Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ مقدمة التحقيق وإسماعيل بن إبراهيم التَّفْلِيسي، وابن عبد الهادي، وابن شاهد الجيش، والميدومي، وغيرهم. وأجاز له الحافظان المِزِّي والذهبي، وغيرهما. وأخذ النحو عن أبي حيان، وأذن له في إقرائه وأطراه فيما كتبه له. وأخذ الفقه والأصول عن شمس الدين الأصبهاني، وابن عَدلان، ونجم الدين الأُسواني، وزين الدين الكَتْناني. وانتهت إليه الرياسة في الفقه، والمشاركة في غيره حتى كان لا يجتمع به أحدٌ من العلماء إلا ويعترفُ بفضله، ووُفُور علمه، وحِدَّةِ ذِهْنِهِ. وقرأ عليه الحافظ الكثير من ((الروضة)) للنووي، ومن كلامه على حواشيها، وسمع عليه ((مختصر المزني)). ولم يزل ملازماً له إلى أن أذن له في الإفتاء والتدریس. مات سنة خمس و ثمان مئة (١). ٣- الإمام عمر بن علي بن أحمد الأنصاري، الأندلسي الأصل، المصري، نزيل القاهرة، أبو حفص، سِراجُ الدين بن الملقِّن، والملقِّن زوج أمِّه عيسى المغربي، سمي بذلك لأنه كان يُلقِّنُ القرآنَ الكريم بجامع ابن طُولون، وقد تَربّى سراجُ الدين في حجره، بحیث نُسب إليه. ولد سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وكان أبوه أبو الحسن عالماً بالنحو، ولهذا يُعرف أيضاً بابن النحوي، وقد مات عن ابنه وهو في عمر السنة. عُنيَ بالطلب في صغره، فأَسمِع على الحافظين ابن سيِّد الناس وقطب الدين الحَلَبيّ، ولازم زين الدين الرَّحَبِي وعلاء الدين مُغَلْطاي، وبهما تخرج في علم الحديث. وحفظ القرآن و((العمدة)). (١) ((المعجم المفهرس)) للحافظ، الترجمة (١٦٦)، و((إنباء الغمر بأبناء العمر)) له أيضاً ٢٤٥/٢، و((الجواهر)) للسخاوي ١٢٨/١. ٢٢ مقدمة التحقيق واشتغل بالتصنيف وهو شابٌّ، فكتب الكثيرَ، حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفاً، حيث بلغت ثلاث مئة تقريباً، ومن مصنفاته ((التوضيح في شرح الجامع الصحيح))، قال الحافظ: اعتمد فيه على شرح شيخه القطب الحلبي ومُغلطاي، وزاد فيه قليلاً، وهو في أوائله أقعدُ منه في أواخره. وقد قرأ عليه الحافظ قطعةً كبيرةً من ((شرحه الكبير على المنهاج))، وغير ذلك. توفي سنة أربع وثمان مئة. قال الحافظ: وهؤلاء الثلاثة: العراقي والبلقيني وابن الملقن، كانوا أعجوبة هذا العصر على رأس القرن: الأول: في معرفة الحديث وفنونه، والثاني: في التوسع في معرفة مذهب الشافعي، والثالث: في كثرة التصانيف(١). ٤- الإمام إبراهيم بن موسى بن أيوب، برهان الدين، أبو محمد، الأَبْنَاسيّ - نسبة لأَبناس، قرية صغيرة بالوجه البحري من مصر - الشافعي، نزيل القاهرة، ولد سنة خمس وعشرين وسبع مئة تقريباً. تلقى الفقه عن جمال الدين الإسْنَوي - نسبة إلى إسنا، مدينة بصعيد مصر -، وعن ولي الدِّين المنفَلُوطي - نسبة لمنفَلُوط بلدة بصعيد مصر في غربي النيل -. وتخرج في الحديث بعلاء الدين مُغَلْطاي. قال الحافظ: مَهَر في الفقه والأصول والعربية. وقد بحثَ عليه الحافظ في ((المنهاج)) للنووي، وغير ذلك. توفي سنة إحدى وثمان مئة، مرجعَه من الحج(٣). (١) ((المعجم المفهرس)) للحافظ، الترجمة (١٦٧)، و((إنباء الغَمْر بأبناء العُمْر)) له أيضاً ٢١٦/٢، و((الجواهر)) للسخاوي ١٢٩/١. (٢) ((المعجم المفهرس)) للحافظ، الترجمة (١٦٧)، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شُهْبة، الترجمة (٧١١)، و ((الضوء اللامع)) للسخاوي ١/ ١٧٣. ٢٣ مقدمة التحقيق ٥- الإمام محمد بن محمد بن علي الغُماري - نسبةً إلى غُمارة من قبائل البربر - ثم المصري، شمس الدين النحوي المالكي. ولد سنة عشرين وسبع مئة. أخذ القراءات والنحو والعربية عن أبي حيان الأندلسي، وقرأ عليه كثيراً من كتب القراءات. وقرأ كثيراً من كتب أبي حيان أيضاً في الأصول على صلاح الدين العلائي. وتفقَّه على خليل المالكي بمكة، وقرأ عليه كثيراً من الكتب الحديثية. قال ابن الجزري: انتهت إليه علوم العربية في زماننا، وكان أحفظَ أهل زمانه لشواهد العربية. وقال الحافظ: كان كثير الاستحضار للشواهد واللغة، من مشاركة في الأصول والفروع، وهو خاتمة من كان يشار إليه في القراءات والعربية. مات سنة اثنتين و ثمان مئة(١). ٦- الإمام محمد بن أبي بكر بن عز الدين عبد العزيز بن محمد بن جَمَاعة، الحَمَويّ الأصل، ثم المصري. من بيت علم وفضل، ولد سنة تسع وخمسين وسبع مئة. نشأ في ظلُّ جدِّه أقضى القضاة عز الدين، وسمع منه الكثير، وأُحضر وهو صغير لسماع الحديث، وأجاز له خلقٌ من الشاميين والمصريين بعناية زين الدين العراقي. وكان قوي الحافظة حتى إنه حفظ القرآن في شهر. قال الحافظ: اشتغل صغيراً، ومال لفُنون المعقول فأتقنها إتقاناً بالغاً، إلى أن صار هو المشار إليه في الديار المصرية في هذا الفن، وله من التصانيف في ذلك، علَّقْتُ أسماءه في كرّاسةٍ، يقضي الناظر فيها العجب. (١) ((المعجم المفهرس)) للحافظ، الترجمة (٦١٨)، و((غاية النهاية في طبقات القراء)) لابن الجزري، الترجمة (٣٤٢٤). ٢٤ مقدمة التحقيق وقال أيضاً: فاق الأقران بذكائه وقوة حافظته و حسن تقريره. وقال السخاوي: لازمه شيخُنا في غالب العلوم التي كان يقرئها من سنة تسعين وسبع مئة، إلى أن مات سنة تسع عشرة وثمان مئة. قال: كان شيخنا يبالغ في تعظيمه حتى إنه كان لا يُسمّيه في غَيْبته إلا إمام الأئمة. وقال ابن قاضي شُهْبة: مهر في النحو والمعاني والبيان والمنطق وتوغل في الكلام والطب والتشريح، وكان آية من الآيات في معرفة العلوم الأدبية والعقلية والأصلين. مات سنة تسع عشرة وثمان مئة (١). سابعاً: تلامذته: وعلى عادة أهل العلم الذين ما إن يتمُّ لهم الطلبُ، وتتكوَّن لديهم المعرفةُ، حتى يقوموا بنشر ذلك العلم الذي أمتعَهم الله به، وتلك المعارف التي منَّ اللهُ بها عليهم، مما تلقَّوه عن شيوخهم وأساتذتهم، يقومون بنشره مخلصین فیه لله، لا يبتغون به سوی مرضاته سبحانه. ولقد كان الحافظُ رحمه الله تعالى خيرَ خلف لمن سلفَه من أهل العلم، فقام بما قامُوا به تجاهَه، وفاءً بحقِّ العلم، وأداءً لفرضِه، مِن تبليغه لمن يبتغيه، وإيصاله لمن يحملُه عنه. وصار بُغيةَ طلبة العلم، يَقصِدونه من كل حَدَب وصَوْب، ليُفيدوا من علومه، ويَنهَلُوا من معارفه، فكان له تلامذة أفذاذٌ عُرفوا بالعلم والفضل، ومن أشهرهم(٢): ١ - الإمام إبراهيم بن خَضِر بن أحمد، برهان الدين، أبو اسحاق، العثماني - من ولد عثمان بن عفان ه - الصعيدي القُصُوري، القاهري. ولد سنة أربع وتسعين وسبع مئة. (١) ((المعجم المفهرس)) للحافظ، الترجمة (٦٦٢)، و((الضوء اللامع)) للسخاوي ٧/ ١٧١، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة الترجمة (٧٤١)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي ٦٣/١. (٢) وسنذكر في خاتمة ((الفتح)) صورةً ما وجدناه في الطبعة البولاقية منه، مما نُقل عن نسخة الإمام إبراهيم بن خضر، مِن ذكر الذين حضروا مجلس ختم ((فتح الباري))، وأكثرهم ممن لازم الحافظ رحمه الله تعالى، وكتب عنه أماليه، وبعضهم كتب عنه كثيراً من ((الفتح)). ٢٥ مقدمة التحقيق حفظ القرآن و((العمدة)) و((التنبيه))، وغيرها. أخذ الفقه والفرائض عن البرهان البَيْجُوري، والشهاب الطَّنْتَدائي - نسبةً لطَنْتَدا، قرية في الغربية بمصر، تُعرف الآن بطنطا-، وغيرهما. وكذا تفقه بالوليِّ العراقي، وسمع عليه ألفيةَ والده، وشرحَها، وبالجلال البُلقِيني. وأخذ العربية عن الجمال القَرَافي وجُلّ انتفاعه فيها به، والشمس الأسيوطي، وغيرهما. ولازم الحافظَ في الحديث، واشتدت عنايته بملازمته، بحيث إنه قرأ عليه كتب الإسلام، والكثير من تصانيفه، خصوصاً ((فتح الباري)). قال السخاوي: ما أعلم قرأه عليه تامّاً غیرُه. قلنا: ووصفه الحافظ رحمه الله في تقريره على نسخته من ((الفتح)) في الخاتمة، بقوله: الإمام العالم العلامة الفاضل الماهر الباهر المعين، مفيد الطالبين، جمال المدرِّسين. وقال فيه أيضاً: الشيخ الفاضل العالم المحدِّث الفقيه الفَرَضيّ المفنن الفائق في جُلّ العلوم ... ، فلقد كان لي به سرور، وانتفاعٌ في الغَيبة والحضور. قال السخاوي: وكان شيخنا يُحِلُّه، ما أعلم أنه يقدِّم عليه أحداً من أصحابه. قال: وكنت ممن أكثر من ملازمته، وقرأت عليه معظم شرح الألفيه لابن عقيل، وقرأت عليه معظم الفقه، بل كنت أول الأمر أقرأ عليه ما أروم قراءته على شيخنا من تصانيفه، وحضرت عنده في قراءة شرح ((جمع الجوامع)) للمَحلِّي، وفي قراءة ((منهاج البيضاوي)) و((التوضيح)) و((جامع المختصرات)) وغير ذلك، وسمعت من لفظه الكثير، وما أعلم أنني أخذت بعد شيخنا عن أجلَّ منه. توفي قبل الحافظ بقليل سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة، وحَزِن لوفاته حزناً شديداً(١). (١) ((الضوء اللامع)) للسخاوي ٤٣/١-٤٧، ((والجواهر والدرر)) له ٧٠٥/٢، و((نظم العِقْيان في أعيان الأعيان)) للسيوطي ص ١٥. ٢٦ مقدمة التحقيق ٢ - الإمام إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط - بضم الراء بعدها موحدة خفيفة - برهان الدين، أبو الحسن، البقاعي. ولد سنة تسع وثمان مئة تقريباً. أخذ القراءات عن ابن الجزري وغيره، والحديث عن الحافظ ابن حجر، والفقه عن التقي ابن قاضي شُهبة. ومهر وبرع في الفنون وداًب في الحديث. وقد أثنى عليه الحافظُ بحسن القراءة والفصاحة. وجاء بخط الحافظ في آخر نسخةٍ من ((هُدَى الساري)» كان يملكها البُرُهان البقاعي، وهي عندنا، ما نصُّه: قرأ عليَّ جميعَ هذا الكتابِ صاحبُه الإمام العلّامة الأوحَدُ، المفسّر، المحدِّث الحافظ برهان الدين البقاعي ... وأرخها الحافظ بسنة اثنتين وخمسین و ثمان مئة؛ يعني قُبیلَ وفاته رحمه الله. ونقل السخاوي من خطّه أنه دخل القاهرة سنة أربع وثلاثين وثمان مئة، وسارع إلى اللقاء بالحافظ، حيث كان يُمْلي بالمدرسة البيبرسية، وكتب أماليه، وأنه بعد ذلك لازم مجالسه و کتابة مصنفاته ومحاضراته. وله مصنفات حسنة، أشهرها ((النكت الوفيّة بما في شرح الألفية))، ألَّفها في حياة شيخه الحافظ رحمهما الله، كما يدل عليه كلامُه في مقدمته، حيث قال: قيّدتُ فيها ما استفدتُه من تحقيق شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر، أبي الفضل شهاب الدين، أحمد ابن علي بن حجر الكِناني العسقلاني، ثم المصري الشافعي، قاضي القضاة بالديار المصرية، أيام سماعي لبحثها عليه، بارك الله في حياته، وأدام عموم النفع ببركاته. وله عند ختم ((الفتح)) قصيدةٌ في تقريظه والثناء على الحافظ، وهي مثبتةٌ في آخر نسخة الإمام إبراهيم بن خضر من ((الفتح))، مما نقلْناه من آخر الطبعة البولاقية، وأثبتها أيضاً السخاويُّ في فصلِ عَقَدَه في ((الجواهر)) لبيان ما امتُدِح به الحافظُ وكتابُه ((الفتح)»، ٢٧ مقدمة التحقيق من عيون النظم والنثر(١). ٣- الإمام محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، جلال الدين، أبو عبد الله، الأنصاري، المَحَلِّ الأصل - نسبة للمَحَّة الكبرى من الغربية - القاهري، ولد سنة إحدى وتسعين وسبع مئة. قرأ القرآن و گُتباً واشتغل في فنون: فأخذ الفقه وأصوله والعربية عن الشمس البِرْماوي. والفقه أيضاً عن البَيجُوري والجلال البُلِقِيني والوليّ العراقي. وأخذ الأصول أيضاً عن العز بن جماعة. والنحو أيضاً عن الشهاب العُجيمي سبط ابن هشام، والشمس الشَّطَنُوفي. والفرائض والحساب عن ناصر الدين بن أنس المصري الحنفي. والمنطق والجدل والمعاني والبيان والعروض، وكذا أصول الفقه عن البدر الأَقْصَرائي. ولازم البساطيَّ في التفسير وأصول الدين وغيرهما. وأخذ علوم الحديث عن الوليّ العراقي والحافظ، وبه انتفعَ، فإنه قرأ عليه جميع شرح ألفية العراقي، بعد أن كتبه بخطّه في سنة تسع عشرة وثمان مئة، وأذن له في إقرائه، وكان أحدَ طلبة المؤيّدية عنده، بل كان كلَّ ما يُشكِل عليه في الحديث وغيره يُراجعه فیه. ومهر وتقدم على غالب أقرانه، وتفنن في العلوم العقلية والنقلية. وكان أولاً يتولى بيع البَزِّ في بعض الحوانيت، ثم أقام شخصاً عِوَضَه فيه مع مشارفته له أحياناً، وتصدّى هو للتصنيف والتدريس والإقراء. ولي تدريس الفقه بالبَرْقُوقية، وبالمؤيَّدِيّة بعد موت الحافظ. (١) ((إنباء الغمر)) للحافظ ١٠٤/٤، و((الجواهر)) للسخاوي ٣٢٥/١ و٤٠٤، و((نظم العقيان)» للسيوطي ص٢٤، و((البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع)) للشوكاني، الترجمة (١٢). ٢٨ مقدمة التحقيق توفي سنة أربع وستين وثمان مئة(١). ٤ - الإمام محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، شمس الدين أبو الخير وأبو عبد الله، السخاوي الأصل، القاهري، ولد سنة إحدى وثلاثين وثمان مئة. وحفظ ((عمدة الأحكام)) و((التنبيه)) و((المنهاج)) و((ألفية ابن مالك)) و((ألفية العراقي)) وغالب ((الشاطبية)) و((مقدمة الشاوي)) في العَروض و((النخبة)) لشيخه الحافظ. وقرأ القرآن على النور البُلْبَيسي والزين عبد الغني الهيثمي، ثم على الزين رضوان العُقْبِي والشهاب السَّكندري. وأخذ الفقه عن البدر الأزهري، ثم على الشمس ابن عمر الطبّاخ، ثم على الشهاب ابن أسد، والعَلَم صالح البُلْقِيني، والشمس الوَنَائي، وحضر دروس غيرهم. وقرأ الأصول على الكمال بن إمام الكاملية، وغيره. وأخذ العربية والنحو والصرف عن الشهاب الأَبَّدي المغربي، والجمال بن هشام الحنبلي، والبرهان بن خَضِر، والشهاب أبي العباس الحِنَّوي، والعز عبد السلام البغدادي. وقرأ في اللغة على المحبِّ بن الشِّخْنة. وحضر دروس التقيّ الشُّمُنِّي في الأصلين والمعاني والبيان والتفسير. وقرأ الحديث على الزين السَّنْدَبِيسي والزين قاسم الحنفي. وقرأ على الحافظ الاصطلاح بتمامه، وسمع عليه جُلّ كُتُبُه، كالألفية وشرحها مراراً، ولازَمَه أشدّ الملازمة، حتى حمل عنه ما لم يشاركه فيه غيرُه، حمل عنه عِلماً جمّاً اختَصَّ به كثيراً، بحيثُ كان مِن أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قُربُ منزله منه، فكان لا يَفُوتُه مما يقرأ عليه إلا النادر، وعَلِمَ الحافظ شدة حرصه على ذلك، فكان يُرسل خلفه أحياناً بعضَ خَدَمه لمنزله، يأمره بالمجيء للقراءة، ثم أذن له في الإقراء (١) ((الضوء اللامع)) للسخاوي ٣٩/٧- ٤١، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي ٤٤٣/١. ٢٩ مقدمة التحقيق والإفادة والتصنيف، وصلى به إماماً التراويح في بعض ليالي رمضان، بل قال: إنه أمثل جماعتي. أخذ عن شيخه الحافظ الرغبة الشديدة في الإملاء، وإذا أطلَقَ الوصفَ بقوله: شيخنا، وخصوصاً في ((الضوء اللامع))، فإنه يقصد الحافظ. توفي سنة اثنتين وتسع مئة (١). ٥- الإمام زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا، أبو يحيى، الأنصاري، الأزهري، المصري، ولد سنة أربع وعشرين وثمان مئة. حفظ القرآن عند محمد بن ربيع والبرهان البُلْبَيسي. كما حفظ ((عمدة الأحكام)) وبعض (مختصر التبريزي في الفقه)) و((المنهاج الفرعي)) و((ألفية النحو)) و(الشاطبيتين)) وبعض ((المنهاج الأصلي)) ونحو النصف من ((ألفية الحديث))، و((التسهيل)). أخذ الفقه عن جماعة منهم القاياتي والعَلَم البُلْقِيني والحافظ وغيرهم. وأخذ أصول الفقه عن القاياتي والكافِياجي - نُسب بذلك لإكثاره من قراءة (كافية ابن الحاجِب)) وإقرائها، بزيادة الجيم على عادة الترك في النسب - وغيرهما. وأصول الدين والمنطق، والنحو والصرف عن العز عبد السلام البغدادي، والشَّرْواني، والشُّمُنِي، والكافیاجي، والأُبّدِي، وغيرهم. وقرأ المعاني والبديع والبيان على القاياتي والشمس البخاري، وغيرهما. واللغة عن القاياتي. والتفسير عنه وعن الكافياجي والحافظ. (١) ترجم لنفسه في كتابه ((الضوء اللامع)) ٢/٨ ترجمة حافلةً، وانظر ترجمته أيضاً في ((الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة)) لنجم الدين الغَزَّي، الترجمة (٨٣)، و((فهرس الفهارس)) لمحمد عبد الحي الكتاني، الترجمة (٥٦٢). ٣٠ مقدمة التحقيق وأخذ علم الهيئة والهندسة والميقات والفرائض والحساب والجبر والمقابلة، وغيرها عن ابن المجدي، وغيره. وقرأ السبع على النور البُلْبَيسي ورضوان العُقْبي وغيرهما، والثلاث الباقية على الزين طاهر المالكي. وتلقى الحديثَ عن ابن الهُمام والحافظ، وغيرهما، وسمع على الحافظ أشياء كثيرة، منها الكثير من شرح ألفية العراقي، ومن مقدمة ابن الصلاح، وجميع شرح ((النخبة)) له، وقرأ عليه ((بلوغ المرام)) من تأليفه أيضاً و((السيرة النبوية)) لابن سيد الناس ومعظم ((السنن)) لابن ماجه وأشياء غيرها. وله معرفة بعلوم أخرى كالطب والحكمة والتصوف وغيرها. وكتب له الحافظُ إذناً نصُّه: وأذنتُ له أن يُقرئَ القرآنَ على الوجه الذي تلقّاه، ويُقرِّر الفقه على النمط الذي نصَّ عليه الإمامُ وارتضاه، وأذن له في إقراء شرح ((النخبة)) وغيرها. وله مصنفات کثیرة الفائدة، انتفع بها خلقٌ کثیرون. وعُمِّر حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، إذ توفي سنة ست وعشرين وتسع مئة عن عمر المئة أو أكثر(١). ثامناً: ثناء الأئمة علیه: وليس عجيباً على رجل مثل الحافظ رحمه الله تعالى، بما كان يتمتع به من جلال القدر في العلم، والاجتهاد في العمل، والتفاني في تعليم الناس، وإفادة من يقصده منهم، أن يمتدحَه المادِحُون، ويُثنيَ عليه المحبُّون، ويُنِّه بشأنه العلماءُ الصادقون، سواءٌ كان ممن أفاده من شيوخه وأساتذته، أو من تلامذته الذين لازَمُوه وأفادوا منه، وقرؤوا (١) ((الضوء اللامع)) ٢٣٤/٣، و((نظم العقيان)) الترجمة (٨١)، و((البدر الطالع)) للشوكاني، الترجمة (١٧٥). ٣١ مقدمة التحقيق عليه، أو مَن حضر مجالسه العلمية، وإملاءاته السَّنِيّة، أو كان ممن عاصرَه من أقرانه وعايَنَ فضلَه وعِلمَه وأخلاقَه العَلِيّة، أو كان ممن سمع بذلك من خلال ما تواترت على نقله الرُّكبان، وتَوارَدَ على روايته أهلُ الصدق والعرفان. وقد استوفى تلميذُه الوفيّ شمس الدين السخاويّ ما قاله فيه أهل العلم مُنِّهين بشأنه، وسردَ أسماءهم، وما امتدحوه به من النظم الرائق، والنثر الفائق، ونذكر منهم أَشهَرَهم ممن لا تخفى مراتبُهم العلمية على أحدٍ من ذوي المعرفة، ولا يجحدُ فضلَهم أحدٌ من ذوي النَّصَفة: فقد وصفه شيخُه أبو الفضل العراقي بقوله: الحافظ المتقن، الناقد الحجة. وبقوله: الفقيه المحدِّث الفاضل، البارع المُفيد، المُجيد لما أنشأه. وبقوله: الشيخ العالم، والكامل الفاضل، الإمام المحدِّث، المُفيد المُجيد، الحافظ المتقِن، الضابط الثقة المأمون. وسأله الكمال ابن العَديم عند موته عمَّن بقي بعده من الحفاظ، فبدأ به، ثم ثنّی بولده أبي زُرْعة وليِّ الدين، ثم بالشيخ نور الدين الهيثمي(١). ووصفه شيخه سراج الدين البُلْقِيني قائلاً: الشيخ الحافظ، المتقن المحقّق(٢). ووصفه ابن شيخه أبو زرعة العراقي بقوله: صاحب الفضائل الباهرة، الشيخ الإمام، والسيد الهُمام، ذو الأوصاف الحميدة، والمناقب العَديدة، جمال المحدِّثين، مفيد الطالبين ... وقد سلك طريق السلف الماضين، والأئمة المتقدِّمين ... لقد حلَّ هذا الشهابُ محلَّ الشُّهُب الثَّواقِب، وسار فضلُه في الخافقَين مسيرَ الكواكب(٣). (١) ((الجواهر والدرر)) ٢٦٨/١-٢٧٢. (٢) ((الجواهر)) ٢٦٧/١. (٣) ((الجواهر)) ٢٨٤/١. ٣٢ مقدمة التحقيق ووصفه الإمام شيخ القُرّاء شمس الدين بن الجَزَري بقوله: سيدنا ومولانا، الشيخ الإمام العلامة، شيخُ الأنام، وحافظُ الإسلام، شهاب الدنيا والدين(١). وقال ابن ناصر الدين الدمشقي في بعض مُراسَلاته إليه: مولانا وسيدنا، شيخ الإسلام، حافظ الأعلام، ناصر السنة، إمام الأئمة، قاضي قضاة الأمة(٢). ووصفه مُؤرِّخ الديارِ المصرية تقي الدين المَقْرِيزي مُرجِّحاً إياهُ على أهل عصره بقوله: لو أنفق أحدُهم مِلءَ الأرضِ ذهباً ما بَلَغَ مُدَّهُ ولا نَصِيفَه. وقال: ما أعلم الآن مَن أستفيدُ منه من الحديث غيرَه(٣). وقال فيه شيخ الحرم تقي الدين الفاسيّ: هو أحفظُ أهل العصر للأحاديث والآثار، وأسماء الرجال المتقدِّمين منهم والمتأخرين، والعالي من ذلك والنازِل، مع معرفةٍ قويةٍ بعلل الأحاديث، وبراعةٍ حسنةٍ في الفقه وغيره ... وقد انتفعتُ به في علم الحديث وغيره كثيراً، جزاه الله عنا خيراً، وله من حسن البِشْر، وحلاوة المذاكرة، والمروءة وکثیر العناية بقضاء حوائج أصحابه ما كَثُر الحمدُ له بسببه، زاده الله توفيقاً وفضلاً(٤). وقال تقي الدين بن فَهْد المكي في وصفه: الإمامُ العلّامة، الحافظُ، فَرِيدُ الوقت، مَفْخَر الزمان، بقيَّة الحفّاظ، عَلَمُ الأئمة الأعلام، عُمدةُ المحقّقين، خاتمة الحفّاظ المبرِّزين، والقضاة المشهورين ... انفرد في الشُّبُوبيّة بين علماء زمانه بمعرفة الحديث، لا سيما رجاله وما يتعلّق بهم. وقال أيضاً: إمام علّامة، حافظٌ محقِّق، متين الدِّيانة، حسن الأخلاق، لطيف المحاضرة، حسن التعبير، عديم النظير، لم تر العيونُ مثلَه، ولا رأى هو مثلَ نفسه، جدَّ في طلب (١) ((الجواهر)) ١/ ٢٩٣. (٢) ((الجواهر)) ٢٩٩/١. (٣) ((الجواهر)) ٣٠٤/١. (٤) ((ذيل التقييد في رواة السنن والمسانيد)) الترجمة (٦٩١). ٣٣ مقدمة التحقيق العلوم، وبلغ القصوى في سرعة الكتابة، والكشف والقراءة ... وله الخُلُق الرَّضِيّ(١). وقال ابن تَغْري بَرْدي: برعَ في الفقه والعربية، وصار حافظَ الإسلام، علّمةً في معرفة الرجال واستحضارهم، والعالي والنازل مع معرفةٍ تامّة بعلل الأحاديث وغيرها، وصار هو المعوَّلَ عليه في هذا الشأن في سائر أقطار الأرض، وقدوةَ الأمة، علامةَ العلماء، حجّةَ الأعلام، مُحييَ السنة. قال: وكان رحمه الله حافظَ المشرق والمغرب، أميرَ المؤمنين في الحديث، انتهت إليه رئاسةُ علم الحديث من أيام شبيبته بلا مُدافعةٍ، بل قيل: إنه لم يَرَ مثلَ نفسِه، قلت: وهذا هو الأصح. وكان عفا الله عنه ذا شيبة نيِرّة ووقار وأبهة، ومهابة، هذا مع ما احتوى عليه من العقل والحكمة والسكون والسياسة والدُّرْبة بالأحكام ومداراة الناس، قلَّ أن يخاطب الشخصَ بما يكره، بل كان يُحسِنُ لمن يُسيء إليه، ويتجاوز عمَّن قَدَرَ عليه(٢). وقال قاسم بن قُطْلُوبُغا واصفاً إياه بقوله: شيخنا العالم العلّامة، الحافظ الفهّامة، الجامع بين التحقيق والحفظ، الآخِذ من العلوم بحظٍّ، القويّ الحافظةِ في الرواية، الذكيُّ القَريحة في الدراية، الضابط لقواعد السند والمتن بالتحقيق، العالم بمعاقد الاتصال والانقطاع والتعليق، العارف بأسماء الرجال وأحوالهم، المطلع على مبدأ أمورهم ومآلهم، شيخ مشايخ الإسلام إلى دار السلام، أعلى الله درجته في عِلِّيين، وجعل له لسان صدق في الآخرین(٣). وقال بُرهان الدين البقاعي: شيخ الإسلام، وطِرازُ الأنام، عَلَم الأئمة الأعلام، شهاب المهتدين، مِن أتباع كلِّ إمام، حافظُ العصر، وأستاذُ الدهر، سلطانُ العلماء، وملِك الفقهاء، الذي إذا سلك بحرَ التفسير كان الترجمانَ، والآتي من فرائد فوائده (١) ((لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ)) له، ص٣٢٦ و٣٣٢ و٣٣٦. (٢) ((المَنْهَل الصافي والمُستَوفَى بعد الوافي)) له ١٩/٢ و٢٣. (٣) ((الجواهر)) ٣١٩/١-٣٢٠. ٣٤ مقدمة التحقيق بعقود الجُمان، أو رَكِبَ متنَ الحديث كان أحمدَ الزمان، وأظهر من خفايا خفاياه ما لم يَسْبِقِ إليه أبو حاتم ولا ابنُ حبان، وإن تكلّم في الفقه وأصوله عُلِمَ أنه الشافعي، وأبرز من لوايا رواياه ما لم يتجاسر عليه الإمامُ ولا الرافعيّ، أو تيمَّم كلامَ العرب على اختلاف أنواعه فسيبويه والمبرِّد، وإن عرض العَرُوض أو الأدب على انشعاب أنحائه فالخليل بن أحمد، متى تحدَّث المتفنِّنون بشي من العلم كان مالِكَ قياده وأستاذ نقَّاده(١). وقال السخاوي في مفتتح كتابه الذي ترجم به للحافظ: اعتنى بهذا الفنِّ أعظمَ عناية، إلى أن بلغ الغايةَ القُصوى في الدراية والرواية، وفاق كثيراً من الرجال، وحاز شرف الرُّتبة في الحال والمآل، شيخُ الإسلام، وأوحدُ الأئمة الأعلام، حافظ العصر، وخاتمة المجتهدين، حاملُ راية العلم والأثر، فألف كتابةً وقراءة وسماعاً، وجمع فنوناً عديدة منه وأنواعاً، وحرّر فيه ما لم يُسبَق إليه، وصار المعوَّل في حفظ السنَّة وغيرها عليه، مع ما رزقه الله من فرط الذكاء والتدقيق، ومن حاذق التعبير والتحقيق. وقال السيوطي: انتهت إليه الرحلة والرئاسة في الحديث في الدنيا بأسرها، فلم يكن في عصره حافظ سواه(٢). وقال أيضاً: إمام هذا الفنّ للمقتدين، ومُقدَّم عساكر المحدثين، وعُمدة الوجود في التوهية والتصحيح (٣). وقال ابن العماد الحنبلي في وصفه أيضاً: شيخ الإسلام، عَلَمُ الأعلام، أمير المؤمنين في الحديث، حافظ العصر(٤). إلى غير هؤلاء من الأئمة الجِلّة الأعلام، الذين نَطقُوا بالحقِّ، وقالوا فيه ما يعلمونه (١) (الجواهر)) ٣٢٥/١-٣٢٦. (٢) ((حسن المحاضرة)) له ١/ ٣٦٣. (٣) ((نظم العقيان)) له أيضاً، الترجمة (٣٤). (٤) ((شذرات الذهب في أخبار من ذهب)) ٣٩٥/٩. ٣٥ مقدمة التحقيق علم اليقين، دون المَيْن والتخمين. وأفردَ السخاوي فصلاً خاصّاً لما قيل في الحافظ ابن حجر رحمه الله من القصائد الجِياد، التي تضمَّنت بيان فضل الحافظ، ووصفَ شرحه هذا، ومرتبته من بين سائر شروح البخاري، كمثل الذي أُنشِد في مجلس ختمه، مما سنذكر نماذج منه أيضاً في ختام الشرح، مما نقلناه عن الطبعة البُولاقيّة، مما أُثبِتَ في آخرها عن نسخة البرهان بن خَضِر أحدٍ تلامذة الحافظ الكبار. وبعض ذلك مما قيل بعد وفاته، من المراثي الفريدة، التي تُصوِّر بالغ ما أحسَّ به أهلُ العلم، بل سائرُ الناس، من وافر الأسى وعظيم الحزن، لفقدانه. تاسعاً: مصنفاته: لقد كان الحافظ رحمه الله تعالى كغيره من العلماء العاملين المخلصين، ما إن يتمُّ لهم الطلبُ، وتُستكمَل لديهم المعرفةُ، حتى يقوموا بيتٌّ ذلك ونشره في مصنفات تحفظ تلك العلوم والمعارف، لئلا تبقی حبيسةً عقولهم وقلوبهم، فتندثر وتتلاشی بوفاتهم، بل ترثُها الأجيالُ اللاحقة، وتستفيد مما تحويه من نتائج الأفكار، وثمرات النظر والاعتبار، فكان للحافظ مصنفاتٌ طار ذِكرُها في الآفاق، وصارت طَلِبة الطلبة، وبُغيةَ العلماء، حتى في حياة الحافظ رحمه الله، إذ أشادَ بها كثير من شيوخه من خلال ما يظهر من تقریطاتهم على بعضها: كتقريظ أبي الفضل العراقي وولده أبي زرعة والسراج البُلِقِيني والمجد الفيروز آبادي على ((تغليق التعليق))، وتقريظ أبي الفضل العراقي على ((لسان الميزان))، وتقريظ البرهان الأَبْناسي على ((المئة العشاريات))، وتقريظ الأَبْناسي أيضاً هو والعراقي على ((نظم اللآلي بالمئة العوالي))، وتقريظ كمال الدين الشُّمُنِّي على ((النخبة))، وتقريظ شمس الدين بن الجَزَري على ((القول المسدَّد في الذبّ عن مسند أحمد))، إلى غير ذلك من التقاريظ التي ٣٦ مقدمة التحقيق سجَّلها السخاوي، وفيما ذكرناه غُنْية (١). هذا، وقد كان ابتداؤه بالتصنيف رحمه الله في سنٍّ مبكّرة، حيث ذكر السخاويُّ أن له كتابین فرغ منهما سنة خمس وتسعين وسبع مئة، وهما ((مختصر تلبيس إبليس لابن الجوزي)) و((مقدمة في العَرُوض))، يعني وهو إذ ذاك في الثاني والعشرين من عمره، لأن ولادته کما قدَّمنا كانت سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة. وممن أشار إلى مصنفاته في حياته مُنوِّهاً بجلال مقدارها وأهميتها تقيُّ الدين الفاسيّ، صاحب ((ذيل التقييد))، وهو من أقران الحافظ، وتوفي قبله بعشرين سنة. وكذا تقيُّ الدين بن فهد المكي صاحب ((لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ))، وهو في طبقة کبار أصحابه. وقد عَقَدَ السخاويُّ في كتابه الذي أفرده لترجمته باباً مستقلاً سردَ فيه مصنفاته، وأبلَغَها إلى مئتين وسبعين مصنفاً، وهو أكثر من ترجم للحافظ تعداداً لها، وقد فاتَه بعضُها مما استدركه عليه شاكر محمود عبد المنعم في رسالةٍ علمية قدَّمَها في جامعة بغداد، درس فيها مصنفاتِ الحافظ دراسةً مُوسَّعةً، ورتّبها على حسب الموضوعات ترتيباً أنيقاً، وجهدُه فيها واضحٌ(٢). ونَقَلَ السخاوي عن الحافظ مما سمعَه منه أنه لم يكن راضياً عن مصنفاته التي ابتدأ بها التصنيفَ، مُعلِّلاً بأنه لم يتهيأ له من يُعِينُه على تحريرها إذ ذاك، وكأنه بذلك يُشير إلى أن ما تَلاها من التصانيف كان أصحابُه يُعِينُونه على تحريرها، بل قد صرَّح بذلك في مقدمة كتابه ((انتقاض الاعتراض))، حيث قال ما نصُّه: ابتدأت في شرح متوسطٍ سميتُه ((فتحَ الباري))، فلما كان بعد خمس سنين أو نحوها، وقد بُيِّض منه مقدارُ الربع على طريقةٍ مُثَلَى، وقد اجتمع عندي من طلبة العلم المهَرة جماعةٌ وافَقُوني على تحرير هذا (١) ((الجواهر والدرر)) ٢٦٤/١-٢٩٨. (٢) وهذه الرسالة بعنوان ((ابن حجر العسقلاني، مصنفاته ودراسة منهجه وموارده في كتابه الإصابة)). ٣٧ مقدمة التحقيق الشرح، بأن أكتبَ الكُرّاسَ، ثم يُحصِّلُه كلّ منهم نَسْخاً، ثم يقرؤه أحدُهم ويعارِضُ معه رُفْقتُه، مع البحث في ذلك والتحرير، فصار السطرُ لا يُكمَل إلا وقد قُوبِل وحُرِّرَ ... قلنا: وهذا يؤكِّد على شدة نَحرِّیه رحمه الله تعالى وتدقیقه، کما یَنِمُّ عن مزید تواضعه، وعدم اعتداده بنفسه، وفيه ما يُرشِد إلى أن الأعمال العظيمة هي ما تظافرت الجهودُ واتحدتْ لإتمامه، دون ما يَنفرِدُ به المرءُ ويرى أنه قادرٌ على إنجازه وحده. ولا شك أن كتابه هذا الذي نقدِّم له هو أعظم مصنفات الحافظ على الإطلاق، وسنُفرِد له مطلباً نتوسّع قليلاً في الحديث عنه إن شاء الله تعالى. ونحن هنا نقتصر على ذكر أشهر مصنفات الحافظ رحمه الله، مما لا يسعُ أحداً الاستغناءُ عنه، ومنها: ١ - ((تغليقُ التعليق)): وهو مِن أجلٌّ كتب الحافظ رحمه الله، مما أَّفه في وقت مبكِّرٍ في حياة کبار شيوخه، حیث أخبر هو أنه أكمله سنة أربع وثمان مئة، وأنه وقف علیه أكابر شيوخه، وشهدوا بأنه لم يُسبق إليه. قال الحافظ: لم يُفرِدْه أحدٌ بالتصنيف، وقد صرَّح بذلك الحافظ أبو عبد الله بن رُشَيد في كتاب ((ترجمان التراجم)) له، فقال: وهو - أي: التعليق - مفتقرٌ إلى أن يُصنَّف فيه كتابٌ يخصُّه تُسنَد فيه تلك المعلّقات، وتُبَيَّن درجتُها من الصحة والحسن أو غير ذلك من الدرجات، وما علمتُ أحداً تعرّض لتصنيفٍ في ذلك، وإنه لمُهِمٌّ لا سيما لمن له عنایةٌ بکتاب البخاري. وهو كتاب يشتمل على وصل التعاليق المرفوعة والآثار الموقوفة والمقطوعة الواقعة في ((صحيح البخاري))، بذكر موضع وَصْلِه في ((الصحيح)) نفسه، إن كان البخاريُّ وَصَلَه في موضعٍ آخرَ من («صحيحه))، وإلا فيَصِلُه الحافظُ بإسناده إلى مَن عَلَّق عنه البخاريُّ، مع الإشارة إلى من خرَّجه من أصحاب الكتب المشهورة والأجزاء المنثورة، ٣٨ مقدمة التحقيق غالباً، وربما لا يكون وقع للحافظ بإسناده الخاص، فيشير إلى من خرّجه وحسب. وربما لم يقع للحافظ مسنداً في شيء مما وقف عليه من الأجزاء الحديثية، فيبيِّض له، وربما استدرك ذلك بعدُ في ((الفتح))، وهذا في الجملة قليلٌ جداً. وقد ذكر الحافظُ أنه قد حصل له بفَراغه إعانةٌ عظيمةٌ عند الشروع في شرح البخاري، وأنه أغناه عن تعبٍ کثیر. وقد كثُرت نُسَخُه، وانتشرت في حياته، واغتَبَط به الناسُ، لما فيه من جليل الفائدة وعظیم النفع(١). ٢- «هُدَى السَّاري لمقدمة فتح الباري)): كذلك ضبطه الحافظ نفسه بخطه في نسخة عندنا كانت في ملك البرهان البقاعي، فرغ من قراءتها عليه في سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة، يعني قبيل وفاته رحمه الله. وقد أخبَرَ الحافظُ أنه أتمَّ المقدمةَ سنة ثلاث عشرة وثمان مئة، وأنه بعدها مباشرة ابتدأ بالشرح. وهذه المقدمة كثيرة الفوائد، وقد بحث فيها الحافظ في عشرة فصولٍ موضوعات عدة، تتعلق بـ ((صحيح البخاري))، عن الباعث على تصنيفه وموضوعه وشرطه، ومنهجه في إيراد الأحاديث اختصاراً وتكراراً وغرضه من ذلك، وعن تعاليقه المرفوعة على غاية الاختصار، وعن رجال البخاري، عن توضيح ما اشتَبَه وما ائتَلَف واختلَف، وتقييد ما أُهمل، وبيان ما أُبِهِم منهم، والأجوبة عمن تُكلِّم فيه من رجاله، والبحث في أحاديث البخاري التي انتُقِدت عليه، والإجابة عنها، والبحث في مناسبات ترتيب الأبواب باختصار، وعدة أحاديث كل صحابيٍّ موصولاً ومعلقاً، ثم ختم ذلك بترجمة (١) انظر ((هُدَى الساري)) للحافظ، الفصل الرابع منه، ومقدمة كتابه ((انتقاض الاعتراض))، و((الجواهر والدرر)) للسخاوي ٢/ ٦٦٥. ٣٩ مقدمة التحقيق ضافية حسنةٍ للبخاري، أغنانا بها عن إفراد ترجمةٍ له، ولم يترك فيها زيادةً لمستزيد (١). ٣- (لسان الميزان)): وهو من أوائل كتب الحافظ رحمه الله، واطّلع عليه شيخُه الحافظ العراقي المتوفى سنة ست وثمان مئة، وكتب بخطه على نسخة منه تقريظاً، كما ذكر السخاوي. وهذا الكتاب مفيد للغاية، اشتمل على تراجم مَن ليس في ((تهذيب الكمال)) من ((ميزان الاعتدال)) للذهبي، ممن تُكُلِّم فيهم، مع زيادات كثيرة جداً في أحوالهم من جرحٍ وتعديلٍ، وبيان وهمٍ، كما يشتمل على خلْقٍ كثيرٍ ممن لم يذكرهم الذهبي في ((الميزان)) أصلاً. وكان الحافظُ تمنّى أن لا يكون تقيَّد فيه بكتاب الذهبي، وأن يكون جعله كتاباً مبتكراً(٢). ٤- (تهذيب التهذيب)): وهو من كتب الحافظ القديمة أيضاً، إذ انتهى الحافظ من تبییضه سنة سبع وثمان مئة. ٦ وهو كتابٌ جليل في بابه، لخّص فيه الحافظُ كتاب ((تهذيب الكمال)) للمزي، مقتصراً على ما ورد في المترجَم من جرح وتعديل، مع إضافة ما زاده الذهبي في ((تذهيب تهذيب الكمال)»، ومُغَلْطاي في ((إكمال تهذيب الكمال)) على وجه الاختصار أيضاً، وزيادة ما وقف عليه هو مما فاتهم، ويُميِّزُ بين كلام المزي وبين اختصاره لكلام الذهبي ومغلطاي وزياداته هو بعبارة ((قلت))(٣). (١) انظر ((هُدَى الساري)) للحافظ، ومقدمة كتابه ((انتقاض الاعتراض))، و((الجواهر والدرر)) للسخاوي ٦٧٦/٢، و((ابن حجر العسقلاني، مصنفاته ودراسة منهجه وموارده في كتابه الإصابة)) لشاكر محمود عبد المنعم ١٨٩/١. (٢) ((الجواهر والدرر)) للسخاوي ٢٦٨/١ و٦٥٩/٢، و((ابن حجر العسقلاني)) لشاكر عبد المنعم ٣٠٣/١. (٣) انظر مقدمة الحافظ على ((تهذيب التهذيب))، و((الجواهر والدرر)) للسخاوي ٦٨٢/٢، و((ابن حجر العسقلاني)) لشاكر عبد المنعم ٣٠٥/١. ٤٠ مقدمة التحقيق ٥- ((تقريب التهذيب)): وقد صنفه الحافظ رحمه الله بعد أن فرغ من تصنيف ((تهذيب التهذيب)) بمدةٍ، وذلك سنة سبع وعشرين وثمان مئة، تلبيةً لالتماس بعض طلبة الحديث، کما أوضحه هو في مقدمته. وهو نافعٌ في العُجالة للمبتدئ، جرَّد فيه أسماء رجال ((تهذيب الكمال))، بألخص عبارة، بذكر اسم الرجل واسم أبيه وجده، وشهرته في النسبة، وكنيته ولقبه، مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم يُبيِّ درجته جرحاً وتعديلاً، بحسب ما ينتهي إليه اجتهادُه من خلال ما سيق فيه من أقوال النقاد، ويبين أيضاً طبقته، وسنة وفاته. ولكن لا يصلح أن يعتمد عليه المتخصِّصُ بعلم الحديث، بل لا بد له من الرجوع إلى الكتب التي استوعبتِ الكلام على الرجال، ابتداءً من ((تهذيب التهذيب)) إذ هو أصله، وذلك لأن الحافظ رحمه الله لم يقصد من وراء تصنيفه أن يُعتمد عليه، بل إنه ذکر في مقدمته أنه قليل الجدوى لطالبي هذا الفنِّ - يعني المتخصصين فيه - وأنه إنما صنفه استجابةً لرغبة طالبه (١). ٦ - ((تبصير المنتبه بتحرير المشتبِه)): وهو من كتب الحافظ القديمة كذلك، إذ فرغ من تحريره سنة ست عشرة و ثمان مئة. قصد فيه الحافظ تحرير ((المشتبه)) للذهبي، بتحقيق ضبط الأسماء بالحروف، ثم باستدراك ما فاته مما في الأصول التي لخصها، كـ((الإكمال)) لابن ماكولا، و «ذيل مشتبه الأسماء والنسب)) لابن نُقْطة، وذيولهما، ثم زاد كثيراً مع ذلك(٢). (١) انظر مقدمة الحافظ على ((التقريب))، و((ابن حجر العسقلاني)) لشاكر عبد المنعم ٣٠٧/١. تنويه: لا بدَّ هنا من الإشارة إلى أن الأستاذين الجليلين الشيخ شعيباً الأرنؤوط والدكتور بشار عواد قد قاما بجهد مشكور في تتبع كثير من أحكام الحافظ على الرجال في كتابه هذا وسمّياه ((تحرير تقريب التهذيب))، وقدَّما له بمقدمة ضافية أبانا فيها عن منهجهما في هذا التعقّب، وهو من مطبوعات مؤسسة الرسالة. (٢) انظر مقدمة الحافظ على ((التبصير))، و((الجواهر والدرر)) ٦٧٩/٢، و((ابن حجر العسقلاني)) لشاكر عبد المنعم ٣٠٧/١.