يكون إماماً أو مأموماً، وعلى تقدير أن يكون عيسى إماماً فمعناه أنه يصير معكم
بالجماعة من هذه الأمة)) قال الطيبي: المعنى يؤمكم عيسى حال كونه في دينكم. ويعكر عليه
قوله في حديث آخر عند مسلم ((فيقال له: صل لنا فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة
لهذه الأمة)). وقال ابن الجوزي: لو تقدم عيسى إماماً لوقع في النفس إشكال، ولقيل: أتراه تقدم
نائباً أو مبتدعاً شرعاً، فصلى مأموماً لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله ((لا نبي بعدي)). كذا في
الفتح(١).
قال علامة عصرنا الكشميري - أطال الله بقاءه ــ ((إن في أحاديث أبي هريرة كلها دلالة على
(١) فتح الباري للحافظ، الأنبياء، باب تزول عيسى ابن مريم عليهما السلام، رقم (٣٤٤٩).
٢١٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٩١ - (٢٤٥) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ
أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعَّ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيَكُمْ وَأَمَّكُمْ؟)).
٣٩٢ - (٢٤٦) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِع، مَوْلَى أَبِيِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اَ
قَالَ: ((كَيَفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمَّ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟)). فَقُلْتُ لابْنِ أَبِي ذِئْبِ: إِنَّ
الأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً: (وَإِمامُكْمُ مِنْكُمْ)) قَالَ ابْنُ أَبِي
ذِئْبِ: تَذْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُّنِي. قَالَ: ((فَأَمَّكُمْ بِكِتَابٍ رَبِّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَسُنَّةِ
نَبِيِّكُمْ وَّ﴾﴾ .
٣٩٣ _ (٢٤٧) حدّثنا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ، وَهَارُونْ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ
الشَّاعِرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ) عُنِ ابْنِ جُرَيْجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛
أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ(١) يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُوَّلُ: ((لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي
أن الإمام هو عيسى ليلا، وصرح به عند ابن حبان كما في السعاية (٢: ١٨٤) ناقلاً عن رسالة
(الإعلام)) للسيوطي عن أبي هريرة ظُله، قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((ينزل عيسى ابن
مريم فيؤمهم فإذا رفع رأسه من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، قتل الله الدجال، واظهر
المؤمنين))، ولمسلم من رواية ابن أخي الزهري عن عمه: ((كيف بكم إذا نزل فيكم ابن مريم
فأمكم)) وله من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب ((إماماً مقسطاً)) وكذلك في سياق مسلم عند ابن
كثير (٣: ٢٣٦) ((فيؤمهم)) وقد سقط هذا اللفظ من نسخة مسلم التي يأيدينا والله أعلم)).
فإن اقتحم التوفيق بين أحاديث أبي هريرة، وأحاديث جابر، وأبي أمامة، وغيرهما فيقال:
باللهم أن صلاة عيسى لعلّها إماماً بعدما صلى خلف المهدي مأموماً متصلاً بالنزول، لا أن أبا
هريرة يريد بالإمام المهدي، ولعل قوله في حديث جابر عند مسلم: ((لا إن بعضكم على بعض
أمراء تكرمة الله لهذه الأمة)) الجواب فيه هو ((لا)) فقط، وقوله: ((إن بعضكم)) إلخ بيان الواقع لا
تعليل، وأنها كانت أقيمت للمهدي فتركه، كأنه فسخ ما كان أراد، ولا ينبغي، فقوله: ((فإنها لك
أقيمت)) كما عند ابن ماجه هو كإشارته وّ﴿ لأبي بكر وعبد الرحمن بن عوف بأن لا يتأخرا.
٢٤٧ - (١٥٦) - قوله: (لا تزال طائفة من أمتي) إلخ: الظاهر أنها عصابة الغزاة
(١) قوله: ((جابر بن عبد الله)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة سوى مسلم رحمه الله.
٢١١
كتاب: الإيمان
يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقْ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيَسى ابْنُ مَرْيَمَ نَّهِ فَيَقُولُ
أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلْ لَنَا. فَيَقُولُ: لا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ هُذِهِ الأُمَّةَ)).
والمجاهدين في سبيل الله، كما يدل لفظ ((يقاتلون)) وقيل: إن المقاتلة أعم من أن تكون حسية أو
معنوية .
قال الحافظ: ((قال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين: ما
بين شجاع، وبصير بالحرب وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، وزاهد، وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر
واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض
منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأولاً إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة
ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله))اهـ مع تلخيص وزيادة.
قوله: (يقاتلون على الحق) إلخ: أي: على ظهور الحق أو حال كونهم على الحق.
قوله: (ظاهرين) إلخ: أي: غالبين على أعدائهم، قال تعالى: ﴿أَلَاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة، آية: ٢٢].
ء
قوله: (إلى يوم القيامة) إلخ: أي: إلى قرب قيام الساعة.
قوله: (فيقول أميرهم) إلخ: هو إمام المسلمين المهدي الموعود المسعود.
قوله: (صل لنا) إلخ: أي: أمّ في صلاتنا، فإن الأولى بالإمامة هو الأفضل.
قوله: (فيقول: لا) إلخ: أي: لا أصير إماماً لكم، لئلا يتوهم بإمامتي لكم نسخ دينكم.
وقيل: تعلل بأن هذه الصلاة أقيمت لإمامكم، فهو أولى بها .
قوله: (إن بعضكم على بعض أمراء) إلخ: أي: إمارة دينية أو دنيوية.
قوله: (تكرمة الله هذه الأمة) إلخ: أي: إكراماً منه سبحانه وتعالى لهذه الجماعة المكرمة،
وأما كون عيسى لعلّها أفضل: فلا يلزم منه بطلان الاقتداء بغيره.
وأما الأولوية بالأفضلية فيعارضها إظهار تكرمة الله تعالى هذه الأمة بدوام شريعته، كما
نطق به الحديث، كذا في المرقاة.
وقال ابن العربي: ((يروى أنه يصلي وراء إمام المسلمين إبقاء الشريعة النبي وَلير، واتباعاً
له، وإخزاء للنصارى، وإقامة الحجة عليهم)) كذا في شرح الأبي.
٢١٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٧٢) - باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان
٣٩٤ _ (٢٤٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلَاءِ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا
طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. فَيَوْمَئِذٍ ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن
قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَّ إِيمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
(٧٢) - باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان
قوله: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس) إلخ: قال الطيبي كثّفُهُ: ((الآيات أمارات
للساعة: إما على قربها، وإما على حصولها، فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج
ومأجوج، والخسف. ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار
التي تحشر الناس)).
قوله: (فيومئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها) إلخ: وفي رواية همام: ((وذلك حين لا ينفع نفساً
إيمانها)) ثم قرأ الآية.
اعلم أنه استدل بهذه الآية صاحب الكشاف للمعتزلة فقال: ((قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن
قَبْلُ﴾ صفة لقوله: ﴿نَفْسًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِ إِيمَنِهَا خَيًْ﴾ عطف على ﴿ءَامَنَتْ والمعنى أن
أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة للإيمان ذهب أوان التكليف عندها. فلم ينفع الإيمان
حينئذ من غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات، أو مقدمة إيمانها من غير تقديم عمل صالح، فلم
يفرق كما ترى بين النفس الكافرة، وبين النفس التي آمنت في وقته، ولم تكتسب خيراً ليعلم أن
قوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ﴾ [البقرة، آية: ٢٥] جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك
إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبها، ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك)).
ونقل الطيبي رحمه الله كلام الأئمة في تأويل الآية، ثم قال: ((المعتمد ما قال ابن المنير
وابن الحاجب ـ وبسطه - أن الله تعالى لما خاطب المعاندين بقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْتَهُ
مُبَارَكٌ فَتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام، آية: ١٥٥] الآية، علل الإنزال بقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ﴾ [الأنعام،
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، باب (بدون ترجمة للأكثر،
وللكشميهني: ((باب طلوع الشمس من مغربها)) وكذا هو في نسخة الصغاني - بعد (باب النبي ◌َّ: بعثت أنا
والساعة كهاتين)) رقم (٦٥٠٦) وفي كتاب الفتن، باب (بلا ترجمة، بعد (باب خروج النار)) رقم (٧١٢١).
وأبو داود في سننه، في كتاب الملاحم، باب إمارات الساعة، رقم (٤٣١٢) وابن ماجه في سننه في كتاب
الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها، رقم (٤٠٦٨).
٢١٣
كتاب: الإيمان
٣٩٥ _ (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
ابْنُ فُضَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلاَهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ،
آية: ١٥٦] إلخ إزالة للعذر، وإلزاماً للحجة، وعقبة بقوله: ﴿فَقَدْ جَءَكُمْ بَيْنَةٌ مِّن زَبِّكُمْ وَهُدِّى
وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام، آية: ١٥٧] تبكيتا لهم وتقريراً لما سبق من طلق الاتباع. ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنْ
كَذَّبَ﴾ [الأنعام، آية: ١٥٧] الآية أي: أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفاً لكل ريب، وهادياً إلى
الطريق المستقيم، ورحمة من الله للخلق، ليجعلوه زاداً لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل
الصالح، فجعلوا شكر النعمة أن كذبوا بها، ومنعوا من الانتفاع بها، ثم قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾
[الأنعام، آية: ١٥٨] الآية أي: ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا بنزول الملائكة
بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم، كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم، أو يأتيهم عذاب الآخرة
بوجود بعض قوارعها، فحينئذٍ تفوت تلك الفرصة السابقة، فلا ينفعهم شيء مما كان ينفعهم من
قبل من الإيمان وكذا العمل الصالح مع الإيمان، فكأنه قيل: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع
نفساً إيمانها، ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في
إيمانها خيراً من قبل، ففي الآية لفٌ، لكن حذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر، ونظيره قوله
تعالى: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِّهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء، آية: ١٧٢] قال: فهذا
الذي عناه ابن المنير بقوله: إن هذا الكلام في البلاغة يقال له: اللف، والمعنى: يوم يأتي بعض
آيات ربك لا ينفع نفساً لم تكن مؤمنة من قبل ذلك: إيمانها من بعد ذلك، ولا ينفع نفساً كانت
مؤمنة لكن لم تعمل في إيمانها عملاً صالحاً قبل ذلك: ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك.
قال: وبهذا التقرير يظهر مذهب أهل السنة، فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير، أي:
لإغلاق باب التوبة، ورفع الصحف والحفظة، وإن كان ما سبق قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع
صاحبه في الجملة)).
ثم قال الطيبي: ((وقد ظفرت بفضل الله بعد هذا التقرير على آية أخرى تشبه هذه الآية،
وتناسب هذا التقرير معنى ولفظاً من غير إفراط ولا تفريط، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُم
﴿﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَُّ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ
بِكِنَبٍ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلْرٍ هُدَى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَمَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَّةُ فَتَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ
قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف، الآيتان: ٥٢، ٥٣] الآية فإنه يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف
قوارع الساعة نافع، وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع، وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء
أصلاً، لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة، وذلك لا
يفيد شيئاً، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنًا﴾ [غافر، آية: ٨٥] وكما ثبت في
الحديث الصحيح ((تقبل توبة العبد ما لم يبلغ الغرغرة)).
قال القاضي عياض: ((المعنى لا تنفع توبة بعد ذلك، بل يختم على عمل كل أحد بالحالة
٢١٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بِهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا
حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ذَكْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ.َ بِمِثْلِ حَدِيثِ الْعَلاَءِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً، عَنِ النَّبِّ الَّهِ.
٣٩٦ - (٢٤٩) وحدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، جَمِيعاً عَن
فُضَيْلٍ بْنِ غَزْوَانَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَّيِّبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ
أَبِيه، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ثَلاَثْ إِذَا خَرَجْنَ، لا
يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَاتُهَا لَّمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ
مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ)).
التي هو عليها، والحكمة في ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي، فإذا
شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة، وارتفع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند
الغرغرة، وهو لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله)) كذا في الفتح.
٢٤٩ - (١٥٨) - قوله: (ثلاث إذا خرجن) إلخ: أي: لا ينفع نفساً إيمانها بعد خروج
مجموع الثلاث، كما أفاد شيخنا المحمود نور الله مرقده.
قال الحافظ: ((والذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام
المؤذنة بتغير أحوال العالم في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم، وأن طلوع
الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك
بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب))، وقال
بعد نقل الأحاديث والآثار الكثيرة في الباب: ((فهذه آثار يشد بعضها بعضاً: متفقة على أن
الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم
الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة، ويؤخذ منها أن طلوع الشمس من مغربها أول الإنذار بقيام
الساعة، والله أعلم)).
قوله: (ودابة الأرض) إلخ: أخرج الترمذي عن أبي هريرة وحسنه قال: قال رسول وَله :
(«تخرج دابة الأرض، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ◌ِالسَّه، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم،
وتخطم أنف الكافر بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان، يعرف المؤمن من الكافر)).
قال العلامة السيد محمود الآلوسي البغدادي: ((والأخبار في هذه الدابة كثيرة، وفي
البحر: أنهم اختلفوا في ماهيتها، وشكلها، ومحل خروجها، وعدد خروجها، ومقدار ما يخرج
٢١٥
كتاب: الإيمان
٣٩٧ - (٢٥٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَميعاً عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ،
قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بَنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ (سَمِعَهُ فِيمَا
أَعْلَمُ) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ(١)، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ يَوْماً: ((أَتَذْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ(٢) هَذِهِ
الشَّمْسُ؟)) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((إِنْ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلى مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ
الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلاَ تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا : ارْتَفِعِي،
منها، وما تفعل بالناس، وما الذي تخرج به اختلافاً مضطرباً معارضاً بعضه بعضاً، فأطرحنا
ذكره، لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح، وتضييع لزمان نقله، وقد تصدى السفاريني في كتابه
البحور الزاخرة للجمع بين هذه الأخبار المتعارضة، ولا أظنه أتى بشيء، ثم إن الأخبار
المذكورة أقربها للقبول الخبر الذي حسنه الترمذي ومن الأخبار في هذا الباب ما صححه
الحاكم، وتصحيحه محكوم عليه بين المحدثين بعدم الاعتبار.
وقصارى ما أقول في هذه الدابة: أنها دابة عظيمة ذات قوائم، ليست من نوع الإنسان
أصلاً، يخرجها الله تعالى آخر الزمان من الأرض، وفي تقييد إخراجها بقوله سبحانه: ﴿مِّنَ
الْأَرْضِ﴾ نوع إشارة - على ما قيل - إلى أن خلقها ليس بطريق التوالد، بل هو بطريق التولد، نحو
خلق الحشرات. وقيل: إنه إشارة إلى تكونها في جوف الأرض، فيكون في إخراجها من الأرض
رمزاً إلى ما يكون في الساعة التي أخرجت هي بين يديها من تشقق الأرض وخروج الناس من
جوفها أحياء، كاملة خلقتهم، وفي هذا وما قبله ذهاب إلى تعلق ((من الأرض)) ((بأخرجنا)) وهو
الظاهر الذي ينبغي أن يعول عليه، والله أعلم.
٢٥٠ - (١٥٩) - قوله: (حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش) إلخ: قال العلامة السيد
محمود الآلوسي البغدادي تغَّفُ: ((والأمر في ذلك مشكل إذا كان السجود والاستقرار كل ليلة
(١) قوله: ((عن أبي ذر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس
والقمر، رقم (٣١٩٩) وفي كتاب التفسير، سورة يَس، باب ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز
العليم﴾، رقم (٤٨٠٢) و(٤٨٠٣) وفي كتاب التوحيد، باب ﴿وكان عرشه على الماء وهو رب العرش
العظيم﴾، رقم (٧٤٢٤) وباب قول الله تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ رقم (٧٤٣٣). والترمذي في
جامعه، في كتاب الفتن، باب ما جاء في طلوع الشمس من مغربها، رقم (٢١٨٦) وفي كتاب التفسير، باب
ومن سورة يس، رقم (٣٢٢٧).
(٢) قوله: ((أين تذهب)) قد أخرج البخاري هذه الرواية في خمسة مواضع كما ذكرنا ذلك آنفاً، فقد روى عن
طريق شيخه محمد بن يوسف ويحيى بن جعفر بلفظ ((أين تذهب)) وعن طريق أبي نعيم بلفظ ((أين تغرب))
وأما الطريقان الآخران فأحدهما عن طريق الحميدي، والثاني عن عياش بن الوليد، وليس فيهما هذه
الكلمة، فإنه أوردهما مختصراً .
٢١٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تحت العرش، سواء قيل: إنها تطلع من سماء إلى سماء حتى تصل إليه فتسجد، أم قيل: إنها
تستقر وتسجد تحته من غير طلوع، فقد صرح إمام الحرمين وغيره بأنه لا خلاف في أنها تغرب
عند قوم وتطلع على آخرين، والليل يطول عند قوم ويقصر عند آخرين، وبين الليل والنهار
اختلاف ما في الطول والقصر عند خط الاستواء، وفي بلاد بلغار قد يطلع الفجر قبل أن يغيب
الشفق بالغروب، وفي عرض تسعين لا تزال طالعة ما دامت في البروج الشمالية وغاربة ما دامت
في البروج الجنوبية فالسنة نصفها ليل، ونصفها نهار، على ما فصل في موضعه. والأدلة قائمة
على أنها لا تسكن عند غروبها، وإلا لكانت ساكنة عند طلوعها بناء على أن غروبها في أفق
طلوع في غيره، وأيضاً هي قائمة على أنها لا تفارق فلكها، فكيف تطلع من سماء إلى سماء
حتى تصل إلى العرش؟ بل كون الأمر ليس كذلك أظهر من الشمس لا يحتاج إلى بيان أصلاً،
وكذا كونها تحت العرش دائماً بمعنى احتوائه عليها، وكونها في جوفه كسائر الأفلاك التي فوق
فلكها والتي تحته. وقد سألت كثيراً من أجلة المعاصرين عن التوفيق بين ما سمعت من الأخبار
الصحيحة وبين ما يقتضي خلافها من العيان والبرهان، فلم أوفق لأن أفوز منهم بما يروي الغليل
ويشفي العليل.
والذي يخطر بالبال في حل ذلك الإشكال - والله تعالى أعلم بحقيقة الحال - أن الشمس
وكذا سائر الكواكب مدركة عاقلة، كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى الآتي: ﴿كُلُّ فِ فَلٍَ يَسْبَحُونَ﴾
[الأنبياء، آية: ٣٣] حيث جئ بالفعل مسنداً إلى ضمير جمع العقلاء، وقوله تعالى: ﴿رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ
كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ [يوسف، آية: ٤]، لنحو ما ذكر، ويدل عليه ظاهر ما روي
عن أبي ذر من أنها تسجد وتستأذن، فإن المتبادر من الاستئذان ما يكون بلسان القال دون لسان
الحال، وخلق الله تعالى الإدراك والتمييز فيها حال السجود للاستئذان، ثم سلبه عنها مما لا
حاجة إلى التزامه بل هو بعيد غاية البعد، والشواهد من الكتاب والسنة وكلام العترة على كونها
ذات إدراك وتمييز، مما لا تكاد تحصى كثرة، وبعض يدل على ثبوت ذلك لها بالخصوص،
وبعضها يدل على ثبوته لها باعتبار دخولها في العموم، أو بالمقايسة، إذ لا قائل بالفرق، ومتى
كانت كذلك فلا يبعد أن يكون لها نفس ناطقة كنفس الإنسان، بل صرح بعض الصوفية بكونها
ذات نفس ناطقة كاملة جداً، والحكماء أثبتوا النفس للفلك، وصرح بعضهم بإثباتها للكواكب
أيضاً، وقالوا: كل ما في العالم العلوي من الكواكب والأفلاك الكلية والجزئية والتداوير حي
ناطق، والأنفس الناطقة الإنسانية إذا كانت قدسية قد تنسلخ عن الأبدان، وتذهب متمثلة ظاهرة
بصور أبدانها أو بصور أخرى، كما يتمثل جبريل ظلّلا ويظهر بصورة دحية أو بصورة بعض
الأعراب، كما جاء في صحيح الأخبار حيث يشاء الله عزّ وجل، مع بقاء نوع تعلق لها بالأبدان
الأصلية يتأتى معه صدور الأفعال منها، كما يحكى عن بعض الأولياء قدست أسرارهم أنهم
٢١٧
كتاب: الإيمان
يُرون في وقت واحد في عدة مواضع، وما ذاك إلا لقوة تجرد أنفسهم وغاية تقدسها، فتمثل
وتظهر في موضع وبدنها الأصلي في موضع آخر:
كل نجد للعامرية دار
لا تقل دارها بشرقي نجد
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم في زاد المعاد: ((ومن كثف إدراكه وغلظت طباعه عن
إدراك هذا فلينظر إلى الشمس في علو محلها وتعلقها وتأثيرها في الأرض وحياة النبات والحيوان
بهذا، وشأن الروح فوق هذا، فلها شأن، وللأبدان شأن، وهذه النار تكون في محلها وحرارتها
تؤثر في الجسم البعيد عنها، مع أن الارتباط والتعلق الذي بين الروح والبدن أقوى وأكمل من
ذلك وأتم، فشأن الروح أعلى من ذلك، وألطف:
سنا الشمس فاستغشى ظلام اللياليا
فقل للعيون الرمُد إياك أن ترى
قال العلامة الآلوسي: ((وهذا أمر مقرر عند السادة الصوفية، مشهور فيما بينهم، وهو غير
طي المسافة، وإنكار من ينكر كلا منهما عليهم: مكابرة لا تصدر إلا من جاهل أو معاند، وقد
عجب العلامة التفتازاني من بعض فقهاء أهل السنة أي: كابن مقاتل حيث حكم بالكفر على
معتقد ما روي عن إبراهيم بن أدهم قدس سره أنهم رأوا بالبصرة يوم التروية، ورؤي ذلك اليوم
بمكة، ومبناه زعم أن ذلك من جنس المعجزات الكبار، وهو مما لا يثبت كرامة للولي، وأنت
تعلم أن المعتمد عندنا جواز ثبوت الكرامة للولي مطلقاً إلا فيما يثبت بالدليل عدم إمكانه
كالإتيان بسورة مثل إحدى سور القرآن، وقد أثبت غير واحد تمثل النفس وتطورها لنبينا وَّو بعد
الوفاة، وادعى أنه عليه الصلاة والسلام قد يرى في عدة مواضع في وقت واحد مع كونه في قبره
الشريف يصلي، وقد تقدم الكلام مستوفى في ذلك، وصح أنه وُّل رأى موسى الّلا يصلي في
قبره عند الكثيب الأحمر، ورآه في السماء، وجرى بينهما ما جرى في أمر الصلوات المفروضة،
وكونه عليّل عرج إلى السماء بجسده الذي كان في القبر، بعد أن رآه النبي وَّر مما لم يقله أحد
جزماً، والقول به احتمال بعيد، وقد رأى ◌ّو ليلة أسري به جماعة من الأنبياء غير موسى
في السماوات، مع أن قبورهم في الأرض، ولم يقل أحد أنهم نقلوا منها إليها على قياس ما
سعت آنفاً، وليس ذلك مما ادعى الحكميون استحالته من شغل النفس الواحدة أكثر من بدن
واحد، بل هو أمر وراءه كما لا يخفى على من نور الله بصيرته.
فيمكن أن يقال: إن للشمس نفساً مثل تلك الأنفس القدسية، وإنها تنسلخ عن الجرم
المشاهد المعروف مع بقاء نوع من التعلق لها به، فتعرج إلى العرش فتسجد تحته بلا واسطة،
وتستقر هناك وتستأذن، ولا ينافي ذلك سير هذا الجرم المعروف وعدم سكونه حسبما يدعيه أهل
الهيئة وغيرهم، ويكون ذلك إذا غربت وجاوزت الأفق الحقيقي وانقطعت رؤية سكان المعمور
من الأرض إياها، ولا يضر فيه طلوعها إذ ذاك في عرض تسعين ونحوه، لأن ما ذكرنا - من كون
٢١٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَظْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلى
مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً. وَلا تَزَالُ كَذْلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا : ارْتَفِعِي، ارْجِعِي
مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةٌ مِنْ مَظْلِعِهَا. ثُمَّ تَجْرِي لاَ يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئاً
حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا (١) ذَاكَ، تَحْتَ الْعَرْشِ. فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي، أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ
مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا)). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: ((أَتَذْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ
﴿لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
٣٩٨ - (٠٠٠) وحدّثني عُبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانِ الْوَاسِطيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ
عَبْدِ اللَّهِ) عَنْ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّرِ قَالَ يَوْماً:
((أَتَذْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟)). بِمِثْلٍ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةً.
٣٩٩ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ (وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ) قَالا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ قَالَ:
دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللّهِ بَهِ جَالِسٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرُّ، هَلْ تَذْرِي
أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟)) قَالَ، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ،
فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَها: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا)) .
السجود والسكون باعتبار النفس المنسلخة المتمثلة بما شاء الله تعالى - لا ينافي سير الجرم
المعروف، بل لو كانا نصف النهار في خط الاستواء لم يضر أيضاً، ويجوز أن يقال: سجودها
بعد غروبها عن أفق المدينة، ولا يضر فيه كونها طالعة إذ ذاك في أفق آخر، لما سمعت، إلا أن
الذي يغلب على الظن ما ذكر أولاً)) كذا في روح المعاني. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قوله: (ارجعي من حيث جئت) إلخ: قال السندي كثّفُهُ: ((ورد هذا الكلام في الأمر
بطلوعها من المشرق، وفي الأمر بطلوعها من المغرب، ففي الأول معناه: سيري كما سرت)).
قوله: (ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك) إلخ: وطلوع الشمس من مغربها جائز في
العقل لا استحالة فيه، فإن الله قادر على ذلك، والجهات بالنسبة إلى قدرته متساوية، وفى ذلك
رد على نمرود، لما قال له إبراهيم عل ◌ّل: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ
فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرُّ﴾ [] البقرة، آية: ٢٥٨ الآية.
قال الشيخ أبو طاهر القزويني: ((وأصحاب الهيئة والمنجمون يحيلون طلوعها من المغرب،
(١) ذكر الأبي في كتابه قراءة ابن عباس: ((لا مستقر لها)) قال الأبي: ((فتتفق قراءة الأكثر مع قراءة ابن عباس ((لا
مستقر لها)) على أنها لا تسكن)) (ر ف).
٢١٩
كتاب: الإيمان
قَالَ، ثُمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وَذَلِكَ مُسْتَقَرِّ لَهَا .
٤٠٠ - (٢٥١) حدّثنا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا،
وَقَالَ الأَشَجُّ: حَدَّثَنَا) وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ؛
قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ نَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ﴾ [يس:
٣٨] قَالَ: ((مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ)).
(٧٣) - باب: بدء الوحي إلى رَسُولِ اللَّهِ إِ لـ
٤٠١ - (٢٥٢) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ
سَرْح، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبِّيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ(١) زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: ((كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ
فيقال لهم: أليس الله تعالى قد أجرى العادة بأن كل دوارة من رحى ودولاب إذا انتهى دورها
ترجع منعكسة، ثم تقف، فبم تنكرون أن الله تعالى يعكس دوران الشمس عند انتهاء أدوارها؟»
كذا في اليواقيت للشعراني كثُّهُ.
٢٥١ - (٠٠٠) - قوله: (قال: مستقرها تحت العرش) إلخ: قال النووي تخذله: «هذا مما
اختلف المفسرون فيه، فقال جماعة بظاهر الحديث، قال الواحدي: وعلى هذا القول إذا غربت
كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع من مغربها. وقال قتادة ومقاتل: معناه تجري إلى
وقت لها، وأجل لا تتعداه. قال الواحدي: وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا،
وهذا اختيار الزجاج. وقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى آخر مستقرها الذي لا
تجاوزه، ثم ترجع إلى أول منازلها، واختار ابن قتيبة هذا القول. والله أعلم.
(٧٣) - باب: بدء الوحي إلى رسول الله وَالعقول
٢٥٢ - (١٦٠) - قوله: (قالت كان أول ما بدئ) إلخ: قال النووي تخدشُ: ((هذا من مراسيل
(١) قوله: ((عائشة زوج النبي (َّير)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان
بدء الوحي إلى رسول الله و 38، رقم (٣) وفي كتاب أحاديث الأنبياء، باب ﴿واذكر في الكتاب موسى إنه
كان مخلصاً وكان رسولاً نبياً﴾. رقم (٣٣٩٢). وفي كتاب التفسير، سورة العلق، باب (بلا ترجمة)، رقم
(٤٩٥٣). وباب قوله: ﴿خلق الإنسان من علق﴾، رقم (٤٩٥٥). وباب قوله: اقرأ وربك الأكرم رقم
(٤٩٥٦) وباب: الذي علم بالقم، رقم (٤٩٥٧) وفي كتاب التعبير، باب أول ما بدىء به رسول الله وَل من
الوحي الرؤيا الصالحة، رقم (٦٩٨٢). والترمذي في جامعه، في كتاب المناقب، باب (بدون ترجمة)، بعد
باب في آيات إثبات نبوة النبي ◌َّ وما قد خصه الله عز وجلٌ به، رقم (٣٦٣٢).
٢٢٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مِنَ الْوَخِيِ الرُّؤْيَا الْصَّادِقَةَ
الصحابة، لأن عائشة لم تدرك هذه القصة، فتكون سمعتها من النبي (وَلقر أو من صحابي))، وتعقبه
من لم يفهم مراده، فقال: إذا كان يجوز أنها سمعتها من النبي و لر فكيف يجزم بأنها من
المراسيل؟ والجواب أن مرسل الصحابي ما يرويه من الأمور التي لم يدرك زمانها، بخلاف
الأمور التي يدرك زمانها، فإنها لا يقال: إنها مرسلة، بل يحمل على أنه سمعها أو حضرها، ولو
لم يصرح ذلك، ولا يختص هذا بمرسل الصحابي، بل مرسل التابعي إذا ذكر قصة لم يحضرها
سميت مرسلة، ولو جاز في نفس الأمر أن يكون سمعها من الصحابي الذي وقعت له تلك
القصة، وأما الأمور التي يدركها فيحمل على أنه سمعها أو حضرها، لكن بشرط أن يكون سالماً
من التدليس. والله أعلم.
ويؤيد أنها سمعت ذلك من النبي وَلير قولها في أثناء هذا الحديث: ((فجاءه الملك، فقال:
اقرأ، فقال رسول الله وَر: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني)) إلى آخره. فقوله: ((قال: فأخذني
فغطني)) ظاهر في أن النبي ◌َّ أخبرها بذلك، فتحمل بقية الحديث عليه.
قوله: (أول ما بدئ به رسول الله ( *) إلخ: بدئ بذلك ليكون تمهيداً وتوطئة لليقظة، ثم
مهد له في اليقظة أيضاً رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحجر.
قوله: (الرؤيا الصادقة) إلخ: قال ابن المرابط: ((هي التي ليست ضغثاً، ولا من تلبيس
الشيطان، ولا فيها ضرب مثل مشكل. وتعقب الأخير بأنه إن أراد بالمشكل ما لا يوقف على
تأويل فمسلم وإلا فلا)) اهـ.
قلت: لعل مراد ابن المرابط من نفي الإشكال سهولة الاطلاع على تأويلها، ويلائم هذا
المراد قول عائشة رضيينا: ((فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) فابن المرابط يبين مراد
الحديث لا مطلق مفهوم الرؤيا الصادقة .
قال ابن القيم في مدارج السالكين: ((ثبت عن النبي ◌ّر أنه قال: ((الرؤيا الصادقة جزء من
ستة وأربعين جزء من النبوة)) وقد قيل في سبب هذا التخصيص المذكور: إن أول مبتدأ الوحي
كان هو الرؤيا الصادقة، وذلك نصف سنة، ثم انتقل إلى وحي اليقظة مدة ثلاث وعشرين سنة من
حين بعث إلى أن توفي - صلوات الله وسلامه عليه - فنسبة مدة الوحي في المنام من ذلك جزء
من ستة وأربعين جزءاً، وهذا حسن لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة أنها جزء من
سبعين جزءاً. وقد قيل في الجمع بينهما: إن ذلك بحسب حال الرائي، فإن رؤيا الصديقين من
ستة وأربعين، ورؤيا عموم المؤمنين الصادقة من سبعين. والله أعلم.
والرؤيا مبدأ الوحي وصدقها بحسب صدق الرائي، وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثاً،
وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ كما قال النبي وَّر، وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها،