Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ باب ٤ / ح ٢٦٤٠ كتاب الشهادات ٤ - بابٌ إذا شهد شاهدٌ أو شهودٌ بشيءٍ وقال آخرون: ما عَلِمْنا بذلك، يُحْكُمُ بقولِ مَن شَهِدَ قال الحُمَيديُّ: هذا كما أخبَرَ بلالٌ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ صَلَّى في الكَعْبةِ، وقال الفَضْلُ: لم يُصلِّ، فَأخَذَ النّاسُ بشهادةِ بلالٍ، / وكذلك إن شَهِدَ شاهدانِ أنَّ لفلانٍ على فلانٍ ألفَ دِرْهَمٍ، وشَهِدَ ٢٥١/٥ آخَرانِ بألفٍ وخمسٍ مِئَةٍ، يُقْضَى بالزِّيادةِ. ٢٦٤٠ - حدَّثنا حِبّانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عمرُ بنُ سعيد بنِ أبي حسينٍ، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ أبي مُلَيكةَ، عن عُقْبَةَ بنِ الحارثِ: أنَّه تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إهاب بنِ عَزِيزٍ، فأنتْه امرأةٌ فقالت: قد أرضَعْتُ عُقْبَةَ والتي تَزَوَّجَ، فقال لها عُقْبةُ، ما أعلمُ أَنَّكِ أرضَعْتِي ولا أخبَرْتِني؟ فأرسَلَ إلى آلٍ أبي إهابٍ يَسْألهُم، فقالوا: ما عَلِمْناهُ أرضَعَت صاحبَتَنَا، فَرَكِبَ إلى النبيِّ ◌َّ بِالمدينةِ، فسألَه، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((كيفَ وقد قِيلَ؟» ففارَقَها ونگَحَت زوجاً غيره. قوله: («بابٌ إذا شَهِدَ شاهدٌ أو شهودٌ بشيءٍ، وقال آخرونَ: ما عَلِمْنا بذلك، يُحْكُمُ بقولِ مَن شَهِدَ، قال الحُمَيدي: هذا كما أخبر بلال ... )) إلى آخره، تقدَّم هذا في ((باب العُشر)) من كتاب الزكاة (١٤٨٣)، وأنَّ المثبِتَ مُقدَّمٌ على النافي، وهو وِفاقٌ من أهلِ العلم إلَّا مَن شَذَّ، ولا سيَّما إذا لم يَتَعرَّض إلَّا لنفي عِلْمِه، وأشار إلى ذلك بقوله: ((وكذلك إن شَهِدَ شاهدان ... )) إلى آخره، وقد اعتُّرِضَ بأنَّ الشَّهادتين اتَّفَقَتَا على الألْفِ، وانفَرَدَت إحداهما بالخمس مئة، والجواب أنَّ سُكوتَ الأُخرى عن الخمسِ مئة في حكمٍ نفيها. ثم أورد حديث عُقْبةَ بن الحارث في قِصَّة المرضِعة، وسيأتي الكلامُ عليها مُستَوفَّى بعدَ أبواب (٢٦٥٩). والغَرَض منه هنا أنَّهَا أثبَتَت الرَّضاع ونَفاه عُقْبَةُ، فاعتَمَدَ النبيُّ وَّه قولَهَا، فأمَرَه بفِراق امرأتِه إمَّا وجوباً عند مَن يقول به، وإمَّا نَدباً على طريق الوَرَع. وقوله في هذه الرِّواية: ((لأبي إهاب بن عَزِيز)) بالعين المهمَلة المفتوحة وزايَينِ مَنقوطَتين وزن عَظِيم، ووقع عند أبي ذرِّ عن المُستَمْلي والحَمُّوِيّ: ((عُزَير)) بزاي وآخره راء مُصغَّر، والأوَّل أصوَبُ. ٣٠٢ باب ٥ / ح ٢٦٤١ فتح الباري بشرح البخاري ٥- باب الشُّهداء العُدول وقولِ الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ و﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ ٢٦٤١- حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافع، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني مُحميدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ: أنَّ عبدَ الله بنَ عُتْبَةَ قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطّاب ◌ّه يقول: إنَّ أُنَاساً كانوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْي في عَهْدِ رسولِ اللهِوَّةِ، وإنَّ الوَحْيَ قِدِ انقَطَعَ، وإنَّما نأخُذُكم الآنَ بما ظَهَرَ لنا من أعمالكم، فمَن أَظْهَرَ لنا خيراً أمِنّاه وقَرَّبناه، وليسَ إلَينا من سَرِيرَتِهِ شيءٌ، الله يُحاسِبُ سَرِيرَتَه، ومَن أَظْهَرَ لنا سُوءاً لم نأمَنْه ولم نُصَدِّقْه، وإن قال: إنَّ سَرِيرَتَه حسنةٌ. قوله: «باب الشُّهَداءِ العُدول، وقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] و﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢])) أي: وقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ﴾، فالواوُ ٢٥٢/٥ عاطفة من كلام المصنّفِ لا من التِّلاوة، والعَدْل والرِّضًا عند الجمهور: مَن يكون/ مسلماً مُكَلَّفاً حُرّاً غيرَ مُرتَكِبٍ كبيرةً ولا مُصِرّاً على صغيرة. زاد الشّافعي: وأن يكون ذا مُرُوءة. ويُشتَرَطُ فِي قَبُول شهادته أن لا يكون عدوّاً للمشهودِ عليه، ولا مُتَّهَاً فيها بجَرّ نفعٍ ولا دَفعِ ضُرّ، ولا أصلاً للمشهودِ له ولا فرعاً منه. واختُلِفَ في تفاصيلَ من ذلك وغيره، كما سيأتي بعضُ ذلك في بعضِ التَّراجمِ إن شاء الله تعالى. قوله: ((أنَّ عبد الله بن عُثْبة)) أي: ابن مسعود، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود، سمِعَ من كبار الصحابة وله رُؤيةٌ، وحديثُه هذا عن عمرَ أغفَلَه المِزّي في ((الأطراف)»، والمرفوع منه ما أشار إليه مَّا كان الناس عليه في عَهدِ النبي ◌ِّ. قوله: ((وإنَّ الوَحْيَ قد انقَطَعَ)) أي: بعدَ وفاة النبي ◌ََّ، والمراد انقطاع أخبار الملَكِ عن الله تعالى لبعضِ الآدميينَ بالأمر في اليَقَظَة، وفي رواية أبي فراس عن عمر عند الحاكم (٤٣٩/٤): إنّ كنَّا نَعرِفُكُم إذ كان فينا رسول الله وَّه، وإذا الوحيُّ يَنْزِلُ، وإذ يأتينا من أخباركُم. وأراد أنَّ النبي ◌َّ قد انطَلَقَ ورُفِعَ الوحيُّ. ٣٠٣ باب ٦ / ح ٢٦٤٢ - ٢٦٤٣ كتاب الشهادات قوله: ((فمَن أَظْهَرَ لنا خيراً أمِنّاه)) بهمزةٍ بغير مَدِّ وميم مكسورةٍ ونونٍ مُشَدَّدةٍ، من الأَمْن، أي: صَيَّرناه عندنا أميناً، وفي رواية أبي فراس: ((ألا ومَن يُظهِرُ منكم خيراً ظَنَنًا به خیراً وأحببناه علیه)). قوله: (الله يُحاسِب)) كذا لأبي ذرِّ عن الحَمُّوِيّ بحذف المفعول، وللباقينَ: ((الله مُحاسِبُه))، بمیمِ أوَّلَه وهاء آخره. قوله: ((سوءاً) في رواية الكُشْمِيهني: ((شرّاً))، وفي رواية أبي فراس: ((ومَن يُظهِر لنا شّاً ظَنَنا به شراً وأبغضْناه علیه؛ سرائرُكُم فيما بينكم وبين رَبِّكم)). قال المهلَّبُ: هذا إخبار من عمرَ عمَّا كان الناس عليه في عهدٍ رسول الله ◌َ ◌ّ وعمَّا صار بعدَه، ويُؤخَذُ منه أنَّ العَدْلَ مَن لم تُوجَد منه الرِّيبة، وهو قولُ أحمد وإسحاق، كذا قال! وهذا إنَّما هو في حقّ المعروفينَ، لا مَن لا يُعرَفُ حالُه أصلاً. ٦ - بابٌ تعدیل کم يجوز؟ ٢٦٤٢ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حذَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسِ حُ، قال: مُرَّ على النبيِّ ◌ََّ بِجِنازةٍ، فَأَثْنَوا عليها خيراً، فقال: ((وَجَبَتْ))، ثمَّ مُرَّ بأُخرَى، فأثْنَوا عليها شّاً - أو قال غيرَ ذلك - فقال: ((وَجَبَتْ)) فقِيلَ: يا رسولَ الله، قلتَ لهذا: وَجَبَتْ، ولهذا: وَجَبَت! قال: ((شهادةُ القومِ؛ المؤمنونَ شُهَداءُ الله في الأرضِ)). ٢٦٤٣ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا داودُ بنُ أبي الفُراتِ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُرَيدَ، عن أبي الأسوَدِ، قال: أتيتُ المدينةَ وقد وقَعَ بها مَرَضٌ، وهم يَمُوتُونَ مَوْتاً ذَرِيعاً، فجَلَسْتُ إلى عمرَ ﴾، فمَرَّت جِنازةٌ فَأَثْنِيَ خيراً، فقال عمرُ: وَجَبَت، ثمَّ مُرَّ بأُخرَى فأَثْنيَ خيراً، فقال عُمرُ: وَجَبَت، ثُمَّ مُرَّ بالثّالثةِ فَأَثْنِيَ شَرّاً، فقال: وَجَبَت، فقلتُ: وما وَجَبَت يا أمِيرَ المؤمنينَ؟ قال: قلتُ كما قال النبيُّ وَّ: ((أيُّما مُسلِمٍ شَهِدَ له أربعةٌ بخيرٍ أدخَلَه الله الجنَّةَ)) قلنا: وثلاثةٌ؟ قال: ((وثلاثةٌ)) قلنا: واثنانٍ؟ قال: ((واثنانِ)) ثمَّ لم نَسْأله عن الواحدِ. ٣٠٤ باب ٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((بابٌ)) بالتنوينِ ((تعديلُ كم يجوز؟)) أي: هل يُشتَرَطُ في قَبُولِ التَّعديلِ عدد مُعيَّن؟ أورَدَ فيه حديثَي أنس وعُمر في ثَناءِ الناس بالخير والشرّ على الميِّتينَ، وفيهما قوله عليه الصلاة والسَّلام: ((وَجَبَت)) وقد تقدَّم شرحُه مُستَوَى في كتاب الجنائز (١٣٦٨)، وحَكَيتُ عن ابن المنيِّر أنَّه قال في ((حاشيته)): قال ابن بَطَّال: فيه إشارة إلى الاكتفاءِ بتعديلِ ٢٥٣/٥ واحدٍ، / وذكرتُ أنَّ فيه غُموضاً، وكأنَّ وجهَه أنَّ في قوله: ((ثمَّ لم نَسأله عن الواحدِ)) إشعاراً بعيداً بأنَّهم كانوا يَعتَمِدون قولَ الواحدِ في ذلك، لكنَّهم لم يسألوا عن حُكمِه في ذلك المقام، وسيأتي للمصنِّف بعدَ أبواب التصريحُ بالاكتِفَاءِ في شُهَداءِ التَّزكية بواحد (٢٦٦٢)، وكأنَّه لم يُصرِّح به هنا لما فيه من الاحتمال. قوله: ((شهادةُ القوم)) هو مُبتَدَأ، وخبرُه محذوفٌ تقديره: مقبولة، أو هو خبرُ مُبْتَدَأٍ محذوفٍ تقديره: هذه شهادة القوم، ووقع في رواية الأَصِيلي: ((شهادةَ)) بالنَّصبِ، بتقدیر فعل ناصبٍ. قوله: ((المُؤْمِنونَ شُهَداء الله في الأرضِ)) كذا للأكثر، و((المؤمنون)) مُبتَدَأ خبرُه ((شُهَداءُ»، وفي رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسي: ((شهادة القومِ المؤمنينَ، شُهَداءُ الله في الأرضِ)) و((شُهَداء)) على هذا خبر مُبتَدَأٍ محذوفٍ تقديره: هم شُهَداءُ. وقال السُّهَيلي: رواه بعضُهم برفع ((القوم))، فإن كانت الرِّواية بتَنوين ((شهادة)) فهي على إضمار المبتَدَأ، أي: هذه شهادةٌ، ثمَّ استأنَفَ فقال: ((القومُ المؤمنون شُهَداءُ الله في الأرضِ))، فـ((القومُ)) مُبْتَدَأ، و((المؤمنون)) نَعْت أو بدلٌ، وما بعدَه خبر، قال: وأكثرُ ما وَرَدَ في الحديث حذف المنعوت؛ لأنَّ الحكمَ يَتعلَّقُ بالصِّفة، فلا يحتاجُ لِذِكرِ الموصوف. ثمَّ حَكَى وجهَينٍ آخرَينِ فيهما تكلّفٌ، ولم يقع في شيءٍ من الرِّواياتِ بالتنوين، ولا سيّما مع رواية من رواه بنصبِ المؤمنین. ٧- باب الشهادة على الأنساب والرَّضاع المستفيض والموت القديم وقال النبيُّ ◌َّهِ: ((أرضَعَتْني وأبا سَلَمَةَ ثُوَيبةُ)). والتثبّتِ فيه. ٣٠٥ باب ٧ / ح ٢٦٤٤ - ٢٦٤٧ كتاب الشهادات ٢٦٤٤- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرنا الحَكَمُ، عن عِرَاك بنِ مالكٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: استأذَنَ عليَّ أفلَحُ، فلم آذَنْ له، فقال: أتحتَجِبِينَ منّي وأنا عَمُّكِ؟ فقلتُ: وكيفَ ذلك؟ فقال: أرضَعَتْكِ امرأةُ أخي بلَبَنِ أخي. فقالت: سألتُ عن ذلك رسولَ الله ◌َّ؟ فقال: ((صَدَقَ أَفَلَحُ، اثْذَني ◌َه)). [أطرافه في: ٤٧٩٦، ٥١٠٣، ٥١١١، ٥٢٢٩، ٦١٥٦] ٢٦٤٥ - حدَّثْنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هَمَّاٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ نَّه في بنت حمزةَ: ((لا تَحِلُّ لي، يَحِرُمُ مِن الرَّضَاعَةِ ما يَجِرُمُ مِن النَّسَبِ، هي بنتُ أخي مِن الرَّضاعةِ)). [طرفه في: ٥١٠٠] ٢٦٤٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ بنت عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ وَّهِ أَخَرَتْها: أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ كان عندَها، وأنَّها سمعَت صوتَ رجلٍ يَسْتَأذِنُ في بيتِ حفصةَ، قالت عائشةُ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أُراهُ فلاناً، لِعَمِّ حفصةَ منَ الرَّضاعة، فقالت عائشة: يا رسول الله، هذا رجلٌ يَسْتَأذِنُ في بيتِكَ، قالت: فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((أَراه فلاناً)) لِعَمِّ حفصةَ مِن الرَّضاعةِ، فقالت عائشةُ: لو كان فلانٌ حَيّاً - لعَمِّها مِن الرَّضاعةِ - دَخَلَ عليَّ؟ فقال رسولُ الله ◌ِّ: ((نعم، / إنَّ الرَّضاعةَ يَجِرُمُ ٢٥٤/٥ منها ما يَجِرُمُ مِن الوِلادِ». [طرفاه في: ٣١٠٥، ٥٠٩٩] ٢٦٤٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن أشْعَثَ بنِ أبي الشَّعْثاءِ، عن أبيه، عن مَسْرُوقٍ، أَنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: دَخَلَ النبيُّ ◌ِ﴿ وعندي رجلٌ، قال: ((يا عائشةُ، مَن هذا؟)) قلتُ: أخي مِن الرَّضاعةِ، قال: ((يا عائشةُ، انظُرْنَ مَن إخوانُكُنَّ، فإنََّا الرَّضاعةُ مِن المجاعةِ». تابَعَه ابنُ مَهْدِيٌّ، عن سفيانَ. [طرفه في: ٥١٠٢] ٣٠٦ باب ٧ / ح ٢٦٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب الشَّهادةِ على الأنساب والرَّضاعِ المستَفيض والموتِ القديم)) هذه الترجمة معقودة لشهادة الاستفاضة، وذكر منها النَّسَبَ والرَّضاعة والموت القديم. فأمَّا النَّسَبُ فيُستَفادُ من أحاديثِ الرَّضاعة، فإنَّه من لازِمِه، وقد نُقِلَ فيه الإجماع. وأمَّا الرَّضاعةُ فيُستَفادُ ثُبوتُها بالاستفاضة من أحاديث الباب، فإنّها كانت في الجاهلية، وكان ذلك مُستفیضاً عندمَن وقع له. وأمَّا الموتُّ القديمُ فيُستَفادُ حكمُه بالإلحاق، قاله ابنُ المنيِّر، واحتَرَزَ بالقديمِ عن الحادث، والمرادُ بالقديم: ما تَطاوَلَ الزَّمان عليه، وحدَّه بعضُ المالكية بخمسينَ سنةً، وقيل: بأربعينَ. قوله: ((وقال النبي ◌َّ: أرضَعَتْني وأبا سَلَمَةَ ثُوَيبةُ)) هو طَرَفٌ من حديثٍ وَصَلَه في الرَّضاعِ (٥١٠١) من حديثٍ أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسيأتي الكلامُ عليه هناك. وتُوَيبة بالمثلَّئة ثمَّ الموحّدة مُصغَّرة، يأتي هناك ذِكرُ شيءٍ من خبرها وخبر أبي سَلَمة بن عبد الأسَد إن شاء الله تعالى. واختلفَ العلماءُ في ضابطِ ما تُقبَلُ فيه الشَّهادةُ بالاستفاضة، فتَصِحُّ عند الشّافعية في النَّسَبِ قطعاً، والولادةٍ، وفي الموتِ والعِثْق والوَلاءِ والوَقفِ والولاية والعَزلِ والنِّكاح وتَوابعِه، والتَّعديلِ والتَّجريح والوَصَّة والرُّشِدِ والسَّفَه والمِلك، على الرَّاجحِ في جميعٍ ذلك. وبَلَّغَها بعضُ المتأخِّرينَ من الشّافعية بضعةً وعشرينَ موضعاً، وهي مُستَوفاةٌ في ((قواعد العَلَائي)). وعن أبي حنيفة: تجوزُ في النَّسَبِ والموتِ والنِّكاح والدُّخول، وكَونِه قاضياً، زاد أبو يوسف: والولاء، زاد محمد: والوَقْف، قال صاحب ((الهِداية)): وإنَّما أُجيزَ استحساناً، وإلَّا فالأصل أنَّ الشَّهادةَ لا بُدَّ فيها من المشاهَدة، وشرطُ قَبُولها أن يَسمعَها من جمعٍ يُؤَمَنُ تَواطُؤُهم على الكذب، وقيل: أقلُّ ذلك أربعة أنفُس، وقيل: يكفي من عَدَلَين، وقيل: یکفي من عَدلٍ واحدٍ إذا سَكَنَ القلبُ إليه. ٣٠٧ باب ٨ كتاب الشهادات قوله: ((والتثُّت فيه)) هو بقية الترجمة. وكأنَّه أشار إلى قوله ◌َّه في حديثٍ عائشة آخر الباب: ((انظُرُنَ مَن إخوانُكُنَّ من الرَّضاعة)) الحديث. ثُمَّ أورَدَ المصنِّفُ فيه أربعةَ أحاديث، سيأتي الكلام عليها جميعاً في الرَّضاعِ آخر النِّكاح (٥٠٩٩-٥١٠٣) إن شاء الله تعالى. والإسنادُ الثاني كلّه بصريون إلَّا الصحابي وقد سكَنَها. والثالثُ كلُّه مدنيُّون إلَّا شيخَه وقد دَخَلَها. والرَّابعُ كلّه كوفيون إلَّا عائشة. قوله في آخر الباب: ((تابَعَه ابن مَهْدي عن سُفْيان)) أي: أنَّ عبد الرَّحمن بن مهدي روی حدیثَ عائشة عن سفيان بإسناده کما رواه محمد بن کثیرٍ، ورواية ابن مَهْدي موصولة عند مسلم (١٤٥٥) وأبي يعلى (١)، وسيأتي الخلافُ(٢) في أفلَحَ هل كان عَمَّ عائشة من الرَّضاعة أو كان أباها. ٨- باب شهادة القاذف والسارق والزاني وقولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَ نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهْدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ﴾ [النور: ٤ - ٥]. وجَلَدَ عمرُ أبا بَكْرَةَ وشِبْلَ بنَ مَعْبَدٍ ونافعاً بقَذْفِ المغيرةِ، ثمَّ استتابهم، وقال: مَن تابَ ٢٥٥/٥ قَبِلْتُ شهادته. وأجازَه عبدُ الله بنُ عُتْبَةَ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وطاؤُوسٌ، ومجاهدٌ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمةُ، والزُّهْريُّ، وتُحاربُ بنُ دِثارٍ، وشُرَيحٌ، ومعاويةُ بنُ قُرّةَ. وقال أبو الزِّنادِ: الأمرُ عندَنا بالمدينةِ، إذا رَجَعَ القاذِفُ عن قولِهِ، فاستَغْفَرَ رَبَّه، قُبِلَت شهادُه. وقال الشَّعْبِيُّ وقَتَادَةُ: إذا أكذَبَ نفسَه جُلِدَ، وقُبِلَت شهادتُه. (١) وصله من طريقه الحافظ في ((التغليق)) ٣٧٦/٣، ورواية ابن مهدي موصولة أيضاً عند أحمد (٢٥٧٩٠). (٢) بين يدي الحديث (٥٠٩٩) من كتاب النكاح. ٣٠٨ باب ٨ فتح الباري بشرح البخاري وقال الثَّوْريُّ: إذا جُلِدَ العبدُ ثمَّ أُعْتِقَ، جازَت شهادتُه، وإنِ استُقْضِىَ المحدودُ، فقضاياه جائزةٌ. وقال بعضُ النّاسِ: لا تجوزُ شهادةُ القاذِفِ وإن تابَ، ثمَّ قال: لا يجوزُ نِكاحٌ بغيرِ شاهدَينٍ، فإن تَزَوَّجَ بشهادةِ تَحْدُودَينٍ جازَ، وإن تَزَوَّجَ بشهادةِ عَبْدَينٍ لم يَجُزْ، وأجازَ شهادةَ العبدِ والمحدودِ والأَمَةِ لِرُؤْيةِ هلال رمضانَ. وكيفَ تُعرَفُ توبتُهُ. نَفَى النبيُّ ◌َِّ الزّانيَ سنةً، ونَهَى عن كلام كَعْبٍ بنِ مالكٍ وصاحبَه حتَّى مَضَى خمسونَ ليلةً. قوله: ((باب شهادة القاذِف والسارق والزّاني)) أي: هل تُقبَلُ بعدَ توبتِهم أم لا. قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا نَقْبَلُوْ لَمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ) إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ﴾)) وهذا الاستثناء عُمدةُ مَن أجازَ شهادتَه إذا تابَ. وقد أخرج البيهقي (١٥٣/١٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ لَمُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ ثمّ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾: فمَن تابَ فشهادته في كتاب الله تُقبَلُ. وبهذا قال الجمهور: إنَّ شهادة القاذِف بعدَ الثَّوبة تُقبَلُ، ويَزولُ عنه اسم الفِسْق، سواءٌ كان بعدَ إقامة الحدِّ أو قبلَه، وتأوَّلوا قولَه تعالى: ﴿أَبَدًا﴾ على أنَّ المراد: ما دام مُصِرّاً على قَذْفِه؛ لأَنَّ أبدَ كلِّ شيءٍ على ما يَليقُ به، كما لو قيل: لا تُقبَلُ شهادةُ الكافرِ أبداً، فإنَّ المراد ما دام كافراً، وبالَغَ الشَّعبيُّ فقال: إن تابَ القاذِف قبلَ إقامة الحدِّ سقط عنه. ٢٥٦/٥ وذهب الحنفيةُ إلى أنَّ الاستثناءَ يتعلَّقُ بالفِسْق خاصَّةً، فإذا/ تابَ سقط عنه اسم الفِسْق، وأمَّا شهادتُه فلا تُقبَلُ أبداً. وقال بذلك بعض التابعين. وفيه مذهبٌ آخرُ: يُقبَلُ بعدَ الحدِّ لا قبلَه. وعن الحنفية: لا تُرَدُّ شهادتُه حتَّى يُحُدَّ، وتعَقَّبَه الشّافعي بأنَّ الحدودَ كفَّارة لأهلِها، فهو بعدَ الحدِّ خيرٌ منه قبله، فكيف يُرَدُّ في خیر حالتیه ويُقبِلُ في شرِّهما! قوله: «وجَلَدَ عمرُ أبا بَكْرَةَ وشِبْلَ بن مَعْبَد ونافعاً بقَذْفِ المغيرةِ، ثمَّ استَتَابَهم وقال: مَن ٣٠٩ كتاب الشهادات تابَ قَبِلْتُ شهادتَه)) وَصَلَه الشّافعي في ((الأَمِ)) (١٢١/٤ و٢٧/٧) عن سفيان(١) قال: سمعتُ الزُّهري يقول: زَعَمَ أهلُ العراق أنَّ شهادة المحدود لا تجوزُ، فأشهَدُ لَأخبرني فلانٌ: أنَّ عمر بن الخطّاب قال لأبي بَكْرةَ: تُبْ وأقبَلَ شهادتَكَ. قال سفيان: سمَّى الزُّهْريُّ الَّذي أخبره، فحَفِظُه ثمَّ نسيتُه(٢)، فقال لي عمر بن قيس: هو ابن المسيّب. قلت: ورواه ابن جَرِير (١٨/ ٧٥) من وجهٍ آخرَ عن سفيان، فسمَّاه ابنَ المسيّب، وكذلك رُوّيناه بعُلوٍّ من طريق الَّعفَراني عن سفيان. ورواه ابن جَرِير في ((التفسير)) (١٨/ ٧٥) من طريق ابن إسحاق عن الزُّهري عن سعيد ابن المسيّبِ أتمَّ من هذا، ولفظُه: أنَّ عمر بن الخطّاب ضَرَبَ أبا بَكْرةَ وشِبْل بن مَعبَد ونافع ابن الحارث بن كَلَدة الحدَّ، وقال لهم: مَن أكذَبَ نفسَه قَبِلتُ شهادتَه فيما يَستَقْبِل، ومَن لم يَفعَل لم أُجِزِ شهادتَه. فأكذَبَ شِبلٌ نفسَه ونافعٌ، وأَبى أبو بَكْرةَ أن يَفعَلَ. قال الزُّهري: هو والله سُنَّةٌ فاحفَظُوه. ورواه سليمان بن كثير عن الزُّهري عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ حيثُ شَهِدَ أبو بَكْرةَ ونافعٌ وشِبلٌ على المغيرة، وشَهِدَ زيادٌ على خلاف شهادتِهِم، فجَلَدَهم عمرُ واستَتَابهم، وقال: مَن رَجَعَ منكم عن شهادتِه قَبِلتُ شهادته، فأبى أبو بَكْرةَ أن يرجعَ. أخرجه عمر بن شَبَّةَ في ((أخبار البصرة)) من هذا الوجه، وساق قِصَّة المغيرة هذه من طرقٍ كثيرةٍ مُحصَّلُها: أنَّ المغيرة بن شُعْبة كان أميرَ البصرة لعمرَ، فاتَّهَمَه أبو بَكْرة - وهو نُفَيِعٌ - الثَّقفي الصحابي المشهور، وكان أبو بَكْرةَ ونافع بن الحارث بن كَلَدةَ الثَّقفي، وهو معدودٌ في الصحابة، وشِبْلٌ - بكسر المعجَمة وسكونِ الموحّدة - بن مَعبَد بن عُتَيبة بن الحارث البَجَلي، وهو معدودٌّ في المخَضرَ مينَ، وزيادُ بن عُبيدٍ الَّذي كان بعدَ ذلك يقال له زياد بن أبي سفيان إخوَةً من أُمِّ، أُمُّهم سُميَّةُ مولاة الحارث بن كَلَدةَ، فاجتَمَعوا جميعاً، فرأوا المغيرةَ مُتَبَطِّنَ المرأة، (١) قوله: ((عن سفيان)) سقط من (س). (٢) جاء بعده في ((الأم)): وشككت فيه، فلما قمنا سألتُ مَن حضر. ٣١٠ باب ٨ فتح الباري بشرح البخاري وكان يقال لها: الرَّقطاء أُمّ جميل بنت عَمْرو بن الأفقَم الهِلالية، وزوجُها الحجّاج بن عَتِيك ابن الحارث بن عوف الْجُشَمي، فَرَحَلوا إلى عمرَ فشَكَوْه، فعَزَلَه ووَلّى أبا موسى الأشعري، وأحضَرَ المغيرةَ، فشَهِدَ عليه الثلاثة بالزِّنى، وأمَّا زياد فلم يَبُتَّ الشَّهادة، وقال: رأيت مَنظَراً قبيحاً وما أدري أخالَطَها أم لا، فأمَرَ عمرُ بجلدِ الثلاثة حَدَّ القَذْفِ، وقال ما قال. وأخرج القِصَّةَ الطبراني (٧٢٢٧) في ترجمة شِبْل بن مَعبَد، والبيهقي (١٤٨/١٠) من رواية أبي عثمان النَّهدي: أنَّه شاهَدَ ذلك عند عُمر، وإسناده صحيح، ورواه الحاكمُ في (المستدرَك)) (٤٤٨/٣ -٤٤٩) من طريق عبد العزيز بن أبي بَكْرةَ مُطوَّلاً، وفيها: فقال زيادٌ: رأيتُهما في لحافٍ وسمعت نَفَساً عالياً ولا أدري ما وراءَ ذلك. وقد حَكَى الإسماعيلي في ((المدخَلِ)): أنَّ بعضهم استَشكَلَ إخراجَ البخاري هذه القِصَّة واحتجاجَه بها، مع كَونِهِ احتَّ بحديثِ أبِي بَكْرةَ في ◌ِدَّة مواضعَ. وأجابَ الإسماعيلي بالفرق بين الشَّهادة والرِّواية، وأنَّ الشَّهادةَ يُطلَبُ فيها مَزِيد تَثُبُّت لا يُطلَبُ فِي الرِّواية كالعددِ والحُرّية وغير ذلك. واستنبَطَ المهلَّبُ من هذا: أنَّ إكذاب القاذِف نفسَه ليس شرطاً في قَبُولِ توبتِه؛ لأنَّ أبا بَكْرةَ لم يُكذِب نفسه، ومَعَ ذلك فقد قَبِلَ المسلمون روايتَه وعَمِلوا بها. قوله: ((وأجازَه عبد الله بن عُثْبة)) أي: ابن مسعود، وَصَلَه الطَّبَري (١٨/ ٧٧) من طريق عِمران بن عُمَير قال: كان عبد الله بن عُتْبة يُجِيزُ شهادة القاذِف إذا تابَ. قوله: ((وعمرُ بن عبد العزيز)) أي: الخليفةُ المشهور، وَصَلَه الطَّبَري (٧٦/١٨) والخَلّال من طريق ابن جُرَيج عن عِمْران بن موسى: سمعتُ عمر بن عبد العزيز أجازَ شهادة القاذِف ومعه رجل. ورواه عبد الرَّزّاق (١٥٥٤٦) عن ابن جُرَیج، فزاد مع عمر بن عبد العزيز أبا ٢٥٧/٥ بكر / بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم. قوله: ((وسعيد بن جُبَير)) وَصَلَه الطَّبَري (٧٦/١٨) من طريقِه بلفظ: تُقَبَّلُ شهادة القاذِف إذا تابَ))، وروى ابن أبي حاتم من وجهٍ آخرَ عنه: لا تُقبَلُ، لكنَّ إسناده ضعيف. ٣١١ باب ٨ كتاب الشهادات قوله: ((وطاووس وتُجاهد)) وَصَلَه سعيد بن منصور والشّافعي (٧/ ٢٧) والطََّري (١٨/ ٧٦) من طريق ابن أبي نَجِيح قال: القاذِف إذا تابَ تُقبَلُ شهادتُه. قيل لَهُ: مَن قاله؟ قال: عطاء وطاووس ومجاهد. قوله: ((والشَّعْبي)) وَصَلَه الطََّري (٧٦/١٨) من طريق ابن أبي خالد عنه أنَّه كان يقول: يقبلُ الله توبتَه ويردّون شهادته، وكان يقبلُ شهادتَه إذا تابَ، وروّيناه في ((الجَعدياتِ)) (١٩٢) عن شُعْبةَ عن الحكم في شهادة القاذِف أنَّ إبراهيمَ قال: لا تجوزُ. وكان الشَّعبي يقول: إذا تابَ قُبِلَت. قوله: ((وعِكْرِمة)) أي: مولى ابن عبّاس، وَصَلَه البَغَوي في ((الْجَعْديات)) (١٣٦٣) عن شُعْبةَ عن يونسَ - هو ابن عُبيدٍ - عن ◌ِكرِمةَ قال: إذا تابَ القاذِف قُبِلَت شهادتُه. قوله: ((والزُّهْري)) قَدّ تقدَّم قوله في قِصَّة المغيرة: ((هو سُنَّةٌ))، ورواه ابن جَرِير (١٨/ ٧٧) من وجهٍ آخرَ عن الزُّهري قال: إذا حُدَّ القاذِف، فإنَّه ينبغي للإمام أن يستتيبَه، فإن تابَ قُبِلَت شهادتُه وإلَّا لم تُقْبَل، وفي ((الموطَّأ)) (٢/ ٧٢١) عن الزّهري نحوُه في قِصَّة. قوله: ((وتُحارِب بن دِثارٍ وشُرَيح)) أي: القاضي ((ومعاوية بن قُرَّة) هؤلاءِ الثلاثة من أهلِ الكوفة، فدَلَّ على أنَّ مُراد الزُّهري الماضي في قِصَّة المغيرة بما نَسَبَه إلى الكوفيينَ من عَدَمِ قَبُولِهِم شهادة القاذِف: بعضُهم لا كلَّهم، ولم أرَ عن واحدٍ من الثلاثة المذكورينَ التصريحَ بالقَبُول، نعم الشَّعبي من أهلِ الكوفة، وقد ثبت عنه القَبُولُ كما تقدَّم، وروى ابن جرير(١) (٧٨/١٨) بإسنادٍ صحيح عن شُرَيح: أنَّه كان يقول في القاذِف: يقبلُ الله توبتَه ولا أقبَلُ شهادته! وروى ابن أبي حاتم(٢) (٨/ ٢٥٣٠) بإسنادٍ ضعيفٍ عن شُرَيح: أنَّه كان لا يقبلُ شهادته. قوله: ((وقال أبو الزِّنادِ)) هو المدنيُّ المشهور. (١) تحرف في (س) إلى: جریج. (٢) تُرف في (س) إلی: خالد. ٣١٢ باب ٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((الأمر عندنا ... )) إلى آخره، وَصَلَه سعيد بن منصور من طريقِ حُصَينٍ بن عبد الرَّحمن قال: رأيت رجلاً جُلِدَ حَدّاً في قَذْفٍ بالزِّنى، فلمَّا فُرِغَ من ضربِه أحدث تَوبة، فَلَقيتُ أبا الزِّناد فقال لي: الأمرُ عندنا ... فذكره. قوله: ((وقال الشَّعْبي وقَتَادة)) وَصَلَه الطََّري (٧٧/١٨) عنهما مُفَرَّقاً، وروى ابن أبي حاتم (١٤١٧٤) من طريق داود بن أبي هند عن الشَّعبي قال: إذا أكذَبَ القاذِف نفسَه قُبِلت شهادتُه. قوله: ((وقال الثَّوْري ... )) إلى آخره، هو في ((الجامع)) له من رواية عبد الله بن الوليد العَدَني عنه. قوله: ((وقال بعض النّاس: لا تجوزُ شهادة القاذِف وإن تابَ)) هذا منقول عن الحنفية، واحتَجّوا في رَدّ شهادة المحدود بأحاديثَ، قال الحُفّاظُ: لا يَصِحُّ منها شيء، وأشهَرُها حديث عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه مرفوعاً: ((لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ ولا محدودٍ في الإسلام)) أخرجه أبو داود (٣٦٠٠) وابن ماجَهْ (٢٣٦٦)، ورواه التِّرمِذي (٢٢٩٨) من حديث عائشة نحوَه، وقال: لا يَصِحُّ، وقال أبو زُرعةَ: مُنكَر(١)، وروى عبد الرَّزّاق (١٣٥٧٣) عن الثَّوري عن واصلٍ عن إبراهيمَ قال: لا تُقبَلُ شهادة القاذِف، توبتُه فيما بينه وبين الله، قال الثَّوري: ونحنُ على ذلك. وأخرج عبد الرَّزّاق من رواية عطاء الخُراساني عن ابن عبّاس نحوَه، وهو مُنقَطِع، ولم يُصِب مَن قال: إنَّه سندٌ قوي. قوله: ((ثمَّ قال)) أي: بعضُ الناس الَّذي أشار إليه («لا يجوزُ نِكاح بغير شاهدَينٍ، فإن تَزَوَّجَ بشهادة محدودَينِ جاز)) هو منقولٌ عن الحنفية أيضاً، واعتَذَروا بأنَّ الغَرَضَ شُهْرة النِّكاح، وذلك حاصل بالعَدلِ وغيره عند التَّحَمُّل، وأمَّا عند الأداءِ فلا يُقبَلُ إلَّ العَدْل. قوله: ((وأجازَ شهادةَ العبدِ والمحدود والأمَّةِ لُرُؤْيةِ هلال رمضان)» هو منقولٌ عن الحنفية أيضاً، واعتَذَروا بأنَّها جارية مَجَرَى الخيرِ لا الشَّهادة. (١) لكن حديث عبد الله بن عمرو إسناده حسن، وهو مخرج أيضاً في ((مسند أحمد)) (٦٦٩٨)، فلينظر. ٣١٣ باب ٨ / ح ٢٦٤٨ - ٢٦٤٩ كتاب الشهادات قوله: ((وكيف تُعرَفُ توبتُه)) أي: القاذِف، وهذا من كلام المصنّفِ، وهو من تمام الترجمة، وكأنَّه أشار إلى الاختلاف في ذلك، فعن أكثرِ السَّلَف: لا بُدَّ أن يُكذِبَ نفسَه، وبه قال الشّافعي، وقد تقدَّم التصريحُ به عن الشّافعي وغيره، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٧٨/٦) عن طاووس مِثْلَه، وعن مالك: إذا ازداد خيراً كفاه،/ ولا يَتَوقَّفُ على تكذيبِ نفسِه؛ ٢٥٨/٥ لجوازٍ أن يكون صادقاً في نفسِ الأمر. وإلى هذا مال المصنّف. قوله: (ونَفى النبي ◌َِّ الزّاني سنةً، ونَهى عن كلام كَعْب بن مالك وصاحبَه حتَّى مضى خمسونَ ليلةً)) أمَّا نفيُ الزّاني فموصول آخر الباب، وأمَّا قِصَّة كعب فستأتي بطولها في آخرٍ تفسير براءة (٤٦٧٧) وفي غَزْوة تبوكَ (٤٤١٨). ووجه الدّلالة منه أنَّه لم يُنقَل أنَّه وَهـ كَلَّفَهما بعدَ الثّوبة بِقَدْرٍ زائدٍ على النَّفي والهجران. ٢٦٤٨- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، عن يونسَ. وقال اللَّيْثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهَابٍ، أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّ امرأةً سَرَقَت في غَزْوةٍ الفتح، فأَتيَ بها و رسولُ اللهِ وَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ بها فقُطِعَت يَدُها، قالت عائشةُ: فحَسُنَت توبتُها وتَزَوَّجَت، وكانت تأتي بعدَ ذلك، فأرفَعُ حاجَتَها إلى رسولِ الله وَ له. [أطرافه في: ٣٤٧٥، ٣٧٣٢، ٣٧٣٣، ٤٣٠٤، ٦٧٨٧، ٦٧٨٨، ٦٨٠٠] ٢٦٤٩ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله، عن زيد بنِ خالٍ ◌ُّ، عن رسولِ الله ◌َّهِ: أنَّه أمَرَ فيمَن زَنَى ولم يُحْصَنْ: بجَلْدِ مِئَةٍ وتَغْرِيبٍ عامٍ. ثم أورد المصنِّفُ حديث عائشة في قِصَّة المرأة التي سرَقَت مختصرةً، والمرادُ منه قول عائشة: ((فحَسُنَت توبتُها)) الحديث، وكأنَّه أراد إلحاق القاذِفِ بالسَّارق؛ لعَدَم الفارق عنده، وإسماعيلُ شيخُه فيه: هو ابن أبي أوَيسٍ. وقوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونسُ)) وَصَلَه أبو داود (٤٣٧٣) من طريقِه لكن بغير هذا اللَّفظ، وظَهَرَ أنَّ هذا اللَّفظَ لابن وَهْبٍ، أَشار المصنّف إلى أنَّ ذلك يختلفُ باختلاف ٣١٤ باب ٩ / ح ٢٦٥٠ فتح الباري بشرح البخاري الأشخاص والأحوال، فيُشتَرَطُ مُضيُّ مُدَّةٍ يُظَنُّ فيها صِحَّةُ توبتِهِ، وقَدَّرَها الأكثرون بسنةٍ، ووَجَّهوه بأنَّ للفُصولِ الأربعة في النَّفْسِ تأثيراً، فإذا مَضَت أشعَرَ ذلك بحُسنِ السَّريرة، ولهذا اعتُبرَت في مُدَّة تغريب الزّاني، والمختارُ أنَّ هذا في الغالبِ، وإلَّا ففي قولِ عمرَ لأبي بَكْرةَ: («تُب أقبَل شهادتَكَ)) دلالةٌ للجمهور. قال ابن المنيِّرِ: اشتراطُ توبة القاذِف إذا كان عند نفسِه مُحِقّاً، في غاية الإشكال، بخلاف ما إذا كان كاذباً في قَذْفِهِ، فاشتراطُها واضحٌ، ويُمكِنُ أن يقال: إنَّ المعايِنَ للفاحشَة مأمورٌ بأن لا يَكشِفَ صاحبَها إِلَّ إذا تَحقَّقَ كمالُ النِّصاب معه، فإذا كَشَفَه قبلَ ذلك عَصَى، فَيَتوبُ من المعصية في الإعلان، لا من الصِّدق في عِلمِه. قلت: ويُعكِّرُ عليه أنَّ أبا بَكْرةَ لم يَكشِف حتَّى تَّحقَّقَ كمال النِّصاب معه، كما تقدَّم، ومَعَ ذلك أمَرَه عمرُ بالثَّوبة لتُقْبَلَ شهادتُه. ويُجابُ عن ذلك بأنَّ عمرَ لعلَّه لم يَطَّلِع على ذلك، فأمَرَه بالتَّوبة، ولذلك لم يَقبَل منه أبو بَكْرةَ ما أمَرَه به؛ لعلمِه بصِدقِه عند نفسِه، والله أعلم. ثمَّ أورد المصنِّفُ حديث زيد بن خالد في تغريبِ الزّاني، واستَشكَلَ الدَّاوُودي إيراده في هذا الباب، ووَجَّهَه أنَّه أراد منه الإشارةَ إلى أنَّ هذه المدَّةَ أقصى ما وَرَدَ في استبراء العاصي، والله أعلم. تنبيه: جَمَعَ البخاري في الترجمة بين السَّارق والقاذِفِ، للإشارة إلى أنَّه لا فرقَ في قَبُولِ التَّوبة منهما، وإلَّ فقَدَ نَقَلَ الطَّحَاوي الإجماع على قَبُولِ شهادة السَّارق إذا تابَ، نعم ذهب الأوزاعي إلى أنَّ المحدودَ في الخمرِ لا تُقبَلُ شهادتُه وإن تابَ، ووافقَه الحسنُ بن صالح، وخالَفَهما في ذلك جميعُ فقهاءِ الأمصار. ٩- بابٌ لا يشهد على شهادة جَوْرٍ إذا أُشهد ٢٦٥٠ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا أبو حَيّانَ التَّيْمِيُّ، عن الشَّعْبِيِّ، عن النُّعْمانِ ابنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، قال: سألَت أُمّي أَبي بعضَ المَوْهِبَةِ لي من ماله، ثمَّ بَدَا له فوَهَبَها لي، فقالت: لا أرضَى حتَّى تُشْهِدَ النبيَّ وََّ، فأخَذَ بيَدي وأنا غلامٌ، فأتى بيَ النبيَّ ◌ََّ، فقال: إنَّ ٣١٥ باب ٩ / ح ٢٦٥٠ -٢٦٥١ كتاب الشهادات أُمَّه بنتَ رَوَاحَةَ سألَتْني بعضَ المَوْهِبَةِ لهذا، قال: ((أَلَكَ ولدٌ سواه؟)) قال: نعم، قال: فأُراه قال: ((لا تُشْهِذْني علی جَوْرٍ». وقال أبو حَرِيزِ، عن الشَّعْبِيِّ: ((لا أَشْهَدُ على جَوْرٍ)). ٢٦٥١- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا أبو جَمْرةَ، قال: سمعتُ زَهْدَمَ بنَ مُضِّبٍ، قال: سمعتُ عِمْرانَ بنَ حُصَينٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌ََّ: ((خيرُكُم قَرْني، ثمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثمَّ الذِينَ يَلُونَهمْ)) قال/ عِمْرانُ: لا أدري أَذَكَرَ النبيُّ وَِّ بعدُ قَرْنَينِ أو ثلاثةً؟ قال النبيُّ ٢٥٩/٥ وَلّ: ((إنَّ بعدَكُم قوماً يَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولا يُستَشْهَدُونَ، ويَنْذُرُونَ ولا يَفُونَ، ويَظْهَرُ فيهم السِّمَنُ)). [أطرافه في: ٣٦٥٠، ٦٤٢٨، ٦٦٩٥] قوله: ((باب لا يَشْهَدُ على شهادةِ جَوْرٍ إذا أُشْهِدَ)) ذكر فيه حديثَ النُّعمان بن بَشِير في قِصَّة هِبَة أبيه له. وفيه قوله وَّةٍ: ((لا تُشهِدني على جَورٍ)) وقد مضى الكلامُ عليه مُستَوفَى في الهِبَة (٢٥٨٧)، وقد أخرجه البيهقي (١٧٦/٦) من الوجه الَّذي أخرجه منه البخاري هنا بلفظ: فقال: ((لا أَشهَدُ علی جَوٍ». وقوله في الترجمة: ((إذا أُشهِدَ) يُؤخَذُ منه أنَّه لا يَشْهَدُ على جَورٍ إذا لم يُستَشهَد بطريق الأَولى. وقوله: (وقال أبو حَريزٍ)) بفتح المهمَلة وكسر الراءِ وآخرُه زاي ((عن الشَّعبي: لا أشهَدُ على جَوْر)) أي: في روايته عن الشَّعبي عن النُّعمان في هذا الحديث، وقد تقدَّم في الهِبة (٢٥٨٧) الإشارةُ إلى مَن وصَلَه، وإلى التَّوفيق بين ما في رواية أبي حَرِيز وغيره عن الشَّعبي. ثُمَّ ذكر المصنِّفُ حديث: ((خيرُ الناس قَرْني)) من رواية عبد الله بن مسعود، ومن رواية عِمْران بن حُصَينٍ، وفي كلٍّ منهما زيادة على ما في الآخر، ووَرَدَ الحديثُ عن آخرينَ من الصحابة سأذكُرُ ما في رواياتِهِم من الفوائد والَّوائدِ مشروحة في أوَّلِ كتاب فضائل الصحابة (٣٦٥٠ و٣٦٥١) إن شاء الله تعالى، والغَرَضُ هنا ما يَتعلَّقُ بالشَّهادات. ٣١٦ باب ٩ / ح ٢٦٥١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال النبي ێ)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور، فهو بقیةُ حدیثٍ عمران، وسيأتي في الفضائلِ ما یوَضِّحُ ذلك. قوله: ((إنَّ بعدَكُم قوماً)) كذا للأكثر، وفي رواية النَّسَفي وابن شَبّويه: ((إنَّ بعدَكُم قوم))، قال الكِرْماني: لعلَّ كُتِبَ بغير ألفٍ على اللُّغة الرَّبيعية، أو حُذِف منه ضميرُ الشَّأن. قوله: ((يخونونَ)) كذا في جميع الرِّواياتِ التي اَّصَلَت لنا، بالخاء المعجمة والواو، مُشتَقُّ من الخيانة، وزَعَمَ ابن حَزْمِ أنَّه وقع في نُسختِه: ((يَجِرِبون)) بسكونِ المهمَلة وكسر الراءِ بعدَها موخَّدة؛ قال: فإن كان محفوظاً فهو من قولهِم: حَرَبَه يَجِرِبُه: إذا أخَذَ مالَه وتَرَكَه بلا شيء، ورجل تَحَرُوب، أي: مَسلُوب المال. تنبيه: قال النَّوَوي: وقع في أكثرِ نُسَخ مسلم (٢١٤/٢٥٣٥): ((ولا يُتَّمَنون)) بتشديد المثنَّة، قال غيرُه: هو نَظِيرُ قوله: ((ثُمَّ يَتَّزِرُ)) بالتشديد موضع قوله: (يأتِزِر)) وادَّعى أنَّه شاذٌّ، ولكن قد قرأ ابن مُحيصِن: ((فَلْيُؤَدِّ الذي اتِّنَ أمانتَه)) [البقرة: ٢٨٣](١)، ووَجَّهَه ابنُ مالك بأنَّه شِبهٌ بما فاؤُه واوٌ أو تحتانيةٌ، قال: وهو مقصورٌ على السَّماع. قوله: «ولا يُؤْتَمَنونَ» أي: لا یَثُِ الناسُ بهم، ولا يعتقدونهم أُمناء، بأن تكون خیانتُهم ظاهرةً بحيثُ لا يَبقى للنّاس اعتمادٌ عليهم. قوله: ((وَيَشْهَدونَ ولا يُستَشْهَدونَ)) يحتملُ أن يكون المراد التَّحَمُّلَ بدون التَّحميلِ، أو الأداءَ بدون طلبٍ، والثاني أقرَب، ويُعارضُه ما رواه مسلم (١٧١٩) من حديثٍ زید بن خالد مرفوعاً: «ألا أُخبِرُكم بخير الشُّهَداءِ؟ الَّذي يأتي بالشَّهادة قبلَ أن يُسألها». واختلفَ العلماءُ في ترجيحِهما، فجَنَحَ ابن عبد البَرِّ إلى ترجيح حديث زيد بن خالد الكَونِهِ من رواية أهلِ المدينة، فقَدَّمَه على رواية أهلِ العراق، وبالَغَ فَزَعَمَ أنَّ حديثَ عِمران هذا لا أصلَ له. وجَنَحَ غيرُه إلى ترجيح حديث عِمران، لاتّفاق صاحبَي ((الصَّحيحِ)) عليه، وانفراد مسلمٍ بإخراج حدیثِ زید بن خالد. (١) وهي قراءة شاذّة، وذكرها ابن خالويه في ((مختصره في شواذٌ القرآن)» ص ٢٥ منسوبة إليه. ٣١٧ باب ٩ / ح ٢٦٥١ كتاب الشهادات ٢٦٠/٥ وذهب آخرون إلى الجمعِ بينهما، فأجابوا بأجوبة: أحدها: أنَّ المراد بحديثٍ زيد: مَن عنده شهادةٌ لإنسانٍ بحقٌّ لا يَعلَمُ بها صاحبُها، فيأتي إليه فيُخبِرُه بها، أو يموتُ صاحبُها العالمُ بها ويُخُلِّفُ وَرَثَةً، فيأتي الشّاهدُ إليهم أو إلى مَن يَتَحدَّثُ عنهم فيُعلِمُهم بذلك، وهذا أحسنُ الأجوبة، وبهذا أجابَ يحيى بن سعيد شيخُ مالكٍ ومالكٌ وغیرُهما. ثانيها: أنَّ المراد به شهادة الحِسْبة: وهي ما لا يَتعلَّقُ بحقوق الآدميينَ المختَصَّة بهم مَضاً، ويَدخُلُ في الحِسْبة ممَّا يَتعلَّقُ بحقِّ الله أو فيه شائبة منه: العَتاقُ والوَقْفُ والوَصِيَّة العامَّة والعِدَّةِ والطَّلاق والحدود ونحوُ ذلك، وحاصلُه أنَّ المراد بحديثٍ ابن مسعود: الشَّهادة في حقوق الآدميينَ، والمرادَ بحديثٍ زيد بن خالد: الشَّهادةُ في حقوق الله. ثالثها: أنَّه محمولٌ على المبالَغَة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشِدَّة استعداده لها كالذي أدّاها قبلَ أن يُسألها، كما يقال في وصفِ الجواد: إنَّه لَيُعطي قبلَ الطََّب، أي: يعطي سريعاً عَقِبَ السُّؤال من غير تَوَقُّفٍ. وهذه الأجوبةُ مَبنيّة على أنَّ الأصلَ في أداءِ الشَّهادة عند الحاكم أن لا يكون إلَّا بعدَ الطََّبِ من صاحبِ الحقّ، فَيُخَصُّ ذَمُّ مَن يَشْهَدُ قبلَ أن يُستَشهَدَ بمَن ذَكَر ◌َمَّن يُخْبِرُ بشهادةٍ عنده لا يَعلَمُ بها صاحبُها، أو شهادة الحِسْبة. وذهب بعضُهم إلى جوازِ أداءِ الشَّهادة قبلَ السُّؤال، على ظاهرِ عُمومٍ حديث زيد بن خالد، وتأوَّلُوا حديث عِمْران بتأويلات: أحدها: أنَّه محمولٌ على شهادة الزّور، أي: يُؤَدّون شهادةً لم يُسبق لهم تَحمُّلُها، وهذا حَكَاه التِّرمِذي(١) عن بعضِ أهلِ العلم. ثانيها: المراد بها الشَّهادة في الحَلِف، يدلُّ علیه قول إبراهيم في آخر حديث ابن مسعود: ((كانوا يَضرِبونَنا على الشَّهادة)) أي: قول الرجل: أشهَدُ بالله ما كان إلَّا كذا، على معنى الحَلِفِ، فَكُرِهَ ذلك كما كُرِهَ الإكثار من الخَلِفِ، واليمينُ قد تُسمّى شهادةً، كما قال تعالى: (١) في ((جامعه)) بإثر الحديث (٢٣٠٣). ٣١٨ باب ٩ / ح ٢٦٥٢ فتح الباري بشرح البخاري ﴿ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]، وهذا جواب الطَّحَاوي. ثالثها: المراد بها الشَّهادة على المغيَّبِ من أمر الناس، فيَشهَدُ على قومِ أنَّهم في النار وعلى قوم أنَّهم في الجنَّة بغير ذلك، كما صَنَعَ ذلك أهل الأهواء، حكاه اخطَّابي. رابعها: المراد به مَن يَنْتَصِبُ شاهداً وليس من أهلِ الشَّهادة. خامسها: المراد بها التَّسارع إلى الشَّهادة وصاحبُها بها عالمٌ من قبلِ أن يسألَه. والله أعلم. وقوله: ((يَشْهَدون ولا يُستَشهَدون)) استُدِلَّ به على أنَّ مَن سمِعَ رجلاً يقول: لفلانٍ عندي كذا، فلا يَسوغُ له أن يَشْهَدَ عليه بذلك إلَّا إن استَشْهَدَه، وهذا بخلاف مَن رأى رجلاً يَقتُلُ رجلاً أو يَغصِبُهُ مالَه، فإنَّه يجوزُ له أن يَشْهَدَ بذلك وإن لم يَستَشهِده الجاني. قوله: ((ويَنْذُرُونَ)) بفتح أوَّلِه وبكسر الذّال المعجَمة وبضمِها ((ولا يَفُونَ)) يأتي الكلام عليه في كتاب النُّذُور (٦٦٩٥). وقوله: ((وَيَظْهَرُ فيهم السِّمَن)) بكسر المهمَلة وفتح الميمِ بعدَها نونٌ، أي: يُحِبّون التَّوَسُعَ في المآكِل والمشارب، وهي أسبابُ السِّمَنِ. قال ابن التِّين: المرادُ ذَمّ محيَّتِه وتعاطيه لا من تَخَلَّقَ بذلك، وقيل: المرادُ يَظْهَرُ فيهم كَثْرة المال، وقيل: المراد أنَّهم يَتَسَمَّنون، أي: يَتكَثَّرون بما ليس فيهم، ويَدَّعون ما ليس لهم من الشَّرَف، ويحتملُ أن يكون جميعُ ذلك مُراداً. وقد رواه الِّرمِذي (٢٢٢١) من طريق هلال ابن بِسافٍ عن عِمْران بن حُصَينٍ بلفظ: ((ثمَّ يَجِيءُ قومٌ يَتَسَمَّنون ومُحِبّون السِّمَنَ»، وهو ظاهرٌ في تعاطي السِّمنِ على حَقيقَتِهِ، فهو أولى ما ◌ُلَ عليه خبرُ الباب، وإنَّما كان ذلك مَذْموماً؛ لأنَّ السَّمينَ غالباً بَلیدُ الفَهْم، ثَقیلٌ عن العبادة کما هو مشهور. ٢٦٥٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله ◌ُ، عن النبيِّ نََّ، قال: ((خيرُ النّاسِ قَرْني، ثمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثمّ يَجِيءُ أقوامٌ تَسْبِقُ شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُهُ شهادتَه)). قال إبراهيمُ: وكانوا يَضْرِبُونَنا على الشَّهادةِ والعَهْدِ. [أطرافه في: ٣٦٥١، ٦٤٢٩، ٦٦٥٨] ٣١٩ باب ٩ / ح ٢٦٥٢ كتاب الشهادات قوله: ((عن منصورٍ)) هو ابن المعتَمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعي، وعَبِيدة بفتح أوَّلِه: هو السَّلْماني، وعبد الله: هو ابن مسعود، وهذا الإسناد كلّه كوفيون، وفيه ثلاثةٌ من التابعين في نَسَقٍ. قوله: ((تَسْبِقُ شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُهُ شهادتَه)) أي: في حالَين، وليس المراد أنَّ ذلك يقعُ في حالةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه دَوْرٌ كالذي يَجِرِصُ على ترويج شهادةٍ فَيَحلِفُ على صِحَّتِها ليُقَوّيها، فتارةَ يَحِلِفُ قبلَ أن يَشهَدَ، وتارةً يَشْهَدُ قبلَ أن يَحِلِفَ. ويحتملُ أن يقعَ ذلك في حالٍ واحدةٍ عند مَن ◌ُجِيزُ الْحَلِفَ في الشَّهادة، فيريدُ أن يَشهَدَ ويَحِلِفَ. ٢٦١/٥ وقال / ابن الجَوْزي: المرادُ أنَّهم لا يَتْوَرَّعون، ويَستَهينون بأمر الشَّهادة واليمين. وقال ابن بَطَّال: يُستَدَلُّ به على أنَّ الْخَلِفَ في الشَّهادة يُطِلُها، قال: وحَكَى ابن شَعْبان في ((الزّاهي)): مَن قال: أشهَدُ بالله أنَّ لفلانٍ على فلان كذا، لم تُقْبَل شهادتُه؛ لأنَّه حَلِفٌ وليس بشهادة، قال ابن بَطَّال: والمعروفُ عن مالكِ خلافُه. قوله: ((قال إبراهيم ... )) إلى آخره، هو موصولٌ بالإسناد المذكور، ووهمَ مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّقُ، وإبراهيم: هو النَّخَعي. قوله: ((كانوا يَضْرِبونَنا على الشَّهادةِ والعَهْدِ)) زاد المصنّفُ بهذا الإسناد في أوَّلِ الفَضائلِ (٣٦٥١): ((ونَحنُ صِغار))، وكذلك أخرجه مسلم (٢١١/٢٥٣٣) بلفظ: كانوا يَنْهَونَنا ونَحنُ غِلمانٌ عن العَهدِ والشَّهاداتِ. وسيأتي في كتاب الأيمان والنُّذور (٦٦٥٨) نحوُه: وكان أصحابنا يَنهَونَنا ونَحنُ غِلمانٌ عن الشَّهادة. وقال أبو عمر بن عبد البَرّ: معناه عندهم النَّهيُ عن مُبادَرة الرجلِ بقوله: أشهَدُ بالله، وعلى عَهدِ الله لقد كان كذا، ونحو ذلك، وإنَّما كانوا يَضرِبونَهم على ذلك حتَّى لا يصيرَ لهم به عادة، فیَحلِفوا في كلِّ ما يَصلُحُ وما لا يصلُح. قلت: ويحتملُ أن يكون الأمرُ في الشَّهادة على ما قال، ويحتملُ أن يكون المرادُ النَّهيَ عن تعاطي الشَّهادات والتَّصَدّي لها، لمَا في تَحمُّلِها من الحَرَج ولا سيَّما عند أدائها؛ لأنَّ الإنسان مُعَرَّضٌ للنِّسيان والسَّهو، ولا سيّما وهم إذ ذاكَ غالباً لا يَكتُبُون، ويحتملُ أن ٣٢٠ باب ١٠ / ح ٢٦٥٣ فتح الباري بشرح البخاري يكون المرادُ بالنَّهي عن العَهدِ الدُّخولَ في الوَصِيَّة، لمَا يَتَرتَّبُ على ذلك من المفاسد، والوَصيّة تُسمّى العهدَ، قال الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وسيأتي مزيد بيانٍ لهذا في كتاب الأيمان والنُّذور إن شاء الله تعالى(١). ١٠ - باب ما قيل في شهادة الزُّور لقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَاُلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، وكِتْمانِ الشَّهادةِ لقولِه: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةٌ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَائِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ﴿تَلْوُرْأ﴾ [النساء: ١٣٥]: ألسِنَتَكُم بالشَّهادةِ. ٢٦٥٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُنِيرٍ، سمعَ وَهْبَ بنَ جَرِيرٍ وعبدَ الملكِ بنَ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عُبيد الله بنِ أبي بكرِ بنِ أنْسٍ، عن أنسٍ ﴾، قال: سُئِلَ النبيُّ ◌َّ عن الكَبائرِ، قال: ((الإِشْراكُ بالله، وعُقُوقُ الوالدينِ، وقتلُ النَّفْسِ، وشهادةُ الزُّورِ)). تابَعَه غُندَرٌ وأبو عامرٍ وبَهزٌّ وعبدُ الصَّمدِ، عن شُعْبَةَ. [طرفاه في: ٥٩٧٧، ٦٨٧١] قوله: ((باب ما قيل في شهادةِ الزّورِ)) أي: من التَّغليظ والوعيد. قوله: ((لقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾)) أشار إلى أنَّ الآيَةَ سِيقَت في ذَمِّ مُتَعاطي شهادة الزّور، وهو اختيارٌ منه لأحدٍ ما قيل في تفسيرها، وقيل: المراد بالزّورِ هنا: الشِّرك، وقيل: الغِناءُ، وقيل غير ذلك. (١) جاء بعد هذا في هامش (أ) ما نصه: ثم وجدت ما يدفع هذا كله، وهو ما ذكره المؤلف في كتاب الأيمان والنذور (٦٦٥٨) عن إبراهيم المذكور بلفظ: ((وكان أصحابنا يَنهَوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد)»، فظهر اختصاص ذلك بالحلف، لكن أخرج سعيد بن منصور من طريق أخرى عن إبراهيم قال: كنت أنا وعبد الرحمن - يعني ابن الأسود النخعي - عند علقمة. انتهى هذا الاستدراك هكذا ولم يتم، ولم يؤشَر عليه بإشارة التصحيح التي تبيِّ أنه من أصل الكتاب، ومع ذلك فهو استدراكٌ جيد لا غِنَى عنه في هذا الموضع.