Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
باب ٥ / ح ٢٥٢٦ -٢٥٢٧
كتاب العتق
قال ابن دقيق العيد: حَسبُك بما اتَّفقَ عليه الشَّيخان، فإنَّه أعلى دَرَجات الصحيح،
والذين لم يقولوا بالاستسعاءِ تَعَلَّلوا في تضعيفه بتعليلاتٍ لا يُمكِنِهِم الوَفاءُ بمِثلِها في
المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديثَ يَرِدُ عليها مِثل تلك التَّعليلات، وكأنَّ
البخاري خَشِيَ من الطَّعن في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة فأشار إلى ثُبوتها بإشاراتٍ خفيّةٍ
گعادتِه، فإنَّه أخرجه من روایة یزید بن زُریع عنه، وهو من أثبتِ الناس فيه، وسمع منه قبل
الاختلاط، ثمَّ استَظهرَ له برواية جرير بن حازم بمُتَابَعَتِه لينفي عنه التفرُّد، ثمَّ أشار إلى أنَّ
غيرَ هما تابَعَهما ثمَّ قال: اختصره شُعْبة، وكأنَّه جواب عن سؤال مُقدَّر، وهو أنَّ شعبة أحفَظُ
الناس لحديثِ قَتَادة، فكيف لم يَذكُر الاستسعاء؟ فأجابَ بأنَّ هذا لا يُؤَثِّر فيه ضَعفاً، لأنَّه
أورَدَه مختصراً وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، والله أعلم.
وقد وقع ذِكرُ الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة: أخرجه الطبراني(١) من حديث
جابر، وأخرجه البيهقي (٢٨٣/١٠) من طريق خالد عن أبي قلابةَ عن رجل من بني
عُذْرةٍ(٢)، وعُمدة مَن ضَعَّفَ حديث الاستسعاء في حديث ابن عمر قوله: ((وإلَّا فقد عَتَقَ
منه ما عَتَقَ))، وقد تقدَّم أنَّه في حقّ المعسِر، وأنَّ المفهوم من ذلك الجُزء الذي لشَريكِ
المعتِقِ باقٍ على حكمِه الأوَّل، وليس فيه التصريح بأن يَستَمِرَّ رَقيقاً، ولا فيه التصريح بأنَّه
◌ُعتَقُ كلُّه.
وقد احتَجَّ بعض / مَن ضَعَّفَ رفع الاستسعاء بزيادةٍ وقعت في الدّارَ قُطني (٤٢١٩) ١٥٤/٥
وغيره من طريق إسماعيل بن أُميَّة وغيره عن نافع عن ابن عمر قال في آخره: ((ورَقَّ منه ما
بَقيَ))، وفي إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبي، وليس بالمشهورِ عن يحيى بن أيوب، وفي
حِفظه شيء عنهم، وعلى تقدير صِحَّتها فليس فيها أنَّه يَستَمِرُّ رَقيقاً، بل هي مُقْتَضى المفهوم
من رواية غيره، وحديث الاستسعاء فيه بيان الحكم بعد ذلك.
(١) في ((الأوسط)) (٧٠٢٤)، وفي إسناده محمد بن إسحاق المروزي، وهو ضعيف.
(٢) نقل البيهقي تضعيفه عن الشافعي.

١٢٢
باب ٥ / ح ٢٥٢٦ -٢٥٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
فللَّذي صَحَّحَ رفعَه أن يقول: معنى الحديثَينِ أنَّ المعسِر إذا أعتَقَ حِصَّته لم يَسِرِ العِثْق
في حِصَّة شَريكه، بل تَبقى حِصَّة شَريكه على حالها وهي الرِّقّ، ثمَّ يُستَسعى في عِتق بَقيته
فيُحصِّل ثمن الجُزء الذي لشَريكِ سيِّده ويَدِفَعُه إليه ويَعِقِ، وجَعَلوه في ذلك كالمكاتَب،
وهو الذي جَزَمَ به البخاري. والذي يَظهَر أنَّه في ذلك باختياره لقوله: «غير مَشقوق
عليه))، فلو كان ذلك على سبيل اللُّزوم بأن يُكَلَّفَ العبد الاكتِساب والطَّلَب حتَّى يُحُصِّلَ
ذلك، لَصَلَ له بذلك غاية المشَقَّة، وهو لا يَلزَمُ في الكتابة بذلك عند الجمهور؛ لأنَّها غير
واجبة، فهذه مِثْلُها، وإلى هذا الجمع مالَ البيهقي وقال: لا يَبقى بين الحديثَينِ مُعارَضة
أصلاً، وهو كما قال، إلّا أنَّه يَلزَمُ منه أن يَبقى الرِّقّ في حِصَّة الشَّريك إذا لم يَخْتَر العبد
الاستسعاء، فيُعارضُه حديث أبي المَلِيح عن أبيه: أنَّ رجلاً أعتَقَ شِقصاً له من غلام فذُكِرَ
ذلك للنبي وَ ل﴿ فقال: ليس لله شَريك، وفي رواية: ((فأجازَ عِتقَه)) أخرجه أبو داود (٣٩٣٣)
والنَّسائي (ك٤٩٥٣) بإسنادٍ قوي، وأخرجه أحمد (٢٠٧١٧) بإسنادٍ حسن من حديث
سمُرة: أنَّ رجلاً أعتَقَ شِقصاً له في مملوكٍ، فقال النبي وَلّ: «هو كلَّه، فليس لله شَريك))،
ویُمكِن ◌َملُه على ما إذا كان المعتَق غَنّاً، أو على ما إذا كان جميعه له فأعتَقَ بعضه، فقد روى أبو
داود (٣٩٤٨) من طريق مِلقام بن التَّلِبّ، عن أبيه: أنَّ رجلاً أعتَقَ نصيبه من مملوك فلم يَضمَنْه
النبي ◌َّة، وإسناده حسن، وهو محمول على المعسِر، وإلَّ لَتَعَارَضا.
وَمَعَ بعضهم بطريقٍ أُخرى، فقال أبو عبد الملِك: المراد بالاستسعاءِ أَنَّ العبد يَستَمِرُّ في
حِصَّة الذي لم يُعتِقِ رَقيقاً، فيَسعى في خِدمَتِهِ بقَدرِ ما له فيه من الرِّقٌّ، قالوا: ومعنى قوله:
((غير مَشقوق عليه)) أي: من جِهَةِ (١) سيِّده المذكور، فلا يُكلِّفُه من الخدمة فوق حِصَّة الرِّقّ،
لكن يَرِدُ على هذا الجمعِ قوله في الرِّواية المتقدِّمة: ((واستُسعِيَ في قیمتِه لصاحبِه)).
واحتَجَّ مَن أبطَلَ الاستسعاء بحديثٍ عِمران بن حُصَينٍ عند مسلم (١٦٦٨): أنَّ
رجلاً أعتَقَ ستَّة مملوكِينَ له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدَعَاه رسول الله وَلِّل
(١) تحرف في (س) إلى: وجه.

١٢٣
باب ٥/ ح ٢٥٢٦ -٢٥٢٧
كتاب العتق
فجَزَّأْهم أثلاثاً، ثمَّ أقرَعَ بينهم فأعتَقَ اثنَيْنِ وأرَقَّ أربعة؛ ووجه الدّلالة منه أنَّ الاستسعاءَ
لو كان مشروعاً لَنَجَّزَ من كلّ واحد منهم عِتَقَ ثُلُثه وأمَرَه بالاستسعاءِ في بقية قيمته لوَرَثة
المیِّت.
وأجابَ مَن أثبَتَ الاستسعاء بأنَّها واقعةُ عَينٍ، فيُحتَمَلُ أن يكون قبل مشروعية
الاستسعاء، ويُحْتَمَلُ أن يكون الاستسعاء مشروعاً إلَّا في هذه الصّورة، وهي ما إذا أعتَقَ
جميع ما ليس له أن يُعتقَه، وقد أخرج عبد الرَّزّاق (١٦٧١٩) بإسنادٍ رجاله ثقات عن أبي
قِلابةَ عن رجل من بني عُذرة: أنَّ رجلاً منهم أعتَقَ مملوكاً له عند موته وليس له مال غيره،
فأعتَقَ رسول الله وَّهِ ثُلُثَه وأمَرَه أن يَسعَى في الثُّلْثَيْنِ؛ وهذا يُعارضُ حديث عِمران،
وطريق الجمع بينهما مُمكِن.
واحتَجّوا أيضاً بما رواه النَّسائي (ك٤٩٤٢) من طريق سليمان بن موسى، عن نافع، عن
ابن عمر بلفظ: ((مَن أعتَقَ عبداً وله فيه شُرَكاء وله وفاء، فهو حُرّ ويَضمَنُ نصيب شُرَكائه
بقيمتِهِ لمَا أساءَ من مُشاركَتِهِم، وليس على العبد شيء))، والجواب مع تسليم صِحَّته: أنَّه
مُخْتَصّ بصورة اليسار لقوله فيه: ((وله وفاء))، والاستسعاء إنَّما هو في صورة الإعسار كما
تقدَّم، فلا حُجَّةَ فيه.
وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاءِ إذا كان المعتِقِ مُعسِراً أبو حنيفة وصاحباه
والأوزاعي والثَّوري وإسحاق وأحمد في رواية وآخرونَ، ثمَّ اختلفوا فقال الأكثر: يَعْتِقِ
جميعُه في الحال ويُستَسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب الشَّريك، وزاد ابن أبي ليلى فقال:
ثمَّ يَرجِعُ العبدُ على المعتق الأوَّل بما أدّاه للشَّريك، وقال/ أبو حنيفة وحده: يَتخيَّرُ ١٦٠/٥
الشَّريك بين الاستسعاء وبين عِتق نصيبه، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يَعتِقُ عنده ابتداء إلَّا
النَّصيب الأوَّل فقَط، وهو موافقٌ لمَا جَنَحَ إليه البخاري من أنَّه يصيرُ كالمكاتَب، وقد
تقدَّم توجيهُه، وعن عطاء: يَتَخَّرِ الشَّريك بين ذلك وبين إبقاء حِصَّته في الرِّقّ، وخالَفَ
الجميع زُفَر فقال: يَعتقُ كلُّه وتُقَوَّمُ حِصَّة الشَّريك فَتُؤْخَذُ إن كان المعتِقِ موسِراً، وتَتَرتَّبُ

١٢٤
باب ٦ / ح ٢٥٢٨ -٢٥٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
في ذِمَّتِه إن كان مُعسِراً.
٦ - باب الخطأ والنسيان في العَتَاقةِ والطلاق ونحوه،
ولا عتاقةً إلا لوَ جْه الله تعالى
وقال النبيُّ ◌ََّ: ((لكلِّ امِرِىءٍ ما نَوَى))، ولا نِيَّةً للنّاسي والمُخْطئ.
٢٥٢٨ - حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا مِسْعَرٌ، عن قَتَادةَ، عن زُرارةَ بنِ أوَْ،
عن أبي هريرةَ عُه، قال: قال النبيُّ وَالَ: ((إنَّ الله تَجَاوَزَ لي عن أُمَّتي ما وَسْوَسَت به صُدُورُها، ما
لم تَعْمَلْ أَو تَكَلَّمْ)).
[طرفاه في: ٥٢٦٩، ٦٦٦٤]
٢٥٢٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، عن سفيانَ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ
التَّيْميِّ، عن عَلْقمةَ بنِ وَقَّاصِ اللَّيْثِيِّ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطَّب ◌ُه، عن النبيِّ وَلّم قال:
((الأعمالُ بالنَّّةِ ولامرِئ ما نَوَى، فمَن كانت هِجْرتُه إلى الله ورسولِهِ، فِهِجْرتُه إلى الله ورسوله،
ومَن كانت هِجْرتُه إلى دُنْيا يُصِيبُها أو امرأةٍ يَتَزوَّجُها، فهِجْرتُه إلى ما هاجَرَ إليه)).
قوله: ((باب الخَطَأْ والنِّسْيان في العَتاقة والطَّلاق ونحوه)) أي: من التَّعليقات لا يقعُ شيءٌ
منها إلَّا بالقَصد، وكأنَّه أشار إلى رَدّ ما رويَ عن مالك: أنَّه يقعُ الطَّلاق والعِتاق عامداً
كان أو مُخُطِئاً، ذاكراً أو ناسياً، وقد أنكَرَه كثيرٌ من أهل مذهبه، قال الدَّاوُودي: وقوع الخطأ
في الطَّلاق والعِتاق أن يريدَ أن يَلِفِظَ بشيءٍ غيرهما فيَسبِقِ لسانه إليهما، وأمَّا النِّسيان ففيما
إذا حَلَفَ ونَسِيَ.
قوله: ((ولا عَتاقة إلَّ لوجه الله تعالى)) سيأتي في الطَّلاق نقلُ معنى ذلك عن عليّ رضي الله
عنه، وفي الطبراني (١٠٩٤١) من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((لا طلاقَ إلَّا لِعِدَّةٍ، ولا
عَتاقَ إلَّا لوجه الله))(١).
(١) وقع في المطبوع من ((المعجم الكبير)) موقوفاً على ابن عباس، لكن أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٤/ ٢٤٢
مرفوعاً، ثم قال: وفي إسناده أحمد بن سعيد بن فرقد - شيخ الطبراني - وهو ضعيف.

١٢٥
باب ٦ / ح ٢٥٢٩
كتاب العتق
وأراد المصنّف بذلك إثبات اعتبار النِّية، لأنَّه لا يَظهَرُ كَونه لوجه الله إلَّا مع القَصد،
وأشار إلى الرَّدّ على مَن قال: مَن أعتَقَ عبده لوجه الله أو للشَّيطان أو للصَّنَم عَتَقَ، لوجودِ
رُكن الإعتاق، والزِّيادة على ذلك لا تُحِلّ بالعِثْق.
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: لكلِّ امْرِئٍ ما نَوى)) هو طَرَفٌ من حديث عُمر، وقد ذكره في
الباب بلفظ: ((وإنَّما لامرِئٍ ما نَوى)) واللَّفظُ المعَلَّق أورَدَه في أوَّل الكتاب (١) حيثُ قال
فيه: ((وإنَّما لكلِّ امِرِئٍ ما نَوى))، وأورَدَه في أواخر الإيمان (٥٤) بلفظ: ((ولِكلِّ امرئٍ ما
نَوى)»، و «إِنَّا)» فيه مُقدَّرة.
قوله: ((ولا نيةَ للنّاسي والمخْطِئ)) وقع في رواية القابسي: ((الخاطئ)) بدل: المخطِئ، قالوا:
المخطِئ: مَن أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ: مَن تَعَمَّدَ لمَا لا ينبغي.
وأشار المصنّف بهذا الاستنباط إلى بيان أخذ التَّرجمة من حديث: ((الأعمال بالنّياتِ))،
ويُحْتَمَل أن يكون أشار بالتَرجمة إلى ما وَرَدَ في بعض الطُّرُّق كعادتِهِ، وهو الحديث الذي
يَذكُرُه أهل الفقه والأُصول كثيراً بلفظ: «رَفَعَ الله عن أُمَّتي / الخطأ والنسيان وما استكرهوا ١٦١/٥
عليه)) أخرجه ابن ماجَهْ (٢٠٤٥) من حديث ابن عبّاس، إلَّا أنَّه بلفظ: ((وَضَعَ)) بدل
(رَفَعَ))، وأخرجه الفضل بن جعفر التَّيْمي في ((فوائده)) بالإسناد الذي أخرجه به ابن ماجَهْ
بلفظ: ((رَفَعَ))، ورجاله ثقات، إلَّا أنَّه أُعِلَّ بِعِلَّةٍ غير قادحة، فإنَّه من رواية الوليد عن
الأوزاعي عن عطاء عنه، وقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي فزاد عُبيدَ بنَ عُمَير بين
عطاء وابن عبَّاس، أخرجه الدّارَ قُطْني (٤٣٥١) والحاكم (١٩٨/٢) والطبراني(١).
وهو حديث جليل، قال بعض العلماء: ينبغي أن يُعَدَّ نصف الإسلام؛ لأَنَّ الفعل إمَّا
عن قَصدٍ واختيارٍ، أو لا، الثاني ما يقعُ عن خطأٍ أو نِسيانٍ أو إكراهٍ، فهذا القِسمِ مَعفوٌّ عنه
(١) في ((الصغير)) (٧٦٥)، والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان (٧٢١٩) من طريق بشر بن بكر المذكورة،
وإسناده صحيح.

١٢٦
باب ٦ / ح ٢٥٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
باتِّفاقٍ، وإنَّما اختلفَ العلماءُ: هل المعفوُّ عنه الإثم أو الحكم أو هما معاً؟ وظاهر الحديث
الأخير، وما خَرَجَ عنه كالقتل، فلَه دليل مُنفَصِل، وسيأتي بسط القول في ذلك في كتاب
الأيمان والتُّذور (٦٦٨٩) إن شاء الله تعالى.
وتقدير قوله: ((ولِكلِّ امرِئٍ ما نَوى)): يُعتَدُّ لكلِّ امرِئٍ ما نَوى، وهو يُتمَل أن
يكون في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقَط، وبحَسَبٍ هذَينِ الاحتمالَينِ وقع الاختلاف
في الحكم.
قوله: ((عن زرارة بن أَوْفِى)) يأتي في الأيمان والنُّذور (٦٦٦٤) بلفظ: ((حدَّثنا زرارة)) وهو
من ثِقات التابعين، كان قاضي البصرة، وليس له في البخاري إلَّا أحاديث يَسيرة.
قوله: ((ما وَسْوَسَت به صُدورُها)) يأتي في الطَّلاق (٥٢٦٩) بلفظ: «ما حدَّثت به أنفُسَها)»
وهو المشهور، و((صُدورها)) في أكثر الرِّوايات بالضَّمّ، وللأَصِيلي بالفتح على أنَّ ((وَسَوَسَت))
مُضَمَّنٌ معنى حدَّثت، وحَكَى الطَّبَري هذا الاختلاف في ((حدَّثت به أنفُسها))، والضَّمّ
كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُّوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
قوله: ((ما لم تَعْمَل أو تَكَلَّمْ)) وَيأتي في التُّذُور (٦٦٨٩) بلفظ: ((ما لم تَعمَل به)) والمراد نفي
الحَرَجِ عمَّا يقعُ في النَّفْسِ حتَّى يقعَ العملُ بالجوارح، أو القول بالِّسان على وَفْق ذلك.
والمراد بالوَسَوَسة: تَرَدُّد الشيء في النَّفْس من غير أن يَطْمَئِنَّ إليه ويَستقرَّ عنده، ولهذا
فَّقَ العلماء بين الهَمّ والعَزم كما سيأتي الكلام عليه في حديث: ((مَن هَمَّ بحَسنةٍ)) (٦٤٩١)،
ومن هنا تَظهَر مناسبةُ هذا الحديث للترجمة؛ لأَنَّ الوَسوَسة لا اعتبار لها عند عَدَمِ التَّوَطَّن،
فكذلك المخطِئُ والناسي لا تَوَطُّنَ لهما، وزاد ابن ماجه (٢٠٤٤) عن هشام بن عمار، عن
ابن عُيَينةَ في آخره: ((وما استكرهوا عليه))، وأظنُّها مُدَرَجَة من حديث آخر، دَخَلَ على
هشام حديثٌ في حدیث.
قيل: لا مُطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ لأنَّ التَّرجمة في النِّسيان، والحديث في حديث
النَّفْس، وأجابَ الكِرْماني بأنَّه أشار إلى إلحاق النِّسيان بالوَسوَسة، فكما أنَّه لا اعتبار

١٢٧
باب ٧/ ح ٢٥٣٠
كتاب العتق
للوَسَوَسة لأنَّهَا لا تَستَقِرُّ، فكذلك الخطأ والنِّسيان لا استقرار لكلٍّ منهما، ويُحتمل أن يقال:
إنَّ شُغلَ البال بحديثِ النَّفس يَنشَأُ عن الخطأ والنِّسيان، ومن ثَمَّ رُتِّبَ على مَن لا يُحدِّث
نفسه في الصلاة ما سبق في حديث عثمان في كتاب الطَّهارة (١٥٨) من الغُفران.
تنبيه: ذكر خَلَف في ((الأطراف)) أنَّ البخاري أخرج هذا الحديث في العِثْق عن محمد بن
عَرَعَرة عن شُعْبة عن قَتَادة، ولم نَرَه فيه، ولم يَذكُره أبو مسعود ولا الطَّوقي ولا ابن
عَسَاكر، ولا استَخرَجَه الإسماعيلي ولا أبو نُعيم، وسيأتي الكلام على هذا الحديث مُستَوفَّى
في كتاب الأيمان والنُّذور إن شاء الله تعالى.
قوله: ((عن سُفْيان)) هو الثَّوري.
قوله: ((الأعمال بالنّةِ، ولامْرِئ ما نَوى)) كذا أخرجه بحذف ((إنَّا)) في الموضعَين، وقد
أخرجه أبو داود (٢٢٠١) عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه فقال: ((إنَّما الأعمال بالنّياتِ،
وإنَّما لا مرِئ ما نَوی)).
قوله: ((إلى دُتْيا)) في رواية الكُشْمِيهني: (لِدُنيا)) وهي رواية أبي داود المذكورة، وقد تقدَّم
الكلام على هذا الحديث في أوَّل الكتاب، ويأتي بقية منه في تَرك الحيل (٦٩٥٣) وغيره إن
شاء الله تعالى.
١٦٢/٥
٧- باب إذا قال لعبده: هو لله، ونَوَى الِعتقَ، والإشهادُ في العِثْق
٢٥٣٠- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمَيرٍ، عن محمَّدٍ بنِ بِشْرِ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ،
عن أبي هريرةَ هُ: أَنَّه لمَّا أقبَلَ يُرِيدُ الإِسلامَ - ومعه غلامُه - ضَلَّ كلَّ واحدٍ منهما من
صاحبِه، فأقبَلَ بعدَ ذلك وأبو هريرةَ جالسٌ مَعَ النبيِّ وَّةِ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((يا أبا هريرةَ، هذا
غلامُكَ قد أتاكَ)) فقال: أما إنّي أُشهِدُكَ أنَّه حُرٍّ.
قال: فھو حین یقول:
يا ليلةً من طُولِها وعَنائِها على أنَها من دارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ

١٢٨
باب ٧ / ح ٢٥٣١ - ٢٥٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
[أطرافه في: ٢٥٣١، ٣٥٣٢، ٤٣٩٣]
٢٥٣١ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن قيسٍ، عن أبي
هريرةَ عُه، قال: لمَّا قَدِمْتُ على النبيِّ وَّ قلتُ في الطَّريقِ:
يا ليلةً من طُولِها وعَنائِها على أنَّها من دارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
قال: وأبَقَ منّي غلامٌ لي في الطَّريقِ، قال: فلمَّا قَدِمْتُ على النبيِّ وَّهِ فبايعتُه، فبينا أنا عندَه
إذْ طَلَعَ الغلامُ، فقال لي رسولُ اللهِ وَ لِ: ((يا أبا هريرةَ، هذا غلامُكَ)) فقلتُ: هو حُّ لوَجْه الله
فأعتَقْتُه.
قال أبو عبد الله: لم يَقُل أبو كُرَيبٍ، عن أبي أُسامةَ: ((حُرِّ».
٢٥٣٢ - حدَّثني شِهَابُ بنُ عبَّادٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مُميدٍ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، قال:
لمَّا أقبَلَ أبو هريرةَ ﴾ ومعه غلامُه وهو يَطْلُبُ الإسلامَ، فضَلَّ أحدُهما صاحبَه ... بهذا،
وقال: أما إنَّ أُشْهِدُكَ أنَّه لله.
قوله: ((باب إذا قال)) أي: الشَّخص ((لِعبدِ)) وفي رواية الأَصِيلي وكَرِيمة: إذا قال رجل
لعبدِه: ((هو لله، ونَوَى العِثْق)» أي: صََّ.
قوله: ((والإشْهاد في العِثْقِ)) قيل: هو بجَرِّ الإشهاد، أي: وباب الإشهاد في العِثْق، وهو
مُشكِل؛ لأنَّه إن قُدِّرَ مُنوَّناً احتاجَ إلى خبر، وإلَّا لَزِمَ حذف التنوين من الأوَّل ليصِحّ
العَطف عليه وهو بعيد، والذي يَظهَرُ أن يُقرأ ((والإشهادُ)) بالضَّمِّ فيكون معطوفاً على
(باب)) لا على ما بعده، وبابٌ بالتنوين، ويجوزُ أن يكون التَّقدير: وحكم الإشهاد في
العِثْق.
قال المهلَّب: لا خلاف بين العلماء إذا قال لعبدِه: هو الله، ونَوَى العِثْقِ أنَّه يَعْتِقِ، وأمَّا
الإشهاد في العِثْق فهو من حقوق المعتِقِ، وإلَّا فقد تَمَّ العِثْق وإن لم يُشهِد.
قلت: وكأنَّ المصنِّفَ أشار إلى تقييد ما رواه هُشيم عن مُغيرة: ((أنَّ رجلاً قال لعبدِه:

١٢٩
باب ٧ / ح ٢٥٣٢
كتاب العتق
أنتَ لله، فسُئِلَ الشَّعبي وإبراهيم وغيرهما فقالوا: هو حُرّ)) أخرجه ابن أبي شَيْبة (٧/ ٣٤٢)،
فكأنَّه قال: مَحَلّ ذلك إذا نَوى العِثْقِ، وإلَّا فلو قَصَدَ أنَّه لله بمعنى غير العِثْق، لم يَعتق.
قوله: ((عن إسماعيل)) هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم، ورجاله كوفيون إلَّا
الصحابي.
١٦٣/٥
قوله: ((لمَّا أَقبَلَ يريد الإِسلام)»/ ظاهره أنَّه لم يكن أسلَمَ بعدُ.
قوله: ((ومعه غلامُه)) لم أقف على اسمِه.
قوله: ((ضَلَّ كلّ واحد)) أي: ضاع.
قوله: ((فهو حين يقول)) أي: الوَقت الذي وصَلَ فيه إلى المدينة، وقوله في الطَّريق
الثانية: ((قلت في الطَّريق)) أي: عند انتهائه، وظاهرُه أن الشِّعر من نَظم أبي هريرة، وقد
نَسَبَه بعضُهم إلى غلامه، حكاه ابن التِّين، وحَكَى الفاكهي في ((كتاب مَكَّة)) عن مُقدَّم بن
حَجّاج السُّوائي: أنَّ البيت المذكور لأبي مَرْتَد الغَنَوي في قِصَّةٍ له، فعلى هذا فيكون أبو
هريرة قد تَمثَّلَ به.
قوله في الشِّعر: ((يا ليلةً)) كذا في جميع الرِّوايات، قال الكِرْماني: ولا بُدَّ من إثبات فاءٍ أو
واوٍ في أوَّله ليصيرَ مَوزوناً، وفيه نظر؛ لأنَّ هذا يُسمَّى في العَروض الخَرْم - بالمعجَمة
المفتوحة والراء السَّاكنة ــ: وهو أن يُحذف من أوَّل الجُزء حرف من حُروف المعاني، وما
جاز حذفُه لا يقال: لا بُدّ من إثباته، وذلك أمر معروف عند أهله.
قوله: ((وعَنائها)) بفتح العين وبالنّونِ والمدّ، أي: تَعَبها، و((دارة الكُفْر)) الدّارة: أخَصّ
من الدّار، وقد كَثُرَ استعمالها في أشعار العرب كقولِ امرئ القيس:
ولا سيَّما يوماً بدارَةِ جُلْجُلٍ
قوله في الطريق الثانية: ((حدَّثْنَا عُبيد الله بن سعيد)) هو أبو قُدامةَ السَّرَخسي، كذا في جميع
الرِّوايات التي اتَّصَلَت لنا ((عُبيد الله)) بالتَّصغير، وفي ((مُستخرَج أبي نُعيم)): أخرجه البخاري

١٣٠
باب ٨
فتح الباري بشرح البخاري
عن أبي سعيد الأشَجّ، وأبو سعيد: اسمه عبد الله مُكبّر، فهذا مُحْتَمَل، وذكر أبو مسعود وخَلَف
((في الأطراف))(١) أنَّه أخرجه هنا عن عُبيد بن إسماعيل، وعُبيد بغير إضافةٍ ممَّن يروي في
البخاري عن أبي أُسامة، إلَّا أنَّ الذي وقفتُ عليه هو الذي قَدَّمتُ ذِكْره، والله أعلم.
قوله: ((وأبَقَ)) بفتح الموخَّدة، وحَكَى ابن القطّاع كسرَها.
قوله: «قلت: هو حُرِّ لوجه الله، فأعتَقَه)) أي: باللَّفظِ المذكور، وليس المراد أنَّه أعتَقَه بعد
ذلك، وهذه الفاء هي التفسيرية.
قوله: ((لم يَقُل أبو كُرَيب عن أبي أسامة: حُرّ)) وَصَلَه في أواخر المغازي (٤٣٥٣) فقال:
((حدَّثنا محمد بن العَلاء، وهو أبو كُرَيب، حدَّثنا أبو أُسامة)) وساق الحديث، وقال في
آخره: «هو لوجه الله، فأعتقه»، وكذا أخرجه أحمد بن حنبل (٧٨٤٥) ومحمد بن سعد
(٣٢٥/٤- ٣٢٦) عن أبي أسامة، وكذا أخرجه الإسماعيلي من وجهَينِ عن أبي أُسامة ليس
فيه: (حُرّ))، وكذا أخرجه أبو نُعيم من وجهَينٍ عن أبي أُسامة أثبَتَ قوله: (حُرّ)) في أحدهما،
ووقع في بعض النَّسَخ من البخاري: ((هو حُرّ لوجه الله)) وهو خطأ ◌َمَّن ذكره عن البخاري
في هذه الرِّواية لتصريحه بنفیه عن شيخه بعينه.
قوله في الطريق الأخيرة: ((فضَلَّ أحدُهما صاحبَه)) بالنَّصبِ على نَزع الخافض، وأصله:
((من صاحبه)) كما في الطَّريق الأولى، ولو كانت ((أضَلّ)) مُعَدّاً بالهمز، لم يُحْتَجْ إلى تقديرٍ،
وقد ثبت كذلك في بعض الرِّوايات.
وفي الحديث استحباب العِثْق عند بلوغ الغَرَض والنَّجاة من المخاوف، وفيه جواز
قول الشِّعر وإنشاده والتَّمَثُّل به، والتَّأُم من النَّصَب والسَّهَر وغير ذلك.
٨- باب أُمّالولد
قال أبو هريرةَ، عن النبيِّ وََّ: «مِن أَشْراط الساعةِ أن تَلِدَ الأَمةُ رَبَّها)».
(١) قوله: ((في الأطراف)) سقط من (س).

١٣١
باب ٨/ ح ٢٥٣٣
كتاب العتق
٢٥٣٣ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثْنِ عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ
عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانَ عُتْبةُ بنُ أبي وَقَّاصِ عَهِدَ إلى أخِيه سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ أن
يَقْبِضَ إليه ابنَ وَلِيدِ زَمْعَةَ، قال عُتْبةُ: إِنَّه ابني، فلمَّا قَدِمَ رسولُ اللهَوَّهَ زَمَنَ الفتحِ أَخَذَ سعدٌ
ابنَ ولِيدةِ زَمْعةَ، فأقبَلَ به إلى رسولِ الله ◌ِّهِ، / وأقبَلَ معه بعَبْدِ بنِ زَمْعةَ، فقال سعدٌ: يا ١٦٤/٥
رسولَ الله، هذا ابنُ أخي عَهِدَ إليَّ أَنَّه ابنُه، فقال عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: يا رسولَ الله، هذا أخي ابنُ
ولِيدةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ على فِراشه، فَنَظَرَ رسولُ اللهِوَسَّه إلى ابنِ ولِيدةِ زَمْعَةَ، فإذا هو أشْبَهُ النّاسِ به،
فقال رسولُ الله ◌َِِّ: ((هو لكَ يا عَبْدُ بنَ زَمْعَ))، من أجْلِ أنَّه وُلِدَ على فِراش أبيه، قال
رسولُ الله ◌َّهِ: ((احتَجِبي منه يا سَوْدةُ بنتَ زَمْعَةَ)) ثُمَّا رَأى من شَبَهِه بعُتْبةَ، وكانت سَوْدُ زوجَ
النبيِّ ◌ِلّ.
قوله: «باب أُمّ الوَلَد» أي: هل يُحکمُ بعتقها أم لا؟ أورد فیه حدیثینِ ولیس فيهما ما
يُفصِح بالحكمِ عنده، وأظنّ ذلك لقوّة الخلاف في المسألة بين السَّلَف، وإن كان الأمر
استَقَرَّ عند الخَلَف على المنع حتَّى وافقَ في ذلك ابن حَزْم ومَن تَبِعَه من أهل الظَّاهر على
عَدَم جواز بيعِهِنَّ، ولم يَبقَ إلَّا شُذوذ.
قوله: ((وقال أبو هريرة عن النبي ◌َّه: من أشْراط الساعة أن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّها)) تقدَّم
موصولاً مُطوَّلاً في كتاب الإيمان (٥٠) بمعناه، وتقدَّم شرحُه هناك مُستَوفَّى، وأنَّ المراد
بالرَّبّ: السَّيِّد أو المالك، وتقدَّم أنَّه لا دليل فيه على جواز بيع أُمِّ الوَلَدِ ولا عَدَمه.
قال النَّوَوي: استَدَلَّ به إمامان جَليلان، أحدُهما: على جوازٍ بيع أُمَّهاتِ الأولاد،
والآخر: على مَنعه، فأمَّا مَن استَدَلَّ به على الجواز فقال: ظاهر قوله: ((رَبّها)) أنَّ المراد به
سيِّدُها؛ لأنَّ ولدها من سيِّدها يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ سيِّدِها لمصير مال الإنسان إلى ولدِه غالباً، وأمَّا
مَن استَدَلَّ به على المنع فقال: لا شكَّ أنَّ الأولاد من الإماء كانوا موجودينَ في عَهِدِ النبي
وَلَّ وعهد أصحابه كثيراً، والحديث مَسوق للعلاماتِ التي قُرْبَ قيام السَّاعة، فدَلَّ على
حدوث قَدر زائد على مجرَّد التَّسَرّي. قال: والمراد أنَّ الجهلَ يَغْلِبُ في آخر الزّمان حتَّى

١٣٢
باب ٨/ ح ٢٥٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
تُباعِ أُمَّهاتُ الأولاد فيَكثُرَ تَردادُ الأَمة في الأيدي حتَّى يشتريَها ولدُها وهو لا يَدري،
فيكون فيه إشارةٌ إلى تحريم بيع أُمَّهاتِ الأولاد، ولا يخفى تكلُّفُ الاستدلال من الطَّفَين،
والله أعلم.
ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث عائشة في قِصَّة ابن وليدة زَمْعة، وسيأتي شرحُه في كتاب
الفرائض (٦٧٦٥)، والشّاهد منه قول عبد بن زَمعة: «أخي وُلِدَ على فِراش أبي)) وحكمه
وَلَّه لا بن زَمعة بأنَّه أخوه، فإنَّ فيه ثُبوتَ أُمّة أُمّ الوَلَد، ولكن ليس فيه تَعرُّض لحُرّیتھا ولا
لإرقاقها، إلَّا أنَّ ابن المنيِّر أجابَ بأنَّ فيه إشارةً إلى حُرّية أُمّ الوَلَد؛ لأنَّه جَعَلها فِراشاً،
فسَوّى بينها وبين الزَّوجَة في ذلك.
وأفاد الكِرْماني: أنَّه رأى في بعض النُّسَخ في آخرِ الباب ما نصُّه: فسمَّى النبيُّ وَّهِ أُمَّ
ولد زَمعة أَمةً ووَليدةً، فدَلَّ على أنَّها لم تَكُنْ عَتيقةً. انتهى، فعلى هذا فهو مَيلٌ منه إلى أنَّها لا
تُعتَقُّ بموتِ السَّيِّد، وكأنَّه اختارَ أحد التَّأويلَينِ في الحديث الأوَّل، وقد تقدَّم ما فيه.
قال الكِرْماني: وبقية كلامه: ((لم تَكُن عَتيقة من هذا الحديث، لكن مَن يَحَتَجُّ بعِتِقِها في
هذه الآية: ﴿إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يكون له ذلك حُجَّة))، قال الكِرْماني: كأنَّه
أشار إلى أنَّ تقرير النبي ◌ِّ عبد بن زَمعة على قوله: ((أَمة أبي) يُنَزَّلُ مَنزِلة القول منه ◌ِلّ.
ووجه الدّلالة ثمّ قال: أنَّ الخِطاب في الآية للمؤمنينَ، وزَمعة لم يكن مؤمناً فلم يكن له
مِلكُ يمينٍ، فيكون ما في يده في حكم الأحرار. قال: ولعلَّ غَرَض البخاري أنَّ بعض
الحنفية لا يقول: إنَّ الوَلَد في الأَمة للفِراش، فلا يُلحِقونَه بالسَّيِّد، إلَّا إن أقرَّ به، ويُخُصّون
الفِراش بالحُرَّة، فإذا احتُجَّ عليهم بما في هذا الحديث أنَّ الوَلَد للفِراش قالوا: ما كانت أَمّةً،
بل كانت حُرَّة، فأشار البخاريّ إلى رَدِّ حُجَّتِهِم هذه بما ذَكَره.
١٦٥/٥
وتَعَلَّقَ الأئمّة بأحاديث أصحّها حديثان: أحدهما: حديث/ أبي سعيد في سؤالهم عن
العَزْل كما سيأتي شرحُه في كتاب النِّكاح (٥٢١٠)، ومَمَّن تَعَلَّقَ به النَّسائي في ((السُّنَن))
فقال: ((باب ما يُستَدَلُّ به على منع بيع أُمّ الوَلَد)» فساق حديث أبي سعيد (ك٥٠٢٤-

١٣٣
باب ٨ / ح ٢٥٣٣
كتاب العتق
٥٠٣٠)، ثمَّ ساق حديث عَمْرو بن الحارث الخُزاعي - كما سيأتي في الوصايا (٢٧٣٩) -
قال: ما تَرَكَ رسول اللهِ وَّهِ عبداً ولا أَمَةً ... الحديث، ووجه الدّلالة من حديث أبي سعيد
أَهم قالوا: إنّا نُصيب سبايا فنُحِبُّ الأثمانَ، فكيف تَرى في العَزْل؟ وهذا لفظ البخاري كما
مضى في (باب بيع الرَّقيق)) (٢٢٢٩) من كتاب البيوع، قال البيهقي: لولا أنَّ الاستِيلاد
يَمنَع من نَقْل المِلك، وإلّا لم يكن لعَزلهِم لأجلِ مَبَّة الأثمان فائدة.
وللنَّسائي (ك٧٦٥١و ٩٠٤١) من وجهٍ آخر عن أبي سعيد: فكان مِنّا مَن يريدُ أن يَتَّخِذَ
أهلاً، ومِنّا مَن يريدُ البيع، فتَراجَعْنا في العَزْل ... الحديث، وفي رواية لمسلم (١٤٣٨):
وطالَت علينا العُزبة، ورَغِبنا في الفِداء، فأَرَدنا أن نَستَمتِعَ ونَعِزِلَ؛ وفي الاستدلال به نظر،
إذ لا تَلازُمَ بين حَملِهِنَّ وبين استمرار امتناع البيع، فلعلَّهم أحَبُّوا تعجيل الفِداء وأَخذَ
الثَّمَن، فلو حَمَلَت المسْبِيَّة لَتأخّرَ بيعُها إلى وضعها.
ووجه الدّلالة من حديث عَمْرو بن الحارث: أنَّ ماريَّةً أُمَّ ولده إبراهيم كانت قد
عاشَت بعده، فلولا أنَّهَا خَرَجَت عن الوصف بالرِّقِّ لَمَا صَحَّ قوله: ((أنَّه لم يَترُك أَمَةً))، وقد
وَرَدَ الحديث عن عائشة أيضاً عند ابن حِبَّان (٦٣٦٨) مثله، وهو عند مسلم (١٦٣٥)
لكن ليس فيه ذِكر الأَمة، وفي صِحَّة الاستدلال بذلك وَقْفة، لاحتمال أن يكون نَجَزَ
عتقها، وأمَّا بقية أحاديث الباب فضعيفة، ويُعارضُها حديث جابر: كنّا نبيع سرارينا
أُمَّهات الأولاد والنبي ◌ِّ حَيّ لا يَرى بذلك بأساً(١)، وفي لفظ: بعنا أُمَّهات الأولاد على
عَهِد النبي ◌َّهِ وأبي بكر، فلمَّا كان عمر نَهانا فانتَهَينا(٢)، وقول الصحابي: ((كنَّا نَفْعَل)»
محمول على الرفع على الصحيح، وعليه جَرَى عمل الشَّيخَينِ في ((صحيحَيهما))، ولم يَستَنِد
الشّافعي في القول بالمنع إلَّا إلى عمر فقال: قلته تقليداً لعُمر. قال بعض أصحابه: لأنَّ
عمر لمَّا نَهى عنه فانتَهَوْا صار إجماعاً، يعني: فلا عِبرةَ بنُدورِ المخالف بعد ذلك، ولا
يَتَعِيَّنُ مَعرِفَةُ سند الإجماع.
(١) أخرجه أحمد (١٤٤٤٦)، وابن ماجه (٢٥١٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٠٢١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٩٥٤)، وابن حبان (٤٣٢٤)، والحاكم ١٨/٢-١٩.

١٣٤
باب ٩ / ح ٢٥٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أخَذَ سعدٌ ابنَ وَلِيدة)) سعد بالرفع والتنوين، و((ابن)) منصوب على المفعولية
ويُكتَب بالألف.
وقوله: ((هو لك يا عبد بن زَمعة)) برفع ((عبد)) ويجوز نصبه، و کذا ((ابن))، وكذا قوله: ((یا
سودة بنت زمعة)).
تنبيهان:
أحدهما: وقع في نُسخَة الصَّغَاني هنا: ((قال أبو عبد الله - يعني المصنِّف -: سمّى النبي
وَ أُمَّ ولد زَمعة أَمَةً ووليدةً، فلم تَكُن عَتيقةً لهذا الحديث، ولكن مَن يَحَتَجُّ بعِتِقِها في هذه
الآية: ﴿إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يكون له ذلك حُجَّة)).
الثاني: ذكر المِزّي في «الأطراف)) أنَّ البخاري قال عَقِبَ طريق شعيب عن الزّهري
هذه: ((وقال الليث عن يونس عن الزُّهري)) ولم أرَ ذلك في شيء من نُسَخ البخاري، نعم
ذكر هذا التَّعليق في ((باب غَزْوة الفتح)) من كتاب المغازي مقروناً بطريق مالك عن
الزُّهري، والله أعلم.
٩- باب بیع المُدَبَّر
٢٥٣٤ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ، سمعتُ جابرَ بنَ
عبدِ الله رضي الله عنهما قال: أعتَقَ رجلٌ مِنّا عَبْداً له عن دُبُرٍ، فَدَعَا النبيُّ ◌َّ به فباعَه.
قال جابرٌ: مات الغلامُ عامَ أوَّلَ.
قوله: ((باب بيع المدَبَّر)) أي: جوازه، أو ما حكمُه؟ وقد تقدَّمت هذه التَّرجمة بعينها في كتاب
١٦٦/٥ البيوع (٢٢٣٠)، وأورَدَ هنا / حديث جابر مختصراً جدّاً، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَى هناك.
قوله: ((أعتَقَ رجل مِنّا عبداً له)) لم يقع واحدٌ منهما مُسَمَّى في شيءٍ من طرق البخاري، وقد
قَدَّمت في البيوع أنَّ في رواية مسلم (٩٩٧) من طريق أيوب، عن أبي الزُّبَير، عن جابر: أنَّ
رجلاً من الأنصار يقال له: أبو مذكور أعتَقَ غلاماً له عن دُبُر يقال له: يعقوب؛ ففيه التَّعريف
بكلِّ منهما، وله من رواية اللَّيث عن أبي الزُّبَيرِ: أنَّ الرجل كان من بني عُذرة، وكذا للبيهقي

١٣٥
باب ٩ / ح ٢٥٣٤
كتاب العتق
(٣١٢/١٠) من طريق مُجاهد عن جابر، فلعلَّه كان من بني عُذْرة وحالَفَ الأنصار.
صَلى الله
وَيَّام
قوله: ((فَدَعَا النبي ◌ََّ)) حَذَفَ المفعول، وفي رواية أيوب المذكورة: فدَعَا به النبي
فقال: ((مَن يشتريهِ؟)) أي: الغلام.
قوله: ((فاشتَراه نُعيم بن عبد الله)(١) في رواية ابن المنكَدِر عن جابر كما مضى في الاستقراض
(٢٤١٥) (٢): ((نُعيم بن النَّحام)) وهو نُعيم بن عبد الله المذكور، والنَّحام، بالنّونِ والحاء
المهمَلة الثَّقيلة عند الجمهور، وضَبَطَه ابن الكلبي بضمِّ النّون وتخفيف الحاء، ومَنَعَه الصَّغَاني،
وهو لَقَب نُعيم، وظاهر الرِّواية أنَّه لَقَب أبيه، قال النَّوَوي: وهو غَلَط لقولِ النبي ◌َّ.
((دَخَلتُ الجنَّة فسمعت فيها نَحْمةً من نُعيمِ))(٣) انتهى، وكذا قال ابن العربي والصَّدَفي(٤)
وعِيَاض وغير واحد، لكنَّ الحديث المذكور من رواية الواقدي، وهو ضعيفٌ، ولا تُرَدُّ
الرِّوايات الصحيحة بمثل هذا، فلعلَّ أباه أيضاً كان يقال له: النَّحّام، والنَّحْمة، بفتح النّون
وإسكان المهمَلة: الصَّوت، وقيل: السَّعلة، وقيل: النَّحنَحة. ونُعيم المذكور: هو ابن عبد
الله بن أَسيد بن عبد بن عوف بن عَبيد بن عَويج بن عَدي بن كعب بن لُؤَيّ، وأَسيد وعَبيد
وعَوِيج في نَسَبه مفتوح أوَّل كلٍّ منها، قُرَشِي عَدَوي، أسلَمَ قديماً قبل عمر فكَتَمَ إسلامه،
وأراد الهجرة فسألَه بنو عَديّ أن يُقيم على أيِّ دينٍ شاءَ؛ لأنَّه كان يُنفِقُ على أرامِلِهِم
وأيتامهم ففَعَلَ، ثمَّ هاجَرَ عام الحُدَيبية ومعه أربعون من أهل بيته، واستُشهِدَ في فتوح
الشّام زَمَن أبي بكر أو عمر. وروى الحارث في «مسنده»(٥) بإسنادٍ حسن: أنَّ النبي
سمَّاه صالحاً، وكان اسمه الذي يُعرَف به نُعيماً.
(١) هذه العبارة لم تقع في حديث هذا الباب، بل هي فيه فيما سلف برقم (٢١٤١) و(٢٤٠٣).
(٢) وهو كذلك في كفارات الأيمان برقم (٦٧١٦).
(٣) ذكره الأخباريُّون من غير سندٍ كمصعب الزُّبيري والزبير بن بكّار وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)
١٣٨/٤، ولا یصُ.
(٤) سقط الصدفي من (ع) و(س)، وهو الحافظ أبو علي الجيّاني الصدفي.
(٥) ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) (٤٨٤).

١٣٦
باب ٩ / ح ٢٥٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال جابر: مات الغلام عامَ أوَّلَ)) يأتي في الأحكام (٦٧١٦) من رواية حمّاد عن
عَمْرو: سمعت جابراً يقول: عبداً قِبطيّاً مات عام أوَّل، زاد مسلم (٥٩/١٦٦٨) من طريق
ابن عُيَينَةَ عن عَمْرو: في إمارة ابن الزُّبَيرِ.
وقد تقدَّم في (باب بيع المدَبَّر)) من البيوع(١) نقلُ مذاهب الفقهاء في بيع المدَبَّر، وأنَّ الجواز
مُطلَقاً مذهب الشّافعي وأهل الحديث، وقد نَقَّلَه البيهقي في ((المعرفة)) عن أكثر الفقهاء،
وحَكَى النَّوَوي عن الجمهور مُقابلَه، وعن الحنفية والمالكية أيضاً: تخصيص المنع بمَن دُبِّر
تَدبيراً مُطلقاً، أمَّا إذا قَيَّدَه - كأن يقولَ: إن مُتُّ من مَرَضي هذا ففلان حُرّ - فإنَّه يجوزُ بيعُه؛
لأنَّهَا كالوصيّة، فيجوزُ الرُّجوعُ فيها، وعن أحمد: يَمتَنِعُ بيع المدبَّرة دون المدَبَّر، وعن اللَّيث:
يجوز بيعُه إن شَرَطَ على المشتَري عِتْقَه، وعن ابن سِيرِينَ: لا يجوز بيعُه إلَّا من نفسِه.
ومالَ ابن دقيق العيد إلى تقييد الجوازِ بالحاجة فقال: مَن مَنَعَ بيعه مُطلَقاً كان الحديث حُجَّةً
عليه؛ لأنَّ المنعَ الكلّي يُناقضُه الجوازُ الجُزئي، ومَن أجازَه في بعض الصّوَر فله أن يقول: قلت
بالحديث في الصّورة التي ورد فيها، فلا يلزمُه القول به في غير ذلك من الصّوَر.
وأجاب مَن أجازَه مُطلَقاً بأنَّ قوله: ((وكان محتاجاً) لا مَدخَل له في الحكم، وإنَّما ذُكِرَ
لبيان السَّبَب في المبادرة لبيعِه ليتَبيَّنَ السَّيِّدِ جواز البيع، ولولا الحاجة لكان عَدَم البيع أولى.
وأمّا مَن اذّعی أنَّ إنّما باع خدمته کما تقدَّمت حكايته في الباب المذكور، فقد أُجيب عنه بما
تقدَّم، وهو أنَّه لا تَعارُض بين الحديثَين، وبأنَّ المخالفينَ لا يقولون بجوازٍ بيعٍ خِدمة المدَبَّر،
وقد اتَّفَقَت طرق رواية عمرو بن دينار عن جابر أيضاً على أنَّ البيع وقع في حياة السَّيِّد، إلَّا
ما أخرجه التِّرمِذي (١٢١٩) من طريق ابن عُيَينةَ عنه بلفظ: ((أنَّ رجلاً من الأنصار دَبَّرَ
غلاماً له فمات ولم يَترُك مالاً غيره)) الحديث، وقد أعلَّه الشّافعي بأنَّه سمِعَه من ابن عُيَينةَ
١٦٧/٥ مِراراً لم يَذكُر قوله: «فماتَ))، وكذلك رواه الأئمّة أحمد (١٤٣١١) وإسحاق(٢)/ وابن
(١) الباب رقم (١١٠) من كتاب البيوع، وقد سلف في ج٧/ ٢٦٥.
(٢) إسحاق: هو ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وروايته هذه عند مسلم (١٦٦٨) (٥٩).

١٣٧
باب ١٠ / ح ٢٥٣٥ - ٢٥٣٦
كتاب العتق
المديني والحُميدي (١٢٢٢) وابن أبي شَيْبة (١٧٤/٦) عن ابن عُيَينَةَ، ووَجَّهَ البيهقي
الرِّواية المذكورة بأنَّ أصلها: ((أنَّ رجلاً من الأنصار أعتَقَ مملوكه إن حَدَثَ به حادثٌ
فماتَ، فَدَعا به النبي ◌َِّ فباعه من نُعيم)) كذلك رواه مَطَرِ الوَرّاق عن عَمْرو (١)، قال
البيهقي: فقوله: ((فمات)) من بقية الشَّرط، أي: فمات من ذلك الحدث، وليس إخباراً عن
أنَّ المدبّر مات، فحَذَف من رواية ابن عُيَينةَ قوله: ((إن حَدَثَ به حَدَث)) فوقع الغَلَط بسبب
ذلك، والله أعلم، انتھی.
وقد تقدَّم الجواب عنَّا وقع من مثل ذلك في رواية عطاء عن جابر من طريق شَريك
عن سَلَمة بن كُهَيل (٢) في الباب المذكور، والله أعلم.
١٠ - باب بيع الوَلاءِ وهِبَته
٢٥٣٥ - حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ دِينارٍ، سمعتُ عبدَ الله
ابنَ عِمرَ رضي الله عنهما يقول: نَهَى النبيُّ وَِّ عن بيعِ الوَلَاءِ وعن هِبَتِه.
[طرفه في: ٦٧٥٦]
٢٥٣٦ - حدَّثْنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: اشتَرَيتُ بَرِيرةَ فاشتَرَطَ أهلُها ولاءَها، فَذَكَّرْتُ ذلك للنبيِّ
وَلّه، فقال: ((أعتِقِيها فإنَّ الولاءَ لِمَن أعطَى الوَرِقَ)). فأعتَقْتُها، فدَعَاها النبيُّ ◌َّهِ فِخَيَّرَها من
زوجِها فقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما ثَبَتُّ عندَه، فاختارَت نفسها.
قوله: ((باب بيع الوَلاء وهِبَتَه)) أي: حكمه، والولاء بالفتح والمدّ: حقّ ميراث المعتِقِ من
المعتَق، بالفتح، أورَدَ فيه حديث ابن عمر المشهور، وسيأتي شرحُه في كتاب الفرائض
(٦٧٥٦) إن شاء الله تعالى مع توجيه عَدَمِ صِحَّة بيعِه من دلالة النَّهي المذكور.
(١) عند مسلم (٩٩٧) (٥٩)، والبيهقي ٣١١/١٠.
(٢) طريق شريك عن سلمة أخرجها أحمد (١٥١٩٦)، وفيها زيادة: وعليه دين فباعه النبي ◌ّ في دين مولاه.
وشريك - هو ابن عبد الله النخعي - سيئ الحفظ.

١٣٨
باب ١١ / ح ٢٥٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
حديث عائشة في قِصَّة بَرِيرة، وسيأتي بعد عشرة أبواب (٢٥٦١)، ووجه دخوله في
التَّرجمة من قوله في أصلِ الحديث: ((فإِنَّمَا الوَلاءُ لمن أعتَقَ))، وهو إن كان لم يَسُقْه هنا بهذا
اللَّفظ، فكأنَّه أشار إليه كَعادتِهِ، ووجه الدّلالة منه حَصره في المعتِق، فلا يكون لغيره معه
منه شيء.
قال الخطَّبي: لمَّا كان الوَلاءُ كالنَّسَب، كان مَن أعتَقَ ثبت له الوَلاءُ کمَن ◌ُلِدَ له ولد
ثبت له نَسبُه؛ فلو نُسِبَ إلى غيره لم يَنْتَقِل نَسبُه عن والده، وكذا إذا أراد نَقْل ولائه عن
مَحَلّه لم يَنْتَقِل.
١١ - باب إذا أُسِرَ أخو الرجل أو عمُّه، هل يُفادَى إذا كان مُشْرِكاً؟
وقال أنسِّ: قال العبّاسُ للنبِيِّ بَّ: فادَيتُ نفسي وفادَيتُ عَقِيلاً.
وكان عليٌّ له نَصِيبٌ في تلكَ الغَنِيمِةِ التي أصابَ من أخِيه عَقِيلٍ وعَمِّه عبَّاسٍ.
٢٥٣٧ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقْبَةَ، عن موسى بن
عُقْبَةَ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: حدَّثني أنسٌ ﴾: أنَّ رِجالاً مِن الأنصار استَأْذَنوا رسولَ اللهِ ◌ّهه
a
١٦٨/٥ فقالوا: اثْذَنْ فَلْنَترُكُ/ لابنِ أَخِتِنا عبَّاسٍ فِداءَه، فقال: ((لا تَدَعُونَ منه دِرْهماً)).
[طرفاه في: ٣٠٤٨، ٤٠١٨]
قوله: ((باب إذا أُسِرَ أخو الرجل أو عَمُّه هل يُفادى)) بضمِّ أوَّله وفتح الدّال.
قوله: ((إذا كان مُشْرِكاً)) قيل: إنَّه أشار بهذه التَّرجمة إلى تضعيف الحديث الوارد فيمَن
مَلَكَ ذا رَحِمٍ فهو حُرّ، وهو حديث أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) من حديث الحسن عن
سَمُرة(١)، واستنكره ابن المديني، ورَجَّحَ الِّرمِذي إرساله، وقال البخاري: لا يَصِحّ، وقال
أبو داود: تفرَّد به حَمَّد، وكان يَشُكُّ في وصلِه، وغيره يرويه عن قَتَادة عن الحسن قوله،
وعن قَتَادة عن عمر قوله مُنقَطِعاً، أخرج ذلك النَّسائي (ك٤٨٨٣-٤٨٨٤)، وله طريق
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٤٩)، وابن ماجه (٢٥٢٤)، والترمذي (١٣٦٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٨٧٨ -
٤٨٨٢).

١٣٩
باب ١١ / ح ٢٥٣٧
كتاب العتق
أُخرى أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) أيضاً - إلَّا أبا داود - من طريق ضَمْرة عن الثَّوري عن
عبد الله بن دينار عن ابن عمر (١)، وقال النَّسائي: مُنكَر، وقال التِّرمِذي: خطأ. وقال جمع
من الحُفّاظ: دَخَلَ لضَمرة حديث في حديث، وإنَّما روى الثَّوري بهذا الإسناد حديث
النَّهي عن بيع الوَلاء وعن هِبَتَه (٢)، وجَرى الحاكم (٢١٤/٢) وابن حَزْم وابن القطَّان على
ظاهر الإسناد فصَحَّحوه.
وقد أخَذَ بعُمومِه الحنفية والثَّوري والأوزاعي واللَّيث، وقال داود: لا يَعتِقُ أحدٌ على
أحد، وذهب الشّافعي إلى أنَّه لا يَعتق على المرء إلَّا أُصوله وفروعه، لا لهذا الدَّلیل، بل
الأدَلَّةٍ أُخرى، وهو مذهب مالك وزاد الإخوةَ حتَّى من الأُمّ، وَزَعَمَ ابن بَطَّال أنَّ في
حديث الباب حُجَّة علیه، وفيه نظر لمَا سأذكُرُه.
قوله: ((وقال أنس: قال العبّاس: فاديت نفسي وفاديت عَقيلاً)) هو طَرَف من حديث
أوَّله: أُتي النبيُّنَّه بمالٍ من البحرين، فقال: ((انتُروه في المسجد)) وقد تقدَّم في «باب القِسمة
وتعليق القِنو في المسجد)) من كتاب الصلاة (٤٢١).
قوله: ((وكان عليٌّ)) أي: ابن أبي طالب ((له نَصيب في تلك الغَنيمة التي أصابَ من أخيه
عَقيل ومن عَمّه العبَّاس)) هو كلام المصنّف ساقه مُستِدِلًّا به على أنَّه لا يَعِقُ بذلك، أي:
فلو كان الأخ ونحوه يَعتق بمُجرَّدِ المِلك لعتَقَ العبّاس وعَقيل على عليّ في حِصَّته من
الغنيمة.
وأجابَ ابن المنيِر عن ذلك: أنَّ الكافر لا يُملَك بالغنيمة ابتداءً، بل يَتخيَّر الإمام بين
القتل أو الاسترقاق أو الفِداء أو المنّ، فالغنيمة سبب إلى المِلك بشرطِ اختيار الإرقاق، فلا
يَلْزَمُ العِتْقُ بمُجرَّدِ الغنيمة، ولعلَّ هذا هو النُّكتة في إطلاق المصنّف التَّرجمة، ولعلَّه يذهبُ
إلى أنَّه يَعتق إِذا كان مسلماً، ولا يَعتق إذا كان مُشرِكاً، وقوفاً عند ما وَرَدَ به الخبر.
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٢٥)، والترمذي (١٣٦٥) معلقاً، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٨٧٧).
(٢) سيأتي برقم (٦٧٥٦).

١٤٠
باب ١٢ / ح ٢٥٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله)) هو ابن أبي أوَيس.
قوله: ((أنَّ رجالاً من الأنصار)) لم أعرِف أسماءَهم الآن.
قوله: ((لابن أُختنا)) بالمثنَّة ((عبَّاس)) هو ابن عبد المطَّلِب، والمراد أنَّهم أخوال أبيه عبد
المطَّلِب، فإنَّ أُمّ العِبَّاس هي نُتَيلة - بالنّونِ والمثنَّة مُصغَّرة - بنت جِنان بالجيمِ والنّون،
وليست من الأنصار، وإنَّما أرادوا بذلك أنَّ أُمّ عبد المطَّلِب منهم، لأنَّها سلمى بنت عَمْرو
ابن أُحَيحة، بمُهمَلتين مُصفَّر، وهي من بني النَّجّار، ومثله ما وقع في حديث الهجرة: أنَّه
وَل﴿ نزلَ على أخواله بني النَّجّار(١)، وأخواله حَقيقة إنَّما هم بنو زُهرة، وبنو النَّجّار هم
أخوال جَدّه عبد المطَّلِب.
قال ابن الجوزي: صَحَّفَ بعض المحَدِّثينَ لجَهلِه بالنَّسَبِ فقال: ((ابن أخينا)) بكسر
الخاء بعدها تحتانية، وليس هو ابن أخيهم، إذ لا نَسَبَ بين قُرَيش والأنصار، قال: وإنَّما
قالوا: ابن أُختنا، لتكون الِنَّة عليهم في إطلاقه بخلاف ما لو قالوا: عَمّك، لكانت الِنَّة
عليه وَلَ، وهذا من قوَّة الذَّكاء وحُسن الأدب في الخِطاب، وإنَّما امتَنْع ◌َّهِ من إجابتهم
لئلا يكون في الدّين نوع محاباة. وسيأتي مَزيد في هذه القِصَّة في الكلام على غزوة بدر
(٤٠١٨) إن شاء الله تعالى.
وأراد المصنِّف بإيراده هنا الإشارة إلى أنَّ حكم القَرابة من ذوي الأرحام في هذا لا
يختلف من حكم القَرابة من العَصَبات، والله أعلم.
١٢ - باب عتق المشرك
١٦٩/٥
٢٥٣٨ - حدَّثنا عُبِيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، أخبرني أبي: أنَّ حَكِيمَ بنَ
حِزامِ نَّ أَعتَقَ في الجاهلِيَّةِ منَةَ رقبةٍ وَلَ على مئةِ بعيرٍ، فلمَّا أسلَمَ حَمَلَ على مئةِ بعيرٍ، وأعتَقَ
(١) أخرج أحمد (٣)، ومسلم (٢٠٠٩)، وأبو يعلى (١١٦)، وابن حبان (٦٢٨١) قصة الهجرة من حديث
البراء، ومنها: ((إني أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك)). وأصله في البخاري
مختصراً وبدون هذا القول برقم (٣٩١٧)، وانظر ((باب الهجرة)) و((باب مقدم النبي ◌َّ وأصحابه
المدينة)) فيما سيأتي (٣٨٩٧ - ٣٩٣٢).