Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
مقدمة
قال الحافظ تَخُّهُ: ((إن مصلحته - التي منها: معرفة رتبته في الضبط في أسرع وقت -
أكثر من مفسدته قال: وشرطه - أي الجواز - أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء
الحاجة)).
المنقلب
وقد عرف بعضهم القلب في المتن بقوله: هو أن يعطي أحد الشيئين ما اشتهر
للآخر، ويقرب منه قول العلامة شمس الدين محمد بن الجزري: ((هو أن يكون الحديث
على وجه، فينقلب بعض لفظه على الراوي، فيتغير معناه، وربما انعكس وجعله نوعاً
مستقلاً سماه بالمنقلب)). ومثل له بأمثلة:
منها ما ورد في البخاري في حديث تخاصم الجنة والنار، وهو ((أنه ينشىء للنار
خلقاً)) وصوابه ما ورد في البخاري في موضع آخر، وهو ((فأما الجنة فينشىء الله لها خلقاً))
فذهل الراوي الآخر فقلب الجنة بالنار، فصار ذلك من قبيل المنقلب.
تنبيه :
قد يؤدي الإخلال بمعرفة القلب إلى عد الحديث الواحد أحاديث إذا وقع القلب في
الصحابي، ويوجد ذلك في كلام الترمذي، فضلاً عمن دونه؛ حيث يقول: وفي الباب عن
فلان وفلان، ويكون الواقع أنه حديث واحد اختلف على راويه، وقد كان بعض القدماء
يبالغ في عيب من وقع له ذلك.
الموضوع والمتروك والمطروح
الموضوع: هو الحديث المكذوب على رسول الله و 8، سواء كان عمداً أم خطأ .
والمتروك: هو الحديث الذي ينفرد بروايته من يتهم بالكذب في الحديث. ويدخل
فيه من عرف بالكذب في غير الحديث، وإن لم يظهر كذبه في الحديث؛ وذلك لأن
التساهل في غير الحديث قد يجر إلى التساهل في الحديث.
قال بعض علماء الأصول: من تشدد في الحديث وتساهل في غيره فالأصح أن
روايته ترد؛ لأن الظاهر أنه إنما تشدد في الحديث لغرض، وإلا لزم تشدده مطلقاً، وقد
يتغير ذلك الغرض أو يحصل بدون تشدد فيكذب.
وقال بعضهم: ((يرد خبر من عرف بالتساهل في الحديث النبوي دون المتساهل في
حديثه عن نفسه وأمثاله، وما ليس بحكم في الدين)) اهـ.

١٦٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وينبغي أن يكون محل الخلاف بين من يرد حديثه وبين من لا يرده في الكذب الذي
لا يفضي إلى الخروج عن العدالة، وأما الكذب الذي يفضي إلى الخروج عن العدالة،
ولو لم يكن فيه إلا خرم المروءة، فلا خلاف في ترك حديث المعروف به عندهم.
وأما المطروح: فقد جعله بعضهم نوعاً مستقلاً، وعرفه بأنه: هو ما نزل عن
الضعيف، وارتفع عن الموضوع. ومثل له بحديث جويبر عن الضحاك عن ابن عباس.
وقد أدى نظر بعضهم إلى أنه: هو الحديث المتروك المعروف هنا، فيكون هذا
القسم مما له اسمان .
قال العلماء رحمهم الله: الموضوع شر الضعاف وأقبحها، وتحرم روايته مع العلم
بوضعه في أي معنى كان، سواء الأحكام والقصص والترغيب وغيرها، إلا مقروناً ببيان
وضعه وكذبه؛ لحديث مسلم: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين))
وكفى بهذه الجملة وعيداً شديداً في حق من روى الحديث وهو يظن أنه كذب فضلاً عن
أن يتحقق ذلك ويختلقه .
ويعرف وضع الحديث بأمور ذكرها ابن الجوزي والسيوطي وغيرهما في كتبهم، إلا
أن بعض العلماء قد يسرف في الحكم بالوضع فيحكم على حديث معارض للصحيح في
زعمه بأنه موضوع، كما قال الذهبي في ترجمة أبان بن سفيان المقدسي:
((قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي الحافظ: روى أشياء موضوعة، وعنه
محمد بن غالب الأنطاكي حديثين :
أحدهما: عن الفضيل، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي ((أنه
أصيبت ثنيته يوم أحد، فأمره رسول الله وَ ل﴿ أن يتخذ ثنية من ذهب)).
وروي عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر: ((نهى رسول الله وَلّ أن
یصلی إلی نائم أو متحدث)).
قال ابن حبان: ((وهذان موضوعان، وكيف يأمر المصطفى و سل و باتخاذ الثنية من
الذهب، وقد قال: ((إن الذهب والحرير محرمان على ذكور أمتي)) وكيف ينهى عن الصلاة
إلى النائم، وقد كان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة؛ فلا يجوز الاحتجاج بهذا
الشيخ، ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار للخواص)).
قلت: حكمك عليهما بالوضع بمجرد ما أبديت: حكم فيه نظر، لا سيما خبر
الثنية. كذا في الميزان.

١٦٣
مقدمة
وقد أكثر ابن الجوزي تَّفُ في الموضوعات، وأخرج في كتابه كثيراً من الأحاديث
الضعيفة التي لا دليل معه على وضعها، بل ربما أدرج فيها الحسن والصحيح مما هو في
أحد الصحيحين، فضلاً عن غيرهما .
قال السيوطي كَذّفُ: ((قال شيخ الإسلام: غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع،
والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد: قليل جداً، قال: وفيه من الضرر أن يظن ما
ليس بموضوع موضوعاً، عكس الضرر بمستدرك الحاكم؛ فإنه يظن ما ليس بصحيح
صحيحاً. قال: ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين؛ فإن الكلام في تساهلهما أعدم الانتفاع
بهما إلا لعالم بالفن؛ لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه تساهل)).
قلت: قد اختصرت هذا الكتاب فعلقت أسانيده وذكرت منها موضع الحاجة،
وأثبت بالمتون وكلام ابن الجوزي عليها، وتعقبت كثيراً منها، وتتبعت كلام الحفاظ في
تلك الأحاديث، خصوصاً شيخ الإسلام في تصانيفه وأماليه، ثم أفردت الأحاديث
المتعقبة في تأليف، وذلك أن شيخ الإسلام ألف ((القول المسدد في الذب عن المسند»
أورد فيه أربعة وعشرين حديثاً في المسند، وهي في الموضوعات، وانتقدها حديثاً حديثاً،
ومنها حديث في صحيح مسلم، وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي، عن أفلح بن
سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَالاول: ((إن طالت بك
مدة أوشك أن ترى قوماً يعدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب
البقرة)).
قال شيخ الإسلام: ((لم أقف في كتاب الموضوعات على شيء حكم عليه بالوضع،
وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة، ثم تكلم عليه وعلى
شواهده، وذيلت على هذا الكتاب بذيل في الأحاديث التي بقيت في الموضوعات من
المسند، وهي أربعة عشر، مع الكلام عليها، ثم ألفت ذيلاً لهذين الكتابين سمينه ((القول
الحسن في الذب عن السنن)) أوردت فيه مائة وبضعة وعشرين حديثاً ليست بموضوعة،
منها ما هو في سنن أبي داود، وهي أربعة أحاديث، منها حديث صلاة التسبيح، ومنها ما
هو في جامع الترمذي، وهو ثلاثة وعشرون حديثاً، ومنها ما هو في سنن النسائي، وهو
حديث واحد، ومنها ما هو في ابن ماجة وهو ستة عشر حديثاً، ومنها ما هو في صحيح
البخاري من رواية حماد بن شاكر، وهو حديث ابن عمر: (كيف بك يا ابن عمر إذا
عمرت بين قوم يخبأون رزق سنتهم)) هذا الحديث أورده الديلمي في مسند الفردوس،
وعزاه للبخاري، وذكر سنده إلى ابن عمر، ورأيت بخط العراقي في أنه ليس في الرواية

١٦٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المشهورة، وأن المزي ذكر أنه في رواية حماد بن شاكر، فهذا حديث ثانٍ من أحاديث
الصحیحین)) اهـ.
قلت: والثالث ما ذكرته في المعلل من حديث عكرمة بن عمار عند مسلم عن أبي
زميل عن ابن عباس قال: ((كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال
للنبي (وَله: ثلاث أعطنيهن، قال: نعم)) الحديث.
قال ابن حزم: «هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن
عمار)) اهـ.
وقد أشار شراح صحيح مسلم إلى أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة
بالإشكال، وقد امتعض بعضهم بما قاله ابن حزم، فبالغ في التشنيع عليه، وقال: إنه كان
هجاماً على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم، ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث
نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع، ويحيى بن معين، وغيرهما،
وكان مستجاب الدعوة.
وقال في الميزان: ((عكرمة بن عمار العجلي اليمامي له رواية عن طاوس، وسالم،
وعطاء، ويحيى بن أبي كثير، وعنه: يحيى القطان، وابن مهدي، وأبو الوليد، وخلق.
روى أبو حاتم عن يحيى بن معين أنه قال: ((كان أمياً حافظاً)). وقال أبو حاتم: ((صدوق
ربما يهم)) وقال عاصم بن علي: ((كان مستجاب الدعوة)) وقال أحمد بن حنبل: ((ضعيف
الحديث، وكان حديثه عن إياس بن سلمة صالحاً)) قال الحاكم: ((أكثر مسلم الاستشهاد
به)) وقال البخاري: ((لم يكن له كتاب فاضطرب حديثه عن يحيى)). قال: وفي صحيح
مسلم قد ساق له أصلاً منكراً عن سماك الحنفي عن ابن عباس في الثلاثة التي طلبها أبو
سفیان، وثلاثة أحاديث أخر بالإسناد.
وأبو زميل بضم الزاي وفتح الميم، واسمه سماك بن الوليد الحنفي اليمامي، ثم
الكوفي .
قال السخاوي تخفّفُ: ((ثم من العجب إيراد ابن الجوزي في كتابه ((العلل المتناهية في
الأحاديث الواهية)) كثيراً مما أورده في الموضوعات، كما أن في الموضوعات كثيراً من
الأحاديث الواهية، بل قد أكثر في تصانيفه الوعظية وما أشبهها من إيراد الموضوع
وشبهه. قال شيخنا: وفاته من نوعي: الموضوع والواهي، في الكتابين قدر ما كتب)).
قال العلائي كثّفُ: ((أشد الأصناف (الواضعين) ضرراً: أهل الزهد، كما قاله ابن
الصلاح، وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه القياس إلى النبيّ وَلّر، وأما

١٦٥
مقدمة
باقي الأصناف: كالزنادقة، فالأمر فيهم أسهل؛ لأن كون تلك الأحاديث كذباً لا يخفى
إلا على الأغبياء، وكذا أهل الأهواء من الرافضة، والمجسمة، والقدرية، في شد
بدعهم، وأمر أصحاب الأمر أو القُصَّاص أظهر؛ لأنهم في الغالب ليسوا من أهل
الحدیث)).
قال شيخنا: ((وأخفى الأصناف من لم يتعمد الوضع مع الوصف بالصدق، كمن
يغلط فينسب إلى النبيّ وَلّ كلام بعض الصحابة أو غيرهم، وكمن ابتلى بمن يدس في
حديثه ما ليس منه، كما وقع لحماد بن زيد مع ربيبه، ولسفيان بن وكيع مع وراقه،
ولعبد الله بن صالح كاتب الليث مع جاره، ولجماعة من الشيوخ المصريين في ذلك
العصر مع خالد بن نجيح المدايني المصري، وكمن تدخل عليه آفة في حفظه أو في كتابه
أو في بصره، فيروي ما ليس من حديثه غالطاً؛ فإن الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك،
إلا من الأئمة النقاد)) انتهى.
وقد قيض الله لها نقادها، وهم الذين خصهم الله بنور السنة وقوة البصيرة، فلم
تَخْفَ عنهم حال مفتر ولا زور كذاب، فبينوا بنقدهم فساد هذه الموضوعات، وميزوا
الغثَّ من السمين، والمزلزل والمكين، وقاموا بأعباء ما تحملوه، ولذا لما قيل لابن
المبارك: ((هذه الأحاديث المصنوعة))! قال: ((تعيش لها الجهابذة؛ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
﴾ [سورة الحجر، آية: ٩] انتهى. ومن حفظه هتك من يكذب على
وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
رسول الله مَلچر .
وقال الدارقطني: ((يا أهل بغداد، لا تظنوا أن أحداً يقدر أن يكذب على
رسول الله (وَلير وأناحي)) كذا في فتح المغيث.
قال النووي: ((ومن الموضوع الحديث المروي عن أبي بن كعب مرفوعاً في فضل
القرآن سورة سورة من أوله إلى آخره)) .
قال السيوطي: ((فروينا عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ به فقلت للشيخ:
من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟
فقال: حدثني شيخ بواسط وهو حي، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت
إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً، فإذا فيه قوم من
المتصوفة، ومعهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ، من حدثك؟ فقال: لم
يحدثني أحد، لكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا
قلوبهم إلى القرآن)).

١٦٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قلت: ولم أقف على تسمية هذا الشيخ إلا أن ابن الجوزي أورده في الموضوعات
من طريق بزيع بن حبان عن علي بن زيد بن جدعان وعطاء بن أبي ميمونة عن زر بن
حبيش عن أبي، وقال: ((الآفة فيه من بزيع))، ثم أورده من طريق مخلد بن عبد الواحد عن
علي وعطاء، وقال: ((الآفة فيه من مخلد)) فكأن أحدهما وضعه والآخر سرقه، أو كلاهما
سرقه من ذلك الشيخ الواضع)). كذا في تدريب الراوي.
رواية المجهول والمستور
رواية مجهول العدالة ظاهراً وباطناً مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه: لا
تقبل عند الجماهير، نعم! كثرة رواية الثقات عن الشخص تقوى حسن الظن فيه، كما نقل
السخاوي تَّلُ عن ابن رشيد، وقيل: تقبل روايته مطلقاً. وقيل: إن كان من روى عنه فيهم
من لا يروى عن غير عدل قبل، وإلا فلا .
ورواية المستور - وهو عدل الظاهر خفي الباطن - يحتج بها بعض من رد الأول.
كسليم الرازي من الشافعية؛ لأن الأخبار تبنى على حسن الظن بالراوي، وأيضاً فلتعسر
الخبرة الباطنية على الناقد، وبهذا فارق الراوي الشاهد؛ فإن الشهادة تكون عند الحكام،
وهم لا تتعسر عليهم، لا سيما مع اجتهاد الأخصام في الفحص عنها، بل عزا الاحتجاج
بأهل هذا القسم كالقسم الأول لكثيرين من المحققين النوويُّ كَُّ في مقدمة شرح مسلم.
قلت: ومنهم أبو بكر بن فورك، وكذا قبله أبو حنيفة، خلافاً للشافعي، ومن عزاه
إليه فقد وهم.
قال ابن الصلاح: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث
المشهورة في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم، وتعذرت خبرتهم باطناً، وكذا صححه
النووي في شرح المهذب، وكأن الحامل لهم على هذا المسلك غلبة العدالة على الناس
في تلك القرون الفاضلة؛ ولذا قال بعض الحنفية: المستور في زماننا لا يقبل لكثرة الفساد
وقلة الرشاد، وإنما كان مقبولاً في زمن السلف الصالح هذا مع احتمال اطلاعهم على ما
لم نطلع نحن عليه من أمرهم.
قال الحافظ: ((والتحقيق أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول
بردها ولا بقبولها، بل يقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين.
قال: ونحوہ قول ابن الصلاح فیمن جرح بجرح غیر مفسر)) اهـ.
وأما مجهول العين فقد لا يقبله بعض من يقبل مجهول العدالة.

١٦٧
مقدمة
قال السيوطي كثّلهُ: ((ورده هو الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث
وغيرهم. وقيل: يقبل مطلقاً، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيداً على الإسلام،
وعزاه ابن المواق للحنفية حيث قال: ((إنهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد وبين من
روى عنه أكثر من واحد، بل قبلوا رواية المجهول على الإطلاق)) انتهى. وهو لازم كل
من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها عن الراوي تعديل له، بل عزا النووي كثّفُ في
مقدمة شرح مسلم لكثيرين من المحققين الاحتجاج به)).
وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وإليه يومىء
قول تلميذه ابن حبان، ويتأيد بقوله في كتاب الثقات له: ((أيوب الأنصاري عن سعيد بن
جبير، وعنه مهدي بن ميمون: لا أدري من هو؟ ولا ابن من هو؟)) فإن هذا منه يؤيد أنه
يذكر في الثقات: كل مجهول روى عنه ثقة، ولم يجرح، ولم يكن الحديث الذي يرويه
منكراً .
وقيل: فإن تفرد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن عدل: كابن مهدي، ويحيى بن
سعيد، واكتفينا في التعديل بواحد: قُبِل وإلا فلا.
وقيل: إن كان مشهوراً في غير العلم بالزهد أو النجدة قبل، وإلا فلا، واختاره ابن
عبد البر.
وقيل: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه: قبل وإلا فلا .
واختاره أبو الحسن بن القطان، وصححه شيخ الإسلام.
ثم من روى عنه عدلان ارتفعت جهالة عينه .
قال الخطيب كثّفُ في الكفاية وغيرها: ((المجهول عند أهل الحديث من لم تعرفه
العلماء، ولم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا يعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد. وأقل
ما يرفع الجهالة عنه رواية اثنين مشهورين فأكثر عنه، وإن لم يثبت له بذلك حكم العدالة))
ونقل ابن عبد البر عن أهل الحديث نحوه.
قال ابن الصلاح رداً على الخطيب: ((وقد روى البخاري في صحيحه عن مرداس بن
مالك الأسلمي، وروى مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمي، ولم يرو عنهما
غير واحد، وهو: قيس بن أبي حازم عن الأول، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن
عبد الرحمن عن الثاني، وذلك مصير منهما إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولاً
مردوداً برواية واحد عنه. قال: والخلاف في ذلك متجه كالاكتفاء بتعديل واحد)).
قال النووي: ((والصواب نقل الخطيب، ولا يصح الرد عليه بمرداس وربيعة؛ فإنهما

١٦٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
صحابيان مشهوران، والصحابة كلهم عدول؛ فلا يحتاج إلى رفع الجهالة عنهم بتعدد
الرواة)).
قال العراقي: ((هذا الذي قاله النووي متجه إذا ثبت الصحبة، ولكن بقي الكلام في
أنه هل تثبت الصحبة برواية واحد عنه أو لا تثبت إلا برواية اثنين عنه؟ وهو محل نظر
واختلاف بين أهل العلم، والحق أنه إن كان معروفاً بذكره في الغزوات أو في من وفد من
الصحابة أو نحو ذلك فإنه تثبت صحبته، وإن لم يرو عنه إلا راوٍ واحد، ومرداس من أهل
الشجرة، وربيعة من أهل الصفة، فلا يضرهما انفراد راوٍ واحد عن كل منها)).
على أن ذلك ليس بصواب بالنسبة إلى ربيعة، فقد روى عنه أيضاً نعيم المجمر،
وحنظلة بن علي، وأبو عمران الجويني، قال: وذكر المزي والذهبي أن مرداساً روى عنه
أيضاً زياد بن علاقة، وهو وهم، إنما ذاك مرداس بن عروة صحابي آخر، كما ذكره
البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مندة، وابن عبد البر، والطبراني، وابن
قانع، وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافاً)).
قال العراقي: ((إذا مشينا على ما قاله النووي: ((إن هذا لا يؤثر في الصحابة)): ورد
عليه من خرّج له البخاري أو مسلم من غيرهم، ولم يرو عنهم إلا واحد، فقال: وقد
جمعتهم في جزء مفرد، منهم عند البخاري: جريرة بن قدامة، تفرد عنه أبو حمزة نصر بن
عمران الضبعي. وزيد بن رباح المدني، تفرد عنه مالك. والوليد بن الله تعالى الجارودي
تفرد عنه ابن المنذر. وعند مسلم جابر بن إسماعيل الحضرمي تفرد عنه عبد الله بن وهب.
وخباب صاحب المقصورة تفرد عنه عامر بن سعد) اهـ.
قال شيخ الإسلام: ((أما جويرية فالأرجح أنه جارية عم الأحنف صرح بذلك ابن
أبي شيبة في مصنفه، وجارية ابن أبي قدامة صحابي شهير، روى عنه الأحنف بن قيس،
والحسن البصري)) .
وأما زيد ابن أبي رباح فقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأساً. وقال الدارقطني
وغيره: ثقة. وقال ابن عبد البر: ثقة مأمون وذكره ابن حبان في الثقات، فانتفت عنه
الجهالة بتوثيق هؤلاء.
وأما الوليد فوثقه أيضاً: الدارقطني، وابن حبان.
. وأما جابر فوثقه ابن حبان، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه، وقال: «إنه ممن
يحتج به)) .
وأما خباب فذكره جماعة في الصحابة، وقد صنف مسلم بن الحجاج كتاباً في

١٦٩
مقدمة
المنفردات والوحدان من النساء والرجاء، ذكره العراقي وغيره)).
تجهيل بعض الحفاظ قوماً من رواة الصحيحين
قال السيوطي: ((جهل جماعة من الحفاظ قوماً من الرواة؛ لعدم علمهم بهم، وهم
معروفون بالعدالة عند غيرهم، وأنا أسرد ما في الصحيحين، من ذلك:
أحمد عن عاصم البلخي: جهله أبو حاتم؛ لأنه لم يخبر حاله، ووثقه ابن حبان،
وقال: روى عنه أهل بلده.
إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي: جهله ابن القطان، وعرفه غيره، فوثقه ابن
حبان وروی عنه جماعة.
أسامة بن حفص المدني: جهله الساجي وأبو القاسم اللالكائي. قال الذهبي:
((ليس بمجهول روى عنه أربعة أسباط)).
أبو اليسع: جهله أبو حاتم وعرفه البخاري.
بيان بن عمرو: جهله أبو حاتم ووثقه ابن المدني، وابن حبان، وابن عدي، وروى
عنه البخاري. قال السخاوي: ((معرفة البخاري به التي اقتضت له روايته عنه ولو انفرد
بها: كافية في توثيقه فضلاً عن أن غيره قد عرفه أيضاً، ولذا صرح ابن رشيد - كما سيأتي -
بأنه لو عدله المنفرد عنه كفى، وصححه شيخنا أيضاً إذا كان متأهلاً لذلك)).
قال السخاوي: ((وبالجملة فرواية إمام ناقل الشريعة لرجل ممن لم يرو عنه سوى
واحد في مقام الاحتجاج: كافية في تعريفه وتعديله، وهذا يعينك على فهم ما قلنا في
المرسل)).
قال في التقريب وشرحه: ((ومن عرفت عينه وعدالته وجهل اسمه ونسبه: احتج به،
وفي الصحيحين من ذلك كثير، كقولهم: ابن فلان، أو ولد فلان، وقد جزم بذلك
الخطيب في الكفاية، ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلله بأن الجهل باسمه لا
يُخلُّ بالعلم بعدالته، ومثله بحديث ثمامة بن حزن القشيري: ((سألت عائشة عن النبيذ،
فقالت: هذه خادم رسول الله وَ ر - الجارية حبشية-)) الحديث.
اصطلاح أصحابنا الحنفية في المجهول والمستور وحكمهما عندهم
قال في تحرير الأصول وشرحه: ((مجهول الحال - وهو المستور - غير مقبول، وعن
أبي حنيفة في غير الظاهر من الرواية عنه قبول ما لم يرده السلف، وجه هذه الرواية ظهور

١٧٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
العدالة بالتزامه الإسلام، ودفع هذا الوجه بأن الغالب أظهر. وهو - أي: الغالب - الفسق
في هذه الأزمان، فيرد خبره به ما لم تثبت العدالة بغيره - أي: التزامه الإسلام ..
وقد ينفصل القائل بهذه الرواية بأن الغلبة للفسق في غير رواة الحديث: لا في
الرواة الماضين له، ويدفع هذا بأنه - أي: كون الغلبة - في غير رواة الحديث إنما هو في
المعروفين منهم، لا في المجهولين، وكلامنا في المجهولين منهم، والاستدلال للرواية
المذكورة بأن الفسق سبب التثبت، فإذا انتفى وجوب التثبت، وانتفاء الفسق بالتزكية:
موقوف على صحة هذا الدفع؛ إذ يورد عليه - أي: الدليل المذكور - منع الحصر في
التزكية بالتزام الإسلام؛ فإنه يفيد الكف عن محظورات دينه، كالتزكية، ويدفع بأن الظاهر
بالكثرة أظهر منه، والمجهولون من النقلة لم تثبت فيهم غلبة العدالة، فكانوا كغيرهم.
وأما ظاهر العدالة فعدل واجب القبول، وإنما سماه مستوراً بعض من الشافعية
کالبغوي .
ثم قول البيهقي: ((الشافعي لا يحتج بحديث المجهولين، لا يدخل فيه من عدالته
ظاهرة بالتزامه أوامر الله ونواهيه، وكون باطن أمره غير معلوم لا يصيره مردوداً مجهولاً،
على أن قول الشافعي كثّفُ في جواب سؤال أورده، فلا يجوز أن يترك الحكم بشهادتهما
إذا كانا عدلين في الظاهر)»: صريح في قبول من كان بهذه المثابة، وأنه ليس بداخل في
المجهول. فلا جرم أن قال الشيخ زين الدين العراقي: ((فعلى هذا لا يقال لمن هو بهذه
المثابة: مستور))، وهذا هو المستقر عند ابن الهمام، ولذا أعطى حكم مجهول الحال عدم
القبول، وسماه مستوراً، وجعل من ظهرت عدالته مقابلاً له فهو عدل غير مستور واجب
القبول .
وأما الطعن في الحديث بالجهالة لرواية بأن لم يعرف في رواية الحديث إلا بحديث
أو بحديثين، فبعمل السلف به يزول الطعن فيه؛ لأن عملهم به إما لعلمهم بعدالة الراوي،
وحسن ضبطه، أو لموافقته سماعهم ذلك من رسول الله وَّر، أو من سامع منه ذلك
مشهور؛ لانتفاء اتهامهم بالتقصير في أمر الدين مع ما لهم من الرتبة العالية في الورع
والتقوى، وسكوتهم - أي السلف - عند اشتهار رواية الحديث الذي راويه بالصفة
المذكورة كعملهم به؛ إذ لا يسكتون عن منكرٍ يستطيعون إنكاره، والفرض ثبوت
الاستطاعة، كما هو الأصل.
فإن قبل الحديث بعض منهم ورده آخر منهم فكثير من العلماء من أهل الحديث
وغيرهم على رده، والحنفية يقبلونه، وليس قبوله من تقديم التعديل على الجرح؛ لأن ترك

١٧١
مقدمة
العمل بالحديث ليس جرحاً في راويه كما سنذكر، فهو - أي: قبول البعض له - توثيق
للراوي بلا معارض.
ومثال ما قبله بعضهم ورده بعضهم عند الحنفية حديث معقل بن سنان ((أنه مَّل قضى
لبروع بنت واشق بمهر مثل نسائها حين مات عنها هلال بن مرة» قَبِلَه ابن مسعود ورده
علي. وقد نوقش في هذا المثال إلا أن النظر في المثال غير قادح في الأصل.
ومجهول العين والحال ـ أي: من لم يعرف ذاته إلا برواية حديث أو حديثين، ولم
تعرف عدالته ولا فسقه ولا طول صحبته - فإن قبله السلف أو سكتوا إذا بلغهم، أو
اختلفوا: قبل حديثه وقدم على القياس، ووجه بأنه لما قبله بعض الفقهاء المشهورين صار
كأنه رواه بنفسه، فإذا قبله السلف أو سكتوا عن رده بعد ما بلغهم فبطريق أولى؛ لأنهم
عدول، أهل فقه، لا يتهمون بالتقصير في أمر الدين بقبول ما لم يصح عندهم أنه ثابت
عن رسول الله وَّر ولا بالسكوت عن رد ما يجب رده في موضع الحاجة إلى البيان؛ لأنه
لا يحل إلا على وجه الرصا بالمسموع.
وإن رد السلف حديث المجهول لا يجوز العمل به إذا خالفه القياس؛ لأنهم لا
يتهمون برد الحديث الصحيح؛ فيكون اتفاقهم على الرد دليلاً على أنهم اتهموه في
الرواية، وسموه منكراً أو مستنكراً؛ لأنهم لم يعرفوا صحته، وهو دون الموضوع؛ فإن
الموضوع لا يحتمل أن يكون حديثاً مثل ما روى محمد بن سعيد عن حميد عن أنس أن
رسول الله وَلي قال: ((أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله)) فوضع هذا الاستثناء
لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة ويدعي النبوة.
فأما المنكر فيحتمل أن يكون حديثاً؛ لأن كونه حديثاً إن لم يكن معلوماً عند أهل
الصنعة فكونه موضوعاً ليس بمعلوم لهم أيضاً، فكان من الجائز أن يكون الراوي صادقاً
في الرواية، ولكنه مع هذا الاحتمال ليس بحجة، لا في حق الجواز، ولا في حق
الوجوب.
قال الإمام فخر الإسلام: ((فصار هذا غير حجة يحتمل أن يكون حجة على العكس
من المشهور أنه حجة يحتمل شبهة عند التأمل)).
وأما إذا لم يظهر حديث المجهول في السلف فلم يقابل برد ولا قبول لم يترك به
القياس، ولم يجب العمل به، ولكن العمل به جائز؛ لأن العدالة أصل في ذلك الزمان،
ولذلك جوز أبو حنيفة تَقْلَفُ القضاء بظاهر العدالة من غير تعديل، حتى إن رواية مثل هذا
المجهول في زماننا لا يحل العمل به لظهور الفسق، فصار المتواتر يوجب علم اليقين،

١٧٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والمشهور علم طمأنينة، وخبر الواحد علم غالب الرأي، والمستنكر منه يفيد الظن، ﴿وَإِنَّ
الَّنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الْحِّ شَيْئًا﴾ [سورة النجم، آية: ٢٨] والمستتر منه في حيز الجواز للعمل به دون
الوجوب، والله أعلم)) اهـ. والمراد بالظن في المستنكر: الوهم، كما سبق في أوائل هذه
المقدمة .
روايات أهل البدع والأهواء
قال الحافظ تغذَلُ في شرح نخبة الفكر: ((البدعة إما أن تكون بمكفّر كأن يعتقد ما
يستلزم الكفر، أو مفسق، فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقاً، وقيل :
إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته: قبل)).
والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة،
وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف،
فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع، معلوماً من الدين
بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه. فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه
لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله.
والثاني : - هو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلاً - وقد اختلف في قبوله ورده،
فقيل: يرد مطلقاً، وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجاً لأمره، وتنويهاً
بذكره، وعلى هذا ينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع. وقيل: يقبل
مطلقاً إلا إن اعتقد حل الكذب كما تقدم. وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته؛ لأن
تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه)).
قال السيوطي كَّفُ: ((قيد جماعة قبول غير الداعية بما إذا لم يرو ما يقوي بدعته،
صرح بذلك الحافظ أبو إسحاق الجوزجاني، وبه جزم شيخ الإسلام في النخبة، وخص
بعضهم القبول بالبدعة الصغرى كالتشيع سوى الغلاة فيه وغيرهم؛ فإنه كثر في التابعين
وأتباعهم، فلو رُدَّ حديثهم لذهب جملة من الآثار النبوية، وفي ذلك مفسدة بيّنة. وأما
البدعة الكبرى كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحط على الشيخين: أبي بكر وعمر ◌ًَّا،
فلا، ولا كرامة، لا سيما ولست أستحضر الآن من هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً،
بل الكذب شعارهم، والنفاق والتقية دثارهم، فكيف يقبل من هذا حاله؟! قاله الذهبي)).
قال: ((والشيعي الغالي في زمن السلف وعرفهم من تكلم في عثمان والزبير
وطلحة ه وطائفة ممن حارب علياً وظبه وتعرض لسبّهم، والغالي في زمننا وعرفنا هو

١٧٣
مقدمة
الذي كفر هؤلاء السادة، وتبرأ من الشيخين أيضاً، فهذا ضال مفترٍ)).
ونحوه قول الحافظ في أبان بن تغلب من تهذيبه: ((التشيع في عرف المتقدمين هو
اعتقاد تفضيل علي رؤيته على عثمان، وأن علياً كان مصيباً في حروبه، وأن مخالفه
مخطىء مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن علياً شبه أفضل الخلق
بعد رسول الله ﴿، فإن كان معتقد ذلك ورعاً، ديناً، صادقاً، مجتهداً، فلا ترد روايته
بهذا، لا سيما إن كان غير داعية. وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض،
فلا يقبل رواية الرافضي الغالي، ولا كرامة)).
وأما القول برد رواية المبتدعين مطلقاً فضعيف جداً، ففي الصحيحين وغيرهما من
كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة من غير الدعاة، حتى قال الحاكم:
(كتاب مسلم تغذُّ ملآن من الشيعة)).
فإن قيل: قد خرج البخاري لعمران بن خطان السدوسي الشاعر الذي قال فيه أبو
العباس المبرد: إنه كان رأس القعد من الصفرية وفقيههم وخطيبهم وشاعرهم، مع كونه
داعية إلى مذهبه، فقد صرح (ولعله وقد مدح وفي مقدمة فتح الباري وقد رثى)
عبد الرحمن بن ملجم كانوا يقولون بقولهم، ولا يرون بالخروج، بل يدعون إلى آرائهم،
ويزينون مع ذلك الخروج ويحسنونه. وكذا لعبد الحميد بن الله تعالى الحماني مع قول أبي
داود فيه: ((إنه كان داعية إلى الإرجاء)). فقد أجيب عن التخريج لأولهما بأجوبة:
أحدها : أنه إنما خرج له ما حمل عنه قبل ابتداعه.
ثانيها: أنه رجع في آخر عمره عن هذا الرأي. وكذا أجيب بهذا عن تخريج
الشيخين معاً لشبابة بن سوار مع كونه داعية.
ثالثها: وهو المعتمد المعوّل عليه أنه لم يخرج له سوى حديث واحد مع كونه في
المتابعات، ولا يضر فيها التخريج لمثله.
وأجاب شيخنا عن التخريج لثانیهما بأن البخاري لم يخرج له سوی حديث واحد قد
رواه مسلم من غير طريق الحماني، فبان أنه لم يخرج له إلا ما له أصل. كذا في فتح
المغيث.
قلت: وهذا أيضاً عندي لا يخلو عن قلق؛ فإن المبتدعين الذين أحدثوا في الدين
بعد النبيّ وَّ﴿، لا سيما الغلاة والدعاة منهم، كانوا أحقاء بأن يسحقوا عن حوض السنة
في الدنيا، كما يطردون في المحشر حين يردون على الحوض، فيقال للنبي وقلت: ((لا
تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول لهم وَّلقر: سحقاً سحقاً)) فإن التحديث منصب سني لا يليق

١٧٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
به صاحب بدعة، والمحدّث معظم جدير بالاحترام، والمحْدِث محقر مهان. وهذا هو
مذهب طائفة من السلف منهم مالك، وكذا نقله الحاكم عنه، ونصه في المدونة في غير
موضع يشهد له، وتبعه أصحابه، وكذا جاء عن القاضي أبي بكر الباقلاني وأتباعه، بل
نقله الآمدي عن الأكثرين، وجزم به ابن الحاجب، ويؤيده ظاهر ما رواه مسلم كَُّ في
المقدمة عن ابن سيرين قال: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا:
سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ
حديثهم)). ولا أقل من أن يقبل فيهم التفصيل الذي مال إليه الشيخ تقي الدين بن دقيق
العيد كَثُ حيث قال: ((إن وافقه (أي المبتدع) غيره فلا يلتفت إليه هو إخماد لبدعة،
وإطفاء لناره، يعني لأنه كان يقال كما قال رافع بن أشرس من عقوبة الفاسق المبتدع: أن
لا تذكر محاسنه، وإن لم يوافقه أحد، ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من
صدقه وتحرزه عن الكذب، واشتهاره بالتدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته، فينبغي
أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث، ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء
بدعته)) .
تنبيه :
وليعلم أن أبا يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وعمران: حطان الذين
كانا من الدعاة، وخرج لهما البخاري كذُّ لم يخرج لأحد منهما مسلم كثُّ في الصحيح،
لا في الأصول ولا في المتابعات، نعم! أخرج للأول، وهو الذي وثقه ابن معين في
المقدمة، عن قبيصة وأخيه أنهما سمعا الجراح بن مليح يقول: سمعت جابراً (أي:
جابر بن يزيد الجعفي) يقول: عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبيّ وََّ،
وهذا كما ترى ليس إسناد حديث مرفوع، بل ساقه في معرض تضعيف جابر الجعفي مع
روايات أخرى تصدقها .
أسماء من رمي ببدعته ممن أخرج لهم البخاري ومسلم
قد سرد السيوطي كثّهُ في التدريب أسماء من رمي ببدعته ممن أخرج لهم البخاري
ومسلم أو أحدهما، وهم:
((إبراهيم بن طهمان، أيوب بن عائذ الطائي، ذر بن عبد الله المرهبي، شبابة بن
سوار، عبد الحميد بن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني، عبد الحميد (١) بن عبد العزيز بن
(١) كذا في الأصل والصحيح ((عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد)) كما في التهذيب. (من المؤلف) وجاء=

١٧٥
مقدمة
أبي داود، عثمان بن غياث البصري، عمر بن ذرّ، عمرو بن مرة، محمد بن حازم، أبو
معاوية الضرير، ورقاء بن عمر اليشكري، يحيى بن صالح الوحاظي، يونس بن بكير.
هؤلاء رموا بالإرجاء، وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر بالنار)).
إسحاق بن سويد العدوي، بهز بن أسد، حريز بن عثمان، حصين بن نمير
الواسطي، خالد بن سلمة الفأفاء، عبد الله بن سالم الأشعري، قيس بن أبي حازم. هؤلاء
رموا بالنصب، وهو بغض علي رظُه وتقديم غيره عليه.
إسماعيل بن أبان، إسماعيل بن زكريا الخلقاني، جرير بن عبد الحميد، أبان بن
تغلب الكوفي، خالد بن مخلد القطواني، سعيد بن فيروز، أبو البختري، سعيد بن
عمرو بن أشوع، سعيد بن عفير، عباد بن العوام، عباد بن يعقوب، عبد الله بن عيسى بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عبد الرزاق بن همام، عبد الملك بن المكين(١)، عبيد الله بن
موسى العبسي، عدي بن ثابت الأنصاري، علي بن الجعد، علي بن هاشم بن البريد،
الفضل بن دكين، فضيل بن مرزوق الكوفي، مطر بن خليفة (٢)، محمد بن جحادة الكوفي،
محمد بن فضيل بن غزوان، مالك بن إسماعيل أبو غسان، يحيى بن الحزاز(٣). هؤلاء
رموا بالتشيع وهو تقديم علي على الصحابة
ثور بن زيد المدني، ثور بن يزيد الحمصي، حسان بن عطية المحاربي، الحسن بن
ذكوان، داود بن الحصين، زكريا بن إسحاق، سالم بن عجلان، سلام بن عجلان(٤)
سلام بن مسكين، سيف بن سليمان المكي، شبل بن عباد، شريك بن أبي نمر، صالح بن
كيسان، عبد الله بن عمرو، أبو معمر عبد الله بن أبي لبيد، عبد الله بن أبي نجيح،
عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عبد الوارث بن سعيد
الثوري، عطاء بن أبي ميمونة، العلاء بن الحارث، عمرو بن أبي زائدة، عمران بن مسلم
مصححاً في الطبعة التي حققها الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف من كتاب ((تدريب الراوي)) (١: ٣٢٨) إلا
=
أنه وقعت فصلة بعد ((عبد العزيز))، وهذا يوهم أن ((ابن أبي رواد)) اسم مستقل، وليس كذلك. والله أعلم.
(١) كذا وقع ههنا ((المكين)) والصواب ((أعين)) كما في التدريب (١: ٣٢٨) وتقريب التهذيب (١: ٥١٧).
(٢) كذا في الطبعتين للمقدمة ((مطر)) بالميم، والصحيح ((فطر)) بالفاء كما في التدريب (١: ٣٢٨) التقريب
التهذيب (٢ : ١١٤).
(٣) كذا وقع في الطبعتين ((الحزاز)) بالحاء المهملة ثم الزاي ثم الألف ثم الزاي، ووقع في التدريب (١: ٣٢٨):
((الخراز)) بالخاء المعجمة ثم الراء المهملة وبعدها الألف ثم الزاي والصواب ((الجزار» بالجيم ثم الزاي
وبعدها الألف ثم الراء المهملة، كما في تقريب التهذيب (٢: ٣٤٤).
(٤) هذا الاسم: ((سلام بن عجلان)) زائد على ما في التدريب. ن/ب.

١٧٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
القصير، عمير بن هانىء، عوف الأعرابي، كهمس بن المنهال، محمد بن سواء البصري،
هارون بن موسى الأعور النحوي، هشام الدستوائي، وهب بن منبه، يحيى بن حمزة
الحضرمي، هؤلاء رموا بالقدر وهو زعم أن الشر من خلق العبد.
بشر بن السري رمي برأي أبي جهم، وهو نفي صفات الله تعالى والقول بخلق
القرآن.
عكرمة مولى ابن عباس، الوليد بن كثير هؤلاء إباضية(١) وهم الخوارج الذين أنكروا
على علي ربه التحكيم، وتبرؤوا منه ومن عثمان وذويه وقاتلوهم.
علي بن هشام رمي بالوقف، وهو أن لا يقول: القرآن مخلوق أو غير مخلوق.
((عمران بن حطان من العقدية(٢) الذين يرون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك
فهؤلاء المبتدعة ممن أخرج لهم الشيخان أو أحدهما)). كذا في التدريب.
وقد عدّ بعض منهم من الدعاة إلى بدعته كمحمد بن حازم، وحريز بن عثمان،
وشبابة بن سوار، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وعمران بن حطان، والله أعلم.
رأي ابن حزم في المسألة
قد أشار الحافظ أبو محمد بن حزم إلى هذه المسألة في مبحث الإجماع، فقال:
((وقد فرق جماهير أسلافنا من أصحاب الحديث بين الداعية من أهل الأهواء وغير
الداعية، فقالوا: إن الداعية مطروح. وغير الداعية مقبول، وهذا قول في غاية الفساد؛
لأنه تحكم بغير دليل، ولأن الداعية أولى بالخير وحسن الظن؛ لأنه ينصر ما يعتقد أنه حق
عنده، وغير الداعية كاتم للذي يعتقد أنه حق، وهذا لا يجوز؛ لأنه مقدم على كتمان
الحق، أو يكون معتقداً لشيء لم يتيقن أنه حق، فذلك أسوء وأقبح، فسقط الفرق
المذكور، وصح أن الداعية وغير الداعية سواء، وكل من لم يكن مرتكباً لشيء مما أجمع
على تحريمه ولم يكن مع ذلك مقدماً على ما يعتقده حراماً وإن كان مما اختلف فيه وكان
معتنياً بأحكام القرآن والحديث والإجماع، والاختلاف: فهو ممن يعتد بقوله في
الخلاف، ما لم يفارق ما قد صح فيه الإجماع، وسواء كان مرجئاً، أو قدرياً؛ أو شيعياً،
أو إياضياً، أو صفرياً، أو سنياً صاحب رأي أو قياس، أو صاحب حديث، وكل من كان
(١) وجاء في التدريب المنقول عنه ((الحرورية)) بدل ((إباضية)) (١: ٣٢٩). ن/ب.
(٢) كذا وقع ههنا ((العقدية)) بتقديم العين على القاف، والصواب عكسه ((القعدية)) كما في التدريب (١: ٣٢٩).
ن/ ب.

١٧٧
مقدمة
فاسقاً سواء كان منا أو من مخالفينا لا يلتفت إليه، وإن كان عالماً، وكان قد نفر ليتفقه
لأنه من الفساق الذين أمرنا أن نتثبت في خبرهم" اهـ.
وقال بحر العلوم كثّفُ: ((الفاسق هو الخارج عن الحد الشرعي، وعليه نزل القرآن،
ولا شك أن المبتدع متجاوز عن الحد، سالك سبيلاً غير سبيل شرعي مستقيم، فهو فاسق
البتة، نعم! لم يكن في حياة الرسول و 08 المبتدع موجوداً؛ فإنه لو كان لأنكر
رسول الله وَير، فإن اتبع ارتفع ابتداعه، وإلا كفر كفراً جلياً، لكن لا يلزم منه عدم كونه
فرداً للفاسق بعد وجوده، كما لم يكن في ذلك الزمان الشريف أحد تارك الصلاة من
المؤمنين، ولا يلزم منه أن لا يكون المؤمن التارك الصلاة بعد وجوده فاسقاً، كذا هذا
فافهم وتثبت)) .
واختار بحر العلوم في خبر المبتدع بالبدعة الجلية أنه مردود مطلقاً، من غير تفصيل
بين الدعاة وغيرهم، قال :
((إن صاحب الهوى لما زعم في زعمه الباطل أنه الصواب، وأنه الشريعة المحمدية،
وأن الأمر بالمعروف فرض عنده، فلا بد أن يكون للناس داعياً إلى هواه، ففرض أنه ليس
بداعٍ إلى هواه: إما محال، وإما مناف للعدالة؛ لإتيانه محذور دينه في زعمه، وتخريج
محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم وأبي بكر بن إسحاق بن خزيمة لا حجة فيه، فإن
المسألة مختلف فيها، فلا يكون زعم أحد الفريقين حجة على الآخر والله أعلم)».
الجرح والتعديل
الجرح والتعديل من أهم ما يعني به أهل الأثر، وقد ألف الحافظ فيه كتباً جمة، ما
بين مطول ومختصر.
وأول من جمع كلامه في ذلك الحافظ يحيى بن سعيد القطان، وقد تكلم في ذلك
من بعده تلامذته مثل: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن
علي الفلاس، وتلامذتهم، مثل: أبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبي
إسحاق الجوزجاني، وتلاهم في ذلك من بعدهم مثل: النسائي، وابن خزيمة، والترمذي،
والدولابي، والعقيلي، وله مصنف مفيد في معرفة الضعفاء.
ومن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب أبي حاتم بن حبان، وكتاب أحمد بن عدي،
وهو أكمل الكتب في ذلك وأجلها، وهو الكتاب الذي يدعى ((الكامل)) وكتاب أبي الفتح
الأزدي، وكتاب أبي محمد بن أبي حاتم، وكتاب الدارقطني في الضعفاء، وكتاب الحاكم
فیھم .

١٧٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقد صنف أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً كبيراً اختصره الذهبي، وجعل له ذيلين،
وجمع معظم ما فيهما في ميزانه، وقد عوّل الناس عليه مع أنه تبع ابن عدي في إيراد كل
من تكلم فيه، ولو كان ثقة، ولكنه التزم أن لا يذكر أحداً من الصحابة ولا الأئمة
المتبوعين. قال في الميزان: ((وما كان في كتاب البخاري وابن عدي وغيرهما: من
الصحابة فإني أسقطهم لجلالة الصحابة، ولا أذكرهم في هذا المصنف؛ إذ كان الضعف
إنما جاء من جهة الرواة إليهم، وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع
أحداً، لجلالتهم في الإسلام، وعظمهم في النفوس)).
وقد ذيل عليه الحافظ زين الدين العراقي في مجلد، وقد التقط منه الحافظ ابن
حجر من ليس في تهذيب الكمال، وضم إليه ما فاته في الرواة وتراجم مستقلة في كتابه
المسمى ((لسان الميزان)) وله كتابان آخران، وهما: ((تقويم اللسان)) و((تحرير الميزان)).
وللعماد بن كثير كَّفُ ((التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل)) جمع فيه بين
تهذيب المزي، وميزان الذهبي، مع زيادات وتحرير في العبارات، وهو أنفع شيء
للمحدث والفقيه التالي لأثره.
وهذا وقد أطبق العلماء على وجوب بيان أحوال الكذابين من الرواة، وإقامة النكير
عليهم صيانة للدين، قال بعض علماء الأصول: ومن الواجب الكلام في الجرح والتعديل
ليتميز الصحيح من الآثار من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظها فرض
كفاية فيما زاد على قدر المتعين، ولا يتأتى حفظ الشريعة إلا بذلك.
تنبيه :
يقبل التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور، ولا يقبل الجرح إلا مبين
السبب؛ لأنه يحصل بأمر واحد، ولا يشق ذكره، ولأن الناس يختلفون في أسباب
الجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على ما اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الأمر، فلا
بد من بيان سببه؛ لينظر: هل هو قادح أو لا؟ قال ابن الصلاح: ((وهذا ظاهر مقرر في
الفقه وأصوله)).
وذكر الخطيب تقذفُ أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث كالشيخين وغيرهم، ولذلك
احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم، كعكرمة، وعمرو بن مرزوق، واحتج
مسلم بسويد بن سعيد، وجماعة اشتهر الطعن فيهم. وهكذا فعل أبو داود، وذلك دال
على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه، ويدل على ذلك أيضاً أنه ربما
استفسر الجارح، فذكر ما ليس بجرح.

١٧٩
مقدمة
وأما كتب الجرح والتعديل التي لا يذكر فيها سبب الجرح، فإنا وإن لم نعتمدها في
إثبات الجرح والحكم به: ففائدتها التوقف فیمن جرحوه عن قبول حديثه؛ لما أوقع عندنا
ذلك من الريبة القوية فيهم، فإن بحثنا عن حاله، وانزاحت عنه الريبة، وحصلت الثقة به:
قبلنا حديثه، كجماعة في الصحيحين بهذه المثابة، كما تقدمت الإشارة إليه.
قال في فتح المغيث في احتجاج مسلم كذُّ بسويد بن سعيد: ((إن أكثر من فسر
الجرح في سويد ذكر أنه لما عمي ربما لقن الشيء، وهذا وإن كان قادحاً فإنما يقدح فيما
حدث به بعد العمى، لا فيما قبله، والظاهر أن مسلماً عرف أن ما خرجه عنه من صحيح
حديثه أو مما لم ينفرد به طلباً للعلو.
قال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمسلم: كيف استجزت الرواية عن سويد في
الصحيح؟ فقال: ومن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة؟ وذلك أن مسلماً لم يرو في
صحيحه عن أحد ممن سمع حفظاً سواه، وروى فيه عن واحد عن ابن وهب عن حفص)).
واختار ابن الصلاح أن الإمام الذي له أتباع يقلدونه فيما يذهب إليه إذا احتج براو
ضعفه غيره كان ذلك الراوي حجة في حق من قلد ذلك الإمام. نقله الحافظ السخاوي في
سياق رواية الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو ضعيف باتفاق المحدثين،
وقد وثقه الشافعي فقط.
والصحيح أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد، وقيل: لا بد من اثنين كما في
الشهادة .
وجه الصحيح أنه إن كان المزكي (وكذا الجارح) للراوي ناقلاً عن غيره فهو من
جملة الأخبار، ولو كان اجتهاداً من قبل نفسه فهو بمنزلة الحاكم، وفي الحالتين لا يشترط
العدد .
والفرق بينهما: ضيق الأمر في الشهادة؛ لكونها في الحقوق الخاصة التي يمكن
الترافع فيها، وهي محل الأغراض، بخلاف الرواية؛ فإنها في شيء عام للناس غالباً لا
ترافع فيه، ونحوه قول ابن عبد السلام: ((الغالب من المسلمين مهابة الكذب على النبيّ وَل
بخلاف شهادة الزور)) ولأنه قد ينفرد بالحديث واحد، فلو لم تقبل لفاتت المصلحة،
بخلاف فوات حق واحد على واحد في المحاكمات، ولأن بين الناس إحن وعداوات
تحملهم على شهادة الزور، بخلاف الرواية.

١٨٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وإذا اجتمع في الراوي جرح مفسر وتعديل فالجرح المفسر مقدم على التعديل عند
الأكثر.
وقال بعض المحققين: يقسم المتكلمون في الرواة إلى ثلاثة أقسام:
قسم: تكلموا في سائر الرواة، كابن معين وابن أبي حاتم.
وقسم: تكلموا في كثير من الرواة، كمالك وشعبة.
وقسم: تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي.
ويقسمون من جهة أخرى إلى ثلاثة أقسام أيضاً :
قسم: شدد في أمر التعديل.
وقسم: تساهل فيه.
وقسم: توسط في ذلك.
فالقسم الأول - وهو المشدد - قد أفرط في التثبّت في أمر التعديل، فلهذا تراه
يؤاخذ الراوي بالغلطتين والثلاث، فهذا إذا وثق راوياً فلا يتوقف في توثيقه، وإذا ضعف
راوياً فتأن في أمره، وانظر هل وافقه غيره على ذلك؟ فإن لم يوثق ذلك الراوي أحد من
الجهابذة النقاد فهو ضعيف، وإن وثقه أحد منهم كان موضعاً للنظر والبحث، فقد قالوا:
لا يقبل الجرح إلا مفسراً يريدون بذلك أنه لا يكفي في ذلك قول مثل ابن معين مثلاً: هو
ضعيف، من غير بيان سبب ضعفه، فإذا وثق مثل هذا البخاري ونحوه وقع الاختلاف في
هذا الراوي من جهة تصحيح حديثه أو تضعيفه، ومن ثم قال أرباب الاستقراء في هذا
الفن: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة.
يريد اثنان من طبقة واحدة، ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى
يجتمع الجميع على تركه، وكل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من مشدد ومتوسط، فمن
الأولى: شعبة والثوري، وشعبة أشدهما. ومن الثانية: يحيى القطان وابن مهدي، ويحيى
أشدهما. ومن الثالثة: ابن معين وأحمد، وابن معين أشدهما. ومن الرابعة: أبو حاتم
والبخاري، وأبو حاتم أشدهما. فإذا وثق ابن مهدي راوياً وضعفه ابن القطان فإن النسائي
لا يتركه؛ لما عرف من تشديد القطان ومن نحا نحوه في النقد.
ومن المتساهلين في النقد: الترمذي، والحاكم، ومن المعتدلين فيه: الدارقطني
وابن عدي، فليتنبه لذلك؛ فإنه من المواضع التي يخشى أن يغلب فيها الوهم على الفهم.
كذا قالوا .