Indexed OCR Text

Pages 1-20

،
هُدُفُ الشَّيرِي
المقدّمة فتْح البَارِيُّ
تأليف
الإِحَامِ الْحَافِظِ سَابِ الِّينِ أُحَ بْ عَلِيِّ بْنِ حَمِالصَّقَدَافِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أُشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَاجَعه
شُغَيْب الأرتُوُوط عادتٌ مُّشْد
اعتَنَّى بتحقيق هذا الجزء وتصحيحّة
عادل منز وعَاتٍ فَضْبَ
الجزء الأوّكُ
الرسالة العالمية

.
3
..
....

هُدَ ىُ السَّهِي
لمقُدّمُه فتح الباريّ
١

دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة و التسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها !لا باذن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalabonline.com
http://www.resalahonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112- 319039- 818615
P.O. BOX:117460
جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَةٌ لِلنَّاشِرْ
الْطَبَعَة الأولىُّ
١٤٣٤ ھـ -٢٠١٣م

مقدمة الناشر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد بن عبد الله الأمين
وعلى آله الطيبين المطهرين، وصحابته الراشدين المهدتين ، وعلى من اتّبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
وبعد :
فإننا في مؤسستنا هذه، مؤسسة الرسالة العالمية، قد أخَذْنا على أنفسنا عَهْداً بأن نُقَدّم لطلبة العلم
وأهله كلَّ ما هو مُفيدٌ وماتٌّ من الأعمال العلمية، والتحقيقات المتقَّنة، التي تُذكر لنا بخير دائماً على
ألسنة ذوي النّصَفة، الذينِ يَعِيزُون السمين من الغَثّ، مما يَصِدُر من الأعمال.
ونحن على عهدنا في ذلك لم تُغيَّر، ولن نبدّلَ إن شاء الله تعالى، بعونه وكرمه وإحسانه.
واليومَ يسرُّنا أن نَزُقتَ إلى طلبةَ العلم والقرّاء الكرام، عملاً جديداً من أعمالنا، ألا وهو تحقيق ذاك
السّفر الجليل، الذي طبَّقت شهرتُه الآفاق، وسعى إلى اقتنائه كُلّ حريص على فهم معاني ودلائل
حَديث رسول الله وَّة، ذالكم هو كتاب «فتح الباري بشَرحِ البخاري» للإمام الحافظ عُمدةٍ شُرَاح
«الصحيح» أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العَسْقلانيّ، المتوفى سنة (٨٥٢ هـ)،
رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله عن الحديث وأهله خير الجزاء.
ولقد اضطلع بأعباء تحقيق هذا الشرح والتعليق عليه وتبيين غوامضه، فريق التحقيق في مؤسستنا
بقدر الوسع والطاقة، وذلك بالاعتماد في مقابلة نص الكتاب وتصحيحه على أصول خطية جيدة،
فقاموا بتحقيقه تحقيقاً علمياً معتدلاً منضبطاً، امتدّ العمل فيه على مدى سنوات، بذل فيه الجميع
جهده وطاقته ليخرج على الوجه المرضيّ ، فجزاهم الله خير الجزاء ، وأجزل لهم المثوبة والعطاء.
ونسأله تعالى أن يتقبل جهدَنا هذا، وأن يجعله ذُخراً لنا في ميزان أعمالنا يوم القيامة، اللهم آمين.
وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين
الناشر

٧
مقدمة التحقيق
جميع القرالر
الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وصلَّى الله وسلّم على محمد عبده
ورسوله، سيد الأولين والآخرين، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين،
ومن تبعهم واقتفى منهجهم، إلى يوم الدين، وبعد:
فإن من عظيم فضل الله تعالى علينا وعلى الناس، مما يستوجب منا الشكر الجزيل
ومَزِيدَ الثناء والتبجيل، أن هيّأ لهذه الأمة على مر العصور والأزمان من يجدد لها أمر
دينها، ومن يذُودُ عن حِيَاض الكتاب العزيز والسنة المشرّفة، من العدول الذين يَنْفُون
عنهما تحريفَ الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، أئمةً يدعون إلى الخير،
ويهدون بالحق وبه يعدلون، فرضوان الله تعالى عنهم ورحماته عليهم أجمعين.
ولقد كان من أولئك الأئمة الأفذاذ العظماء، الذين يُشارُ إليهم بالبنان، ويُشادُ
بفضلهم في کل صُقْع على كل لسانٍ، من نافَتْ فضائله على كل ذي فضل، وجَلَّت عن
الحصر والتَّعداد، مَن مَّزه اللهُ على أبناء عُمُره، بأنواع المعارف والعلوم، مع ما متَّعه به
من قوة الحافظة وذكاء القلب، فصار القصدُ إليه من المطالب العالية، وهو مَن وافق
خَبَرُه خُبْرَه، وعلانيتُهُ سِرَّه، إنه إمام عصره وحافظ وقته، أقضى القضاة، وزین الديار
المصرية، شيخ الإسلام، الإمام الهُمام، العلمُ الشامخ، أبو الفضل حقاً، وشهاب الدين
صدقاً، أحمد بن علي بن محمد الكِناني، الشهير بابن حَجَرِ العَسْقَلانيّ، وسنتعرض
لترجمته من غير إطالة، لما جُبِلت عليه النفوس من سرعة المَلَالة، إذ قد أَلَّف في ترجمته
كتاباً حافلاً، تلميذُه النجيب الحافظ شمس الدين السَّخَاوي، لم يترك لمن بعده زيادة
لمستزيد، سماه ((الجواهر والدُّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر))، استوعب فيه
الكلام عنه: عن نسبه، وعن أسلافه من أهل بيته، وعن نشأته العلمية، وأبرز شيوخه،

٨
مقدمة التحقيق
ثم عن أهم مرويّاته، ثم ثناء الأئمة عليه، وذِكْر بعض تعقّباته على بعض من سبقه من
أهل العلم.
ثم بيّن فيه الوظائفَ العلمية التي أُنيطت به، والمهامَّ الإدارية التي أُسندت إليه.
ثم أوعَبَ القولَ في آثاره العلمية، مُتمثِّلةً في دروسه وتصانيفه، ونظمه ونثره،
وخُطَبه ورسائله، وفتاويه واختياراته.
ثم استوفى القولَ في أخلاقه وصفاته العَلِيَّة.
ثم عقّب بذكر عدد ممن تلقى عنه روايةً ودرايةٌ.
ثم ذيَّل بذكر مرضه ووفاته رحمه الله تعالى، ثم بذكر زوجاته، وأبنائه وبناته،
وخَدَمِه.
ثم خَتَمَ بذكر بعض المراثي التي قيلت فيه رحمه الله، وأحقَنا به على خير حالٍ يرضاه
سبحانه.
وكان قد سبق السَّخاويَّ إلى ترجمة الحافظ بعضُ أقرانه، وهو إمام الحرم تقي الدين
الفاسِيُّ، فقد ترجم له في كتابه ((ذيل التقييد)) ترجمةً تَلِيقُ به، وهي على اختصارها نفيسة
في فوائدها، وذكر فيها أنه انتفع بالحافظ في علم الحديث كثيراً، وهذه من التراجم
العزيزة، لأن تقي الدين هذا توفي قبل الحافظ بنحو عشرين سنة.
كما ترجم للحافظ أيضاً بعضُ أصحابه، وهو تقي الدين بن فَهْد المكّي في كتابه
المشهور ((لَخَظ الألحاظ بذيل تذكرة الحفاظ)»، وهو في طبقة كبار أصحاب الحافظ،
وترجمته مختصرة أيضاً، لكنها نفيسة.
وترجم للحافظ أيضاً ابن تَغْرِي بَرْدِي، وهو من أصحابه كذلك، في كتابه ((المنھَل
الصافي والمستَوفَى بعد الوافي)».
وهذا أوانُ البَدْء بذكر شيء من شَذَرات ترجمته رحمه الله، نُعِقِبها إن شاء اللهُ بذكر

٩
مقدمة التحقيق
فضائل كتابه هذا الذي شرَّفنا الله سبحانه وتعالى بتحقيقه وإخراجه والعناية بنصوصه،
ثم نختم ذلك ببيان المنهج الذي مشينا عليه في تحقيق هذا الكتاب، ثم بوصف الأصول
الخطية التي اعتمدناها فيه وفي مقدمته الموسومة بـ ((هُدَى(١) السارِي))، والله المستعانُ
وعليه التُّكْلان.
أولاً: اسمه ونسبه:
هو أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد، شهاب الدين، أبو الفضل،
الكِنَانيّ، العَسْقَلاني، ثم المِصْري، الشافعي، ويُعرَف بابنِ حَجَرٍ، وهو لقبٌ لبعضٍ آبائِه.
وُلِدَ في ثاني عَشْري شعبان، سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة، بمصر العتيقة، ونشأ بها
يتيماً، إذ ماتَ أبوه في رجب سنة سبع وسبعين وسبع مئة، وماتت أمه قبل ذلك وهو
طفل، فنشأ في كَنَفِ أحد أو صيائه: زكيّ الدين الخَرُّوبي - نسبة لرَحبة الخرُّوب بمصر -.
وقد ترجمَ الحافظُ(٢) لأبيه، فقال: وُلِد في حدود العشرين وسبع مئة، وسمع من أبي
الفتح بن سيِّد الناس وغيره، واشتغل بالفقه والعربية، ومَهَر في الآداب، وقال الشعرَ
فأجاد، ووقّع في الحكم، ونابَ قليلاً عن ابن عقيل، ثم ترك ... وأقبل على شأنه، وأكثر
الحجَّ والمجاورة، وله عدة دواوين، منها ديوان الحرم مدائح نبوية ومكية في مجلدة،
وكان موصوفاً بالعقل والمعرفة، والدِّيانة والأمانة، ومكارم الأخلاق ومحبة الصالحين
والمبالغة في تعظيمهم، ومن محفوظاته ((الحاوي))، وله استدراك على ((الأذكار)) للنووي،
فيه مباحثُ حسنةٌ، وكان ابن عَقيل يحبُّه ويُعظِّمه، ورأيت خطَّه له بالثناء البالغ، ولما
قَدِم الشيخ جمال الدين بن نُباتة أخيراً أنزله عنده ببيت من أملاكه في حواره وطارَحَه
ومدحه بما هو مشهور في دیوانه.
(١) بضم الهاء وفتح الدال المهملة وآخره ألف مقصورة، على وَفْق ضبط الحافظ نفسه بخطه، كما سنبينه في
حینه إن شاء الله.
(٢) في ((إنباء الغَمْر بأبناء العُمر)) ١١٦/١ - ١١٧.

١٠
مقدمة التحقيق
قرأتُ بخط ابن القطّان وأجازَنِيه: كان يحفظ ((الحاوي الصغير)) ويَنظِم الشعر،
وكان مُجازاً بالفتوى وبالقراءات السبع، حافظاً لكتاب الله تعالى، معتقِداً في الصالحين
وأهل الخير جعله الله تعالى منهم، وكان أوصى أن يكفّن في ثياب الشيخ يحيى الصنافيري،
قال: ففعلنا به ذلك، مات يوم الأربعاء ثالث عشرین شهر رجب.
وترجم لأبيه أيضاً تقيُّ الدين المَقْرِيزِيّ، وتقي الدين الفاسِيُّ أثناء ترجمته للحافظ(١).
ثانياً: عصره:
نشأ الحافظُ رحمه الله في عصرٍ حافلٍ بالعلماء وطلبة العلم، في مختلفِ التخصصات
المعروفة آنذاك، كالحديث والتفسير والفقه واللغة والقراءات وغيرها، وقد أنجبَ ذلك
العصر نماذجَ ونُخَباً عَّ وجودُ نظائرَ لها فيما سبق وفيما لحق، ولا سيما في البلد الذي كان
فيه الحافظ، وهي مصر العتيقةُ التي كانت حاضِرةَ العلم والعلماء، يَنهَدُ إليها طلبة العلم
من كلّ حَدَبٍ وصَوْب، بُغيةَ التلقّي عن شيوخها العظماء البارعين، والسماع من مسنديها
الأكابر الذين كانت أسانيدهم في منتهى العُلوِّ، بحيث ألحقوا الأحفاد بالأجداد،
والصغار بالكبار.
ولقد كان الحافظ بما متَّعَه الله به من الهمة العالية والتصميم الأكيد، حريصاً كلَّ
الحرص على أن لا يُفوِّت فرصة اللقاء بشيخ يسمع به، ولو كلّفه ذلك أن يرحل إليه.
كما كان حريصاً رحمه الله على تحصيل ما يمكنه تحصيله من الكتب والأجزاء، حتى
كان أكثرَ أقرانه شيخاً، وأوسعَهم روايةً، والمطالعُ لكتابيه ((تجريد أسانيد الكتب
المشهورة والأجزاء المنثورة)) و((المجمع المؤسس))، يَجِدُ مِصداقَ ذلك.
وسنأتي على بيان أبرز شيوخه إن شاء الله تعالى في مطلب مستقلٌّ.
(١) التقي الفاسي في ((ذيل التقييد)) الترجمة (٦٩١)، والمقريزي في ((السلوك لمعرفة دول الملوك)) ٣٩٥/٤.

١١
مقدمة التحقيق
ثالثاً: نشأته العلمية:
ولنترك للحافظ رحمه الله البيانَ عن نشأته، إذ لخَّص ذلك تلخيصاً حسناً(١)، وخيرُ
من يُنِي عن المرء نفسُه:
قال: لم يدخل(٣) الكُتَّابَ حتى أكمل خمس سنين، فأكمل حفظ القرآن وله تسعُ
سنین، ثم لم یتھیأ له أن يُصلّيَ بالناس التراويحَ إلا في سنة خمس وثمانين وسبع مئة، وقد
أكمل اثنتي عشرة سنة.
قال: وحَفِظ بعد ذلك كتباً من مختصرات العلوم، ولازم أحدَ أوصيائه أيضاً، وهو
الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن أبي بكر بن القطّان المصري،
فحضر دروسه.
ثم حُبِّبَ إليه النظر في التواريخ وهو بعدُ في المكتب، فعلق بذهنه شيء كثير من
أحوال الرواة.
وفي غضون ذلك سمع من نجم الدين بن رَزِین، وصلاح الدين الزِّفتاوي - بالکسر
والسكون نسبةً إلى زفتا قرية بمصر - وزين الدين ابن الشَّيْخة.
ونظر في فنون الأدب من سنة اثنتين وتسعين، فقال الشعر ونظم مدائح نبوية
ومقاطیع.
ثم اجتمع بحافظ العصر زين الدين العراقي، وذلك في شهر رمضان سنة ست
وتسعين، فلازمه عشرةَ أعوام، وحُبِّبَ إليه فنُّ الحديث، فما انسلخت تلك السنةُ حتى
خرَّج لشيخه مُسنِدِ القاهرة أبي إسحاق التَّنُوخِيّ المئة العُشاريّات، فكان أولَ من قرأها
في جمعٍ حافلِ الحافظُ أبو زُرْعة ابنُ الحافظ العراقي.
:
(١) في كتابه ((رفع الإصر عن قضاة مصر)) ص ٦٢ -٦٤.
(٢) كذلك فعل الحافظ في ترجمته لنفسه بصيغة الغائب تواضعاً منه رحمه الله.

١٢
مقدمة التحقيق
رابعاً: رحلاته:
وكما كانت عادة طلبة العلم أنهم لم يكونوا يَقنَعون بما يحصِّلونه على شيوخهم في
بلدانهم، حتى يَنْهَدُوا راحِلين إلى مختلف الأقطار، سعياً منهم للالتقاء بالشيوخ الكبار،
طلباً لما عندهم من العلم والرواية، وكذلك كان للحافظ رحلةٌ واسعةٌ شَمِلت عدداً من
البلدان، ذكر(١) أن أولها كان في سنة خمس وثمانين وسبع مئة، حيث اصطحبه وصيُّه
زكي الدين الخَرُّوبي معه إلى مكة، وأنه سمع في تلك السنة ((صحيح البخاري)) على
مسند الحجاز عفيف الدين عبد الله النَّشَاوَرِي - نسبةً إلى نَشاوَر(٢) - خاتمة أصحاب
إمام المقام رضيّ الدين الطبريّ، ولم يضبط سماعَه ... ، قال: والاعتماد على ذلك كان على
الشيخ نجم الدين المَرْجَانيّ، فإنه أعلمَني بعد دهرٍ طويلٍ بصورة الحال، فاعتمدتُ
عليه وُثوقاً به (٣).
ثم ذكر أنه رحل إلى الإسكندرية، فسمع من مُسنِدِيها إذ ذاك (٤).
وأنه حجّ بعد ذلك، ودخل اليمن(٥)، فسمع بمكة والمدينة ويَنْبُع وزَبِيد وتَعْز
وعَدَن، وغيرها من البلاد والقرى.
(١) في كتابه ((رفع الإصر عن قضاة مصر )) ص ٦٢ -٦٤.
(٢) هي نيسابور نفسها، ويسميها العجم نشاور، وهو الذي دَرَج عليه الناسُ في وقتٍ متأخرٍ، قال
القَلْقَشَنْدي في ((صُبْح الأعشى)) ٣٨٩/٤ في كلامه عن نَيسابُور: قال ابن سعيد: والعجم تسميها
نشاور. قال في ((تقويم البلدان)): واسمها الآن نشاور، يعني بفتح النون والشين المعجمة وألف وفتح
الواو وراء مهملة في الآخر.
(٣) وليس معنى ذلك أن هذا هو سماعه الوحيد لـ((صحيح البخاري))، بل له سماعاتٌ أخرى له بعدما كبر، بيَّنها
في ((معجمه المفهرس)) المعروف بـ((تجريد أسانيد الكتب المشهورة والأجزاء المنثورة)) الكتاب رقم (١).
(٤) وكان ذلك في أواخر سنة سبع وتسعين وسبع مئة، كما أخبر بذلك السخاوي في ((الجواهر والدرر))
١٤٥/١.
(٥) وقد وصلها سنة ثمان مئة، وهي رحلته الأولى إليها، ثم رحل إليها ثانياً سنة ستِّ وثمان مئة، كما أخبر
بذلك السخاوي في ((الجواهر)) ١/ ١٤٧ و١٥١.

١٣
مقدمة التحقيق
ولقي باليمن إمامَ اللغة غير مُدافَع، مجد الدين بن الشِّيرازي، فتناول منه بعض
تصنيفه المشهور المسمى ((القاموس في اللغة))، ولقي جمعاً من فضلاء تلك البلاد.
ثم ذكر أنه رجع إلى القاهرة(١)، ثم رحل إلى الشام (٢) فسمع بقَطْية(٣) وغزة والرملة
والقدس ودمشق والصالحية، وغيرها من القرى والبلاد.
وأن إقامته بدمشق كانت مئةً يوم، ومسموعَه في تلك المدة كان نحو ألف جزء
حديثي، منها من الكتب الكبار: ((المعجم الأوسط)) للطبراني، و((معرفة الصحابة)) لأبي
عبد الله بن مَندَهْ، وأكثر ((مسند أبي يَعْلَى)) وغير ذلك(٤).
ثم أخبر أنه رجع وأكمل كتابه (تَغْليق التعليق)) في حياة كبار مشايخه، فكتبوا عليه.
وكان قد عزم وهو بدمشق على التوجُّه إلى حلب ليأخذ بها عن خاتمة مُسندِيها عمر
ابن أيدغمش، فبلغته وفاتُه، فتخلَّف عن التوجُّه إليها.
ثم يسَّر الله عزّ وجلّ له بعد دهر، وذلك سنة ستٌّ وثلاثين وثمان مئة، السفرَ إلى
حلب، بصحبة السلطان الأشرف بَرْسْباي، لما توجَّه إلى آمِد لدفع أذى التركمان الذين
أكثروا فيها وفيما حولها الفساد، ونهب الأموال وقطع الطرق على القوافل، وغير ذلك(٥).
وقد سردَ السخاويُّ الأماكن التي رحل إليها الحافظُ، فبلغت خمسين بلداً(٦).
(١) وكان ذلك في سنة إحدى وثمان مئة، كما قال السخاوي في ((الجواهر)) ١٥٥/١.
(٢) وكان ذلك في سنة اثنتين وثمان مئة، كما قال السخاوي في ((الجواهر)) ١٥٦/١. وذكر أيضاً من البلاد
التي دخلها الحافظ: نابلس والخليل.
(٣) قرية شمالَ سيناء في الطريق إلى العَرِيش.
(٤) زاد السخاوي في ((الجواهر)) ١٦٠/١-١٦١ منها: ((السنن)) للدار قطني، و ((مسند مُسدَّد)) و((الموطأ)) لأبي
مصعب الزُّهْري، وغيرها. وذكر أنه علّق في غضون ذلك بخطه على تلك الأجزاء الحديثية مقدار ثماني
مجلدات فأكثر، منها وضع أطرافاً لكتاب ((المختارة)) لضياء الدين المقدسي في مجلد ضخم.
(٥) ((الجواهر)) ١/ ١٧٦.
(٦) ((الجواهر)) ١/ ١٩٢

١٤
مقدمة التحقيق
خامساً: مُؤهِّلاته العلمية:
ذكرنا عن الحافظ رحمه الله أنه حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، قال السخاوي(١):
حفظه عند الصدر السَّفطيّ شارح ((مختصر التبریزي)).
ثم جوَّد القرآن بعد ذلك على شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي الخُيُوطيّ(٢).
وأخذ القراءات بالروايات السبع على برهان الدين إبراهيم بن أحمد التنوخي، وأَذِنَ
له في الإقراء. وقرأ أيضاً على شمس الدين محمد بن محمد الغُمَاري(٣).
وذكر الحافظ عن نفسه أنه حفظ مختصرات في بعض العلوم، وقد عدَّ منها السخاوي:
((العمدة)) و(ألفية العراقي)) و((الحاوي الصغير)) و((مختصر ابن الحاجب)) و((المُلحة)) (٤).
وذَكَرْنا عنه رحمه الله أيضاً أنه كان له ولعٌ بالنظر في التواريخ وأيام الناس منذ
صغره، حتى إنه - كما قال السخاوي - ربما كان يستأجر كتب التواريخ ممن هي عنده،
فَيَعلَق بذهنه الصافي الرائق شيءٌ كثير من أحوال الرواة، وكان ذلك بإشارة شخصٍ من
أهل الخير.
وأنه تَعانَى فنونَ الأدب حتى بَرَع فيها، حتى كان - كما قال السخاوي - لا يسمع
شعراً إلا ويستحضر من أين أخذه الناظم، وطارَحَ الأدباء، وصار يقول الشعر وينظم
المدائح النبوية، وينثر النثر الفائق(٥).
وأما في سائر العلوم الأخرى فقد قدَّمنا عنه رحمه الله أنه كان في ابتداء أمره بصحبةٍ
أحدٍ أوصيائه، وهو محمد بن علي بن محمد بن عيسى القطان المصري، فكان يحضر دروسه
(١) في كتابه ((الضوء اللامع)) ٣٦/٢.
(٢) ((المجمع المؤسس)) للحافظ، الترجمة (٤٣٣)، و((الجواهر والدرر)) للسخاوي ١/ ١٢٤.
(٣) ((المجمع المؤسس)) للحافظ، الترجمة (٦١٨)، و((الجواهر)) للسخاوي ١٣٩/١.
(٤) ((الضوء اللامع)) ٣٦/٢.
(٥) ((الجواهر والدرر)) ١٢٥/١ و١٢٦

١٥
مقدمة التحقيق
في الفقه وأصوله والعربية والحساب وغيرها، وقرأ عليه شيئاً من ((الحاوي الصغير))(١).
ثم بعد ذلك تلقَّى الفقه وأصولَه على جماعةٍ، منهم: برهان الدين إبراهيم بن موسى
الأَبْناسي، وسراج الدين عمر بن رسلان البُلْقِيني، وحضر دُروسَه.
ومنهم سراج الدين عمر بن علي بن المُلقِّن، وعز الدين محمد بن أبي بكر بن جماعة.
وقرأ في الفقه والعربية أيضاً على نور الدين علي بن أحمد الأَدَميّ - نسبةً إلى صناعة
الأَدَم، أي: الجلد - ولازمه كثيراً(٢).
كما قرأ في العربية على الغُماري المذكور قريباً.
وقرأ في اللغة على المجد الشيرازي، كما قدّمنا عن الحافظ، وهو المعروف
بالفيروزآبادي، تناول منه الحافظ النصف الثاني من كتابه ((القاموس))، وأذن له مع
المناولة في رواية الكتاب عنه(٣). وبرع في اللغة وفاقَ في استحضارها، قال السخاوي:
حتى لقد رأيت النَّوَاجيّ (٤) يأتي إليه في كل شهر بما يقف عليه من ذلك وشبهه، فيراجعُه
فيه، فيزيحُ عنه إشكالَه، ويُرشِدُه إلى فهمه بَديهةً(٥).
وقرأ في النحو على أبي الفرج الغَزِّي، وغيره، وأذن له.
وفي العَروض والأدب على بدر الدين محمد بن إبراهيم البَشتَكي - نسبة لخانِقاه
بَشْتاك، في ظاهر القاهرة. والخانقاه فارسي معرَّب، أصله ((خانَهْ كاْ)) _ (٦).
(١) ((الجواهر)) ١ /١٢٤.
(٢) ((الجواهر)) ١٢٨/١-١٢٩ و١٣٧-١٣٨.
(٣) ((الجواهر)) ١٤٨/١.
(٤) هو أديب عصره شمس الدين محمد بن حسن بن علي بن عثمان، وكان شاعراً بليغاً. انظر ((الضوء
اللامع» للسخاوي ٢٢٩/٧.
(٥) («الجواهر)) ١٣٩/١.
(٦) ((الجواهر)) ١/ ١٣٦ و١٣٩-١٤٠.

١٦
مقدمة التحقيق
ثم حُبِّب إليه فنُّ الحديث النبوي، فأقبل عليه بكُلِّيته، حتى غلب عليه رحمه الله،
وكان أولُ ذلك - كما قدمنا عنه - عند لقائه بشيخه الحافظ الكبير أبي الفضل العراقي
سنة ست وتسعين وسبع مئة، ولازمه الحافظ قريب العشر سنين، وأذن له في تدريس
الألفية وشرحِها، و((النكت على ابن الصلاح))، وسائر كتب الحديث وعلومه، ولقَّبَه
بالحافظ.
قال السخاوي: وجَدَّ رحمه الله بهمّةٍ وافرة، وفكرةٍ سليمةٍ باهرة، في طلب العلوم،
منقولها ومعقولها، حتى بلغ الغاية القصوى، وصار كلامه مقبولاً عند أرباب سائر
الطوائف، لا يَعْدُونَ مَقالته لشدة ذكائه و قوة باعه، حتی کان حقيقاً بقول القائل:
وكان مِن العُلوم بحيث يُقضَى له في كلِّ علمٍ بالجميعِ
وأبرز ما يدلُّ على صحة مقالة السخاوي هذه إملاءاتُه رحمه الله تعالى التي كان يُملِيها
من حفظه، حتى بلغت مجالس إملائه خمسينَ ومئةً وألفَ مجلسٍ تقريباً، وكان يحضرها
خلقٌ كثيرون، يصلُ عددهم إلى خمسين ومئة نفسٍ(١).
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن عدداً من الأمور قد ساعدت الحافظ رحمه الله على
زيادة مخزونه العلمي، وسَعَة مَعارفِه، مما يسَّره الله تعالى له، وقد بيّنها السخاوي(٢)،
ونحن نُجمِلها بما يلي:
١ - سرعة القراءة الحسنة، حيث قرأ ((السنن)) لابن ماجَهْ في أربعة مجالس، و((صحيح
مسلم)) كذلك في أربعة مجالس، و((صحيح البخاري)) في عشرة مجالس، و((سنن النسائي
الکبری» في عشرة مجالس.
٢- سرعة الكتابة مع حُسنها، ومما كتبه ((التقييد)) لابن نُقْطة البغدادي في خمسة أيام،
(١) «الجواهر)) ٥٨٤/٢و ٥٨٥.
(٢) في ((الجواهر)) ١/ ١٦١ - ١٧٠ و١٧٨ و١٨٤.

١٧
مقدمة التحقيق
وكتاب ((فصل الربيع في فضل البديع)) في تسع كراريس، في يومين متتاليين، فرغ منه
وقت العصر من اليوم الثاني، مع ما تخلل ذلك من أكل وشرب وحديث وصلاة ونوم.
وكان رحمه الله لا تمنعه الكتابة عن فَهْم ما يسمعه من علم وحديث.
ومما وقفنا عليه نحن مما هو بخطه: ((سنن أبي داود))، وهو مما كتبه بزَبيد في اليمن
سنة ثمان مئة، كما علَّقه بخطُّه في آخره، وهو غاية في الجودة والإتقان، وكان هو النسخةً
الأمّ التي اعتمدناها في تحقيق ((السنن)).
وممن أشار أيضاً إلى سرعة كتابته وسرعة قراءته مع حُسنِهما: تقي الدين الفاسِيُّ(١).
٣- شربه من ماء زمزم(٢) لما حج سنة ثمان مئة أو سنة خمس وثمان مئة - الشك من
السخاوي - بقصد بلوغ مرتبة الحافظ الذهبي، ثم شربه مرة أخرى بقصد تيسير الكتابة
على الفتاوى.
٤- رُفْقتُه الذين كانوا غايةً في الديانة والتواضع، والحرص على تلقي العلم، مع
البُعد عن الغِلِّ والحسد والكتمان، والمعونة في التناوب بالكتابة والمذاكرة والقراءة،
وإقالة العثرة فيما بينهم، وتوجيه ما ظاهرُه القُبحُ من قول أو فعل بالتوجيه المَرْضِيّ،
حتی یصرفه عما يُخالفه.
٥- عدم التردُّد إلى أحدٍ من الرؤساء والكبراء، لئلا يصرفه الاجتماعُ بهم عما هو
آخذ بسبيله من الالتقاء بأهل العلم والنهل من علومهم.
٦ - عدم تفويته شيئاً من وقته بما لا طائل تحته، بل كان همُّه المطالعةَ والقراءةَ والسماعَ
والعبادةَ والتصنيفَ والإفادةَ.
(١) في ((ذيل التقييد)) عند ترجمته للحافظ برقم (٦٩١).
(٢) في هذا إشارة إلى حديث النبي وَلفيه: ((زمزم لما شرب له))، وقد أخرجه أحمد برقم (١٤٨٤٩)، وابن ماجه
برقم (٣٠٦٢)، وله طرق أخرى، وقد أفرد فيه الحافظُ نفسه جزءاً، كما قال السخاوي في ((المقاصد
الحسنة)) (٩٢٨)، ونقل عنه قوله في شأنه: مرتبةُ هذا الحديث أنه باجتماع طرقه يصلح للاحتجاج به.

١٨
مقدمة التحقيق
٧- تواضعه في طلب العلم، حيث كتب عن بعض تلامذته، كالبرهان البقاعيّ، كتب
عنه وفاة تقي الدين الحِصْني الفقيه الشافعي، وكتب عن حفيد الحسيني مصنف ((التذكرة))
أصل ((تعجيل المنفعة))، وهو عز الدين حمزة بن أحمد بن علي ابن مصنف ((التذكرة)) شمس
الدين الحسيني، كتب عنه ترجمة أيوب الحارثي، أحد رجال ((مسند أحمد)).
وفي هذا أيضاً أمانتُه رحمه الله في نسبة كل قولٍ إلى قائله، من غير أن يجدَ غَضاضةً في
ذلك مع علوّ منصبه، وإن كان القائلُ تلميذاً له، أو أصغر سِنّاً منه، أو دونه في العلم
والمعرفة.
سادساً: شيوخه:
لعل الحافظ رحمه الله تعالى يكون من أكثر أقرانه شيوخاً، بالمفهوم الأوسع لكلمة
الشيخ، الذي يشمل شيوخه الذين سمع منهم الحديثَ بعد الحديث، والذين سمع
عليهم بعض الأجزاء الحديثية، أو كُتُب السنة المشهورة، أو بعضها، وكذا الذين أجازوه
في بعض مروياتهم، ولو باستدعاء بعض الأبناء أو التلامذة، وكذلك الذين أخذ عنهم
الحافظُ مذاكرةً أو إنشاداً، أو سمع لهم خطبةً، أو تصنيفاً، أو حضر معهم وأفاد منهم
فائدة، حتی ولو کانوا من أقرانه أو تلامذته.
وقد جمع الحافظ رحمه الله مَشْيختَه في مصنف مُفرَد، سمّاه «المَجمَع المُؤسِّس
للمعجم المُفهرِس))، وقد أبلغ فيه عددَ شيوخه إلى ثلاثين وسبع مئة شيخ، ذكر في
تراجمهم ما أفاده من كلٌّ منهم، وطريق تَلقّيه عنه، مع ضبطه لما يُشكِل ويَشتبِهِ من
أسمائهم وأنسابهم.
وقد بيّن الحافظُ خُطَّته في ترتيب فهرسته هذه في مقدمتها، وأنه قسم شيوخه إلى
قسمین:
القسم الأول: من حمل عنهم على طريق الرواية، يعني شيوخ الرواية الذين أخذ

١٩
مقدمة التحقيق
عنهم رواية أجزاء الحديث أو اللغة أو الشعر، أو غيرها من العلوم التي كانت تُتَلقّى
بطريق الرواية بالإسناد إلى أربابها ومصنفيها.
والقسم الثاني: وهم الذين أخذ عنهم شيئاً على طريق الدراية، كشيوخه الذين تلقی
عنهم علوم القرآن والحديث والتفسير والفقه والعربية، وغيرها.
وأضاف إلى القسم الثاني من أخذَ الحافظُ عنه شيئاً في المذاكرة من الأقران ونحوهم.
فأما شيوخ الرواية فحَسْبُ من أراد معرفتَهم أن يطالع كتابه ذلك، والذي يعنينا هنا
من شيوخه أولئك الذين أخذ عنهم العلمَ، ولازمَهم، حتى اختصَّ بهم، وأكثرَ من النقلِ
عنهم، وتدوين تقريراتهم، وخصوصاً في شرحه على البخاري، ومن أبرز هؤلاء:
١- الإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين،
العراقي، الكُردي، ولد في منشأة المهراني بالقرب من القاهرة، سنة خمس وعشرين
وسبع مئة، ونشأ في القاهرة، وكان من الأئمة البارعين الجامعين بين علوم عدة، أبرزُها
علما الحديث والفقه.
وكان قد تلقى علمَ الحديث عن علاء الدين التُّرْكُماني، وتقي الدين السُّبْكي، وابنِ
عبد الهادي، وابن شاهِد الجيش، وغيرهم، وغلبَ عليه هذا العلمُ، حتى قال عنه
الحافظ: تقدَّم في فنِّ الحديث بحيث كان شيوخ العصر يُبالغون في الثناء عليه بالمعرفة،
كتقي الدين السبكي، وصلاح الدين العلائي، وعز الدين بن جَمَاعة، وعماد الدين بن
كثير، وغيرهم، وحُبِّب إليه هذا الفنُّ حتى غلب عليه، وتَوغَّل فيه حتى صار لا يُعرَف
إلا به، وانصرفَتْ أوقاتُه إليه.
وله تصانيف حسنة، منها: ((تخريج أحاديث إحياء علوم الدين))، وله ((تكملة شرح
الترمذي)) الذي ابتدأه ابنُ سيّد الناس، وابتدأ كتاب ((طرح التثريب شرح التقريب))،
وأكمله ابنُهُ ولِيُّ الدين أبو زُرْعة.

٢٠
مقدمة التحقيق
وله نظم رائق في علوم عدة، منها ألفية الحديث، وعمل لها شرحاً، ونكَّت عليها
نُكَتاً سماها ((التقييد والإيضاح))، ونظم ((منهاج البيضاوي))، ونظم ((الاقتراح)) لابن
دقيق العيد، ونظم ألفيةً في السيرة النبوية، ونظم غريب القرآن.
وتلقى علم الفقه عن عماد الدين البُلْبَيسيّ، وحفظ ((التنبيه في الفقه)) لأبي إسحاق
الشّيرازي، وحفظ نصف ((الحاوي الصغير)) لنجم الدين القَزْوِيني.
وقد لازمه الحافظُ من سنة ست وتسعين وسبع مئة إلى سنة خمس وثمان مئة، وانتفع
به في علم الحديث كثيراً، ثم أذن له في تدريسه وإقرائه، كما قدَّمْنا، وقد نقل السَّخاويُّ(١)
نَصَّ إذن العراقي له في ذلك، يقول: أَجزْتُ له أن يَروي ذلك عني، ويقرأ ((الألفية))
و((الشرح)) عليها، و((النُّكَت)) المذكورة، ويُفِيدَها لمن أراد، ويُقرئ كتب الحديث وعلوم
الحديث، وأذِنْتُ له أن يَروِيَ ذلك، ويُلِقِيَ بذلك الدُّرُوس الحديثيّة، ويرويَ عني جميعَ
مُؤْلَّفاتي ومَرْ ويَّاتي.
توفي رحمه الله تعالى سنة ست وثمان مئة (٢).
٢- الإمام عمر بن رَسْلان بن نصير، أبو حفص، سراج الدين، الكِناني، البُلِقِيني
- نسبةً إلى بُلِقِينَ قرية في مصر بالغربية من أعمال المحلَّة الكبرى - وصفه الحافظُ بقوله:
شيخ الإسلام، عَلَم الأعلام، مفتي الأنام. وإذا أطلق الحافظ الوصفَ في شرح
البخاري بقوله: قال شيخنا شيخ الإسلام، فإنه يقصدُه، ولد سنة أربع وعشرين وسبع
مئة، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ ((المحرَّر في الفقه)) الرافعي، و((الكافية))
لابن مالك، و((مختصر ابن الحاجب))، و((الشاطبية)).
سمع الحديث من جماعة من مشایخ عصره، کمحمد بن غالي، وأحمد بن کشتغدي،
(١) في ((الجواهر والدرر)) ١/ ٢٧١.
(٢) ((المعجم المفهرس)) للحافظ، الترجمة (١٣٨)، و((إنباء الغمر بأبناء العمر)) له أيضاً ٢٧٥/٢ -٢٧٩،
و((لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ)) لتقي الدين بن فهد المكي ص ٢٢٠.