Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
مقدمة
فأما الأول: فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط (وهو عند الأصوليين: أن يقع
الاتفاق علة علية وصف بنص، أو إجماع، فيجتهد الناظر في وجوده في صورة النزاع التي
خفي فيها وجود العلة، كتحقيق أن النباش سارق، فالوصف - وهو السرقة - علم أنه مناط
الحكم، وبقي النظر في تحقيق وجوده في هذه الصورة) وهو الذي لا خلاف بين الأمة في
قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله، وذلك
أن الشارع إذا قال: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق، آية: ٢] وثبت عندنا معنى العدالة
شرعاً: افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة، وليس الناس في وصف العدالة على
حد سواء، بل ذلك يختلف اختلافاً متبايناً؛ فإنا إذا تأملنا العدول وجدنا لاتصافهم بها
طرفين، وواسطة طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه، كأبي بكر الصديق رضيُبه وطرف
آخر وهو أول درجة في الخروج عن مقتضى الوصف، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحكم
بمجرد الإسلام، فضلاً عن مرتكبي الكبائر المحدودين فيها، وبينهما مراتب لا تنحصر،
وهذا الوسط غامض لا بد فيه من بلوغ حد الوسع، وهو الاجتهاد، فهذا مما يفتقر إليه
الحاكم في كل شاهد، كما إذا أوصى بماله للفقراء، فلا شك أن من الناس من لا شيء
له، فيتحقق فيه اسم الفقر، فهو من أهل الوصية، ومنهم من لا حاجة به ولا فقر، وإن لم
يملك نصاباً وبينهما وسائط كالرجل يكون له الشيء ولا سعة له، فينظر فيه هل الغالب
عليه حكم الفقر، أو حكم الغنى؟ وكذلك في فرض نفقات الزوجات والقرابات، إذ هو
مفتقر إلى النظر في حال المنفق عليه والمنفق، وحال الوقت، إلى غير ذلك من الأمور
التي لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول في آحادها، فلا يمكن أن يستغني لههنا
بالتقليد، لأن التقليد إنما يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيها، والمناط هنا لم
يتحقق بعد؛ لأن كل صورة من صورة النازلة نازلة مستأنفة في نفسها، لم يتقدم لها نظير،
وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا، فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد، وكذلك إن
فرضنا أنه تقدم لنا مثلها، فلا بد من النظر في كونها مثلها أو لا، وهو نظر اجتهاد أيضاً،
وكذلك القول فيما فيه حكومة من أروش الجنايات وقيم المتلفات، ويكفيك من ذلك أن
الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة
تتناول أعداداً لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره، ولو في نفس
التعيين، وليس ما به الامتياز معتبراً في الحكم بإطلاق، ولا هو طردي بإطلاق، بل ذلك
منقسم إلى ضربين، وبينهما قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين فلا يبقى صورة من الصور
الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب، حتى يحقق تحت أي دليل يدخل،
فإن أخذت بشبه من الطرفين فالأمر أصعب، وهذا كله بيّن لمن شدا في العلم (أي:

٢٤٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أحسن منه طرفاً والشدو كل شيء قليل من كثير، والشادي الذي يتعلم شيئاً من العلم
والأدب والفتيا ونحو ذلك) ومن القواعد القضائية ((البيِّنة على المدعي واليمين على من
أنكر)) فالقاضي لا يمكنه الحكم في واقعة بل لا يمكنه توجيه الحجاج ولا طلب الخصوم
بما عليهم إلا بعد فهم المدعي من المدعى عليه، وهو أهل القضاء، ولا يتعيّن ذلك إلا
بنظر واجتهاد ورد الدعاوى إلى الأدلة، وهو تحقيق المناط بعينه.
فالحاصل أنه لا بد منه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت، بل بالنسبة إلى كل
مكلف في نفسه؛ فإن العامي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهواً من غير
جنس أفعال الصلاة أو من جنسها إن كانت يسيرة فمغتفرة، وإن كانت كثيرة فلا، فوقعت
له في صلاته زيادة فلا بد له من النظر فيها، حتى يردها إلى أحد القسمين، ولا يكون
ذلك إلا باجتهاد ونظر، فإذا تعين له قسمها تحقق له مناط الحكم، فأجراه عليه وكذلك
سائر تكليفاته، ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال
المكلفين إلا في الذهن؛ لأنها مطلقات وعمومات، وما يرجع إلى ذلك منزلات على
أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة، فلا
يكون الحكم واقعاً عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك
العام، وقد يكون ذلك سهلاً، وقد لا يكون، وكله اجتهاد، وقد يكون من هذا القسم ما
يصح فيه التقليد، وذلك فيما اجتهد فيه الأولون من تحقيق المناط إذا كان متوجهاً على
الأنواع لا على الأشخاص المعينة، كالمثل في جزاء الصيد؛ فإن الذي جاء في الشريعة
قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [سورة المائدة، آية: ٩٥] وهذا ظاهر في اعتبار المثل
إلا أن المثل لا بد من تعيين نوعه، وكونه مثلاً لهذا النوع المقتول ككون الكبش مثلاً
للضبع، والعنز مثلاً للغزال، والعناق (بفتح أوله دابة فوق الكلب الصيني يصيد كما يصيد
الفهد، ويأكل اللحم، وهو من السباع) مثلاً للأرنب، والبقرة مثلاً للبقرة الوحشية، والشاة
مثلاً للشاة من الظباء، وكذلك الرقبة الواجبة في عتق الكفارات، والبلوغ في الغلام
والجارية، وما أشبه ذلك، ولكن هذا الاجتهاد في الأنواع لا يغني عن الاجتهاد في
الأشخاص المعينة، فلا بد من هذا الاجتهاد في كل زمان، إذ لا يمكن حصول التكليف
إلا به، فلو فرض التكليف مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفاً بالمحال، وهو غير
ممكن شرعاً، كما أنه غير ممكن عقلاً، وهو أوضح دليل في المسألة.
وأما الضرب الثاني - وهو الاجتهاد الذي يمكن أن ينقطع -: فثلاثة أنواع: أحدها :
المسمى بتنقيح المناط (وتنقيح المناط عندهم أن يدل نص ظاهر على التعليل بوصف، أو

٢٤٣
مقدمة
يكون أوصاف في محل الحكم دل عليها ظاهر النص، فيجتهد الناظر في حذف خصوص
الوصف أو بعضها، وينيط الحكم بالأعم، أو بالباقي، وحاصله الاجتهاد في الحذف
والتعيين، ويمثل له بحديث الأعرابي الذي قال: ((واقعت أهل في نهار رمضان، فقال
له وَله: أعتق رقبة)) فإن أبا حنيفة ومالكاً ◌ًّا حذفا خصوص المواقعة، وأناطا الكفارة
بمطلق الإفطار، كما حذف الشافعي ◌ُّه غيرها من أوصاف المحل، ككون الواطىء
أعرابياً، وكون الموطوءة زوجة، وكون الوطء في القبل من الاعتبار، وأناط الكفارة بها).
وقد قسمه الغزالي إلى أقسام ذكرها في شفاء العليل، وهو مبسوط في كتب
الأصول، قالوا: وهو خارج عن باب القياس ولذلك قال به أبو حنيفة (وسماه استدلالاً،
وفرق بينه وبين القياس بأن القياس ما كان الإلحاق فيه بجامع يفيد غلبة الظن،
والاستدلال ما كان بجامع يفيد القطع) مع إنكاره القياس في الكفارات، وإنما هو راجع
إلى نوع من تأويل الظواهر.
والثاني: المسمى بتخريج المناط (وتخريج المناط هو إبداء ما نيط به الحكم، أي:
استنباطه وتعيينه بإبداء مناسبة بينه وبين الحكم مع الاقتران بينهما والسلامة من القوادح،
كاستنباط الإسكار في حديث مسلم ((كل مسكر حرام)» بالنظر في الأصل، وحكمه،
ووصفه؛ فإن مجرد النظر في ذلك يعلم منه أن الاسكار لإزالته العقل المطلوب حفظه
مناسب للحرمة، وقد اقترن بها وسلم من القوادح) وهو راجع إلى أن النص الدال على
الحكم لم يتعرض للمناط، فكأنه أخرج بالبحث، وهو الاجتهاد القياسي وهو معلوم.
والثالث: هو نوع من تحقيق المناط المتقدم الذكر؛ لأنه ضربان:
أحدهما: ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص، كتعيين نوع المثل في جزاء
الصيد، ونوع الرقبة في العتق في الكفارات، وما أشبه ذلك، وقد تقدم التنبيه عليه.
والضرب الثاني: ما يرجع إلى تحقيق مناط فيما تحقق مناط حكمه، فكان تحقيق
المناط على قسمين: تحقيق عام، وهو ما ذكر، وتحقيق خاص من ذلك العام، وذلك أن
الأول نظر في تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما، فإذا نظر المجتهد في العدالة مثلاً،
ووجد هذا الشخص متصفاً بها على حسب ما ظهر له أوقع عليه ما يقتضيه النص من
التكاليف المنوطة بالعدول من الشهادات، والانتصاب للولاية العامة أو الخاصة، وهكذا
إذا نظر في الأوامر والنواهي الندبية والأمور الإباحية ووجد المكلفين والمخاطبين على
الجملة أوقع عليهم أحكام تلك النصوص، كما يوقع عليهم نصوص الواجبات

٢٤٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والمحرمات من غير التفات إلى شيء غير القبول المشروط بالتهيئة الظاهرة، فالمكلفون
كلهم في أحكام تلك النصوص على سواء في هذا النظر.
وأما الثاني: وهو النظر الخاص فأعلى من هذا وأدق، وهو في الحقيقة ناشىء عن
نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال، آية: ٢٩]
وقد يعبر عنه بالحكمة، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ
فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٦٩] قال مالك: من شأن ابن آدم أن لا يعلم، ثم
يعلم، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. وقال أيضاً: إن
الحكمة مسحة ملك على قلب العبد. وقال: الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد. وقال
أيضاً: يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله القلوب من رحمته
وفضله. وقد كره مالك كتابة العلم، يريد ما كان نحو الفتاوى، فسئل ما الذي نصنع؟
فقال: تحفظون وتفهمون، حتى تستنير قلوبكم، ثم لا تحتاجون إلى الكتاب.
وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من
الدلائل التكليفية، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة،
حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل، هذا
بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره، ويختص غير المنحتم بوجه آخر، وهو النظر فيما
يصلح بکل مکلف في نفسه بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون
شخص؛ إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد، كما أنها في
العلوم والصنائع كذلك، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة، ولا يكون
كذلك بالنسبة إلى آخر، ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل
أقوى منه في عمل آخر، ويكون بريئاً من ذلك في بعض الأعمال دون بعض، فصاحب
هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نوراً يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها
وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها، أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى
الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق
بها بناءً على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف، فكأنه يخص عموم
المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق، لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام ويقيد به
ما ثبت إطلاقه في الأول أو يضم قيداً أو قيوداً لما ثبت له في الأول بعض القيود.
هذا معنى تحقيق المناط هنا، وبقي الدليل على صحة هذا الاجتهاد، فإن ما سواه
قد تكفل الأصوليون ببيان الدلالة عليه، وهو داخل تحت عموم تحقيق المناط، فيكون

٢٤٥
مقدمة
مندرجاً تحت مطلق الدلالة عليه، ولكن إن تشوف أحد إلى خصوص الدلالة عليه فالأدلة
عليه كثيرة نذكر منها ما تيسّر بحول الله.
فمن ذلك: أن النبيّ ◌َ سئل في أوقات وختلفة عن أفضل الأعمال، وخير
الأعمال، وعرف بذلك في بعض الأوقات من سؤال، فأجاب بأجوبة مختلفة، كل واحد
منها لو حمل على إطلاقه أو عمومه لاقتضى مع غيره التضاد في التفضيل:
ففي الصحيح: ((أنه عليه الصلاة والسلام سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان
بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)).
وسئل عليه الصلاة والسلام: ((أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، قال: ثم
أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)).
وفي النسائي عن أبي أمامة: ((أتيت النبيّ بَّ، فقلت: مرني بأمر آخذ عنك، قال:
عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له)).
وفي الترمذي: ((أي الأعمال أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله
كثيراً والذاكرات)».
وفي الصحيح: في قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخ، قال: ((ولم يأت
أحد بأفضل مما جاء به)) الحديث.
وفي النسائي: ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء)).
وفي البزار: ((أي العبادة أفضل؟ قال: دعاء المرء لنفسه)).
وفي الترمذي: ((ما من شيء أفضل من ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من خلق
حسن)) .
وفي البزار: ((يا أبا ذر، ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر، وأثقل في
الميزان من غيرهما؟ عليك بحسن الخلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل
الخلائق بمثلهما)».
وفي مسلم: ((أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)).
وفيه: ((سئل أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن
لم تعرف)».
وفي الصحيح: ((وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر)).

٢٤٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وفي الترمذي: ((خيركم من تعلم القرآن وعلّمه)).
وفيه: ((أفضل العبادة انتظار الفرج)) إلى أشياء من هذا النمط، جميعها يدل على أن
التفضيل ليس بمطلق، ويشعر إشعاراً ظاهراً بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت أو إلى
حال السائل، وقد دعا ظلَّلا لأنس بكثرة المال، فبورك له فيه، وقال لثعلبة بن حاطب
حين سأله الدعاء له بكثرة المال: ((قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه)). وقال لأبي
ذر: ((يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين
ولا تولين مال يتيم)) ومعلوم أن كلا العملين من أفضل الأعمال لمن قام فيه بحق الله، وقد
قال في الإمارة والحكم: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين
الرحمن .... )) الحديث. وقال: ((أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)) ثم نهاه عنهما لما
علم له خصوصاً في ذلك من الصلاح. وفي أحكام إسماعيل بن إسحاق عن ابن سيرين
قال: ((كان أبو بكر يخافت، وكان عمر يجهر - يعني في الصلاة - فقيل لأبي بكر: كيف
تفعل؟ قال: أناجي ربي، وأتضرع إليه، وقيل لعمر: كيف تفعل؟ قال: أوقظ الوسنان،
وأخسأ الشيطان، وأرضي الرحمن، فقيل لأبي بكر: ارفع شيئاً وقيل لعمر أخفض شيئاً.
وفسّر بأنه عليه الصلاة والسلام قصد إخراج كل واحد منهما عن اختياره، وإن كان قصده
صحيحاً، وفي الصحيح: ((أن ناساً جاؤوا إلى النبيّ وَّهِ فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما
يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح
الإيمان)). وفي حديث آخر: ((من وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله)) وعن ابن عباس
في مثله قال: ((إذا وجدت شيئاً من ذلك فقل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو
بكل شيء عليم)) فأجاب النبي عليه الصلاة والسلام بأجوبة مختلفة، وأجاب ابن عباس
بأمر آخر، والعارض من نوع واحد، وفي الصحيح: ((إني أعطي الرجل، وغيره أحب إليّ
منه، مخافة أن يكبه الله في النار)) وآثر عليه الصلاة والسلام في بعض الغنائم قوماً، ووكل
قوماً إلى إيمانهم؛ لعلمه بالفريقين. وقبل عليه الصلاة والسلام من أبي بكر رحظُه ماله
كله، وندب غيره إلى استبقاء بعضه، وقال: ((أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك)).
وجاء آخر بمثل البيضة من الذهب، فردها في وجهه. وقال علي: ((حدثوا الناس بما
يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله)) فجعل إلقاء العلم مقيداً، فرب مسألة تصلح لقوم
دون قوم، وقد قال في ((الرباني)) إنه الذي يعلم بصغار العلم قبل كباره، فهذا الترتيب من
ذلك. وروي عن الحارث بن يعقوب قال: ((الفقيه كل الفقيه من فقه في القرآن، وعرف
مكيدة الشيطان))، فقوله: ((وعرف مكيدة الشيطان)) هو النكتة في المسألة. وعن أبي رجاء
العطاردي قال: ((قلت للزبير بن العوام: ما لي أراكم يا أصحاب محمد، من أخف الناس

٢٤٧
مقدمة
صلاة؟ قال: نبادر الوسواس)) هذا مع أن التطويل مستحب، ولكن جاء ما يعارضه، ومثله
حديث ((أفتّان أنت يا معاذ)) ولو تتبع هذا النوع لكثر جداً.
ومنه ما جاء عن الصحابة والتابعين وعن الأئمة المتقدمين، وهو كثير، وتحقيق
المناط في الأنواع واتفاق الناس عليه في الجملة مما يشهد له كما تقدم، وقد فرع العلماء
عليه كما قالوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ
فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ﴾ [سورة المائدة، آية: ٣٣]: إن الآية تقتضي التخيير، ثم رأوا أنه مقيد
بالاجتهاد، فالقتل في موضع، والصلب في موضع، والقطع في موضع، والنفي في
موضع، وكذلك التخيير في الأسارى من المن والفداء.
وكذلك جاء في الشريعة الأمر بالنكاح، وعدوّه من السنن، ولكن قسموه إلى
الأحكام الخمسة، ونظروا في ذلك في حق كل مكلف، وإن كان نظراً نوعياً، فإنه لا يتم
إلا بالنظر الشخصي، فالجميع في معنى واحد، والاستدلال على الجميع واحد، ولكن قد
يستبعد ببادىء الرأي، وبالنظر الأول، حتى يتبين مغزاه ومورده من الشريعة، وما تقدم
وأمثاله كاف مفيد للقطع بصحة هذا الاجتهاد، وإنما وقع التنبيه عليه لأن العلماء قلما
نبهوا عليه على الخصوص وبالله التوفيق)). انتهى مع زيادة من المحشى.
كتابة الحديث وتدوينه
قال الجزائري: ((كانت الصحابة ته لا يكتبون عن النبيّ وَلّه غير القرآن)).
أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله وَله: ((لا
تكتبوا عني: ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني فلا حرج، ومن كذب علي
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)).
قال كثير من العلماء: نهاهم عن كتابة الحديث خشية اختلاطه بالقرآن، وهذا لا
ينافي جواز كتابته إذا أمن اللبس، وبذلك يحصل الجمع بين هذا وبين قوله عليه الصلاة
والسلام في مرضه الذي توفي فيه: «إيتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده)» وقوله:
((اكتبوا لأبي شاه)) وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث.
ولما توفي النبيّ ◌َ ﴿ بادر الصحابة ﴿ه إلى جمع ما كتب في عهده في موضع
واحد، وسموا ذلك: ((المصحف))، واقتصروا على ذلك، ولم يتجاوزوه إلى كتابة
الحديث وجمعه في موضع واحد كما فعلوا بالقرآن، لكن صرفوا هممهم إلى نشره بطريق
الرواية، إما بنفس الألفاظ التي سمعوها منه عليه الصلاة والسلام إن بقيت في أذهانهم،

٢٤٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أو بما يؤدي معناها إن غابت عنهم؛ فإن المقصود بالحديث هو المعنى، ولا يتعلق في
الغالب حكم بالمبنى، بخلاف القرآن؛ فإن لألفاظه مدخلاً في الإعجاز؛ فلا يجوز إبدال
لفظ منه بلفظ آخر ولو كان مرادفاً له، خشية النسيان مع طول الزمان؛ فوجب أن يقيد
بالكتابة، ولا يكتفى فيه بالحفظ.
هذا، ولم يزل أمر الحديث في عصر الصحابة وأول عصر التابعين على ما ذكرنا،
ولما أفضت الخلافة إلى من قام بحقها: عمر بن عبد العزيز، أمر بكتابة الحديث، وكانت
مبايعته بالخلافة في صفر سنة تسع وتسعين، ووفاته لخمس بقين من رجب سنة إحدى
ومائة، وعاش أربعين سنة وأشهراً، وكان موته بالسم، فإن بني أمية ظهر لهم أنه إن
امتدت أيامه أخرج الأمر من أيديهم، ولم يعهد به إلا لمن يصلح له فعاجلوه.
قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم: ((وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي
بكر بن حزم: ((انظر ما كان من حديث رسول الله وَّخير فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم
وذهاب العلماء)).
وأبو بكر هذا كان نائب عمر بن عبد العزيز في الإمرة والقضاء على المدينة، وروى
عن السائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وعمرو بن سليم الزرقي، وروى عن خالته عمرة،
وعن خالدة ابنة أنس، ولها صحبة.
قال مالك: لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن
حزم، وكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يكتب له من العلم ما عند عمرة والقاسم، فكتبه
له وأخذ عنه معمر، والأوزاعي، والليث، ومالك، وابن أبي ذهب، وابن إسحاق،
وغيرهم، وكانت وفاته - فيما قاله الواقدي وابن سعد وجماعة - سنة عشرين ومائة.
وأول من دون الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن
عبد الله بن شهاب الزهري المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز والشام،
أخذ عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وسعيد بن
المسيب، وأبي أمامة بن سهل، وطبقتهم من صغار الصحابة وكبار التابعين. وأخذ عنه
معمر، والأوزاعي، والليث. ومالك، وابن أبي ذئب، وغيرهم. ولد سنة خمسين، وتوفي
سنة أربع وعشرين ومائة .
قال عبد الرزاق: ((سمعت معمراً يقول: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري، حتى
قتل الوليد بن يزيد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه، يقول من علم
الزهري)).

٢٤٩
مقدمة
ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري، ولوقوع ذلك في كثير من البلاد
وشيوعه بين الناس اعتبروه الأول، فقالوا: كانت الأحاديث في عصر الصحابة وكبار
التابعين غير مدونة، فلما انتشرت العلماء في الأمصار، وشاع الابتداع: دونت ممزوجة
بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
وأول من جمع ذلك ابن جريج بمكة، وابن إسحاق أو مالك بالمدينة، والربيع بن
صبيح، أو سعيد ابن أبي عروبة، أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة،
والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالري، وابن
المبارك بخراسان، وكان هؤلاء في عصر واحد، ولا يدرى أيهم سبق)).
قال الحافظ ابن حجر: ((إن ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى الجمع في الأبواب، وأما
جمع الحديث إلى مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبي، فإنه روى عنه أنه قال: ((هذا
باب من الطلاق جسيم وساق فيه أحاديث)) اهـ.
وتلا المذكورين كثير من أهل عصرهم، إلى أن رأى بعض الأئمة إفراد أحاديث
النبيّ وَلَه خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العباسي الكوفي
مسنداً، وصنف مسدد البصري مسنداً، وصنف أسد بن موسى مسنداً، وصنف نعيم بن
حماد الخزاعي مسنداً .
ثم اقتفى الحفاظ آثارهم فصنف الإمام أحمد مسنداً، وكذلك إسحاق بن راوهویه،
وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم.
ولم يزل التأليف في الحديث متتابعاً إلى أن ظهر الإمام البخاري كظُّ وبرع في علم
الحديث وصار له فيه المنزلة التي ليس فوقها منزلة، فأراد أن يجرد الصحيح، ويجعله في
كتاب على حدة؛ ليخلص طالب الحديث من عناء البحث والسؤال، فألف كتابه
المشهور، وأورد فيه ما تبيّن له صحته، وكانت الكتب قبله ممزوجاً فيها الصحيح بغيره،
بحيث لا يتبيّن للناظر فيها درجة الحديث من الصحة، إلا بعد البحث عن أحوال رواته
وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى
أن يسأل أئمة الحديث عنه، فإن لم يتيسر له ذلك بقي ذلك الحديث مجهول الحال عنده.
واقتفى أثر الإمام البخاري في ذلك: الإمام مسلم بن الحجاج، وكان من الآخذين
عنه، والمستفيدين منه، فألف كتابه المشهور، ولقب هذان الكتابان بـ((الصحيحين)) فعظم
انتفاع الناس بهما، ورجعوا عند الاضطراب عليهما، وألفت بعدهما كتب لا تحصى،
فمن أراد البحث عنها فليرجع إلى مظان ذكرها .

٢٥٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هذا، وقد توهم أناس مما ذكر آنفاً أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر
التابعين بالكتابة شيء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك:
فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتاباً في علم الفرائض.
وذكر البخاري في صحيحه أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث؛ فإنه روي عن
أبي هريرة أنه قال: ((ما من أحد من أصحاب النبيّ وَ ل ◌ّ أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من
عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب، وكان ◌َل ير قد أذن له في ذلك)) كما رواه أبو
داود في رواية أنه قال: (يا رسول الله وَلجر، أأكتب ما أسمعه منك في الغضب والرضاء؟
قال: نعم؛ فإني لا أقول إلا حقاً)). وكان رظلُله يسمي صحيفته تلك ((الصادقة)» - كما رواه
ابن سعد وغيره ـ احترازاً عن صحيفة كانت عنده من كتب أهل الكتاب، بل روي كما في
الترمذي مما ضعفه عن أبي هريرة: ((أن رجلاً شكا إلى النبيّ وَّلقر عدم الحفظ، فقال له:
استعن بيمينك)).
وروي عن أنس أنه قال: ((هذه أحاديث سمعتها من رسول الله وص له، وكتبتها،
وعرضتها)).
وعن أبي هريرة نحوه. وأسانيدها ضعيفة.
ولقول علي الثابت في الصحيح: ((ما كتبنا عن النبيّ وَّ إلا القرآن وما في هذه
الصحيفة)).
ولقول قتادة إذ سأله بعض أصحابه: أأكتب ما أسمع؟: ((وما يمنعك من ذلك؟ وقد
أنبأك اللطيف الخبير بأنه قد كتب وقرأ في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى)).
وكذا قال أبو المليح الهذلي البصري: ((يعبيون علينا أن نكتب العلم وندونه، وقد
قال تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبٍِ فِي كِتَبٍ﴾ [سورة طه، آية: ٥٢] ولقوله تعالى مما استدل به ابن
فارس في مأخذ العلم: ﴿فَكْتُبُوهُ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٨٢] حيث قال: ((فجعل كتابة الدَّين
وأجله ويكتبه(١) من القسط عنده، وجعل ذلك قيماً للشهادة، ونفياً للارتياب لقوله:
﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ الَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٨٢])).
قلت: ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْئَمُوْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًّا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [سورة
البقرة، آية : ٢٨٢] .
(١) هكذا في الأصل. من المؤلف رحمه الله.

٢٥١
مقدمة
﴾ [سورة
قال ابن فارس: ((وأعلى ما يحتج به قوله تعالى: ﴿تَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
القلم، آية: ١] فقد فسرهما الحسن بالدواة القلم، ثم روى حديث ابن عباس: ((أول ما خلق
الله القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)).
قال بعضهم: وفي قوله ◌َل ﴾ - أي: الذي استدل به للوجادة -: ((يجيء قوم بعدكم
يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها)) علم من أعلام النبوة من إخباره عما سيقع، وهو تدوين
القرآن وكتبه في صحفه، يعني وكتابة الحديث، ولم يكن ذلك في زمنه بَّر، إلى غير ذلك
من الأدلة التي اقترن معها قصر الهمم ونقص الحفظ بالنسبة للزمن الأول؛ لكون العرب
كانوا مطبوعين على الحفظ، مخصوصين به، فخشي من عدم تقييده اندراسه وضياعه،
فدوّن، ولذا قال ابن الصلاح: ((ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة)).
وقال عياض تَظّفُهُ: ((والحال اليوم داعية إلى الكتابة؛ لانتشار الطرق، وطول الأسانيد،
وقلة الحفظ، وكلال الأفهام)). وذكر مسلم كتاباً ألف في عهد ابن عباس في قضاء
علي ټ كما سيأتي في مقدمة صحيحه.
وقد ذكروا في الجمع بين الأدلة في الطرفين (أي: النهي عن كتابة الحديث
لعدتها)(١) طرقا:
أحدها: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والإذن في غير
ذلك، ولذا خص بعضهم النهي بحياته ومثل ﴿، ونحوه قول ابن عبد البر: ((النهي لئلا يتحد
مع القرآن كتاب يضاهى به)) يعني بحيث أمن المحذور بكثرة حفاظه والمعتنين به وقوة
ملكة من شاء الله منهم لتميزه عن غيره: لم تمنع.
قال الخولي: وإلى القول بالنسخ أَمِيْل؛ ذلك أن القرآن وإن كان بدعاً في أسلوبه،
فريداً في نظمه يمتاز على غيره بالإعجاز، لكن المسلمين في أول الإسلام كانوا حديثي
عهد بنزوله، وكان النازل منه يسيراً، فلم تكن ميزته المثلى قد توطنت النفوس جد
التوطن، ولا تمكنت فيها فضل التمكن، فكان من الممكن أن يشتبه على من دون فرسان
البلاغة: الوحي المتلو بغير المتلو؛ فوجب التمييز بالكتابة، فلما مرنوا على أسلوبه وطال
عهدهم بسماعه وتلاوته حتى أصبحوا إذا سمعوا الآية تتلى أو السورة تقرأ أدركوا لأول
كلمة تقرع أسماعهم أن ذلك وحي الله المتلو، ولم يحم الاشتباه حول نفوسهم لما مرنوا
على ذلك: أذن لهم بكتابة الحديث؛ لأمن اللبس.
وقد روى البيهقي في المدخل عن عروة بن الزبير: ((أن عمر بن الخطاب أراد أن
(١) غير واضحة في الأصل فليراجع.

٢٥٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله وَلقر، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق
عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أردت أن
أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله،
وإن الله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً فرجح المفسدة على المصلحة، ثم جاء عمر بن
عبد العزيز فرجح عنده المصلحة، فأمر بجمع السنن وتدوين كتب الحديث، ولكل امرىء
ما نوى، وأجره على الله)).
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: ((نحن نقول: إن في هذا معنيين:
أحدهما: أن يكون من منسوخ السنة بالسنة، كأنه نهى في أول الأمر أن يكتب
قوله، ثم رأى بعد لما علم أن السنن تكثر، وتفوت الحفظ أن تكتب وتقيد.
والمعنى الآخر: أن يكون خص بهذا عبد الله بن عمرو؛ لأنه كان قارئاً للكتب
المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا
الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي، فلما خشي عليهم الغلط فيما
يكتبون: نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك: أذن له)).
قال أبو محمد: ((حدثنا إسحاق بن راهيهو قال: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه،
عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عمرو بن تغلب، عن النبيّ وَلّر قال: ((من أشراط
الساعة أن يفيض المال، ويظهر القلم، ويفشو التجار)) قال عمرو: إن كنا لنلتمس في
الحواء العظيم الكاتب ويبيع الرجل البيع، فيقول: حتى أستأمر تاجر بني فلان)) انتهى
كلامه، وبمثله يعلم في مثل هذا المقام مقامه.
قال السخاوي: ((وبالجملة فالذي استقر الأمر عليه: الإجماع على الاستحباب، بل
قال شيخنا: إنه لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم، ونحوه
قول الذهبي تغذُّ إنه تعين في المائة الثالثة، وهلم جراً، وتحتم)).
أول من صنف في الصحيح المجرد
أول من صنف في الصحيح المجرد: الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري
الجعفي، وتلاه الإمام أبو الحسين مسلم الحجاج النيسابوري القشيري، وكان مسلم ممن
أخذ عن البخاري واستفاد منه، وهو مع ذلك يشاركه في أكثر شيوخه، وكتابهما أصح
كتب الحديث. وأما قول الإمام الشافعي: ((ما على وجه الأرض بعد كتاب الله أصح من
كتاب مالك) فإنه كان قبل وجود كتابيهما. وأما قول بعضهم: إن مالكاً أول من صنف في
الصحيح، فهو مسلّم، غير أنه لم يقتصر في كتابه عليه، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع

٢٥٣
مقدمة
والبلاغات. ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف كما ذكره الحافظ ابن عبد البر، فهو لم يجرد
الصحيح. واعترض بعضهم على ذلك فقال: إن مثل ذلك قد وقع في كتاب البخاري تَظُّ .
قال الحافظ ابن حجر: إن كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره
من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما، لا على الشرط الذي تقدم التعريف به. قال:
والفرق بين ما فيه من المنقطع وبين ما في البخاري: أن الذي في الموطأ هو مسموع
لمالك كذلك غالباً، وهو حجة عنده، والذي في البخاري قد حذف إسناده عمداً لقصد
التخفيف إن كان ذكره في موضع آخر موصولاً، أو لقصد التنويع إن كان على غير شرطه؛
ليخرجه عن موضوع كتابه، وإنما يذكر ما يذكر من ذلك تنبيهاً، أو استشهاداً، أو
استئناساً، أو تفسيراً لبعض آيات أو غير ذلك، فظهر بهذا أن الذي في البخاري لا يخرجه
عن كونه جرد فيه الصحيح، بخلاف الموطأ(١).
وقال ابن جزم: ((وفي الموطأ نيف وسبعون حديثاً قد ترك مالك نفسه العمل بها،
وفيها أحاديث ضعيفة وهاها جمهور العلماء)). والله أعلم.
شروط البخاري ومسلم رحمهما الله
ألف الحازمي كتاباً في شروط الأئمة، ذكر فيه شرط الشيخين وغيرهما، فقال:
«مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفیمن روى
عنهم، وهم ثقات أيضاً، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزم إخراجه، وعن بعضهم
مدخول لا يصح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض، وطريقه
معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم، ولنوضح ذلك بمثال:
وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلاً على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية
على التي تليها :
فالأولى: في غاية الصحة، نحو: مالك وابن عيينة ويونس وعقيل ونحوهم، وهي
مقصد البخاري.
والثانية: شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان
وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان منهم من يلازمه في السفر ويلازمه في الحضر،
(١) ذكر المصنف نقلاً عن الشاه ولي الله الدهلوي خلافه في هذه المقدمة، تحت عنوان ((طبقات كتب الحديث
بحسب الشهرة والصحة)) (رف).

٢٥٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كالليث بن سعد، والأوزاعي، والنعمان بن راشد. والثانية لم تلازم الزهري إلا مدة
يسيرة، فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، كجعفر بن برقان،
وسفيان بن حسين السلمي، وزمعة بن صالح المكي، وهم شرط مسلم.
والثالثة: جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى؛ غير أنهم لم يسلموا من
غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، كمعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن يحيى
الكلبي، والمثنى بن صباح، وهم شرط أبي داود والنسائي.
والرابعة: قوم شاركوا الثالثة في الجرح والتعديل، وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث
الزهري؛ لأنهم لم يلازموه كثيراً، وهم شرط الترمذي.
والخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يخرج الحديث على
الأبواب أن يخرج حديثهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه،
فأما عند الشيخين رحمهما الله فلا، كبحر بن كثير(١) السقاء، والحكم بن عبد الله الأيلي.
وقد يخرج البخاري أحياناً عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعلام الطبقة الثالثة، وأبو
داود عن مشاهير الرابعة، وذلك لأسباب اقتضته.
وقال ابن طاهر: ((شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة رجاله
إلى الصحابي المشهور)).
قال العراقي: ((وليس ما قاله بجيد؛ لأن النسائي ضعف رجالاً أخرج لهم الشيخان
أو أحدهما)).
وأجيب: بأنهما أخرجا من أجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك
تضعيف النسائى بعد وجود الكتابين.
قال الحافظ ابن حجر: ((تضعيف النسائي إن كان باجتهاده أو نقله عن معاصر
فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم فلا. قال: ويمكن أن يجاب بأن ما قاله ابن ظاهر تَظّهُ
هو الأصل الذي بنيا عليه أمرهما، وقد يخرجان عنه لمرجح يقوم مقامه)).
(١) كذا في الطبعتين لهذه المقدمة: ((كثير)) وفي الأصل المنقول عنه: ((كنيز)). بنون وزاي، انظر شروط الأئمة
الخمسة للحازمي (ص٤٦) وتقريب التهذيب (١: ٩٣) وميزان الإعتدال (١: ٢٩٨، رقم الترجمة ١١٢٧).
ثم ((كنيز)) قيل: مصغراً كما في هامش ((التقريب)) وقيل: مكبراً كما في التعليق على («الميزان)). ويترجح
التكبير بما ذكره ابن ماكولا في كتابه ((الإكمال)) (٧: ١٦٢) حيث قال: ((وأما كنيز بفتح الكاف وكسر النون
وآخره زاي فهو بحر بن كنيز السقاء أبو الفضل، بصري ... وأما كنيز مثل ما قبله إلا أن كافه مضمومة،
ونونه مفتوحة وياء بعدها ساكنة فهو كنيز الخادم .... )). والله أعلم.

٢٥٥
مقدمة
وقال الحافظ ابن تيمية: ((وأما شرط البخاري ومسلم فلهذا رجال يروي عنهم
يختص بهم، ولهذا رجال يروي عنهم يختص بهم، وهما مشتركان في رجال آخرين،
وهؤلاء الذين اتفقا عليهم: عليهم مدار الحديث المتفق عليه، وقد يروي أحدهما عن
رجل في المتابعات والشواهد دون الأصل، وقد يروي عنه ما عرف من طريق غيره ولا
يروي ما انفرد به، وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له
أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح، وليس الأمر كذلك؛ فإن معرفة
علل الحديث علم شريف يعرف أئمة الفن: كيحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني،
وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب الصحيح، والدارقطني، وغيرهم وهذه علوم يعرفها
أصحابها)) اهـ.
الشيخان لم يستوعبا الصحيح
قد ظن أناس أنهما قد التزما أن يخرجا كل ما صح من الحديث في كتابيهما،
فاعترضوا عليهما بأنهما لم يقوما بما التزما به، وليس الأمر كذلك؛ فقد روي عن
البخاري أنه قال: ((ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت جملة من الصحاح؛
خشية أن يطول الكتاب)). وروي عن مسلم أنه لما عوتب على ما فعل من جمع الأحاديث
الصحاح في كتاب، وقيل له: ((إن هذا يطرق لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل بأن
يقولوا إذا احتج عليهم بحديث: ليس هذا في الصحيح))؟ قال: ((إنما أخرجت هذا
الكتاب، وقلت: هو صحاح، ولم أقل ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب فهو
ضعيف، وإنما أخرجت من الصحيح؛ ليكون عندي وعند من يكتبه عني، ولا يرتاب في
صحته)) وقد رفع بذلك العتب. ولسان حاله يقول: ألام على ما يوجب الحب.
وبما ذكرنا من عدم التزامهما استيعاب الأحاديث الصحيحة أجمع: يظهر لك أن لا
وجه لالتزام من ألزمهما إخراج أحاديث لم يخرجاها مع كونها صحيحة على شرطيهما .
وقد اختلف العلماء في مقدار ما فاتهما من جهة القلة والكثرة: فقال الحافظ أبو
عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم شيخ الحاكم: ((قل ما يفوت البخاري ومسلماً مما
يثبت من الحدیث».
ويرد على ذلك قول البخاري - فيما نقله الحازمي والإسماعيلي -: ((وما تركت من
الصحاح: أکثر)).
وقال النووي تَُّ: ((قد فاتهما کثیر)) .

٢٥٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والصواب قول من قال: إنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير.
والأصول الخمسة هي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود،
والترمذي، والنسائي.
وقد جعل بعضهم الأصول ستة بضم سنن ابن ماجة إليها، قيل: أول من فعل ذلك
ابن طاهر المقدسي، فتابعه أصحاب الأطراف والرجال على ذلك، وتبعهم غيرهم، وإنما
لم تذكر هنا لما قال المزي وهو أن كل ما انفرد به ابن ماجه عن الخمسة فهو ضعيف.
قال الحسيني: يعني من الأحاديث. وقال ابن حجر كَُّهُ: ((إنه انفرد بأحاديث كثيرة وهي
صحيحة، فالأولى حمل الضعيف على الرجال)).
وقد جمع العلامة مجد الدين بن الأثير: الأصول الخمسة في كتاب، وضم إليها
مؤطأ الإمام مالك، حتى صارت بذلك ستة، وسماه ((جامع الأصول من حديث الرسول))
فصار الوصول إلى هذه الأصول سهل المسلك قريب المدرك.
والمراد بسنن النسائي هنا هي ((الصغرى)) لما روي أنه لما صنف الكبرى أهداها
لأمير الرملة، فقال له: أكلّ ما فيها صحيح؟ فقال: فيها الصحيح والحسن وما يقاربهما،
فقال: ميز لي الصحيح من غيره. فصنف له الصغرى وسماها ((المجتبى من السنن)).
قال بعض العلماء: وقدموا ابن ماجه على الموطأ لكثرة زوائده على الخمسة،
بخلاف الموطأ، ولما كان ابن ماجه قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة
الأحاديث: قال بعضهم: ينبغي أن يجعل السادس كتاب الدارمي؛ فإنه قليل الرجال
الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة، فهو
مع ذلك أولى منه. وقد جعل بعض العلماء كرزين السّرقسطي السادس: الموطأ، وتبعه
على ذلك المجد بن الأثير في كتاب ((جامع الأصول)) وكذا غيره.
درجة أحاديث الصحيحين
قد عرفت فيما سبق أن الحديث الصحيح له درجات تتفاوت في القوة بحسب تمكن
الحديث من الصفات التي تبني الصحة عليها وتنبىء عنها، وأن أصح كتب الحديث كتاب
البخاري وکتاب مسلم.
وقد قسموا الحديث الصحيح باعتبار تفاوت الدرجات إلى سبعة أقسام:
القسم الأول - وهو أعلاها -: ما أخرجه البخاري ومسلم.
القسم الثاني: ما انفرد به البخاري عن مسلم.

٢٥٧
مقدمة
القسم الثالث: ما انفرد به مسلم عن البخاري:
القسم الرابع: ما هو على شرطهما ولكن لم يخرجه واحد منهما .
القسم الخامس: ما هو على شرط البخاري ولكن لم يخرجه.
القسم السادس: ما هو على شرط مسلم ولكن لم يخرجه:
القسم السابع: ما ليس على شرطهما ولا على شرط واحد منهما، ولكنه صح عند
أئمة الحديث.
وكل قسم من هذه الأقسام أعلى مما بعده، غير أنه قد يعرض لبعض الأحاديث من
زيادة التمكن من شروط الصحة ما يجعله أرجح من حديث آخر يكون في القسم الذي هو
أعلى منه في الدرجة، وعلى هذا فيرجح ما تفرد به مسلم ولكنه روي من طرق مختلفة
على ما انفرد به البخاري كَّفُ إذا كان فرداً، وكذلك يرجح ما لم يخرجاه ولكنه ورد
بإسناد يقال فيه: إنه أصح إسناداً، على ما انفرد به أحدهما، لا سيّما إن كان في إسناده
من فيه مقال، وقس على ذلك.
وقد نقل بعض العلماء عن بعضهم: أنه اعترض على هذا الترتيب الذي جرى عليه
أهل الأثر، فقالوا: قول من قال: أصح الحديث ما في الصحيحين، ثم ما انفرد به
البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما اشتمل على شرطهما، ثم ما اشتمل على شرط
أحدهما: تحكم لا يجوز التقليد فيه؛ إذ الأصحية ليست إلا لاشتمال رواتهما على
الشروط التي اعتبراها، فإذا فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث في غير الكتابين
أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عين التحكم؟ في حكمهما أو أحدهما بأن
الراوي المعين مجتمع تلك الشروط مما لا يقطع فيه بمطابقة الواقع، فيجوز كون الواقع
خلافه، وقد أخرج مسلم عن كثير ممن لم يسلم من غوائل الجرح، وكذا في البخاري
جماعة تكلم فيهم، فدار الأمر في الرواة على اجتهاد العلماء فيهم، وكذا في الشروط،
حتى إن من اعتبر شرطاً وألغاه آخر يكون ما رواه الآخر مما ليس فيه ذلك الشرط عنده
مكافئاً لمعارضة المشتمل على ذلك الشرط، وكذا فيمن ضعف راوياً ووثقه الآخر، نعم!
تسكن نفس غير المجتهد ومن لم يخبر أمر الراوي بنفسه إلى ما اجتمع عليه الأكثر، أما
المجتهد في اعتبار الشرط وعدمه والذي خَبَرَ الراوي فلا يرجع إلا إلى رأي نفسه، فما
صح من الحديث في غير الكتابين يعارض ما فيهما، ولا يخفى أن صاحبي الصحيحين لم
يكتفيا في التصحيح بمجرد النظر إلى حال الراوي في العدالة والضبط، كما يتوهمه كثير

٢٥٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ممن لم يُعْنَ بهما، ولم يكن له إمعان نظر في أصول الأثر، بل ضما إلى ذلك النظر في
أمور أخرى بمجموعهما يظهر الحكم بالصحة.
قال الحافظ ابن تيمية: ((والحديث الذي يكون عن رجال البخاري وليس هو في
الصحيح لا يحكم بأنه مثل ما في الصحيح مطلقاً، لكن قد يتفق أن يكون مثله، كما قد
يتفق أن يكون معتلاً، وإن كان ظاهر إسناده الصحة والله أعلم)) اهـ.
الانتقاد على أحاديثهما
قال النووي في شرح مسلم: ((قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث
أخلاّ بشرطيهما فيها، ونزلت عن درجة ما التزماه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا، وقد ألف
الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني كثّفُ في بيان ذلك كتابه المسمى
((بالاستدراكات والتتبع)) وذلك في مائتي حديث مما في الكتابين. ولأبي مسعود الدمشقي
أيضاً عليهما استدراك، ولأبي على الغساني الجياني في كتابه تقييد المهمل في جزء العلل
منه استدراك، أكثره على الرواة، وفيه ما يلزمهما، وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره،
وستراه في مواضعه)) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر تكَُّ في الفصل الثامن من المقدمة: ((ينبغي لكل منصف أن
يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب؛ فإن جميعها
وارد من جهة أخرى، وهي ما ادعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على
تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه؛ فإن هذه المواضع متنازع في
صحتها، فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب، وقد تعرض لذلك ابن
الصلاح في قوله إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره، وقال في مقدمة شرح
مسلم له: ما أخذ عليهما - يعني على البخاري ومسلم - وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو
مستثنى مما ذكرنا؛ لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول. انتهى، وهو احتراز حسن)).
وقال الحافظ ابن تيمية في منهاج السنة: ((إن التصحيح لم يقلد أئمة الحديث فيه
البخاري ومسلماً، بل جمهور ما صححاه كان قبلهما عند أئمة الحديث صحيحاً متلقىّ
بالقبول، وكذلك في عصرهما، وكذلك بعدهما قد نظر أئمة هذا الفن في كتابيهما،
ووافقوهما على صحة ما صححاه إلا مواضع يسيرة نحو عشرين حديثاً انتقدها عليهما
طائفة من الحفاظ، وهذه المواضع المنتقدة غالبها في مسلم، وقد انتصر طائفة لهما فيها،
وطائفة قررت قول المنتقد، والصحيح التفصيل؛ فإن فيها مواضع منتقدة بلا ريب، مثل
حديث أم حبيبة، وحديث خلق الله التربة يوم السبت، وحديث صلاة الكسوف بثلاث

٢٥٩
مقدمة
ركوعات وأكثر، وفيها مواضع لا انتقاد فيها في البخاري؛ فإنه أبعد الكتابين عن الانتقاد،
ولا يكاد يروي لفظاً فيه انتقاد إلا ويروي اللفظ الآخر الذي يبين أنه منتقد، فما في كتابه
لفظ منتقد إلا وفي كتابه ما يبين أنه منتقد، وفي الجملة من نقد سبعة آلاف درهم فلم
يبهرج فيها إلا دراهم يسيرة ومع هذا فهي مفيدة ليست مغشوشة محضة، فهذا إمام في
صنعته، والكتابان سبعة آلاف حديث وكسر، والمقصود أن أحاديثهما نقدها الأئمة
الجهابذة قبلهم وبعدهم، ورماها خلائق لا يحصي عددهم إلا الله، فلم ينفردا: لا برواية
ولا بتصحيح، والله سبحانه هو الحفيظ، يحفظ هذا الدين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
﴾ [سورة الحجر، آية: ٩])) اهـ.
المـ
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
والأحاديث التي انتقدت عليها (١) تنقسم ستة أقسام:
القسم الأول منها: تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد.
القسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد.
القسم الثالث منها: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه عمن هو أكثر عدداً أو أضبط.
القسم الرابع منها : ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف.
القسم الخامس منها : ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله.
القسم السادس منها: ما اختلف بتغيير بعض ألفاظ المتن، وهذا أكثره لا يترتب
عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك، أو الترجيح، على أن الدارقطني وغيره
من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين (فيما يتعلق بالمتن) كما تعرضوا
لذلك بالإسناد.
فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح، وأجاب عنها الحافظ ابن حجر في
مقدمة الفتح إجمالاً وتفصيلاً، فليراجعه من شاء.
رجحان البخاري على مسلم
قال الجزائري تَظْلَهُ: ((ورجحان كتاب البخاري على كتاب مسلم أمر ثابت أدى إليه
بحث جهابذة النقاد واختبارهم، وقد صرح بذلك كثير منهم، ولم يصرح أحد بخلافه إلا
أنه نقل عن أبي علي النيسابوري شيخ الحاكم وبعض علماء المغرب ما يوهم رجحان
كتاب مسلم عليه، أما أبو علي فقد نقل عنه ابن مندة أنه قال: ((ما تحت أديم السماء
أصح من كتاب مسلم)) وهذه العبارة ليست صريحة في كونه أصح من كتاب البخاري،
(١) لعلها: عليهما.

٢٦٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وذلك لأن ظاهرها يدل على نفي وجود كتاب أصح من كتاب مسلم، ولا يدل على نفي
وجود كتاب يساويه في الصحة، وإنما تكون صريحة في ذلك أن لو قال: ((كتاب مسلم
أصح كتاب تحت أديم السماء)).
قال بعض أهل الأدب: ذهب من لا يعرف معاني الكلام إلى أن مثل قوله واله :
((وما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر)) مقتضاه أن يكون أبو ذر
أصدق العالم أجمع، وليس المعنى كذلك، وإنما نفى أن يكون أحد أعلى رتبة في الصدق
منه، ولم ينف أن يكون في الناس مثله في الصدق، ولو أراد ما ذهبوا إليه لقال: ((أبو ذر
أصدق من أقلت الغبراء وأظلت الخضراء)).
قال بعضهم: إن هذه الصيغة تستعمل تارة على مقتضى اللغة، فتدل على نفي الزيادة
فقط، وتستعمل تارة على مقتضى العرف، فتدل على نفي الزيادة والمساواة معاً، وحيث
إن عبارة أبي علي تحتمل المعنيين فلا ينبغي أن ينسب إليه أحدهما جزماً، كما فعل
جماعة، حيث ذكروا أنه قال: إن كتاب مسلم أصح من كتاب البخاري.
وقال بعض العلماء والذي يظهر لي من كلام أبي علي أنه إنما قدم صحيح مسلم
لمعنى آخر غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة، بل ذلك
لأن مسلماً كثّفُ صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان
يتحرز في الألفاظ ويتحرى في السياق، بخلاف البخاري؛ فإنه ربما كتب الحديث من
حفظه ولم يميز ألفاظ رواته، ولهذا ربما يعرض له الشك، وقد صح عنه أنه قال: ((رب
حديث سمعته بالبصرة فكتبته بالشام)) ولم يتصد مسلم لما تصدى له البخاري من استنباط
الأحكام ليبوب عليها، حتى لزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه، بل جمع مسلم
الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات، فلم يعرج عليها
إلا في بعض المواضع على سبيل الندوة تبعاً لا مقصوداً، فلهذا قال أبو علي ما قال، مع
أني رأيت بعض أئمتنا يجوز أن يكون أبو علي ما رأى صحيح البخاري، وعندي في ذلك
بُعد، والأقرب ما ذكرته)) اهـ.
وأما بعض علماء المغرب فقد نقل عنهم ما يدل على تفضيل كتاب مسلم على كتاب
البخاري إلا أنه ليس في عبارة أحدٍ منهم ما يشعر بأن ذلك من جهة الصحة، فقد نقل عن
أحد تلاميذ ابن حزم أنه كان يقول: ((كان بعض شيوخي يفضل صحيح مسلم على صحيح
البخاري)). ويظن أنه يعني بذلك ابن حزم.
قال القاسم التجيبي في فهرسته: ((كان أبو محمد بن حزم يفضل كتاب مسلم على
كتاب البخاري؛ لأنه ليس بعد خطبته إلا الحديث السرد)). فقد أبان ابن حزم أن تفضيل