Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب: الإيمان
العلماء: أن الإيمان يزيد وينقص، وعند أبي حنيفة وأصحابه وكثير من العلماء، وهو اختيار إمام
الحرمين: أنه لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، ولا يتصور فيه
الزيادة والنقصان، والمصدق إذا ضم الطاعات إليه، أو ارتكب المعاصي، فتصديقه بحاله، لم
يتغير أصلاً، وإنما يتفاوت إذا كان اسماً للطاعات المتفاوتة، قلةً وكثرةً، ولهذا قال الإمام
الرازي وغيره: ((إن هذا الخلاف فرع تفسير الإيمان، فإن قلنا: هو التصديق فلا يتفاوت، وإن
قلنا هو الأعمال، فمتفاوت)) ثم قال في وجه التوفيق بين القولين: إن ما يدل على أن الإيمان لا
يتفاوت مصروف إلى أصله، وما يدل على أنه يتفاوت مصروف إلى الكامل منه)) اهـ.
وقال شارح الحاجبية: ((الإيمان قد يطلق على ما هو الأساس في النجاة، وعلى الكامل
المنجي بلا خلاف)) اهـ.
وبخط بعض المحصلين: قال العلامة الشمس محمد البكري: ((حيث أطلق أصحابنا أن
الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فمرادهم: القدر الذي هو الأصل في النجاة، ومن قال: يزيد
وینقص، أراد به الكامل)) اهـ.
قلت: وهو حسن، ولكن ما أعجبني تسمية القسم الأخير بالكامل، فإنه يستدعي أن يكون
مقابله ناقصاً، وهو إن كان صحيحاً في نفس الأمر لكن التعبير غير حسن، والأولى أن يعبر عنه
بالإيمان الشرعي، كما وقع في عبارة بعض المحققين، وكونه يزيد وينقص قوة وضعفاً، إجمالاً
وتفصيلاً، وتعداداً بحسب تعدد المؤمن به، هو قول المحققين من الأشاعرة، وارتضاه النووي،
وعزاه السعد في شرح العقائد لبعض المحققين، وقال في المواقف: ((إنه الحق)) كذا في شرح
الإحياء.
وقال الشيخ الأكبر في الفتوحات: ((الإيمان الأصلي الذي لا يزيد ولا ينقص هو الفطرة
التي فطر الله الناس عليها، وهو شهادتهم له تعالى بالوحدانية، في الأخذ للميثاق، فكل مولود
يولد على ذلك الميثاق، ولكنه لما حصل ـ في حصر الطبيعة في هذا الجسم الذي هو محل
النسيان)) - جهل الحالة التي كان عليها مع ربه، ونسيها، فافتقر إلى النظر في الأدلة على وحدانية
خالقه إذا بلغ إلى الحال التي يعطيها النظر، وإن لم يبلغ إلى هذا الحد كان حكمه حكم والديه،
فما نظر العبد في الأدلة إلا ليرجع إلى الحالة التي كان عليها عند أخذ الميثاق، كالذي يكون
مسافراً، والسماء مصحية، وهو يعرف جهة القبلة، وصوب مقصده، فحصل لها سحاب وغيم،
حتى صار لا يعرف جهة مقصده ولا القبلة، ومثل هذا يجب عليه الاجتهاد فافهم)).
قال الشعراني: ((فقد بان لك بهذا التقرير أن إيمان الفطرة هو الذي يموت عليه العبد،
وهذا لا يزيد ولا ينقص، وأن المراد بزيادته ونقصانه هو فيما طرأ في العمر، والله أعلم)).

٤٢٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري في كتابه ((الفصل)): ((التصديق بالشيء - أي
شيء كان - لا يمكن البتة أن يقع فيه زيادة ولا نقص، وكذلك التصديق بالتوحيد والنبوة لا يمكن
البتة أن يكون فيه زيادة ولا نقص؛ لأنه لا يخلو كل معتقد بقلبه أو مقر بلسانه بأي شيء أقر أو
أي شيء اعتقد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها، إما أن يصدق بما اعتقد وأقر، وإما أن يكذب
به، وإما منزلة بينهما، وهي الشك، فمن المحال أن يكون إنسان مكذباً بما يصدق به، ومن
المحال أن يشك أحد فيما يصدق، فلم يبق إلا أنه مصدق بما اعتقد بلا شك، ولا يجوز أن
يكون تصديق واحد أكثر من تصديق الآخر، لأن أحد التصديقين إذا دخلته داخلة فبالضرورة
يدري كل ذي حس سليم أنه قد خرج عن التصديق، ولا بد وحصل في الشك؛ لأن معنى
التصديق إنما هو أن يقطع ويوقن بصحة وجود ما صدق به، ولا سبيل إلى التفاضل في هذه
الصفة، فإن لم يقطع ولا أيقن بصحته فقد شك فيه فليس مصدقاً به، وإذا لم يكن مصدقاً به
فليس مؤمناً به، فصح أن الزيادة التي ذكر الله عز وجل في الإيمان ليست في التصديق أصلاً،
ولا في الاعتقاد البتة، فهي ضرورة في غير التصديق وليس لههنا إلا الأعمال فقط)) اهـ.
قال العبد الضعيف - عفا الله عنه - ملتقطاً من بعض كلمات الشيخ الأنور: إن الإيمان
الشرعي هو التزام إطاعة النبيّ وَّ في كل شيء، وقبول كل ما جاء به، وهذا أمر واحد ينسحب
على كل الشريعة بأسرها، بحسب المؤمن به، لا يزيد ولا ينقص، أي: لا يتصور الإيمان
الشرعي بتسليم بعض ما جاء به دون بعض، كما نبه عليه في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ
الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ﴾ [سورة البقرة، آية: ٨٥] وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ
بِبَعْضٍ﴾ [سورة النساء، آية: ١٥٠] نعم! يتفاوت بحسب الإجمال والتفصيل، وهذا معنى قول الإمام
أبي حنيفة: ((آمنوا بالجملة، ثم بالتفصيل كما حكى عنه الكردري في ((مناقبه)). وهذا لا يستلزم
نفي الزيادة والنقصان من وجوه، غير ذلك الوجه الذي أشرنا إليه.
قال الكردري: ((ويجوز أن يراد بالزيادة (في بعض الآيات والأحاديث) الزيادة في نور
الإيمان، فإنه ما من عمل إلا وله نور، قال تعالى: ﴿أَفَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن
زَّيِّهِ﴾ [سورة الزمر، آية: ٢٢] وقال: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَّيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى
النَّاسِ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٢٣] وشرح الصدر عبارة عن التوفيق ومنح الألطاف، فضلاً منه تعالى،
وكلمة ((من)) عامة، تناول كل مؤمن، فلا يجوز قصره على عليّ وعمار ◌ًّا، فذلك النور يقبل
الزيادة والنقصان في الدارين)) اهـ.
قال حجة الإسلام الغزالي: فإن قلت: فقد اتفق السلف على أن الإيمان يزيد وينقص،
يزيد بالطاعات، وينقص بالمعصية، فإذا كان التصديق هو الإيمان فلا يتصور فيه زيادة ولا
نقصان؟ .

٤٢٣
كتاب: الإيمان
فأقول: السلف هم الشهود العدول، وما لأحد عن قولهم عدول، فما ذكروه حق، وإنما
الشأن في فهمه، وفيه دليل على أن العمل ليس من أجزاء الإيمان، وأركان وجوده، بل هو مزيد
عليه، يزيد به، والزائد موجود، والناقص موجود، والشيء لا يزيد بذاته، فلا يجوز أن يقال:
الإنسان يزيد برأسه، بل يقال: يزيد بلحيته وسمنه، ولا يجوز أن يقال: الصلاة تزيد بالركوع
والسجود، بل تزيد بالآداب والسنن، فهذا تصريح بأن الإيمان له وجود، ثم بعد الوجود يختلف
حاله بالزيادة والنقصان.
فإن قلت: فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص وهو خصلة واحدة؟
فأقول: إذا تركنا المداهنة، ولم تكترث بتشغيب من تشغب، وكشفنا الغطاء: ارتفع
الإشكال، فنقول: الإيمان اسم مشترك يطلق من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه يطلق للتصديق بالقلب، على سبيل الاعتقاد والتقليد، من غير كشف وانشراح
صدر، وهو إيمان العوام، بل إيمان الخلق كلهم، إلا الخواص، وهذا الاعتقاد عقدة على القلب
تارة تشتد وتقوى، وتارة تضعف وتسترخي، كالعقدة على الخيط مثلاً، ولا تستعبد هذا، واعتبره
باليهودي وصلابته في عقيدته التي لا يمكن نزوعه عنها بتخويف وتحذير، ولا بتخييل ووعظ،
ولا تحقيق وبرهان، وكذلك النصراني والمبتدعة، وفيهم من يمكن تشكيكه بأدنى كلام، ويمكن
استنزاله عن اعتقاده بأدنى استمالة أو تخويف مع أنه غير شاك في عقده، كالأول، ولكنهما
متفاوتان في شدة التصميم، وهذا موجود في الاعتقاد الحق أيضاً، والعمل يؤثر في نماء هذا
التصميم وزيادته، كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار، ولذلك قال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ
إِمَنًا﴾ [سورة التوبة، آية: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [سورة الفتح، آية: ٤] وذلك بتأثير
الطاعات في القلب، وهذا لا يدركه إلا من راقب أحوال نفسه في أوقات المواظبة على العبادة،
والتجرد لها بحضور القلب مع أوقات الفتور، وإدراك التفاوت في السكون إلى عقائد الإيمان في
هذه الأحوال، حتى يزيد عقده استعصاء على من يريد حله بالتشكيك، بل من يعتقد في اليتيم
معنى الرحمة إذا عمل بموجب اعتقاده، فمسح رأسه وتلطف به أدرك من باطنه تأكيد الرحمة
وتضاعفها بسبب العمل، وكذلك معتقد التواضع إذا عمل بموجبه عملاً مقبلاً، أو ساجداً لغيره
أحس من قلبه التواضع عند إقدامه على الخدمة، وهكذا جميع صفات القلب تصدر منها أعمال
الجوارح، ثم يعود أثر الأعمال عليها فيؤكدها ويزيدها، فهذا وجه زيادة الإيمان بالطاعة بموجب
هذا الإطلاق، ولهذا قال علي كرم الله وجهه: ((إن الإيمان ليبدو لمعة بيضاء، فإذا عمل العبد
بالصالحات، نمت فزادت، حتى يبيضّ القلب كله، وإن النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهك
الحرمات نمت وزادت، حتى يسودّ القلب كله، فيطبع عليه، فذلك هو الختم، وتلا قوله تعالى:

٤٢٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
﴿كَلَّا بَلَّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ [سورة المطففين، آية: ١٤] الآية)) اهـ. هكذا أورده صاحب القوت في باب
الاستثناء في الإيمان، إلا أنه قال: ((إن الإيمان يبدو، وإن النفاق يبدو)) من غير لام فيهما،
وقال: (فإذا انتهك المحارم العبد)) وفيه: فذلك هو الختم، ثم قرأ: ﴿كَلَّ بَلَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ ويروى بوجه آخر، قال: ((إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلما ازداد الإيمان
عظماً ازداد ذلك البياض، فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمظةً سوداء،
فكلما ازداد النفاق عظماً ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله، وايم الله لو
شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود)).
قال السيوطي كثُّ في الجامع الكبير: هكذا أخرجه ابن المبارك في ((الزهد))، وابن أبي
شيبة في المصنف، وأبو عبيد في ((الغريب))، ورسته في الإيمان، والبيهقي، واللالكائي في
((السنة)) والأصبهاني في ((الحجة))، قلت: ومن طريق أبي عبيد أخرجه اللالكائي في كتاب السنة
مختصراً. وساق سنده من طريق دعلج بن أحمد: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: قال أبو
عبيد، فذكره. قال الأصمعي: اللمظة مثل النكتة أو نحوها، وفي نهاية ابن الأثير في حديث
علي رَاته: ((الإيمان يبدو في القلوب لمظة اللمظة بالضم، مثل النكتة من البياض، ومنه فرس
ألمظ، إذا كان بجحفلته بياض يسير)) والجحفلة بتقديم الجيم على الحاء، بمنزلة الشفة للخيل
والبغال والحمير.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود رضيبه يقول في دعائه:
((اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً)) وصح عن عمار بن ياسر ظه أنه قال: ((ثلاث من كن فيه فقد
استكمل الإيمان، إنصاف من نفسه، والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم)» ذكره البخاري
في صحيحه.
وقال جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما: «تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فازددنا
إيماناً)).
وقال شيخ الإسلام: ((والآثار في هذا كثيرة جداً، رواها المصنفون في هذا الباب الآثار
الصحابة والتابعين في كتب كثيرة، والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات:
كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ
إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَُّونَ ﴾﴾ [سورة الأنفال، آية: ٢])) قال شيخ الإسلام تَُّهُ: ((وهذا أمر يجده
المؤمن إذا تليت عليه الآيات ازداد قلبه بفهم القرآن، ومعرفة معانيه من علم الإيمان ما لم يكن،
حتى كأنه لم يسمع الآية إلا حينئذٍ، ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير والرهبة من الشرّ ما لم
يكن، فيزداد علمه بالله، ومحبته لطاعته، وهذا زيادة الإيمان)).

٤٢٥
كتاب: الإيمان
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ
﴾ [سورة آل عمران، آية: ١٧٣] فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدو لم يكن
(١٧٣)
حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
عند آية نزلت، فازدادوا يقيناً وتوكلاً على الله، وثباتاً على الجهاد، وتوحيداً بأن لا يخافوا
المخلوق، بل يخافون الله الخالق وحده.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ: إِيمَنَّا فَأَمَّا ◌ُلَّذِينَ ءَامَنُوا
فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (3)﴾ [سورة المدثر، آية: ١٢٤] وهذه الزيادة ليست مجرد التصديق بأن الله
أنزلها، بل زادتهم بحسب مقتضاها، فإن كانت أمراً بالجهاد أو غيره ازدادوا رغبة فيه، وإن
كانت نهياً عن شيء انتهوا عنه، فكرهوه، ولذا قال: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ والاستبشار غير مجرد
التصديق .
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَلَتِكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَنًا﴾ [سورة المدثر، آية: ٣١].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِ قُلُوبٍ اُلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيَنَا فَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [سورة الفتح، آية:
٤] وهذه نزلت لما رجع النبيّ وَله من الحديبية وأصحابه، فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان،
والسكينة هي طمأنينة في القلب.
ج
وقوله تعالى: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [سورة التغابن، آية: ١١] هداه لقلبه زيادة في إيمانه، كما قال تعالى:
(٣)﴾ [سورة محمد، آية: ١٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ
﴿وَلَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَانَنْهُمْ تَقْوَنُهُمْ
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الكهف، الآيتان: ١٣ - ١٤].
بِرَيِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَى شَـ
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ وَمَا
زَادَهُمْ إِلَّ إِيمَنَا وَتَسْلِيمًا (
(٢٢)﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِى الََّلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَنَّاً حَقََّ إِذَا رَأَوْ مَا يُؤْعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا
السَاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ هُدَى وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ
[سورة مريم، الآيتان: ٧٥ - ٧٦].
﴾
خَيْرُ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَبًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخْزُونَ لْأَذْقَانِ سُجَّدًا
وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ (3)﴾ [سورة الإسراء، الآيات:
رَيْنَآَ إِن كَنَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا
١٠٧ - ١٠٩] أي: لما يزيدهم علماً ويقيناً بأمر الله تعالى على ما حصل عندهم من الأدلة.
قال العلامة المحقق ابن خلدون في مقدمة تاريخه: ((ثم إن المعتبر في هذا التوحيد ليس
هو الإيمان فقط الذي هو تصديق حكمي؛ فإن ذلك من حديث النفس، وإنما الكمال فيه حصول

٤٢٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
صفة منه تتكيّف بها النفس، كما أن المطلوب من الأعمال والعبادات أيضاً حصول ملكة الطاعة
والانقياد، وتفريغ القلب عن شواغل ما سوى المعبود، حتى ينقلب المريد السابق ربانياً، والفرق
بين الحال والعلم في العقائد فرق ما بين القول والانصاف، وشرحه أن كثيراً من الناس يعلم أن
رحمة اليتيم والمسكين قربة إلى الله تعالى، مندوب إليها، ويقول بذلك، ويعترف به، ويذكر
مأخذه من الشريعة، وهو لو رأى يتيماً أو مسكيناً من أبناء المستضعفين لَفَرَّ عنه، واستنكف أن
يباشره، فضلاً عن التمسح عليه للرحمة، وما بعد ذلك من مقامات العطف والحنو والصدقة،
فهذا إنما حصل له من رحمة اليتيم مقام العلم، ولم يحصل له مقام الحال والاتصاف، ومن
الناس من يحصل له - مع مقام العلم والاعتراف بأن رحمة المسكين قربة إلى الله تعالى - مقام
آخر أعلى من الأول، وهو الاتصاف بالرحمة، وحصول ملكتها، فمتى رأى يتيماً أو مسكيناً بادر
إليه ومسح عليه، والتمس الثواب في الشفقة عليه، لا يكاد يصبر عن ذلك، ولو دفع عنه، ثم
يتصدق عليه بما حضره من ذات يده، وكذا علمك بالتوحيد مع اتصافك به، والعلم الحاصل عن
الاتصاف ضرورة، وهو أوثق مبني من العلم الحاصل قبل الاتصاف، وليس الإنصاف بحاصل
عن مجرد العلم حتى يقع العمل، ويتكرر مراراً غير منحصرة، فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف
والتحقيق، ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة، فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل
الجدوى والنفع، اللهم وفقنا واهدنا وهذا علم أكثر النظار، والمطلوب إنما هو العلم الحالي
الناشىء عن العادة)).
واعلم أن الكمال عند الشارع في كل ما كلف به إنما هو في هذا، فما طلب اعتقاده
فالكمال فيه في العلم الثاني الحاصل عن الاتصاف، وما طلب عمله من العبادات فالكمال فيها
في حصول الاتصاف والتحقق بها، ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصل
لهذه الثمرة الشريفة، قال # في رأس العبادات: ((جعلت قرّة عيني في الصلاة)) فإن الصلاة
صارت له صفة وحالاً، يجد فيها منتهى لذّاته وقرّة عينه، وأين هذا من صلاة الناس؟ ومن لهم
(@)﴾ [سورة الماعون، الآيتان: ٤ - ٥]؟ الصراط
بها ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ
المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
فقد تبين لك من جميع ما قررناه أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في
النفس، يحصل عنها علم اضطراري للنفس، هو التوحيد، وهو العقيدة الإيمانية، وهو الذي
تحصل به السعادة، وأن ذلك سواءٌ في التكاليف القلبية والبدنية، ويتفهم منه أن الإيمان الذي هو
أصل التكاليف وينبوعها، هو بهذه المثابة: ذو مراتب، أوَّلها التصديق القلبي الموافق للسان،
وأعلاها حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي وما يتبعه من العمل، مستولية على القلب،
فيستتبعُ الجوارح، وتندرج في طاعتها جميع التصرفات، حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك

٤٢٧
کتاب: الإيمان
٠٠
التصديق الإيماني، وهذا أرفع مراتب الإيمان، وهو الإيمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن معه
صغيرة ولا كبيرة، إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين.
قال ◌َل: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) وفي حديث هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب
عن النبيّ ◌َّ﴿ وأحواله، فقال في أصحابه: «هل يرتد أحدٌ منهم سخطة لدينه؟ قال: لا، قال:
وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب)) ومعناه: أن ملكة الإيمان إذا استقرت عسر على
النفس مخالفتها، شأن الملكات إذا استقرت، فإنها تحصل بمثابة الجبلة والفطرة، وهذه هي
المرتبة العالية من الإيمان، وهي في المرتبة الثانية من العصمة؛ لأن العصمة واجبة للأنبياء
وجوباً سابقاً، وهذه حاصلة للمؤمنين حصولاً تابعاً لأعمالهم وتصديقهم، وبهذه الملكة
ورسوخها يقع التفاوت في الإيمان كالذي يتلى عليك من أقاويل السلف.
وفي تراجم البخاري نظريته في باب الإيمان كثير منه، مثل أن الإيمان قول وعمل، ويزيد
وينقص، وأن الصلاة والصيام من الإيمان، وأن تطوع رمضان من الإيمان، والحياء من الإيمان،
والمراد بهذا كله: الإيمان الكامل الذي أشرنا إليه، وإلى ملكته، وهو فعلي، وأما التصديق الذي
هو أول مراتبه فلا تفاوت فيه، فمن اعتبر أوائل الأسماء وحمله على التصديق منع من التفاوت،
كما قال أئمة المتكلمين، ومن اعتبر أواخر الأسماء وحمله على هذه الملكة التي هي الإيمان
الكامل ظهر له التفاوت، وليس ذلك بقادح في اتحاد حقيقته الأولى التي هي التصديق، إذ
التصديق موجود في جميع رتبه، لأنه أقل ما يطلب عليه اسم الإيمان، وهو المخلص من عهدة
الفكر، والفيصل بين الكافر والمسلم، فلا يجزىء أقل منه، وهو في نفسه حقيقة واحدة لا
تتفاوت، وإنما التفاوت في الحال الحاصلة عن الأعمال، كما قلناه. فافهم))(١).
الإطلاق الثاني: ((أن يراد به التصديق والعمل جميعاً، كما قال ◌َّيقول: ((الإيمان بضع
وسبعون باباً)) وكما قال ◌َله: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) وإذا دخل العمل في مقتضى
لفظ الإيمان لم تخف زيادته ونقصانه)).
الإطلاق الثالث: ((أن يراد به التصديق اليقيني على سبيل الكشف وانشراح الصدر،
والمشاهدة بنور البصيرة، وهذا أبعد الأقسام عن قبول الزيادة، ولكني أقول: الأمر اليقيني الذي
لا شك فيه تختلف طمأنينة النفس إليه، فليس طمأنينة النفس إلى أن الاثنين أكثر من الواحد:
كطمأنينتها إلى أن العالم مصنوع حادث، وإن كان لا شك في واحد منهما، فإن اليقينات تختلف
في درجات الإيضاح ودرجات طمأنينة النفس إليها)) اهـ.
قال العلامة الزبيدي الحنفي تكثّثهُ في شرح الإحياء: ((ومنع الحنفية هذا، وقالوا: هو
(١) المقدمة (٣٨٤ - ٣٨٦) علم الكلام.

٤٢٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تفاوت بأمور زائدة على نفس اليقين، وعليه روي قول أبي حينفة تخذتُ أنه قال: ((أقول: إيماني
كإيمان جبرئيل، ولا أقول: مثل إيمان جبرئيل))؛ لأن المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات،
والتشبيه لا يقتضيه، فلا أحد يسوي بين إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء، بل يتفاوت
بأمور زائدة، وقالوا: ما يظن من أن القطع يتفاوت قوةً إنما هو راجع إلى جلائه وظهوره
وانكشافه، فإذا ظهر القطع بحدوث العالم بعد ترتيب مقدماته المؤدية إليه كان الجزم الكائن فيه
كالجزم في حكمنا: الواحد نصف الاثنين، وإنما تفاوتهما باعتبار أنه إذا لوحظ هذا كان سرعة
الجزم فيه ليس كالسرعة التي في الآخر، وهو: الواحد نصف الاثنين، خصوصاً مع غيبة النظر
عن ترتيب مقدمات حدوث العالم عن الذهن، فيخيَّل أن الجزم بأن الواحد نصف الاثنين أقوى،
وليس كذلك إنما هو أجلى عند العقل.
وأما قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ظلَّل: ﴿وَلَكِن لِيَظْمَيِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٦٠] فمثله
ابن الهمام بمن قطع بوجود دمشق وما فيها من بساتين وأنهار. فنازعته نفسه في رؤيتها،
والابتهاج بمشاهدتها، فإنها لا تسكن ولا تطمئن حتى يحصل معناها، وكذا شأنها في كل
مطلوب مع العلم بوجود دمشق، والفرض القطع بثبوته، انتهى بقدر الحاجة من مواضع.
وقال الحافظ ابن تيمية: ((زيادة الإيمان الذي أمر الله به، والذي يكون من عباده المؤمنين
من وجوه :
أحدها: الإجمال والتفصيل فيما أمروا به، فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله
ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملاً، فمعلوم أنه لا يجب في أول
الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصل ما أخبر به
الرسول ما يجب على من بلغه خبره، فمن عرف القرآن والسنن ومعانيهما لزمه من الإيمان
المفصل بذلك ما لم يلزم غيره، ولو آمن الرجل بالله وبالرسول باطناً وظاهراً، ثم مات قبل أن
يعرف شرائع الدين، مات مؤمناً بما وجب عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا ما وقع منه
مثل إيمان من عرف الشرائع، فآمن بها وعمل بها، بل إيمان هذا أكمل وجوباً ووقوعاً، فإن ما
وجب عليه من الإيمان أكمل، وما وقع منه أكمل، وقوله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة
المائدة، آية: ٣] أي: في التشريع بالأمر والنهي، لأن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على
سائر الأمة، وأنه فعل ذلك، بل الناس متفاضلون في الإيمان أعظم تفاضل.
الثاني: الإجمال والتفصيل في ما وقع منهم، فمن طلب علم التفصيل وعمل به فإيمانه
أكمل ممن عرف ما يجب عليه. والتزمه وأقرّ به، ولم يعمل بذلك كله، وهذا المقر المقصر في
العمل إن اعترف بذنبه، وكان خائفاً من عقوبة ربه على ترك العمل: أكمل إيماناً ممن لم يطلب
معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما

٤٢٩
كتاب: الإيمان
جاء به الرسول مع أنه مقرٌّ بنبوته باطناً وظاهراً، فكلما عمل القلب بما أخبر به الرسول فصدقه،
وما أمر به فالتزمه: كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه إقرار عام
والتزام، وكذلك من عرف أسماء الله تعالى ومعانيها، فآمن بها كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف
تلك الأسماء، بل آمن بها إيماناً مجملاً أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء
الله تعالى وصفاته وآياته كان إيمانه أكمل.
الثالث: أن العلم والتصديق يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبت وأبعد عن الشك
والريب، وهذا أمر يشهده كل واحد من نفسه، كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد مثل رؤية
الناس الهلال، وإن اشتركوا فيها، فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكذلك سماع الصوت،
وشم الرائحة الواحدة، وذوق النوع الواحد من الطعام، فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل
أعظم من ذلك من وجوه متعددة للمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الله تعالى وكلامه،
يتفاضل الناس في معرفتها أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها .
الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله،
فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به؛ وإذا كان شخصان يعلمان أن الله
حقٌّ، والرسول حقٌ، والجنة حقٌّ، والنار حق، وهذا علمه أوجب له محبة الله وخشيته، والرغبة
في الجنة، والهرب من النار، والآخر علمه لم يوجب له ذلك، فعلم الأول أكمل، فإن قوة
المسبب تدل على قوة السبب، وقد نشأت هذه الأمور عن العلم، فالعلم بالمحبوب يستلزم
طلبه، والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه. فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم،
ولهذا قال النبيّ وَّ: ((ليس الخبر كالمعاينة)) فإن موسى ظلَّلا لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل
لم يُلْقِ الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك موسى عظّل في خبر الله، لكن
المخبر وإن جزم بصدق المخبر فقد لا يتصور المخبر به في نفسه كما يتصوره إذا عاينه، بل قد
يكون قلبه مشغولاً عن تصور المخبر به وإن كان مصدقاً به، ومعلوم أنه عند المعاينة يحصل له
من تصور المخبر به ما لم يكن عند الخبر، فهذا التصديق أكمل من ذلك التصديق.
الخامس: أن أعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله تعالى ورجائه، ونحو ذلك
هي: كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذه يتفاضل الناس
فيها تفاضلاً ظاهراً .
السادس: الأعمال الظاهرة مع الباطنة هي أيضاً من الإيمان، والناس يتفاضلون فيها .
السابع: ذكر الإنسان بقلبه ما أمر به، واستحضاره بحيث لا يكون غافلاً عنه أكمل ممن
صدق به وغفل عنه، فإن الغفلة تنقصه، وكمال العلم والتصديق والذكر والاستحضار يكمل

٤٣٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
العمل واليقين، ولهذا قال عمير بن حبيب تظله: ((إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته،
وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فتلك نقصانه)).
الثامن: قد يكون الإنسان مكذباً ومنكراً لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها وأمر بها، ولو
علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا يأمر إلا بحق، ثم
يسمع الآية والحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه
فيصدق بما كان مكذباً به، ويعرف ما كان منكراً له، وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به
إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافراً بل جاهلاً، وهذا وإن أشبه المجمل والمفصل لكن صاحب
المجمل قد يكون قلبه سليماً عن تكذيب وتصديق شيء من التفاصيل، وعن معرفة وإنكار شيء
من ذلك فيأتيه التفصيل بعد الإجمال على قلب ساذج، وأما كثير من الناس بل من أهل العلم
والعبادة فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف ما جاء به الرسول، وهم لا يعرفون أنها
تخالف، فإذا عرفوا رجعوا، وكل من ابتدع في الدين قولاً أخطأ فيه، وهو مؤمن بالرسل، أو
عمل عملاً أخطأ فيه وهو مؤمن بالرسول، أو عرف ما قاله وآمن به لم يعدل عنه، هو: من هذا
الباب، وكل مبتدع قصده متابعة الرسول فهو من هذا الباب، فهو على ما جاء به الرسول وعمل
به أكمل ممن أخطأ ذلك، ومن علم الصواب بعد الخطأ وعمل به فهو أكمل ممن لم يكن
كذلك، فهذه وجوه زيادة الإيمان ونقصه، وقد علمت محمل كلام من أنكرهما، والله سبحانه
وتعالى أعلم بالصواب)).
المسألة الثالثة من المسائل المتعلقة بالإيمان
حكم الاستثناء في قول الرجل: أنا مؤمن إنشاء الله:
قال الشارح بقوله: ((اختلف العلماء من السلف وغيرهم في إطلاق الإنسان قوله: ((أنا
مؤمن)) فقالت طائفة: لا يقول: ((أنا مؤمن)) مقتصراً عليه، بل يقول: ((أنا مؤمن إن شاء الله تعالى))
وحكى هذا المذهب بعض أصحابنا من أكثر أصحابنا المتكلمين، وذهب آخرون إلى جواز
الإطلاق، وأنه لا يقول: ((إن شاء الله)) وهذا هو المختار، وقول أهل التحقيق، وذهب الأوزاعي
وغيره إلى جواز الأمرين، والكل صحيح باعتبارات مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال، وأحكام
الإيمان جارية عليه في الحال، ومن قال: ((إن شاء الله)) فقالوا فيه إما للتبرك، وإما لاعتبار
العاقبة، وما قدر الله تعالى، فلا يدري أيثبت على الإيمان أم يصرف عنه، والقول بالتخيير حسن
صحيح؛ نظراً إلى مأخذ القولين الأولين ورفعاً لحقيقة الخلاف)) اهـ.
وقد فصل الغزالي هذا المبحث في الإحياء كالمباحث السابقة بما لا مزيد عليه، من شاء
فليراجع .
قال الكمالان ابن الهمام وابن أبي شريف: ((لا خلاف بين القائلين بدخول الاستثناء،

٤٣١
كتاب: الإيمان
والمانعين في أنه لا يقال: ((أنا مؤمن إن شاء الله)) للشك في ثبوت الإيمان حال التكلم بالاستثناء
.المذكور. وإلا كان الإيمان منفياً؛ لأن الشك في ثبوته في الحال كفر، بل ثبوته في الحال
مجزوم به دون الشك، غير أن بقاءه إلى الوفاة عليه وهو المسمى بإيمان الموافاة التي يوافي العبد
عليه متصفاً به آخر حياته غير معلوم له، ولما كان ذلك هو المعتبر في النجاة كان هو الملحوظ
عند المتكلم في ربطه بالمشيئة، وهو أمر مستقبل، فالاستثناء فيه اتباعاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ
لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿هَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [سورة الكهف، الآيتان: ٢٣ -٢٤] فلا وجه لوجوب
تركه إلا أنه لما كان ظاهراً لتركيب أمرين: الإخبار بقيام الإيمان به في الحال، وأن الاستثناء
يناقض الإخبار بقيام الإيمان به في الحال: كان تركه أبعد عن التهمة بعدم الجزم بالإيمان في
الحال الذي هو كفر، فكان تركه واجباً لذلك، وأما من علم قصده بأنه إنما استثنى تبركاً خوفاً
من سوء الخاتمة، فربما تعتاد النفس التردد في الإيمان في الحال لكثرة إشعارها بترددها في
ثبوت الإيمان واستمراره، وهذه مفسدة إذ قد تجر إلى وجود التردد آخر الحياة، للاعتياد به
خصوصاً، والشيطان مجرد نفسه في هلاك ابن آدم، لا شغل له سواه، فيجب حينئذٍ تركه)).
ولمن جوز الاستثناء بل استحسنه ملحظ آخر، ذكره الحافظ ابن تيمية تَُّ حيث قال:
((ومذهب أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه، والثوري، وابن عيينة، وأكثر علماء الكوفة،
ويحيى بن سعيد القطان، فيما يرويه عن علماء البصرة، والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة
السنة كانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: إنما أستثني
لأجل الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لما يوافى به، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما
هو لأن الإيمان يتضمن فعل جميع الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها
بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه، وهو تزكية لأنفسهم بلا علم. قال شيخ الإسلام: وأما
الموافاة فلا علمتُ أحداً من السلف علل بهذا الاستثناء، نعم! كثير من المتأخرين يعلل بها من
أصحاب الحديث من أصحاب الإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم ريه. قال شيخ الإسلام:
وأكثر الناس يقولون: بل هو إذا كان كافراً فهو عدو الله، ثم إذا آمن واتقى صار ولياً لله، فمأخذ
سلف الأمة في الاستثناء أن الإيمان المطلق فعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات،
فإذا قال الرجل: ((أنا مؤمن)) بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل
جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله تعالى، وهذا تزكية الإنسان لنفسه
وشهادته لها بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لساغ أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات
على هذه الحال، ولا أحد يسوغ له بذلك. فهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن
جوزوا ترك الاستثناء، فلكل من المجوزين والمانعين وجهة هو موليها. وربهم أعلم بمن هو
أهدى سبيلا)).

٤٣٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١) - باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان
بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى وبيان الدليل على التبرّي
ممن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول في حقه
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: بِعَوْنِ اللَّهِ نَبْتَدِىءُ، وَإِيَّاهُ
نَسْتَكْفِي، وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلاَّ بِاللَّهِ جَلَّ جَلاَلُهُ.
٩٣ - ١ / - حدّثني أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ
قال الزبيدي: ((ولعلمائنا الحنفية في هذا المبحث كلام طويل تركته لما في أكثره من نسبة
التكفير والتضليل والتحريم إلى قائله، فلم أستحسن إيراده. إذ قد أطبق السلف على التكلم به،
فكيف ينسبون إلى شيء مما ذكر، وهم وسائطنا إلى الله ورسوله بَّر، ومن غلوهم وتشديداتهم
سموهم مستثنية شكية. وبنوا على ذلك أنه لا يصلي خلف شاك في إيمانه. وأرادوا بذلك هذا
الكلام. والله يغفر لقائله، إنما صدر من متأخرين منهم. إذا حقق البحث معه رجع إلى أمر
لفظي. وما أراده به من هذه المسألة يرجع إلى ما اعتقدوه بمن يقول هذه المقالة، وهو بريء مما
أرادوه به. والأئمة المتقدمون من أصحابنا لم يبلغنا عنهم ذلك، وإمامنا الأعظم كَفُ، وإن كان
قد نقل عنه الإنكار في هذه القولة، لم ينقل عنه مثل ما قاله هؤلاء المتأخرون من أصحابه ولئن
سلمنا قولهم من التكفير والتضليل فكيف يفعلون في عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي وعلقمة؟
وهؤلاء أصول المذهب، وقد ذهبوا إلى ما ذهب إليه غيرهم من السلف، فالأولى كف اللسان
عن الكلام في ذلك إلا عند الضرورة. مع كمال مراعاة الأدب والاحترام للمشايخ القائلين بهذه
القولة، وعدم نسبتهم إلى شيء من الضلال والابتداع، فضلاً عن الكفر، فهذا الخلاف لفظي أو
معنوي لا يترتب عليه كفر ولا بدعة، نعوذ بالله من ذلك، وبالله التوفيق)).
فهذه جمل من المسائل المتعلقة بالإيمان. قدمتها في صدر الكتاب بعد الفحص البليغ،
تمهيداً لكونها مما يكثر الاحتياج إليه، ولكثرة تكررها وتردادها في الأحاديث، فقدمتها لأحيل
عليها إذا مررت بما يخرَّج عليها، وقد بقي بعدُ خبايا في الزوايا، لم نصرح به مخافة الإطناب،
وفوات المقصود. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(١) - باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان
ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى إلخ
١ - (٨) - قوله: (حدثني أبو خيثمة) إلخ: بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الياء المثناة
التحتية، وبعدها مثلثة، والفرق بين ((حدثني)) و((حدثنا)) أنه يقول في ما سمعه وحده من لفظ
الشيخ: حدثني، وفيما سمعه مع غيره من لفظ الشيخ: ((حدثنا))، وفيما قرأه وحده على الشيخ:

٤٣٣
كتاب: الإيمان
كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ
الْعَنْبَرِيُّ: وَهَذَا حَدِيثُهُ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ(١)؛
((أخبرني))، وفيما قرأ بحضرته في جماعة على الشيخ: ((أخبرنا))، وهذا اصطلاح معروف عندهم،
وهو مستحب عندهم، ولو تركه وأبدل حرفاً من ذلك بآخر صح السماع، ولكن ترك الأولى،
وتقدم تفصيله في مقدمة هذا الشرح.
قوله: (عن كهمس) إلخ: بفتح الكاف، وإسكان الهاء، وفتح الميم، وبالسين المهملة،
هو: كهمس بن الحسن أبو الحسن التيمي البصري.
قوله: (عن عبد الله بن بريدة) إلخ: قد خالفه أخوه سليمان بن بريدة، فرواه عن يحيى بن
يعمر عن عبد الله بن عمر، قال: بينما نحن عند النبيّ ◌َّر. فجعله من مسند ابن عمر لا من
روايته عن أبيه، وعبد الله بن بريدة جعله من مسانيد عمر بن الخطاب ظه، كما ساقه مسلم
هُهنا. كذا في الفتح.
قوله: (عن يحيى بن يعمر) إلخ: بفتح الميم، ويقال: بضمها، وهو غير مصروف لوزن
الفعل، كنية يحيى بن يعمر: أبو سليمان، ويقال: أبو سعيد، وأبو عدي، البصري، ثم
المروزي، فقيه أديب نحوي مبرز، أخذ النحو عن أبي الأسود، نفاه الحجاج إلى خراسان فقبله
قتيبة بن مسلم، وولآه قضاء خراسان.
قوله: (ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ) إلخ: هي حاء التحويل من إسناد إلى إسناد، فيقول
القارىء إذا انتهى إليها: ((ح قال: وحدثنا فلان))، هذا هو المختار، والتفصيل قد تقدم في مقدمة
الشرح .
قوله: (وهذا حديثه) إلخ: هذه عادة لمسلم تَذَفُ، قد أكثر منها، وقد استعملها غيره قليلاً،
وهي مصرَّحة بتحقيقه وورعه واحتياطه، ومقصوده أن الراويين اتفقا في المعنى، واختلفا في
بعض الألفاظ، وهذا لفظ فلان، والآخر بمعناه. والله أعلم.
قوله: (حدثنا كهمس) إلخ: قد اتفق وكيع ومعاذ أبو عبيد الله في الرواية عن كهمس، إلا
أن الأول رواه بالعنعنة، والثاني بالتحديث، وفرقٌ آخر بين روايتيهما بأن في رواية الأول: عن
عبد الله بن بريدة، وفي رواية الثاني: عن ابن بريدة، بغير ذكر اسمه، والمراد بابن بريدة في
(١) قوله: ((عن يحيى بن يعمر)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب نعت
الإسلام، ربم (٤٩٩٣). وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب في القدر، رقم (٤٦٩٥). والترمذي في
جامعه، في كتاب الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي وَّر الإيمان والإسلام، رقم (٢٦١٠). وابن
ماجه في سننه، في المقدمة، باب في الإيمان، رقم (٦٣).

٤٣٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدٍ
الرَّحْمُنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنٍ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ لَهُ
فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هُؤُلاَءِ فِي الْقَدَرِ .
الرواية الثانية هو: عبد الله بن بريدة، لا أخوه سليمان بن بريدة، إلا أن مسلماً كَثُ اقتصر على
الرواية كما سمع.
قوله: (أول من قال في القدر) إلخ: أي: أول من قال بنفي القدر فابتدع، وخالف
الصواب الذي عليه أهل الحق، ويقال: القدَر والقدر: بفتح الدال وإسكانها لغتان مشهورتان،
تقول: قدرت الشيء - بتخفيف الدال، وفتحها - أقدره - بالكسر والفتح - قَدْراً وقَدَراً إذا أحَظْتَ
بمقداره. والمراد أن الله تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في
علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين
بالبراهين القطعية، كما ذكر في علم الكلام، وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى
أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة بضاعته.
قوله: (بالبصرة) إلخ: المشهور فيها فتح الباء، ويقال لها: البصيرة - بالتصغير - وتدمر،
والمؤتفكة، لأنها اؤتُفِكَتْ بأهله في أول الدهر، والنسب إليها بصري بفتح الباء وكسرها، قال
السمعاني: ((يقال: البصرة قبة الإسلام وخزانة العرب، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن
الخطاب ظُه سنة سبع عشرة من الهجرة، ولم يعبد الصنم قط على أرضها)). والله أعلم.
قوله: (معبد الجهني) إلخ: نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة، كان يجالس الحسن البصري،
وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهل البصرة مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله،
قتله الحجاج بن يوسف صبراً، كذا في كتاب الأنساب للسمعاني، قال العلامة السفاريني
الحنبلي في شرح عقيدته: ((وقال شيخ الإسلام ابن تيمية روّح الله روحه في كتابه شرح الإيمان:
أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة، يقال له: سيسويه، من أبناء المجوس، وتلقاه عنه
معبد الجهني)) .
وقال العلامة الطوفي في شرح تائية شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: ((كان أول من
تكلم في القدر بالبصرة سوسن رجل من أبناء المجوس، ثم معبد الجهني، وأخذ غيلان عن
معبد، ويقال: أول ما حدث في الحجاز لما احترقت الكعبة، فقال رجل: احترقت بقدر الله،
فقال آخر: لم يقدر الله هذا، ولم يكن على عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر. فلما ابتدع
هؤلاء التكذيب بالقدر ردّ عليهم من بقي من الصحابة، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس.
وواثلة بن الأسقع ﴿، وكان أكثره بالبصرة والشام، وقليل منه بالحجاز)).
قوله: (سألناه عما يقول هؤلاء في القدر) إلخ: اعلم أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية،

٤٣٥
كتاب: الإيمان
فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ. فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي. أَحَدُنَا عَنْ
يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ. فَظَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلاَمَ إِلَيَّ. فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ - وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ - وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ
لاَ قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفْ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ
بل أنتم القدرية لاعتقادكم بإثبات القدر، قال ابن قتيبة وإمام الحرمين: ((هذا تمويه من هؤلاء
الجهلة. فإن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى، ويضيفون القدر والأفعال إليه
سبحانه وتعالى. وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومدعي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى
بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه)). قال الإمام: ((وقد قال رسول الله وَليقول :
(القدرية مجوس هذه الأمة)) شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشرّ في حكم الإرادة، كما قسمت
المجوس، فصرفت الخبر إلى يزدان، والشرّ إلى أهرمن، ولا خفاء باختصاص هذا الحديث
بالقدرية)). اهـ. قال الشارح: ((حديث: ((القدرية مجوس هذه الأمة)) رواه أبو حازم عن ابن عمر
مرفوعاً، أخرجه أبو داود في سننه، والحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين، وقال:
صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر)).
قوله: (فوفق لنا عبد الله بن عمر) إلخ: بضم الواو وكسر الفاء المشددة، معناه: جعل وفقاً
لنا، وهو من الموافقة التي هي كالتمام، وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتيام، وفي
مسند أبي يعلى الموصلي: ((فوافق لنا)) بزيادة ألف، والموافقة: المصادفة.
قوله: (فاكتنفته أنا وصاحبي) إلخ: يعني صرنا في ناحيتيه، ثم فسره، فقال: أحدنا عن
يمينه، والآخر عن شماله، وكنفا الطائر جناحاه، وفي هذا تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع
فاضلهم .
قوله: (فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ) إلخ: أي: يفوضه إليَّ لإقدامي وجراءتي،
وبسطة لساني، فقد جاء عنه في رواية: ((لأني كنت أبسط لساناً)).
قوله: (ظهر قبلنا) إلخ: بكسر القاف وفتح الباء.
قوله: (ويتقفرون العلم) إلخ: بتقديم القاف على الفاء، أي: يطالبونه ويتبعونه، أو بتقديم
الفاء على القاف، أي: يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيه، يقال: فقرت البير أي: حفرته،
وروي غير ذلك كما في الشرح.
قوله: (وذكر من شأنهم) إلخ: الظاهر أنه من كلام ابن بريدة الراوي عن يحيى بن يعمر،
يعني: وذكر ابن يعمر من حال هؤلاء، ووصفهم بالفضيلة في العلم، والاجتهاد في تحصيله.
والاعتناء به .
قوله: (يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف) إلخ: هو بضم الهمزة والنون، أي: مستأنف،

٤٣٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّ بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي. وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ
لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: ((بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ بِ ل﴿ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ
يقال: روضٌ أنفٌ، إذا كانت وافية، لم ترع قبل ذلك، يعني: أنه مستأنف العمل، السعيد
والشقي، ويبتدىء ذلك من غير أن يكون قد تقدم بذلك علم ولا كتاب، فلا يكون العمل على
قدر فيحتذي حذو القدر، بل هو أمر مستأنف مبتدأ. قال الحافظ تَغَفُ في الفتح: ((وقد حكى
المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارىء تعالى عالماً بشيء من أعمال
العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قال القرطبي كَُّهُ وغيره: قد انقرض هذا
المذهب، ولا نعرف أحداً ينسب إليه من المتأخرين، قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله
عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم
وواقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مع كونه مذهباً باطلاً أخف من المذهب الأول، وأما
المتأخرون منهم فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فراراً من تعلق القديم بالمحدث، وهم
مخصومون بما قال الشافعي كثّفُهُ: إن سلم القدري العلم خصم، يعني: يقال له: أيجوز أن يقع
في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟ فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل،
تعالى الله عن ذلك)).
قوله: (فأخبرهم أني بريء منهم) إلخ: ليس بصريح في تكفيرهم، وإن كان فيه إيماء إليه.
قال القاضي عياض تثاثه: ((هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات،
والقائل بهذا كافر بلا خلاف)). قال غيره: ويجوز أن ابن عمر أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير
المخرج من الملة، إلا أن قوله: ((ما قبله الله منه)) ظاهر في التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما
يكون بالكفر، إلا أنه يجوز أن يقال في المسلم: لا يقبل عمله لمعصية، وإن كان صحيحاً، كما
أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة إلى القضاء عند جماعير العلماء. بل بإجماع
السلف، وهو غير مقبولة، فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا، كذا قال الشارح تَّهُ.
قوله: (فأنفقه) إلخ: أي: في سبيل الله وطاعته، كما جاء في رواية أخرى.
قوله: (ذهباً) إلخ: سمي به لأنه يذهب ولا يبقى، كذا قال نفطويه.
قوله: (بينما نحن) إلخ: أصله بين، فأشبعت الفتحة، فقيل: بينا، وزيدت ((ما)) فقيل:
(بينما)) وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجأة، ويكون العامل معنى المفاجأة في ((إذ)) فمعنى
الحديث: وقت حضورنا في مجلس رسول الله وسلم: فاجأنا وقت طلوع ذلك الرجل، قاله علي
القاري في شرح المشكاة.
قوله: (ذات يوم) إلخ: ظرف لقوله ((عند)) باعتبار أن فيه معنى الاستقرار أي: بين أوقات

٤٣٧
كتاب: الإيمان
شَدِيدُ بَيَاضِ الفِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ.
حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ وَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ،
.......
نحن حاضرون عنده، وزيادة ((ذات)) لدفع توهم التجوز، بأن يراد باليوم مطلق الزمان لا النهار،
كما في قولك رأیت ذات زيد، وقيل غير ذلك.
قوله: (شديد بياض الثياب) إلخ: بإضافة ((شديد)) إلى ما بعده، واللام في ((الثياب)) عوض
عن المضاف إليه العائد إلى الرجل، أي: شديد بياض ثيابه، وقس على هذا: ((شديد سواد
الشعر)).
قوله: (سواد الشعر) إلخ: في رواية ابن حبان كثُّهُ: ((شديد سواد اللحية))، وبها يتبيّن محل
الشعر المذكور، والشعر بفتحتين أفصح من سكون الثاني.
قوله: (لا يرى عليه أثر السفر) إلخ: المشهور لا يرى بصيغة المجهول الغائب، وفي مسند
أبي يعلى: ((لا نرى)) بالنون المفتوحة.
قوله: (ولا يعرفه منا أحد) إلخ: يحتمل أن عمر ظُله استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى
صريح قول الحاضرين، فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث ((فنظر القوم بعضهم إلى
بعض، فقالوا: ما نعرف هذا»، كذا قال الحافظ في الفتح.
قوله: (ووضع كفيه على فخذيه) إلخ: قال الشارح تغذَهُ: («معناه أن الرجل الداخل وضع
كفيه على فخذي نفسه، وجلس على هيئة المتعلم)) وقال الحافظ في الفتح بعد ما نقل حديث ابن
عباس وأبي عامر الأشعري: ((ثم وضع يده على ركبتي النبيّ ◌َّ)). أفادت هذه الرواية أن الضمير
في قوله: على فخذيه، يعود على النبيّ وَّهِ، وبه جزم البغوي ◌َُّهُ وإسماعيل التيمي كثُّ لهذه
الرواية، وإرجاع الضمير إلى الرجل وإن كان ظاهراً من السياق لكن وضعه يديه على فخذي
النبيّ ◌َّ صنيع منبه للإصغاء إليه، وفيه إشارة لما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح عما يبدو
من جفاء السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره ليقوى الظن بأنه من جفاة
الأعراب) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: كان مطمح نظر جبرئيل تظلّ إذ ذاك إيقاع الناس في
الحيرة والالتباس من كل وجه، وإخفاء شخصه عنهم بكل طريق، فلعله وضع يديه أولاً على
فخذي نفسه، كما يفهم من سياق هذه الرواية، ليشعر بكونه من المهذبين الواقفين على دأب
التعليم والتعلم، وأصحاب المروءة والأدب. وأرباب السكينة والوقار، ثم وضع يديه ثانياً على
ركبتي النبي الكريم و 8*، بعد الدُّنُوّ منه وَّر تدريجاً، كما في رواية أبي فروة، قال: ((أدنو
يا محمد؟ قال: ادن، فما زال يقول: أدنو؟ مراراً، ويقول له: ادن)) ليوهم أنه من جفاة الأعراب
وأهل البوادي، وليس من المتكلفين، ولعل إلى مجموع هذين الأمرين أشير في رواية سليمان

٤٣٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلهَ
التيمي التي أخرجها ابن خزيمة في صحيحه: ((فتخطى حتى برك بين يدي النبيّ وَّ. كما يجلس
أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النبيّ وَّ)). وهذا غاية التعمية، ونهاية الإبهام في
أمره، وعلى مثل هذا يحمل نداؤه مرة بلفظة: (يا رسول الله))، ومرة بلفظة: ((يا محمد))، وكذلك
تسليمه على الحاضرين وعلى رسول الله ◌َّير، كما في رواية أبي فروة، وهو شعار أهل التأدب
والمدنية، وتخطي رقاب الناس كما في رواية سليمان التيمي وهو من آثار البدو والجفاء،
وبالجملة راعى جبريل ظلّل في كل أوضاعه وأطواره من البدء إلى الرجعى التعمية في أموره
كلها، وأوقع الناس في التردد واللبس الشديد، وعدم التكشف عن حاله، وهذا كما استغرب
الصحابة رضي سؤاله من النبيّ ◌َّر المتعلق بالإيمان والإسلام وغيرهما، ثم تصديقه إياه بقوله:
(صدقت)) لأن التصديق يدل على حصول العلم عنده، والسؤال على عدمه، وكذلك كونه ((شديد
سواد الشعر)) و(شديد بياض الثياب)) بحيث لا يرى عليه أثر السفر مع مجيئه ماشياً كما في بعض
الروايات يقوي الظن بإقامته في المدينة، وعدم معرفة أحد من الناس إياه يؤيد كونه مسافراً غريباً
جاء من خارج، فكل ما ذكر يدل على التعمية التامة والإخفاء الكامل، حتى قال رسول الله وَل
في رواية أبي فروة: ((والذي بعث محمداً بالحق، ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل))
وفي حديث أبي عامر ◌َظُه: ((والذي نفس محمد بيده ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه، إلا أن تكون
هذه المرة)) وفي رواية سليمان التيمي: ((فوالذي نفسي بيده ما شبه عَلَيَّ منذ أتاني قبل مرتي هذه،
وما عرفته حتى ولى)) والله أعلم بالصواب.
قوله: (وقال: يا محمد) إلخ: أي: بعد ما سلم كما في رواية أبي فروة، وفي رواية مطر
الوراق ((فقال: يا رسول الله! أدنو منك؟ قال: ادن)) ولم يذكر السلام، فاختلفت الروايات: هل
قال له: ((يا محمد)) أو ((يا رسول الله))؟ وهل سلم أو لا؟ فأما السلام فمن ذكره مقدم على من
سكت عنه، وقال القرطبي بناء على أنه لم يسلم، وقال: يا محمد: ((إنه أراد بذلك التعمية،
فصنع صنيع الأعراب)).
قلت: ويجمع بين الروايتين بأنه بدأ أولاً بندائه باسمه لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله:
يا رسول الله، كذا في الفتح، وقيل: ناداه باسمه إذ الحرمة تختص بالأمة، وهو مَلَكٌ مُعَلّم،
ويؤيد قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءٍ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [سورة النور، آية: ٦٣]. إذ
الخطاب للآدميين، فلا يشمل الملائكة إلا بدليل، أو قصد به المعنى الوصفي دون المعنى
العلمي، ولم أر من ذكره، وأما ما ورد في الصحاح من نداء بعض الصحابة باسمه فذاك قبل
التحريم، وقيل: آثره زيادة في التعمية، إذ كانوا يعتقدون أنه لا يناديه به، إلا الأعرابي الجلف.
كذا في المرقاة.
قوله: (فقال رسول الله يقول: الإسلام) إلخ: أعاده ووضعه موضع ضميره إرادة لوضوحه.

٤٣٩
كتاب: الإيمان
إِلَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ،
وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ،
قوله: (إن استطعت إليه سبيلا) إلخ: أي إلى البيت، أو إلى الحج، يعني: إن أمكن لك
الوصول إليه بأن وجدت زاداً أو راحلة، كما في حديث صححه غير واحد.
قال الشافعي: إن الاستطاعة بالمال، وأوجب الاستنابة على الزمِن الغني.
وقال مالك: إنه بالبدن، فيجب على من قدر على المشي، والكسب في الطريق.
وقال أبو حنيفة: إنه بمجموع الأمرين. ثم في رواية أبي هريرة التي أخرجها البخاري في
صحيحه لم يذكر الحج، قال الحافظ في شرحه: ((قيل: لأنه لم يكن فُرِض، ودفع بأن في رواية
ابن مندة بسند على شرط مسلم: أن الرجل جاء في آخر عمره وَّر، فذكر الحديث بطوله، وآخر
عمره يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع؛ فإنها آخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل دون ثلاثة أشهر
مات، وكأنه إنما جاء جبريل بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة: في
مجلس واحد لتنضبط، ويستنبط منه جواز سؤال العالم ما لا يجهله السائل، ليعلمه السامع، وأما
الحج فقد ذكر، لكن بعض الرواة إما ذهل عنه، وإما نسيه، والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر
بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس ((وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، وكذا في
حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة
والزكاة حسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيداً على الشهادتين، وذكر سليمان التيمي في
رواية الجميع، وزاد بعد قوله: وتحج: ((وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتمم الوضوء)) وقال مطر
الوراق في روايته: ((وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، قال: فذكر عُرى الإسلام)) فتبين ما قلناه: إن
بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره)).
قوله: (يسأله ويصدقه) إلخ: وجه التعجب أن السؤال يقتضي الجهل غالباً بالمسؤول عنه،
والتصديق يقتضي علم السائل به، لأن ((صدقت)) إنما يقال إذا عرف السائل أن المسؤول طابق ما
عنده جملة وتفصيلاً. وهذا خلاف عادة السائل، ومما يزيد التعجب أن ما أجابه وعليه لا يعرف
إلا من جهته، وليس هذا الرجل ممن عرف بلقائه وَ ل9، فضلاً عن سماعه منه، وفي رواية: ((لما
سمعنا قول الرجل: صدقت، أنكرناه)) وفي رواية أخرى: ((انظروا هو يسأله ويصدقه، كأنه أعلم
منه)) وفي أخرى: ((ما رأينا رجلاً مثل هذا، كأنه يعلّم رسول الله وَّل، يقول له: صدقت،
صدقت)) قيل: هو من صنيع الشيخ إذا امتحن المعيد عند حضور الطلبة. ليزيدوا طمأنينة وثقة في
أنه يعيد الدرس، ويلقي المسألة من الشيخ بلا زيادة ونقصان، وفيه أنموذج من قوله تعالى: ﴿وَمَا
[سورة النجم، الآيات: ٣ - ٥] .
يَطِقُ عَنِ الْمَوَىِّ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ﴿ عَلََّهُ شَدِيدُ الْقُوَى
قوله: (أن تؤمن بالله) إلخ: دل الجواب على أنه علم أنه سأله عن متعلقاته لا عن معنى

٤٤٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لفظه، وإلا لكان الجواب ((الإيمان التصديق)) وقال الكرماني: ((ليس هو تعريفاً للشيء بنفسه، بل
المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي، والإيمان بالله هو التصديق
بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص)).
قال الغزالي: ((وأولى ما يستضاء به من الأنوار ويسلك من طريق الاعتبار ما أرشد إليه
وَاَلْجِبَالَ أَوْتَادًا
القرآن، فليس بعد بيان الله سبحانه بيان، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا
وَبَنَيْنَا
وَجَعَلْنَا الَِّلَ لِبَاسًا (١٥) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا
وَجَعَلْنَا نَوْمَكُرْ سُبَانًا
وَخَلَقْتَكُمْ أَزْوَجًا
وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ تََّّابً (١٤) لِّمُخْرِجَ بِهِ، حَبًّا وَنَبَانًا
١٣
وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجَا
قَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا
١٥
﴾ [سورة النبأ، الآيتان: ٦ .١٦])) وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَجَنَّتٍ أَلْفَافًا
وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى ◌َّجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ الشَمَاءِ مِن ◌َّاءٍ فَأَحْيَا
بِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
﴾ [سورة البقرة، آية: ١٦٤] وقال تعالى: ﴿أَلَ تَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا
(GE)
لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (٦َ وَاللَّهُ أَنْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا (٢٧) ثُمَّ يُعِدُكُمْ فِيَهَا
١٥
ءَأَشُؤْ
١٨﴾ [سورة نوح، الآيات: من ١٥ -١٨] وقال تعالى: ﴿أَفَرََّيْتُم مَّا تُمْنُونَ
وَيُخْرُكُمْ إِخْرَاجًا
)﴾ إلى قوله: ﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾ [سورة الواقعة، الآيات: من ٥٨ .٧٣]، فليس يخفى
٥٩٦
تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ
على من معه أدنى مسكة من العقل إذا تأمل بأدنى فكرة مضمون هذه الآيات، وأدار نظره على
عجائب خلق الله في الأرض والسموات، وبدائع فطرة الحيوان والنبات: أن هذا الأمر العجيب
والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع يدبره وفاعل يحكمه، ويقدره، بل تكاد فطرة النفوس
تشهد بكونها مقهورةً تحت تسخيره، ومصرفةً بمقتضى تدبيره، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفِ اللَّهِ
شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة إبراهيم، آية: ١٠] ولهذا بعث الأنبياء صلوات الله عليهم لدعوة
الخلق إلى التوحيد، ليقولوا: لا إله إلا الله، وما أمروا أن يقولوا: لنا إله وللعالم إله، فإن ذلك
كان مجبولاً في فطرة عقولهم من مبدء نشئهم، وفي عنفوان شبابهم، ولذلك قال الله عز وجل:
﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة لقمان والزمر، الآيتان: ٢٥ و٣٨] وقال تعالى:
﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِدِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهَّ ذَلِكَ الَّذِينُ
اٌلْقَيِّمُ﴾ [سورة الروم، آية: ٣٠].
قال العلامة الشهيد الدهلوي قدس الله سره: ((وظني أن الحكم بثبوت الإرادة له تعالى،
بعد ملاحظة ما في العالم من النظام الفاضل، والتدبير الكامل، وارتباط العلويات بالسفليات،
والغيبيات بالشهاديات، وأنواع التقاليب وأنحاء التصاريف على تناسب لا يتصور أحسن منه، من
الضروريات العادية لا يتأتى إنكاره من عاقل، وما هو إلا كمن لاحظ نقوش الكتابة المكتوبة
على غاية حسن وبهاء، المطابقة لقوانين تلك الصناعة غاية مطابقة، ثم جوّز أنها صدرت من