Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ مقدمة المعلل ويقال للمعلل: ((المعلول)) و((المعلل))، أما ((المعلول)) فقد وقع في كلام البخاري، والترمذي، وابن عدي، والدارقطني، وأبي يعلى الخليلي، والحاكم وغيرهم وقد أنكر بعض العلماء ذلك من جهة اللغة، وإنهم قالوا: إن المعلول في اللغة اسم مفعول من عله: إذا سقاه السقية الثانية. وتعقبهم آخرون، فقالوا: قد ذكر في بعض كتب اللغة: علّ الشيء: إذا أصابته علة، فيكون لفظ ((معلول)) هنا مأخوذاً منه. قال ابن القوطية: عل الإنسان: مرض، والشيء: أصابته العلة، فيكون استعماله بالمعنى الذي أرادوه غير منكر، بل قال بعضهم: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن، مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وأما ((المعلل)) فقد شاع استعمال القوم له، وذاع، وهو اسم مفعول من قولك: عللته تعليلاً، إلا أن التعليل في اللغة لا يناسب المعنى المراد؛ لأنه بمعنى الإلهاء، تقول: عللت الصبي بالطعام تعليلاً: إذا ألهيته عن اللبن، ولذا قال بعضهم: الأحسن أن يسمى هذا النوع: ((بِالْمُعَلّ))؛ لأن الأكثر في استعمال الفعل أن يقولوا: أعله فلان بكذا، والقياس فيه أن يكون اسم المفعول منه ((مُعَلاّ)) وهو المعروف في اللغة، وإن كان نادر الاستعمال، فإن الأكثر في الاستعمال لفظ ((عليل)) وقد جاء ((معل)) في عبارة بعض المحدثین. قال ابن الصلاح: ((اعلم أن معرفة علل الحديث من أجلّ علوم الحديث، وأدقها، وأشرفها، وإنما يطلع بذلك أهل الحفظ، والخبرة؛ والفهم الثاقب، وهي: عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فیه)). فالحديث المعلل: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات لجامع شروط الصحة من حيث الظاهر، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم، أو غير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فیحکم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه. ١٤٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وكثيراً ما يعللون الموصول بالمرسل مثل أن يجيء الحديث بإسناد موصول، ويجيء أيضاً بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول، ولهذا اشتملت كتب علل الحديث على جميع طرقه . ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث - وهو الأكثر - وقد تقع في متنه، ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعاً، كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن. فمن أمثلة ما وقعت العلة في إسناده من غير قدح في المتن: ما رواه الثقة يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّر قال: ((البيعان بالخيار)» الحدیث. فهذا الاسناد متصل بنقل العدل من العدل، وهو معلل غير صحيح، والمتن على كل حال صحيح، والعلة في قوله: عن عمرو بن دينار)) إنما هو، ((عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر)»، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه، فوهم يعلى بن عبيد، وعدل عن عبد الله بن دينار إلى عمرو بن دينار، وكلاهما ثقة. ومثال العلة في المتن ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) فعلل قوم رواية اللفظ المذكور؛ لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: ((فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)) من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح. قال المحقق الطيبي كذُّ في الخلاصة في علم الحديث: ((أقول: وفي قول ابن الصلاح: ((فعلل قوم هذه الرواية)) إشارة إلى أنه غير راض من تخطئتهم مسلماً، وذلك أن المذكور في المتفق عليه عن أنس: ((قال: صليت مع رسول الله وَّر، وأبي بكر، وعمر، · وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)). وفي رواية: ((أن النبيّ ◌ََّ، وأبا بكر، وعمر، كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين))، ولا يذكرون ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ((في أول قراءة، ولا في آخرها)). وروى الترمذي والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن مغفل قال: ((سمعني أبي وأنا أقرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) فقال: بني! محدث، إياك والحدث، وقد صليت مع النبيّ وَّر، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، أي: فلم أسمع منهم أحداً يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: ((الحمد لله رب العالمين)) فأين العلة؟ ولعل المعلل مال إلى مذهبه، والإذعان للحق أحق من المراء. ١٤٣ مقدمة وقد تصدى العلامة ابن تيمية كََّّهُ لبيان هذه المسألة على الوجه الذي أداه إليه بحثه، وسيجيء مفصلاً إن شاء الله في محله من هذا الشرح، وهي من المسائل المهمة التي اشتد فيها النزاع بين الفريقين، وقد صنف من الجانبين مصنفات كثيرة، غير أن منهم من التزم الانتصار للقول الذي ألزم نفسه الأخذ به، محاولاً جعل الصحيح ذا علة، والمعل سالماً من العلة، ومنهم من التزم الانتصار لما أداه إليه الدليل، وهؤلاء قد أحسنوا، وما على المحسنين من سبيل. ثم ذكر ابن الصلاح أنواع العلل، وأمثلة كل نوع منها، لخصه الجزائري وغيره مع زيادة . قال السخاوي في خاتمة البحث: ((هذا النوع من أغمض الأنواع وأدقها، ولذا لم يتكلم فيه - كما سلف - إلا الجهابذة وأهل الخبرة والفهم الثاقب، مثل: ابن المديني، وأحمد، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني)). ولخفائه كان بعض الحفاظ يقول: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل. وقال ابن مهدي: ((هي إلهام، لو قلت للقيم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة)) - يعني يعبر بها غالباً - وإلا ففي نفسه حجج للقبول والرفع. وسئل أبو زرعة عن الحجة لقوله، فقال: إن تسألني عن حديث، ثم تسأل عنه ابن وارة، وأبا حاتم، ونسمع جواب كل منا، ولا نخبر واحداً منا بجواب الآخر، فإن اتفقنا فاعلم حقيقة ما قلنا، وإن اختلفنا فاعلم أنا تكلمنا بما أردنا، ففعل فاتفقوا، فقال السائل: أشهد أن هذا العلم إلهام. وسأل بعض الأجلاء من أهل الرأي أبا حاتم عن أحاديث، فقال في بعضها: هذا خطأ دخل لصاحبه حديث في حديث، وهذا باطل، وهذا منكر، وهذا صحيح، فسأله من أين علمت هذا؟ أخبرك الراوي بأنه غلط أو كذب؟ فقال له: لا، ولكني علمت ذلك، فقال له الرجل: أتدعي الغيب؟ فقال: ما هذا ادعاء غيب، قال: فما الدليل على قولك؟ فقال: أن تسأل غيري من أصحابنا، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف، فذهب الرجل إلى أبي زرعة، وسأله عن تلك الأحاديث بعينها. فاتفقا، فتعجب السائل من اتفاقهما من غير مواطأة، فقال له أبو حاتم: أفعلمت أنا لم نجازف، ثم قال: والدليل على صحة قولنا أنك تحمل ديناراً بهرجاً إلى صيرفي، فإنه أخبرك أنه بهرج. وقلت له: أكنت حاضراً حين بهرج، أو هل أخبرك الذي بهرجه بذلك؟ يقول لك: لا، ولكن علم رزقنا معرفته، وكذا إذا حملت إلى جوهري فص ياقوت وفص زجاج. يعرف ذا من ذا، ونحن نعلم صحة ١٤٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون كلام النبوة، ونعرف سقمه ونكارته بتفرد من لم تصح عدالته. وهو كما قال غيره: أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر لا ينكر عليهم، بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه والأصولي العاري عن الحديث بالأدلة، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعنت، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالاً نقاداً تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه، وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين، فتقليدهم والمشي وراءهم وإمعان النظر في تواليفهم وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم وجودة التصور ومداومة الاشتغال وملازمة التقوي والتواضع: يوجب لك إن شاء الله معرفة السنن النبوبة، ولا قوة إلا بالله. تنبيه : اعلم أن الإمامين الهمامين محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج رحمهما الله لهما اليد الطولى والدرجة القصوى في معرفة علل الحديث، حتى إن أبا زرعة الرازي وأبا حاتم - وهما، كما ترى، إمامان جليلان في هذا الفن - كانا يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما، وصرح بعض العلماء أن البخاري ومسلماً إن كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة إسناده في الظاهر أصلاً في بابه، ولم يخرجا له نظيراً، ولا ما يقوم مقامه، فالظاهر من حالهما أنهما اطلعا فيه على علة إن كانا روياه، ويحتمل أنهما تركاه نسياناً، أو إيثاراً لترك الاطالة، أو رأياً أن غيره مما ذكراه سد مسده، أو لغير ذلك. ومع ذلك احتاط مسلم كفّثُ احتياطاً شديداً، وقال: ((عرضت كتابي على أبي زرعة الرازي، فما أشار أن له علة تركته)). فإذا عرف ذلك وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، إلا أن يظهر وجه جلي للاعلال لم يسنح لهما، أو ذهلا عنه، فسبحان من لا ينسى ولا يذهل. قال الحافظ ابن تيمية في مقالة له: ((وكذلك صحيح مسلم تغذُّ فيه ألفاظ قليلة غلط فيها الراوي، وفي نفس الأحاديث الصحيحة مع القرآن ما يبين غلطها، مثل ما روى ((أن ١٤٥ مقدمة الله خلق التربة يوم السبت، وجعل خلق المخلوقات في الأيام السبعة))؛ فإن هذا الحديث قد بين أئمة الحديث كيحيى بن معين، وعبد الرحمن بن مهدي، والبخاري، وغيرهم: أنه غلط، وأنه ليس من كلام النبيّ ◌َّر، بل صرح البخاري في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار كما قد بسط في موضعه، والقرآن يدل على غلط هذا، وبين أن الخلق في ستة أيام، وثبت في الصحيح أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيكون أول الخلق يوم الأحد. وكذلك ما روى ((أنه وَ له صلى الكسوف بركوعين أو ثلاثة))؛ فإن الثابت المتواتر عن النبي في الصحيحين وغيرهما عن عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم: ((أنه صلى كل ركعة بركوعين)) ولهذا لم يخرج البخاري إلا ذلك، وضفب الشافعي والبخاري وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وغيرهم حديث الثلاثة والأربع، فإن النبيّ وَّل إنما صلى الكسوف مرة واحدة، وفي حديث الثلاث والأربع: أنه صلاها يوم مات إبراهيم ابنه، وأحاديث الركوعين كانت ذلك اليوم، فمثل هذا الغلط إذا وقع كان في نفس الأحاديث الصحيحة ما يبيّن أنه غلط، والبخاري إذا روى الحديث بطرق في بعضها غلط في بعض الألفاظ ذكر معها الطرق التي تبين ذلك الغلط، كما قد بسطنا عليه الكلام في موضعه، وسيأتي الكلام على الحديثين في الشرح إن وصلنا إليهما إن شاء الله تعالى. قال ابن حزم: ((ما وجدنا للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يحتمل مخرجاً إلا حديثين، لكل واحد منهما حديث تم عليه في تخريجه الوهم مع إتقانهما وحفظهما وصحة معرفتهما، فذكر من عند البخاري حديث شريك في الإسراء، وأنه قبل أن يوحى إليه، وفيه شق صدره، قال ابن حزم: والآفة من شريك. والحديث الثاني عند مسلم حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس قال: ((كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي وَلّى: ((ثلاث أعطنيهن، قال: نعم)) الحديث، قال ابن حزم: ((هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه، والآفة فيه عن عكرمة بن عمار)). وقال الحاكم في ((علوم الحديث)) في حديث: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم)) الحديث: ((هذا حديث مخرج في الصحيح لمسلم بن الحجاج، وله علة عجيبة: حدثناه محمد بن صالح بن هانىء، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أزهر، حدثنا ابن عون، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَّه: ((خير الناس قرنى)) قال: فحدثت به يحيى بن سعيد، فقال: ((ليس في حديث ابن عون عن عبد الله، فقلت له: بلى! فيه، قال: لا، فقلت، إن أزهر حدثنا عن ابن عون، عن ١٤٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، قال: رأيت أزهر جاء بكتابه، ليس فيه عن عبد الله، قال عمرو بن علي: فاختلفت إلى أزهر قريباً من شهرين للنظر فيه، فنظر في كتابه ثم خرج، فقال: لم أجده إلا عن عبيدة عن النبيّ وَّ)) اهـ. وقد أعل ابن عبد البر أحاديث المسح على العمامة التي في الصحيحين، كما سيجيء في بابه. حکایة : روي أن مسلم بن الحجاج جاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري رحمهما الله، فقبل بين عينيه وقال: ((دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام قال: حدثنا مخلد بن يزيد الحراني، قال: أخبرنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َّ في كفارة المجلس، فما علته))؟ قال محمد بن إسماعيل: ((هذا حديث ملیح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث (أي: بسند ابن جريح) إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله، قوله، قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى؛ فإنه لا يُذْكَر لموسى بن عقبة سماع من سهیل)). قال السخاوي: وكذا أعله أحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والوهَم فيه من سهيل؛ فإنه كان قد أصابته علة نسي من أجلها بعض حديثه، ووهيب أعرف بحديثه من ابن عقبة، على أن هذه العلة قد خفيت على مسلم، حتى بينها له إمامه، وكذا اغتر غير واحدٍ من الحفاظ بظاهر هذا الإسناد، وصححوا حديث ابن جريح)). الحديث الضعيف وأقسامه الحديث ينقسم إلى قسمين: مقبول، ومردود، المقبول هو الصحيح والحسن، والمردود هو الضعيف، وبينا شروط القبول، ولا يخفى أن معرفة شروط القبول توجب معرفة سبب الرد؛ إذ سبب الرد ليس إلا فقد شرط من شروط القبول فأكثر، وقد أرجع بعضهم سبب الرد إلى أمرين: أحدهما: عدم الاتصال في السند. والثاني وجود أمر في الراوي يوجب طعناً، وعدم الاتصال هو سقوط راوٍ من الرواة من السند، ويقال لهذا السقوط: انقطاع. وللحديث الذي سقط من سنده راوٍ فأكثر: الحديث المنقطع، ويقابله الحديث المتصل، وهو الذي لم يسقط من سنده راوٍ من الرواة، ويدخل تحت المنقطع ١٤٧ مقدمة بهذا المعنى: المنقطع الذي سيأتي ذكره؛ فإنه قسم من أقسامه. والأمور التي يوجب كل واحد منها الطعن في الراوي عشرة: ١ - الكذب. ٢ - والتهمة به. ٣ - وفحش الغلط. ٤ - والغفلة . ٥ - والوهم. ٦ - والمخالفة. ٧ - والفسق. ٨ - والجهالة. ٩ - والبدعة. ١٠ - وسوء الحفظ. وإذا عرف هذا نقول: الحديث الضعيف هو ما وجد فيه شيء مما يوجب الرد، وموجب الرد هو بعينه موجب الضعف، أحدهما: سقوط راوٍ من الرواة من إسناده. والثاني: وجود أمر في الراوي يوجب طعناً فيه، فعلى ذلك يكون الحديث الضعيف نوعين : أحدهما: ما يكون موجب الرد فيه سقوط راوٍ من الرواة من سنده. وثانيهما: ما يكون موجب الرد فيه وجود أمر في الراوي يوجب طعناً فيه. أما النوع الأول - وهو الحديث الضعيف الذي يكون موجب الرد فيه سقوط راوٍ من الرواة من سنده - فهو أربعة أقسام: ١ - المعلق. ٢ - والمرسل. ٣ - والمعضل. ٤ - والمنقطع. وتقدمت تفاصيلها بقدر الضرورة. أما النوع الثاني - وهو الحديث الضعيف الذي يكون موجب الرد فيه وجود أمر في ١٤٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الراوي يوجب طعناً فيه - فهو أقسام يعرف اسم كل قسم منها ورسمه مما نذكره الآن. وهو: أن الحديث الضعيف إن كان موجب الرد فيه كذب الراوي في الحديث، فهو ((الموضوع)). وإن كان تهمته بالكذب فيه، فهو ((المتروك)). وإن كان فحش غلطه، أو كثرة غفلته، أو ظهور فسقه، فهو ((المنكر)). وإن كان وهمه، فهو ((المعلل)). وإن كان مخالفته للثقات، فإن كانت المخالفة بالإدراج فيه، فهو (المدرج)). وإن كانت بالتقديم والتأخير، فهو ((المقلوب)). وإن كانت بالإبدال فيه مع التدافع، حيث لا مرجح، فهو ((المضطرب)). وإن كانت بتغيير الحروف مع بقاء صورة الخط، فإن كان التغيير بالنسبة إلى النقط، فھو ((المصحَّف)). وإن كان بالنسبة إلى الشكل، فهو ((المحرَّف)). وقد سبق ذكر ((المنكر)) و(المعلل)) و((المدرج)) من هذه الأقسام، وتأتي البقية منها إن شاء الله . قال الجزائري: كما أن للحديث المقبول - وهو الصحيح ونحوه - مراتب، كذلك للحديث المردود - وهو الضعيف ونحوه - مراتب. والضعيف إذا رتب على حسب شدة الضعف قدِّم ((الموضوع))، وهذا أمر لا خلاف فيه، ويتاوه (المتروك)) ثم ((المنكر)) ثم ((المعلل)) ثم ((المدرج)) ثم ((المقلوب)) ثم ((المضطرب)). وقال الخطابي كثُّهُ: ((شرها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول)). وقال بعضهم: الضعيف الذي ضعفه لا لعدم الاتصال يقدم فيه الموضوع، ثم المتروك، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المنكر، ثم الشاذ، ثم المعلل، ثم المضطرب. والضعيف الذي ضعفه لعدم الاتصال يقدم فيه المعضل، ثم المنقطع، ثم المدلس، ثم المرسل. وهذا الترتيب الذي ذكره إنما نظروا فيه إلى الجملة، وإلا فقد يكون في المقدم ما هو أخف ضعفاً مما بعده. ١٤٩ مقدمة المضعف وصنيع مسلم رحمه الله في صحيحه من رواية بعض الضعفاء قد أفرد ابن الجوزي من الضعيف نوعاً آخر سماه: ((المضعف)) وهو الذي لم يجمع على ضعفه، بل فيه - إما في المتن، أو في السند - تضعيف لبعض أهل الحديث، وتقوية لآخرين منهم، وهو أعلى مرتبة من الضعيف المجمع عليه، ومحل هذا فيما إذا لم يترجح أحد الأمرين، أو كان الضعيف هو المرجح، وإلا فقد وقع في كتب ملتزمي الصحة - حتى البخاري - أشياء من هذا القبيل. وذكر في شرح مسلم عن ابن الصلاح أنه قال: ((شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه. سالماً من الشذوذ والعلة. قال: وهذا حد الصحيح، فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث فقد يكون سبب اختلافهم انتفاء شرط من هذه الشروط، أو بينهم خلاف في اشتراطه، كما إذا كان بعض الرواة مستوراً، أو كان الحديث مرسلاً، وقد يكون سبب اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أم انتفى بعضها - وهو الأغلب في ذلك - كما إذا كان الحديث في رواية من اختلف في كونه من شرط الصحيح، فإذا كان الحديث رواته كلهم ثقات، غير أن فيهم أبا الزبير المكي مثلاً، أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن عبد الرحمن، أو حماد بن سلمة، قالوا فيه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وليس بصحيح على شرط البخاري؛ لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة، ولم يثبت عند البخاري تثُّ ذلك فيهم، وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة مولى ابن عباس، وإسحاق بن محمد الفروي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم ممن احتج بهم البخاري، ولم يحتج بهم مسلم كثّفُ . وأما قول مسلم تَُّ في باب صفة صلاة رسول الله وَّر: (ليس كل شيء صحيح عندي وضعته لههنا - يعني في كتابه هذا الصحيح - وإنما وضعت لههنا ما أجمعوا عليه)): فمشكل، فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفاً في صحتها؛ لكونها من حديث من ذكرناه ومن لم نذكره ممن اختلفوا في صحة حديثه. قال الشيخ: وجوابه من وجهين: أحدهما: أن مراده أنه لم يضع فيه إلا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه، وإن لم يظهر اجتماعها في بعض الأحاديث عند بعضهم. والثاني: أنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلف الثقات فيه في نفس الحديث متناً أو إسناداً، ولم يرد ما كان اختلافهم فيه إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من 1 1 ١٥٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم كلامه؛ فإنه ذكر لما سئل عن حديث أبي هريرة ((فإذا قرأ فأنصتوا)): هل هو صحيح؟ فقال: هو عندي صحيح، فقيل: لم لم تضعه لههنا؟ فأجاب بالكلام المذكور. ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها لصحتها عنده، وفي ذلك ذهول منه عن هذا الشرط، أو سبب آخر، وقد استدركت وعللت)) اهـ. وقال بعضهم: أراد مسلم بالإجماع في قوله: ((وإنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه)): إجماع أربعة من أئمة الحديث: أحمد بن حنبل، وابن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراساني. وذكر في موضع آخر منه: أن مسلماً انتقد عليه روايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الدرجة الثانية التي ليست من شرط الصحيح، ثم نقل عن ابن الصلاح أنه أجاب عن ذلك من أوجه: أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره، ثقة عنده، ولا يقال: إن الجرح مقدم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتاً مفسراً بسبب، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذلك. وقد قال الخطيب البغدادي وغيره: ((ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم: محمول على أنه لم يثبت فيهم الطعن المؤثر مفسراً بسبب)). الثاني: أن يكون ذلك واقعاً في المتابعات والشواهد، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولاً بإسناد رجاله ثقات، ويجعله أصلاً، ثم يتبعه بإسناد آخر، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو الزيادة، ينبه على فائدة فيما قدمه. الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ عليه بعد أخذه عنه، باختلاط حديث عليه، غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب؛ ذكر أبو عبد الله الحاكم أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخراً، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك. الرابع: أن يعلو بالشيخ الضعيف إسناده، وهو عنده من رواية الثقات نازل، فيقتصر على العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه، مكتفياً بمعرفة أهل هذا الشأن في ذلك)). وذكر في موضع آخر منه - وهو مما يناسب ما نحن فيه من وجه -: ((أن مسلماً تخذفيهُ أشار في مقدمة صحيحه إلى أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام: ١٥١ مقدمة الأول: ما رواه الحفاظ المتقنون. والثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان. والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون، وأنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه)). ثم قال: ((وقد اختلف العلماء في مراده بهذا التقسيم، فقال الإمامان الحافظان: الحاكم أبو عبد الله وصاحبه أبو بكر البيهقي رحمهما الله: ((إن المنية اخترمت مسلماً قبل إخراج القسم الثاني. وإنه إنما ذكر القسم الأول قاله القاضي عياض، وهذا مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم، وتابعوه عليه. وليس الأمر على ذلك لمن حقق نظره، ولم يتقيد بالتقليد، فإنك إذا نظرت تقسيم مسلم كثّفُ في كتابه: الحديث على ثلاث طبقات من الناس، كما قال، فذكر أن القسم الأول حديث الحفاظ، وأنه إذا انقضى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان، مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطي العلم، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع العلماء أو اتفق الأكثر منهم على تهمته، وبقي من اتهمه بعضهم وزكاه بعضهم، فلم يذكره هنا، ووجدته ذكر في أبواب كتابه حديث الطبقتين الأوليين، وأتى بأسانيد الثانية منها على طريق الاتباع للأولى، والاستشهاد، أو حيث لم يجد في الباب للقسم الأول شيئاً، وذكر أقواماً تكلم فيهم قوم وزكاهم آخرون ممن ضعف رواتهم ببدعة، وكذلك فعل البخاري، فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر، ورتب في مقدمة كتابه، وبينه في تقسيمه، وطرح الرابعة كما نص عليه. فالحاكم تأول أنه إنما أراد أن يفرد لكل طبقة كتاباً، ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة، وليس ذلك مراده، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه، وبان من غرضه: أن يجمع ذلك في الأبواب، ويأتي بأحاديث الطبقتين، فيبدأ بالأولى ثم يأتي بالثانية، على طريق الاستشهاد والاتباع، حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة. ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاثة: الحفاظ، ثم الذين يلونهم، والثالثة هي التي أطرّحها، وكذلك علل الأحاديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها، قد جاء بها في مواضعها من الأبواب من اختلافهم في الأسانيد، كالإرسال، والإسناد، والزيادة، والنقص، وذكر تصحيف المصحفين، وهذا يدل على استيفائه غرضه في تأليفه، وإدخاله في کتابه کل ما وعد به. قال القاضي: ((وقد فاوضت في تأويلي هذا ورأيي فيه من يفهم هذا الباب، فما رأيت مصنفاً إلا صوبه، وبان له ما ذكرت، وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب، وطالع مجموع ١٥٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الأبواب، ولا يعترض على هذا بما قاله ابن سفيان صاحب مسلم: ((إن مسلماً أخرج ثلاثة كتب من المسندات: أحدها: هذا الذي قرأه على الناس، والثاني: يدخل فيه عكرمة وابن إسحاق - صاحب المغازي - وأمثالهما، والثالث: يدخل فيه من الضعفاء)) فإنك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه، فتأمله تجده كذلك إن شاء الله تعالى)) هذا آخر كلام القاضي عياض. وهذا الذي اختاره ظاهر جداً . حكم الحديث الضعيف اتفق العلماء على أنه لا يجوز ذكر الموضوع إلا مع البيان، في أي نوع كان، وأما غير الموضوع من الضعيف فقد اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى جواز الأخذ به، والتساهل في أسانيده، وروايته. من غير بيان لضعفه، إذا كان في غير الأحكام والعقائد، مثل: فضائل الأعمال، والقصص. وممن نقل عنه جواز التساهل في ذلك: عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وقد نقلنا كلامهما في بحث حجية الآحاد، فراجعه. قال السخاوي: ((لكنه احتج (أحمد) كَغَفُ بالضعيف، حيث لم يكن في الباب غيره، وتبعه أبو داود، وقدماه على الرأي والقياس، ويقال عن أبي حنيفة كَذَثُ أيضاً ذلك، وأن الشافعي يحتج بالمرسل إذا لم يجد غيره، كما سلف كل ذلك في أواخر ((الحسن)) وكذا إذا تلقت الأمة الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح، حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به. ولهذا قال الشافعي تقّثُ في حديث ((لا وصية لوارث)): ((إنه لا يثبته أهل الحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول، وعملوا به، حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية له))، أو كان في موضع احتياط، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع، أو الأنكحة؛ فإن المستحب كما قال النووي: ((أن يتنزه عنه ولكن لا يجب)). ومنع ابن العربي المالكي العمل بالضعيف مطلقاً، ولكن قد حكى النووي في عدة من تصانيفه إجماع أهل الحديث وغيرهم على العمل به في الفضائل ونحوها خاصة. فهذه ثلاثة مذاهب. أفاد شيخنا أن محل الأخير فيها حيث لم يكن الضعف شديداً، وكان مندرجاً تحت أصل عام، حيث لم يقم على المنع منه دليل أخص من ذلك العموم، ولم يعتقد عند العمل به ثبوته، كما بسطتها في موضع آخر)) اهـ. كذا في فتح المغيث. قال السيوطي كثّفُ في التدريب: ((وعبارة الزركشي: والضعيف مردود ما لم يقتض ١٥٣ مقدمة ترغيباً أو ترهيباً، أو تتعدد طرقه، ولم يكن المتابع منحطاً عنه. وقيل: لا يقبل مطلقاً، وقيل: يقبل إن شهد له أصل واندرج تحت عموم)) انتهى. ويعمل بالضعيف أيضاً في الأحكام إذا كان فيه احتياط، وفي رد المختار تحت مسألة: العمل بالضعيف في فضائل الأعمال: ((قال ابن حجر في شرح الأربعين: ((لأنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أعطي حقه من العمل، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم، ولا ضياع حق الغير)) اهـ. وقال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير: ((والاستحباب يثبت بالضعيف غير الموضوع)). وقال البيهقي كثّفُ في حديث الخط للسترة بعد بيان اضطرابه: ((لا بأس بهذا الحديث في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى)). وقال الجزائري: ((وقد ذهب قوم إلى عدم جواز الأخذ بالحديث الضعيف في أي نوع كان، وقد أشار إلى ذلك العلامة عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في كتابه («الباعث على إنكار البدع والحوادث)) بعدما نقل حديثاً في فضل رجب عن الحافظ ابن عساكر تَظّقه: ((وكنت أود أن الحافظ ابن عساكر لم يذكر ذلك؛ فإن فيه تقريراً لما فيه من الأحاديث المنكرة، فقدره كان أجل من أن يحدث عن رسول الله وَلهل بحديث يرى أنه كذب، ولكنه جرى في ذلك على عادة جماعة من أهل الحديث يتساهلون في أحاديث فضائل الأعمال، وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأ، بل ينبغي أن يبين أمره إن علم، وإلا دخل تحت الوعيد في قوله وَّير: ((من حدث عني بحديث يرى أنه کذب فهو أحد الكاذبين) اهـ. قلت: ليس في هذا الكلام الذي نقله عن الإمام أبي شامة النكير على الأخذ بالضعيف في فضائل الأعمال، بل إنما أنكر تهّفُ على رواية ابن عساكر، وسرده الأحاديث المنكرة من غير بيان ضعفها ونكارتها، مع كونه محدثاً حافظاً جليل القدر، وخشي أن يأتي قوم لا رسوخ لهم في علم الحديث، فيعتمدون على نقل ابن عساكر، ويعتقدون ثبوت هذه الأحاديث المنكرة الواهية، مع أنها لم يثبت عند المحدثين، وقد مر آنفاً أن من جوز العمل بالضعيف في الفضائل لا يجوزه مطلقاً، بل يشترط له شروطاً، منها: أن لا يعتقد ثبوته، وهذا لا يتيسر للعامة إلا ببيان ضعفه، والله أعلم. ١٥٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم تنبيهات ١ - قال الحافظ ابن تيمية في منهاج السنة النبوية: ((إن قولنا: الحديث الضعيف خير من الرأي، ليس المراد به الضعيف المتروك، لكن المراد به الحسن، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم الهجري، ممن يحسن الترمذي حديثه، أو يصححه، وكان الحديث في اصطلاح من قبل الترمذي إما صحيح وإما ضعيف، والضعيف نوعان: ضعيف متروك، وضعيف ليس بمتروك. فتكلم أئمة الحديث بذلك الاصطلاح، فجاء من لا يعرف اصطلاح الترمذي، فسمع قول بعض أئمة الحديث: الضعيف أحب إلي من القياس، فظن أنه يحتج بالحديث الذي يضعفه مثل الترمذي، وأخذ يرجح طريقة من يرى أنه اتبع للحديث الصحيح، وهو من ذلك من المتناقضين الذين يرجحون الشيء على ما هو أولى بالرجحان منه)) اهـ. وقد تقدم شيء مما يتعلق بهذا التوجه تحت عنوان «بعض الكتب التي يهتدي بها إلى معرفة الحديث الحسن)) فليراجع. ٢ - قد نشأ من رواية الأحاديث الضعيف من غير بيان لضعفها: ضرر عظيم عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وقد شدد النكير مسلم كَّتُ في مقدمة صحيحه على من فعل ذلك، وأما من رواها مع بيان ضعفها فلم ينكروا عليه، وذلك لأنه رواية كثير من علماء الحديث الأحاديث الضعيفة لم تكن تخلو عن فوائد مهمة، وسنذكرها إن شاء الله في شرح مقدمة الصحيح فانتظره. ٣ - قال النووي في مقدمة شرح صحيح البخاري: ((قال العلماء المحققون من المحدثين وغيرهم: إذا كان الحديث ضعيفاً لا يقال فيه: قال رسول الله وَّر، أو فعل، أو أمر، أو نهى، أو حكم، وشبه ذلك من صيغ الجزم، وكذا لا يقال: روى أبو هريرة، أو قال، أو ذكر، أو أخبر، أو حدث، أو نقل، أو أفتى، وشبه ذلك، وكذا لا يقال ذلك في التابعين فمن بعدهم، فما كان ضعيفاً فلا يقال فيه شيء من ذلك بصيغة الجزم، وإنما يقال في الضعيف بصيغة التمريض، فيقال: رُوِي عنه، أو نُقِل، أو ذُكر، أو حُكِي، أو يقال، أو يروى، أو يحكى، أو يعزى، أو جاء عنه، أو بلغنا عنه. قالوا: وإذا كان الحديث أو غيره صحيحاً أو حسناً عين المضاف إليه، فيقال بصيغة الجزم. ودليل هذا كله أن صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه، فلا يطلق إلا فيما صح، وإلا فيكون في معنى الكاذب عليه، وهذا التفصيل مما تركه كثير من الناس من المصنفين في الفقه والحديث وغيرهما ومن غيرهم، وقد اشتد إنكار الإمام الحافظ أبي ١٥٥ مقدمة بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي على من خالف هذا من العلماء، وهذا التساهل من فاعله قبيح جداً؛ فإنهم يقولون في الصحيح بصيغة التمريض، وفي الضعيف بالجزم، وهذا خروج عن الصواب وقلب للمعاني، والله المستعان)). المضطرب المضطرب هو: ما وقعت المخالفة فيه بالإبدال على وجه يحصل فيه التدافع مع عدم وجود المرجح. وقال ابن الصلاح: ((المضطرب من الحديث: هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له، وإنما تسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان، أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة: فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذٍ وصف المضطرب، لا على الراجحة - كما هو الظاهر - ولا على المرجوحة، بل هي شاذة أو منكرة)). ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يقع ذلك من راوٍ واحد، وقد يقع من رواة له جماعة، والاضطراب موجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يضبط. مثال المضطرب في الإسناد حديث: ((شيبتني هود وأخواتها))؛ فإنه اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي، فقيل: عنه، عن عكرمة، عن أبي بكر. ومنهم من زاد بينهما ابن عباس. وقيل: عنه، عن أبي جحيفة؛ عن أبي بكر. وقيل: عنه عن البراء عن أبي بكر. وقيل: عنه عن أبي ميسرة عن أبي بكر. وقيل: عنه عن مسروق عن أبي بكر. وقيل: عنه عن مسروق عن عائشة عن أبي بكر. وقيل: عنه عن علقمة عن أبي بكر. وقيل: عنه عن عامر بن سعد البجلي عن أبي بكر. وقيل: عنه عن عامر بن سعد عن أبيه عن أبي بكر. وقيل: عنه عن مصعب بن سعد عن أبيه عن أبي بكر. وقيل: عنه عن أبي الأحوص عن ابن مسعود. ذكره الدارقطني مسبوطاً. وأما أمثلة الاضطراب في المتن فقل أن يوجد مثال سالم له. كذا في فتح المغيث. قال العلامة الجزائري كثّفُهُ: ((إن المحدثين قلما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه واقعاً في نفس المتن؛ لأن ذلك ليس من شأنهم من جهة كونهم محدثين، وإنما هو من شأن المجتهدين، وإنما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا ١٥٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم كان الاختلاف فيه واقعاً في نفس الإسناد؛ لأنه من شأنهم، وذلك لأن الاطلاع على ما في الإسناد من علة على ما ينبغي: يعسر على غيرهم، بخلاف الاطلاع على ما في المتن من علة، سواء كان فيه اضطراب أم لا، فإنه سهل المدرك، فلذلك صرفوا جل عنايتهم إلى بيان ما يتعلق بالإسناد؛ ليكفوا غيرهم مؤونة ذلك، ولذلك ترى كتب العلل تتعرض لذكر ما وقع فيه الاضطراب من جهة الإسناد. وقلما تتعرض لذكر ما وقع فيه الاضطراب من جهة المتن، وإنما تعرضوا للمضطرب؛ لأنه داخل في المعل، فانتبه لذلك)). تنبيه : قال السيوطي كثّفُ: ((وقع في كلام شيخ الإسلام السابق أن الاضطراب قد يجامع الصحة، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجلٍ واحد وأبيه ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطرباً، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره)). المصحف والمحرف المصحف: هو ما وقعت المخالفة فيه بتغيير النقط في الكلمة مع بقاء صورة الخط فيها . ومثاله: حديث ((من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)) إذا غيرت ((ستاً)) وجعلتها ((شيئاً)) كما وقع ذلك لبعض الأدباء فيه. والتصحيف كما يقع في المتن يقع في الإسناد، ومثاله فيه تصحيف بعض المحدثين: ابن مراجم - وهو بالراء والجيم - بابن مزاحم - بالزاي والحاء -. والمحرف: هو ما وقعت المخالفة فيه بتغيير الشكل في الكلمة، مع بقاء صورة الخط فيها . ومثال ذلك ما وقع لبعض الأعراب؛ فإنه رأى في كتاب من كتب الحديث وأن النبيّ وَّ إذا صلى نصبت بين يديه عنزة)) والعنزة الحربة، فظنها بسكون النون، ثم روى ذلك بالمعنى على حسب وهمه، فقال: ((كان النبيّ وَلّ إذا صلى نصبت بين يديه شاة)). وكما يقع التحريف في المتن يقع في الإسناد. ومثاله فيه: أن تجعل ((بشيراً)) - بفتح الباء وكسر الشين - بشيراً - بضم الباء وفتح الشين - وقس على ذلك ما أشبهه. واعلم أن التصحيف والتحريف قد يطلق كل منهما على ما يشعل هذين النوعين، بل ١٥٧ مقدمة قد يطلق كل منهما على كل تغيير يقع في الكلمة، ولو مع عدم بقاء صورة الخط فيها، وقد صنف فيه الدارقطني والخطابي وابن الجوزي لا لمجرد الطعن بذلك من أحد منهم في واحد ممن صحف، ولا للوضع منه، وإن كان المكثر منه ملوماً، والمشتهر به بين النقاد مذموماً، بل إيثاراً لبيان الصواب، واشتهاراً له بين الطلاب؛ ليكون داعياً لمن وقف عليه إلى التحفظ من مثله إن شاء الله، لا سيما وبنبغي لقارىء الحديث أن يتفكر فيما يقرأه حتی یسلم منه. وقول العسكري: ((إنه قد عيب بالتصحيف جماعة من العلماء، وفضح به كثير من الأدباء، وسموا ((الصحيفة)) ونهى العلماء عن الحمل عنهم)): محمول على المتكرر منه ذلك، وإلا فما يسلم من زلة وخطأ إلا من عصمه الله، والسعيد من عدت غلطاته. قال الإمام أحمد: ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف؟! والإكثار منه إنما يحصل غالباً للأخذ من بطون الدفاتر والصحف، ولم يكن له شيخ يوقفه على ذلك، ومن ثم حض الأئمة على تجنب الأخذ كذلك. ويعلم أن اشتقاقه من الصحيفة، لأن من ينقل كذلك ويغير يقال: إنه قد صحف، أي: قد روى عن الصحف فهو مصحف، ومصدره التصحيف. كذا في فتح المغيث. وفي حديث أنس بن مالك عند مسلم: ((ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرةً)) زاد ابن منهال في روايته: ((قال يزيد: فلقيت شعبة فحدثته بالحديث، فقال شعبة: حدثنا به قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ وَل بالحديث، إلا أن شعبة جعل مكان الذَرَّة ذُرَةً، قال يزيد: صحف فيه أبو بسطام)) (أي شعبة) - يعني: أنه روى اللفظة بضم الذال المعمجمة وتخفيف الراء، وهو تصحيف كما ذكر يزيد. والذرة والفتح والتشديد: صغير النمل، وأوقعه في التصحيف مجانسة الذرة لما قبلها من الحبوب .. ووقع عند العذري وغيره ((درةً)) بضم الدال المهملة وشد الراء، وهو من تصحيف التصحيف، كذا في إكمال إكمال المعلم. والعجب من السخاوي تخلّفُ حيث قال: ((ولشعبة حيث جعل ذرة بالمعجمة المفتوحة والراء المشددة: درةً بضم المهملة والتخفيف)) اهـ. وهذا تصحيف آخر في التصحيف. وقال مسلم تَّقُ في مقدمة صحيحه: ((حدثنا الحسن الحلواني، قال: سمعت شبابة، قال: كان عبد القدوس يحدثنا، فيقول: سويد بن عقلة (بالعين المهملة والقات، والصواب غفلة، بالغين المعجمة والفاء المفتوحتين) قال شبابة: وسمعت عبد القدوس ١٥٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يقول: ((نهى رسول الله وَل﴿ أن يتخذ الرَّوْح (بفتح الراء) عرضاً)) (بالعين المهملة وإسكان الراء) قال: فقيل له: أي شيء هذا؟ قال: يعني تتخذ كوة في حائط، ليدخل عليه الروح، وهو تصحيف قبيح وخطأ صريح، وصوابه: الرُّوح - بضم الراء - وغرضاً - بالغين المعجمة والراء المفتوحتين - ومعناه: نهى أن يتخذ الحيوان الذي فيه الروح غرضاً، أي: هدفاً للرمي. وسيأتي إيضاح هذا الحديث وبيان فقهه في محله إن شاء الله)). قال السخاوي تكذُّ: ((وينقسم كل من التصحيف الإسنادي والمتني إلى تصحيف بصر - وهو الأكثر - وسمع - وهو قليل - وكذا إلى تصحيف لفظ - وهو الأكثر - ومعنى - وهو قليل - وقد وقع التصحيف في حديث زيد بن ثابت ((احتجم النبيّ وَّر في المسجد)) حيث جعله ابن لهيعة فيما ذكره مسلم تَُّ في كتاب التمييز له مكان ((احتجر)) بالراء (احتجم)) بالميم؛ لكونه أخذه من كتاب بغير سماع، وأخطأ، فبقية الحديث: ((بخص أو حصير حجرة يصلي فيها)) وقد جعل ابن الجزري مثالاً لتصحيف السمع في المتن وهو ظاهر. قال ابن كثير كَّلهُ: ((وقد كان شيخنا المزي من أبعد الناس عن هذا المقام، ومن أحسن الناس أداءً للإسناد والمتن، بل لم يكن على وجه الأرض فيما نعلم مثله في هذا الشأن أيضاً، وكان يقول إذا تغرب عليه أحد برواية مما يذكره بعض شراح الحديث على خلاف المشهور عنده: هذا من التصحيف الذي لم يقف صاحبه إلا على مجرد الصحف، والأخذ منها)) اهـ. كذا في فتح المغيث. وكأن هذا إفراط ومبالغة من الشيخ كلُّ في الحكم بالتصحيف، والله أعلم. المقلوب المقلوب: هو ما وقعت المخالفة فيه بالتقديم والتأخير، وذلك كما في حديث أبي هريرة عند مسلم تكلّفُ في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه؛ فإن فيه: ((ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) كما ورد في البخاري، وفي مسلم في بعض طرقه، وفي مسلم في بعض طرقه، فعكس الراوي الذي انقلب عليه الأمر، فجعل اليمين في موضع الشمال، والشمال في موضع اليمين، وقد دل على القلب أمران: أحدهما: الرواية الأخرى التي اتفق عليها الشيخان، والثاني: ما يقتضيه وجه الكلام؛ لأن المعروف صدور الإنفاق في أغلب الأحيان عن اليمين، وهذا النوع من قبيل القلب في المتن، وهو قليل، والغالب في القلب أن يكون في الإسناد. ٠٫٠ ١٥٩ مقدمة ومن أمثلة القلب في المتن: ما رواه حبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة، مرفوعاً: ((إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا))، رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وهو مقلوب؛ فإن المشهور المروي في الصحاح: ((أن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم)) ويؤيد ذلك ما جاء في بعض الروايات ((أن ابن أم مكتوم - وكان أعمى - لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت)) وقد جمع ابن خزيمة بينهما، فجوز أن يكون النبيّ وَلّ جعل أذان الليل نوباً بينهما، فجاء الخبران على حسب الحالين. وتابعه ابن حبان عليه، بل بالغ حتى جزم بذلك. وقال البلقيني: ((إنه بعيد، ولو فتحنا باب التأويل لاندفع كثير من علل المحدثین)) اهـ. قلت: ولو كان هذا الوجه الذي جمع به ابن خزيمة وابن حبان أيضاً بعيداً: لانسد باب الجمع والتأويل مطلقاً، مع أنه مفتوح ولا بد من فتحه. ومثال القلب في الإسناد - وهو الأكثر - قلب كعب بن مرة إلى مرة بن كعب، وقلب مسلم بن الوليد إلى الوليد بن مسلم، ونحو ذلك. قال في التدريب: ((كما انقلب على البخاري ترجمة مسلم بن الوليد المدني، فجعله الوليد بن مسلم، كالوليد بن مسلم الدمشقي، وخطأه في ذلك ابن أبي حاتم في كتاب له في خطأ البخاري في تاريخه، حكاية عن أبيه. وصنف الخطيب كثّفُ في هذا النوع كتاباً سماه ((رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب)). وقال الأكثرون: القلب أعم مما ذكر، وجعلوا القلب في الإسناد قسمين: أحدهما: أن يكون الحديث مشهوراً براوٍ، فيجعل مكانه راوٍ آخر في طبقته، ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه، وذلك نحو حديث مشهور بسالم جعل مكانه نافع، وكحديث مشهور بمالك جعل مكانه عبيد الله بن عمر، وممن كان يفعل ذلك من الوضاعين حماد بن عمرو النصيبي. ويقال: إن فاعل ذلك هو الذي يطلق عليه أنه ((يسرق الحديث))، وربما قيل في الحديث نفسه: ((إنه مسروق))، وإطلاق السرقة في ذلك لا يظهر إلا فيما إذا كان الراوي المبدل به منفرداً به، وحينئذٍ لا يستغرب أن يقال: إن المبدل قد سرقه منه. الثاني: أن يؤخذ إسناد متن فيجعل لمتن آخر، ويجعل ذلك المتن لإسناد آخر، وسماه العلامة ابن الجوزي ((بالقلب المركب» وقد فعل ذلك بعضهم اختباراً لحفظ المحدث، أو لكونه ممن يقبل التلقين أو لا يقبله. ١٦٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقد جرى ذلك للإمام البخاري تَتُ فقد حكى عدة من المشايخ أن ذلك الإمام الأوحد لما قدم بغداد وسمع به أصحاب الحديث: اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا ذلك إلى عشرة أنفس: إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديين. فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه. فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفهماء من حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير، وقلة الفهم، ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على ((لا أعرفه)) فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا: التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث، والرابع، على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. قال بعضهم: إنه لا يتعجب من حفظ البخاري لها وتيقظه لتمييز صوابها من خطأها؛ لأنه في الحفظ بمكان، وإنما يتعجب من حفظه لتواليها كما ألقيت عليه من مرة واحدة . وقد وقع القلب من بعض الثقات الأثبات، وذلك بغير قصد. وأما تعمده فكان يحيى القطان لا يستحله، وكأنه لما يترتب عليه من تغليط من يمتحنه واستمراره على روايته لظنه أنه صواب، وقد يسمعه من لا خبرة له فيرويه ظناً منه أنه صواب. واشتد غضب محمد بن عجلان على من فعل به ذلك، وكذا اشتد غضب أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري في ذلك.