Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
مقدمة
وقد أخرجه أبو داود عن وهب بن بقية عن خالد، ووهب من شيوخ مسلم في صحيحه.
وفي المناقب: ((حدثت عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد
الجوهري، حدثنا أبو أسامة)) بحديث أبي موسى: ((إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده
قبض نبيها)) الحديث. وقد رواه عن إبراهيم الجوهري عن أبي أسامة جماعة منهم: أبو
بكر البزار، ومحمد بن المسيب الأرغياني، وأحمد بن قبيل السالسي، ورواه عن
الأرغياني ابن خزيمة، وإبراهيم المزكي، وأبو أحمد الجلودي وغيرهم.
وفي القدر: ((حدثني عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم بحديث أبي سعيد:
(لتركبن سنن من قبلكم)) وقد وصله إبراهيم بن سفيان، عن محمد بن يحيى، عن ابن أبي
مريم .
وأخرج في الجنائز حديث الزهري: حدثني رجال عن أبي هريرة بمثل حديث: ((من
شهد الجنازة)). وقد وصله قبل ذلك من حديث الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة، ومن
حديثه عن سعيد بن المسيب عنه.
وأخرج في الجهاد حديث الزهري قال: ((بلغني عن ابن عمر)): ((نفل رسول الله وَيه
سرية)) وقد وصله قبل ذلك عن الزهري عن سالم عن أبيه، ومن طريق نافع عن ابن عمر.
وأخرج فيه حديث هشام عن أبيه قال: ((أخبرت أن رسول الله وَ ◌ّه قال: ((لقد
حکمت فيهم بحكم الله)) وقد وصله من رواية أبي سعيد.
وأخرج في الصلاة حديث أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة في السهو، وفي
آخره قال: ((وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: ((وسلم)). والقائل ذلك ابن سيرين
عن أبي هريرة، كما رجحه الدارقطني، وقد وصل لفظ السلام من طريق أبي المهلب عن
عمران في حديث آخر.
وأخرج في اللعان حديث ابن شهاب: ((بلغنا أن أبا هريرة كان يحدث الحديث: ((إن
امرأتي ولدت غلاماً أسود)» وهو متصل عنده من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي
هريرة. وعنده وعند البخاري من حديث ابن المسيب عنه، فهذا ما وقع فيه من هذا النوع،
وقد تبیّن اتصاله.
المرسل الخفي والمدلس
ويقال للإسناد الذي يكون السقوط فيه واضحاً: المرسل الجلي، وللإسناد الذي
يكون السقوط فيه خفياً: المدلس - بالفتح - إن كان الإسقاط صادراً ممن عرف لقاءه لمن

١٠٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
روى عنه، والمرسل الخفي إن كان الإسقاط صادراً ممن عرف معاصرته له ولم يعرف أنه
· لقيه، وهذا على قول من فرق بينهما وجعلهما متباينين، وأما من جعل المرسل الخفي
داخلاً في المدلس فإنه يعرف المدلس بأنه: هو الإسناد الذي يكون السقوط فيه خفياً،
ويقال لهذا النوع من التدليس: تدليس الإسناد. وثَمَّ نوع آخر يقال له: تدليس الشيوخ.
أما تدليس الإسناد فهو: أن يسقط اسم شيخه الذي روى عنه، ويرتقي إلى من
فوقه، فيسند ذلك إليه بلفظ غير مقتض للاتصال، ولكنه موهم له، كقوله: عن فلان، أو
أن فلاناً، أو قال فلان، موهماً بذلك أنه سمعه ممن رواه عنه.
وإنما يكون تدليساً إذا كان المدلس قد عاصر المروي عنه، أو لقيه ولم يسمع منه،
أو سمع منه ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلسه عنه، أما إذا روى عمن لم يدركه
بلفظ موهم؛ فإن ذلك ليس بتدليس على الصحيح المشهور.
وقد أكثر العلماء من ذم التدليس والتنفير منه والزجر عنه:
قال شعبة: ((التدليس أخو الكذب)).
وقال وكيع: (الثوب لا يحل تدليسه فكيف الحديث))؟.
وقال بعضهم: المدلس داخل في قول النبيّ وَلّ: ((من غشّنا فليس منا))؛ لأنه يوهم
السامعين أن حديثه متصل، وفيه انقطاع.
هذا إن دلس عن ثقة، فإن كان ضعيفاً فقد خان الله ورسوله، وهو كما قال بعض
الأئمة: حرام إجماعاً. وقال أبو عاصم النبيل: ((أقل حالاته عندي أنه يدخل في حديث
المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)).
وقد اختلف في قبول رواية من عرف بالتدليس، فقال فريق من أهل الحديث
والفقهاء: لا تقبل رواية المدلس بحال، بين السماع أو لم يبيّن، والتدليس مما يقتضي
الجرح عندهم، والمشهور التفصيل، وهو: أن ما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبيّن فيه
السماع والاتصال فحكمه حكم المرسل وأنواعه، فيقبله من يقبل المرسل، ويرده من
يرده، بل قال ابن أمير الحاج في شرح التحرير: ((إن بعض من يحتج بالمرسل أيضاً لا
يقبل المدلس)).
وأما ما رواه بلفظ يبيّن الاتصال نحو ((سمعت))، و((حدثنا))، و((أخبرنا))، وأشباهها،
فهو مقبول محتج به، إلا في أمثال فطر بن خليفة أحد من روى له البخاري مقروناً، فإنه
يقبل منه قوله: ((سمعت)) دون قوله: ((حدثنا)). قال الفلاس: إن القطان قال له: ((وما ينتفع

١٠٣
مقدمة
بقول فطر: ((حدثنا عطاء)) ولم يسمع منه))، وقال ابن عمار عن القطان: ((كان فطر صاحب
ذي سمعت سمعت)) يعني أنه يدلس فيما عداها، ولعله تجوز في صيغة الجمع فأوهم
دخوله، كقول الحسن البصري: ((خطبنا ابن عباس، وخطبنا عتبة بن غزوان)) وأراد أهل
البصرة بلده؛ فإنه لم يكن بها حين خُطْبَتِهما، ونحوه في قوله: ((حدثنا أبو هريرة). وقول
طاوس: ((قدم علينا معاذ اليمن)) وأراد أهل بلده؛ فإنه لم يدركه، ولكن صنيع فطر فيه
غباوة تستلزم تدليساً صعباً، كما قاله الحافظ.
وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتبرة حديث الرواة المدلسين مما صرحوا
فيه بالتحديث: كثير، بل ربما يقع فيها من معنعنتهم، ولكن هو - كما قال ابن الصلاح،
وتبعه النووي وغيره - محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهة أخرى إذا كان في
أحاديث الأصول، لا المتابعات، تحسيناً للظن بمصنفيهما، ولو لم نقف نحن على ذلك.
قال القطب الحلبي في القدح المعلى: ((إن المعنعنات التي في الصحيحين منزلة
منزلة السماع)) يعني إما لمجيئهما من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا
عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن
لها، ولذا استثني من هذا الخلاف: الأعمش، وأبو إسحاق، وقتادة بالنسبة لحديث شعبة
خاصة عنهم، فإنه قال: ((كفيتكم تدليسهم)) فإذا جاء حديثهم من طريقه بالعنعنة حمل على
السماع جزماً. وأبو إسحاق فقط بالنسبة لحديث القطان عن زهير عنه، وأبو الزبير عن
جابر بالنسبة لحديث الليث خاصة عنه، والثوري بالنسبة لحديث القطان عنه. بل قال
البخاري: ((لا يعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل،
ولا عن منصور، ولا عن كثير من مشايخه: تدليس، ما أقل تدليسه)).
قال الحاكم: ((إن المتبحر في هذا العلم يميز بين ما سمعوه وبين ما دلسوه)) أهـ؛
فإن التدليس مطلقاً ليس كذباً وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل، والحكم أنه لا
يقبل من المدلس حتی یبیّن.
قال الجزائري تخذه: ((وأما تدليس الشيوخ فهو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه، .
فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به كيلا يعرف. (وسماه فخر
الإسلام: تلبيساً) ومثاله قول أبي بكر بن أبي مجاهد - أحد أئمة القراء -: ((حدثنا عبد الله
ابن أبي عبد الله)) يريد به عبد الله بن أبي داود السجستاني، وفيه تضييع للمروي عنه،
وتوعير لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهليته، وهو مكروه.
ويختلف الحال في كراهة ذلك باختلاف الغرض الحامل عليه؛ فقد يحمله على

١٠٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ذلك كون شيخه الذي غيَّر سمته: غير ثقة، أو كونه متأخر الوفاة قد شاركه في السماع منه
من هو دونه، أو كونه أصغر سناً من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه؛ فيحب إيهاماً
لكثرة الشيوخ أن يعرفه في موضع بصفة، وفي موضع آخر بصفة أخرى، ليوهم أنه غيره،
وقد كان الخطيب لهجاً بذلك في تصانيفه)).
قال السخاوي: ((ويقرب سعه ما يقع للبخاري في شيخه الذهلي فإنه تارة يقول:
(حدثنا محمد)) ولا ينسبه، وتارة: ((محمد بن عبد الله))، فينسبه إلى جده، وتارة:
((محمد بن خالد)) فينسبه إلى والد جده. ولم يقل في موضع: ((محمد بن يحيى)) قالوا:
وهذا الصنيع يوهم الفاعل بذلك استكثاراً من الشيوخ، حيث يظن الواحد ببادىء الرأي
جماعة. قال السخاوي: ولكن لا يلزم من كون الناظر قد يتوهم الإكثار أن يكون مقصوداً
لفاعله، بل الظن بالأئمة - خصوصاً من اشتهر إكثاره مع ورعه - خلافه؛ لما يتضمن من
التشبع والتزيّن الذي يراعى تجنبه أرباب الصلاح والقلوب، كما نبه عليه ياقوتة العلماء
المعافى ابن عمران - وكان من أكابر العلماء والصلحاء - ولا مانع من قصدهم به الاختبار
لليقظة، والإلفات إلى حسن النظر في الرواة، وأحوالهم، وأنسابهم إلى قبائلهم،
وبلداتهم، وحرفهم، وألقابهم، وكُناهم. وكذا الحال في آبائهم)) ..
فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا، وقد ذكر الذهبي في فوائد رحلته: ((أنه لما
اجتمع بابن دقيق العيد سأله التقي: من أبو محمد الهلالي، فقال: سفيان بن عيينة،
فأعجبه استحضاره)). ولذا قال ابن دقيق العيد: ((إن في تدليس الشيخ الثقة مصلحة، وهي
امتحان الأذهان، واستخراج ذلك، وإلقاءه إلى من يراد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال،
على أنه قد قيل في فعل البخاري في الذهلي: إنه لما كان بينهما ما عرف في محلّه،
بحيث منع الذهلي أصحابه من الحضور عند البخاري، ولم يكن ذلك بمانع للبخاري من
التخريج عنه لوفور ديانته وأمانته، وكونه عذره في نفسه بالتأويل، غير أنه خشي من
التصريح به أن يكون كأنه بتعديله له صدقه على نفسه، فأخفى اسمه، والله أعلم بمراده)).
وأما تدليس التسوية: فإنه داخل في تدليس الإسناد، وجعله بعضهم قسماً مستقلاً
بنفسه فقسم التدليس إلى ثلاثة أقسام، تدليس الإسناد؛ وتدليس الشيوخ؛ وتدليس
التسوية .
وتدليس التسوية هو: أن يسقط ضعيفاً بين ثقتين، وصورته أن يروي حديثاً عن شيخ
ثقة، وذلك الثقة يروي عن ضعيف عن ثقة، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة
الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني
بلفظ محتمل، فيصير السند كلها ثقات، وهذا شر أقسام التدليس؛ لأن فاعل ذلك قد لا

١٠٥
مقدمة
يكون معروفاً بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة
آخر، فيحكم له بالصحة، وفي ذلك من التدليس في الحديث ما لا يخفى، وهو قادح
فيمن فعله عمداً، وقد سمى ابن القطان هذا النوع بالتسوية بدون لفظ التدليس فيقول:
سواه فلان، وهذه تسوية، والقدماء يسمونه تجويداً فيقولون: جوده فلان، أي: ذكر من
فيه من الجياد وترك غيرهم (وليس هذا المعنى الاصطلاحي مراد ما قال الترمذي في
حديث: ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)): ((جود أبو أسامة هذا الحديث)) فإن معناه أتى
بإسناد جيد، فليحفظ).
وقال بعض العلماء: التحقيق أن يقال: متى قيل: ((تدليس التسوية)) فلا بد أن يكون
كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمع بشيخ شيخه، وإن
قيل: ((تسوية)) بدون ((تدليس) لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه، وقد وقع في هذا
بعض الأئمة؛ فإنه روى عن ثور عن ابن عباس، وثور لم يلقه، وإنما روى عن عكرمة
عنه، فأسقط عكرمة، لأنه غير حجة عنده.
ويعرف عدم الملاقاة بإخباره عن نفسه بذلك، أو بجزم إمام مطلع، ولا يكفي أن
يقع في بعض الطرق زيادة راوٍ بينهما، لاحتمال أن يكون من ((المزيد)) ولا يحكم في هذه
الصورة بحكم كلي؛ لتعارض احتمال الاتصال والانقطاع. وقد صنف فيه الخطيب ((كتاب
التفصيل لمبهم المراسيل)) و((كتاب المزيد في متصل الأسانيد)).
قال ابن حزم: ((وقسم آخر قد صح عنهم إسقاط من لا خير فيه من أسانيدهم عمداً،
وضم القوي إلى القوي تلبيساً على من يحدث، وغروراً لمن يأخذ عنه، ونصراً لما يريد
تأييده من الأقوال مما لو سمي من سكت عن ذكره لكان ذلك علة أو مرضاً في الحديث،
فهذا رجل مجروح، وهذا فسق ظاهر، واجب إطراح جميع حديثه صح أنه دلس فيه، أو
لم يصح أنه دلس فيه، وسواء قال: ((سمعت))، أو ((أخبرنا))، أو لم يقل، كل ذلك مردود
غير مقبول؛ لأنه ساقط العدالة، غاش لأهل الإسلام باستجازته ما ذكرنا)).
طبقات المدلسين
قال السخاوي: ((المدلسون مطلقاً على خمس مراتب - بينها شيخنا تَّقُ تعالى في
تصنيف (١) المختص بهم، المستمد فيه من جامع التحصيل للعلائي وغيره -:
(١) كذا في الكتاب المنقول عنه للسخاوي: فتح المغيث (١: ١٨٤) ولعله: ((تصنيفه)) - واسم الكتاب ((تعريف
أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس)).

١٠٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
من لم يوصف به إلا نادراً، كالقطان ويزيد بن هارون.
من كان تدليسه به قليلاً بالنسبة لما روى، مع إمامته وجلالته وتحريه، كالسفيانين.
من أكثر منه غير متقيد بالثقات.
من كان أكثر تدليسه عن الضعفاء والمجاهلي.
من انضم إليه ضعف بأمر آخر .
ثم إن جميع ما تقدم: تدليس الإسناد، وأما تدليس المتن فلم يذكروه، وهو
المدرج، وتعمده حرام» كما سيأتي في بابه.
أي البلاد أكثر تدليساً أو أقل
قال الحاكم: ((أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان والجبال وأصبهان
وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر: لا نعلم أحداً من أئمتهم دلسوا. قال: وأكثر
المحدثين تدليساً أهل الكوفة، ونفر يسير من أهل البصرة. قال: وأما أهل بغداد فلم يذكر
عن أحد من أهلها التدليس إلى أبي بكر محمد بن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي
الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها، ومن دلس من أهلها إنما تبعه في ذلك، وقد
أفرد الخطيب كتاباً في أسماء المدلسين، ثم ابن عساكر)).
الحديث المعنعن واختلاف البخاري ومسلم في
اشتراط اللقاء والسماع لقبوله
الإسناد المعنعن - وهو قول الراوي: ((فلان عن فلان)) - قيل: إنه مرسل، والصحيح
الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول: أنه متصل
بشرط أن لا يكون المعنعن - بالكسر - مدلساً، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً. وفي
اشتراط ثبوت اللقاء، وطول الصحبة، ومعرفته بالرواية عنه خلاف. منهم من لم يشترط
شيئاً من ذلك، وهو مذهب مسلم بن الحجاج، وادعى الإجماع فيه، ومنهم من شرط
اللقاء وحده، وهو قول البخاري وابن المديني وغيرهما. قيل: إلا إن البخاري لا يشترط
ذلك في أصل الصحة، بل التزمه في جامعه، وابن المديني يشترط فيها .
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر كفّفه: ((من حكم على المعنعن بالانقطاع مطلقاً
شدد .
ويليه من شرط طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة سهل، والوسط الذي ليس

١٠٧
مقدمة
بعده إلا التعنت مذهب البخاري ومن وافقه، وما أورده مسلم عليهم من لزوم رد المعنعن
دائماً لاحتمال عدم السماع ليس بوارد، لأن المسألة مفروضة في غير المدلس، ومن
عنعن ما لم يسمعه فهو مدلس)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لا شك في أن رواية الراوي عمن لم يعاصره إرسال
جلي ظاهر، أما روايته عن المعاصر ما لم يسمع منه موهماً للسماع، فتحتمل أموراً: اللقاء
وعدمه، وعلى تقدير اللقاء سماعه منه غير هذا الحديث أو عدم السماع مطلقاً، فبعضهم
يسمى هذه الصور كلها تدليساً كما مر في الفصل السابق، وبعضهم يسمى كلها إرسالاً خفياً
كما قال في التدريب: ((الإرسال الخفي ما عرف إرساله بعدم اللقاء لمن روى عنه مع
المعاصرة أو لعدم السماع مع ثبوت اللقاء، أو لعدم سماع ذلك الخبر بعينه مع سماع غيره))
فالتدليس حينئذٍ داخل في الإرسال الخفي، وفرق الحافظ ابن حجر بينهما، فخص اسم
التدليس بقسم اللقاء، وجعل قسم المعاصرة المحضة إرسالاً خفياً، وعندي أنه لا مشاحنة
في الاصطلاح والتسمية ما لم يتغير الأحكام والحقائق بتغيير الأسماء والاصطلاحات،
والنظر الدقيق في هذه المسألة يقتضي تسمية ما لا يكون فيه إيهام إرسالاً، وما فيه إيهام
تدليساً، فعلى هذا رواية الرجل عمن عاصره إن ظهر فيه انتفاء اللقاء أو السماع أو سماع
هذا الخبر بعينه فهي أحق بأن تسمى إرسالاً، وإن لم يظهر فيه الإنتفاء ولا الثبوت، بل الأمر
فيها مبهم على إمكان التلاقي والسماع، فلا وجه لإخراجها من التدليس، وإدخالها في
الإرسال، مع كون الايهام الذي هو مظنة ذم التدليس موجوداً فيها .
وما امتن كلام الخطيب في الكفاية وأعمقه! ولعمري، إنه فصل الخطاب في هذا
البحث، حيث قال في بيان الدليس :
((هو تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه أنه
سمعه منه، ويعدل عن البيان لذلك. قال: ولو بين أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلسه عنه
وكشف ذلك لصار ببيانه مرسلاً للحديث، غير مدلس فيه؛ لأن الإرسال للحديث ليس
بإيهام من المرسل كونه سامعاً ممن لم يسمع منه، وملاقياً لمن لم يلقه، إلا أن التدليس
الذي ذكرناه متضمن الإرسال لا محالة؛ الإمساك المدلس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق
حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه فقط، وهو الموهن لأمره، فوجب كون
التدليس متضمناً للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع
ممن لم يسمع منه، ولهذا لم يذم العلماء من أرسل - يعني لظهور السقط - وذموا من
دلس)» .

١٠٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فالحاصل أن كل ما فيه إيهام هو بالحقيقة تدليس مذموم قبيح، سواء سميتموها
تدليساً أو إرسالاً خفيفاً، بل يظهر من كلام ابن عبد البر أن هذا القسم الذي يسمونه
إرسالاً خفياً أقبح وأسمج من الذي يسمونه التدليس، لما فيه من إيهام اللقي والسماع
معاً، بخلاف الإرسال الجلي فإنه لا يذم لعدم الالتباس فيه.
وإذا عرفت هذا، فما اعترض به مسلم بن الحجاج على البخاري رحمهما الله في
اشتراطه اللقاء والسماع لقبول المعنعن وعدم اكتفاءه بالمعاصرة مع إمكان اللقاء والسماع:
قوي عندي، فإن ثبوت اللقاء والسماع مرة لا يستلزم سماع كل خبر وكل حديث، حتى
يصرح بالسماع، فيلزم على أصله أن لا يقبل الإسناد المعنعن أبداً .
فإن قلتم: إن هذا هو احتمال التدليس، والمسألة مفروضة في غير المدلس.
قلنا: فهذا الجواب بعينه يكفي لدفع احتمال الإرسال في صورة المعاصرة مع إمكان
اللقاء والسماع؛ فإنه أيضاً تدليس حقيقة، كما قررنا، ولعل مسلماً كثّفُ يسميه تدليساً، وإن
سماه بعضهم إرسالاً خفياً، بل هو أشد وأشع من التدليس، كما قال ابن عبد البر،
والنزاع إنما كان في غير المدلس، فمحض الاصطلاح من البعض على التسمية لا يتغير به
أحكام القبول والرد، ولا يتبدل به الحقيقة.
وأما ما قال الحافظ من أن اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة وحدها، يدل
عليه إطباق أمل العلم بالحديث، على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي وقيس بن
حازم عن النبيّ ◌َّ ر من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة
يكتفى به في التدليس لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبيّ وَّر، ولكن لم يعرف هل
لقوه أم لا؟ فقد ناقش فيه علي القاري بأن المخضرمين إنما لم يعدوا إرسالهم من قبيل
التدليس لأنه من قبيل الإرسال الجلي، وذلك لأن المخضرم من عرف عدم لقائه
النبيّ وَّر، لا من لم يعرف أنه لقيه، وبينهما فرق.
وبهذا يظهر الجواب عما قال أبو حاتم في ترجمة أبي قلابة الجرمي: ((إنه روى عن
جماعة لم يسمع منهم، لكنه عاصرهم، كأبي زيد عمرو بن أخطب. وقال مع ذلك: إنه لا
یعرف له تدلیس)».
قال الحافظ في ترجمة أبي قلابة من تهذيبه: ((إن هذا مما يقوي من ذهب إلى
اشتراط اللقاء غير مكتف بالمعاصرة)) اهـ. فإن هذه صورة المعاصرة مع ثبوت عدم
السماع، ويحتمل أن تكون روايته عنهم بصيغة غير موهمة للسماع، وكلام مسلم كَّفُ في

١٠٩
مقدمة
الاكتفاء بالمعاصرة مع احتمال اللقاء والسماع في الإسناد المعنعن. والفرق بين عدم
الثبوت وثبوت العدم ظاهر.
قال في فتح المغيث: ((وما خدشه به مسلم من وجود أحاديث اتفق الأئمة على
صحتها، مع أنها ما رويت إلا معنعنة، ولم يأت في خبر قط أن بعض رواتها لقي شيخه:
فغير لازم؛ إذ لا يلزم من نفي ذلك عنده نفيه في نفس الأمر)) اهـ.
قلت: نعم، لا يلزم من نفى الثبوت عنده نفيه في نفس الأمر، إلا أن ادعاء إمام
حجة مطلع مثل الإمام مسلم كثّفُ نفيه بالاستقراء التام لا يقاوم بهذا الامكان العقلي
المحض، بل اللازم لمخالفه أن يبرهن على إثبات ما نفاه حتى يظهر خطأه وقصور
استقرائه، وإلا فالاحتمالات العقلية المحضة لا تؤثر في إبطال ما ادعاه، كما لا يؤثر مثل
هذا الاحتمال بعينه في إبطال حجية خبر الواحد بعد ثبوت صحته على شريطتهم.
وادعى مسلم كثّفُ إجماع العلماء قديماً وحديثاً على أن الحديث المعنعن محمول
على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضاً - يعني مع
براءتهم من التدليس - ونقل مسلم عن بعض أهل عصره (لعله البخاري كَُّهُ) أنه قال: ((لا
تقوم الحجة بها، ولا يحمل على الاتصال، حتى يثبت أنهما التقيا في عمرهما مرة فأكثر،
ولا يكفي إمكان تلاقيهما)) قال مسلم: ((وهذا قول ساقط مخترع مستحدث لم يسبق قائله
إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وإن القول به بدعة باطلة، توجب اطراح ذخيرة
من ذخائر الأحاديث)). وأطنب مسلم كََّفُ في الشناعة على قائله، فادعاء الإجماع على
خلاف ما نقل هو الإجماع عليه مع ذلك التحدي البليغ لا يسمع إلا ممن هو في درجته أو
فوقه .
وأما قول النووي تَّقُ فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت: ((إنه لا يغلب على الظن
الاتصال، وإذا ثبت التلاقي مرة غلب على الظن)): فمدفوع بحصول غلبة الظن لغيره من
أمثال مسلم بن الحجاج وجماهير أهل العلم رحمهم الله، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب.
تنبيه :
قد سأل السبكيُّ المزيَّ: هل وجد لكل ما روياه بالعنعنة طرق مصرح فيها
بالتحديث؟ فقال: كثير من ذلك لم يوجد، وما يسعنا إلا تحسين الظن.

١١٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المدرج وصيغ الإمام مسلم فيه
قال أهل الأثر: الإدراج نوعان: إدراج في المتن، وإدراج في الإسناد.
أما الإدراج في المتن فهو أن يورد في متن الحديث ما ليس منه على وجه يوهم أنه
منه، ويسمى ذلك المورد مدرج المتن، وهو ثلاثة أقسام:
مدرج في آخر الحديث، ومدرج في أوله، ومدرج في أثنائه .
أما المدرج في آخر الحديث فهو الغالب المشهور في هذا النوع، وأما المدرج في
أول الحديث فنادر قليل، وأما المدرج في أثناء الحديث فهو كثير إذا نظر إلى ما أدرج
لتفسير الألفاظ الغريبة .
قال ابن السمعاني: ((من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن
مواضعه، وهو ملحق بالكذابين)).
وقد استثنى بعضهم من ذلك ما أدرج لتفسير لفظ غريب؛ لقلة وقوع الإلتباس فيه،
وقد فعله الزهري وغيره.
ولا يسوغ الحكم بالإدراج إلا إذا وجد ما يدل عليه:
فمن ذلك: دلالة المدرج على امتناع نسبته إلى النبيّ وَّ، وذلك كقول أبي
هريرة رضيُه في حديث: ((للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده! لولا الجهاد في سبيل
الله وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)). وكقول ابن مسعود رضيالله - كما جزم به
سليمان بن حرب - في حديث: ((الطيرة شرك وما منا إلا)).
ومن ذلك تصريح بعض الرواة بالفصل، وذلك بإضافته لقائله، ويتقوى باقتصار
بعض الرواة على الأصل، كحديث التشهد، وهذا هو الأكثر.
والمراد بحديث التشهد ما ورد عن عبد الله بن مسعود في آخر حديث التشهد: ((فإذا
قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)) فإن هذا
الكلام مدرج عند الحافظ.
قال السخاوي كثّفُ: وما أحسن صنيع مسلم حيث أخرج حديث عبد الأعلى، عن
داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود رحمهم الله في مجيء داعي الجن إلى
النبيّ وَّر، وذهابه معهم، وقراءته عليهم القرآن، قال ابن مسعود: ((فانطلق بنا، فأرانا
آثارهم، وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم)) إلى آخره، ثم رواه من جهة
إسماعيل بن إبراهيم عن داود، وقال بسنده إلى قوله: ((وآثار نيرانهم))، قال الشعبي:

١١١
مقدمة
((وسألوه الزاد)) إلى آخره، فبين أنه من قول الشعبي منفصلاً من حديث عبد الله، ثم رواه
من حديث عبد الله بن إدريس عن داود به، بدون ذكر: ((وسألوه)) إلى آخره، لا متصلاً ولا
منفصلاً .
قال السخاوي: ((ولكن الحكم للإدراج بها (أي بالوجوه المذكورة سابقاً) مختلف،
فبالأول قطعاً، وبباقيها بحسب غلبة الظن للناقد، بل أشار ابن دقيق العيد في ((الاقتراح))
إلى ضعفه، حيث كان الإدراج أول الخبر، وكأن الحامل لهم على عدم تخصيص ذلك
بآخر الخبر تجويز كون التقديم والتأخير من الراوي؛ لظنه الرفع في الجميع، واعتماده
الرواية بالمعنى، فبقي المدرج حينئذٍ في أول الخبر وأثنائه، بخلافه قبل ذلك)) اهـ.
قلت: وأما تصريح بعض الرواة بالفصل بإضافته لقائله، وتقوية الفصل باقتصار
بعض الرواة على الأصل: فهذا أيضاً ليس دليل الإدراج مطلقاً عندهم؛ فإنهم قالوا في
حديث الإستسعاء الذي أخرجه الشيخان: إن هماماً هو الذي انفرد بفصل الإستسعاء من
الحديث، وجعله من قول قتادة، فدل على أنه لم يضبطه .
وأما المدرج في الإسناد: فهو ما يكون الإدراج فيه له تعلق ما بالإسناد، وهو ينقسم
إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الحديث عند راويه بإسناد، إلا طرفاً منه. فإنه عنده بإسناد
آخر، فيروي الراوي عنه جميعه بالإسناد الأول ويلحق بهذا القسم قسم أفرده بعضهم عنه،
وهو أن يسمع الحديث من شيخه إلا طرفاً، ثم يسمع ذلك الطرف بواسطة عنه، ثم يرويه
جميعه عنه بلا واسطة.
القسم الثاني: أن يدرج بعض حديث في حديث آخر مخالف له في السند.
القسم الثالث: أن يروي جماعة: الحديثَ بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ،
فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبيّن الإختلاف.
قال السخاوي تخلفه: ((وما أحسن محافظة الإمام مسلم تثاثهُ على التحري في ذلك،
وكذا شيخه الإمام أحمد)).
المرفوع والموقوف والمقطوع
المرفوع هو: ما أضيف إلى النبيّ ◌َ ل﴿ من أقواله وأفعاله أو تقريره، سواء أضافه إليه
صحابي، أو تابعي، أو من بعدهما، وسواء اتصل إسناده أم لا .
وقال الخطيب: ((المرفوع ما أخبر فيه الصحابي عن قول الرسول صل أو فعله)).

١١٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فعلى هذا لا يدخل فيه ما أرسله التابعون ومن بعدهم.
.... قال الحافظ ابن الصلاح: ((ومن جعل من أهل الحديث المرفوع في مقابلة المرسل
فقد عني بالمرفوع المتصل)).
والموقوف: ما يروى عن الصحابة ها من أقوالهم، أو أفعالهم، أو تقريرهم.
وسمي موقوفاً؛ لأنه وقف عليهم، ولم يتجاوز به إلى النبيّ وَّل.
ثم إن منه ما يتصل إسناده فيه إلى الصحابي. فيكون من الموقوف الموصول. ومنه
ما لا يتصل إسناده إليه، فيكون من الموقوف المنقطع، على حسب ما عرف مثله في
المرفوع إلى النبيّ مَّر.
وشرط الحاكم كثّفُ في الموقوف أن يكون إسناده غير منقطع إلى الصحابي، وهو
شرط لم يوافقه عليه أحد.
وما ذكر من تخصيص الموقوف بالصحابي إنما هو فيما إذا ذكر مطلقاً، وإلا فقد
يستعمل في غير الصحابي. يقال: هذا موقوف على عطاء، أو على طاوس، أو وقفه فلان
على مجاهد، ونحو ذلك، وقد سمي بعض الفقهاء الموقوف بالأثر، وأما المحدثون
فجمهورهم يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف، وعلى ذلك جرى الطحاوي تَظّفُ في
تسمية كتابه المشتمل عليهما بـ(شرح معاني الآثار)) وكذلك أبو جعفر الطبري في تسمية
كتابه المشتمل عليهما بـ(تهذيب الآثار)) إلا أن إيراده للموقوف فيه إنما كان بطريق التبعية.
والمقطوع: ما جاء عن التابعين موقوفاً عليهم من أقوالهم أو أفعالهم أو تقريرهم.
وقد استعمل الإمام الشافعي كثُّ، ثم الطبراني المقطوع في المنقطع الذي لم يتصل
إسناده. ووقع ذلك في كلام الحميدي والدارقطني، إلا أن الشافعي تَّقُ استعمل ذلك قبل
استقرار الاصطلاح، كما استعمل الحسن في بعض الأحاديث، وهي على شرط
الشیخین .
ووقع للحافظ أبي بكر أحمد البردعي عكس هذا، فاستعمل المنقطع في المقطوع
حيث قال: ((المنقطع هو قول التابعي)).
وحكى الخطيب عن بعض أهل العلم بالحديث: ((أن المنقطع ما روي عن التابعي
أو من دونه موقوفاً عليه من قوله أو فعله)) قال ابن الصلاح: ((وهو بعيد غريب)).
قال الخطيب كَثُ في جامعه: ((إنه يلزم كتبها (أي: الموقوفات والمقطوعات)
والنظر فيها؛ ليتخير من أقوالهم، ولا يشذ عن مذاهبهم)).

١١٣
مقدمة
قلت: لا سيما وهي أحد ما يعتضد به المرسل، وربما يتضح بها المعنى المحتمل
من المرفوع.
وقال الخطيب تَّفُ في الموقوفات على الصحابة: ((جعلها كثير من الفقهاء بمنزلة
المرفوعات إلى النبيّ وَ ﴿ في لزوم العمل بها، وتقديمها على القياس، وإلحاقها بالسنن))
انتھی .
ومسألة الاحتجاج بالصحابي مبسوطة في غير هذا المحل. ثم إن شيخنا أدرج في
المقطوع ما جاء عن دون التابعي، وعبارته: ((ومن دون التابعي من أتباع التابعين فمن
بعدهم فيه - أي: في الاسم بالمقطوع - مثله)) - أي: مثل ما ينتهي إلى التابعي - كذا في
فتح المغيث.
فائدة
قال الحافظ السيوطي: جمع أبو حفص بن بدر الموصلي كتاباً سماه ((معرفة الوقوف
على الموقوف)) أورد فيه ما أورده أصحاب الموضوعات في مؤلفاتهم فيها، وهو صحيح
عن غير النبيّ ◌َّ، إما عن صحابي، أو تابعي، فمن بعده، وقال: ((إن إيراده في
الموضوعات غلط، فبين الموضوع والموقوف فرق)).
ومن مظان الموقوف والمقطوع مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وتفسير ابن
جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر وغيرهم) اهـ.
عَلى الله
أفعال النبيّ
قال الإمام فخر الإسلام قدس الله روحه: ((هي أربعة أقسام: مباح، ومستحب،
وواجب، وفرض، وفيها قسم آخر وهو الزلة، لكن ليس من هذا الباب في شيء، لأنه لا
يصلح للاقتداء، ولا يخلو عن بيان مقرون به من جهة الفاعل، أو من الله تبارك وتعالى
كما قال جلّ وعزّ: ﴿وَعَصَى ءَادَمُ﴾ [سورة طه، آية: ١٢١] وقال جلّ وعزّ حكاية عن موسى عن
قتل القبطي: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [سورة القصص، آية: ١٥] اهـ.
قال شمس الأئمة كَّثهُ: إن الزلة أخذت من قول القائل: زل الرجل في الطين إذا لم
يوجد القصد إلى الوقوع، ولا إلى الثبات بعد الوقوع، ولكن وجد القصد إلى المشي في
الطريق، فعرفنا بهذا أن الزلة ما يتصل بالفاعل عند فعله ما لم يكن قصده بعينه، ولكنه زل
فاشتغل به عما قصده بعينه .
والمعصية عند الإطلاق: إنما يتناول ما يقصده المباشر بعينه، وإن كان قد أطلق

١١٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الشرع ذلك على الزلة مجازاً .
فإن قيل: لما لم يكن الفعل الحرام مقصوداً في الزلة فقيم العتاب؟.
قلنا : إن الزلة لا تخلو عن نوع تقصير يمكن للمكلف الاحتراز عنه عند التثبت،
فاستحقاق العتاب بناءً عليه، كمن زل في الطريق يستحق اللوم لترك التثبت والتقصير)).
قال الشيخ أبو الحسن البشاعري تقدّهُ في عصمة الأنبياء: ((وليس معنى الزلة أنهم
زلوا عن الحق إلى الباطل، وعن الطاعة إلى المعصية، ولكن معناها الزلل عن الأفضل
إلى الفاضل، والأصوب إلى الصواب، وكانوا يعاقبون لجلال قدرهم ومنزلتهم ومكانتهم
من الله تعالى)).
واختلفوا في سائر أفعال النبيّ وَّر مما ليس بسهو ولا طبع؛ لأن البشر لا يخلو مما
جبل عليه، ولا يكون هذا الفعل بياناً لمجمل الكتاب، ولا يكون امتثالاً وتنفيذاً لأمر
سابق، ولا يكون مختصاً به كالزيادة على الأربع في النكاح، فبعد هذه القيود إما إن
علمت صفة ذلك الفعل في حقه ◌َّل* من وجوب أو ندب أو إباحة، أو لم تعلم، فإن
علمت فالجمهور على أن أمته مثله في كونهم متعبدين في التأسي به بإتيان ذلك الفعل على
تلك الصفة، وإن لم تعلم فقال بعضهم: يجب الوقف فيها، وقال بعضهم: بل يلزمنا
اتباعه فيها. وقال الكرخي تَُّهُ: ((نعتقد فيها الإباحة (أي: في حقه ◌َّ) فلا يثبت الفضل
إلا بدليل، ولا يثبت المتابعة منا إياه فيها إلا بدليل)).
وقال الشيخ أبو بكر الرازي الجصاص مثل قول الكرخي، إلا أنه قال: ((علينا
اتباعه، لا نترك ذلك إلا بدليل)).
قال صاحب الكشف: ((معناه: لنا جواز متابعته فيه، لا يترك ذلك أي: لا يحمل
على الخصوصية إلا بدليل، أو معناه: وجب علينا اقتداء إباحته في حقنا، لا يترك ذلك
الإعتقاد إلا بدليل)).
والفرق بين قول الجصاص وبين قول الفريق الثاني أن الاتباع واجب عندهم على
إعتقاد أن ذلك الفعل واجب في حقه وفي حقنا، والاتباع في قول أبي بكر ثابت على
إعتقاد أنه مباح في حقه وفي حقنا، كما لو ثبت التنصيص إباحة فعل له من غير
تنصيص)) اهـ. (لعله من غير تخصيص).
قال فخر الإسلام: ((وهذا (أي: قول الجصاص) أصح عندنا)).
وقال شمس الأئمة: ((الصحيح ما ذهب إليه الجصاص؛ لأن في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ

١١٥
مقدمة
كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٢١])) تنصيص على جواز التأسي به في
أفعاله، فيكون هذا النص معمولاً به حتى يقوم الدليل المانع، وهو ما يوجب تخيصه
بذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيَّ أَزَوَجِ أَدْعِيَآِبِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٢٧] وفي هذا بيان أن ثبوت الحل في حقه
مطلقاً دليل ثبوته في حق الأمة، أي: بدلالة المفهوم المخالف؛ لأنه سبحانه علل
تزويجه ◌ّه بنفي الحرج الكائن في تحريم زوجات الأدعياء، ومفهومه لو لم يزوجه ثبت
الحرج على المؤمنين في ذلك، وثبوت الحرج على ذلك التقدير إنما يكون إذا اتحد
حكمهم بحكمه، ألا ترى أنه نص على تخصيصه فيما كان هو مخصوصاً به بقوله:
﴿ خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٥٠] وهو النكاح بغير مهر، فلو لم يكن
مطلق فعله ◌َّ﴾ دليلاً للأمة في الإقدام على مثله لم يكن لقوله تعالى: ﴿خَلِصَةٌ لَّكَ﴾
كانوا يرجعون إلى فعله
فائدة، فإن الخصوصية ثابتة بدون هذه الكلمة، والصحابة
احتجاجاً واقتداءً، كتقبيل الحجر فقال عمر رُله: ((لولا أني رأيت رسول الله يقبّلك ما
قبّلتك)) ولم ينكر عليه ذلك، وتقبيل الزوجة صائماً، وأمثلة ذلك كثيرة، ولا سيّما في
أبواب العبادات، كما يحيط به مستقرؤوه من دواوين السنة، وهذا كله داخل في عموم:
﴿فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ﴾ [سورة آل عمران، آية: ٣١] وهذا لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام أئمة
يقتدي بهم، كما قال الله تعالى: ﴿إِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [سورة البقرة، آية: ١٢٤] فالأصل في
كل فعل يكون منهم جواز الإقتداء بهم، إلا ما يثبت فيه دليل الخصوصية باعتبار أحوالهم
وعلو منازلهم، وإذا كان الأصل هذا ففي كل فعل يكون منهم بصفة الخصوص يجب بيان
الخصوصية مقارناً به؛ إذ الحاجة إلى ذلك ماسة عند كل فعل يكون حكمه بخلاف هذا
الأصل، والسكوت عن البيان بعد تحقق الحاجة إليه دليل النفي، فترك بيان الخصوصية
يكون دليلاً على أنه من جملة الأفعال التي هو فيها قدوة أمته، والله أعلم)).
فصار الحاصل أن عند أبي الحسن الأصل هو الإختصاص، والإشتراك لعارض،
وعند الجصاص الأصل هو الاتباع، والخصوصية بعارض، كما أن الأصل في الكلام
الحقيقة، والمجاز بعارض، والعارض لا يثبت إلا بدليل.
حكاية فعله لل* بصيغة لا عموم لها
إذا نقل فعله وَل* بصيغة لا عموم لها كحديث بلال: ((صلى في الكعبة)) لا يعم
باعتبار من الاعتبارات؛ لأنه إخبار عن دخول جزئي في الوجود، فلا يدل على الفرض
والنفل بشخصيته، وما يتوهم من نحو: ((كان يصلي العصر والشمس بيضاء)) و((كان يجمع

١١٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بين الصلاتين في السفر)) فمن إسناد المضارع، وقيل: من المجموع: منه ومن قران ((كان))
لكن نحو قولهم: ((بنو فلان يكرمون الضيف ويأكلون الحنطة)» يفيد أنه عادتهم، فيظهر أن
التكرار من مجرد إسناد المضارع ولا يخفى أن هذه الإفادة استعمالية لا وضعية، وأكثرية
لا كلية، فلا يقدح عدم ذلك فيما في سنن أبي داود في شأن خرص نخل خيبر عن عائشة
قالت: ((كان النبيّ وَلّ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النخل)) الحديث، لكون خيبر
كانت سنة سبع على قول الجمهور، وعبد الله قتل في سنة ثمان.
ثم لقائل أن يقول: كما أن مجرد إسناد المضارع قد يفيد التكرار استعمالاً عرفياً،
كذلك مجرد ((كان)) إذا دخلت على ما لا يفيده من شرط وجزاء، كما في الصحيحين عن
حذيفة: ((كان النبيّ وَ ﴿ إذا قام من الليل يشوص فاه)) وعن عائشة قالت: ((كان
رسول الله وَّيّ إذا اعتكف يدني إلى رأسه، فأرجله)) إلى غير ذلك، ولا سيما على رأي من
يقول: إنها تدل على الدوام، وحينئذٍ فلا بأس أن يقال: إن ((كان)) وإسناد المضارع إذا
اجتمعا كانا متعاضدين على إفادة التكرار غالباً، وإن تصريح فخر الدين الرازي كثّفُهُ عدم
دلالة ((كان)) على التكرار عرفاً، كما لا يدل عليه وضعاً: منتف، والله سبحانه أعلم. كذا
في التحرير وشرحه .
وأما حكاية قول النبيّ وَّله لا يدري عمومه بلفظ عام، كـ((قضى بالشفعة لجار))
و(نهى عن بيع الغرر)) فيجب الحمل على العموم، فتكون الشفعة لكل جار، والنهي عن
كل بيع فيه غرر، خلافاً للكثير.
وإنما قلنا ذلك لأن الصحابي عدل عارف باللغة عموماً وخصوصاً، فالظاهر
المطابقة بين نقله وما في نفس الأمر من ذلك. وقولهم: يحتمل غرراً وجاراً خاصين،
كجار شريك، فاجتهد في العموم، فحكاه أو أخطأ فيما سمعه: احتمال لا يقدح؛ لأنه
خلاف الظاهر من علمه وعدالته، والظاهر لا يترك للاحتمال، وجعلُهما من حكاية فعل
ظاهر في العموم، كما تنزل إليه صدر الشريعة: منتف؛ لأن القضاء والنهي قول يكون معه
عموم وخصوص، ولا يخفى أن المراد بـ((قضى)) حكاية قوله الذي هو القضاء و((نهى))
حكاية قوله الذي هو النهي. كذا في التحرير وشرحه.
مسألة :
قال الغزالي كَذِفُهُ: ((لا يمكن دعوى العموم في واقعة لشخص معيّن قضى فيها
النبيّ وَّر بحكم. وذكر علة حكمه أيضاً إذا أمكن اختصاص العلة بصاحب الواقعة، مثاله
حكمه في أعرابي محرم وقصت به ناقته: ((لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيباً فإنه يحشر

١١٧
مقدمة
يوم القيامة ملبياً)) فإنه يحتمل أن يقال: إما لأنه وقصت به ناقته محرماً، لا بمجرد إحرامه،
أو لأنه علم من نيته أنه كان مخلصاً في عبادته، وأنه مات مسلماً، وغيره لا يعلم موته
على الإسلام، فضلاً عن الإخلاص. وكذا قال ◌َ له في قتلى أحد: ((زملوهم بكلومهم
ودمائهم، فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دماً)) ويجوز أن يكون لقتلى أحد خاصة لعلو
درجتهم، أو لعلمه أنهم أخلصوا لله، فهم شهداء حقاً، ولو صرح بأن ذلك خاصيتهم قبل
ذلك فاللفظ خاص، والتعميم وهم.
والشافعي تغذُّ عمم هذا الحكم نظراً إلى العلة، وأن ذلك بسبب الجهاد والإحرام،
وأن العلة حشرهم على هذه الصفات، وعلة حشرهم الجهاد، أو الإحرام، وقد وقعت
الشركة في العلة، وهذا أسبق إلى الفهم، لكن خلافه - وهو الذي اختاره القاضي -
ممكن، والاحتمال متعارض، والحكم بأحد الإحتمالين - لأنه أسبق ألى الفهم - فيه نظر؛
فإن الحكم بالعموم إنما أخذ من العادة، ومن وضع اللسان، ولم يثبت لههنا في مثل هذه
الصورة لا وضع ولا عادة، فلا يكون في معنى العموم)). كذا في المستصفى.
تعارض القول والفعل
وفيه صور:
منها: أن يكون القول خاصاً بالأمة مع قيام دليل التأسي، والتكرار في الفعل، فلا
تعارض في حقه وَّر. وأما في حق الأمة فالمتأخر من القول أو الفعل ناسخ، وإن جهل
التاريخ فقيل: يعمل بالفعل، وقيل: بالقول، وهو الراجح؛ لأن دلالته أقوى من دلالة
الفعل، وأيضاً هذا القول الخاص بأمته أخص من الدليل العام الدال على التأسي،
والخاص مقدم على العام، ولم يأت من قال بتقدم الفعل بدليل يصلح للاستدلال به.
ومنها: أن يكون القول عاماً له وللأمة؛ فيكون الفعل على تقدير تأخره مخصصاً له
من عموم القول، وذلك كنهيه عن الصلوة بعد العصر، ثم صلاته الركعتين بعدها قضاءً
لسنة الظهر، ومداومته عليهما .
وإلى ما ذكرنا من اختصاص الفعل به وَل* ذهب الجمهور، وقالوا: وسواء تقدم أو
تأخر. كذا في إرشاد الفحول للشوكاني.
قال الشيخ ابن الهمام بعد تشقيق محال التعارض وتحقيق أحكامها: ((فالوجه في كل
موضع من ذلك التعارض ملاحظة أن الاحتياط يقع فيه على تقدير تقديم القول أو الفعل؛
فيقدم ذلك الذي فيه الاحتياط، كفعل عرفت صفته وجوب أو ندب، أو حكم فيه بذلك

١١٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(إذا كان التاريخ مجهولاً) يقدم على القول المبيح، وكذا القول محرماً مع الفعل مطلقاً
يقدم على الفعل مطلقاً، وقول كراهة مع فعل إباحة. وقس على هذا أمثالها. والله أعلم.
وأما إذا روي خبران من فعل النبيّ وَل﴿ أحدهما مثبت، والآخر ناف، فقال
الغزالي: لا يرجح أحدهما على الآخر لاحتمال وقوعهما في حالين؛ فلا يكون بينهما
تعارض)).
تروكه حقليد
قال الإمام الشاطبي تخافه: ((الفعل منه ◌َّخير دليل على مطلق الإذن فيه ما لم يدل دليل
على غيره من قول أو قرينة حال أو غيرهما، وأما الترك فمحله في الأصل غير المأذون
فيه، وهو المكروه والممنوع، فتركه وي لو دال على مرجوحية الفعل، وهو إما مطلقاً وإما في
حال، فالمتروك مطلقاً ظاهر، والمتروك في حال، كتركه الشهادة لمن نحل بعض ولده
دون بعض، فإنه قال: ((أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا، قال: فأشهد غيري؛ فإني لا
أشهد على جور)) وهذا ظاهر.
وقد يقع الترك لوجوده غير ما تقدم، منها الكراهية طبعاً، ما قال في الضب، وقد
امتنع من أكله ((إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه)) فهذا ترك للمباح بحكم الجبلة،
ولا حرج فيه.
ومنها: الترك لحق الغير كما في تركه أكل الثوم والبصل لحق الملائكة، وهو ترك
مباح لمعارضة حق الغير.
ومنها: الترك خوف الإفتراض، لأنه كان يترك العمل - وهو يحب أن يعمل به -
مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، كما ترك القيام في المسجد في رمضان، وقال:
((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)) وقال لما أعتم بالعشاء حتى رقد النساء
والصبيان: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة)).
ومنها: الترك لما لا حرج في فعله؛ بناءً على أن ما لا حرج فيه بالجزء منهي عنه
بالكل، كإعراضه عن سماع غناء الجاريتين في بيته. وفي الحديث: (لست من دد ولا دد
مني)) والدد: اللهو. وإن كان مما لا حرج فيه فليس كل ما لا حرج فيه يؤذن فيه، وقد مر
الكلام فيه في كتاب الأحكام.
ومنها: ترك المباح الصرف إلى ما هو الأفضل، فإن القسم لم يكن لازماً لأزواجه
في حقه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ [سورة الأحزاب، آية:

١١٩
مقدمة
٥١] الآية عند جماعة من المفسرين، ومع ذلك فترك ما أبيح له إلى القسم الذي هو أخلق
بمكارم أخلاقه، وتركه الإنتصار ممن قال له: ((اعدل؛ فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه
الله)) ونهى من أراد قتله، وترك قتل المرأة التي سمت له الشاة، ولم يعاقب عروة بن
الحارث إذا أراد الفتك به، وقال: ((من يمنعك مني))؟ الحديث.
ومنها: الترك للمطلوب خوفاً من حدوث مفسدة أعظم من مصلحة ذلك المطلوب،
كما جاء في الحديث عن عائشة: (لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن
تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض)) وفي رواية: (لأسست
البيت على قواعد إبراهيم)) ومنع من قتل أهل النفاق، وقال: ((لا يتحدث الناس أن محمداً
يقتل أصحابه)).
وكل هذه الوجوه قد ترجع إلى الأصل المتقدم:
أما الأول: فلم يكن في الحقيقة من هذا النمط؛ لأنه ليس بترك بإطلاق. كيف!
وقد أكل على مائدته ێ .
وأما الثاني: فقد صار في حقه التناول ممنوعاً أو مكروهاً لحق ذلك الغير، هذا في
غير مقاربة المسجد، وأما مع مقاربتها والدخول فيها فهو عام فيه وفي الأمة. فلذلك نهى
آكلها عن مقاربة المسجد، وهو راجع إلى النهي عن أكلها لمن أراد مقاربته.
وأما الثالث: فهو من الرفق المندوب إليه، فالترك هنالك مطلوب، وهو راجع إلى
أصل الذرائع إذا كان تركاً لما هو مطلوب، خوفاً مما هو أشد منه، فإذا رجع إلى النهي
عن المأذون فيه خوفاً من مآل لم يؤذن فيه: صار الترك هنا مطلوباً .
وأما الرابع: فقد تبيّن فيه رجوعه إلى المنهي عنه.
وأما الخامس: فوجه النهي المتوجه على الفعل حتى حصل الترك: أن الرفيع
المنصب مطالب بما يقتضي منصبه بحيث يعد خلافه منهياً عنه، وغير لائق به، وإن لم
يكن كذلك في حقيقة الأمر حسبما جرت به العبارة عندهم في قولهم: ((حسنات الأبرار
سيئات المقربين)) إنما يريدون في اعتبارهم لا في حقيقة الخطاب الشرعي.
ولقد روى أنه سي كان - بعد القسم على الزوجات، وإقامة العدل على ما يليق به -
يعتذر إلى ربه ويقول: ((اللهم هذا عملي فيما أملك، فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك))
يريد بذلك ميل القلب إلى بعض الزوجات دون بعض؛ فإنه أمر لا يملك كسائر الأمور
القلبية التي لا كسب للإنسان فيها أنفسها .

١٢٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والذي يوضح هذا الموضع، وأن المناصب تقتضي في الاعتبار الكمالي العتبَ على
ما دون اللائق بها: قصة نوح وإبراهيم عليهما السلام في حديث الشفاعة: وفي اعتذار
نوح علِّل عن أن يقوم بها بخطيئته، وهي دعاؤه على قومه، ودعاؤه على قومه إنما كان
بعد يأسه من إيمانهم، قالوا: وبعد قول الله له: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [سورة
هود، آية: ٣٦] وهذا يقضي بأنه دعاء مباح إلا أنه استقصر نفسه لرفيع شأنه أن يصدر من مثله
مثل هذا؛ إذ كان الأولى الإمساك عنه. وكذلك إبراهيم اعتذر بخطيئته - وهي الثلاث
المحكيات في الحديث بقوله: ((لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات)) - فعدها كذبات. وإن
كانت تعريضاً - اعتباراً بما ذكر، فثبت أن إثبات الخطيئة هنا ليس من قبيل مخالفة أمر
الله، بل من جهة الاعتبار من العبد فيما تطلبه به المرتبة، فكذا قصة سيدنا محمد بَله في
مسألة القسم.
تقريره * وسكوته على فعل غيره
وصورته أن يسكت النبيّ وَ ل عن إنكار قول قيل بين يديه، أو في عصره وعلم به،
أو سكت عن إنكار فعل فعل بين يديه، أو في عصره وعلم به؛ فإن ذلك يدل على
الجواز، وذلك کأكل العنب(١) بين يديه.
قال ابن القشيري: وهذا مما لا خلاف فيه، ومما يندرج تحت التقرير إذا قال
الصحابي: كنا نفعل كذا، أو: كانوا يفعلون كذا، وأضافه إلى عصر رسول الله وَّلته، وكان
مما لا يخفى مثله عليه، وإن كان يخفى مثله عليه فلا، ولا بد أن التقرير على القول
والفعل منه وَّر مع قدرته على الإنكار. كذا قال جماعة من الأصوليين.
وخالفهم جماعة من الفقهاء فقالوا: إن من خصائصه و 8 عدم سقوط وجوب تغيير
المنكر بالخوف على النفس؛ لإخبار الله سبحانه بعصبته في قوله: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ
النَّاسِ﴾ [سورة المائدة، آية: ٦٧] ولا بد أن يكون المقرر منقاداً للشرع؛ فلا يكون تقرير الكافر
على قول أو فعل دالاً على الجواز.
قال الجويني: ((ويلحق بالكافر المنافق)) وخالفه المازري وقال: ((إنا نجري على
المنافق أحكام الإسلام ظاهراً؛ لأنه من أهل الإسلام في الظاهرة».
وأجيب عنه بين النبيّ ◌َلو كان كثيراً ما يسكت عن المنافقين لعلمه أن الموعظة لا
(١) كذا في الطبعتين للمقدمة، ولعله ((الضب)). والله أعلم.