Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ باب ٣٠ / ح ٢٦٨٧ -٢٦٨٨ كتاب الشهادات ٢٦٨٧- حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني خارجةُ بنُ زيدٍ الأنصاريُّ: أنَّ أُمَّ العَلاءِ - امرأةً من نِسائهم - قد بايَعَتِ النبيَّ نَّهِ، أخبَرَتْه: أنَّ عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ طارَ له سَهْمُه في السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتِ الأنصارُ سُكْنَى المهاجِرِينَ، قالت أُمُّ العَلَاءِ: فسَكَنَ عندَنا عثمانُ بنُ مَظْعُونٍ، فاشتكَى فمَرَّضْناه، حتَّى إذا تُوفِّيَ وجَعَلْناه في ثيابه دَخَلَ علینا رسولُ الله ◌َّهِ، فقلتُ: رَحْمةُ الله عليكَ أبا السائبِ، فشهادتي عليكَ لقد أكرَمَكَ الله، فقال لي النبيُّ ◌َّ: ((وما يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ أكرَمَه؟)) فقلتُ: لا أدري بَأبي أنتَ وأُمّي يا رسولَ الله! فقال رسولُ اللهِ وَله: ((أمَّا عثمانُ فقد جاءَه والله اليَقِينُ، وإنّي لَأرجو له الخيرَ، والله ما أدري وأنا رسولُ الله ما يُفْعَلُ به)) قالت: فوالله لا أُزَكّي أحداً بعدَه أبداً، وأحزَنَني ذلك، قالت: فِنِمْتُ فَأُرِيتُ لعثمانَ عَيناً تَجْرِي، فجِئْتُ إلى رسولِ الله ◌َِّ فأخبَرَتُه فقال: ((ذلك عَمَلُه)). وقد تقدَّم الكلام عليه في أوائل الجنائز (١٢٤٣)، ويأتي في الهجرة (٣٩٢٩) شيء من ترجمة أُمّ العَلاء المذكورة وعثمان بن مَظعُون، إن شاء الله تعالى. والغَرَض منه قولها فيه: ((إنَّ عثمان بن مظعون طارَ له سَهمُه في/ السُّکنی))، ومعنی ٢٩٥/٥ ذلك أنَّ المهاجرينَ لمَّا دَخَلوا المدينة لم يكن لهم مَساكن، فاقتَرَعَ الأنصار في إنزالهم، فصار عثمان بن مظعون لآلٍ أُمّ العَلاء فنزلَ فيهم. الثاني: حديث عائشة: ((كان رسول الله وَ ل﴿ إذا أراد سفراً أقرَعَ بين نِسائه)). ٢٦٨٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ الله وَ﴿ إذا أرادَ سَفَراً أقرَعَ بين نِسائِه، فأَيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بها معه، وكان يَقْسِمُ لكلِّ امرأةٍ منهنَّ يومَها وليلَتَها، غيرَ أنَّ سَوْدةً بنتَ زَمْعةَ وهَبَت يَومَها ولَيلَتَها لعائشةَ زوجِ النبيِّوَّهِ، تَبْتَغي بذلك رِضا رسولِ الله آل﴾. وهو طَرَف من أوَّل حديث الإفك، وباقيه يَتعلَّق بالقَسْم، وقد تقدَّم في باب هِبَة المرأة لغير زوجها (٢٥٩٣)، وسَبَقَت الإشارة إلى محلّ شرحه هناك. الثالث: حديث أبي هريرة: «لو يعلم الناس ما في النِّداء والصَّفّ الأوَّل ثمَّ لم يَجِدوا إلَّا ٣٨٢ باب ٣٠ / ح ٢٦٨٦ - ٢٦٨٩ فتح الباري بشرح البخاري أن يَستَهموا عليه لاستَهَموا». ٢٦٨٩ - حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن سُميٍّ مَوْلَى أبي بكرٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ عَه: أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: «لو يَعْلَمُ النّاسُ ما في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأوَّلِ ثمَّ لم يَجِدُوا إِلَّا أن يَسْتَهِمُوا عليه لاستَهَمُوا، ولو يَعْلَمونَ ما في التَّهِيرِ لاستَبَقُوا إليه، ولو يَعْلَمونَ ما في العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأَنَوْهما ولو حَبْواً». وقد تقدَّم مشروحاً في أبواب الأذان من كتاب الصلاة (٦١٥)، والغَرَض منه مشروعية القُرْعة لأنَّ المراد بالاستهام هنا الإقراع وقد تقدَّم بيانه هناك. الرابع: حديث النعمان بن بشير. ٢٦٨٦- حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني الشَّعْبِيُّ، أنَّه سمعَ النُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما يقول: قال النبيُّ وَّ: ((مَثَلُ المُدْهِنِ في حُدُودِ الله والواقِعِ فيها، مَثَلُ قومِ استَهَمُوا سَفِينَةً، فصارَ بعضُهم في أسفَلِها وصارَ بعضُهم في أعلاها، فكان الَّذينَ في أسفَلِها يَمُرُّونَ بالماءِ على الذينَ في أعلاها، فتَأَذَّوْا به، فأخَذَ فأساً فجَعَلَ يَنْقُرُ أسْفَلَ السَّفِينِةِ، فَأَتَوْه فقالوا: ما لكَ؟ قال: تَأْذَّيْتُم بي، ولا بُدَّلِي مِن الماءِ، فإن أخَذُوا على يَدَيِهِ أَنْجَوْه ونَجَّوْا أنْفُسَهم، وإن تَرَكُوه أهلَكُوه وأهلَكُوا أَنفُسَهم)). قوله: ((مَثَل المُدهِن)) بضمٍّ أوَّله وسكون المهمَلة وكسر الهاء بعدها نون، أي: المُحابي بالمهمَلة والموخَّدة، والمُدْهِن والمُداهن واحد، والمراد به مَن يُرائي ويُضيِّع الحقوق ولا يُغيِّرِّ المنكر. قوله: ((والواقع فيها)) كذا وقع هنا، وقد تقدَّم في الشَّرِكة (٢٤٩٣) من وجه آخر عن عامر - وهو الشَّعبي -: ((مَثَل القائم على حدود الله والواقع فيها)) وهو أصوَب لأنَّ المدهِن والواقع - أي: مُرتَكِيها - في الحكم واحد، والقائم مُقابله. ووقع عند الإسماعيلي في الشَّرِكة: ((مَثَل القائم على حدود الله والواقع فيها والمدهِنِ فيها))(١)، وهذا يَشمَلِ الفِرَق (١) قوله: ((والمدهن فيها)) من الأصلين، وسقط من (س)، والسياق بعده يقتضيه. ٣٨٣ باب ٣٠ / ح ٢٦٨٦ كتاب الشهادات الثلاث: وهو الناهي عن المعصية، والواقع فيها، والمرائي في ذلك، ووقع عند الإسماعيلي أيضاً هنا: ((مَثَل الواقع في حدود الله تعالى والناهي عنها)) وهو المطابق للمَثَلِ المضروب، فإنَّه لم يقع فيه إلَّا ذِكر فِرِقَتين فقط، لكن إذا كان المداهن مُشتَرِكاً في الذَّمّ مع الواقع صارا بِمَنْزِلة فِرقة واحدة، وبيانُ وجود الفِرَق الثلاث في المثَل المضروب: أنَّ الذين أرادوا خَرْقَ السَّفينة بمَنزِلة الواقع في حدود الله، ثمَّ مَن عَداهم إمَّا مُنكِر وهو القائم، وإمَّا ساكت وهو المُدْهِن. وَمَلَ ابن التِّين قوله هنا: ((الواقع فيها» على أنَّ المراد به القائمُ فيها، واستَشهَدَ بقوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، أي: قامت القيامة، ولا يخفى ما فيه، وكأنَّه غَفَلَ عمَّا وقع في الشَّرِكة من مُقَابَلة الواقع بالقائم، وقد رواه التِّرمِذي (٢١٧٣) من طريق أبي معاوية عن الأعمَش بلفظ: ((مَثَل القائم على حدود الله والمدهِن فيها)) وهو مُستَقیم. وقال الكِرْماني: قال في الشَّرِكة: ((مَثَل القائم)) وهنا: ((مَثَل المُدْهِن)) وهما نقيضان، فإِنَّ القائم هو الآمِرِ بالمعروف، والمدهِن: هو التارك له، ثمَّ أجابَ بأنَّه حيثُ قال: ((القائم)) نظرَ إلى جِهَة النَّجاة، وحيثُ قال: ((الُدْهِن)) نظرَ إلى جِهَة الهلاك، ولا شكَّ أنَّ التَّشبيه مُستَقيم على الحالَين. قلت: كيف يَستَقيم هنا الاقتصار على ذِكر المدهِن: وهو التارك للأمر بالمعروف، وعلى ذِكر الواقع في الحدّ: وهو العاصي، وكلاهما هالكٌ، فالذي يَظهَر أنَّ الصواب ما تقدَّم. والحاصل أنَّ بعض الزُّواة ذكر المدهِن والقائم، وبعضهم ذكر الواقع والقائم، وبعضهم جَمَعَ الثلاثة، وأمَّا الجمع بين المدهِن والواقع دون القائم فلا يَستَقیم. قوله: ((اسْتَهَموا سَفينة)) أي: اقتَرَعوها، فأخَذَ كلّ واحد منهم سهماً، أي: نصيباً من السّفينة بالقُرْعة بأن تكون مُشتَرَكة بينهم، إمَّا بالإجارة وإِمَّا بالمِلك، وإنَّمَا تَقَع القُرْعة بعد التَّعديل، ثمَّ يقع التَّشاحٌ في الأنصِبة، فَتَقَع القُرْعة لفصلِ النِّزاع كما تقدَّم. ٣٨٤ باب ٣٠ / ح ٢٦٨٦ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن التِّين: وإنَّما يقع ذلك في السَّفينة ونحوها فيما إذا نزلوها معاً، أمَّا لو سبق بعضهم بعضاً فالسَّابق أحقّ بموضعِه. قلت: وهذا فيما إذا كانت مُسَبَّلة مثلاً، أمَّا لو كانت مملوكة لهم مثلاً فالقُرْعة مشروعة إذا تَنازَعوا، والله أعلم. قوله: ((فتَأَذَّوْا به)) أي: بالمارِّ عليهم بالماءِ حالةَ السَّقي. قوله: ((فأخَذَ فأساً)) بهمزةٍ ساكنة، معروف ويُؤَنَّث. قوله: ((يَنْقُر) بفتح أوَّله وسكون النّون وضَمّ القاف، أي: يَحِفِر ليَخرِقها. قوله: ((فإن أخَذوا على يَدَيهِ)) أي: مَنَعوه من الحفر ((أَنْجَوْه ونَجَّوْا أنفُسهم)) هو تفسير ٢٩٦/٥ للرِّواية الماضية في الشَّرِكة حيثُ قال: / ((نَجَوْا ونَجَّوْا))، أي: كلٍّ من الآخِذِينَ والمأخوذينَ، وهكذا إقامة الحدود يَحَصُل بها النَّجاة لمن أقامها وأُقيمت عليه، وإلّا هلَكَ العاصي بالمعصیة والسَّاکت بالِّضا بها. قال المهلَّب وغيره: في هذا الحديث تَعذيب العامَّة بذَنْبِ الخاصَّة، وفيه نظر لأنَّ التَّعذيب المذكور إذا وقع في الدنيا على مَن لا يَستَحِقّه، فإنَّه يُكَفِّر من ذُنوب من وقع به أو يَرفَع من دَرجَته. وفيه استحقاق العقوبة بتَركِ الأمر بالمعروف، وتَبيين العالم الحكم بضربِ المثَل، ووجوب الصَّبر على أذى الجار إذا خَشِيَ وُقوعَ ما هو أشدُّ ضَرَراً، وأنَّه ليس لصاحبٍ السُّفْلِ أن يُحدِث على صاحب العُلْو ما يَضُرّ به، وأنَّه إن أحدَثَ عليه ضَرَراً لَزِمَه إصلاحُه، وأنَّ لصاحبِ العُلْو مَنْعَهُ من الضَّرَر. وفيه جواز قِسمة العَقار المتفاوت بالقُرْعة وإن كان فيه عُلْو وسُفْل. تنبيه: وقع حديث النُّعمان هذا في بعض النُّسَخِ مُقدَّماً على حديث أُمّ العَلاء، وفي رواية أبي ذرِ وطائفة كما أوردته. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الشَّهادات وما أَتَّصَلَ به من القُرْعة وغير ذلك من الأحاديث المرفوعة على ستَّة وسبعينَ حديثاً، المعَلَّق منها أحد عشر حديثاً والبقية موصولة، المكرَّر ٣٨٥ كتاب الشهادات منها فيه وفيما مضى ثمانية وأربعون حديثاً، والخالص ثمانية وعشرونَ، وافقَه مسلم على تخريجها سوى خمسة أحاديث، وهي حديث عمر: ((كان الناس يُؤخَذون بالوحيٍ))، وحديث عبد الله بن الزُّبَير في قِصَّة الإفك، وحديث القاسم بن محمد فيه وهو مُرسَل، وحديث أبي هريرة في الاستهام في اليمين، وحديث ابن عبّاس في الإنكار على مَن يأخُذ عن أهل الكتاب. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ثلاثة وسبعون أثراً. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٨٧ باب ١ كتاب الصلح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الصُّلح ٢٩٨/٥ ١ - باب ما جاء في الإصلاح بين الناس وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، وخُرُوجِ الإِمامِ إلى المواضِعِ لُيُصْلِحَ بين النّاسِ بأصحابِهِ. قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الصُّلْح)) كذا للَّسَفي والأَصِيلي وأبي الوَقْت، ولغيرهم: ((باب))، وفي نُسخَة الصَّغَاني: ((أبواب الصُّلح. باب ما جاء))، وحُذِف هذا كلّه في رواية أبي ذرِّ، واقتَصَرَ على قوله: ((ما جاء في الإصلاح بين الناس)) وزاد عن الكُشْمِيهني: إذا تَفاسدوا. والصُّلح أقسام: صُلْح المسلم مع الكافر، والصُّلح بين الَّوجَين، والصُّلح بين الفِئة الباغية والعادلة، والصُّلح بين المتغاضبَينِ كالزَّوجَين، والصُّلح في الجِراح كالعفوِ على مال، والصُّلح لقَطْع الخصومة إذا وقعت المزاحمة، إمَّا في الأملاك أو في المشتَرَكات كالشَّوارع، وهذا الأخير هو الذي يَتَكَلَّم فيه أصحاب الفروع، وأمَّا المصنِّف فتَرجَمَ هنا لأکثرها. قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ إلى آخر الآية)) التَّقدير: إلَّا نَجْوى مَن أمر ... إلى آخِرِه، فإنَّ في ذلك الخير، ويحتمل أن يكون الاستثناء مُنقَطِعاً، أي: لكن مَن أمَرَ بصدقةٍ ... إلى آخِرِه، فإنَّ في نَجْواه الخيرَ، وهو ظاهر في فضل الإصلاح. قوله: ((وخروج الإمام)) إلى آخر بقية التَّرجمة. ٣٨٨ باب ١ / ح ٢٦٩٠ - ٢٦٩١ فتح الباري بشرح البخاري ثُمَّ أوردَ المصنِّفُ حدیثین: أحدهما: حديث سهل بن سعد في ذَهابه ◌ِّهِ إلى الإصلاح بين بني عَمْرو بن عوف. ٢٦٩٠ - حذَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غسَّانَ، قال: حدَّثني أبو حازمِ، عن سَهْلِ ابنِ سعدٍ ﴾: أنَّ أَنَاساً من بني عَمْرِو بنِ عَوْفٍ كان بينهم شيءٌ، فخَرَجَ إليهم النبيُّ وَّ في أُناسٍ من أصحابه يُصْلِحُ بينهم، فحَضَرَتِ الصَّلاةُ ولم يأتِ النبيُّ ◌ََّ، فَأَذَّنَ بلالٌ بالصَّلاةِ، ولم يَأْتِ النبيُّ ◌َّهِ، فجاء إلى أبي بكرٍ فقال: إنَّ النبيَّبَهُ حُبِسَ وقد حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَهَل لكَ أن تَؤُمَّ النّاسَ؟ فقال: نعم إن شِئْتَ، فأقامَ الصَّلاةَ فَتَقَدَّمَ أبو بكرٍ، ثمَّ جاء النبيُّ ◌َهِ يَمْشي في الصُّفُوفِ، حتَّى قامَ في الصَّفِّ الأوَّلِ، فأخَذَ النّاسُ بالتَّصْفيح حتَّى أَكثَرُوا، وكان أبو بكرٍ لا يَكَادُ يَلْتَفِتُ فِي الصَّلاةِ، فَالَفَتَ فإذا هو بالنبيِّ وَِّ وراءَه، فأشارَ إليه بَيَدِهِ، فأمَرَه يُصلّي كما هو، فَرَفَعَ أبو بكرٍ يَدَه فَحَمِدَ اللهَ، ثمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وراءَه حتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّم النبيُّ ◌َد. فصَلَّى بالنّاسِ، فلمَّا فَرَغَ أقبَلَ على النّاسِ، فقال: ((يا أيُّها النّاسُ، إذا نامگُم شيءٌ في صلائِكُم أَخَذْتُم بالتَّصْفيحِ! إِنَّا التَّصْفِيحُ للنِّساءِ، مَن نابَه شيءٌ في صلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سبحانَ الله، فإِنَّه لا يَسْمَعُه أحدٌ إلا التَفَتَ، يا أبا بكرٍ، ما مَنَعَكَ حينَ أشَرْتُ إليكَ لم تُصَلِّ بالنّاسِ؟» فقال: ما كان ينبغي لابنِ أبي فُحَافَةَ أن يُصلِّ بين يَدَىِ النبيِّ ◌َّ. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الإمامة (٦٨٤)، وهو ظاهر فیما تَرجم له. ثانيهما: حديث أنس في المعنى. ٢٦٩١ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، قال: سمعتُ أبي، أنَّ أنساً عنه، قال: قِيلَ للنبيِّ وَلُ لو أتيتَ عبد الله بنَ أَبَيٍّ، فانطَلَقَ إليه النبيُّ وَّهِ وَرَكِبَ حماراً، فانطَلَقَ المسلمونَ يَمْشُونَ معه وهي أرضٌ سَبِخةٌ، فلمَّا أناه النبيُّ وَّ﴿ فقال: إليكَ عنِّي! والله لقد آذاني نَتْنُ حماركَ، فقال رجلٌ مِن الأنصار منهم: والله لحمارُ رسولِ الله ◌ِ ◌ّرَ أَطِيَبُ رِيحاً منكَ، فَغَضِبَ لعبدِ الله رجلٌ من قَومِه، فشَتَمَا فغَضِبَ لكلِّ واحدٍ منهما أصحابُه، فكان بينهما ضَرْبٌ بالجَرِيد والأيدي والنِّعال، فَبَلَغَنا أنَّهَا أُنزِلَتْ: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. ٣٨٩ باب ١ / ح ٢٦٩١ كتاب الصلح قوله: ((حدَّثْنا مُعتَمِر)) هو ابن سليمان التَّيْمي، والإسناد كلّه بصريون. ووقع في نُسخَة الصَّغاني في آخر الحديث ما نصُّه: قال أبو عبد الله - وهو المصنّف -: هذا ممّ انتَخَبتُه من حديث مُسدَّد قبل أن يجلس ويُحدِّث. قوله: ((أنَّ أنساً قال)) كذا في جميع الرِّوايات ليس فيه تصريحٌ بتحديث أنس لسليمانَ التَّيْميِّ، وأعلَّه الإسماعيلي بأنَّ سليمان لم يَسمعْه من أنس، واعتَمَدَ على رواية المُقدَّمي عن مُعتَمِر عن أبيه: أنَّ بَلَغَه عن أنس بن مالك. قوله: ((قيل للنبي وَّ)) لم أقف على اسم القائل. قوله: ((لو أتيت عبدَ الله بن أُبَّيّ)) أي: ابن سلول الخَزْرَجي المشهور بالنِّفاق. قوله: ((وهي أرض سَبِخَة)) بفتح المهمَلة وكسر الموخَّدة بعدها مُعجَمة، أي: ذات سِباخ: وهي الأرض التي لا تُنبِت، وكانت تِلكَ صِفة الأرض التي مَرَّ بها وَّ إذ ذاكَ، وذكر ذلك للتَّوطِئة لقولٍ عبد الله بن أُبَيّ إذ تأذّى بالغُبار. قوله ((فقال رجل من الأنصار منهم ... )) إلى آخره، لم أقف على اسمه أيضاً؛ وزَعَمَ بعض الشّرّاح أنَّه عبد الله بن رواحة، ورأيت بخَطِّ القُطب أنَّ السَّابق إلى ذلك الدِّمياطي ولم يَذْكُر مُستَنَده في ذلك، فَتَّعت ذلك فَوَجَدت حديث أُسامة بن زيد الآتي في تفسير آل عِمران (٤٥٦٦) بنحوِ قِصَّة أنس، وفيه أنَّه وقعت بين عبد الله بن رواحة وبين عبد الله بن أُبَيّ مُراجَعة، لكنَّها في غير ما يَتَعلَّق بالذي ذُكِرَ هنا، فإن كانت القِصَّة مُتَّحِدة احتملَ ذلك، لكن سياقها ظاهر في المغايرة؛ لأَنَّ في حديث أُسامة أنَّه ◌َلِّ أراد عيادة سعد بن عُبادةَ فمَرَّ بعبدِ الله بن أُبَيّ، وفي حديث أنس هذا أنَّه وَلِّ دُعيَ إلى إتيان عبد الله بن أُبَيّ، ويحتمل اتّحادهما بأنَّ الباعِث على تَوَجُّهه العيادةُ، فاتَّفَقَ مرورُه بعبدِ الله بن أُبَيّ فقيل له حينئذٍ: لو أتيته فأتاه، ويدلُّ على اتّحادهما أنَّ في حديث أُسامة: فلمَّا غَشِيَتِ المجلِسَ عَجاجةُ الدّابَّة حَمَّرَ عبد الله بن أُبَيّ أنفَه برِدائه. قوله: ((فَغَضِبَ لعبدِ الله)) أي: ابن أُبَيّ ((رجلٌ من قومه)) لم أقف على اسمه. ٣٩٠ باب ١ / ح ٢٦٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فشَتَما)) كذا للأكثر، أي: شَتَمَ كلّ واحد منهما الآخر، وفي رواية الكُشْمِيهني: (فشَتَمَه)). قوله: (ضَرْبٌ بالجَريدِ)) كذا للأكثر بالجيمِ والراء، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((بالحديد)) بالمهمَلة والدّال، والأوَّل أصوَب. ووقع في حديث أُسامة: فلم يَزَل النبي ◌َِّ يُخْفِّصُهم حتَّى سَکَتوا. قوله: ((فَبَلَغَنا)) القائل ذلك هو أنس بن مالك، بَيِّنَه الإسماعيلي في روايته المذكورة من طريق المُقَدَّمي فقال في آخره: ((قال أنس: فَأَنْبِئت أنَّها نزلَت فيهم))، ولم أقف على اسم الذي أنبأ أنساً بذلك، ولم يقع ذلك في حديث أُسامة بل في آخره: ((وكان النبي ◌َّل ٢٩٩/٥ وأصحابه يَعفُون عن / المشركينَ وأهل الكتاب كما أمَرَهم الله، ويَصبِرون على الأذى)) إلى آخر الحدیث. وقد استَشكَلَ ابن بَطَّال نزول الآية المذكورة وهي قوله: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ في هذه القِصَّة؛ لأَنَّ المخاصمة وقعت بين مَن كان مع النبي ◌َّ من أصحابه وبين أصحاب عبد الله بن أُبَيّ، وكانوا إذ ذاكَ كُفّاراً، فكيف يَنزِل فيهم: ﴿طَيِفَانِ مِنَ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا سيّما إن كانت قِصَّة أنس وأُسامة مُتَّحِدة، فإنَّ في رواية أُسامة: فاستَبَّ المسلمون والمشركونَ. قلت: يُمكِن أن يُحِمَل على التَّغليب، مع أنَّ فيها إشكالاً من جِهَة أُخرى، وهي أنَّ حديث أُسامة صريح في أنَّ ذلك كان قبل وقعة بدر وقبل أن يُسلِم عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه، والآية المذكورة في الحُجُرات ونزولها مُتأخّر جِدّاً وهو وقت مجيء الوُفود، لكنَّه يحتمل أن تكون آية الإصلاح نزلَت قديماً فيَندَفِع الإشكال. تنبيه: القِصَّة التي في حديث أنس مُغايرة للقِصَّة التي في حديث سهل بن سعد الذي قبله؛ لأَنَّ قِصَّة سهل في بني عَمْرو بن عوف، وهم من الأوس وكانت مَنازِلهم بقُباء، وقِصَّة أنس في رَهط عبد الله بن أُبَيّ وسَعد بن عُبادةَ، وهم من الخَزْرَج وكانت مَنازِلهم بالعالية، ولم أقف على سبب المخاصَمة بين بني عَمْرو بن عوف في حديث سهل، والله أعلم. ٣٩١ باب ٢ / ح ٢٦٩٢ كتاب الصلح وفي الحديث بيان ما كان النبيُّ ◌َِّ عليه من الصَّفْح والحِلْم والصَّبر على الأذى في الله، والدُّعاء إلى الله وتأليف القلوب على ذلك. وفيه أنَّ رُكوب الحمار لا نَقْصَ فيه على الكبار. وفيه ما كان الصحابة عليه من تعظيم رسول الله وَله والأدب معه والمحَبَّة الشَّديدة، وأنَّ الذي يشير على الكبير بشيءٍ يُورِده بصورة العَرْض عليه لا الجَزْم. وفيه جواز المبالَغَة في المدح؛ لأَنَّ الصحابي أطلقَ أنَّ ريح الحمار أطيب من ريح عبد الله ابن أُبَيّ، وأقرّه النبيُّ ◌َّ على ذلك. ٢- باب لیس الكاذب الذي يُصلح بين الناس ٢٦٩٢- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، أَنَّ مُميدَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ، أخبَرَه، أنَّ أُمَّه أُمَّ كُلْثُوم بنتَ عُقْبَةَ أخبَرَتْه، أنَّها سمعَت رسولَ الله ◌َّ يقول: ((ليسَ الكَذّابُ الَّذي يُصْلِحُ بين النّاسِ فِيَنْمي خيراً) أو ((يقولُ خيراً). قوله: ((باب ليس الكاذب الذي يُصْلِحِ بين النّاس)) تَرجَمَ بلفظ: ((الكاذب)» وساق الحديث بلفظ: ((الكذّاب))، واللَّفظ الذي تَرجَمَ به لفظ مَعمَر عن ابن شِهَاب وهو عند مسلم(١)، وكان حقّ السّياق أن يقول: ليس مَن يُصلِح بين الناس كاذباً، لكنَّه وَرَدَ على طريق القلب وهو سائغ. قوله: ((عن صالح)) هو ابن كَيْسان، والإسناد كلّه مدنُّونَ، وفيه ثلاثة من التابعين في نَسَق، وأُمّ كُلثوم بنت عُقْبةَ، أي: ابن أبي مُعَيطِ الأُمَوية. قوله: ((فَيَنْمي)) بفتح أوَّله وكسر الميم، أي: يُبلِّغ، تقول: نَمَيتُ الحديث أَنِيهِ: إذا بلَّغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلَّغته على وجه الإفساد والنَّميمة قلت: نَمَّته بالتَّشديد، (١) برقم (٢٦٠٥) لكن لم يسق لفظه، وساقه بلفظ ((الكاذب)) من رواية معمرٍ أبو داود (٤٩٢٠)، والترمذي (١٩٣٨). ٣٩٢ باب ٢ / ح ٢٦٩٢ فتح الباري بشرح البخاري كذا قاله الجمهور، وادَّعى الحربي أنَّه لا يقال إلَّا نَمَّيته بالتَّشديد، قال: ولو كان يَنمي بالتَّخفيفِ لَلَزِمَ أن يقول: خيرٌ، بالرفع، وتَعَقَّبَه ابن الأثير بأنَّ ((خيراً)) انتَصَبَ بـ(يَنِمِي)) كما يَنْتَصِب بقالَ، وهو واضح جدّاً يُستَغرَب من خَفاءِ مثله على الحربي. ووقع في رواية ((الموطَّأ)(١): يُنْمي، بضمٍّ أوَّله، وحَكَى ابن قُرقول عن رواية ابن الدَّبَّاغ بضمٍّ أوَّله وبالهاءِ بدل الميم، قال: وهو تصحيف، ويُمكِن تخريجه على معنى: يُوصِل، تقول: أنهيت إليه كذا: إذا أو صَلتَه. قوله: ((أو يقول خيراً) هو شكّ من الراوي، قال العلماء: المراد هنا أنَّه يُحْبِرِ بما عَلِمَه من ٣٠٠/٥ الخير / ويَسكُت عمَّا عَلِمَه من الشّ ولا يكون ذلك كذِباً لأنَّ الكذِب الإخبارُ بالشيءٍ على خلاف ما هو به، وهذا ساكت، ولا يُنسَب لساكتٍ قولٌ. ولا حُجَّة فيه لمن قال: يُشتَرَط في الكذِب القَصدُ إليه لأنَّ هذا ساكت. وما زاده مسلم (٢٦٠٥) والنَّسائي (٨٥٨٨) من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه في آخره: ((ولم أسمَعه يُرَخّص في شيء مما يقول الناس: إنَّه كذِب إلَّا في ثلاث)) فذكرها، وهي الحرب، وحديث الرجل لامرأته، والإصلاح بين الناس، وأورَدَ النَّسائي أيضاً (ك ٩٠٧٤) هذه الزِّيادة من طريق الزُّبَيدي عن ابن شِهَاب، وهذه الزِّيادة مُدرَجَة، بَيَّنَ ذلك مسلم في روايته (٢٦٠٥) من طريق يونس عن الزهري، فذكر الحديث، قال: وقال الزُّهري. وكذا أخرجها النسائي (ك ٩٠٧٦) مُفرَدة من رواية يونس وقال: يونس أثبَتُ في الزُّهري من غيره، وجَزَمَ موسی بن هارون وغيره بإدراجها، وروّیناه في (فوائد)) ابن أبي مَيَسَرة من طريق عبد الوهّاب بن رُفَيع عن ابن شِهَاب، فساقه بسندِه مُقْتَصِراً على الزِّيادة وهو وهمٌ شدید. (١) ليس هذا في شيء من الروايات المطبوعة من ((الموطأ))، وأشار إليه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٤٩/١٦، و ((الاستذكار)) ٥٧٣/٨ فقال: رواه الليث بن سعد عن يحيى بن أيوب عن مالك بن أنس عن الزهري عن حميد عن أمه أم كلثوم، فذكره. ٣٩٣ باب ٣ / ح ٢٦٩٣ كتاب الصلح قال الطَّبَري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقَصدِ الإصلاح وقالوا: إنَّ الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذِب المذموم إنَّما هو فيما فيه مَضَرَّة، أو ما ليس فيه مَصلَحة. وقال آخرونَ: لا يجوز الكذِب في شيء مُطلَقاً، وحَمَلوا الكذِب المراد هنا على التَّورية والتَّعريض، كمَن يقول للظّالمِ: دَعَوت لك أمس، وهو يريد قوله: اللهمَّ اغْفِرِ للمسلمينَ. ويَعِدُ امرأته بعَطيّة شيءٍ ويريد إن قَدَّرَ الله ذلك، وأن يُظهِر من نفسه قوَّة. قلت: وبالأوَّلِ جَزَمَ الخطَّابي وغيره، وبالثاني جَزَمَ المهلَّب والأَصِيلي وغيرهما، وسيأتي في ((باب الكذب في الحرب)) (٣٠٣١) في أواخر الجهاد مَزيد لهذا إن شاء الله تعالى. واتَّفَقوا على أنَّ المراد بالكذِبِ في حقّ المرأة والرجل إنَّما هو فيما لا يُسقِط حقّاً عليه أو عليها أو أَخْذُ ما ليس له أو لها، وكذا في الحرب في غير التَّأمين. واتَّفَقوا على جواز الكذِب عند الاضطِرار، كما لو قَصَدَ ظالمٌ قَتْلَ رجلٍ وهو مُتَفٍ عنده، فلَه أن يَنفيَ كَونه عنده ويَحَلِف على ذلك ولا يأثم، والله أعلم. ٣- باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نُصلح ٢٦٩٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأَوَيسِيُّ وإسحاقُ بنُ محمَّدِ الفَرْوِيُّ، قالا: حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، عن أبي حازمٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ ﴾: أنَّ أهلَ قُبَاءٍ اقْتَلُوا، حتَّى تَرامَوْا بالحِجارةِ، فَأُخبِرَ رسول الله ◌َّه بذلك، فقال: ((اذْهَبُوا بنا نُصْلِحْ بِينَهم)). قوله: ((باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نُصلِح)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث سهل بن سعد الماضي في أوائل كتاب الصُّلح (٢٦٩٠)، وهو ظاهر فیما تَرجَم له. وقوله في أوَّل الإسناد: ((حدَّثنا محمد بن عبد الله)) كذا للأكثر، ووقع في رواية النَّسَفي وأبي أحمد الجُرْجاني بإسقاطه، فصار الحديث عندهما عن البخاري عن عبد العزيز وإسحاق، و((عبد العزيز الأوَيسي)) من مشايخ البخاري، وهو الذي أخرج عنه الحديث الذي في الباب قبله، وروى عنه هذا بواسطةٍ، وكذلك إسحاق بن محمد الفَرْوي حدَّث عنه بواسطةٍ وبغير واسطة، و((محمد بن جعفر)) شيخهما هو ابن أبي كثير، والإسناد كلّه ٣٩٤ باب ٤-٥ / ح ٢٦٩٤ -٢٦٩٧ فتح الباري بشرح البخاري مدنيُّونَ. وأمَّا ((محمد بن عبد الله)) المذكور فجَزَمَ الحاكم بأنَّه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذُّهْلي، نَسَبَه إلى جَدّه، والله أعلم. ٣٠١/٥ ٤ - باب قول الله تعالى: ﴿أن يَصّالَحَا (١) بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خيٌّ﴾ ٢٦٩٤- حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةً رضي الله عنها: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ﴾ [النساء: ١٢٨] قالت: هو الرجلُ يَرَى مِنِ امرأتِه ما لا يُعْجِبُهُ كِبَرَاً أو غيرَه، فيُرِيدُ فِراقَها، فتقولُ: أمسِكْنِي واقِمْ لي ما شِئْتَ، قالت: ولا بأسَ إذا تَراضيًا. قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَن يَصّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَأْ وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾)) أورَدَ فيه حديث عائشة في تفسير الآية، وسيأتي شرحه في تفسير سورة النِّساء (٤٦٠١) إن شاء الله تعالى. ٥- باب إذا اصطلحوا على صُلح جَوْرٍ فالصُّلح مردودٌ ٢٦٩٥، ٢٦٩٦ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، حدّثنا الزُّهْريُّ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله، عن أبي هريرةَ وزيد بنِ خالدِ الجُهَنيِّ رضي الله عنهما، قالا: جاء أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ الله، اقضٍ بينَنا بكتاب الله، فقامَ خَصْمُه فقال: صَدَقَ، اقضِ بينَنا بكتاب الله، فقال الأعرابيُّ: إنَّ ابني كان عَسِيفاً على هذا فَزَنَى بامرأتِهِ، فقالوا لي: على ابنِكَ الرَّجْمُ، فقَدَيتُ ابني منه بمِئَةٍ مِن الغنمِ ووَلِيدَةٍ، ثمَّ سألتُ أهلَ العِلْمِ، فقالوا: إنَّما على ابنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وتَغْرِيبُ عام، فقال النبيُّ ◌َّ: (لَأَقْضِيَنَّ بينَكُما بكتابِ الله، أمَّا الوليدةُ والغنمُ فَرَةٌّ عليكَ، وعلى ابنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عامِ، وأمَّا أنتَ يا أُنَيَسُ - لرجلٍ - فاغْدُ على امرأةٍ هذا، فارْجُها)»، فغَدًا عليها أَنْيَسُ فَرَجَها. ٢٦٩٧ - حدَّثنا يعقوبُ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن القاسِمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله ◌َّ: ((مَن أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليسَ فيه فهو رَدِّ). (١) كذا قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير وابن عامر بفتح الياء وتشديد الصاد وفتح اللام، وقرأ الباقون: ((أن يُصْلِحا)) بضم الياء وسكون الصاد وكسر اللام. ((حجة القراءات)) ص٢١٤. ٣٩٥ باب ٥ / ح ٢٦٩٧ كتاب الصلح رواه عبدُ الله بنُ جعفرِ المَخرَمِيُّ وعبدُ الواحدِ بنُ أبي عَوْنٍ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ. قوله: ((باب إذا اصْطَلَحوا على صُلْحِ جَوْر، فالصُّلْحِ مَرْدود)) يجوز في ((صُلح جَور)) الإضافة وأن يُنَوَّن ((صلح)) ويكون ((جَور)) صِفةً له. ذَكَر فيه حديثَ أبي هريرة وزيد بن خالد في قِصَّة العَسِيف، وسيأتي شرحها مُستَوفَّى في كتاب الحدود (٦٨٢٧ و٦٨٢٨) إن شاء الله تعالى. والغَرَض منه هنا قوله في الحديث: ((الوليدة والغنم رَدٌّ عليك)) لأنَّه في معنى الصُّلح عَمَّا وَجَبَ على العَسيف من الحدّ، ولمَّا كان ذلك لا يجوز في الشَّرع كان جَوراً. قوله: ((حدَّثنا يعقوب)) كذا للأكثر غير منسوب، وانفَرَدَ ابن السَّكَن بقوله: «يعقوب بن محمد))، ووقع نَظِير هذا في المغازي في ((باب فضل مَن شَهِدَ بدراً)) (٣٩٨٨) قال البخاري: ((حدَّثنا يعقوب، حدَّثنا إبراهيم بن سعد)) فوقع عند ابن السَّكَّن: ((يعقوب بن محمد)) أي: الزّهري، وعند الأكثر غير منسوب، لكن قال أبو ذرٍّ في روايته في المغازي: يعقوب بن إبراهيم، أي: الدَّورَقي. وقد روى البخاري في الطَّهارة (( (٢١٧) عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل ابن عُليَّة حدَّثنا)) فَنَسَبَه أبو ذرٍّ في روايته فقال: ((الدَّورَقي))، وجَزَمَ الحاكم بأنَّ يعقوب المذكور هنا هو ابن محمد كما في رواية ابن السَّكَن، وجَزَمَ أبو / أحمد الحاكم وابن مَندَهْ والحَبَّال ٣٠٢/٥ وآخرون بأنَّه يعقوب بن حُميد بن كاسِب، ورَدَّ ذلك البُرقاني بأنَّ يعقوب بن ◌ُمیدٍ ليس من شرطه، وجَوَّزَ أبو مسعود أنَّه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ورُدَّ عليه بأنَّ البخاري لم يَلقَه، فإنَّه مات قبل أن يَرحَل، وأجابَ البُرقاني عنه بجوازٍ سقوط الواسطة وهو بعيد، والذي يَتْرَجَّح عندي أنَّه الدَّورَقِي حَملاً لمَا أطلقَه على ما قَيَّدَه، وهذه عادة البخاري لا يُهمِل نسبة الراوي إلَّا إذا ذكرها في مكان آخر، فيُهمِلها استغناءً بما سبقَ، والله أعلم. وقد جَزَمَ أبو عليّ الصَّدَفي بأنَّه الدَّورَقي، وكذا جَزَمَ أبو نُعيم في ((المستخرَج)) بأنَّ البخاري أخرج هذا الحديث الذي في الصُّلح عن يعقوب بن إبراهيم. قوله: ((عن أبيه)) هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ووقع منسوباً كذلك ٣٩٦ باب ٥ / ح ٢٦٩٧ فتح الباري بشرح البخاري في مسلم (١٧١٨/ ١٧) وقال في روايته: حدَّثنا أبي. قوله: ((عن القاسم)) في رواية الإسماعيلي من طريق محمد بن خالد الواسطي، عن إبراهيم ابن سعد، عن أبيه: أنَّ رجلاً من آلٍ أبي جَهل أوصى بوصايا فيها أَثْرَةٌ في ماله، فذَهَبتُ إلى القاسم بن محمد أستَشيره فقال القاسم: سمعت عائشة، فذكره. وسيأتي بيان الأثَرَة المذكورة في رواية المخرَمي المعَلَّقة عن العَلاء بن عبد الجبَّار. قوله: ((رواه عبد الله بن جعفر المَخْرَمي)) بفتح الميم وسكون المعجَمة وفتح الراء نسبة إلى المِسْوَر بن ◌َرَمَةَ، فجعفر: هو ابن عبد الرحمن بن المِسوَر بن مَرَمَةَ، وروايته هذه وَصَلَها مسلم (١٧١٨/ ١٨) من طريق أبي عامر العَقَدي، والبخاري في ((كتاب خَلق أفعال العِباد)) (٢٩)، كلاهما عنه عن سعد بن إبراهيم: سألت القاسم بن محمد عن رجل له مَساكن، فأوصى بُثُلُثِ كلّ مَسكَن منها، قال: يجمع ذلك كلّه في مَسكن واحد، فذكر المتن بلفظ: ((مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدّ» وليس لعبدِ الله بن جعفر في البخاري سوى هذا الموضع. قوله: ((وعبد الواحد بن أبي عَوْن)) وَصَلَه الدّارَ قُطني (٤٥٣٦) من طريق عبد العزيز بن محمد عنه بلفظ: ((مَن فَعَلَ أمراً ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ»، وليس لعبدِ الواحد أيضاً في البخاري سوى هذا الموضع، وقد رُوّيناه في كتاب ((السُّنَّة)) لأبي الحسين بن حامد من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الواحد وفيه قِصَّة قال: عن سعد بن إبراهيم قال: كان الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لَهَب أوصى بوَصيّةٍ، فجَعَلَ بعضَها صدقةً وبعضَها ميراثاً وخَلَطَ فيها، وأنا يومئذٍ على القضاء، فما دَرَيت كيف أقضي فيها، فصَلَّیت بجنبٍ القاسم بن محمد فسألته فقال: أجِزْ من ماله الثُّلث وصيةً، ورُدَّ سائر ذلك ميراثاً، فإنَّ عائشة حدَّثتني، فذكره بلفظ إبراهيم بن سعد. وفي هذه الرِّواية دلالة على أنَّ قوله في رواية الإسماعيلي المتقدِّمة: ((من آلِ أبي جَهل)) وهمّ، وإنَّما هو من آلٍ أبي لَهَب، وعلى أنَّ قوله في رواية مسلم: ((يجمع ذلك كلّه في مسكن ٣٩٧ باب ٥ / ح ٢٦٩٧ كتاب الصلح واحد)) هو بقية الوصية وليس هو من كلام القاسم بن محمد، لكن صَرَّحَ أبو عَوَانة في روايته (٦٤١٠) بأنَّه كلام القاسم بن محمد، وهو مُشكِل جِدّاً، فالذي أوصى بثُلُثِ كلّ مَسكّن أوصى بأمرٍ جائز اتّفاقاً، وأمَّا إلزام القاسم بأن يجمع في مسكن واحد ففيه نظر، لاحتمال أن يكون بعض المساكن أغلى قيمة من بعض، لكن يحتمل أن تكون تِلكَ المساكن مُتَساوية، فيكون الأولى أن تَقَع الوصيّة بمَسكَنٍ واحد من الثلاثة، ولعلَّه كان في الوصيّة شيء زائد على ذلك يُوجِب إنكارها كما أشارت إليه رواية أبي الحسين بن حامد، والله أعلم. وقد استَشكَل القرطبي شارح ((مسلم)) ما استَشكَلتُه، وأجابَ عنه بالحَملِ على ما إذا أراد أحد الفريقينِ الفِدية، أو المُوصى لهم القسمة وتميز حقِّه، وكانت المساكن بحيثُ يُضَمّ بعضها إلى بعض في القِسمة، فحينئذٍ تُقوَّم المساكن قيمة التَّعديل وتُقْسَم بينهم(١)، ويُجمع نصيب المُوصى لهم في موضع واحد، ويَبقى نصيب الوَرَثة فيما عدا ذلك، والله أعلم. وهذا الحديث معدود من أُصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإنَّ معناهُ: مَن اختَرَعَ في الدّين ما لا يَشهَد له أصل من أُصوله فلا يُلتَفَت إليه. قال النَّوَوي: هذا الحديث/ ممَّا ينبغي أن يُعتَنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات، ٣٠٣/٥ وإشاعة الاستدلال به كذلك. وقال الطَّرْقي: هذا الحديث يَصلُح أن يُسمَّى نصف أدلَّة الشَّرع؛ لأَنَّ الدَّليل يَتَرَّب من مُقدِّمَتَين، والمطلوب بالدَّليلِ إِمَّا إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديث مُقدِّمة كُبرى في إثبات كلّ حكم شرعي ونَفِيهِ؛ لأَنَّ مَنْطوقَه مُقدِّمة كلّية في كلِّ دليل نافٍ لحكم، مِثل أن يقال في الوضوء بماءٍ نَجِس: هذا ليس من أمر الشَّرع، وكلّ ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود. فالمقدّمة الثانية ثابتة بهذا الحديث، وإنَّما يقع النّراع في الأُولى. ومفهومُه أنَّ مَن عَمِلَ عملاً عليه أمر الشَّرع فهو صحيح، مِثل أن يقال في الوُضوء بالنِّية: هذا عليه أمر الشَّرع، وكلّ ما كان عليه أَمرُ الشَّرع فهو صحيح. فالمقدِّمة الثانية ثابتة (١) قوله: ((وتقسم بينهم)) سقط من (س). ٣٩٨ باب ٦ / ح ٢٦٩٨ - ٢٦٩٩ فتح الباري بشرح البخاري بهذا الحديث والأُولى فيها النِّزاع، فلو اتَّفَقَ أن يوجَد حديث يكون مُقدِّمة أُولى في إثبات كلّ حكم شرعي وَنفْيِهِ لاستَقَلَّ الحديثان بجميع أدلَّة الشَّرع، لكن هذا الثاني لا يوجَد، فإذاً حديث الباب نصف أدلَّة الشَّرع، والله أعلم. وقوله: (رَدٌ)) معناه: مردود، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، مثل: خَلْق ومخلوق ونَسْخ ومنسوخ، وكأنَّه قال: فهو باطل غير مُعتَدّ به، واللَّفظ الثاني وهو قوله: ((مَن عَمِلَ)) أعمّ من اللَّفظ الأوَّل وهو قوله: ((مَن أحدَثَ)) فيُحتَجّ به في إبطال جميع العقود المنهية وعَدَم وجود ثَمَراتها المرَتَّبة عليها. وفيه رَدُّ المحدثات وأنَّ النَّهيَ يقتضى الفَساد؛ لأَنَّ المنهيات كلّها ليست من أمر الدِّين فَيَجِب رَدُّها. ويُستَفاد منه أنَّ حكم الحاكم لا يُغيِّر ما في باطن الأمر لقوله: ((ليس عليه أمرنا)) والمراد به أمر الدّين، وفيه أنَّ الصُّلح الفاسد مُنتَقَض، والمأخوذ عليه مُستَحقّ الرَّدّ. ٦- بابٌ کیف یُکتب: هذا ما صالحَ فلانُ بن فلانٍ فلانَ بن فلانٍ وإن لم يَنسُبْه إلى قبيلتِهِ أو نَسَبِهِ ٢٦٩٨ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البَرَاءَ بنَ عازِبٍ رضي الله عنهما، قال: لمَّا صالَحَ رسولُ اللهِ وَّهِ أَهلَ الحُدَيسِيةِ كَتَبَ عليٌّ بن أبي طالبٍ بينهم كتاباً، فكَتَبَ: محمَّدٌ رسولُ الله، فقال المشرِكُونَ: لا تَكتُبْ: محمَّدٌ رسولُ الله، لو كنتَ رسولاً لم نُقاتِلْكَ، فقال لعليٍّ: ((امُحُ)) فقال عليٍّ: ما أنا بالَّذِي أَمحاهُ، فمَحَاه رسولُ اللهِ وَه بَيَدِه، وصالَحَهم على أن يَدخُلَ هو وأصحابُه ثلاثةَ أيام، ولا يَدخُلُوها إلَّا بِجُلُبَانِ السلاح، فسألُوه: ما جُلْبَانُ السّلاح؟ فقال: القِرابُ بما فيه. ٢٦٩٩ - حدَّثْنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ ظُه، قال: اعتَمَرَ النبيُّ نَّه في ذي القَعْدةِ، فأبى أهلُ مكََّ أن يَدَعُوه يَدخُلُ مكَّةَ، حتَّى قاضاهم على أن يُقِيمَ بها ثلاثةَ أيامٍ، فلمَّا كَتَبُوا الكتابَ كَتَبُوا: هذا ما قاضَى عليه محمَّدٌ رسولُ الله وَّةِ، فقالوا: ٣٩٩ باب ٦ / ح ٢٦٩٩ كتاب الصلح لا نُقِرُّ بها، فلو نعلمُ أنَّكَ رسولُ الله ما مَتَعْناكَ، لكنْ أنتَ محمَّدُ بنُ عبدِ الله، قال: ((أنا رسولُ الله، وأنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله)) ثمَّ قال لعليٍّ: ((امحُ رسولَ الله)) قال: لا والله لا أمحُوكَ أبداً! فأخَذَ رسولُ اللهِ وََّ الكتابَ، فَكَتَبَ: هذا ما قاضَى عليه محمَّدُ بنُ عبدِ الله، لا يَدخُلُ مكَّةَ ٣٠٤/٥ سِلاحٌ إلَّا في القِراب، وأن لا يَخْرُجَ من أهلِها بأحدٍ إن أرادَ أن يَتْبَعَه، وأن لا يَمْنَعَ أحداً من أصحابه أراد أن يُقِيمَ بها. فلمَّا دَخَلَها ومَضَى الأَجَلُ أنوا عليّاً فقالوا: قُل لصاحبِك: اخرُج عَنّ، فقد مَضَى الأجَلُ، فخَرَجَ النبيُّ ◌َّةِ، فَتَبِعَتْهم ابنةُ حمزةَ: يا عَمِّ يا عَمِّ، فَتَنَاوَهَا عليٌّ فَأَخَذَ بَيَدِها، وقال لفاطمةَ عليها السَّلام: دُونَكِ ابنةَ عَمِّكِ، احمِليها، فاختَصَمَ فيها عليٌّ وزيدٌ وجعفرٌ، فقال عليٍّ: أنا أحقُّ بها وهي ابنةُ عَمّي، وقال جعفرٌ: ابنةُ عَمّي وخالتُها تحتي، وقال زيدٌ: ابنةُ أخي، فقَضَى بها النبيُّ ◌َه لخالَتِها، وقال: ((الخالةُ بمَنْزِلةِ الأمّ)) وقال لعليٍّ: ((أنتَ منّي، وأنا منكَ)) وقال لجعفرٍ: ((أشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلُقي)) وقال لزيدٍ: ((أنتَ أخُونا ومَوْلانا)). قوله: ((باب كيف يُكتَب: هذا ما صالَحَ فلانُ بنُّ فلانٍ فلانَ بنَ فلان، وإن لم يَنسُبه إلى قبيلتِهِ أو نَسَبه)) أي: إذا كان مشهوراً بدون ذلك، بحيثُ يُؤمَن اللَّبْس فيه، فيُكتَفى في الوثيقة بالاسمِ المشهور، ولا يَلزَم ذِكرُ الجَدِّ والنَّسَب والبلد ونحو ذلك. وأمَّا قول الفقهاء: يُكتَب في الوثائق اسمُه واسمُ أبيه وجَدِّه ونَسَبُه، فهو حيثُ يُحْشَى اللَّبس، وإلَّا فحيثُ يُؤمَن اللَّبس فهو على الاستحباب. واختُلِفَ في ضبط هذه اللَّفظَة وهي قوله: ((ونَسَبه)) فقيل: بالجرِّ عَطفاً على قبيلته، وعلى هذا فالثَّردُّد بين القبيلة والنِّسبة، وقيل: بالنَّصبِ فعل ماضٍ معطوف على المنفي، أي: سواء نَسَبَه أو لم يَنسُبه، والأوَّل أَوْلى، وبه جَزَمَ الصَّغَاني. قوله: ((لمَّأَ صالَحَ رسولُ اللهِ وَّه أهل الحُدَيبية كَتَبَ عليٌّ)) سيأتي في الشُّروط (٢٧٣١ و٢٧٣٢) من حديث المِسوَر بن مَخَرَمةَ بيان سبب ذلك مُطوَّلاً. وقد ذكر المصنّف هنا من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق هذا الحديث أتمّ سياقاً من ٤٠٠ باب ٧ / ح ٢٧٠٠ -٢٧٠٢ فتح الباري بشرح البخاري طريق شُعْبة، ويأتي شرحه في ((باب عمرة القضاء)) من المغازي (٤٢٥١) إن شاء الله تعالى. ونذكر هناك بيان الخلاف في مُبَاشَرَته ◌َّ الكتابة. والغَرَض منه هنا اقتصار الكاتِب على قوله: ((محمد رسول الله)) ولم يَنسُبه إلى أبٍ ولا جَدٍّ، وأقرَّه ◌َّهواقتَصَرَ على محمد بن عبد الله بغير زيادة، وذلك كلَّه لأَمْنِ الالتباس. ٧- باب الصُّلح مع المشركين فيه عن أبي سفيانَ. وقال عَوْفُ بنُ مالكٍ، عن النبيِّ وَِّ: ((ثمَّ تكونُ هُدْنَةٌ بينَكُم وبين بني الأصفَرِ)). وفيه سَهْل بنُ حُنَيْفٍ: ((لقد رأَيْتُنا يومَ أبي جَنْدَلٍ))، وأسماءُ والِسْوَرُ، عن النبيِّ ◌َّ. ٢٧٠٠ - وقال موسى بنُ مسعودٍ: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن أبي إسحاقَ، عن البَراءِ بنِ عازِبٍ رضي الله عنهما، قال: صالَحَ النبيُّ وَِّ المشرِكِينَ يومَ الحُدَيسِيةِ على ثلاثةِ أَشْياءً: على أنَّ مَن أتاه مِن المشرِ كِينَ رَدَّه إليهم، ومَن أتاهم مِن المسلمِينَ لم يردُوه، وعلى أن يَدخُلَها من قابلٍ ويُقِيمَ بها ثلاثةَ أيامٍ، ولا يَدخُلَهَا إلَّا بِجُلُبَانِ السِّلاحِ: السَّيفِ والقَوْسِ ونَحْوِه، فجاء أبو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ في قُودِه، فَرَدَّه إليهم. قال أبو عبد الله: لم يَذْكُر مُؤَمَّلٌ عن سفيانَ أبا جَنْدَلٍ، وقال: إِلَّ بجُلُّبِّ السّلاح. ٣٠٥/٥ ٢٧٠١ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ رافع، حدَّثنا سُرَيجُ بنُ النُّعْمانِ، حدَّثنا فُلَبِحٌ، عن نافعِ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌ََّ خَرَجَ مُعتَمِراً، فحالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ بينه وبين البيتِ، فَنَحَرَ هَذْيَه وحَلَقَ رَأْسَه بالحُدَيِيةِ، وقاضاهم على أن يَعْتَمِرَ العامَ المقْبِلَ، ولا يَحْمِلَ سِلاحاً عليهم إلا سُيُّوفاً، ولا يُقِيمَ بها إلّا ما أحَبُّوا، فاعتَمَرَ منَ العام المقْبِلِ، فَدَخَلَها كما كان صالَحَهم، فلمَّا أقامَ بها ثلاثاً أمُرُوه أن يَخْرُجَ، فخَرَجَ. [طرفه في: ٤٢٥٢] ٢٧٠٢ - حدَّثَنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشْرٌ، حدَّثنا يحيى، عن بُشَيِرِ بنِ يَسارٍ، عن سَهْلٍ بنِ أبي حَثْمَةَ،