Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ مقدمة المؤلف ٨٦ - (٠٠٠) وحدّثني الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ مُتَّهَماً. ٨٧ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الطَّالقَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَرَّرٍ، لاَخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ. فَلَمَّا رَأَيْتُهُ، كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ. ٨٨ - (٠٠٠) وحدّثني الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا وَلِيدُ بْنُ صَالِح، قال: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ زَيْدٌ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ: لاَ تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي. ٨٩ - (٠٠٠) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ في التعديل عند من يوافق القائل في المذهب، وأسباب الجرح على المختار، فأما من لا يوافقه أو يجهل حاله، فلا يكفي في التعديل في حقه، لأنه قد يكون فيه سبب جرح لا يراه القائل جارحاً، ونحن نراه جارحاً، فإن أسباب الجرح تخفي، ومختلف فيها، وربما لو ذكر اسمه اطلعنا فيه على جارح)). وتقدم بسطه في المقدمة فليراجع. قوله: (عن شرحبيل بن سعد) إلخ: قال النووي: ((قد قدمنا أن شرحبيل اسم أعجمي لا ينصرف. وكان شرحبيل هذا من أئمة المغازي، قال سفيان بن عيينة: لم يكن أحد أعلم منه بالمغازي، فاحتاج، وكانوا يخافون - إذا جاء إلى الرجل يطلب منه شيئاً فلم يعطه - أن يقول: لم يشهد أبوك بدراً. قال غير سفيان: كان شرحبيل مولى الأنصار، مدني، كنيته أبو سعد. قال محمد بن سعد: كان شيخاً قديماً روى عن زيد بن ثابت، وعامة أصحاب رسول الله وَّر، وبقي آخر الزمان حتى اختلط واحتاج حاجة شديدة، وليس يحتج به. وقال ابن عدي: له أحاديث، وليست بالكثيرة، وفي عامة ما يرويه نكارة، وذكره ابن حبان في الثقات، وخرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه في صحيحهما، وحكى مضر بن محمد عن ابن معين أنه وثقه)). قوله: (أن ألقى عبد الله بن محرر) إلخ: تقدم ذكره في أوائل الكتاب. قوله: (لاخترت أن ألقاه) إلخ: قال السنوسي: ((ومعنى هذا الكلام لو خيرت بين أن أدخل الجنة قبل أن ألقى عبد الله بن محرر وبين أن أتأخر حتى ألقاه لاخترت أن أتأخر حتى ألقاه، والله أعلم)). قوله: (لا تأخذوا عن أخي) إلخ: أخوه يحيى بن أبي أنيسة، وهو المذكور في الرواية الآتية، وقد تقدم ذكره في أوائل الكتاب فراجعه. قوله: (عبد السلام الوابصي) إلخ: منسوب إلى وابصة بن معبد الأسدي. ٣٨٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْوَابِصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ الرَّقِّيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ كَذَّاباً . ٩٠ - (٠٠٠) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَذَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ؛ قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ عِنْدَ أَيُّوبَ، فَقَالَ: إِنَّ فَرْقَدَاً لَيْسَ صَاحِبَ حَدِيثٍ . ٩١ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَظَّانَ، وذُكِرَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ اللَّيْئِيُّ، فَضَعَّفَهُ جِدًّا. فَقِيلَ لِيَحْيَى: أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَداً يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ . ٩٢ - (٠٠٠ ) حدّثني بِشْرُ بْنُ الْحَكَم، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَبْدَ الأَعْلَى، وَضَعَّفَ يَحْيَى بن مُوسَى بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدِيثُهُ رِيحٌ. قوله: (عبد الله بن جعفر الرقي) إلخ: بفتح الراء، قاضي رقة، وحران، وحلب، وقضى ببغداد . قوله: (ذُكر فرقد عند أيوب) إلخ: هو فرقد بن يعقوب السبخي - بفتح السين المهملة والموحدة وبالخاء المعجمة - منسوب إلى سبخة البصرة، أبو يعقوب التابعي العابد، لا يحتج بحديثه عند أهل الحديث، لكونه ليس صنعته، كما قدمناه في قوله: ((لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث)). وقال يحيى بن معين في رواية عنه: ثقة، وقال البخاري: في حديثه مناكير. وقال الساجي: وقد اختلف فيه، وليس بحجة في الأحكام والسنن. وقال ابن حبان: كانت فيه غفلة ورداءة حفظ، فكان يرفع المراسيل وهو لا يعلم، ويسند الموقوف من حيث لا يفهم، فبطل الاحتجاج به . قوله: (فضعفه جداً) إلخ: بكسر الجيم، وهو مصدر جد يجد جداً، ومعناه: تضعيفاً بليغاً . قال في الميزان: وضعفه يحيى بن معين، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك، وقال ابن عدي: هو مع ضعفه یکتب حديثه. قوله: (وضعف يحيى بن موسى بن دينار) إلخ: قال النووي: «هكذا وقع في الأصول كلها بإثبات لفظة ((ابن)) بين يحيى وموسى. وهو غلط بلا شك والصواب حذفها، هكذا قاله الحفاظ، منهم أبو علي الغساني وجماعة آخرون. والغلط فيه من رواة كتاب مسلم لا من مسلم. ويحيى هو ابن سعيد القطان المذكور أولاً، فضعف يحيى بن سعيد حكيمَ بنَ جبير، وعبدَ الأعلى. وموسى بن دينار وموسى بن الدهقان - بكسر الدال ـ وعيسى، وكل هؤلاء متفق على ضعفهم)). فأما حكيم: فأسدي كوفي متشيع. وأما موسى بن الدهقان - بكسر الدال ـ: فبصري. وأما ٣٨٣ مقدمة المؤلف وَضَعَّفَ مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ، وَعِيسَى بْنَ أَبِي عِيسَى الْمَدَنِيَّ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ فاكْتُبْ عِلْمَهُ كُلَّهُ إِلَّ حَدِيثَ ثَلاَثَةٍ، لاَ تَكْتُبْ حَديثَ عُبِيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ. وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ. وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِم. قَالَ مُسْلِمٌ: وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلاَم أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مُتَّهَمِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ مَعَايِهِمْ كَثِيرٌ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ، عَلَى اسْتَقْصَائِهِ. وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ لِمَنْ تَفَهَّمَ وَعَقَلَ مَذْهَبَ الْقَوْمِ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذُلِكَ وَبَيَّنُوا . وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَابِبٍ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْحَظُ (١). إِذِ الأَخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ، عيسى بن أبي عيسى: فهو كوفي، يقال له: الخياط، والحناط، والخباط. قال يحيى بن معين: كان خياطاً. ثم ترك ذلك. وصار حناطاً، ثم ترك ذلك، وصار يبيع الخبط)). قوله: (إلا حديث ثلاثة) إلخ: يعني أكتب حديثه كلها سوى الأحاديث التي يرويها جرير عن هؤلاء الثلاثة، فإنهم مشهورون بالضعف والترك، فعبيدة بضم العين، روي فيها الفتح، ومعتب بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر المثناة فوق مع التشديد، بعدها موحدة، وعبيدة هذا ضبي كوفي. وأما السري فهمدائي - بإسكان الميم - كوفي، وأما محمد بن سالم فهمداني كوفي أيضاً، فاستوى الثلاثة في كونهم كوفيين متروكين. والله أعلم. قوله: (عبيدة بن معتب) إلخ: قال ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه. قلت(٢): ((لم يذكره البخاري إلا في موضع واحد في الأضاحي، قال عقب حديث مطرف عن الشعبي عن البراء بن عازب: ((تابعه عبيدة عن الشعبي)). وقال الساجي: صدوق سيء الحفظ، يضعف عندهم، نهى عنه ابن المبارك)). كذا في التهذيب(٣). قوله: (لما فيه عظيم الحظ) إلخ: فالنصح في الدين لله ولرسوله ولكتابه وللمؤمنين حق واجب، يثاب متعاطيه إذا قصد به ذلك، سواء كانت النصيحة خاصة أو عامة. قال الإمام أحمد لأبي تراب النخشبي حين عذله في ذلك - بقوله: لا تغتب الناس - ويحك! هذه نصيحة، وليست غيبة. وقال أبو بكر بن خلاد ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماؤك عند الله؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله وَّل، يقول: لِمَ لم تذب الكذب عن حديثي؟ . (١) القائل الحافظ ابن حجر رحمه الله. (٢) تهذيب التهذيب: (٨٧/٧). (٣) وفي نسخة: الخطرِ من المؤلف. ٠ ٣٨٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَوْ تَحْرِيم، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْي، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدٍِ لِلصَّدْقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ، مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ، كَانَ آئِماً بِفِعْلِهِ ذُلِكَ، غَاشَّا لِعَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ. إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضٍ مَنْ سَمِعَ قال السخاوي: ((وأوجب الله الكشف والتبين عند خبر الفاسق بقوله: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا﴾ [سورة: الحجرات، آية: ٦]. وقال النبيّ ◌َيّة فى الجرح: ((بئس أخو العشيرة)) وفي التعديل: ((إن عبد الله رجل صالح)) إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة في الطرفين. ولذا استثنوا هذا من الغيبة المحرمة، وأجمع المسلمون على جوازه، بل عد من الواجبات للحاجة إليه، وممن صرح بذلك: النووي، والعز بن عبد السلام، ولفظه في ((قواعده)): ((القدح في الرواة واجب لما فيه من إثبات الشرع، ولما على الناس في ترك ذلك من الضرر في التحريم والتحليل، وغيرهما من الأحكام، وكذلك كل خبر يجوز الشرع الاعتماد عليه والرجوع إليه، وجرح الشهود واجب عند الحكام عند المصلحة لحفظ الحقوق: من الدماء والأموال والأعراض والأبضاع والأنساب، وسائر الحقوق)). وتكلم في الرجال - كما قاله الذهبي - جماعة من الصحابة، ثم من التابعين: كالشعبي وابن سيرين، ولكنه في التابعين بقلة؛ لقلة الضعف في متبوعهم، إذا أكثرهم صحابة عدول، وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد، كالحارث الأعور، والمختار الكذاب، فلما مضى القرن الأول ودخل الثاني كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين ضعفوا غالباً من قبل تحملهم وضبطهم للحديث، فتراهم يرفعون الموقوف ويرسلون كثيراً، ولهم غلط كأبي هارون العبدي، فلما كان عند آخر عصر التابعين وهو حدود الخمسين ومائة تكلم في التوثيق والتضعيف طائفة من الأئمة (١) .. فعدلوا، وجرحوا، ووهنوا، وصححوا، ولم يحابوا أباً ولا ابناً ولا أخاً، حتى إن ابن المديني سئل عن أبيه، فقال: سلوا عنه غيري، فأعادوا، فأطرق، ثم رفع رأسه، فقال: هو الدين، إنه ضعيف. وكان وكيع بن الجراح - لكون والده كان على بيت المال - يقرن معه آخر إذا روى عنه. وقال أبو داود صاحب السنن: ابني عبد الله كذاب. ونحوه قول الذهبي في ولده أبي هريرة: إنه حفظ القرآن ثم تشاغل عنه حتى نسيه. وقال زيد بن أبي أنيسة - كما في مقدمة مسلم - لا تأخذوا عن أخي. يعني يحيى المذكور بالكذب. قوله: (غاشاً لعوام المسلمين) إلخ: قال العلامة الجزائري: ((وإنما قصر مسلم غشهم على (١) انتهى كلام السخاوي رحمه الله. انظر فتح المغيث شرح ألفية الحديث (٣١٨/٣) تحت عنوان: معرفة الثقات والضعفاء. ٣٨٥ مقدمة المؤلف تِلْكَ الأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ، لا أَصْلَ لَهَا. مَعَ أَنَّ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ، وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلَا مَقْنَعٍ . وَلا أَحْسِبُ كَثِيراً مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الضِّعَافِ وَالأَّسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا، مِنَ الثَّوَهُنِ وَالضَّعْفِ، إِلا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا، وَالاعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذْلِكَ عِنْدَ الْعَوَامِّ، وَلأَنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلاَنٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَلَّفَ مِنَ الْعَدَدِ. عوام المسلمين، مع أن كثيراً من خواصهم قد لحقهم من ذلك ما لحق عوامهم، لأن الخواص كان يمكنهم أن يقفوا على حقيقة الأمر، ولكنهم قصروا، فكأنه جعلهم هم الغاشين لأنفسهم، فإن كثيراً منهم كان إذا رأى حديثاً قد ذكره أحد أولئك الغاشين للأمة في دينها من غير بيان لحاله. فإن كان موافقاً لرأيه أو لرأي من يهوى أن ينتصر له - كيف ما كان الحال - بادر لنقله ونشره والاستشهاد به من غير بحث عنه، مع معرفته بأن في كثير مما يروي: الموضوع والضعيف الذي اشتد ضعفه، وإن كان مخالفاً لرأيه أو لرأي من يجب أن ينتصر له، فإن وجده غير قابل للتأويل على وجه يوافق ما يذهب إليه تركه، وكثيراً ما يخطر في باله أن مخالفه ربما وقف عليه واستند إليه، فيعد له حينئذٍ تأويلاً ربما كان هو أول الضاحكين على نفسه منه، وذلك استعداداً لهجوم الخصم قبل أن يهجم عليه، وإن وجده قابلاً للتأويل على وجه يوافق ما يهواه تساوي عنده الحالات، وسكتت نفسه، ومن نظر في الكتب المؤلفة في تخريج الأحاديث المذكورة في كثير من كتب الكلام أو الفقه أو الأصول أو التفسير رأى من كثرة الأحاديث الضعيفة الواهية التي يوردونها للاحتجاج: أمراً هائلاً، وقد حكم أهل البصيرة من العلماء الأعلام بأن هؤلاء الذين يوردونها للاستشهاد بها لا يعذرون إلا من لم يقصر منهم في البحث والاجتهاد، فإنه إذا أخطأ بعد ذلك لم يكن ملوماً، وقد تعرض كثير من العلماء الذين وقفوا على الضرر الذي نشأ من نشر الأحاديث الضعيفة في الأمة من غير إشارة إلى ضعفها لبيان ذلك، منهم: الحكم المحقق أبو الريحان البيروني في الكتاب الذي ألفه في تحقيق ما ينسب لأهل الهند من مقالة في مبحث صورة السماء والأرض، والحافظ أبو محمد بن حزم في كتاب ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) والإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتاب ((المنقذ من الضلال))، وغيرهم من جمهور المتكلمين على اختلاف فرقهم». ولخص الجزائري المهم من كلماتهم فليراجع . قوله: (وأهل القناعة) إلخ: أي: يقنع بحديثهم لكمال حفظهم وإتقانهم وعدالتهم. قوله: (ولا مقنع) إلخ: بفتح الميم والنون. ٣٨٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَمَنْ ذَهَبَ فِي الْعِلْمِ هذَا الْمَذْهَبَ، وَسَلَكَ هُذَا الطَّرِيقَ فَلاَ نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلاً، أَوْلَى مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ. (٦) - باب: صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المعنعنين ولم يكن فيهم مدلس وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ(١) مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا فِي تَصْحِيحِ الأَسَانِيدِ وَسَقِيمِهَا(٢) بِقَوْلٍ، لَوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ وَذِكْرٍ فَسَادِهِ صَفْحاً، لَكَّانَ رَأْياً مَتِيناً، وَمَذَهَباً صَحِيحاً. إِذِ الإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَحِ، أَحْرَى لِإِمَاتَتِهِ وَإِحْمَالِ ذِكْرٍ قَائِلِهِ، وَأَجْدَرُ أَنْ لا يَكُونَ ذُلِكَ تَنْبِيهاَ لِلْجُهَّالِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّا لَمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ (٦) - باب: صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المعنعنين ولم يكن فيهم مدلس قوله: (وقد تكلم بعض منتحلي الحديث) إلخ: أي: الذي ينسب فن الحديث إلى نفسه وليس هو من أهله. قال في القاموس: وانتحله وتنحله: ادعاه لنفسه وهو لغيره، يقال: انتحل فلان شعر فلان، أو قوله: ادعاه أنه قائله، وتنحله: ادعاه وهو لغيره. قال الأعشى: ف بعد المشيب كفى ذاك عارا فكيف أنا وانتحالي القوا قوله: (بقول لو ضربنا) إلخ: كذا في الأصول ((ضربنا)) وهو صحيح، وإن كانت لغة قليلة، قال الأزهري: يقال: ضربت عن الأمر وأضربت عنه، بمعنى كففت وأعرضت، والمشهور الذي قاله الأكثرون: أضربت، بالألف. قوله: (رأياً متيناً) إلخ: أي: قوياً . قوله: (وإخمال ذكر قائله) إلخ: أي: إسقاطه، والخامل: الساقط، وهو بالخاء المعجمة. قوله: (تنبيهاً للجهال عليه) إلخ: يعني إذا ذكر هذا القول المطروح، ولو للرد عليه وإبطاله يتنبه له الجهال، ويخشى أن يتسارعوا إليه، فالإعراض والسكوت عنه كان أسلم وأحوط. (١) قوله: ((بعض منتحلي ... )) قال الشيخ الكنكوهي ما حاصله: أن مسلماً رحمه الله لم يسمع هذا القول الذي رده من الإمام البخاري رحمه الله، وإنما بلغه هذا القول ممن ليس له كثير اعتداد في أصحاب العلوم، وما أفاده الشيخ قدس سره هو الذي يليق بشأن المؤلف (أي الإمام مسلم) فإنه بعيد منه أن يرد على شيخه أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري على هذا الوجه بحيث يجترى على تجهيله وإخراجه عن زمرة أهل العلم فالقول بأنه أراد به الرد على الإمام البخاري بخصوصه (كما اشتهر على الألسنة) فهذا إساءة الظن بالمصنف. كذا في الحل المفهم ص ٢٠ (رف). (٢) في نسخة: تسقيها. من المؤلف. ٣٨٧ مقدمة المؤلف بِمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، وَإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطٍَ الْمُخْطِئِينَ، وَالأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، رَأَيْنَا الْكَشْفَ عَنْ فَسَادٍ قَوْلِهِ، وَرَدَّ مَقَالَتِهِ بِقَدْرٍ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِ، أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ، وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَزَعَمَ الْقَائِلُ الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلاَمَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالإِخْبَارِ عَنْ سُوءِ رَوِيَّتِهِ، أَنَّ كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ فِيهِ فُلاَنٌ عَنْ فُلاَنٍ، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوِي عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَشَافَهَهُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا نَعْلَمُ لَهُ مِنْهُ سَمَاعاً، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قٌَ، أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ، أَنَّ الْحُجَّةَ لا تَقُومُ عِنْدَهُ بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هُذَا الْمَجِيءَ (١)، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً فَصَاعِداً، أَوْ تَشَافَهَا بِالْحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا، وَتَلاَقِيهِمَا، مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذُلِكَ، وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ تُخْبِرُ أَنَّ هُذَا الرَّاوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئاً، لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ ذُلِكَ، وَالأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا(٢)، قوله: (أجدى على الأنام) إلخ: هو بالجيم، والأنام: بالنون، معناه أنفع للناس، هذا هو الصواب. قوله: (أن الحجة لا تقوم) إلخ: خبر لقوله: ((أن كل إسناد)) إلخ: والجملة مفعول ((زعم)). والحاصل أن المعنعن لا تقوم به الحجة إلا بتصريح اللقاء ولو مرة. قوله: (عن سوء رويته) إلخ: بفتح الراء وكسر الواو وتشديد الياء، أي: فكره. قوله: (لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك) إلخ: أي: ذلك الخبر، هكذا وقع في النسخة المصرية المشكّلة الجديدة ((عمن روى عنه ذلك)) ووقع في عامة النسخ المطبوعة الهندية والمصرية ((عمن روى عنه علم ذلك)) وحينئذٍ فلعل المراد بقوله: ((علم ذلك)): العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، بحيث يجوز سماع أحدهما من الآخر، كما ذكره في مفتح حكاية قول القائل، ولفظة ((روى)) إن كان معروفاً فضمير الفاعل يعود على ذلك القائل، وإن كان مجهولاً فمعناه حكى. أي: حكاه الحاكون. والله تعالى أعلم بالصواب (٣). (١) قوله: جاء هذا المجيء، أي جاء بذات الإسناد. (٢) قوله (والأمر كما وصفنا)) جملة حالية، وقوله: ((حجة)) اسم لقوله: ((لم يكن)) وخبره مقدم، وهو قوله: ((في نقله الخبر)» (رف). (٣) وقال السندي في حاشيته: ((قوله: ((علم ذلك)) بالنصب، مفعول ((روى)) وإضافة العلم إلى ((ذلك)) بيانية، أي روى عنه ذلك الخبر الذي هو العلم، وفي بعض النسخ سقط لفظ العلم وهو أوضح)). من المؤلف رحمه الله. ٣٨٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حُجَّةٌ. وَكَانَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَوْقُوفاً، حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فِي رِوَايَةٍ مِثْلِ مَا وَرَدَ. وَهُذَا الْقَوْلُ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فِي الطَّعْنِ فِي الأَسَانِيدِ، قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ مُسْتَحْدَثٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ، وَلا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الَّعِلْمَ عَلَيْهِ(١). وَذُلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ قَدِيماً وَحَدِيثاً، أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثاً، وَجَائِزٌ مُمْكِنَّ لَهُ لِقَاؤُهُ، وَالسَّمَاعُ مِنْهُ، لِكَوْنِهِمَا جَمِيعاً كَانَا (٢) فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطْ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا، وَلاَ تَشَافَهَا بِكَلاَمِ؛ فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَّةٌ، وَالْحُجَّةُ بِهَا لازِمَةٌ. إِلا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ (٣)، أَنَّ هُذَا الرَّاوِيَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئاً، فَأَمَّا وَالأَمْرُ مُبْهَمٌ عَلَى الإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا، فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَداً، حَتَّى تَكُونَ الدَّلالَةُ الَّتِي بَيَّنًا . قوله: (حجة) إلخ: أي: لم يكن حجة في نقله الخبر عمن هو كذا. وقوله: ((والأمر كما وصفنا)) جملة حالية، يعني حال كون الأمر بيناً من ثبوت المعاصرة دون اللقاء والسماع مع إمکانهما . قوله: (وكان الخبر عنده موقوفاً) إلخ: يعني يتوقف في قبوله. قوله: (وهذا القول يرحمك الله) إلخ: شروع في الرد، وإلى القول المردود ذهب البخاري وابن المديني، كما تقدم في بحث ((المعنعن)) من المقدمة(٣). (١) قوله: ((ولا مساعد)) إلخ: قال السندي في حاشيته: ((المضبوط في النسخ كسر العين وفتح الدال على أن ((لا)) نافية للجنس، وجملة النفي معطوف على صفات القول، والأقرب عندي فتح العين، وجر ((مساعد)) على أنه معطوف على ((مسبوق)) و((لا)) زائدة لتأكيد النفي الذي يدل على كلمة ((غير)) كما في قوله تعالى ﴿المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فهو من عطف المفرد على المفرد)» من المؤلف رحمه الله. (٢) قوله: ((دلالة بينة)) كثبوت أنه لم يسافر من بلده أو نفيه سماعه منه. كذا في الحل المفهم (رف). (٣) قال الشيخ الكنكوهي: ثم المذاهب في قبول العنعنة ثلاثة: أحدها: ما ذكره المؤلف من قبول روايته ما لم يقم على خلافه حجة من عدم اللقاء بينهما. والثاني: قبول العنعنة إذا ثبت لقاؤهما مرة ولو من غير خطاب بينهما. والثالث: قبولها إذا ثبت أنهما تشافها بكلام، ولا يقبل حسب هذا المذهب الثالث بمجرد اللقاء، وإلى هذين المذهبين أشار المؤلف بقوله: ((التقيا قط أو تشافها)) كذا في الحل المفهم ص ٢٠ و٢١. وفي حاشيته: ((وفي تقرير المكي: اعلم أن مسلماً يشترط إمكان اللقاء والبخاري يشترط فعلية اللقاء وأبو زرعة يشترط ثبوت السماع في حديث ما)). قال العبد الضعيف: فالذي يظهر من قول مسلم: ((حتى يرد عليه سماعه)) أنه إنما أراد به الرد على مذهب أبي زرعة لا على مذهب البخاري؛ فإن البخاري رحمه الله لم يشترط ثبوت السماع في حديث ما وإنما اشترطه أبو زرعة. فافهم (رف). ٨ ٣٨٩ مقدمة المؤلف فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هِذَا الْقَوْلِ الَّذِيِ وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ، أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ: قَدْ أَعْطَيْتَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِكَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثَّقَةِ، عَنِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ، حُجَّةٌ يَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ. ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ، فَقُلْتَ: حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةً فَصَاعِداً، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئاً. فَهَلْ تَجِدُ هُذَا الشَّرْطَ الَّذِي اشْتَرَظْتَهُ عَنْ أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ؟ وَإِلا فَهَلُمَّ دَلِيلاً عَلَى مَا زَعَمْتَ. فَإِنِ اذَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ مِنْ إِذْخَالِ الشَّرِيطَةِ فِي تَثْبِيتِ الْخَبَرِ، طُولِبَ بِهِ. وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلا غَيْرُهُ إِلَى إِيجَادِهِ سَبِيلاً. وَإِنْ هُوَ اذَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلاً يَحْتَجُ بِهِ قِيلَ لَّهُ: وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ؟ فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ لأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الأَخْبَارِ قَدِيماً وَحَدِيثاً يَرْوِي أَحَدُهُمْ عَنِ الآخَرِ الْحَدِيثَ وَلَمَّا يُعَايِنْهُ، وَلا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئاً قَظُ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هُكَذَا عَلَى الإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ احْتَجْتُ،ٌ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ، إِلَى الْبَحْثَ عَنْ سَمَاعِ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ. فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ لأَذْنَى شَيْءٍ، ثَبَتَ عَنْهُ عِنْدِيَ بِذْلِكَ جَمِيعُ مَّا يَرْوِي عَنْهُ بَعْدُ، فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذُلِكَ، أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ لِإِمْكَانِ الإِرْسَالِ فِیهِ. قوله: (أن خبر الواحد الثقة) إلخ: قال النووي: «هذا الذي قاله مسلم تنبيه على القاعدة العظيمة التي يبني عليها معظم أحكام الشرع، وهي: وجوب العمل بخبر الواحد، فينبغي الاهتمام بها. والاعتناء بتحقيقها، وقد أطنب العلماء رحمهم الله في الاحتجاج لها وإيضاحها، وأفردها جماعة من السلف بالتصنيف، واعتنى بها أئمة المحدثين، وأصول الفقه)) اهـ. وقد تقدم بسط الأدلة فيها في المقدمة، فليراجع. قوله: (فإن قال: قلته) إلخ: أي: قال ذلك القائل أو الذاب عنه: إني قلت هذا القول لأني وجدت ... إلخ. قوله: (والمرسل من الروايات في أصل قولنا) إلخ: هذا الذي قاله هو المعروف، من مذاهب المحدثين، وهو قول الشافعي وجماعة من الفقهاء، وذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء إلى جواز الاحتجاج بالمرسل، وقد تقدم بسطه كافياً شافياً في المقدمة، ولله الحمد . قوله: (احتجت) إلخ: أي: فلما رأيتهم يجيزون الرواية مرسلاً من غير سماع، ويقولون: (هذا عن فلان)): احتجت إلى البحث والكشف، هل هذا الخبر سماع أو إرسال؟. قوله: (فإذا أنا هجمت) إلخ: أي: وقعت. قوله: (فإن عزب عني) إلخ: بفتح الزاي، أي: ذهب وخفي. ٣٩٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ وَتَرْكِكَ الاحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ، لَزِمَكَ أَنْ لا تُثْبِتَ إِسْنَاداً مُعَنْعَناً حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ. وَذْلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَيْنَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، فَبِيَقِينِ نَعْلَمُ أَنَّ هِشَاماً قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَدَّ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ وَِّ. وَقَدْ يَجُوزُ، إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ، فِي رِوَايَةٍ يَرْوِيِهَا عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ، أَوْ أَخْبَرَنِي، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ، أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِيِهِ، لَمَّا أَحَبَّ(١) أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلاً، وَلاَ يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ. وَكَمَا يُمْكِنُ ذُلِكَ فِي هِشَامٍ عَنْ أَبِهِ، فَهُوَ أَيْضاً مُمْكِنٌ فِي أَبِيِهِ عَنْ عَائِشَةَ. وَكَذْلِكَ كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعاً كَثِيراً، فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَاناً(٢)، وَلاَ يُسَمِّيَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَاناً فَيُسَمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ وَيَتْرُكَ الإِرْسَالَ. قوله: (فيقال له) إلخ: جواب لدليل المستدل، وحاصله أن وجه التوقف عندك إنما هو كونه مظنة الإرسال، وهذا لا تندفع باللقاء مرة في خبر ما، بل تبقى في كل ما عنعن، فلعله لم يسمع هذا المعين من شيخه، وقلما يخلو إسناد من العنعنة. قوله: (لما أحب أن يرويها مرسلاً) إلخ: قال النووي: ((ضبطناه)) ((لما)) بفتح اللام وتشديد الميم، و((مرسلاً)) بفتح السين، ويجوز تخفيف ((لما)) وكسر السين في ((مرسلاً)). قلت: يعني مع كسر اللام في ((لما)) على أنها للتعليل. قوله: (وينشط) إلخ: بفتح الياء والشين، أي: يخف في أوقات. (١) قوله: ((لما أحب)) ظرف لقوله: ((لم يقل)). (رف). (٢) قد كان يختلج في قلبي أن هشاماً لما أرسل عن أبيه (أي ترك الواسطة بينه وبين أبيه) لزم أن يكون مدلساً لصدق تعريف التدليس عليه مع أن المحدثين لم يعدوه مدلساً، فذكرت هذا الإشكال أمام الأستاذ فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة فأجاب أن الراوي لوترك الواسطة مرة ثم ذكرها وأظهر تلك الواسطة لم يبق مدلساً فكذا هشام. (رف). ٣٩١ مقدمة المؤلف وَمَا قُلْنَا مِنْ هُذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَفِيضٌ، مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَدَداً يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَی. فَمِنْ ذُلِكَ، أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ وَابْنَ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعاً وَابْنَ نُمَيْرٍ وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ قَالَتْ: ((كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ لِحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ بِأَظْيَبِ مَا أَجِدُ». فَرَوَى هذِهِ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَدَاوُدُ الْعَطَّارُ وَحُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّر . وَرَوَى هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ)). قوله: (وما قلنا من هذا موجود) إلخ: أي: ليس مجرد إمكان واحتمال عقلي، بل هو يوجد كثيراً في ذخيرة الحديث. قوله: (لحله ولجرمه) إلخ: قال النووي: ((يقال: حرمه، بضم الحاء وكسرها لغتان، ومعناه: لإحرامه، قال القاضي عياض: قيدناه عن شيوخنا بالوجهين، قال: وبالضم قيد الخطابي، والهروي، وخطأ الخطابي أصحاب الحديث في كسره، وقيده ثابت: بالكسر، وحكى عن المحدثين: الضم؛ وخطأهم فيه، وقال: صوابه الكسر، كما قال: لحله. وفي هذا الحديث استحباب التطيب عند الإحرام، وقد اختلف فيه السلف والخلف، ومذهب الشافعي كثّفُ وكثيرين: استحبابه، ومذهب مالك في آخرين: كراهته. وسيأتي بسط المسألة في كتاب الحج إن شاء الله تعالى)). قاله النووي. قوله: (أخبرني عثمان بن عروة عن عروة) إلخ: يعني ذكروا واسطة، وهو عثمان بين هشام وأبيه عروة، فثبت أن الرواية الماضية كانت مرسلة (١) قوله: (فأرجله وأنا حائض) إلخ: فيه أن أعضاء الحائض طاهرة، وهذا مجمع عليه، ولا (١) قوله ((كانت مرسلة)): أقول: يرد على الشيخين أن هشاماً صار مدلساً بهذا الصنيع فكيف يقبلان عنعنته مع أنهما اتفقا على ترك العنعنة إذا كانت من المدليس، تأمل. ويرد على الإمام مسلم أن هذا تدليس ليس بإرسال واتفقا على ترك المعنعن إذا كان من المدلس، فخرجت هذه الرواية من محل النزاع فكيف يحتج بها على البخاري. تأمل (رف). ٣٩٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَرَوَاهَا بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ أَلُ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ)). فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي هُذَا الْخَبَرِ فِي الْقُبْلَةِ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ ((أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ)). وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: ((أَظْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ لُحُومَ الْخَيْلِ وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرٍ)). يصح ما حكي عن أبي يوسف من نجاسة يدها. وفيه جواز ترجيل المعتكف شعره، ونظره إلى امرأته، ولمسها شيئاً منه بغير شهوة منه . قوله: (عن عروة عن عمرة (١) عن عائشة) إلخ: أي: أدخل عمرة بين عروة وعائشة. هكذا في الموطأ، وروى مسلم والترمذي من طريق مالك هكذا، ولكن قال الترمذي تخَّفُ: ((هذا وهم من مالك، والصواب ما رواه الليث عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة)) والله أعلم. قوله: (وصالح بن أبي حسان) إلخ: قال النووي: ((قال الترمذي تَّفُ عن البخاري: صالح بن أبي حسان ثقة. وكذا وثقه غيره)). قال(٢): وإنما ذكرت هذا لأنه ربما اشتبه بصالح بن حسان أبي الحارث البصري المدني، ويقال: الأنصاري، هو في طبقة صالح بن أبي حسان هذا، فإنهما يرويان جميعاً عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويروي عنهما جميعاً ابن أبي ذئب، ولكن صالح بن حسان متفق على ضعفه، وأقوالهم في ضعفه مشهورة، وقال الخطيب البغدادي: أجمع نقاد الحديث على ترك الاحتجاج بصالح بن حسان هذا؛ لسوء حفظه وقلة ضبطه. والله تعالى أعلم. قوله: (فقال يحيى بن أبي كثير) إلخ: أي: أثبت واسطتين بين أبي سلمة وعائشة، وهذه الرواية اجتمع فيها أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، أولهم يحيى بن أبي كثير، وهو من أغرب لطائف الإسناد. وفيه لطيفة أخرى: وهو أنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن أبا (١) قوله: ((عن عمرة)) الكلام فيه كالكلام فيما سبق منا في الحاشية آنفاً إلا أن ههنا يلزم عروة ما لزم فيما سبق هشاماً. (رف). (٢) القائل النووي رحمه الله تعالى. ٣٩٣ مقدمة المؤلف فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ. وَهِذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ، يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا ◌ِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ. فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِينِهِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئاً، إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ، لَزِمَهُ تَرْكُ الاحْتِجَاجِ فِي قِيَادٍ قَوْلِهِ بِرِوَايَةٍ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرًّ السَّمَاعِ. لِمَا بَيَّّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلُوا الأَخْبَارَ، أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالاً، وَلاَ يَذَّكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيْئَةٍ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا، وَبِالصُّعُودِ فِيْهِ إِنْ صَعِدُوا، كَمَا شَرَحْنَا ذُلِكَ عَنْهُمْ. وَمَا عَلِمْنَا أَحَداً مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الأَسَانِيدِ سلمة من كبار التابعين. وعمر بن عبد العزيز وظيفته من أصاغرهم سناً وطبقة، وإن كان من كبارهم علماً، وقدراً، وديناً، وورعاً، وزهداً، وغير ذلك. قوله: (عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر) إلخ: يعني أدخل محمد بن علي بين عمرو(١) وجابر. قوله: (كثير يكثر تعداده) إلخ: فقد ثبت في كل من هذه الروايات: أن المعنعن أرسلها مع ثبوت السماع من شيخه في غير هذه الرواية، فالشريطة ملغاة، لا تجدي شيئاً، والصواب: أن الإمكان الذي وصفنا لك كاف، إلا أن يظهر كون الراوي معروفاً بالتدليس(٢) ومشهوراً به. قوله: (إمكان الإرسال فيه) إلخ: منصوب على أنه خبر ((كانت العلة)) وفي بعض النسخ: (لمكان الإرسال فيه)) أي: لما فيه متسع بأن يرسله، وهذا خبر لقوله: ((فإذا كانت العلة)). وحاصله فإذا كانت العلة عند من لم يعلم سماع الراوي من شيخه مرة: ثابتة لمكان الإرسال، لزمه ترك كل خبر ليس في روايته تصريح السماع، لما ذكرنا من كثرة روايات أرسلها الثقات من شيوخهم، مع ثبوت سماعهم منهم في غيرها، فليس لهذا الزاعم أن يحتج بشيء من الرواية إلا بما فيه تصريح السماع. قوله: (في قياد قوله) إلخ: بقاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت، أي: مقتضاه، وما يقوده إليه . قوله: (بالنزول فيه إن نزلوا) إلخ: النزول عبارة عن الإرسال، والصعود عن الإسناد. (١) قوله: ((عمرو)) أقول: يلزم بهذا كون عمرو مدلساً كما سبق. (رف). (٢) انظر ما سبق منا في الحاشية آنفاً. (رف). ٣٩٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَسَقَمَهَا، مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ وَابْنِ عَوْنٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَتَّشُوا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِي الأَسَانِيدِ، كَمَا اذَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ. وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ، إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَيَتَفَقَّدُونَ ذُلِكَ مِنْهُ، كَيْ تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَُّ التَّدْلِيسِ. فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ، فَمَا سَمِعْنَا ذُلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا، وَلَمْ نُسَمِّ، مِنَ الأَئِمَّةِ. فَمِنْ ذُلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ ◌َ، قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثاً يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ بَّهُ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا. وَلا حَفِظْنَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَةَ حُذَيْفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَظُ، وَلا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا . وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى، وَلا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا، أَنَّهُ طَعَنَ فِي هُذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ، اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَّزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ، بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا وَمَا أَشْبَهَهُمَا، عِنْدَ مَنْ لاَقَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ وَقَوِيُّهَا، يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا، وَالاحْتِجَاجَ بِمَا أَتَّتَْ مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ . قوله: (إذا كان عرف بالتدليس) إلخ: تقدم بيان التدليس وأقسامه في المقدمة، فلا حاجة إلى إعادته . قوله: (كي تنزاح عنهم) إلخ: أي: تزول. قوله: (فما ابتغي) إلخ: قال النووي: ((في أكثر الأصول بضم التاء وكسر الغين على البناء للمفعول، وفي بعضها: ابتغى، بفتح التاء والغين، وفي بعض الأصول المحققة ((فمن ابتغى)) ولكل واحد وجه)). قوله: (وعن كل واحد منهما) إلخ: كذا في الأصول، ((وعن)) بالواو، والوجه حذفها، فإنها تغير المعنى. قوله: (حديثاً يسنده) إلخ: أما حديثه عن أبي مسعود: فهو حديث نفقة الرجل على أهله، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما، وأما حديثه عن حذيفة: فقوله: ((أخبرني النبيّ وَلـ بما هو كائن ... )) الحديث، أخرجه مسلم. ٣٩٥ مقدمة المؤلف وَهِيَ فِي زَعْمِ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ، مِنْ قَبْلُ، وَاهِيَةٌ مُهْمَلَةٌ، حَتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوِي عَمَّنْ رَوَى. وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ يَهِنُ بِزَعْمٍ هُذَا الْقَائِلِ، وَنُحْصِيهَا لَعَجَزْنَا عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا كُلُّهَا . وَلَكِنَّا أَحْبَيْنَا أَنْ نَنْصِبَ مِنْهَا عَدَداً يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا . وَهُذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَأَبُو رَافِعِ الصَّائِغُ، وَهُمَا مِنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَصَحِبًا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مِنَ الْبَدْرِيِينَ هَلُمُّ جَرًّا، وَنَقَلاَ عَنْهُمُ الأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلاَ إِلَى مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيهِمَا(١)، قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنٍ قوله: (واهية مهملة) إلخ: قال النووي كَُّهُ: ((ولو قال: ((ضعيفة)) بدل ((واهية)) لكان أحسن، فإن هذا القائل لا يدعي أنها واهية، شديدة الضعف، متناهية فيه، كما هو معنى ((واهية))، بل يقتصر على أنها ضعيفة لا تقوم بها الحجة)) اهـ. قوله: (ممن أدرك الجاهلية) إلخ: أي: كانا رجلين قبل بعثة رسول الله صلير، والجاهلية: ما قبل بعثة رسول الله وَلله، سموا بذلك لكثرة جهالاتهم. قوله: (هلم جراً) إلخ: منون، قال صاحب المطالع: ((قال ابن الأنباري: معنى هلم جراً: سيروا، وتمهلوا في سيركم، وتثبتوا، وهو من الجر، وهو ترك النعم في سيرها، ثم تستعمل فيما دُوْوِمَ عليها من الأعمال، وانتصب جراً على المصدر، أي: جروا جراً، أو على الحال، أو على التمييز)). وقال عياض: ليس هذا موضع ((هلم جراً)) لأنها إنما تستعمل فيما اتصل إلى زمن المتكلم، وإنما أراد مسلم كثّفُ: فمن بعدهم من الصحابة. كذا في الشرح. قوله: (وذويهما) إلخ: فيه إضافة ((ذي)) لغير الأجناس، وقد سمع ذلك في ألفاظ، كما في الحديث: ((وتصل ذا رحمك)) وكقولهم: ((ذو يزن)) و((ذو نواس)) وأشباهها. قوله: (قد أسند كل واحد منهما) إلخ: أما حديث أبي عثمان عن أبيّ: فقوله: ((كان رجل لا أعلم أحداً أبعد بيتاً من المسجد منه)) وفيه قول النبيّ ◌َلير ((أعطاك الله ما احتسبت)) خرجه مسلم. وأما حديث أبي رافع عنه: فهو: ((أن النبيّ وَّر كان يعتكف في العشر الأواخر، فسافر عاماً، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يوماً)) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم. (١) قوله ((وذويهما)) أي أصحابهما، وهو جمع ((ذو)) بمعنى صاحب، يقال: رجل ذو مال أي صاحب مال، فلا يكون إلا مضافاً (كذا في لسان العرب). أقول لعل المراد بـ((ذويهما)) (أي أصحابهما) من كان في منزلتهما وسنهما من الصحابة. (رف). ٣٩٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم النَّبِّ وَِّ حَدِيثاً، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايِنَا أُبيًّا أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئاً. وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرِو الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ◌َ رَجُلاً ، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ، عَنٍ النَّبِّ ◌ََّ، خَبَرَيْنِ. وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّوَّه عَنِ النَّبِيِّ وَّ حَدِيثاً. وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ◌ِ. وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمِ، وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ وَ لَهْ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - هوَ الأَنْصَارِيِّ -، عَنِ النَِّّ ◌َِّ، ثَلاَثَةً أُخْبَارِ . وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَصَحِبَ عَلِيًّا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ، حَدِيثاً . قوله: (في زمن النبيّ ◌َل﴿ رجلاً) إلخ: أي: لم يكن صبياً. قوله: (عبد الله بن سخبرة) إلخ: بسين مهملة مفتوحة، ثم خاء معجمة ساكنة، ثم موحدة من تحت مفتوحة . قوله: (خبرين) إلخ: أما الحديثان اللذان رواهما الشيباني، فأحدهما: ((جاء رجل إلى النبيّ وَّر فقال: إنه أبدع بي)) والآخر: ((جاء رجل إلى النبيّ وَل بناقة مخطومة، فقال: لك بها يوم القيامة سبعمائة)) أخرجهما مسلم. وأسند أبو عمرو الشيباني أيضاً عن أبي مسعود حديث: (المستشار مؤتمن)) رواه ابن ماجه، وعبد بن حميد في مسنده. وأما حديثا أبي معمر، فأحدهما: ((كان النبيّ وَّر يمسح مناكبنا في الصلاة)) أخرجه مسلم. والآخر: ((لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع)) رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم من أصحاب السنن، قال الترمذي: ((وهو حديث حسن صحيح)). قوله: (أسند عبيد بن عمير) إلخ: هو قولها: ((لما مات أبو سلمة قلت: غريب، وفي أرض غربة لأبكينه بكاء يتحدث عنه)) واسم أم سلمة هند بنت أبي أمية تزوجها النبيّ وَّ سنة ثلاث. قوله: (وأسند قيس بن أبي حازم) إلخ: هي حديث: ((إن الإيمان لههنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين))، وحديث: ((إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد))، وحديث ((لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان)) أخرجها كلها البخاري ومسلم في صحيحهما . قوله: (وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى) إلخ: هو قوله: ((أمر أبو طلحة أم سليم: اصنعي طعاماً للنبيّ وَّ)) أخرجه مسلم، وقد تقدم اسم أبي ليلى، وبيان الاختلاف فيه، وبيان ابنه، وابن ابنه . ٣٩٧ مقدمة المؤلف وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ِ، حَدِيثَيْنِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِّ ◌ِ، حَدِيثاً. وقَدْ سَمِعَ رِبْعِيٍّ مِنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَى عَنْهُ. وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، حَدِيثاً . وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، ثَلاثَةَ أَحَادِيثَ، عَنِ النَّبِّ ◌َلُ. وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيِيُّ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، حَدِيثاً . قوله: (وأسند ربعي بن حراش) إلخ: أما حديثاه عن عمران، فأحدهما: في إسلام حصين والد عمران، وفيه قوله: ((كان عبد المطلب خيراً لقومك منك))، والحديث الآخر: (لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله)) رواه النسائي في سننه. وأما حديثه عن أبي بكرة فهو: ((إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهو على جرف جهنم)) أخرجه مسلم تغذّفُهُ، وأشار إليه البخاري تكذّثُ . قوله: (وأسند نافع بن جبير) إلخ: هو حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره)) أخرجه مسلم. قوله: (وأسند النعمان بن أبي عياش) إلخ: أما الحديث الأول: ((فمن صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه من النار سبعين خريفاً))، والثاني: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها)) أخرجهما معاً البخاري ومسلم، والثالث: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة من صرف الله وجهه ... )) الحدیث، أخرجه مسلم . قوله: (وأسند عطاء بن يزيد الليثي) إلخ: هو حديث: ((الدين النصيحة)). وأما تميم الداري فكذا هو في مسلم، واختلف فيه رواة الموطأ، ففي رواية يحيى وابن بكير وغيرهما: الديري بالياء، وفي رواية القعنبي وابن القاسم وأكثرهم: الداري بالألف، واختلف في هذه النسبة، فقال الجمهور: نسب إلى جد من أجداده، وهو الدار بن هانىء، فإنه : تميم بن أوس بن خارجة بن سور - بضم السين - ابن جذيمة - بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة - ابن ذراع بن عدي بن الدار بن هانئء. وأما من قال: الديري، فهو نسبة إلى ((دير)) كان تميم فيه قبل الإسلام، وكان نصرانياً، كذا رواه أبو الحسين الرازي. ومنهم من قال: ((الداري)) بالألف منسوب إلى ((دارين)) وهو مكان عند البحرين، وهو محط السفن، كان يجلب إليه العطر من الهند، ولذا قيل للعطار داري، ومنهم من جعله بالياء نسبة إلى قبيلة. وكنية تميم: أبو رقية، أسلم سنة تسع، وكان بالمدينة، ثم انتقل إلى الشام، فنزل إلى بيت المقدس، وقد روى عنه النبيّ وَالر قصة الجساسة، وهذه منقبة شريفة لتميم، وتدخل في رواية الأكابر عن الأصاغر، والله أعلم. ٣٩٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَأَسْنَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنٍ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، حَدِيثاً. وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ ◌َِّ، أَحَادِيثَ. فَكُلُّ هُؤُلاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، لَمْ يُحْفَظُ عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا. وَلا أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِي نَفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ. وَهِيَ أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوِي الْمَعْرِفَةِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ، لا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيْئاً قَظُ، وَلَا الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. إِذِ السَّمَاعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ؛ لِكَوْنِهِمْ جَمِيعاً كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ. وَكَانَ هُذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ، بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ، أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ وَيُثَارَ ذِكْرُهُ. إِذْ كَانَ قَوْلاً مُحْدَثاً وَكَلاَماً خَلْفاً لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ، فَلاَ حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا، إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ التُّكْلانُ. قوله: (وأسند سليمان بن يسار) إلخ: هو حديث المحاقلة، أخرجه مسلم. قوله: (وأسند حميد بن عبد الرحمن) إلخ: من هذه الأحاديث: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) أخرجه مسلم منفرداً به عن البخاري، والحميري: بكسر الحاء وسكون الميم منسوب لحمير، قبيلة. قوله: (فكل هؤلاء التابعين الذين) إلخ: حاصله أنه لم يثبت لواحد من هؤلاء التابعين سماع مصرح في خبر ممن روى عنه من الصحابة المذكورين، مع أن أسانيدهم هذه من صحاح الأسانيد عند العلماء المحدثين. قوله: (أقل من أن يعرج عليه) إلخ: أي: قول من شرط السماع تصريحاً، كان أدنى وأضعف من أن يلتفت إليه، ويذكر مأثوراً، لأنه قول مبتدع. قوله: (كلاماً خلفاً) إلخ: بإسكان اللام، وهو الساقط الفاسد. قوله: (قدر المقالة) إلخ: أي: منزلة هذا القول وقائله، ما بيناه من تضعيفه، وتوهينه، وعدم ثباته، فلا حاجة إلى التطويل في رده. قوله: (وعليه التكلان) إلخ: بضم التاء وإسكان الكاف أي: الاتكال. ٠ ٣٩٩ مقدمة المؤلف خلاصة ما ذكر مسلم في هذا الباب مع ما له وما عليه قال النووي: ((حاصل الباب أن مسلماً كَثُ ادعى إجماع العلماء قديماً وحديثاً، على أن المعنعن - وهو الذي فيه فلان عن فلان - محمول على الاتصال والسماع، إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضاً. يعني: مع براءتهم من التدليس)). ونقل مسلم عن بعض أهل عصره أنه قال: لا تقوم الحجة بها، ولا يحمل على الاتصال حتى يثبت أنهما التقيا في عمرهما مرة، فأكثر، ولا يكفي إمكان تلاقيهما. قال مسلم: ((وهذا قول ساقط مخترع مستحدث لم يسبق قائله إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، فإن القول به بدعة باطلة)) وأطنب مسلم في الشناعة على قائله، واحتج مسلم بكلام؛ مختصره: أن ((المعنعن)) عند أهل العلم محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي، مع احتمال الإرسال، فكذا إذا أمكن التلاقي، وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف. والذي رده هو المختار الصحيح، الذي عليه أئمة هذا الفن: علي بن المديني والبخاري وغيرهما . وقد زاد جماعة من المتأخرين على هذا، فاشترط القابسي: أن يكون قد أدركه إدراكاً بيناً . وزاد أبو المظفر السمعاني الفقيه الشافعي، فاشترط طول الصحبة بينهما. وزاد أبو عمرو الداني المقرىء، فاشترط معرفته بالرواية عنه. ودليل هذا المذهب الذي ذهب إليه ابن المدينى والبخاري وموافقوهما: أن المعنعن عند ثبوت التلاقي إنما حمل على الاتصال، لأن الظاهر ممن ليس بمدلس أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع، ثم الاستقراء يدل عليه، فإن عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك إلا فيما سمعوه، إلا المدلس، ولهذا رددنا رواية المدلس، فإذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال، والباب مبني على غلبة الظن، فاكتفينا به، وليس هذا المعنى موجوداً فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت، فإنه لا يغلب على الظن الاتصال، فلا يجوز الحمل على الاتصال، ويصير كالمجهول، فإن روايته مردودة، لا للقطع بكذبه أو ضعفه، بل للشك في حاله والله أعلم)). انتهى كلامه. وقد تكلمنا في المقدمة على هذه المسألة المهمة، والاختلاف الشديد، بكلام مبسوط شاف، ولله الحمد. ولا بأس بإعادته هنا لشدة الاحتياج إليه وضعف همم الطالبين بالغاية، حتى إنهم يكسلون عن معاناة تصريف الأوراق والمراجعة إلى المقام الذي أحيل عليه، وهذا نص ما كتبنا في مبحث ((المعنعن)) من المقدمة: محاكمة بين البخاري ومسلم رحمهما الله في اشتراط السماع وعدمه الإسناد المعنعن هو قول الراوي: ((فلان عن فلان)) قيل: إنه مرسل، والصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث، والفقه، والأصول: أنه متصل بشرط أن لا يكون ٤٠٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٠٠٠ المعنعن - بالكسر - مدلساً، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً. وفي اشتراط ثبوت اللقاء، وطول الصحبة، ومعرفته بالرواية عنه: خلاف، منهم من لم يشترط شيئاً من ذلك، وهو مذهب مسلم بن الحجاج، وادعى الإجماع فيه. ومنهم من شرط اللقاء وحده. وهو قول البخاري وابن المديني وغيرهما، قيل: إلا أن البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، بل التزمه في ((جامعه)) وابن المديني يشترطه فيها . قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ((من حكم على المعنعن بالانقطاع مطلقاً شدد، ويليه من شرط طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة سهل، والوسط الذي ليس بعده إلا التعنت مذهب البخاري ومن وافقه، وما أورده مسلم عليهم من لزوم رد المعنعن دائماً لاحتمال عدم السماع: ليس بوارد؛ لأن المسألة معروضة في غير المدلس، ومن عنعن ما لم يسمعه فهو مدلس)) . قال العبد الضعيف عفا الله: لا شك في أن رواية الراوي عمن لم يعاصره إرسال جلي ظاهر، أما روايته عن المعاصر ما لم يسمع منه موهماً للسماع فتحتمل أموراً: اللقاء، وعدمه، وعلى تقدير اللقاء: سماعه منه غير هذا الحديث، أو عدم السماع مطلقاً، فبعضهم يسمي هذه الصور كلها تدليساً، كما مر في المقدمة، وبعضهم يسمي كلها إرسالاً خفياً، كما قال في التدريب ((ص: ٢٠١)): الإرسال الخفي ما عرف إرساله بعدم اللقاء لمن روى عنه مع المعاصرة، أو بعدم السماع مع ثبوت اللقاء، أو بعدم سماع ذلك الخبر بعينه مع سماع غيره، فالتدلیس حينئذٍ داخل في الإرسال الخفي. وفرق الحافظ ابن حجر بينهما، فخص اسم التدليس بقسم اللقاء وجعل قسم المعاصرة المحضة إرسالاً خفياً، وعندي أنه لا مشاحة في الاصطلاح والتسمية ما لم تتغير الأحكام والحقائق بتغيير الأسماء والاصطلاحات. والنظر الدقيق في هذه المسألة يقتضي تسمية ما لا يكون فيه إيهام إرسالاً. وما فيه إيهام تدليساً، فعلى هذا رواية الرجل عمن عاصره إن ظهر فيها انتفاء اللقاء أو السماع، أو سماع هذا الخبر بعينه. فهي أحق بأن تسمى إرسالاً، وإن لم يظهر فيه الانتفاء ولا الثبوت، بل الأمر فيها مبهم على إمكان التلاقي والسماع، فلا وجه لإخراجها من التدليس وإدخالها في الإرسال، مع كون الإيهام الذي هو مظنة ذم التدليس موجوداً فيها، وما أمتن كلام الخطيب في الكفاية وأعمقه! ولعمري إنه فصل الخطاب في هذا البحث، حيث قال في بيان التدليس: ((هو تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه، بروايته إياه على وجه أنه سمعه منه، ويعدل عن البيان لذلك. قال: ولو بين أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلسه عنه، وكشف ذلك: لصار ببيانه مرسلاً للحديث. غير مدلس فيه، لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعاً ممن لم يسمع منه، وملاقياً لمن لم يلقه، إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن الإرسال لا محالة، الإمساك المدلس عن ذكر