Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب: الإيمان
تَدْرُونَ، لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا)) قَالَ: فَابْتُلِينَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لاَ يُصَلِّي إِلا سِرّاً.
(٦٨) - باب: تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه،
والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع
٣٧٦ - (٢٣٦) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِر بْنِ
سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ(١)؛ قَالَ:
قوله: (قال: فابتلينا) إلخ: هذا قول حذيفة رُّبه، ويشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع
في أواخر خلافة عثمان رَظُله من ولاية بعض أمراء الكوفة، كالوليد بن عقبة، حيث كان يؤخر
الصلاة أو لا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سراً، ثم يصلي معه خشية
من وقوع الفتنة. وقيل: كان ذلك حين أتمّ عثمان الصلاة في السفر وكان بعضهم يقصر سراً
وحده خشية الإنكار عليه، ووهم من قال: إن ذلك كان أيام قتل عثمان، لأن حذيفة لم يحضر
ذلك، وفي ذلك علم من أعلام النبوة من الإخبار بالشيء قبل وقوعه، وقد وقع أشد من ذلك بعد
حذيفة في زمن الحجاج وغيره.
قال الحافظ: ((وفي الحديث وقوع العقوبة على الإعجاب بالكثرة، وهو نحو قوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية [التوبة، ٢٥] اهـ.
(٦٨) - باب: تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه
والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع
٢٣٦ - (١٥٠) - قوله: (حدثنا سفيان عن الزهري) إلخ: أي: سفيان بن عيينة، وهو
مدلس، وقد قال: عن.
قال الحافظ في الفتح: ((وقع في هذا الإسناد وَهْم من مسلم أو من شيخه ابن أبي عمر، لأن
معظم الروايات في الجوامع والمسانيد: عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري - بزيادة معمر
بينهما - وكذا حدث به ابن أبي عمر شيخ مسلم في مسنده: عن ابن عيينة، وكذا أخرجه أبو نعيم
في مستخرجه من طريقه، وزعم أبو مسعود في الأطراف: أن الوهم من ابن أبي عمر، وهو
محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لما حدث به مسلماً، لكن لم يتعين الوهم في جهته، وحمله
الشيخ محي الدين على أن ابن عيينة حدث به مرة بإسقاط معمر ومرة بإثباته، وفيه بعد، لأن
الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر، ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم، والموجود
في مسند شيخه بلا إسقاط، كما قدمناه، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتابي ((تغليق التعليق)) اهـ.
قوله: (عن عامر بن سعد عن أبيه) إلخ: وأبوه سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة
(١) قوله: ((عن أبيه)) وهو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في =

١٨٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ قَسْماً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ فُلاَنَاً فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّ:
((أَوْ مُسْلِمْ)) أَقُولُها ثَلاثَاً. وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلاَثَاً ((أَوْ مُسْلِمٌ))، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لأَعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ،
بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب ظُه أمر الخلافة إليهم، وقد
بسط العيني في ترجمته، فليراجع.
قوله: (قسماً) إلخ: هو بفتح القاف.
قوله: (أعط فلاناً) إلخ: اسمه جعيل بن سراقة الضمري، سماه الواقدي في المغازي، كان
من المهاجرين .
قوله: (أو مسلم) إلخ: ((أو بإسكان الواو، لا بفتحها، فقيل: هي للتنويع، وقال بعضهم:
هي للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما معاً، لأنه أحوط.
ويرد هذا رواية ابن الأعرابي في معجمه في هذا الحديث، فقال: ((لا تقل مؤمن بل مسلم)»
فوضح أنها للإضراب، وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن إطلاق المسلم على من لم يختبر
حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن، لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر.
قوله: (إني لأعطي الرجل) إلخ: أي: لأتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره إذا لم يعط،
والتقدير: أنا أعطي من في إيمانه ضعف، لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض له اعتقاد يكفر
به فيكبّه الله تعالى في النار، كأنه أشار إلى المؤلفة، أو إلى من إذا منع نسب الرسول عليه
الصلاة والسلام إلى البخل، وأما من قوي إيمانه فهو أحبّ إليّ فأكِلَه إلى إيمانه ولا أخشى عليه
رجوعاً عن دينه، ولا سوء اعتقاد، ولا ضرر فيما يحصل له من الدنيا .
والحاصل أن النبي ◌َّلو كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام، تألفاً، فلما أعطى الرهط -
وهم من المؤلفة - وترك جعيلاً - وهو من المهاجرين - مع أن الجميع سألوه: خاطبه سعد
في أمره، لأنه كان يرى أن جعيلاً أحق منهم، لما اختبر منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من
مرة، فنبه النبي ◌َّ بأمرين:
كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ... رقم (٢٧)، وفي كتاب الزكاة، باب قول الله
=
تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ رقم (١٤٧٨)، ومسلم أيضاً في صحيحه، في كتاب الزكاة، باب إعطاء
المؤلفة ومن يخاف على إيمانه إن لم يعط ... رقم (١٥٠)، والنسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه،
باب تأويل قول الله عز وجل: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾، رقم (٤٩٩٥)
و(٤٩٩٦)، وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، رقم (٤٦٨٣
و(٤٦٨٤ و٤٦٨٥)، وأحمد في مسنده (١٧٦/١ و١٨٢).

١٨٣
كتاب: الإيمان
مَخَافَةً أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ)».
٣٧٧ - (٢٣٧) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي
ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ؛ ((أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ بِ أَعْطَى رَهْطَا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ مِنْهُمْ مِنْ
لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ
مُؤْمِناً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ:
أحدهما: نبه على الحكمة في إعطاء أولئك الرهط، ومنع جعيل مع كونه أحب إليه ممن
أعطى، لأنه لو ترك إعطاء المؤلفة لم يؤمن ارتدادهم، فيكبون في النار.
والآخر: نبه ﴿ أنه ينبغي التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر. كذا
في عمدة القاري.
قوله: (مخافة أن يكبه الله في النار) إلخ: هو بفتح أوله وضم الكاف يقال: أكب الرجل،
إذا أطرق، وكبه غيره: إذا قلبه، وهذا على خلاف القياس، لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة،
وهذا زيدت عليه الهمزة فقصر، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة، منها: أنسل ريش الطائر
ونسلته، وأنزفت البئر ونزفتها. وحكى ابن الأعرابي في المتعدي كبه وأكبه معاً.
٢٣٧ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا ابن أخي ابن شهاب) إلخ: هو محمد بن عبد الله بن
مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب: ابن أخي محمد الإمام أبي بكر الزهري المشهور،
وهو ممن عيب على البخاري ومسلم إخراج حديثه، كما قال الحاكم أبو عبد الله .
وفي هذا الإسناد من اللطائف: رواية أربعة من بني زهرة على الولاء: ابن أخي الزهري،
وعمه، وعامر بن سعد، وأبوه سعد بن أبي وقاص
قوله: (أعطى رهطاً) إلخ: الرهط عدد من الرجال من ثلاثة إلى عشرة. قال القزاز وربما
جاوزوا ذلك قليلاً، ولا واحد له من لفظه، ورهط الرجل بنو أبيه الأدنى، وقيل: قبيلته
وللإسماعيلي من طريق ابن أبي ذئب: ((أنه جاءه رهط فسألوه فأعطاهم، فترك رجلاً منهم)).
قوله: (وسعد جالس) إلخ: فيه تجريد، وهو: أن يجرد عن نفسه شخصاً، ويخبر عنه،
وذلك أن القياس في قوله: ((وسعد جالس)) أن يقول: وأنا جالس، ولكنه جرد من نفسه ذلك،
وأخبر عنه بقوله: ((جالس)) وهو من محسنات الكلام من الضروب المعنوية الراجعة إلى وظيفة
البلاغة .
قوله: (وهو أعجبهم إليّ) إلخ: أي: أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي.
قوله: (فوالله إني لأراه مؤمناً) إلخ: قال الحافظ في شرح البخاري: ((وقع في روايتنا

١٨٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((أَوْ مُسْلِماً)) قَالَ: فَسَكَتُ قَلِيلاً. ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالَكَ عَنْ
قُلاَنٍ. فَوَ اللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (أَوْ مُسْلِماً)) قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ
غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالَكَ عَنْ فُلاَنٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: «أَوْ مُسْلِماً: إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ
يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ)).
٣٧٨ - (٠٠٠) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا
للصحيح من طريق أبي ذر وغيرهم بضم الهمزة هنا وفي الزكاة، وكذا هو في رواية الإسماعيلي
وغيره. وقال الشيخ محي الدين رحمه الله: بل هو بفتحها، أي: أعلمه، ولا يجوز ضمها،
فيصير بمعنى: أظنه، لأنه قال بعد ذلك: غلبني ما أعلم منه)) اهـ.
ولا دلالة فيما ذكر على تعين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب، ومنه قوله
تعالى: ﴿عَلِيْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة، آية: ١٠] سلمنا، لكن لا يلزم من إطلاق العلم أن لا تكون
مقدماته ظنية، فيكون نظرياً لا يقينياً، وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب ((المفهم في شرح
مسلم)) فقال: الرواية بضم الهمزة، واستنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن لأن النبي ◌َّ ما
نهاه عن الحلف، كذا قال. وفيه نظر لا يخفى، لأنه أقسم على وجدان الظن، وهو كذلك، ولم
يقسم على الأمر المظنون، كما ظن.
قوله: (أو مسلماً) إلخ: بسكون الواو قال السندي: وكأنه أرشده وَ ل# إلى أن لا يجزم
بالإيمان، لأن محله القلب، فلا يظهر، وإنما الذي يجزم به هو الإسلام لظهوره، فقال: ((أو
مسلم)) أي: قل: أو مسلم، بطريق الترديد، أو قل: مسلم بطريق الجزم بالإسلام والسكوت عن
الإيمان، بناء على أن ((أو)) إما للترديد أو بمعنى ((بل)) لكن قد يقال: وعلى هذا لا وجه لإعادة
سعد القول بالجزم في المرة الثانية والثالثة، لأنه يتضمن ترك ما أرشد إليه وعليه، وكأنه لغلبة ظن
سعد فيه بالخير أو لشغل قلبه بالأمر الذي كان فيه ما تنبه للإرشاد، والله أعلم.
قوله: (وغيره أحب إليّ منه) إلخ: قال الحافظ: السياق يرشد إلى أنه وَّلو قبل قول سعد
في جعيل رُّ، بدليل أنه اعتذر إليه، وروينا في مسند محمد بن هارون الروياني وغيره بإسناد
صحيح إلى أبي سالم الجيشاني، عن أبي ذر أن رسول الله وَ ليل قال له: «كيف ترى جعيلا؟ قال:
قلت: كشكله من الناس - يعني: المهاجرين - قال: فكيف ترى فلاناً؟ قال: قال: قلت: سيد
من سادات الناس، قال: فجعيل خير من ملء الأرض من فلان، قال: قلت: ففلان هكذا وأنت
تصنع به ما تصنع! قال: إنه رأس قومه، فأنا أتألفهم به)) فهذه منزلة جعيل المذكور عند النبي وقَال
كما ترى، فظهرت بهذا: الحكمة في حرمانه، وإعطاء غيره، وأن ذلك لمصلحة التأليف، كما
قررناه)) اهـ.

١٨٥
كتاب: الإيمان
يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي
عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ وَيَ رَهْطاً وَأَنَّا جَالِسٌ فِيهِمْ.
بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ. وَزَادَ: فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فَسَارَرْتُهُ.
فَقُلْتُ: مَالَكَ عَنْ فُلاَنٍ .
٣٧٩ - (٠٠٠) وحدّثنا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ هُذَا. فَقَال فِي حَدِيثِّهِ :
فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِّهَ بِيدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي. ثُمَّ قَالَ: ((أَقِتَالاً؟ أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لأُغِي
الرَّجُلَ)).
(٠٠٠) - قوله: (فساررته) إلخ: فيه أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، وقد يتعين إذا
جرّ الإعلان إلى مفسدة، وفي الحديث من الفوائد الكثيرة ما لا تخفى على البصير الممعن، وإن
شئت الاطلاع عليها فراجع ((فتح الباري)) وغيره من الشروح.
(٠٠٠) - قوله: (أقتالا؟ أي: سعد) إلخ: أي: أتقاتل قتالاً يا سعد؟ وهذا يشعر بأنه وَله
كره من إلحاحه عليه في المسألة والمنازعة المتكررة منه رقپله .
قال الأبي تَفُ: ((أقتالاً؟ أي: مدافعة، قال عياض: لما لم يقبل وَّل تنبيهه، وأخذ سعد
يكرر: شبه تكريره بالمدافعة، والمدافعة قتال، كقوله في حديث المرور: ((فإن أبى فليقاتله)) أي:
فليدافعه .
ووقع عند البخاري في الزكاة: ((ثم قال: أقبل أي: سعد)) بصيغة الأمر من الإقبال، بدل
((أقتالاً؟ أي: سعد) وقال الحافظ في ((الفتح)) ووقع عند مسلم ((إقبالاً أي: سعد)) على أنه
مصدر، أي: أتقابلني إقبالاً بهذه المعارضة اهـ.
قلت: لكن النسخ المطبوعة التي بأيدينا ليس فيها ((إقبالاً)) بالباء الموحدة التحتية بل فيه
((أقتالاً)) بهمزة الاستفهام، وقتالاً بالقاف والتاء المثناة من فوق، والله أعلم.

١٨٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٦٩) - باب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة
٣٨٠ - (٢٣٨) وَحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، وَسَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿إِهِ قَالَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكُ مِنْ إِبْرَاهِيم ◌َّ
(٦٩) - باب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة
٢٣٨ - (١٥١) - قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) إلخ: قال الحافظ: ((اختلفوا في
معنى قوله وَّي: ((نحن أحق بالشك ... )) فقال بعضهم: معناه: نحن أشد اشتياقاً إلى رؤية ذلك،
(أي: كيفية إحياء الموتى) من إبراهيم.
وقيل: معناه: إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي: لو كان الشك متطرقاً إلى
الأنبياء لكنت أنا أحق به منهم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أنه لم يشك، وإنما قال ذلك
تواضعاً منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، وهو كقوله في حديث أنس عند
مسلم: ((أن رجلاً قال للنبي وَله: يا خير البرية، قال: ذاك إبراهيم)).
وقيل: إن سبب هذا الحديث أن الآية لمانزلت قال بعض الناس: شك إبراهيم ولم يشك
نبينا، فبلغه ذلك، فقال: نحن أحق بالشك من إبراهيم، وأراد ما جرت به العادة في المخاطبة
لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئاً قال: مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لي، ومقصوده: لا تقل
ذلك.
وقيل: أراد بقوله: ((نحن)) أمته الذين يجوز عليهم الشك، وإخراجه هو منه بدلالة
العصمة .
وقيل: معناه: هذا الذي ترون أنه شك، أنا أولى به، لأنه ليس بشك، إنما هو طلب المزيد
البيان .
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله عز وجل:
﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه ... ) رقم (٣٣٧٢). وباب ﴿ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة
وأنتم تبصرون ... ﴾ رقم (٣٣٧٥)، وباب قول الله تعالى: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾،
رقم (٣٣٨٧)، وفي كتاب التفسير، باب ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى﴾، رقم (٤٥٣٧)،
وباب ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ... ) رقم (٤٦٩٤)، وفي كتاب التعبير، باب رؤيا أهل
السجون والفساد والشرك، رقم (٦٩٩٢)، ومسلم أيضاً في كتاب الفضائل، باب فضائل إبراهيم الخليل عليه
السلام، والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة يوسف، رقم (٣١١٦) وابن ماجه في
سننه، في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم (٤٠٢٦) وأحمد في مسنده (٣٢٦/٢).

١٨٧
كتاب: الإيمان
وقال ابن الجوزي: إنما صار أحق من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه، وردهم عليه،
وتعجبهم من أمر البعث، فقال: أنا أحق أن أسأل ما سأل إبراهيم، لعظيم ما جرى لي مع قومي
المنكرين لإحياء الموتى، ولمعرفتي بتفضيل الله لي، ولكن لا أسأل في ذلك اهـ.
وقال السندي: ((لم يرد - والله تعالى أعلم - بنحن: نفسه الكريمة، بل الأنبياء مطلقاً غير
إبراهيم علا، أي: لو كان من إبراهيم شك لكان غير إبراهيم من الأنبياء أحق به، لأن إبراهيم
قد أعطي رشده، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنَزْهِيَمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء، آية: ٥١] وفتح عليه من الحجج
ما فتح، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىٌ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام،
آية: ٧٥]. فهو كان علماً في الإيقان، فإذا فرضناه شاكاً في شيء كان غيره من الأنبياء أحق بالشك
فيه، ومعلوم أنه ما شك غيره في البعث والقدرة على الإحياء، فكيف هو؟
ومعنى قوله: (إذ قال رب أرني) إلخ: أي: لو كان من إبراهيم شك إذ قال رب .. إلخ،
وليس المعنى نحن أحق إذ قال، كما لا يخفى))، انتهى كلامه.
قلت: والذي يظهر لهذا العبد الضعيف في تقرير كلام النبي ◌َّ - والله أعلم - أنا أمرنا في
الكتاب باتباع ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِنَهِمَ حَنِيفًا﴾
[البقرة، آية: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِكُمْ إِنَزَهِيمٍّ هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج، آية: ٧٨] ... الآية
وقال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء، آية: ١٢٥]، وظاهر أن التابع أحق بالشك من
المتبوع، ومعلوم قطعاً أن التابع لم يشك، فانتفى الشك من المتبوع أيضاً، وكان السؤال عن
إراءة كيفية إحياء الموتى لتحصيل زيادة الطمأنينة، لا لوجود الشك في القدرة على الإحياء، كما
هو مصرح في القرآن، ولو سمي هذا السؤال شكاً بحسب الصورة - مع أنه لم يقصد منه إلا
الطمأنينة - فنحن أحق بمثل ذلك الشِك، ومقصود النبي ◌ّ﴾ من هذا الكلام - إن شاء الله تعالى -
تقديس ساحة إبراهيم علّ مع الإيماء اللطيف إلى فضل نفسه الكريمة، فإنه وَلّ لم يسأل سؤالاً
يوهم، ولو بصورته وسياقه شكا وتردداً، مع كونه أحق به، حتى تجيء نوبة الخطاب من الله
سبحانه وتعالى بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾ والجواب بقول إبراهيم: ﴿بَّىَّ وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة، آية:
٢٦٠] وإليه الإشارة في كلام ابن الجوزي المذكور، وهذا كما أن القطعة الثالثة من حديث الباب
- أي: قوله وَلير: ((ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي)) - سيقت للثناء على
يوسف ظلّلا بإظهار كمال صبره على البلايا، وتثبته وتأنّيه في احتمال مشاق السجن، مع التنبيه
البليغ على بلوغ نفسه الكريمة من العبدية المحضة المطلقة: غايتها القصوى، ومن الرضاء
والتسليم البحت ذروته العليا، ومقتضى هذا المقام أن يسترسل العبد نفسه مع قضاء الله في كل
منشط ومكره إذا لم يكن فيه إثم ومعصية، فإذا قضى المولى سبحانه بدخوله في السجن دخله
بغير تأخير، وإذا دعى إلى خروجه منه أجاب الداعي على الفور بدون التعليق على إثبات براءته

١٨٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِذْ قَالَ: ﴿رَبٍ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَىٌّ وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠]
وإظهار نزاهته من الظنون والأوهام الناشئة من غير دليل، لا سيما بعد اضمحلالها بوضوح آثار
الكرامة والصلاح وبراهين الرشد على رؤوس الأشهاد، والله يتولى تبرئته وتزكيته، كما تولى
تخليصه من سجن الظالم، فكأن النبي ﴿ أشار إلى ما فطر عليه من كمال العبدية المطلقة مراعياً
حسن التأدب مع الأنبياء السابقين عليه وعليهم الصلاة والسلام، وهذا الذي ذكرته في قصة
يوسف لئلا مما أفاد شيخنا المحمود قدس الله روحه.
قوله: (إذ قال رب أرني كيف تحي الموتى) إلخ: قال بعض المحققين: إن السؤال لم يكن
عن شك في أمر ديني - والعياذ بالله - ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ليحيط علماً بها، وكيفية
الإحياء لا يشترط في الإيمان لإحاطة بصورتها، فالخليل ظلّ طلب علم ما لا يتوقف الإيمان
على علمه، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة ((كيف)) وموضوعها السؤال عن الحال، ونظير
هذا أن يقول القائل: كيف يحكم زيد في الناس؟ فهو لا يشك أنه يحكم فيهم، ولكنه سأل عن
كيفية حكمه المعلوم ثبوته، ولو كان سائلاً عن ثبوت ذلك لقال: أيحكم زيد في الناس، ولما
كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخواطر فتنسب إلى إبراهيم، وحاشاه شكاً من هذه الآية، قطع
النبي ◌َّ﴾ دابر هذا الوهم بقوله على سبيل التواضع: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم))، أي: ونحن
لم نشك فلأن لا يشك إبراهيم أحرى، وقيل: إن الكلام مع ((أفعل)) جاء هنا لنفي المعنى عن
الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام، أي: لا شك عندنا جميعاً .
ومن هذا الباب: ﴿أَهُمّ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّع﴾ أي: لا خير في الفريقين، وإنما جاء التقرير بعد،
لأن تلك الصيغة وإن كانت تستعمل ظاهراً في السؤال عن الكيفية كما علمت إلا أنها قد تستعمل
أيضاً في الاستعجاز، كما إذا ادعى مدع إنه يحمل ثقلاً من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن
حلمه، فتقول له: أرني كيف تحمل هذا؟ وتريد أنك عاجز عن حمله، فأراد سبحانه لما علم
براءة الخليل عن الحوم حول حمى هذا المعنى أن ينطقه في الجواب بما يدفع عنه ذلك
الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى، ليكون إيمانه مخلصاً بعبارة تنص عليه، يفهمها كل من
يسمعها فهماً لا يتخالجه فيه شك، ومعنى الطمأنينة حينئذ سكون القلب عن الجولان في كيفيات
الإحياء المحتملة لظهور التصوير المشاهد وعدم حصول هذه الطمأنينة، قيل: لا ينافي حصول
الإيمان بالقدرة على الإحياء على أكمل الوجوه، ولا أرى رؤية الكيفية زادت في إيمانه المطلوب
منه ◌ُلِّلا شيئاً، وإنما أفادت أمراً لا يجب الإيمان به، كذا في روح المعاني.
وقال الكمالان: ابن أبي شريف وابن الهمام في ((المسايرة)) و((شرحه)): ((قيل: طلب السيد
إبراهيم الّلا حصول القطع بالإحياء بطريق آخر، وهو البديهي الذي بداهته سبب وقوع الإحساس
به، أي: بالإحياء، وهذا تأويل حسن. وحاصله: أنه لما قطع السيد إبراهيم وَ ل# بذلك - أي:
بالقدرة على إحياء الموتى - عن موجبه - بكسر الجيم - أي: الدليل الموجب للقطع - اشتاق إلى

١٨٩
كتاب: الإيمان
قَالَ: ((وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطً، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ
مشاهدة كيفية هذا الأمر العجيب الذي جزم بثبوته كمن قطع بوجود دمشق وما فيها من جنات
يانعة وأنهار جارية، فنازعته نفسه في رؤيتها والابتهاج بمشاهدتها، أي: طلبت منه ذلك، فإنها -
أي: النفس - لا تسكن عن ذلك الطلب وتطمئن، حتى يحصل مناها، أي: ما تمنته من
المشاهدة، وكذا شأنها أي: النفس في كل مطلوب لهامع العلم بوجوده، فليس تلك المنازعة
والتطلب ليحصل القطع بوجود دمشق، إذ الغرض ثبوته، وهذا التأويل يشير إلى أن المطلوب
بقول إبراهيم ظلّلها: ((ولكن ليطمئن قلبي)) هو سكون قلبه عن المنازعة إلى رؤية الكيفية المطلوب
رؤيتها، وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد السلام في جواب السؤال، أو المطلوب سكونه بحصول
متمناه من المشاهدة المحصلة للعلم البديهي بعد العلم النظري، والله سبحانه أعلم)).
قوله: (ويرحم الله لوطا) إلخ: وفي بعض الروايات الصحيحة: ((يغفر الله للوط)) والمراد به
- والله أعلم - الترحم على لوط عليه الصلاة والسلام لاحتماله شدائد قومه، وصبره على كثرة ما
أوذي في الله، حتى اضطر إلى قوله: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ (6)﴾ [هود،
آية: ٨٠] ففي هذا نوع ثناء على لوط بكمال صبره واستقامته في تلك المضايق مع الإعلام بأن
تمني الإيواء إلى عشيرة أو غيرها من المخلوقات - نازل عن رتبته - على نبينا وعليه الصلاة
والسلام - فحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقال الأبي ماحاصله: أن معنى قوله: (لقد كان يأوى إلى ركن شديد) أن لوطاً علّل* كان
مطمئن القلب بالاستناد إلى الله تعالى، غير ملتفت عنه أصلاً، وإنما قال ما قال بلسانه، إظهاراً
للعذر عند أضيافه، وقد وكد النبي ◌ّلو ثبوت لجأ لوط عليه إلى الله تعالى باللام المؤذنة بالقسم،
و(بقد)) المؤذنة بالتحقيق، وعبر بالمضارع، وهو ((يأوي)) للتنبيه على استقرار ذلك منه وعدم
مفارقته إياه، فالكلام مسوق لدفع توهم إيواء لوط عل لغير الله تعالى، كما أن قوله قبله: ((نحن
أحق بالشك من إبراهيم)) مسوق لتنزيه ساحة إبراهيم ظلّل من الشكوك، وأن ما صدر منه من
سؤاله تعالى فالمقصود به شيء آخر.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((يرحم الله لوطاً)) فهو ثناء، لا نقد، وهو جار على عرف
العرب في خطابها، حيث يقولون: أيد الله الملك، وأصلح الأمير، وهو نظير ما لو قيل: يرحم
الله خالد بن الوليد، لقد كان يبلي في العدو. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قوله: (لقد كان يأوي إلى ركن شديد) إلخ: قال الحافظ: ((يقال: إن قوم لوط لم يكن
فيهم أحد يجتمع معه في نسبه، لأنهم من سدوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من
العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط، فبعث الله لوطاً إلى أهل سدوم، فقال: لو
أن لي منعة وأقارب وعشيرة: لكنت أستنصر بهم عليكم، ليدفعوا عن ضيفاني، ولهذا جاء في
بعض طرق هذا الحديث ــ كما أخرجه أحمد - من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن

١٩٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِيّ)) .
٣٨١ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِي بِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ.
حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِي. وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ((وَلْكِنْ
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)). قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآَيَةَ حَتَى جَازَهَا .
أبي هريرة، عن النبي وال* قال: قال لوط: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال: فإنه
كان يأوي إلى ركن شديد، ولكنه عنى عشيرته، فما بعث الله نبياً إلا في ذروة من قومه)) زاد ابن
مردويه من هذا الوجه: ((ألم تر إلى قول قوم شعيب: ((ولولا رهطك لرجمناك)) اهـ.
وقال النووي: يجوز أنه لما اندهش بحال الأضياف: قال ذلك، أو أنه التجأ إلى الله في
باطنه، وأظهر هذا القول للأضياف اعتذاراً، وسمى العشيرة ركنا، لأن الركن الشديد يستند إليه
ويمتنع به، فشبههم بالركن من الجبل، لشدتهم ومنعتهم.
وقال الطيبي رحمه الله: ((إن كلام لوط ظلّلا يدل على إقناط كلي ويأس شديد من أن يكون
له ناصر ينصره، وكأنه ظلّ استغرب ذلك القول، وعدّه نادراً منه، إذ لا ركن أشد من الركن
الذي یأوي إليه)).
قوله: (طول لبث يوسف) إلخ: قال العيني كثُّهُ: ((قد لبث سبع سنين وسبعة أشهر، وسبعة
أيام، وسبع ساعات)) والله أعلم.
قوله: (لأجبت الداعي) إلخ: أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدمت
طلب البراءة، فوصفه بشده الصبر، حيث لم يبادر بالخروج، وإنما قاله وَّر تواضعاً، والتواضع
لا يحط مرتبة الكبير، بل يزيده رفعة وجلالاً .
وقيل: هو من جنس قوله: ((لا تفضلوني على يونس)) وقد قيل: إنه قاله قبل أن يعلم أنه
أفضل من الجميع .
قال النووي: ((المراد بالداعي رسول الملك الذي أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قال: ﴿آثُونِي
بِهِ، فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَيْكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِيَّهُنَّ﴾ [يوسف، آية: ٥٠].
(٠٠٠) - قوله: (وحدثني به إن شاء الله تعالى) إلخ: هذا مما قد ينكره على مسلم من لا
علم عنده ولا خبرة لديه، لكون مسلم تغذُّ قال: ((وحدثني به إن شاء الله تعالى: فيقول: كف
يحتج بشيء يشك فيه؟ وهذا خيال باطل من قائله، فإن مسلماً تَغْلَقُ لم يحتج بهذا الإسناد، وإنما
ذكره متابعة واستشهاداً، وقد قدمنا أنهم يحتملون في المتابعات والشواهد ما لا يحتملون في
الأصول. والله تعالى أعلم.
قوله: (حتى جازها) إلخ: أي: فرغ منها .

١٩١
كتاب: الإيمان
٣٨٢ - (٠٠٠) حدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. كَرِوَايَةٍ مَالِكِ بِإِسْنَادِهِ. وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأْ هَذِهِ الْآيَةً
حَتَّى أَنْجَزَهَا .
(٧٠) - باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد
ـلالله
وَست
إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته
٢٨٣ - (٢٣٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ
أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيِّ إِلَا قَدْ أَعْطِيَ مِنَ
الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَخياً أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ.
(٠٠٠) - قوله: (حت أنجزها) إلخ: أي: أتمها .
(٧٠) - باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد رَالأول
إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته
٢٣٩ - (١٥٢) - قوله: (ما من الأنبياء من نبي) إلخ: هذا دال على أن النبي لا بدّ له من
معجزة تقتضي إيمان من شاهدها تصدقه، ولا يضره من أصر على المعاندة.
قوله: (من الآيات) إلخ: أي: المعجزات الخوارق.
قوله: (ما مثله آمن عليه البشر) إلخ: ما موصولة وقعت مفعولاً ثانياً (لأعطي)) و((مثله))
مبتدأ، و((آمن)) خبره، والمثل: يطلق ويراد به عين الشيء وما يساويه، والمعنى: أن كل نبي
أعطي آية أو أكثر، من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن به لأجلها، و((عليه)) بمعنى اللام، أو
الباء الموحدة، والنكتة في التعبير بها تضمنها معنى الغلبة، أي: يؤمن بذلك مغلوباً عليه، بحيث
لا يستطيع دفعه عن نفسه، لكن قد يجحد فيعاند، كما قال الله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ [النمل، آية: ١٤].
قوله: (وإنما كان الذي أوتيت) إلخ: قال الحافظ: ((معنى الحصر في قوله: ((إنما كان
الذي ... )) إلخ: أن القرآن أعظم المعجزات وأفيدها وأدومها، لاشتماله على الدعوة والحجة
ودوام الانتفاع به إلى آخر الدهر، فلما كان لا شيء يقاربه - فضلاً عن أن يساويه - كان ما عداه
بالنسبة إليه كأن لم يقع، فالقرآن هي المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره، لأن كل نبي
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل
الوحي، وأول ما نزل، رقم (٤٩٨١)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي وتؤثر: بعث
بجوامع الكلم، رقم (٧٢٧٤) وأحمد في مسنده (٣٤١/٢ و٤٥١).

١٩٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أعطى معجزة خاصة به، لم يعطها بعينها غيره تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة
لحال قومه، كما كان السحر فاشياً عند فرعون، فجاء موسى بالعصا على صورة ما يصنع
السحرة، لكنها تلقفت ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره، وكذلك إحياء عيسى الموتى وإبراء
الأكمه والأبرص، لكون الأطباء والحكماء كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور، فأتاهم من
جنس عملهم بما لم تصل قدرتهم إليه، ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبي ◌َّ في
الغاية من البلاغة جاء بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله، فلم يقدروا على ذلك.
وقيل: المراد أن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله صورة أو حقيقة،
والقرآن لم يؤت أحد قبله مثله، فلهذا أردفه بقوله: ((فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً)).
وقيل: المراد أن الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخييل، وإنما هو كلام معجز لا يقدر أحد أن
يأتي بما يتخيل منه التشبيه به، بخلاف غيره، فإنه قد يقع في معجزاتهم ما يقدر الساحر أن يخيل
شبهه، فيحتاج من يميز بينهما إلى نظر، والنظر عرضة للخطأ، فقد يخطئ الناظر فيظن تساويهما .
وقيل: المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها إلا من
حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقة للعادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره
بالمغيبات، فلا يمرّ عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على
صحة دعواه، وهذا أقوى المحتملات، وتكميله في الذي بعده.
وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار: كناقة صالح، وعصا
موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة، فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين
الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول
مستمراً .
قلت: ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد، فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضاً .
وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء:
أحدها : حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة.
ثانيها: صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظماً ونثراً،
حتى حارت فيه عقولهم، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفير دواعيهم على تحصيل ذلك،
وتقريعه لهم على العجز عنه .
ثالثها: ما اشتمل عليه من الأخبار عما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الدائرة،
مما كان لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب.
رابعها : الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي، وبعضها بعده،

١٩٣
كتاب: الإيمان
ومن غير هذه الأربعة آيات وردت بتعجيز قوم في قضايا أنهم لا يفعلونها، فعجزوا عنها مع توفر
دواعيهم على تكذيبه كتمني اليهود الموت.
ومنها : الروعة التي تحصل لسامعه.
ومنها: أن قارئه لا يمل من ترداده، وسامعه لا يمجه، ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة
ولذاذة، مع تيسر حفظه لمتعلميه، وتسهيل سرده لتاليه .
ومنها : أنه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا .
ومنها: جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضي عجائبها، ولا تنتهي فوائدها . اهـ ملخصاً من كلام
عياض وغيره)) كذا في الفتح.
وقال صاحب ((دائرة المعارف)) بعد بيان وجوه الإعجاز: ((العلة في نظرنا واضحة لا تحتاج
لكثير تأمل، وهي أن القرآن روح من أمر الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى
مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَنُ﴾ [الشورى، آية: ٥٢] فهو يؤثر بهذا الاعتبار تأثير الروح في الأجساد، فيحركها
ويتسلط على أهوائها، وأما تأثير الكلام في الشعور فلا يتعدى سلطانه حد إطرابها والحصول
على إعجابها، فقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَقْرِنَا﴾ يكفي وحده في إرشادنا إلى جهة
إعجاز القرآن، وقصور الإنس والجن عن الإتيان بمثله، وبقاؤه إلى اليوم معجزة خالدة تتلألأ في
نورها الإلهي، وتتألق في جمالها القدسي ذلك لما كان القرآن روح من أمر الله فلا جرم كانت له
روحانية خاصة هي عندنا جهة إعجازه، والسبب الأكبر في انقطاع الإنس والجن عن محاكاة
أقصر سورة من سوره، وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه، وناهيك بروحانية الكلام
الإلهي، نعم! إن جهة إعجاز هذا الكتاب الإلهي الأقدس هي تلك الروحانية العالية التي قلبت
شكل العالم، واكتسبت تلك الطائفة القليلة العدد خلافة الله في أرضه، وأرغمت لهم معاطس
الجبابرة والقساورة، ووطأت لهم عروش الأكاسرة والقياصرة، حتى صاروا ملوك الملوك
وإخوان الملائكة في مدة لا يصعب عد سنيها على الأصابع، ﴿يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ
عِبَادِهِ،٥﴾ [غافر، آية: ١٥]، لا مشاحة في أن القرآن فصيح قد أخرس بفصاحته فرسان البلاغة، وقادة
الخطابة، وسادات القوافي، وملوك البيان، وهو حكيم بهر سماسرة الحكمة والفلسفة، وأدهش
أساطين القانون والشريعة، وحير أراكين النظام والدستور، وهوحق ألزم كل غال الحجة، ودل
كل باحث على المحجة، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو هدى ورحمة ونور
وشفاء لما في الصدور ... كل هذه صفات جليلة تؤثر على العقل والشعور والعواطف والميول،
فتتحکم فيها تحکم الملك في ملکه، ولکنه فوق ذلك کله روح من أمر الله، تصل من روح
الإنسان إلى حيث لا تصل إليه أشعة البلاغة والبيان، ولا سيالات الحكمة والعرفان، وتسري من
صميم معناه إلى حيث لا يحوم حوله فكر ولا خاطر، ولا يتخيله خيال شاعر، هذه الروحانية

١٩٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
تنفذ إلى سرّ سريرة الإنسان وسويداء ضميره، وتستولي منها على أصل حياته ومهب عواطفه
وإحساساته، وتخلقه خلقاً جديداً، وتصوره بصورة لا يتخيلها، ولو قيلت له لما أدركها .
ألا ترى كيف فعلت بأولئك العرب الذين لبثوا ألوفاً من السنين على حالة واحدة لا
يتحولون عنها ولا يسأمون منها! فنفحتهم بروح عالية قاموا بواسطتها يحملون الملوك سلطتهم،
ويطوقون القياصرة بطوق سطوتهم، ولم يتموا جولتهم هذه حتى دانت لهم المعمورة من أقصاها
إلى أقصاها، أي: برهان على تبدل أرواحهم أكبر من هذا؟ قوم كانوا بالأمس ممزقين مشتتين،
لا تجمعهم رابطة سياسية، ولا قومية، بل ولا دينية، في أخشن مواقع الأرض وأجدبها وأبعدها
عن النظام والحكمة، والآمال العظيمة والفتوحات، يقومون بعد سنين قليلة من بعثة نبيهم،
ينشرون الفضل والفضيلة والكمال في أرجاء هذا العالم المضطرب، ووسط هذه الفتن المزعجة،
أي: حجة أكبر من هذه الحجة على أن القرآن روح إلهي وأمر سماوي؟ وأي: وجه من وجوه
إعجازه بعد مشاهدته هذا الأثر الفخم أوقع في النفس وأنفى للشك وأولى بالقبول من وجه
روحانيته، إن للقرآن فرق البلاغة والعذوبة والحكمة والبيان (روحانية) يدركها من لاحظ له في
فهم الكلام، وتقدير الحكمة وإدراك البلاغة، ألا ترى أن الطفل والعامي كيف يعتريهما تهيب
عند تلاوته ولو بغير صوت حسن! حتى إنهما ليكادان يفرقان بين ما هو قرآن وما ليس بقرآن فيما
لو أراد التالي أن يغشّهما.
هذه الروحانية تظهر ظهوراً جلياً عندما تكون آية من آياته جاءت على سبيل الاستشهاد
والاقتباس في صفحة كبيرة، فإنك ترى الآية تتجلى لك بين السطور وخلال التراكيب كأنها
الشمس في رابعة النهار، مهما كانت درجة تلك الصفحة من البيان، ومنزلتها من جمال الأسلوب
وجزالة الألفاظ .
هذه الروحانية تظهر للعارف باللغة وللجاهل بها، أما ظهورها للعارف فبين لا يحتاج
لبيان، وأما ظهورها للجاهل بها من الأمم الأعجمية فبتأثيرها ونتيجتها، أي: إنسان يرى أن
العربي الذي كان بالأمس جزاراً أو تاجراً أو راعياً، وهو من الجاهلية وعدم احترام الدستور على
ما كان يعلم الناس منه: جاء اليوم يقود جيشاً يرغم به معاطس أكبر قواد العالم من غطارفة
الحرب، ثم يدخل إلى أحشاء تلك الأمة المغلوبة، فيؤمنها على دينها وشريعتها وأموالها
وأعراضها، ويكون عليها أشفق من رؤسائها، وأحنى من حكومتها، فينشر بينها العدل
والإحسان، ويغمرها بالإفضال والإنعام.
قلنا: من ينظر إلى هذا الأمر المدهش، ولا يقر بأن العربي قد اكتسب (روحاً جديدا) لم
تكن فيه من قبل، وليست من جنس الأرواح الموجودة في علياء النفوس وأصحاب الفضيلة من
الأفراد، كيف لا يستدل هذا الإنسان بالحس على تلك (الروحانية) وقد أصبح يرجو من كان

١٩٥
كتاب: الإيمان
فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
٣٨٤ - (٢٤٠) حدّثني يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي
عَمْرٌو؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَثَّهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ له؛ أَنَّهُ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِیَدِهِ،
يخافه، ويتعلم ممن كان لا يرى أجهل منه، ويتخلق بأخلاق من كان لا يعده إلا وحشياً
کاسراً)).
قوله: (فأرجو أن أكون) إلخ: رتب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة،
لكثرة فائدته، وعموم نفعه، لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون، فعمّ نفعه من
حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجوى المذكورة على ذلك، وهذه
الرجوى قد تحققت، فإنه أكثر الأنبياء تبعاً .
٢٤٠ - (١٥٣) - قوله: (قال: وأخبرني عمرو) إلخ: قال الشارح تَّقُ: ((هي واو حسنة،
فيها دقيقة نفيسة، وفائدة لطيفة، وذلك: أن يونس سمع من ابن وهب أحاديث، من جملتها هذا
الحديث، وليس هو أولها، فقال ابن وهب في رواية الحديث الأول: أخبرني عمرو بكذا، ثم
قال: وأخبرني عمرو بكذا، وأخبرني عمرو بكذا، إلى آخر تلك الأحاديث، فإذا روى يونس عن
ابن وهب غير الحديث الأول فينبغي أن يقول: قال ابن وهب: وأخبرني عمرو، فيأتي بالواو،
لأنه سمعه هكذا، ولو حذفها لجاز، ولكن الأولى الإتيان بها ليكون راوياً كما سمع. والله
أعلم.
قوله: (والذي نفس محمد) إلخ: أي: روحه، وذاته وصفاته، وحالاته، وإرادته،
وحر کاته، وسكناته.
قوله: (بيده) إلخ: أي: كائنة بنعمته، وحاصلة بقدرته، وثابتة بإرادته. وجه استعارة اليد
للقدرة أن أكثر ما يظهر سلطانها في أيدينا، وهي من المتشابهات، ومذهب السلف فيها تفويض
علمه إلى الله تعالى، مع التنزيه عن ظاهره، وهو أسلم حذراً من أن يعين له غير مراد له تعالى،
ويؤيده وقف الجمهور على الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران، آية: ٧]
وعدوه وقفاً لازماً، وهو ما في وصله إيهام معنى فاسد. ومن ثم قال أبو حنيفة كثّفُهُ: تأويل اليد
بالقدرة يؤدي إلى تعطيل ما أثبته تعالى لنفسه، وإنما الذي ينبغي الإيمان بما ذكره الله تعالى من
ذلك ونحوه على ما أراده، ولا يشتغل بتأويله، فنقول: له يد على ما أراده، لا كيد المخلوقين.
ومذهب الخلف فيها تأويله بما يليق بجلال الله تعالى، وتنزيهه عن الجسم والجهة
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث لم أجده عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله تعالى.

١٩٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بَالَّذِي أُرْسِلْتُ
بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)).
ولوازمها، بناء على أن الوقف على ﴿وَالزَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران، آية: ٧] وكان ابن عباس
يقول: أنا أعلم تأويله، وأنا من الراسخين في العلم. قيل: وهذا أعلم وأحكم، أي: يحتاج إلى
مزيد علم وحكمة حتى يطابق التأويل سياق ذلك النص، وليس المعنى أن مذهب الخلف أكثر
علماً، فالمذهبان متفقان على التنزيه، وإنما الخلاف في أن الأولى ماذا؟ أهو التفويض أم
التأويل؟
ويمكن حمل الخلاف على اختلاف الزمان، فكان التفويض في زمان السلف أولى لسلامة
صدورهم وعدم ظهور البدع في زمانهم، والتأويل في زمان الخلف أولى لكثرة العوام وأخذهم
بما يتبادر إلى الأفهام، وغلو المبتدعة بين الأنام والله أعلم بالمرام.
قوله: (لا يسمع بي) إلخ: كان الأصل أن يقول: والذي نفسي بيده، لكنه جرد من نفسه
النفيسة من اسمه محمد، وهو: هو ليكون أبلغ وأوقع في النفس، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم
تنزيلاً من مقام الجمع إلى التفرقة، ومن الكون مع الحق إلى الاشتغال بدعوة الخلق، والانتقال
من خزانة الكمال إلى منصة التكميل.
قال العارف السهروردي: ((الجمع اتصال لا يشاهد صاحبه إلى الحق، فمتى شاهد غيره
فمأثم جمع، فقوله: ((آمن بالله: جمع، وما أنزل علينا: تفرقة)).
وقال الجنيد - قدس الله سره - ويسمى: سيد الطائفة، لأنه لم ينطق قط بما لا يطابق
الكتاب والسنة: القرب بالوجد: جمع، وغيبته في البشرية تفرقة، وكل جمع بلا تفرقة: زندقة،
وكل تفرقة بلا جمع: تعطيل كذا في شرح المشكاة.
قوله: (أحد) إلخ: أي: لمن هو موجود أو سيوجد.
قوله: (من هذه الأمة) إلخ: أي: أمة الدعوة.
قوله: (يهودي ولا نصراني) إلخ: قال الشارح: ((وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهاً على
من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم - مع أن لهم كتاباً -
فغيرهم ممن لا كتاب له: أولى والله أعلم)).
قوله: (ثم يموت) إلخ: فيه إشارة إلى أنه ولو تراخى إيمانه ووقع قبل الغرغرة: نفعه.
قوله: (ولم يؤمن بالذي أرسلت به) إلخ: أي: من الدين المرضي.
قوله: (إلا كان من أصحاب النار) إلخ: أي: ملازميها بالخلود فيها، وأما الذي سمع
وآمن: فحكمه على العكس، وأما الذي لم يسمع ولم يؤمن: فهو خارج عن هذا الوعيد.

١٩٧
كتاب: الإيمان
٣٨٥ - (٢٤١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحِ
الْهَمْدَانِيّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَ الشَّعْبِيَّ فَقَالَ: يَا أَبًّا
عَمْرٍو، إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ، فَي الرَّجُلِ، إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا: فَهْوَ
كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ. فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسى، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ:
٢٤١ - (١٥٤) - قوله: (فهو كالراكب بدنته) إلخ: أي: فلا أجر له.
قال الحافظ: ((أخرج الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود أنه أنه كان يقول ذلك.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله.
وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن أنس: أنه سئل عنه، فقال: ((إذا أعتق أمته لله فلا
يعود فیها)).
ومن طريق سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي أنهما كرها ذلك.
وأخرج أيضاً من طريق عطاء والحسن أنهما كانا لا يريان بذلك بأساً.
قوله: (ثلاثة) إلخ: قال الحافظ: ((ووقع في حديث أبي أمامة - رفعه - عند الطبراني:
((أربعة يؤتون أجرهم مرتين - فذكر الثلاثة كالذي هنا وزاد - أزواج النبي ◌َّو ثم ذكر الحافظ تَُّ
صوراً عديداً فيها تضعيف الأجر، ثم قال: وقد يحصل بمزيد التتبع أكثر من ذلك، وكل هذا دال
على أن لا مفهوم للعدد المذکور)).
قوله: (يؤتون أجرهم مرتين) إلخ: قلت الذي يظهر لي - والله أعلم - أن كل واحد من هذه
الأمور الثلاثة مركب من جزئين متزاحمين، يمنع الاشتغال بأحدهما توفية حق الآخر، كما أشار
(١) قوله: ((عن أبيه)) وهو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب
العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله، رقم (٩٧)، وفي كتاب العتق، باب فضل من أدب جاريته وعلمها،
رقم (٢٥٤٤)، وباب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده، رقم (٢٥٤٧)، وباب كراهية التطاول على
الرقيق، رقم (٢٥٥١)، وفي كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم من أهل الكتابين، رقم (٣٠١١)، وفي
كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: واذكر في الكتاب مريم ... رقم (٣٤٤٦) وفي كتاب النكاح،
باب اتخاذ السراري ومن أعتق جارية ثم تزوجها، رقم (٥٠٨٣)، ومسلم في كتاب النكاح أيضاً، باب
فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها، رقم (١٥٤) والنسائي في سننه، في كتاب النكاح، باب عتق الرجل جاريته
ثم يتزوجها، رقم (٣٣٤٦) و(٣٣٤٧)، والترمذي في جامعه، في كتاب النكاح، باب ما جاء في الفضل في
ذلك، رقم (١١١٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب النكاح، باب الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها، رقم
(١٩٥٦) والدارمي في سننه، في كتاب النكاح، باب في فضل من أعتق أمة ثم تزوجها، رقم (٢٢٥٠
و٢٢٥١) وأحمد في مسنده (٤٠٢/٤ و ٤٠٥).

١٩٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
إليه الكرماني في ما نقله عنه علي القاري في ((المرقاة)): أليس من البين الواضح أن الإيمان بنبي
والكتاب الذي جاء به: يورث في طبائع أكثر الناس استغناء، بل نوع استنكاف عن الإيمان بنبي
آخر بعده، قبول ما أنزل الله إليه، لا سيما إذا كان هذا النبي اللاحق يصدق السابق ويتعرف
بنبوته وصدقه ووجاهته عند الله تعالى، وهذا كما نشاهد في هذا الزمان أن رجلاً إذا بايع شيخاً
مبايعة الطريقة، فلا يحب أن يبايع شيخاً آخر، ولو كان هذا الآخر أجل وأكمل وأفيد من شيخه
الأول، بل رأينا كثيراً من المخلصين المتديّنين أنهم يستنكفون عن مبايعة أحد من الأولياء بعد
موت مشايخهم، ولو تحققت عندهم الفائدة فيها .
والسر فيه - والله أعلم - أنهم يظنون في ذلك تنقيص شيوخهم، وحط رتبتهم، وإيهام عدم
كفايتهم تربية المريدين وتكميلهم، فمن من بنبي هو مسلم الصدق عند نبينا وَّ ر صحيحاً كان هذا
الإيمان عند الشرع أم لا، ثم لم يستغن بما عنده عن الإيمان بنبينا و38َ، فلا ريب أنه أشد
مجاهدة لنفسه في ترك حظوظها، ودفع شهواتها، وإيثار ما عند الله تعالى على ما يحكم به هواه،
فهو أعظم درجة عند الله من هذه الجهة بالنسبة إلى سائر المؤمنين الذين ليسوا بهذه المثابة، فلا
بعد في تضعيف أجره. وفي قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص، آية: ٥٤]،
إيماء إلى أن تضعيف أجورهم إنما هو بالصبر على مكاره النفس، والحاصل: أن من عمل حسنة
مع وجود ما يقاومها ويزاحمها، أو ما يمنع من استيفاء حقها أحق بإعطاء الأجر مرتين، ونظيره
قوله وهيقر عند الشيخين: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه،
وهو عليه شاق، له أجران)).
وقس على هذا: العبد الذي يؤدي حق الله سبحانه وتعالى مع أداء حق سيده، فإن الجمع
بينهما متعذر غاية التعذر، فالمحبوس في الرق إذا وفق للجمع بين الأمرين، ولم ينقص من حق
أحدهما شيئاً، فهو حقيق بأن يضاعف أجره، وهكذا الرجل الذي غذا جاريته، فأحسن غذاءها،
وأدّبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها، ثم تزوجها، فإن تزويجه الأمة
المملوكة التي شأنها كذا موجب لتغيير الناس عرفاً، كما يفهم من تشبيهه بالراكب بدنته في قول
الخراساني للشعبي، وأصرح منه ما نقلنا عن أنس وغيره من السلف.
فحديث الباب دل على أن للمتزوج أمته بعد إعتاقها أجرين، وليس هذا من باب العود في
الصدقة في شيء بل هو إحسان عظيم إليها بعد إحسان عظيم، لأن في الإعتاق تخليصاً من قهر
الرق وأسره، والتزوج فيه الترقي إلى إلحاق المقهور بقاهره، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ
بِالْعُرُوفٍ﴾ [البقرة، ٢٢٨]، وهذا ما عندنا، وللعلماء في شرح حديث الباب أقوال سنذكر منها بقدر
الحاجة، وفي بعضها ما يشير إلى بعض ما حققنا، وبالله التوفيق.
قوله: (رجل من أهل الكتاب) إلخ: قال الحافظ: ((لفظ الكتاب عام، ومعناه خاص، أي:

١٩٩
كتاب: الإيمان
آمَنَ بِنَبِّهِ وَأَدْرَكَ النَِّيَّ ◌َّ
المنزل من عند الله، والمراد به التوراة والإنجيل - كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة -
حيث يطلق أهل الكتاب. وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصة، إن قلنا: إن النصرانية ناسخة
لليهودية، كذا قرره جماعة، ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ، لأن عيسى عليه الصلاة والسلام كان
قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر على
يهوديته لم يكن مؤمناً، فلا يتناوله الخبر، لأن شرطه أن يكون مؤمناً بنبيه، نعم! من دخل في
اليهودية من غير بني إسرائيل، أولم يكن بحضرة عيسى عليه الصلاة والسلام فلم تبلغه دعوته
يصدق عليه أنه يهودي مؤمن، إذ هو مؤمن بنبيه موسى ظلّل، ولم يكذب نبياً آخر بعده، فمن
أدرك بعثة محمد * ممن كان بهذه المثابة وآمن به: لا يشكل أنه يدخل في الخبر المذكور.
ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية، ولم
تبلغهم دعوة عيسى ظلَلا، لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة. نعم! الإشكال في اليهود الذين
كانوا بحضرة النبي ◌َّر، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث - وهي قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ
يُؤْثَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّيْنِ﴾ [القصص، آية: ٥٤] - نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره، ففي
الطبراني من حديث رفاعة القرظي قال: ((نزلت هذه الآيات فيّ وفيمن آمن معي)) وروى الطبراني
بإسناد صحيح عن علي بن رفاعة القرظي، قال: ((خرج عشرة من أهل الكتاب، منهم أبو رفاعة
إلى النبيِ وَ ﴿، فآمنوا به فأوذوا فنزلت: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ
٥٢
[القصص، آية: ٥٢] الآيات، فهؤلاء من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمروا على
اليهودية، إلى أن آمنوا بمحمد وَلّر، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين.
قال الطيبي: ((فيحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان
بمحمد ◌ِلَّا سبباً لقبول تلك الأديان، وإن كانت منسوخة)) انتهى. وسأذكر ما يؤيده بعد.
ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة إنه لم تبلغهم دعوة عيسى عليّلا، لأنها
لم تنتشر في أكثر البلاد، فاستمروا على يهوديتهم، مؤمنين بنبيهم موسى ظلَّلها إلى أن جاء
الإسلام، فآمنوا بمحمد بَّر، فبهذا يرتفع الإشكال إن شاء الله تعالى. كذا في الفتح. وقد سبق
منا ما يزيل هذا الإشكال ولله الحمد.
قوله: (آمن بنبيه) إلخ: فيه إشعار بعليّة الأجر، أي: أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين،
والكفار ليسوا كذلك، ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل
الكتاب يعرفون محمداً نَّله كما قال الله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ﴾
[الأعراف، آية: ١٥٧]، فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره، وكذا من كذبه منهم كان
وزره أشد من وزر غيره، وقد ورد مثل ذلك في حق نساء النبي ◌َّ، لكون الوحي كان ينزل في
بيوتهن. فإن قيل فلم لم يذكرن في هذا الحديث، فيكون العدد أربعة، فأجاب شيخنا شيخ

٢٠٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَعَبْدٌ مَمْلُوٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ
أَجْرَانٍ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَذَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَّهَا
الإسلام بأن قضيتهن خاصة بهن، مقصورة عليهن، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى
يوم القيامة، قاله الحافظ تكلّفُ .
قوله: (فآمن به واتبعه وصدقه) إلخ: قال ابن المنير: ((مؤمن أهل الكتاب لا بد أن يكون
مؤمناً بنبينا ◌َّر، لما أخذ عليهم من العهد والميثاق، فإذا بعث فإيمانه مستمر، فكيف يتعدد
إيمانه حتى يتعدد أجره؟ ثم أجاب بأن إيمانه الأول بأن الموصوف بكذا رسول، والثاني بأن
محمداً هو الموصوف، فظهر التغاير فثبت التعدد)) انتهى.
ويحتمل أن يكون تعدد أجره لكونه لم يعاند كما عاند غيره ممن أضله الله على علم،
فحصل له الأجر الثاني بمجاهدته نفسه، وعلى مخالفة نظرائه، كذا قيل.
والحق أن الكتابي قد آمن بكل من النبيين مرتين، مرة بنبيه السابق تفصيلاً، وبمحمد واله
إجمالاً، وأخرى بمحمد ل﴿ مفصلاً، وبالأنبياء السابقين مجملاً، فإن محمداً وَلو مصدق لسائر
الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وهم قد بشروا به وأخِذَ منهم العهد والميثاق على الإيمان به
ونصره، فانطوى الإيمان بنبي سابق على الإيمان بنبي لاحق، وبالعكس، ولعل لهذه النكتة قال
في القرآن ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص، آية: ٥٤] دون (يؤتون أجرين) والله أعلم.
قوله: (وعبد مملوك أدى حق الله عليه) إلخ: قال الحافظ بعد نقل كلام ابن عبد البر:
((والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة لما يدخل عليه من مشقة الرق، وإلا فلو
كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختص العبد بذلك، فإن قيل: يلزم أن يكون أجر
المماليك ضعف أجر السادات. أجاب الكرماني بأن لا محذور في ذلك، أو يكون أجره
مضاعفاً من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أخرى يستحق بها أضعاف أجر العبد، أو
المراد ترجيحِ العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما، ويحتمل أن يكون تضعيف
الأجر مختصاً بالعمل الذي يتحد فيه طاعة الله وطاعة السيد، فيعمل عملاً واحداً ويؤجر عليه
أجرين بالاعتبارين. وأما العمل المختلف الجهة: فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره
من الأحرار، والله أعلم.
قوله: (فغذاها فأحسن غذاءها) إلخ: الأول بتخفيف الذال، والثاني بالمد.
قوله: (ثم أدبها) إلخ: أي: علمها الخصال الحميدة مما يتعلق بآداب الخدمة إذ الأدب هو
حسن الأحوال من القيام والقعود، وحسن الأخلاق.
قوله: (ثم أعتقها) إلخ: أي: بعد ذلك كله ابتغاء لمرضاة الله تعالى.