Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ مقدمة المؤلف ٥١]، فقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ دليل على أن النبي مرسل، ولا يسمى رسولاً عند الإطلاق لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق كالعالم، ولهذا قال النبيّ وَّر: ((العلماء ورثة الأنبياء))، وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة، فإن يوسف كان رسولاً وكان على ملَّة إبراهيم، وداؤد وسليمان كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة. قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِلْبَيِّنَتِ ◌َا زِلْتُمْ فِ شَكٍّ ◌ِّمَا جَآءَكُمْ بِّ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً﴾ [سورة غافر، آية: ٣٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوُبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٢٤) ﴾ [سورة وَرُسُلَا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَْ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا النساء، آية: ١٦٣ و١٦٤]. والإرسال اسم عام يتناول إرسال الملائكة وإرسال الرياح وإرسال الشياطين وإرسال النار، قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن ثَارٍ وَتُحَاسٌ﴾ [سورة الرحمن، آية: ٣٥] وقال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًّا أُوْلِىٌّ أَجْنِحَةٍ﴾ [سورة فاطر، آية: ١] فهنا جعل الملائكة كلهم رسلاً، والملك في اللغة: هو حامل الألوكة، وهي الرسالة، وقد قال في موضع آخر: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج، آية: ٧٥] فهؤلاء الذين يرسلهم بالوحي، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الشورى، آية: ٥١] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ [سورة الأعراف، آية: ٥٧] وقال تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَزَّا﴾ [سورة مريم، آية: ٨٣]. لكن ((الرسول)) المضاف إلى الله إذا قيل: ((رسول الله)) فهم من يأتي برسالة من الله من الملائكة والبشر، كما قال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج، آية: ٧٥] وقالت الملائكة: ﴿يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ [سورة هود، آية: ٨١] وأما عموم الملائكة والرياح والجن فإن إرسالها لتفعل فعلاً لا لتبليغ رسالة، قال تعالى: ﴿أَذَّكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَكُمْ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيَّهِمْ رِيحًا وَحُنُودًّا لَّمْ تَرَوْهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٤﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٩] فرسل الله الذين يبلّغون عن الله أمره ونهيه هي رسل الله عند الإطلاق، وأما من أرسله الله ليفعل فعلاً بمشيئة الله وقدرته فهذا عام يتناول كل الخلق، كما أنهم كلهم يفعلون بمشيئته وإذنه المتضمن لمشيئته، لكن أهل الإيمان يفعلون بأمره ما يحبه ويرضاه ويعبدونه وحده ویطیعون رسله، والشياطين يفعلون بأهوائهم وهم عاصون لأمره متبعون لما يسخطه وإن كانوا يفعلون بمشيئته وقدرته)) انتھی. وبهذا يظهر الفرق بين ((النبي)) و((الرسول)) و((المرسل)) بأسلوب بديع. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصّواب. ٣٠٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ، ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهَ، فِي سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ. وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِیبِ، تنبيه: قد قصر الإمام مسلم تَتُ الصلاة على النبيّ وَّ، ولم يذكر الآل والأصحاب، وهذا مخالف لعادة جمهور العلماء في مثل هذا المقام، فكان الأليق أن يقرن بينه وبين آله وصحبه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإن لهم من الاختصاص بذاته الشريفة ما ليس لسائر الأمة، وقد وصل إلى الأمة بواسطتهم من الخيرات وأسباب البركات، ولا سيما من تبليغ الأحكام الشرعية للمكلّفين: ما لم يصل مثله إليهم بواسطة غيرهم من اللاحقين. قوله: (بتوفيق خالقك) إلخ: يصح تعلقه بـ ((يرحمك)) قبله أو بـ ((ذكرت)) بعده، فعلى الأول: دعا له برحمة مخصوصة وهي المتعلقة بالتوفيق، وعلى الثاني: دعا بمطلق الرحمة وأخبره أن ذكره ما ذكر إنما كان بتوفيق الله تعالى(١). قوله: (هممت) إلخ : - بفتح الميم الأولى المخففة وسكون الثانية - أي: قصدت واعتنيت وتعلق همك بالفحص، والفحص: شدة الطلب والبحث عن الشيء، تفحصت وفحصت بمعنى. قوله: (جملة الأخبار) إلخ: جمع خبر، وتقدم تفسيره في ((المقدمة)) و((المأثورة)): المنقولة. قوله: (في سنن الدين وأحكامه) إلخ: من عطف العام على الخاص، إذ السنن من أحكام الدين، والمراد ((بالدين)) الإسلام، و((بالسنن)) المندوبات، وما لم يصل إلى حد الوجوب، و((الأحكام)) تشتمل سائر الأحكام الخمسة وما يتعلق بها من خطاب الوضع. كذا قال النووي والسنوسي، ويحتمل أن يكون المراد بـ ((سنن الدين)) طرائقه، فإن ((السنة)) في اللغة: الطريقة، ومن طرائقه الأحكام، فيكون من عطف الخاص على العام. والله أعلم. قوله: (وما كان منها في الثواب والعقاب) إلخ: أي وما كان من الأخبار المأثورة في بيان الثواب والعقاب، أي: في جنسهما أو مقدارهما . قوله: (والترغيب والترهيب) إلخ: الترغيب: الحض على الشيء بذكر ما يوجب الرغبة فيه والميل إليه من ثواب أو مصلحة دنيوية أو أخروية. والترهيب: التخويف من فعل الشيء بذكر عقوبته أو ما فيه من مفسدة دنيوية أو أخروية. فالترغيب والترهيب أعم من أحاديث الثواب والعقاب . (١) قال السندي رحمه الله: ((جعله متعلقاً بقوله: ((يرحمك الله)) غير مناسب لفظاً ومعنى، أما لفظاً: فلأن الظاهر حينئذ بتوفيقه، وأما معنى: فلأن إطلاق الرحمة أحسن وأبلغ من تقييدها)). من المؤلف رحمه الله تعالى. ٣٠٣ مقدمة المؤلف وَغَيْرِ ذُلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأَشْيَاءِ. بِالأَسَانِيدِ الَّتِي بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. قوله: (وغير ذلك من صنوف الأشياء) إلخ: والحاصل أن المطلوب تأليف كتاب جامع لأنواع الحديث وأصنافه من أحاديث ((السير)) و((الآداب)) و((التفسير)) و((العقائد)) و((الفتن)) و((الأحكام)) و((الأشراط)) و((المناقب))، فهذا مشير إلى كون ((صحيح مسلم)) من ((الجوامع)) كما سبق منا بيانه في أنواع المصنفات في الحديث من ((المقدمة)). قوله: (بالأسانيد التي بها نقلت) إلخ: الأسانيد جمع إسناد، والإسناد مصدر من قولك: أسندت الحديث إلى قائله، إذا رفعته إليه بذكر ناقله. وأما السند فهو في اللغة: ما استندت إليه من جدار وغيره، وهو في العرف: طريق متن الحديث. وسمي سنداً لاعتماد الحفّاظ في صحة الحدیث وضعفه علیه. مثال الحديث المسند قول يحيى - أحد رواة الموطأ -: أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَّير قال: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)) فمتن الحديث فيه هو: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)). والمتن في أصل اللغة: الظهر، وما صلب من الأرض وارتفع، ثم استعمل في العرف فيما ينتهي إليه السند، والإضافة فيه للبيان، وسند الحديث هو ما ذكر قبل المتن، ويقال له: ((الطريق)) لأنه يوصل إلى المقصود هنا - وهو الحديث - كما يوصل الطريق المحسوس إلى ما يقصده السالك فيه، وقد يقال للطريق: الوجه، تقول: هذا حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه. وأما الإسناد فقد عرفت أنه مصدر ((أسند)) ولذلك لا يثنى ولا يجمع، وكثيراً ما يراد به السند فيثنى ويجمع، تقول: هذا حديث له إسنادان، وهذا حديث له أسانيد. وأما السند فيثنى ولا يجمع، تقول: هذا حديث له سندان، ولا يقال: هذا حديث له أسناد بوزن أوتاد، وكأنهم استغنوا بجمع (الإسناد)» بمعنى ((السند)) عن جمعه. وقد ذكر بعض اللغويين أن السند بمعانيه اللغوية لم يجمع أيضاً . وأما المسند - بكسر النون - فهو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد رواية. كذا في ((التدريب)). وأما المسند - بالفتح - [فقد] اختلف في معناه على ثلاثة أقوال: فقيل: هو الذي اتصل إسناده من مبدئه إلى منتهاه، سواء وصل إلى النبيّ وَّ أو لا. ذكره أبو بكر الخطيب الحافظ عن أهل الحديث، قال: وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن رسول الله وَل ليه دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم. وذكر أبو عمر بن عبد البر أن ((المسند)) ما رفع إلى النبيّ وَلير خاصة، وقد يكون متصلاً وقد يكون منقطعاً . ٣٠٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَأَرَدْتَ، أَرْشَدَكَ اللَّهُ، أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةٌ مُحْصَاةً. وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ فِي التَّأْلِيفِ بِلاَ تَكْرَارٍ يَكْثُرُ. فَإِنَّ ذُلِكَ، زَعَمْتَ، وحكى أبو عمر عن قوم: أن ((المسند)) لا يقع إلا على ما اتصل مرفوعاً إلى النبيّ وَل. قال ابن الصلاح: وبهذا القول قطع الحاكم الحافظ. ومما يتعلق بمعرفة المسند معرفة المتصل والمرفوع والموقوف والمقطوع، وقد سبق بيانها في ((المقدمة)). قال السنوسي تثاثهُ: ((وأشار مسلم تغذّهُ بجمع الأسانيد إلى تنوعها واختلافها بحسب اختلاف وجوه السماع من الرواة، فمرة يقتضي السماع أن يقال في الأسانيد: ((حدثني))، ومرة يقتضي أن يقال: ((حدثنا))، ومرة يقتضي ((أخبرني)) ومرة يقتضي ((أخبرنا))، ونحو ذلك مما سيأتي - إن شاء الله تعالى - بيانه، ولما كان الفرق في ذلك بحسب اصطلاح أهل العلم من المحدثين أشار إلى ذلك بقوله: ((وتداولها أهل العلم)) وكما تختلف الأسانيد بهذا المعنى تختلف أيضاً باختلاف الرواة، وكل ذلك في الحديث الواحد والأحاديث، فجمع الأسانيد بحسب ذلك كله. وقوله: ((التي بها نقلت))) راجع إلى تلك الاختلافات كلها. وقوله: ((وتداولها أهل العلم فيما بينهم)) راجع إلى الاختلافات التي يقتضيها الاصطلاح. قوله: (أن توقف) إلخ: قال النووي: ((ضبطناه بفتح الواو وتشديد القاف، ولو قرىء بتسكين الواو وتخفيف القاف لكان صحيحاً)). قوله: (مؤلفة) إلخ: أي: مجموعة على وجه لا يدخل فيه ما ليس بحديث، كاستنباط فقه أو نقل آراء العلماء أو عاضد من كتاب أو أثر، كما فعل البخاري تَّفُ. كذا قال السنوسي في ((شرح مسلم). قال الجزائري كثّفُ: والتأليف أعم من التخريج والتصنيف والانتقاء، إذ التأليف: مطلق الضم. والتخريج: إخراج المحدث الأحاديث من الكتب وسوقها بروايته أو رواية بعض شيوخه أو نحو ذلك، والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين، وقد يطلق على مجرد الإخراج والعزو. والتصنيف: جعل كل صنف على حدة، وقد يطلق على مجرد الضم. والانتقاء: إخراج ما يحتاج إليه من الكتب. قوله: (محصاة) إلخ: أي: معدودة مضبوطة، وقال النووي كثّثه: أي: مجتمعة كلها . قوله: (بلا تكرار يكثر) إلخ: أي: وقوع التكرار لضرورة نادراً ليس بمنفي. قوله: (فإن ذلك زعمت) إلخ: أي: اعتقدت أو قلت من غير تقييد بأن هذا القول غير مرضي، ومنه قول ضمام بن ثعلبة ربه للنبيّ وَطلقة: ((زعم رسولك)) أي: قال، وقد أكثر سيبويه في (الكتاب)) من قوله: ((زعم الخليل كذا)) في أشياء يرتضيها . ٣٠٥ مقدمة المؤلف مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ، مِنَ التَّفَهُّم فِيهَا، وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا. وَلِلَّذِي سَأَلْتَ، أَكْرَمَكَ اللَّهُ، حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَؤُولُ بِهِ الْحَالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ. وَظَنَنْتُ، حِينَ سَأَلْتَنِي تَجَشُّمَ ذُلِكَ، أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ، وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ، كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذُلِكَ إِيَّايَ خَاصَّةً، قوله: (مما يشغلك) إلخ: هو بفتح الياء والغين، مضارع ((شغل)) الثلاثي، وهي اللغة الفصيحة الشهيرة، وعليها قوله تعالى: ﴿شَغَلَتْنَآَ أَمْوَلْنَا﴾ [سورة الفتح، آية: ١١] وفيها لغة رديئة حكاها الجوهري: ((أشغله يشغله)) فعلى هذه اللغة يصح أن يضبط قوله: ((يشغلك)) بضم الياء وكسر الغین. قوله: (عمّا له قصدت) إلخ: أي: يصرفك عما قصدت له. قوله: (من التفهم فيها) إلخ: بيان لما قصدت له. قوله: (وللذي سألت) إلخ: باللام الجارة، خبر عن قوله: ((عاقبة محمودة)). قوله: (إلى تدبّره) إلخ: التدبر التفكر في دبر الأمور وعواقبها. قوله: (وما تؤول به الحال) إلخ: الأَوْلُ: الرجوع إلى الأصل، والتأويل: هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه. فالمراد ((بما تؤول به الحال)) الغاية التي يرجع إليها الحال. قوله: (عاقبة محمودة) إلخ: أي: مآل حسن ونفع عاجل، فإن مثل هذا التأليف يخلّص طالب الحديث من عناء البحث والسؤال عن صحة الحديث وسقمه. قوله: (وظننت) إلخ: بصيغة المتكلم. قوله: (تجشم ذلك) إلخ: أي: تكلفه والتزام مشقته . قوله: (عزم لي عليه) إلخ: بضم العين، وظاهر أن الفاعل المسند إليه العزم في الأصل: هو الله تعالى، وتعقب بأنه لا يسند العزم إلى الله تعالى، إذ المتبادر من العزم حصول خاطر تصميم في الذهن لم يكن قبل. قلت: ولهذا فسروه بالجزم بعد التردّد، وهذا محال في حقه عز وجل. وأجيب بأن المراد: (لو سهل لي سبيل العزم وخلق فِيّ قدرة عليه)). قلت: فيكون مجازاً من باب التعبير بالمسبب عن السبب، فإن العزم ناشىء عن خلق الله تعالى ومسبب له. وقيل: هو عبارة عن الإرادة، فيكون المعنى: ((ولو أراد الله تعالى لي ذلك)). وقيل: معناه المراد ((لو ألزمت)) فإن العزيمة بمعنى اللزوم، ومنه قول أمّ عطية رؤيتها: ((نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا)) أي: لم نلزم الترك، وفي الحديث الآخر: ((يرغبنا في قيام رمضان من غير عزيمة)) أي: إلزام . قوله: (كان أول من يصيبه) إلخ: برفع أول على أنه اسم ((كان)) و ((إيَّاي)) خبره. ٣٠٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَبْلَ غَيْرِي مِنَ النَّاسِ. لأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ. يَطُولُ قوله: (قيل غيري من الناس) إلخ: قال ابن دقيق العيد: ولا خفاء بما في تبليغ العلم من الأجور، لا سيما وبرواية الحديث يدخل الراوي في دعوة النبيّ وَّر حيث قال: ((نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأدَّاها إلى من لم يسمعها)) انتهى. ولأنه كما يروى في حديث مرفوع عن أبي هريرة عند أحمد والطبراني والخطيب وغيرهم: ((مثل الذي يتعلم علماً ثم لا يحدث به كمثل من رزقه الله مالاً فكثره ولم ينفق منه))، وفي لفظ عن ابن عمر رفعه: ((علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه))، وقال مالك: ((بلغني أن العلماء يُسألون يوم القيامة - يعني عن تبليغهم - كما يُسأل الأنبياء)). ورُئِيَ يزيد بن هارون في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قيل: بأيّ شيء؟ قال: بهذا الحديث الذي نشرته في الناس. والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة، ولذا كان عروة يتألف الناس على حديثه. وكان المحب الصامت من المتأخرين الذين أخذنا أصحابهم(١) يطوف على أبناء المكاتب فيحدثهم، بل رحل جماعة من بلادهم إلى بلاد أخرى لذلك، منهم: أبو علي حنبل الرصافي، فإنه سافر من بغداد إلى الشام بقصد خدمة رسول الله وعليه ورواية أحاديثه في بلد لا تروى فيه، وحدث لمسند أحمد فاجتمع بمجلسه لهذه النية الصالحة من الخلائق ما لم يجتمع في مجلس قبله بدمشق، كما قاله الذهبي. وكذا كان محمد بن عبد الرحمن أبو جعفر البغدادي الصيرفي، وهو من الدين على نهاية، يسأل من يقصده عن مدينة بعد مدينة: هل بقي فيها من يحدث؟ فإذا علم خلوّ بلد عن محدث خرج إليها في السر لرغبته في بذل الحديث فحدثهم ورجع، حكاه الخطيب في ترجمته من ((تاريخه)). قال ابن دقيق العيد تغْلَهُ: ومن أحسن ما يقصد في هذا العلم شيئان: أحدهما: تعبد بكثرة الصلاة على النبيّ وَّر كلما تكرر ذكره، ويحتاج ذلك أن يكون مقصوداً عند اللفظ به ولا يخرج على وجه العادة، والثاني: قصد الانتفاع والنفع للغير، كما قال ابن المبارك: ((وقد استكثر كثرة الكتابة منه، لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها إلى الآن)). قال بعض المتأخرين: وإنما اقتصر على هذين لما قلّ الاحتياج إلى علم الحديث لتدوين الأحاديث في الكتب وانقطاع الاجتهاد غالباً، والأيدة (لعله والفائدة) العظمى حفظ الشريعة المطهرة على المكلّفين بها . ومن أعظم فوائده الآن شيئان: أحدهما: ضبط ألفاظ النبيّ و98َّ بتكرار سماعها، إذ لو ترك السماع لَبَعُد العهد بها وتطرق التحريف لها، كما جرى في بلاد العجم، فقد بلغنا أن بعض كبار ملوكهم أراد أن يقرأ عنده صحيح البخاري فلم يجد في مملكته من يحسن ذلك، فاجتمع علماء ذلك المصر على قراءته وصار يقع منهم من التحريف في الأسماء واللغات ما لا يحصى. (١) لعله: ((من أصحابهم)). من المؤلف رحمه الله. ٣٠٧ مقدمة المؤلف بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ. إِلاَّ أَنَّ جُمْلَةَ ذُلِكَ، أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هُذَا الشَّأْنِ وَإِثْقَانَهُ، أَيْسَرُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ. وَلاَ سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لاَ تَمَِّيزَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَوَامِّ. إِلَّ بِأَنْ يُوَقِّفَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ غَيْرُهُ. فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِي هُذَا كَمَا وَصَفْنَا، فَالْقَصْدُ مِنْهُ ثانيهما: حفظ السنة من أعدائها المدخلين فيها ما ليس منها، فقد اقتحم كثير من الناس أمراً عظيماً ونسبوا إلى النبيّ وَّ ما ينبو السَّمع عنه، فلولا أن الله حفظ الشريعة بنُقَّادِ الحديث لاضمحلَّ الدين وتهذَّمَت أركانه، ولولا بقايا من علماء الحديث لوقع من الكذب عليه والتحريف لكلامه ما الله به عالم. ويستحب أن يكون الرواية بعد العمل بالمروي، لقول الثوري: ((تعلموا هذا الحديث، فإذا علمتموه فتحفظوه، فإذا حفظتموه فاعملوا به، فإذا عملتم به فانشروه)) بل يروى في المعنى مما هو مرفوع ((مِن الصدقة أن يتعلم الرجل العلم فيعمل به ثم يعلّمه)). كذا في ((فتح المغيث)). قوله: (بذكرها الوصف) إلخ: أي: البيان. قوله: (إلا أن جملة ذلك) إلخ: أي: مجمل ذلك. قال السنوسي: ((هذا الكلام يدل على أن قوله قبله: ((يطول بذكرها الوصف)) معناه بذكرها على سبيل التفصيل، وإلا فهو قد تعرض لها هنا على سبيل الجملة، هذا إذا جعلت الإشارة في قوله: ((ذلك)) تعود على ((الأسباب)) بتأويل ((المذكور))، ويحتمل أن الإشارة راجعة إلى ((النفع)) من قوله: ((كان أول من يصيبه نفع ذلك)) ويكون لم يتعرض لأسباب وصول ذلك النفع له قبل غيره لا جملة ولا تفصيلا)). قوله: (ضبط القليل) إلخ: مرَّ معنى الضبط وما يتعلق به في ((المقدمة)). قوله: (من معالجة الكثير) إلخ: أي: حفظ القليل من الأحاديث إذا كان صحيحاً ضبطه أسهل وأنفع من ممارسة الكثير منه إذا كان مجموعاً من الرطب واليابس. قوله: (بأن يوقفه) إلخ: ((بفتح الواو وتشديد القاف المكسورة)) من التوقيف. قال الجزائري: ((اعلم أن أئمة الحديث لمَّا شرعوا في تدوينه دوّنوه على الهيئة التي وصل بها إليهم ولم يسقطوا مما وصل إليهم في الأكثر إلا ما يعلم أنه موضوع مختلق، فجمعوا ما رووا منه بالأسانيد التي رووه بها ثم بحثوا عن أحوال الرواة بحثاً شديداً حتى عرفوا من تقبل روايته ومن ترد، ومن يتوقف في قبول روايته، وأتبعوا ذلك بالبحث عن المروي وحال الرواية؛ إذ ليس كل ما يرويه من كان موسوماً بالعدالة والضبط يؤخذ به لما أنه قد يعرض له السهو أو النسيان أو الوهم، ولهم في معرفة ذلك طرق مذكورة في كتبهم وكتب علماء الأصول، وقد تم لهم بذلك ما أرادوا من معرفة درجة كل حديث وصل إليهم على قدر الوسع والإمكان، فصار لهم من الأجر الجزيل والذكر الجميل ما هو كفاء لما لقوه فى ذلك من فرط العناء)). قوله: (غيره) إلخ: وهم الأئمة النقاد والعلماء المميزون رحمهم الله. ٣٠٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ، أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ. وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ فِي الاسْتِكْثَارِ مِنْ هُذَا الشَّأْنِ، وَجَمْع الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ، لِخَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ، مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ التَّقُّظِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ. فَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، يَهْجِمُ (١) بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذُلِكَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِي الاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِهِ. فَأَمَّا عَوَامُ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِخِلاَفٍ مَعَانِي الْخَاصِّ، مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ قوله: (إلى الصحيح القليل) إلخ: تقدم بيان الصحيح والسقيم وأقسامهما وأحكامهما تفصيلاً في ((المقدمة)) فراجعها . قوله: (فذلك إن شاء الله) إلخ: الإشارة راجعة إلى ((من رزق بعض التيقظ)) أو (الخاصة من الناس)) بتأويل ((المذكور)) والضمير في ((أسبابه)) و((علله)) يعود على ((السقيم))، وقد سبق حقيقة المعل ومعنى العلة وبيان كون جمع طرق الحديث يستعان به على معرفة علله في ((المقدمة)»، فراجعها . قوله: (يهجم) إلخ: قال النووي كثّثُ: ((هو بفتح الياء وكسر الجيم، هكذا ضبطناه، وهكذا هو في نسخ بلادنا وأصولها، وذكر عياض تََّثُ أنه ((ينهجم)) بنون بعد الياء، ومعنى (يهجم)) يقع عليها وينال بُغْيَتَه منها. قال ابن دريد: ((انهجم الخباء)): إذا وقع)). قوله: (بما أوتي من ذلك) إلخ: الباء سببية، والإشارة راجعة إلى ((بعض التيقظ والمعرفة)) أو إلى نفس ((التيقظ والمعرفة))، وهو أظهر، و((من)) على الأول لبيان الجنس، وعلى الثاني للتبعيض. والله تعالى أعلم. قوله: (على الفائدة من الاستكثار) إلخ: وقد أشرنا إلى بعض الفوائد المهمة في بحث (المتابعات والشواهد)) في ((المقدمة))، فليراجع. قال السنوسي: ((وحاصل ما أشار إليه مسلم تغلفُ أن الصحيح القليل أعون على المقصود من الضبط والتفهم والدراية بخلاف الكثير فإنه يوجب تشتت البال والسآمة، لا سيما إن قصرت درجته، وبالجملة فليس العلم بكثرة الرواية، وكثيراً ما اشتغل بعض الناس. بمجرد التكاثر ففاته خير كثير حتى مات على أردأ جهل، والعياذ بالله)). قال النووي: ((وحاصل هذا الكلام الذي ذكره مسلم أن المراد من علم الحديث تحقيق معاني المتون وتحقيق علم الإسناد والعلل، والعلة عبارة عن معنى في الحديث خفي يقتضي ضعف الحديث مع أن ظاهره السلامة منها، وتكون العلة تارة في المتن وتارة في الإسناد، وليس المراد من هذا العلم مجرّد السماع ولا الإسماع ولا الكتابة، بل الاعتناء بتحقيقه، والبحث عن خفي معاني المتون والأسانيد، والفكر في ذلك، ودوام الاعتناء به، ومراجعة أهل العلم به، (١) وفي نسخة: ((ينهجم). ٣٠٩ مقدمة المؤلف وَالْمَعْرِفَةِ، فَلاَ مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الحديثِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ . ثُمَّ إِنَّا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مُبْتَدِئُونَ فِي تَخْرِيج مَا سَأَلْتَ (١) وَتَأُلِيفِهِ، عَلَى شَرِيطَةٍ سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَّكَ وَهُوَ إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةٍ مَا أُسْنِدَ مِنَّ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ. وَثَلاَثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ. عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعٌ لاَ يُسْتَغْنَى ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه، وتقييد ما حصل من نفائسه وغيرها، فيحفظها الطالب بقلبه ويقيدها بالكتابة، ثم يديم مطالعة ما كتبه ويتحرى التحقيق فيما يكتبه ويتثبت فيه، فإنه فيما بعد ذلك يصير معتمداً عليه ويذاكر بمحفوظاته من ذلك من يشتغل بهذا الفن، سواء كان مثله في المرتبة أو فوقه أو تحته، فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ ويتحرر ويتأكد ويتقرر، ويزداد بحسب كثرة المذاكرة، ومذاكرة حاذق في الفنى ساعة أنفع من المطالعة والحفظ ساعات، بل أياماً، وليكن في مذكراته متحرياً الإنصاف، قاصداً الاستفادة أو الإفادة غير مترفع على صاحبه بقلبه ولا بكلامه ولا بغير ذلك من حاله، مخاطباً له بالعبارة الجميلة الليّنة، فبهذا ينمو علمه، وتزكو محفوظاته، والله أعلم)). قوله: (وقد عجزوا عن) إلخ: هو بفتح الجيم في الماضي وكسرها في المستقبل، وهي اللغة الفصيحة، وفي القرآن: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ﴾ [سورة المائدة، آية: ٣١]. قوله: (على شريطة) إلخ: أي: على شرط، جمعها ((شرائط)) وجمع ((الشرط)) (شروط). قوله: (إنا نعمد) إلخ: بكسر الميم أي: نقصد. قوله: (إلى جملة ما أسند) إلخ: يعني جملة غالبة ظاهرة، وليس المراد جميع الأخبار المسندة؛ فقد علمنا أنه لم يذكر الجميع ولا النصف، وقد قال: ((ليس كل حديث صحيح وضعته هُهنا)) . تقسيم الإمام مسلم للأخبار: قوله: (على ثلاثة أقسام) إلخ: قال النووي كَّهُ: ((الأول: ما رواه الحفاظ المتقنون. الثاني: ما رواه المستورن المتوسطون في الحفظ والإتقان. الثالث: ما رواه الضعفاء المتروكون، وإنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه)). وقد قدمنا في بحث ((المضعف)) من ((المقدمة)) الخلاف في مراده بثلاثة أقسام، وهل ذكرها كلها أم لا؟ وذكرنا أيضاً هنالك الجواب عما عاب عائبون على مسلم كَثُ روايته في ((صحيحه)) عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا على شرط ((الصحيح)) فليراجع. قوله: (وثلاث طبقات) إلخ: الطبقة هم القوم المتشابهون من أهل العصر. (١) وفي نسخة: ((سألت عنه)). ٣١٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنَى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبٍ إِسْنَادٍ، لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ. لأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ، الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ، يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٌّ. فَلاَ بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ نُفَصَّلَ (١) ذُلِكَ الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ، وَلْكِنْ تَفْصِيلُهُ قوله: (أو إسناد يقع) إلخ: بالرفع معطوف على قوله ((موضع))، أي: التكرار تارة يكون للحديث بزيادة فيه وتارة يكون للإسناد، وإن اتحد الحديث. وقال بعض الفضلاء المحشين: إنه عطف على ((زيادة معنى)) أي: إنما يعيد الحديث لزيادة المعنى أو لعلة الإسناد، والله أعلم. قوله: (المحتاج إليه) إلخ: بالنصب، صفة للمعنى. قوله: (أو أن يفصل ذلك المعنى) إلخ: أي: الزائد المحتاج إليه، فـ ((أن يفصل)) معطوف على ((إعادة)) وحاصله: أن الحديث المشتمل على معنى زائد على ما ذكر لا بد من إعادته تاماً إن لم يكن للمعنى الزائد منه تعلق بما بقي تحقيقاً أو شكاً، أو ذكر ذلك المعنى الزائد منه وحده فإن أمكن قطعه وحده اختصاراً لعدم تعلقه بما بقي تحقيقاً. قوله: (على اختصاره) إلخ: الاختصار: هو إيجاز اللفظ مع استيفاء المعنى. وقيل: رد الكلام الكثير إلى قليل فيه معنى الكثير. قوله: (إذا أمكن) إلخ: أي: إذا وجد شرطه الذي ذكرناه في ((المقدمة)) على مذهب الجمهور من التفصيل . قال النووي: ((فهذه مسألة اختلف العلماء فيها - وهي رواية بعض الحديث - فمنهم من منعه مطلقاً بناءً على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم وإن جازت الرواية بالمعنى إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا، وجوزه جماعة مطلقاً، ونسبه القاضي عياض تَُّ إلى مسلم تَغْتُ). والصحيح الذي ذهب إليه الجماهير والمحققون من أصحاب الحديث والفقه والأصول: التفصيل، وجواز ذلك من العارف إذا ما تركه غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان ولا يختلف الدلالة بتركه، سواء جوزنا الرواية بالمعنى أم لا، وسواء رواه قبلُ تاماً أم لا، هذا إذا ارتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه تاماً ثم خاف إن رواه ثانياً ناقصاً أن يتهم بزيادة أوّلاً أو نسيان لغفلة وقلة ضبط ثانياً، فلا يجوز له النقصان ثانياً ولا ابتداءً إن كان قد تعين عليه أداؤه. وأما تقطيع المصنفين الحديث الواحد في الأبواب فهو بالجواز أولى، بل يبعد طرد الخلاف فيه، وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة من المحدثين وغيرهم من أصناف العلماء، وهذا معنى قول مسلم: ((أو أن نفصل ذلك المعنى)) إلى آخره)). - (١) وفي نسخة: ((يفصل)). ٣١١ مقدمة المؤلف رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ. فَإِعَادَتُهُ بِهَيْتَتِهِ، إِذَا ضَاقَ ذُلِكَ، أَسْلَمُ. فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ، عَنْ (١) غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلاَ نَتَوَلَّى فِعْلَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ، فَإِنَّا نَتَوََّّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَنْقَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَإِثْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِم اخْتِلاَفٌ شَدِيدٌ، وَلاَ تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، قوله: (ربما عسر) إلخ: معناه: ما ذكرنا أنه لا يفصل إلا ما ليس مرتبطاً بالباقي، وقد يعسر هذا في بعض الأحاديث فيكون كله مرتبطاً أو يشك في ارتباطه ففي هذه الحالة يتعين ذكره بتمامه وهيئته ليكون أسلم مخافة من الخطأ والزلل. والله أعلم. قوله: (فلا نتولى فعله) إلخ: أي: لا نختاره. قوله: (فإنا نتوخى) إلخ: معناه: نقصد، يقال: ((توخى)) و((تأخی)) و((تحرى)) و ((قصد)) : بمعنى واحد. قوله: (من العيوب) إلخ: أي: عيوب الرواية التي سيذكر المؤلف جملة منها في الأبواب الآتية. قوله: (من غيرها) إلخ: أي: أسلم بالنسبة إلى غير تلك الأخبار. قوله: (وأنقى) إلخ: بالنون والقاف، وهو معطوف على قوله: ((أسلم)) وهنا تم الكلام، ثم ابتدأ بيان كونها أسلم وأتقى، فقال: ((من أن يكون ناقلوها أهل استقامة)) إلى آخره. قوله: (من أن يكون) إلخ: الظاهر أن ((من)) هنا للتعليل، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ [سورة المائدة، آية: ٣٢] وعدل إلى المضارع في قوله: (يكون)) لقصد الاستمرار. والله أعلم. قوله: (وإتقان لما نقلوا) إلخ: أي: إحكام وضبط لمروياتهم. قوله: (اختلاف شديد وتخليط) إلخ: تصريح منه بما قاله الأئمة من أهل الحديث والفقه والأصول أن ضبط الراوي يعرف بأن تكون روايته غالباً كما روى الثقات، لا يخالفهم إلا نادراً، فإذا كانت مخالفته نادرة لم يخل ذلك بضبطه، بل يحتج به، لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه، وإن كثرت مخالفته اختل ضبطه ولم يحتج برواياته، وكذلك التخليط في روايته واضطرابها إن ندر لم يضر، وإن كثر ردت روايته. كذا قال النووي، وقد شرحناه في ((المقدمة)) انظر عنوان ((الضبط)). (١) وفي نسخة: ((من)). .. - ٣١٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَبَانَ ذُلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ. فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هُذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَاراً يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفْظِ وَالإِثْقَانِ، كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّم قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ السِّتْرِ وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِي الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ. كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قوله: (كما قد عثر فيه) إلخ: بضم العين وكسر المثلثة، أي: اطلع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا أُسْتَحَقََّ إِثْمًا﴾ [سورة المائدة، آية: ١٠٧]. قوله: (وبان ذلك) إلخ: أي: وضح وظهر ذلك الاختلاف والتخليط في روايتهم. قوله: (تقصينا) إلخ: بالقاف والصاد المهملة، أي: أتينا بها على الكمال. قوله: (أتبنعاها) إلخ: من الإتباع، وقد سبق في بحث ((المضعف)) من (المقدمة)) ذكر الاختلاف فيه: هل وفى بهذا الوعد أم اخترمته المنية دونه، والراجح الأول. قوله: (كالصنف المقدم) إلخ: أي: هؤلاء ليسوا في درجة أولئك في الحفظ والإتقان، وإن لم يدفعوا عن اسم العدالة والصدق. قوله: (فإن اسم الستر) إلخ: هو بفتح السين مصدر، قال النووي تَّفُ: ((ويوجد في أكثر الروايات والأصول مضبوطاً بكسر السين ويمكن تصحيحه بأن يكون الستر بمعنى المستور كالذبح بمعنى المذبوح)). والمراد بالستر هنا أنه ليس فيهم ما ينافي العدالة والمروءة فيما يبدو للناس. والله أعلم. قوله: (يشملهم) إلخ: بفتح الميم على اللغة الفصيحة، أي: يعمهم، ويجوز ضمها في لغة، وماضي الأول مكسور العين والثاني مفتوحها . أحوال بعض الرواة: قوله: (كعطاء بن السائب) إلخ: مثال للطبقة الثانية وهو عطاء بن السائب بن زيد الثقفي أبو زيد الكوفي أحد علماء التابعين، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأنس بن مالك ووالده وجماعة حدث عنه سفيان، وشعبة، والفلاس، وتغير بآخره وساء حفظه. قال أحمد بن حنبل: عطاء بن السائب ثقة، رجل صالح، من سمع منه قديماً كان صحيحاً، يختم كل ليلة. وقال أبو حاتم: محله الصدق قبل أن يختلط. وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم، لكنه تغير، ورواية شعبة والثوري وحماد بن زيد عنه جيدة؛ فإنهم سمعوا منه قبل الاختلاط، وكذا وهيب عنه، كما قال الدارقطني في العلل. وقال الحافظ في ((التهذيب)): قلت: فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري ٣١٣ مقدمة المؤلف وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وشعبة وزهيراً وزائدة وحماد بن زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة، فاختلف قولهم، والظاهر أنه سمع منه مرتين: مرة مع أيوب كما يومىء إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير وذويه. والله أعلم. واستثني حديثان من أحاديث شعبة، كان شعبة يقول: سمعتها منه بآخره عن زاذان. وقال أبو بكر بن عياش: كنت إذا رأيت عطاء بن السائب وضرار بن مرة رأيت أثر البكاء على خدودهما . وروى أبو خيثمة عن أبي بكر بن عياش عن عطاء بن السائب قال: مسح رأسي علي ظُه ودعا لي بالبركة. قلت: وبقي إلى سنة ست وثلاثين ومائة، فعلى هذا يكون قد شارف مائة سنة، وكان من القراء المجودين. قال في ((التهذيب)): وروى له البخاري حديثاً واحداً متابعة في ذكر الحوض . قوله: (ويزيد بن أبي زياد) إلخ: في ((شرح مسلم)): ((وأما يزيد بن أبي زياد فيقال فيه أيضاً: ((يزيد بن زياد))، وهو قرشي، دمشقي، قال الحافظ: هو ضعيف. قال ابن نمير ويحيى بن معين: ليس هو بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث وقال الترمذي: ضعيف في الحديث)) كذا قال النووي وغيره. وأنا أظن - والله تعالى أعلم - أن مسلماً تغلُّهُ لم يعن هنا هذا القرشي الدمشقي، بل هو يزيد بن أبي زياد الكوفي صاحب حديث ((الرايات السود)) أحد علماء الكوفة المشاهير على سوء حفظه . قال يحيى: ليس بالقوي. وقال أيضاً: لا يحتج به. وقال ابن المبارك: ارم به. وقال شعبة: كان يزيد بن أبي زياد رفاعاً. وقال علي بن عاصم: قال لي شعبة: ما أبال إذا كتبت عن يزيد بن أبي زياد أن لا أكتب عن أحد. وقال ابن فضيل: كان يزيد بن أبي زياد من أئمة الشيعة الكبار. قال الذهبي: خرج له مسلم مقروناً بآخر. توفي سنة ست وثلاثين ومائة على الصحيح، وله تسعون سنة أو دونها. كذا في ((الميزان)). وبعدما كتبت هذه السطور رأيت الحافظ أنه قال في ((التهذيب)): ((وقال مسلم في ((مقدمة كتابه)): ((فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم ونظرائهم من حمال الآثار ... )) إلى آخر كلامه. وهو موافق لما تقدم عن ابن مهدي في الجمع بين هؤلاء الثلاثة وتفضيله ليثاً على الآخرين، وأغرب النووي تَُّ فذكر في (مقدمة شرح مسلم)) ترجمة يزيد بن أبي زياد وابن أبي زياد الدمشقي المذكورة قبل هذه الترجمة، وزعم أنه مراد مسلم بقوله: ((يزيد بن أبي زياد)) وفيه نظر لا يخفى)) اهـ. فحمدت الله على إصابة ظني. والله الموفق. --. ٣١٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ، مِنْ حُمَّالِ الآثَارِ وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ . فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلْمِ وَالسّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرُوفِينَ، فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الإِنْقَانِ وَالاسْتِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِي الْحَالِ وَالْمَرْتَبَةِ. لأَنَّ هُذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وحكى الحافظ في ترجمة يزيد بن أبي زياد عن ابن مهدي: ليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد، ليث أحسنهم حالاً عندي. وقال ابن حبان: كان صدوقاً إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، وكان يلقن ما لقن، فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغير صحيح. وقال يعقوب بن سفيان: ويزيد وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور. وقال الدارقطني: لا يخرج عنه في الصحيح، ضعيف يخطىء كثيراً، ويلقن إذا لقن. قوله: (ليث بن أبي سليم) إلخ: هو ليث بن أبي سليم الكوفي أحد العلماء، قال أحمد: مضطرب الحديث، ولكن حدث عنه الناس. وقال يحيى والنسائي: ضعيف. وقال ابن معين أيضاً: لا بأس به. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره. وقال الدارقطني: كان صاحب سنة، إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاؤس ومجاهد حسب. أي: كما قال ابن سعد: كان يسأل عطاء وطاوساً ومجاهداً عن الشيء فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا، من غير تعمد. ونقل الترمذي عن محمد بن إسماعيل تَّقُ أنه قال: ليث صدوق يهم. وقال الحاكم أبو عبد الله: مجمع على سوء حفظه. وقال عبد الوارث: كان من أوعية العلم. قال أبو بكر بن عياش: كان ليث من أكثر الناس صلاةً وصياماً، وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبي قال: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأياً في أحد منه في ليث ومحمد بن إسحاق وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم. وقال ابن معين: ليث أضعف من عطاء بن السائب. وتقدم في ترجمة يزيد أن ابن مهدي قال: ليث أحسنهم (أي: هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم مسلم تغذّهُ) حالاً عندي. وقال مؤمل بن الفضل: سألت عيسى بن يونس عن ليث بن أبي سليم فقال: رأيته وكان قد اختلط، وكنت ربما مررت به ارتفاع النهار وهو على المنارة يؤذن. كذا في ((الميزان)) وغيره. قوله: (وأضرابهم) إلخ: جمع ((ضرب)) أي: أشباههم، قال أهل اللغة: يقال: ((ضرب)) و(ضريب)) على وزن ((كريم)) بمعنى ((المثل)) وجمع الأول: أضراب، وجمع الثاني: ((ضرباء)) وبهذا تعرف أن قول عياض في لفظ مسلم: إن صوابه ((ضربائهم))، ليس بشيء. قوله: (فقال الأخبار) إلخ: باللام وتشديد القاف. قوله: (يفضلونهم) إلخ: أي: يفوقونهم. قوله: (لأن هذا) إلخ: أي: الإتقان والاستقامة في الرواية. ٣١٥ مقدمة المؤلف دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ. أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هُؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، عَطَاءٌ وَيَزِيدَ وَلَيْئاً، بِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَش قوله: (درجة رفيعة) إلخ: أي: يقع فيها التفاوت، فيكون بعضهم فيها أعلى وأرفع من بعض، كما نبهنا عليه في بحث ((الضبط)) من ((المقدمة)) فراجعه. قوله: (وخصلة سنية) إلخ: أي: رفيعة ساطعة. قوله: (إذا وازنت) إلخ: بالنون أي: قابلت، قال عياض تَّثُ: ويروى ((وازيت)) بالياء أيضاً، وهو بمعنى الأول. قوله: (بمنصور بن المعتمر) إلخ: قد ينكر على مسلم تقذفُ بأن عادة أهل العلم إذا ذكروا جماعة في مثل هذا السياق قدموا أجلّهم مرتبة فيقدمون الصحابي على التابعي، والتابعي على تابعه، وهنا عكس مسلم، فإن إسماعيل بن أبي خالد تابعي مشهور رأى أنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع، وسمع عبد الله بن أبي أوفى وغيره من الصحابة، وأما الأعمش فرأى أنس بن مالك فقط، وأما منصور بن المعتمر فليس هو بتابعي، وإنما هو من تابعي التابعين. وأجيب بأنه ليس المراد هنا التنبيه على مراتبهم، فلا حجر في ترتيبهم، ويحتمل أن يكون قدم منصوراً لرجحانه في ديانته وعبادته، وإن كان غيره من الثلاثة راجحاً على غيره، لكن منصور أرجحهم . قال عبد الرحمن بن مهدي: منصور أثبت أهل الكوفة. وقال سفيان: كنت لا أحدث الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلا رده. فإذا ذكرت منصوراً سكت. وقال أحمد بن حنبل تظلّته : منصور أثبت من إسماعيل بن أبي خالد. وقال أبو حاتم: منصور أثبت من الأعمش. وقال يحيى بن معين: وروي أنه صام ستين سنة وقامها. وأما عبادته وزهده وامتناعه من القضاء حين أكره عليه فأكثر من أن يحصى وأشهر من أن يذكر. وقال العجلي: وكان فيه تشيع قليل ولم يكن يغال، وكان قد عمش من البكاء. وقالت فتاة لأبيها: يا أبت، الأستوانة التي كانت في دار منصور ما فعلت؟ قال: يا بنية، ذاك منصور يصلي بالليل، فمات توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة . قوله: (وسليمان الأعمش) إلخ: هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي الأعمش، يقال: أصله من (طبرستان)) وولد بالكوفة، وروى عن أنس ولم يثبت له منه سماع. قال ابن عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى. وقال عبد الله بن داؤد الخريبي: كان شعبة إذا ذكر الأعمش قال: ((المصحف المصحف)) وقال عمرو بن علي: كان الأعمش يسمى: ((المصحف)) لصدقه. وقال ابن عمار: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش، ومنصور ثبت أيضاً إلا أن ٣١٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فِي إِثْقَانِ الْحَدِيثِ وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ، وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ، لاَ يُدَانُونَهُمْ. لاَ شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْم بِالْحَدِيثِ فِي ذُلِكَ، لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةٍ حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِنْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذُلِكَ مِنْ عَطَاءٍ وَيَزِيدَ وَلَيْثٍ . الأعمش أعرف بالمسند منه. ونقل الحافظ في ترجمة منصور عن أبي حاتم أنه قال: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن لا يخلط ولا يدلس. وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال وكيع: اختلفت إليه قريباً من سنتين، ما رأيته يقضي ركعة، وكان قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: كان مدلساً. وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبي صالح مولى أم هانىء، هو مدلس عن الكلبي. وحكى الحاكم عن ابن معين أنه قال: أجود الأسانيد: ((الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله)) فقال له إنسان، الأعمش مثل الزهري؟ فقال: برئت من الأعمش أن يكون مثل الزهري، الزهري يرى العرض والإجازة، ويعمل لبني أمية، والأعمش فقير، صبور، مجانب للسلطان، ورع، عالم بالقرآن. كذا في ((التهذيب)). قال النووي في ((شرح مسلم)): ((وهذا أول موضع في الكتاب جرى فيه ذكر أصحاب الألقاب، فتكلم فيه بقاعدة مختصرة، قال العلماء من أصحاب الحديث والفقه وغيرهم: يجوز ذكر الراوي بلقبه، وصفته، ونسبه الذي يكرهه إذا كان المراد تعريفه لا تنقيصه، وجوز هذا للحاجة كما جوز جرحهم للحاجة. ومثال ذلك ((الأعمش)) و((الأعرج)) و((الأحول)) و((الأعمى)) و(الأصم)) و((الأشل)) و((الأثرم)) و((الزمن)) و((المفلوج)) و((ابن علية)) وغير ذلك. وقد صنفت فيه کتب معروفة) اهـ. وقد قال البلقيني: إنه إن وجد طريقاً إلى العدول عن الوصف بما اشتهر به مما يكرهه فهو أولی . قوله: (وإسماعيل بن أبي خالد) إلخ: الأحمسي مولاهم، قال أبو نعيم: أدرك إسماعيل اثني عشر نفساً من الصحابة، منهم من سمع منه ومنهم من رآه رؤية. قال الثوري: حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو - يعني إسماعيل - أعلم الناس بالشعبي وأثبتهم فيه. وقال ابن مهدي وابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن عمار: حجة. وقال أبو حاتم: لا أقدم عليه أحداً من أصحاب الشعبي كثّفُ، وهو ثقة. وقال مسلمٍ كَّفُ في ((الوحدان)): تفرد عن جماعة، وسردهم. وقال يعقوب بن سفيان: كان أمياً حافظاً، ثقة. وقال هشيم: كان إسماعيل فحش اللحن، كان يقول: ((حدثني فلان عن أبوه)). وقال ابن عيينة: كان أقدم طلباً وأحفظ للحديث من الأعمش. وحكى ابن أبي خيثمة في تاريخه عن يحيى بن سعيد قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء. كذا في ((التهذيب)). ٣١٧ مقدمة المؤلف وَفِي مِثْلٍ (١) مَجْرَى هُؤُلاَءٍ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ، كابْنِ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، مَعَ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةً وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ وَابْنٍ سِيرِينَ، كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلاَّ أَنَّ الْبَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هُذَيْنٍ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الْفَضْلِ وَصِحَّةٍ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلْكِنَّ الْحَالَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. قوله: (كابن عون) إلخ: هو عبد الله بن عون المزني مولاهم، رأى أنس بن مالك. قوله: (وأيوب السختياني) إلخ: بفتح السين وكسر التاء، قال أبو عمر بن عبد البر في ((التمهيد)): كان أيوب يبيع الجلود بالبصرة، فلهذا قيل له: ((السختياني)). قال الثوري: ما رأيت أربعة اجتمعوا في مصر مثل هؤلاء: أيوب، ويونس، والتيمي، وابن عون. وقال وهيب: دار أمر البصرة على أربعة، فذكر هؤلاء. وقال أبو داود عن شعبة: ما رأيت مثلهم. قوله: (عوف بن أبي جميلة) إلخ: بفتح الجيم، المعروف بالأعرابي، ولم يكن أعرابياً. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال: وقال بعضهم: يرفع أمره إنه ليجيء عن الحسن بشيء ما يجيء به أحد. قال: وكان يتشيع. وقيل: كانت فيه بدعتان، قدري، وشيعي، وثقه أحمد وابن معين والنسائي. قوله: (وأشعث الحمراني): هو أشعث بن عبد الملك أبو هانىء البصري الحمراني منسوب إلى حمران مولى عثمان ربه. قال ابن معين عنه: (أي: يحيى بن سعيد) لم أدرك أحداً من أصحابنا أثبت عندي منه، ولا أدركت أحداً من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه. وقال أيضاً: لم ألق أحداً يحدث عن الحسن أثبت منه. وقال الفلاس: قال لي يحيى بن سعيد: من أين جئت؟ قلت: من عند معاذ، فقال لي: في حديث من هو؟ قلت: في حديث ابن عون، فقال: تدعون شعبة والأشعث، وتكتبون حديث ابن عون، كم تعيدون حديثه. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن عدي: أحاديثه عامتها مستقيمة، وهو ممن يكتب حديثه، ويحتج به، وهو في جملة أهل الصدق. وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان فقيهاً متقناً. كذا في ((التهذيب)). وقال الذهبي في ((ميزانه)): قلت: إنما أوردته لذكر ابن عدي له في ((كامله)) ثم إنه ما ذكر في حقه شيئاً يدل على تليينه بوجه، وما ذكره أحد في كتب الضعفاء أبداً. نعم ما أخرجا له في ((الصحيحين)) فكان ماذا؟؟. قوله: (إلا أن البون بينهما) إلخ: البون - بفتح الباء الموحدة - معناه الفرق، أي: هما متباعدان . (١) وفي نسخة: ((مثل ذلك)). ٣١٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هُؤُلاَءٍ فِي التَّسْمِيَةِ، لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ، فَلاَ يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ الْعَالِي الْقَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلاَ يُرْفَعُ مُتَّضِعُ الْقَذَّرِ فِيَ الْعِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقِّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلُ (١) مَنْزِلَتَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازٍلَهُمْ. مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَفَوَقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. قوله: (ليكون تمثيلهم سمة) إلخ: السمة - بكسر السين وتخفيف الميم - العلامة. قوله: (يصدر عن فهمها) إلخ: أي: يرجع، يقال: صدر عن الماء، والبلاد، والحج، إذا انصرف عنه بعد قضاء وطره، فمعنى ((يصدر عن فهمها)): ينصرف عنها بعد فهمها، وقضاء حاجته منها . قوله: (من غبي عليه) إلخ: أي: خفي وزناً ومعنىّ. قوله: (وقد ذكر عن عائشة) إلخ: قال النووي في ((مقدمة الشرح)): ((حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه ((كتاب معرفة علوم الحديث)) بصحته، وأخرجه أبو داؤد في ((سننه)) بإسناده منفرداً به، وذكر أن الراوي له عن عائشة ميمون بن أبي شبيب ولم يدركها. (قال الشيخ)(٢): وفيما قاله أبو داؤد نظر، فإنه كوفي متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كاف في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: ((لم ألق عائشة)) استقام لأبي داؤد الجزم بعدم إدراكه، وهيهات ذلك. هذا آخر كلام الشيخ. (قلت)(٣): وحديث عائشة هذا قد رواه البزار في ((مسنده)) وقال: هذا الحديث لا يعلم عن النبيّ ◌َ﴿ إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفاً. والله أعلم))(٤). قوله: (ننزل الناس منازلهم) إلخ: فيه تفاضل الناس في الحقوق على حسب منازلهم ومراتبهم. وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها، وقد سوى الشرع بينهم في الحدود وأشباهها بما هو معروف. والله أعلم. قوله: (وفوق كل ذي علم عليم) إلخ: أي: يتفاوت الناس في مراتب العلم كثيراً، فبعضهم يفوق فيه بعضاً، ثم فوق كل عليم عليم الكل تعالى وتقدس. (١) وفي نسخة: ((ينزل فيه)). (٢) أي الإمام الحافظ أبو عمرو الصلاح رحمه الله تعالى. (٣) القائل: الإمام النووي رحمه الله. (٤) انظر مقدمة الشرح للنووي (ص ١٤) في نهاية ((فصل التعليق)). ٣١٩ مقدمة المؤلف فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ، نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ. فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمِ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ، فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمَّ، كَعَبْدِ اللَّهِ بَّنِ مِسْوَرٍ أَبِي جَعْفَرِ الْمَدَائِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ الْقُدُّوسِّ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدٍ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ، وَغِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتَّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدٍ الأَخْبَارِ . قوله: (كعبد الله بن مسور) إلخ: ابن عون بن جعفر بن أبي طالب أبو جعفر الهاشمي المدائني، ليس بثقة، قال أحمد وغيره: أحاديثه موضوعة. وقال ابن المديني: كان يضع الحديث على رسول الله وَّ ر، ولا يضع إلا ما فيه أدب أو زهد، فيقال له في ذلك، فيقول: إن فيه أجراً. كذا في ((اللسان)). قوله: (وعبد القدوس الشامي) إلخ: هو عبد القدوس بن حبيب الكلاعي الشامي الدمشقي أبو سعيد، قال الفلاس: أجمعوا على ترك حديثه. وقال ابن عدي: أحادية منكرة الإسناد والمتن. وقال ابن عمار: كان سفيان - يعني الثوري - يروي عن أبي سعيد الشامي، وإنما هو عبد القدوس، كناه ولم يسمه، وهو ذاهب الحديث. كذا في ((اللسان)). قوله: (محمد بن سعيد المصلوب) إلخ: شامي من أهل دمشق، هالك، اتهم بالزندقة، فصلب، والله أعلم. قال خالد بن يزيد: سمعته يقول: إذا كان كلام حسن لم أر بأساً أن أجعل له إسناداً. وقد غيروا اسمه على وجوه؛ ستراً له وتدليساً لضعفه، قال عبد الله بن أحمد بن سوادة: قلبوا اسمه على مائة اسم وزيادة قد جمعتها في كتاب، قال الذهبي: وقد أخرجه البخاري في مواضع، وظنه جماعة. قوله: (وسليمان بن عمرو) إلخ: قال يحيى: أكذب الناس. وقال يزيد بن هارون: لا يحل لأحد أن يروي عنه. قال الحافظ في (اللسان)): قلت: الكلام فيه لا يحصر، فقد كذبه ونسبه إلى الوضع من المتقدمين والمتأخرين ممن نقل كلامهم في الجرح والعدالة فوق الثلاثين نفساً. قوله: (وأشباههم) إلخ: قال النووي: ((هؤلاء الجماعة المذكورون كلهم متهمون متروكون لا يتشاغل بأحد منهم لشدة ضعفهم وشهرتهم بوضع الأحاديث». قوله: (وتوليد الأخبار) إلخ: أي: إنشاؤها وزيادتها. قال النووي كثّثه: وأما الحديث الموضوع: فهو المختلق المصنوع، وربما أخذ الواضع كلاماً لغيره فوضعه وجعله حديثاً، وربما وضع كلاماً من عند نفسه، وكثير من الموضوعات أو أكثرها يشهد بوضعها ركاكة لفظها . واعلم أن تعمد وضع الحديث حرام بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع، وشذت الكرامية - الفرقة المبتدعة - فجوزت وضعه فى الترغيب والترهيب والزهد، وقد سلك ٣٢٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَكَذْلِكَ، مَنِ الْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِ الْمُنْكَرُ أَوِ الْغَلَطُ، أَمْسَكْنَا أَيْضاً عَنْ حَدِيثِهِمْ. وَعَلَاَمَةُ الْمُنْكَرٍ (١) فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ، إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةٍ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا، خَالَفَتْ رِوَايتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا. فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ، كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ، غَيْرَ مَقْبُولِهِ وَلاَ مُسْتَعْمَلِهِ. فَمِنْ هُذَا الضَّرْبِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، مسلكهم بعض الجهلة المتوسمين بسمة الزهاد ترغيباً في الخير في زعمهم الباطل، وهذه غباوة ظاهرة وجهالة متناهية. ويكفي في الرد عليهم قول رسول الله وَيقول: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)). وقد سبق في ((المقدمة)) بيانه مبسوطاً. ولله الحمد. قوله: (وعلامة المنكر في) إلخ: قال النووي: ((هذا الذي ذكره تَُّ هو معنى ((المنكر)) عند المحدثين، يعني به المنكر المردود، فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثقة ضابطاً متقناً)) اهـ. وقدمنا في بحث ((المنكر)) من ((المقدمة)) ما فهمنا من مراد مسلم، فراجعه إن شئت. قوله: (أو لم تكد توافقها) إلخ: قال النووي: ((معناه لا توافقها إلا في قليل)) اهـ. وقد سبق في ((المقدمة)) أن معناه عندنا: لا يوافقها إلا بتعسف. والله أعلم. قوله: (كان مهجور الحديث) إلخ: أي: كان المحدث الراوي منكر الحديث مهجوره، لا يقبل حديثه، ولا يستعمل في الاحتجاج. والله أعلم. تنبيه: هذه اللفظة - أي: منكر الحديث - يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذاك بالاستقراء من حاله. قوله: (عبد الله بن محرر) إلخ : - بفتح الحاء المهملة، وبرائين مهملتين، الأول: مفتوحة مشددة - قال النووي: ((واتفق الحفاظ والمتقدمون على تركه)). اهـ. قال ابن حبان: كان من خيار عباد الله إلا أنه كان يكذب ولا يعلم، ويقلب الأسانيد ولا يفهم. وقال هلال بن العلاء: هو منكر الحديث. كذا في ((التهذيب)). قوله: و(يحيى بن أبي أنيسة) إلخ: قال عمرو بن علي: صدوق كان يهم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على تركه إلا من لا يعلم. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف، لا يكتب حديثه إلا للمعرفة. وذكره فيمن لا ينبغي لأهل العلم أن يشغلوا أنفسهم بحديثهم. وقال ابن عدي: يقع في رواياته ما لا يتابع عليه، ومع ضعفه يكتب حديثه. وقال الساجي: متروك (١) ليراجع لشرح هذا الكلام في الحديث المنكر في مقدمة هذا الشرح فإنه نفيس جداً (رف).