Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
باب ٢٠ / ح ٢٦٧٠
كتاب الشهادات
فَكَتَبَ إليَّ: أنَّ رسول الله وَ لَه قال: ((لو يُعطَى الناس بدَعواهُم لادَّعى رجال أموال قوم
ودِماءَهم، ولكنَّ البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكَرَ)) وهذه الزِّيادة ليست في
((الصحيحين))، وإسنادها حسن. وقد بَيَّنَ وَّ الِحِكْمة في كَونِ البيِّنة على المدَّعي واليمين
على المدَّعى عليه بقوله {وَّ: ((لو يُعطَى الناسُ بدَعواهُم، لادَّعى ناسٌٌ دِماءَ رجالٍ وأموالهَم))
وسيأتي في تفسير آلِ عمران (٤٥٥٢).
وقال العلماء: الحِكمة في ذلك لأنَّ جانب المدَّعي ضعيف، لأنَّه يقول خلاف الظَّاهر،
فكُلِّفَ الحُجَّة القوية وهي البيّنة، لأنَّها لا تَجِب لنفسِها نفعاً ولا تَدفَع عنها ضَرَراً، فيقوى
بها ضَعفُ المدّعي، وجانب المدَّعى عليه قوي؛ لأَنَّ الأصل فراغ ذِمَّتِهِ، فاكتُفيَ منه
باليمين، وهي حُجَّة ضعيفة؛ لأَنَّ الحالف تَجِلِبُ لنفسِه النَّفْع ويَدْفَع الضَّرَر، فكان ذلك في
غاية الحكمة.
واختلفَ الفقهاء في تعريف المدَّعي والمدَّعى عليه، والمشهور فيه تعريفان:
الأوَّل: المدَّعي: مَن يُخالف قولُه الظَّاهرَ، والمدَّعى عليه بخلافه.
والثاني: مَن إذا سكَتَ تُرِكَ وسُكوتَه، والمدَّعى عليه مَن لا يُخَلّى إذا سكَتَ. والأوَّل
أشھَر، والثاني أسلَم.
وقد أُورِدَ على الأوَّل بأنَّ المودَع إذا ادَّعى الرَّدّ أو التَّلَف، فإنَّ دعواه تُخالفُ الظَّاهرِ،
ومع ذلك فالقول قوله، وقيل في تعریفھما غیرُ ذلك.
واستُدِلَّ بقوله: ((اليمين على المدَّعى عليه)) للجُمهورِ بحَملِه على عُمومِه في حقّ كلّ
واحد، سواء كان بين المدّعي والمدَّعى عليه اختلاط أم لا.
وعن مالك: لا تَتَوَجَّه اليمين إلَّا على مَن بينَه وبين المدَّعي اختلاط، لئلا يَبتَذِلَ أهلُ
السَّفَه أهلَ الفضل بتحليفهم مِراراً.
وقريب من مذهب مالك قول الإصطَخْري من الشّافعية: إنَّ قرائن الحال إذا شَهِدَت
بكذِبِ المدّعي لم يُلتَفَت إلى دعواه.

٣٦٢
باب ٢١ / ح ٢٦٧١
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ بقوله: ((لاذَّعى ناس دِماءَ ناس وأموالهم)) على إبطال قول المالكية في
التَّدمية، ووجه الدّلالة تسويته وَّهِ بين الدِّماء والأموال. وأُجيبَ بأَّهم لم يُسنِدوا
القِصاص مثلاً إلى قول المدَّعي بل للقَسَامة، فيكون قوله ذلك لَوْثاً يُقوِّي جانب المدَّعي في
بداءته بالأيمان.
الحديث الثاني والثالث: حديث الأشعَث وعبد الله بن مسعود في سبب نزول قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ﴾ الآية. وقد مَضَت الإشارة إليه قبل ببابٍ. والمراد منه
قوله: ((شاهداك أو یمینه)) وقد روی نحو هذه القِصَّة وائل بن حجرٍ، وزاد فيها: «لیس
لك إلَّ ذلك)) أخرجه مسلم وأصحاب ((السُّنَن)) (١)، واستُدِلَّ بهذا الخَصر على رَدّ القضاء
باليمين والشاهد.
وأُجيبَ بأنَّ المراد بقوله وَّةِ: ((شاهداك)) أي: بيِّتُك، سواء كانت رجلَينِ، أو رجلاً
وامرأتين، أو رجلاً ويمينَ الطالب، وإنَّما خَصَّ الشّاهدَينِ بالذِّكرِ لأَنَّه الأكثر الأغلَب،
فالمعنى: شاهداك أو ما يقوم مقامهما، ولو لَزِمَ من ذلك رَدّ الشّاهد واليمين لكَونِه لم يُذكَر،
لَلَزِمَ رَدّ الشّاهد والمرأتين لكَونِه لم يُذكَر، فوَضَحَ التَّأويل المذكور، والمُلجِئ إليه ثُبُوت
الخبر باعتبار الشّاهد واليمين، فدَلَّ على أنَّ ظاهر لفظ الشّاهدَينِ غير مراد، بل المراد هو أو
ما يقوم مقامه.
٢١ - بابٌ إذا ادَّعى أو قذف، فله أن يلتمس البيِّنَةَ
ويَنطَلِقَ لطلبِ البَيِّنة
٢٦٧١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن هشامِ، حذَّثنا عِکْرِمةُ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ هلالَ بنَ أُميَّةَ قَذَفَ امرأته عندَ النبيِّ وَّ بِشَرِيكِ بنِ سَحْمَاءَ، فقال
النبيُّ وَّةِ: ((البيَّةَ أَو حَدٍّ في ظَهْرِكَ)) فقال: يا رسولَ الله، إذا رَأى أحدُنا على امرأتِهِ رجلاً يَنْطَلِقُ
(١) أخرجه مسلم (١٣٩)، وأبو داود (٣٢٤٥) و(٣٦٢٣)، والترمذي (١٣٤٠)، والنسائي في ((الكبرى))
(٥٩٤٦) و(٥٩٤٧).

٣٦٣
باب ٢٢ / ح ٢٦٧٢
كتاب الشهادات
يَلْتَمِسُ البَِّةَ! فجَعَلَ يقول: ((البيَّةَ وإلَّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ))، فَذَكَرَ حديثَ اللِّعانِ.
[طرفاه في: ٤٧٤٧، ٥٣٠٧]
قوله: ((بابٌ إذا ادَّعى أو قَذَفَ فَلَه أن يَلْتَمِس البيّنة ويَنْطَلِقِ لطلبٍ البَيِّنة)) أورَدَ فيه طَرَفاً ٢٨٤/٥
من حديث ابن عبّاس في قِصَّة المتلاعِنَين، وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في مكانه (٤٧٤٧)،
والغَرَض منه تمكين القاذِف من إقامة البيِّنة على زِنَى المقذوف، لدَفع الحدّ عنه، ولا يَرِدُ
عليه أنَّ الحديث وَرَدَ في الزَّوجَين، والزَّوج له تَخَرَج عن الحدّ باللِّعان إن عَجَزَ عن البَيِّنة
بخلاف الأجنبي؛ لأَنَّا نقول: إنَّما كان ذلك قبل نزول آية اللِّعان حيثُ كان الَّوج
والأجنبي سواء، وإذا ثبت ذلك للقاذِفِ ثبت لكلِّ مُدَّع من باب الأَولى.
٢٢ - باب اليمين بعد العصر
٢٦٧٢- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثْنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن الأعمَشِ، عن أبي
صالحٍ، عن أبي هريرةَ عُ، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهم الله، ولا يَنظُرُ إليهم
ولا يُزَكِّيهم، ولهم عذابٌ ألِيمٌ: رجلٌ على فضلِ ماءٍ بطَرِيقٍ يَمْنَعُ منه ابنَ السَّبِيلِ، ورجلٌ بابِعَ
رجلاً لا يُبابِعُهُ إِلَّا للُّنْيا، فإن أعطاه ما يُرِيدُ وفَى له وإلَّا لم يَفِ له، ورجلٌ ساوَمَ رجلاً بسِلْعةٍ
بعدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ بالله لقد أعطَى بها كذا وكذا فأخَذَها)).
قوله: ((باب اليمين بعد العَصْر)) ذكر فيه حديث أبي هريرة: ((ثلاثة لا يُكَلِّمهم الله))
الحديث، وفيه: ((ورجل ساوَمَ بسِلعةٍ بعد العصر فحَلَفَ)) الحديث، وسيأتي الكلام عليه في
الأحكام (٧٢١٢)، ونذكر ما يَتعلَّق به من تغليظ اليمين بالزّمان في الباب الذي بعده إن
شاء الله تعالى.
قال المهلَّب: إِنَّمَا خَصَّ النبي ◌َِّ هذا الوقت بتَعظيمِ الإثم على مَن حَلَفَ فيه كاذباً
لشهودِ ملائكة اللَّيل والنَّهار ذلك الوقت. انتهى، وفيه نظر؛ لأَنَّ بعد صلاة الصُّبح
يشاركه في شهود الملائكة، ولم يأتِ فيه ما أتى في وقت العصر، ويُمكِن أن يكون اختُصَّ
بذلك لگونه وقت ارتفاع الأعمال.

٣٦٤
باب ٢٣ / ح ٢٦٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
٢٣ - باب يَحَلِفِ المدَّعى عليه حيثما وجبتْ عليه اليمينُ
ولا يُصرَفُ من موضع إلى غيره
قَضَى مروانُ باليمينِ على زيد بن ثابتٍ على المِثْبرِ، فقال: أحلِفُ له مكاني، فجَعَلَ زيدٌ
تَحَلِفُ، وأبَى أن تَحَلِفَ على المِثْبرِ، فجَعَلَ مروانُ يَعْجَبُ منه.
وقال النبيُّ ◌َّ: ((شاهداكَ أو يَمِينُه)) فلم يَخُصَّ مكاناً دُونَ مكانٍ.
٢٦٧٣- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ،
عن ابنِ مسعودٍ ﴾، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ لِيَقْتَطِعَ بها مالاً لَقِيَ اللهَ وهو
عليه غَضْبانُ)).
قوله: ((باب يَحِلِفِ المَّعى عليه حيثُمَا وَجَبَت عليه اليمينُ ولا يُصرَف من موضع إلى غيره)»
أي: وجوباً، وهو قول الحنفية والحنابلة، وذهب الجمهور إلى وجوب التَّغليظ، ففي المدينة
عند المِبَرَ، وبمَكَّة بين الرُّكن والمقام، وبغيرهما بالمسجدِ الجامع. واتَّفَقوا على أنَّ ذلك في
الدِّماء والمال الكثير لا في القليل، واختلفوا في حَدِّ القليل والكثير في ذلك.
قوله: ((قضى مروان)) أي: ابن الحكم ((على زيد بن ثابت باليمين على المِنِبَرَ، فقال: أحْلِفُ
له مكاني ... )) إلى آخره، وَصَلَه مالك في ((الموطَّأ)) (٧٢٨/٢) عن داود بن الحُصَين عن أبي
٢٨٥/٥ غَطَفان - بفتح المعجَمة ثمَّ المهمَلة ثمَّ الفاء - المُرِّيِّ بضمِّ الميم / وتشديد الراءِ(١) قال:
اخْتَصَمَ زيد بن ثابت وابن مُطيع - يعني عبد الله - إلى مروان في دارٍ، فقضى باليمين على
زيد بن ثابت على الِمِنبَرَ فقال: أحلِف له مكاني، فقال مروان: لا والله إلَّ عند مقاطِعِ
الحقوق، فجَعَلَ زيد يحلف: إنَّ حقَّه ◌َحَقٌّ، وأبى أن يَحِلِف على المِنْبَرَ.
وكأنَّ البخاري احتَجَّ بأنَّ امتناع زيد بن ثابت من اليمين على المِبَر يدلّ على أنَّه لا يَراه
واجباً، والاحتجاج بزيد بن ثابت أولى من الاحتجاج بمروان، وقد جاء عن ابن عمر نحوُ
ذلك، فروى أبو عُبيد في كتاب ((القضاء)) بإسنادٍ صحيح عن نافع: أنَّ ابن عمر كان وَصِيَّ
(١) في (س): المزي بضم الميم وتشديد الزاي، وهو خطأ.

٣٦٥
باب ٢٣ / ح ٢٦٧٣
كتاب الشهادات
رجلٍ، فأتاه رجل بصَكَّ قد دَرَسَت أسماءُ شهودِهِ، فقال ابن عمر: يا نافع، اذهب به إلى
المِنِبَر فاستَحِلِفْه، فقال الرجل: يا ابنَ عمرَ، أتريدُ أن تُسمِّع بي الذي يَسمعُني هنا؟ فقال
ابن عمر: صَدَقَ، فاستَحلَفَه مكانه.
وقد وجدتُ لمروان سَلَفاً في ذلك، فأخرج الكَرَابيسي في ((أدَب القضاء» بسندٍ قوي إلى
سعيد بن المسيّب قال: اذَّعى مُدَّع على آخر أنَّه اغتَصَبَ له بعيراً، فخاصَمَه إلى عثمان فأمَرَه
عثمانُ أن يَحِلِف عند المِبَ، فأبى أن يَحِلِفَ وقال: أحلِفُ له حيثُ شاءَ غير المِنْبَرَ، فأَبَى عليه
عثمانُ أن لا يَحِلِفَ إلَّا عند الِنِبَ، فغَرِمَ له بعيراً مِثل بعيره ولم يَحلِف.
قوله: ((وقال النبيُّ ◌َ ﴿: شاهداكَ أو يَمينُهُ)) تقدَّم موصولاً قريباً (٢٦٧٠).
قوله: ((ولم يَخُصَّ مكاناً دون مكان)) هو من تُفَقِّه المصنّف، وقد اعتُرِضَ عليه بأنَّه تَرجَمَ
لليمين بعد العصر فأثبَتَ التَّغليظ بالزَّمان ونَفى هنا التَّغليظ بالمكان، فإن صَحَّ احتجاجه
بأنَّ قوله: ((شاهداك أو يمينه)) لم يَخُصّ مكاناً دون مكان، فليَحتَجَّ عليه بأنَّه أيضاً لم يَخُصّ
زماناً دون زمان، فإن قال: وَرَدَ التَّغليظ في اليمين بعد العصر، قيل له: وَرَدَ التَّغليظ في
الیمین على المنبر في حدیثین:
أحدهما: حديث جابر مرفوعاً: ((لا يَحلِف أحد عند مِنبَري هذا على يمين آثمة ولو على
سِوَاكِ أخضَرَ، إلَّا تَبَوَّأْ مَقعَدَه من النار)) أخرجه مالك (٧٢٧/٢) وأبو داود (٣٢٤٦)
والنَّسائي (ك٥٩٧٣) وابن ماجَهْ (٢٣٢٥)، وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ(١) وابن حِبَّان (٤٣٦٨)
والحاكم (٢٩٦/٤-٢٩٧) وغيرهم، واللَّفظ الذي ذكرته لأبي بكر بن أبي شَيْبة (٢/٧-٣).
ثانيهما: حديث أبي أُمامةَ بن ثَعْلبة مرفوعاً: ((مَن حَلَفَ عند مِنبَري هذا بيمينٍ كاذبة
يَستَحِلّ بها مال امرئ مسلم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صَرْفاً
ولا عَدْلاً)) أخرجه النَّسائي (٥٩٧٤) ورجاله ثقات.
(١) ليس في القسم المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة))، والحديث أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٥٠٢٤)، وانظر
تتمة تخريجه فيه.

٣٦٦
باب ٢٤ / ح ٢٦٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
ويُجاب عنه بأنَّه لا يَلزَم من ترجمة اليمين بعد العصر أنَّه يُوجِب تغليظ اليمين بالمكان،
بل له أن يَقلِب المسألة فيقول: إن لَزِمَ من ذِكر تغليظ اليمين بالمكان أنَّها تُغلَّظ على كلّ
حالف، فيَجِب التَّغليظ عليه بالزَّمان أيضاً لتُبُوتِ الخبر بذلك.
ثُمَّ أورَدَ حديث ابن مسعود: ((مَن حَلَفَ على يمين)) وقد تقدَّم قريباً (٢٦٧٠،٢٦٦٩)
بأتمّ منه مَضموماً إلى حديث الأشعث، ويأتي الكلام عليه في الأيمان والنُّدور (٦٦٧٦
و ٦٦٧٧) إن شاء الله تعالى.
٢٤ - باب إذا تَسارَعَ قومٌ في اليمين
٢٦٧٤- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّامِ، عن أبي
هريرةَ ﴾: أنَّ النبيَّ وَّهِ عَرَضَ على قومِ اليمينَ، فأسرَعُوا، فأمَرَ أن يُسهَمَ بينهم في اليمينِ أيُّهم
يجلِفُ.
قوله: ((باب إذا تَسارَعَ قوم في اليمين)) أي: حيثُ تجب عليهم جميعاً بأيّهم يُبدَأ.
قوله: ((أنَّ النبيَّ ◌َّهِ عَرَضَ على قوم اليمين فأسرَعوا، فأمَرَ أن يُسَم بينهم في اليمين أيُّهم
يَجلِف)) أي: قبل الآخر، هذا اللَّفظ أخرجه النَّسائي (ك٥٩٥٨) أيضاً عن محمد بن رافع عن
عبد الرَّزّاق وقال فيه: ((فأسرَعَ الفريقان))، وقد رواه أحمد (٨٢٠٩) عن عبد الرَّزّاق شيخ
شيخ البخاري فيه بلفظ: ((إذا أُكره الاثنان على اليمين واستَحَبَّاها فليَستَهما عليها))،
٢٨٦/٥ وأخرجه أبو نُعيم في مسند إسحاق بن/ راهويه عن عبد الرَّزّاق مِثل رواية البخاري،
وتَعَقَّبَه بأنَّه رآه في أصل إسحاق عن عبد الرَّزّاق باللَّفظِ الذي رواه أحمد، قال: وقد وهَمَ
شیخُنا أبو أحمد في ذلك. انتھی.
قلت: وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن عبد الرَّزّاق،
وأخرجه من طريق الحسن بن يحيى عن عبد الرَّزّاق مثله لكن قال: ((فاستَحَبَّاها)»،
وأخرجه أبو داود (٣٦١٧) عن أحمد وسَلَمة بن شَبيب عن عبد الرَّزّاق بلفظ: ((أو
استَحَبَّاها))، قال الإسماعيلي: هذا هو الصحيح، أي: أنَّه بلفظ: ((أو)) لا بالفاءِ ولا بالواو.

٣٦٧
باب ٢٥ / ح ٢٦٧٥
كتاب الشهادات
قلت: ورواية الواو يُمكِن حَملُها على رواية ((أو))، وأمَّا رواية الفاء فيُمكِن توجيهها بأنَّهما
أُكرِها على اليمين في ابتداء الدَّعوى، فلمَّا عَرَفا أنَّهما لا بُدّ لهما منها أجابا إليها وهو المعَبَّر
عنه بالاستحباب، ثمَّ تَنازَعا أيُّهمَا يَبدَأ فأرشَدَ إلى القُرْعة.
وقال الخطّابي وغيره: الإكراه هنا لا يُراد به حَقيقَته؛ لأَنَّ الإنسان لا يُكرَه على اليمين، وإنَّما
المعنى إذا تَوجَّهَت اليمينُ على اثنَينِ وأرادا الحَلِف، سواء كانا كارهَينِ لذلك بقلبِهما - وهو
معنى الإكراه - أو مُختارَينِ لذلك بقلبِهما - وهو معنى الاستحباب - وتَنازَعا أيّهما يَبْدَأ، فلا
يُقدَّم أحدهما على الآخر بالتَّشَهّي بل بالقُرْعة، وهو المراد بقوله: ((فليَستَهِم)) أي: فليَقتَرِعا.
وقيل: صورة الاشتراك في اليمين أن يَتَنَازَع اثنان عَيناً ليست في يد واحد منهما ولا بيِّنَةً
لواحدٍ منهما فيُقْرَع بينهما، فمَن خَرَجَت له القُرْعة حَلَفَ واستحقَّها. ويُؤدِّد ذلك ما روى
أبو داود (٣٦١٦ و٣٦١٨) والنَّسائي (ك ٥٩٥٦ و٥٩٥٧) وغيرهما (١) من طريق أبي رافع عن
أبي هريرة: أنَّ رجلَينِ اختَصَما في مَتاع ليس لواحدٍ منهما بيِّنَة، فقال النبي ◌َّ: ((استَهِما على
الیمین ما کان، أحبًّا ذلك أو کَرِها».
وأمَّا اللَّفظ الذي ذكره البخاري فيحتمل أن يكون عند عبد الرَّزّاق فیه حدیث آخر
باللَّفْظِ المذكور، ويُؤيِّده رواية أبي رافع المذكورة فإنَّها بمعناها، ويحتمل أن تكون قِصَّة
أُخرى بأن يكون القوم المذكورون مُدَّعَى عليهم بعَينٍ في أيديهم مثلاً وأنكروا ولا بيِّنة
للمُدَّعى عليهم، فتَوَجَّهَت عليهم اليمينُ، فَتَسارَعوا إلى الحَلِف، والحَلِفِ لا يقع مُعتبَراً إلَّا
بتلقينِ المحَلَّف، فقَطَعَ النِّزاع بينهم بالقُرْعة، فمَن خَرَجَت له بَدَأ به في ذلك، والله أعلم.
٢٥ - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا
قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ ﴾ [آل عمران: ٧٧]
٢٦٧٥ - حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا يزيدُ بنُ هارُونَ، أخبرنا العَوّامُ، قال: حدَّثني إبراهيمُ
(١) أخرجه أيضاً أحمد (١٠٣٤٧)، وابن ماجه (٢٣٢٩) و(٢٣٤٦).

٣٦٨
باب ٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
أبو إسماعيلَ السَّكْسَكِيُّ، سمعَ عبدَ الله بنَ أبي أوَْ رضي الله عنهما، يقول: أقامَ رجلٌ سِلْعَتَه،
فحَلَفَ بالله لقد أعطَى بها ما لم يُعْطِها، فنزلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا
قَلِيلًا﴾، وقال ابنُ أبي أوْفَى: النّاجِشُ: آكِلُ رِباً خائنٌ.
٢٦٧٦، ٢٦٧٧ - حدَّثْنا بِشْرُ بنُ خالدٍ، أخبَرَنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ،
عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله ◌َُّه، عن النبيِّ وَّ قال: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ كاذباً لَيَقْتَطِعَ مالَ
الرَّجلِ - أو قال: أخِيه - لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبانُ)) وأنزلَ الله عزَّ وجلَّ تصديقَ ذلك في
القُرْآنِ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّقَلِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلٌِ﴾،
فَلَقِيَنِي الأَشْعَثُ، فقال: ما حدَّئُكُم عبدُ الله اليومَ؟ قلتُ: كذا وكذا، قال: فيَّ أُنزِلَت.
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّقَلِيلًا ﴾)) ذكر
فيه حديث ابن أبي أَوْفى في سبب نزولها، وحديث ابن مسعود والأشعث في نزولها أيضاً،
ولا تَعارُض بينهما لاحتمال أن تكون نزلَت في كلٍّ من القِصَّتَين، وسيأتي مزيد بيان لذلك
في التفسير (٤٥٤٩-٤٥٥٢).
٢٨٧/٥
وقوله في طريق ابن أبي أوفى: ((حدَّثنا إسحاق، حدَّثنا يزيد بن هارون)) جَزَمَ أبو عليّ
الغسَّاني بأنَّه إسحاق بن منصور، وجَزَمَ أبو نعيم الأصبهاني بأنَّه إسحاق بن راهويه.
وقوله: ((أخبرنا العَوّام)) هو ابن حَوشَبٍ.
وقوله: «قال ابن أبي أوفى: الناجش آکِل رِباً خائن» هو موصول بالإسناد المذکور إليه،
وتقدَّم شرحه في باب النَّجَش من كتاب البيوع(١).
٢٦ - باب كيف يُستحلَف
قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ﴾ [التوبة: ٤٢ و٥٦ ,٦٢ و٧٤]، وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] يقالُ: بالله وتالله ووالله.
وقال النبيُّ وَّ: ((ورجلٌ حَلَفَ بالله كاذباً بعدَ العَصْرِ)) ولا يُحْلَفُ بغيرِ الله.
(١) قبل الحديث (٢١٤٢).

٣٦٩
باب ٢٦ / ح ٢٦٧٨ - ٢٦٧٩
كتاب الشهادات
٢٦٧٨- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عَمِّه أبي سُهَيلِ بنِ مالكِ،
عن أبيه: أنَّه سمعَ طَلْحةَ بنَ عُبيد الله عَهُ، يقول: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله وَّةِ، فإذا هو يَسْأَلُهُ
عن الإسلام، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((خمسُ صَلَواتٍ في اليوم واللَّيلةِ)) فقال: هل عليَّ غيرُها؟
قال: ((لا، إلّا أن تَطَّوَّعَ)) فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((وصِيامُ شهرِ رمضانَ)) قال: هل عليَّ غيرُه؟
قال: ((لا، إلَّا أن تَطَّوَّعَ)) قال: وذَكَرَ له رسولُ الله ◌َِّ الزكاةَ، قال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: ((لا،
إلَّا أن تَطََّّعَ)) قال: فأدَبَرَ الرجلُ وهو يقول: والله لا أزِيدُ على هذا ولا أنْقُصُ! قال رسولُ الله ◌ِّ.
((أفلَحَ إِن صَدَقَ)).
٢٦٧٩ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرِيةٌ، قال: ذَكَرَ نافعٌ، عن عبدِ الله وَثُ: أَنَّ
النبيَّ وَّ قال: ((مَن كان حالفاً فلْيَحلِفِ بالله، أو لِيَصْمُتْ)).
[أطرافه في: ٣٨٣٦، ٦١٠٨، ٦٦٤٨،٦٦٤٦]
قوله: ((باب كيف يُستَحْلَف)) هو بضمٍّ أوَّله وفتح اللّام على البناء للمجهول.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ثُمَّ جَاءُوَكَ يَحْلِّفُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٦٢])) إلى آخر ما ذكره
من الآيات المناسبة لها، وغَرَضه بذلك أنَّه لا يَجِبُ تغليظ الحَلِف بالقول.
قال ابن المنذر: اختلفوا، فقالت طائفة: يُلِّفه بالله من غير زيادة، وقال مالك: يُلِّقه
بالله الذي لا إله إلّا هو، وكذا قال الكوفيون والشّافعي، قال: فإن التََّمَه القاضي غَلَّظَ عليه
فيزيد: عالم الغَيْب والشَّهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السِّ ما يعلم من العَلانية،
ونحو ذلك.
قال ابن المنذر: وبأيِّ ذلك استَحلَفَه أجزأ. والأصل في ذلك أنَّه إذا حَلَفَ / بالله صَدَقَ ٢٨٨/٥
عليه أنَّه حَلَفَ اليمين.
قوله: ((يقال: بالله)) أي: بالموخَّدة ((وتالله)) أي: بالمثنَّاة ((ووالله)) أي: بالواو، وكلّها وَرَدَ بها
القرآن، قال الله تعالى: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
[الأنعام: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿قَاَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١].

٣٧٠
باب ٢٧ / ح ٢٦٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: ورجل حَلَفَ بالله كاذباً بعد العَصْر)) هو طَرَف من حديث أبي
هريرة المتقدِّم قريباً موصولاً في ((باب اليمين بعد العصر)) (٢٦٧٢) لكن بالمعنى، وسيأتي
في الأحكام (٧٢١٢) بلفظ: ((فحَلَفَ لقد أُعطيَ بها كذا، فصَدَّقَه رجل ولم يُعطَ بها)).
قوله: ((ولا تَحِلِف بغير الله)) هو من كلام المصنّف على سبيل التَّكميل للترجمة، وذلك مُستَفاد
من حديث ابن عمر ثاني حديثَي الباب حيثُ قال: ((مَن كان حالفاً فليَحلِف بالله أو ليَصمُت)).
ثمَّ ذكر المصنّفُ في الباب حدیثین:
أحدهما: حديث طلحة في قِصَّة الرجل الذي سألَ عن الإسلام، وقد تقدَّم شرحه في
كتاب إلا يمان (٤٦)، والغَرَض منه قوله: «فأدَبَرَ الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا
ولا أنقُص)) فإنّه يُستَفاد منه الاقتصار على الحلف بالله دون زيادة.
ثاينهما: حديث ابن عمر: ((مَن كان حالفاً فليَحلِف بالله))، وسيأتي شرحه في كتاب
الأيمان والنُّدور (٦٦٤٦) مُستَوفَّى إن شاء الله تعالى.
٢٧ - باب من أقام البيِّنةَ بعد اليمين
وقال النبيُّ ◌َّ: ((لعلَّ بعضَكم ألحَنُ بحُجَّتِهِ من بعضٍ)).
وقال طاؤُوسُ وإبراهيمُ وشُرَيحٌ: البيِّئَةُ العادِلةُ أحقُّ مِن اليمينِ الفاحِرةِ.
٢٦٨٠ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن زينبَ،
عن أُمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: ((إنَّكُمْ تَخْتَصِمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكُم
ألحَنُ بحُجَّتِهِ من بعضٍ، فمَن قَضَيتُ له بحقٌّ أخيهِ شيئاً بقولِهِ، فإنَّمَا أقطَعُ له قِطْعَةً مِن النّار،
فلا یأخذها».
قوله: ((باب من أقام البيّنة بعد اليمين)) أي: يمين المدَّعى عليه سواءٌ رَضِيَ المدَّعي بيمينِ
المدَّعى عليه أم لا، وقد ذهب الجمهور إلى قَبُول البيِّنة، وقال مالك في ((المدَوَّنة)): إن
استَحلَفَه ولا عِلم له بالبيِّنة ثمَّ عَلِمَها قُبِلَت وقُضِيَ له بها، وإن عَلِمَها فَتَرَكَها فلا حقّ له.

٣٧١
باب ٢٧ / ح ٢٦٨٠
كتاب الشهادات
وقال ابن أبي ليلى: لا تُسمَع البيِّنة بعد الرِّضا باليمين، واحتَجَّ بأنَّه إذا حَلَفَ فقد بَرِئَ وإذا
بَرِئَّ فلا سبيل عليه، وتُعُقِّبَ بأنَّه إنَّما يَبرأ في الصّورة الظَّاهرة لا في نفس الأمر.
قوله: ((وقال النبيُّ ◌َّهِ: لعلَّ بعضَكُمْ الحَنُ بحُجَّتِه من بعض)) هو طَرَف من حديث أُمّ
سَلَمة الموصول في الباب المذكور، وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في كتاب الأحكام (٧١٨١)
إن شاء الله تعالى، وفيه الإشارة إلى الرَّدّ على ابن أبي ليلى، وأنَّ الحكم الظَّاهر لا يُصَيِّرِ الحقّ
باطلاً في نفس الأمر ولا الباطل حقّاً.
قوله: ((وقال طاووسٌ وإبراهيم)) أي: النَّخَعي ((وشُرَيح: البيّنة العادِلة أحقّ من اليمين
الفاجرة)) أمَّا قول طاووسٍ وإبراهيم فلم أقف عليهما موصولَين، وأمَّا قول شُرَيح فوَصَلَه
البَغَوي في ((الجَعديات)) (٢١٥٧) من طريق ابن سيرينَ عن شُرَيح قال: مَن اذَّعى قَضائي
فهو عليه حتَّى يأتي بيِّئَةٍ، الحقُّ أحقُّ من قَضائي، الحقُّ أحقُّ من يمينٍ فاجرةٍ.
وذكر ابن حَبيب في ((الواضحة)) بإسنادٍ له عن عمر قال: البيِّنة العادلة خير من اليمين
الفاجرة.
قال أبو عُبيد: إنَّما قَيَّدَ اليمينَ بالفاجرة إشارةً إلى أنَّ مَحَلّ ذلك ما إذا شَهِدَ على الحالف
بأنَّه أقرَّ، بخلاف ما حَلَفَ عليه فتَبِيَّنَ أنَّ يمينَه حينئذٍ فاجرةٌ، وإلا فقد يُوّي الرجل ما عليه
من الحقّ ويَحِلِف على ذلك وهو صادق، ثمَّ تَقوم عليه البيِّنة التي شَهِدَت بأصلِ الحقّ ولم
يَحَضُرِ الوَفاءُ، فلا تكون اليمين حينئذٍ فاجرً.
أورَدَ المصنِّفُ حديث أُمّ سَلَمة،/ مرفوعاً: ((إنَّكُم تَخْتَصِمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكُم أحنُ ٢٨٩/٥
بحُجَّتِه من بعض)) الحديث، قال الإسماعيلي: ليس في حديث أُمّ سَلَمة دلالة على قَبُول
البیِّنة بعد یمین المنکر.
وأجابَ ابن المنيِر فقال: موضع الاستشهاد من حديث أُمّ سَلَمة رضي الله عنها: أنَّه وَهـ
لم يَجَعَل اليمين الكاذبة مُفيدة حِلَّا ولا قَطْعاً لحقِّ المحِقّ، بل نَهاه بعد يمينه من القَبض،
وساوى بين حالَتَه بعد اليمين وقبلها في التحريم، فيُؤْذِن ذلك ببقاءِ حقّ صاحب الحقّ

٣٧٢
باب ٢٨ / ح ٢٦٨١ - ٢٦٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
على ما كان عليه، فإذا ظَفِرَ في حقُّه بيِّنّةٍ فهو باقٍ على القيام بها لم يَسقُط، كما لم يَسقُط أصل
حقّه من ذِمَّةٍ مُقتَطَعةٍ باليمين. وسيأتي الكلام على بقية شرح حديث أُمّ سَلَمة في كتاب
الأحكام (٧١٨١) إن شاء الله تعالى.
٢٨ - باب من أمر بإنجاز الوعد
وفَعَلَه الحسنُ.
﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤].
وقَضَى ابنُ الأَشْوَع بالوَعْدِ، وذَكَرَ ذلك عن سَمُرةَ بن جُنْذُبٍ.
وقال المِسْوَرُ بنُ تَخَرَمةَ: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ وَذَكَرَ صِهْراً له، فقال: ((وَعَدَنِي فَوَفَ لي)).
قال أبو عبدِ الله: ورأيتُ إسحاقَ بنَ إبراهيمَ يَحْتَجُّ بحديثِ ابنِ أشْوَعَ.
٢٦٨١ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهَابٍ،
عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله، أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخبَرَه، قال: أخبرني أبو سفيانَ:
أنَّ هِرَقْلَ قال له: سألتُكَ ماذا يأمرُكُم؟ فَزَعَمْتَ أنَّه يأْمُرُ بالصَّلاةِ، والصِّدْقِ، والعَفَافِ، والوَفاءِ
بالعَهْدِ، وأداءِ الأمانةِ، قال: وهذه صِفةُ نبيٍّ.
٢٦٨٢- حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفٍ، عن أبي سُهَيلٍ نافعٍ بنِ مالكِ
ابنِ أبي عامٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ عُ: أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: «آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّث
كَذَبَ، وإذا اؤْ تُمِنَ خانَ، وإذا وَعَدَ أخلَفَ)).
٢٦٨٣- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبرني عَمْرُو
ابنُ دِينارٍ، عن محمَّدٍ بنٍ عليٍّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهم، قال: لمَّا مات النبيُّ وَله
جاء أبا بكرٍ مالٌ من قِبَلِ العَلاءِ بنِ الحَضْرَمِيِّ، فقال أبو بكرٍ: مَن كان له على النبيِّ وَل
دَينٌ، أو كانت له قِبَلَه عِدَةٌ فلْيأْتِنا، قال جابرٌ: فقلتُ: وعَدَني رسولُ اللهِ وَّهِ أَن يُعْطِيَني
هكذا وهكذا، وهكذا، فبَسَطَ يَدَيه ثلاثَ مَرّاتٍ، قال جابرٌ: فعَدَّ في بَدِي خمسَ مِئَةٍ، ثمَّ خمس
مِئةٍ، ثُمَّ خمسَ مِئةٍ.

٣٧٣
باب ٢٨ / ح ٢٦٨٤
كتاب الشهادات
٢٦٨٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيم، أخبرنا سعيدُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا مروانُ بنُ شُجاع،
عن سالم الأفطَسِ، عن سعيد بنِ جُبَيٍ، قال: سألَني يهوديٌّ من أهلِ الحِيرةِ: أنَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى
موسى؟ قلتُ: لا أدري، حتَّى/ أقدَمَ على حَيْرِ العربِ فأسأَلَه، فقَدِمْتُ فسألتُ ابنَ عبَّاسٍ، ٢٩٠/٥
فقال: قَضَى أكثرَهما وأطَيَهما، إنَّ رسولَ الله ◌َّهِ إِذا قال فعَلَ.
قوله: ((باب مَن أمُرَ بإِنْجازِ الوَعْد)) وجهُ تَعَلُّق هذا الباب بأبواب الشَّهادات أنَّ وعدَ
المرء کالشّهادة على نفسه، قاله الكرماني.
وقال المهلَّب: إنجاز الوعد مأمورٌ به مندوبٌ إليه عند الجميع، وليس بفرضٍ،
الاتّفاقهم على أنَّ الموعود لا يُضارب بما وَعَدَ به مع الغُرَماء. انتهى، ونَقْلُ الإجماع في ذلك
مردود، فإنَّ الخلاف مشهور، لكنَّ القائل به قليل.
وقال ابن عبد البَرِّ وابن العربي: أجَلّ مَن قال به عمر بن عبد العزيز. وعن بعض
المالكية: إن ارتَبَطَ الوعد بسببٍ وَجَبَ الوَفاءُ به وإلَّا فلا، فمَن قال لآخر: تزوَّج ولك
كذا، فتزوَّج لذلك وَجَبَ الوَفَاء به. وخَرَّجَ بعضهم الخلاف على أنَّ الِبَة هل تُمْلَك
بالقبضِ أو قبله.
وقرأتُ بخَطِّ أبي رحمه الله في إشكالات على ((الأذكار للنَّوَوي)) ولم يَذكُر جواباً عن
الآية، يعني قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]،
وحديث («آية المنافق)) قال: والدّلالة للوجوب منها قوية، فكيف حَمَلوه على كراهة التَّنزيه
مع الوعيد الشَّديد؟ ويُنظَر هل يُمكِن أن يقال: يَرُم الإخلاف ولا يَجِبُ الوفاء؟ أي: يأَثَم
بالإخلاف وإن كان لا یُلزَم بوَفاءِ ذلك.
قوله: ((وفَعَلَه الحسن)) أي: الأمر بإنجازِ الوَعْد.
قوله: ((﴿ وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾)) في رواية النَّسَفي: ((وذكر
إسماعيلَ أنَّه كان صادق الوَعْد))، وروى ابن أبي حاتم من طريق الثَّوري: أنَّه بَلَغَه أنَّ
إسماعيل عليه السَّلام دَخَلَ قريةً هو ورجل فأرسَلَه في حاجة وقال له: إنَّه ينتظره، فأقام

٣٧٤
باب ٢٨ / ح ٢٦٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
حَولاً في انتظاره. ومن طريق ابن شَوْذَبِ: أنَّ الَّخَذَ ذلك الموضع مَسكناً فسُمّيَ من يومئذٍ
صادقَ الوَعد.
قوله: ((وقضى ابن الأشْوَع بالوَعْدِ، وذكر ذلك عن سَمُرة بن جُنْدُب) هو سعید بن عَمْرو
ابن الأشوَع، كان قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القَسْري على العراق وذلك بعد المئة،
وقد وقع بيانُ روايته كذلك عن سمرة بن جُندُب في تفسير إسحاق بن راهويه.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف ((رأيتُ إسحاق بن إبراهيم)) هو ابن راهويه (تَحْتَجْ
بحديثٍ ابن أشَوْع)) أي: هذا الذي ذكره عن سمرة بن جُندُبٍ، والمراد أنَّه كان يَحَتَجّ به في
القول بوجوب إنجاز الوعد.
تنبيه: وقع ذِكر إسماعيل بين التَّعليق عن ابن الأشوَع وبين نقل المصنّف عن إسحاق في
أكثر النَّسخ. والذي أوردته أوْلى، والله أعلم.
ثمَّ ذكر المصنِّفُ في الباب أربعة أحاديث:
أحدها: حديث أبي سفيان بن حَرْب في قِصَّة هِرَقل، أورَدَ منه طَرَفاً، وقد تقدَّم
موصولاً في بدء الوحي (٧) مع الإشارة إلى کثیر من شرحه.
ثانيها: حديث أبي هريرة في آية المنافق، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الإيمان (٣٣).
ثالثها: حديث جابر في قِصَّته مع أبي بكر فيما وعَدَه به النبيُّ وَِّ من مال البحرين،
وسيأتي الكلام عليه في ((باب فرض الخُمُس)) (٣١٣٧) ومضى شيء من ذلك في الكفالة
(٢٢٩٦)، وأشار غير واحد إلى أنّ ذلك من خصائص النبيّ وَّ.
وقال ابن بَطَّال: لمَّا كان النبي ◌َِّ أولى الناس بمكارم الأخلاق أدّى أبو بكر مواعيدَه
عنه، ولم يسأل جابراً البيِّنة على ما ادَّعاه لأنَّه لم يَدَّع شيئاً في ذِمَّة النبي ◌َِّ وإنَّما ادَّعى شيئاً
في بيت المال، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام.
رابعها: حديث ابن عبّاس في أيِّ الأجلین قضى موسى.

٣٧٥
باب ٢٨ / ح ٢٦٨٤
كتاب الشهادات
قوله: ((عن سالم الأفطَس)) هو ابن عَجْلان الجَزَري، شامي ثقة، ليس له في البخاري
سوى هذا الحديث وآخر في الطُّبّ (٥٦٨٠و ٥٦٨١)، وكذا الراوي عنه مروان بن شُجاع،
وقد تابَعَ سالماً على روايته لهذا الحديث حَكِيم بن جُبَير عن سعيد بن جُبَير، وتابَعَ سعيداً
عِكْرِمة عن ابن عبّاس، ورواه أيضاً أبو ذرٍّ وأبو هريرة وعُتبة/ بن النُّذَّر - بضمِّ النّون ٢٩١/٥
وتشديد الذّال المعجَمة المفتوحة بعدها راء - وجابر وأبو سعيد، ورَفَعوه كلَّهم، وجميعها
عند ابن مَرْدويه في ((التفسير))، وحديث عُتبة وأبي ذرِّ عند البزار أيضاً(1)، وحديث جابر عند
الطبراني في «الأوسط)) (٨٣٧٢)، ورواية عكرمة في ((مسند الحميدي)) (٥٣٥).
قوله: ((سألَني يهودي)) لم أقف على اسمه، والحِيرة بكسر المهمَلة بعدها تحتانية ساكنة:
بلد معروف بالعراق.
قوله: ((أيّ الأَجَلَينِ)) أي: المشار إليهما في قوله تعالى: ﴿ثَمَِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا
فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص: ٢٧].
قوله: ((حَبْر العرب)) بفتح المهمَلة وبكسرها ورَجَّحَه أبو عُبيد، ورَجَّحَ ابن قُتَيبة الفتح
وسكون الموحّدة، والمراد به العالم الماهر، وإنَّما عَبَّرَ به سعيد لكونها مُستَعمَلة عند الذي
خاطَبَه، وقد أخرج أبو نُعيم من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: أنَّ جِبريل سَّاه بذلك، ومُراده
بالقُدومِ على ابن عبّاس، أي: بمَكَّة.
قوله: ((قضى أكثرَهما وأطيَبهما)) كذا رواه سعيد بن جُبَير مَوقوفاً، وهو في حكم المرفوع
لأنَّ ابن عبّاس كان لا يَعتَمِد على أهل الكتاب كما سيأتي بيانه في الباب الذي يليه.
وذَكَر ابن دُرَيدٍ في (المنثور)): أنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح لمَّا غَزَا المغرِبَ أرسَلَ
ابنَ عِبَّاس إلى جرجير (٢) فكَلَّمَه فقال: ما ينبغي لهذا إلَّا أن يكون حَبْر العرب، وقد صَرَّحَ
(١) انظر حديث عتبة في ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٢٢٤٦)، وحديث أبي ذر في ((مسند البزار)) (٣٩٦٤).
(٢) في (أ): ((أرسل إلى ابن عباس ... )) بزيادة ((إلى))، وفي (ع): (( ... ابن جرجير)) بزيادة ((ابن))، وهما زيادتان لا
معنى لهما، وفي (س): ((أرسل إلى ابن عباس جريجاً) ولا يخفى ما فيها من اضطراب وتحريف، وما أثبتناه
هو الصواب، وانظر ((عمدة القاري)) ٢٦٠/١٣. وجرجير هذا كان ملك البربر، يملك ما بين طرابلس
وطنجة تحت ولاية هرقل، وقَتل على يد عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.

٣٧٦
باب ٢٩ / ح ٢٦٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
برفعِهِ عِكرمة عن ابن عبّاس: ((أنَّ رسول الله و ◌َه سألَ جِبريل: أيَّ الأجَلَينِ قضى موسى؟
قال: أَّهما وأكمَلَهما))، أخرجه الحاكم (٢/ ٤٠٧)، وفي حديث جابر: ((أوفاهما)) أخرجه
الطبراني في ((الأوسَط)) (٨٣٧٢)، وفي حديث أبي سعيد: ((أتمّهما وأطيَبهما عشر سِنينَ))،
والمراد بالأطيَب، أي: في نفس شعيب.
قوله: ((إنَّ رسول الله بَّهَ إذا قال فَعَلَ)) المراد برسولِ الله: مَن اتَّصَفَ بذلك ولم يُرِد
شخصاً بعَينِهِ، وفي رواية حَكِيم بن جُبَير: أنَّ النبي ◌َّه إذا وَعَدَ لم يُخْلِف، زاد الإسماعيلي من
الطَّريق التي أخرجها البخاري: قال سعيد: فَلَقِيَتي اليهودي فأعلمته بذلك، فقال:
صاحبك والله عالمٌ
والغَرَض من ذِكر هذا الحديث في هذا الباب بيان تَوكيد الوَفاء بالوَعد؛ لأَنَّ موسی
عليه السلامُ لم يَجِزِم بوَفاءِ العشر، ومَعَ ذلك فوَفّاها، فكيف لو جَزَمَ.
قال ابن الجوزي: لمَّا رأى موسى عليه السَّلام طَمَع شعيب عليه السَّلام مُتَعَلِّقاً
بالزِّيادة لم يَقتَضِ کریمُ أخلاقِهِ أن يُخُيِّب ظَنَّه فيه.
٢٩ - باب لا يُسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها
وقال الشَّعْبيُّ: لا تجوزُ شهادةُ أهلِ الِلَلِ بعضِهم على بعضٍ، لقوله عزَّ وجلّ: ﴿فَأَغْرَنَا
بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ ﴾ [المائدة: ١٤].
وقال أبو هريرةَ، عن النبيِّ وَّةَ: ((لا تُصَدِّقُوا أهلَ الكتاب ولا تُكَذِّبُوهم)) وقولوا: ﴿ءَامَنَا
بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ﴾ الآية [البقرة: ١٣٦].
٢٦٨٥ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ، حدَّنا اللَّيْثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُبيد الله بنِ
عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، عن عبد الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: يا مَعْشَرَ المسلمِينَ، كيفَ تسألُونَ
أهلَ الكتاب وكتابُكُمْ الَّذِي أُنزِلَ على نبيّهِ وَّهِ أَحدَثُ الأخبار بالله، تَقْرَؤونَه لم يُشَبْ؟ وَقد
حدَّكُمُ الله أنَّ أهلَ الكتاب بَدَّلُوا ما كَتَبَ الله، وغَيَّروا بأيدِيهم الكتابَ، فقالوا: هو من عندِ الله
﴿لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [البقرة: ٧٩]، أَفَلا يَنْهاكُم ما جاءَكُم مِن العِلْمِ عن مُساءَلَيْهم؟
ولا والله ما رأَينا منهم رجلاً قَطُّ يَسْألُكُمْ عن الَّذِي أُنزِلَ عليكُم.

٣٧٧
باب ٢٩ / ح ٢٦٨٥
كتاب الشهادات
قوله: ((باب لا يُسأل أهل الشِّرْك عن الشَّهادة وغيرها)) هذه التّرجمة معقودة لبیان حكم ٢٩٢/٥
شهادة الكُفّار، وقد اختلف في ذلك السَّلَف على ثلاثة أقوال:
فذهب الجمهور إلى رَدّها مُطلَقاً، وذهب بعض التابعين إلى قَبُولها مُطلَقاً إلَّا على
المسلمين، وهو مذهب الكوفيينَ فقالوا: تُقبَل شهادة بعضهم على بعض، وهي إحدى
الرِّوايتين عن أحمد، وأنكَرَها بعض أصحابه، واستثنى أحمدُ حالةَ السَّفَر فأجازَ فيها شهادةَ
أهل الكتاب كما سيأتي بيانه في أواخر الوصايا إن شاء الله تعالى (٢٧٨٠).
وقال الحسن وابن أبي ليلى واللَّيث وإسحاق: لا تُقبَل مِلَّة على مِلَّة وتُقبَل بعض المِلَّة
على بعضها لقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة : ١٤]،
وهذا أعدَلُ الأقوال لبُعدِه عن التُّهمة، واحتَجَّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَآءِ ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وبغير ذلك من الآيات والأحاديث.
قوله: ((وقال الشَّعْبي: لا تجوز شهادة أهل المِلَل ... )) إلى آخره، وَصَلَه سعيد بن منصور:
حدَّثنا هُشَيم حدّثنا داود عن الشَّعبي: لا تجوز شهادة مِلَّة على أُخرى إلَّا المسلمين، فإنَّ
شهادتهم جائزة على جميع المِلَل، وروى عبد الرَّزّاق (١٥٥٣٢) عن الثَّوري عن عيسى
- وهو الخيّاط - عن الشَّعبي: قال: كان يُجيز شهادة النَّصراني على اليهودي واليهودي على
النَّصراني، وروى ابن أبي شَيْبة (٧/ ٢١١) من طريق أشعَث عن الشَّعبي قال: تجوز شهادة
أهل المِلَل للمسلمينَ بعضهم على بعض. قلت: فاختُلِفَ فيه على الشَّعبي.
وروى ابن أبي شَيْبة عن نافع وطائفة: الجواز مُطلَقاً. وروى عبد الرَّزّاق (١٥٥٢٧)
عن مَعمَر عن الزُّهري: الجواز مُطلَقاً.
قوله: ((وقال أبو هريرة عن النبي ◌َّ: لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ... )) إلى آخره، وَصَلَه في
تفسير البقرة (٤٤٨٥) من طريق أبي سَلَمة عن أبي هريرة وفيه قِصَّة، وسيأتي الكلام عليه
ثَمَّ إن شاء الله تعالى.
والغَرَض منه هنا النَّهي عن تصديق أهل الكتاب فيما لا يُعرَف صِدقُه من قِبَل غيرهم،
فیدلّ على رَدِّشهادتهم وعَدَم قَبُولها کما یقول الجمهور.

٣٧٨
باب ٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يا مَعْشَرَ المسلمينَ، كيف تَسألونَ أهل الكتاب)) أي: من اليهود والنَّصارى.
قوله: ((وكتابُكُم)) أي: القرآن.
قوله: ((أَحْدَثُ الأخبار بالله)) أي: أقرَبها نزولاً إليكُم من عند الله عزَّ وجلَّ، فالحديث
بالنّسبة إلى المنزول إليهم، وهو في نفسه قدیم.
وقوله: ((لم يُشَبْ)) بضمٍّ أوَّله وفتح المعجَمة بعدها موخَّدة، أي: لم يُلَط، ووقع عند
أحمد (١٤٦٣١) من حديث جابر مرفوعاً: ((لا تَسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنَّهم لَن
يَهدوكُم وقد ضَلّوا)) الحديث. وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التَّوحيد (٧٥٤١-
٧٥٤٣) إن شاء الله تعالى.
والغَرَض منه هنا: الرَّدّ على مَن يقبل شهادة أهل الكتاب، وإذا كانت أخبارهم لا تُقْبَل
فشهادتُهم مردودة بالأوْلى؛ لأنَّ باب الشَّهادة أضيق من باب الرِّواية، والله أعلم.
٣٠- باب القُرْعة في المشكلات
وقولِه عزَّ وجلّ: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ [آل عمران: ٤٤].
وقال ابنُ عبَّاسٍ: اقتَرَعُوا فَجَرَتِ الأقلامُ معَ الجِرْيةِ، وعالَ فَلَمُ زكريَّا الْجِرْيةَ، فَكَفَلَها
ز کریًّا.
وقولِه: ﴿فَسَاهَمَ﴾: أقرَعَ ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]: مِن المَسْهُومِينَ.
وقال أبو هريرةَ: عَرَضَ النبيُّ بِّهِ على قومِ اليمينَ فأسرَعُوا، فأمَرَ أن يُسِهِمَ بينهم أيُّهم
يجلِف.
٢٩٣/٥ قوله: ((باب القُرْعة في المُشْكِلات)) أي: مشروعيتها، ووَجهُ إدخالها في كتاب الشَّهادات
أنَّها من ◌ُملة البيِئات التي تَثْبُت بها الحقوق، فكما تُقطَع الخصومة والنِّراع بالبيِّنة كذلك
تُقْطَع بالقُرْعة. ووقع في رواية السَّرَخسي وحده: ((من المشكِلات)) والأوَّل أوضح،
وليست ((من)) للتَّبعيضِ إن كانت محفوظة.

٣٧٩
باب ٣٠
كتاب الشهادات
ومشروعية القُرْعة ممَّا اختُلِفَ فيه،/ والجمهور على القول بها في الجملة، وأنكرها بعض ٢٩٤/٥
الحنفية، وحَكَى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها، وجَعَلَ المصنّف ضابطَها الأمرَ الْمُشكِل،
وفَسَّرَها غيره بما ثبت فيه الحقُّ لاثنَيْنِ فأكثر وتقعُ المُشاحَحَةُ فيه فيُقْرَع لفصلِ النِّزاع.
وقال إسماعيل القاضي: ليس في القُرْعة إبطال الشيء من الحقّ كما زَعَمَ بعض الكوفيينَ،
بل إذا وَجَبَت القِسمة بين الشُّرَكاء فعليهم أن يُعَدِّلوا ذلك بالقيمة ثمَّ يَقتَرِعوا، فيصير لكلِّ
واحد ما وقع له بالقُرْعة مُجْتَمِعاً مما كان له في المِلك مُشاعاً، فيُضَمّ في موضع بعَينِه ويكون
ذلك بالعِوَضِ الذي صار لشَريكِهِ لأنَّ مقادير ذلك قد عُدِّلَت بالقيمة، وإنَّما أفادت القُرْعة
أن لا يختار واحد منهم شيئاً مُعيَّناً فيَختاره الآخر فيُقْطَع التَّنَازُع، وهي إمَّا في الحقوق
المتساوية وإمَّا في تعيين المِلك، فمِن الأوَّل عَقْدُ الخلافة إذا استَوَوا في صِفَة الإمامة، وكذا بين
الأئمّة في الصَّلَوات والمؤَذِّنينَ، والأقارب في تغسيل الموتى والصلاة عليهم، والحاضنات إذا
كُنَّ فِي دَرَجَةٍ، والأولياءِ في التَّزويج، والاستباق إلى الصَّفّ الأوَّل، وفي إحياء الموات، وفي
نَقْل المَعْدِن ومقاعِد الأسواق، والتَّقديم بالدَّعوى عند الحاكم، والتَّزاحُم على أخذ اللَّقيط،
والتُّزول في الخان المسَبَّل(١) ونحوه، وفي السَّفَر ببعضِ الزَّوجات، وفي ابتِداء القَسْم
والدُّخول في ابتداء النِّكاح، وفي الإقراع بين العَبيد إذا أَوصَى بعِتِقِهم ولم يَسَعْهم الثُّلثُ،
وهذه الأخيرة من صوَر القسم الثاني أيضاً، وهو تعيين المِلك، ومن صُوَر تعيين المِلك
الإقراع بين الشُّرَكاء عند تعديل السِّهام في القسمة.
قوله: ((وقوله عزَّ وجلّ: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾)) أشار بذلك إلى
الاحتجاج بهذه القِصَّة في صِحَّة الحكم بالقُرْعة، بناء على أنَّ شَرْع مَن قَبْلنا شَرعٌ لنا إذا لم
يَرِدْ في شَرْعنا ما يخالفه، ولا سيَّما إذا وَرَدَ في شَرْعنا تقريره، وساقه مَساقَ الاستحسان
والشَّناء على فاعله، وهذا منه.
(١) الخان المسبَّل: هو المجعول في سبيل الله، يقال: سبَّلتُ الشيءَ: إذا أبحتَه، كأنك جعلتَ إليه طريقاً
.. مطروقة، وسبَّل ضيعتَه: جعلها في سبيل الله. انظر ((اللسان)) (سبل).

٣٨٠
باب ٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال ابن عبّاس ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن جَرِير (٢٦٧/٣) بمعناه.
وقوله: ((وعالَ قلمُ زكريّا)) أي: ارتَفَعَ على الماء، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((وعَلَا))، وفي
نُسخَة: ((وعَدَا)) بالدّال، والجِرْية بكسر الجيم، والمعنى: أنَّهم اقتَرَعوا على كَفالة مريم أيّهم
يَكفُلها، فأخرج كلّ واحد منهم قلماً وألقَوْها كلَّها في الماء، فجَرَت أقلام الجميع مع الجِرْية
إلى أسفَل وارتَفَعَ قلم زكريّا فأخَذَها. وأخرج ابن العَديم في ((تاريخ حَلَب)) بسندِه إلى
شعيب بن إسحاق: أنَّ النَّهر الذي ألقَوْا فيه الأقلام هو نهر قُوَيق، النَّهر المشهور بحَلَب!
قوله: ((وقولِه)) أي: وقول الله عزَّ وجلَّ.
قوله: ((﴿فَسَاهَمَ﴾: أقرَعَ)) هو تفسير ابن عبّاس، أخرجه ابن جَرِير (٩٧/٢٣) من طريق
معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عنه، وروي عن السُّدّي قال: قوله: ﴿فَسَاهَمَ﴾
أي: قارَعَ، وهو أوضح.
قوله: (﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ﴾: من المسهومِينَ)) هو تفسير ابن عبّاس أيضاً أخرجه ابن
جَرِير (٩٧/٢٣) بالإسناد المذكور بلفظ: فكان من المقروعينَ. ومن طريق ابن أبي نَجِيح
عن مجاهد بلفظ: فكان من المسهومينَ. والاحتجاج بهذه الآية في إثبات القُرْعة يَتَوقَّف على
القول بأنَّ شَرْع مَن قَبَلَنَا شَرٌ لنا، وهو كذلك ما لم يَرِد في شَرعنا ما يُخالفه، وهذه المسألة
من هذا القَبيل، لأنَّه كان في شَرعهم جواز إلقاء البعض لسلامة البعض، وليس ذلك في
شَرعنا لأنَّهم مُستَوون في عِصمة الأنفُس، فلا يجوز إلقاؤهم بقُرعةٍ ولا بغيرها.
قوله: ((وقال أبو هريرة: عَرَضَ النبي ◌َِّهِ ... )) إلى آخره، وَصَلَه قبلُ بأبواب (٢٦٧٤)،
وتقدَّم الكلام عليه في ((باب إذا تَسارَعَ قوم في اليمين)) وهو حُجَّة في العمل بالقُرْعة.
ثمَّ ذكر المصنِّفُ في الباب أيضاً أربعة أحاديث:
الأول: حديث أُمّ العَلاءِ(١) في قِصَّة عثمان بن مظعون.
(١) كذا جاء في الأصلين و(س) بتقديم حديث أم العلاء على حديث النعمان بن بشير، الذي هو الحديث الأول في
بعض نسخ ((صحيح البخاري))، فجعله في الشرح الحديثَ الرابع، وسينّه الحافظ في آخر الشرح على ذلك.