Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب ١٥ / ح ٢٥٠۵ - ٢٥٠٦
كتاب الشركة
بَشِيرِ بنِ نَبِيكِ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((مَن أَعتَقَ شِقْصاً له في عَبْدٍ أُعْتِقَ كلُّه
إن كان له مالٌ، وإلا يُسْتَسْعَ غيرَ مَشْقُوقٍ عليه)).
قوله: ((باب الشَّرِكَةِ في الرَّقيقِ)) أورَدَ فيه حديثَي ابن عمر وأبي هريرة فيمَن أعتَقَ شِقصاً
- أي: نصيباً - من عبدٍ، وهو ظاهرٌ فيما تَرجَم له؛ لأنَّ صِحَّةَ العِثْق فرع صِحَّة المِلك.
١٥ - باب الاشتراك في الهدي والبُدْن
وإذا أشرَكَ الرجلُ رجلاً في هَذْيِهِ بعدَ ما أهْدَى
٢٥٠٥، ٢٥٠٦ - حدّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، أخبرنا عبدُ الملِكِ بنُ جُرَيج، عن
عطاءٍ، عن جابٍ. / وعن طاووس، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم، قالا: قَدِمَ النبيُّ ◌ُآل﴾ و أصحابُه ١٣٨/٥
صُبْحَ رابعةٍ من ذي الحِجّةِ مُهِلِّين بالحجِّ لا تَخْلِطُهم شيءٌ، فلمَّا قَدِمْنا أمَرَنا فجَعَلْناها عُمْرةً،
وأن نَحِلَّ إلى نِسائِنا، ففَشَتْ في ذلك القالَةُ.
قال عطاءٌ: فقال جابرٌ: فَيَرُوحُ أحدُنا إلى مِنَّى وذَكَرُه يَقْطُرُ مَنِيّاً! فقال جابرٌ بكَفِّه، فَبَلَغَ
ذلك النبيَّ وَّ﴿ فقامَ خَطيباً، فقال: ((بَلَغَنِي أَنَّ أقواماً يقولونَ كذا وكذا، والله لأنا أبَرُّ وأنقَى
لله منهم، ولو أنَّ استَقْبَلْتُ من أمري ما استَدْبَرْتُ ما أهْدَيتُ، ولَوْلا أنَّ معيَ الهَدْيَ
لأحْلَلْتُ)). فقامَ سُراقةُ بنُ مالكِ بنِ جُعْثُم، فقال: يا رسولَ الله، هي لنا أو للأبدِ؟ فقال:
«لا، بل للأبد)).
قال: وجاء عليُّ بنُ أبي طالبٍ، فقال أحدُهما: يقول: لَبَّيكَ بما أهَلَّ به رسولُ الله ◌َّهِ، وقال
الآخَرُ: لَبِّكَ بِحَجّةِ رسولِ اللهِوَّةِ، فَأَمَرَ النبيُّ وَلَ أَن يُقِيمَ على إحرامِه وأشْرَكَه في الهَدْي.
قوله: ((باب الاشتراكِ في الهَدْيِ والبُدْنِ)) بضمِّ الموحّدة وسكون المهمَلة: جمع بَدَنةٍ، وهو
من الخاصِّ بعدَ العامّ.
قوله: ((وإذا أشْرَكَ الرجلُ رجلاً في هَدْيِهِ بعدَما أَهدى)) أي: هل يسوغُ ذلك؟ ذكر فيه
حديث جابر وابن عبّاس في حَجَّة النبي ◌َِّ وفيه إهلالُ عليّ، وفيه: فأمَرَه أن يُقيم على

٨٢
باب ١٥ / ح ٢٥٠۵ - ٢٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
إحرامه وأشرَكَه في الهَدْي، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَى في الحجِّ (١٥٥٧ و ١٥٦٤
و ١٥٦٨ و ١٦٥١).
وفيه بيان أنَّ الشَّرِكةَ وقعت بعدَما ساق النبي ◌َِّ الهَديَ من المدينة، وهي ثلاث
وستّون بَدَنَةً، وجاء عليّ من اليمن إلى النبي ◌ِِّ ومعه سبع وثلاثون بَدَنةً فصارَ جميع ما
ساقه النبي ◌ُّ من الهدى مئة بَدَنةٍ، وأشرَكَ عليّاً معه فيها، وهذا الاشتراك محمول على أنَّه وَله
جَعل عليّاً شَريكاً له في ثواب الهدي، لا أنَّه مَلَّكَه له بعدَ أن جَعَلَه هَدياً، ويُحْتَمل أن يكون
عليٌّ لمَّا أحضَرَ الذي أحضَرَه معه فرآه النبي ◌َِّ، مَلَّكَه نصفَه مثلاً فصارَ شَريكاً فيه،
وساق الجميع هَدياً فصارا شَريكَين فيه، لا في الذي ساقه النبي ◌َّ أَوَّلاً.
قوله: ((وجاء عليّ بن أبي طالب فقال أحدهما: يقول: لَبَّيكَ بما أهَلَّ به رسول الله وَلَه، وقال
الآخر: لَبِّيَكَ بِحَجَّةِ رسولِ اللهِ وَ لَ) تقدَّم في أوائل الحجِّ (١٦٥١) بيان الذي عَبَّرَ بالعِبارة
الأولى وهو جابر، وكذا وقع في أبواب العُمرة (١٧٨٥) وتَعيَّنَ أنَّ الذي قال: ((بحَجَّة
رسولِ الله وَ لَه) هو ابن عبّاس، ومعنى قوله: ((بحَجَّة)) أي: بمِثْلِ حَجَّة رسولِ الله ◌َِّ.
تنبيه: حديث ابن عبَّاس في هذا من هذا الوجه أغفَلَه الِزّي فلم يَذكُره في ترجمة
طاووس، لا في رواية ابن ◌ُرَیج عنه، ولا في رواية عطاء عنه، بل لم يُذكَر لواحدٍ منهما
رواية عن طاووس، وكذا صَنَعَ الحميدي فلم يَذكُر طريق طاووس عن ابن عبَّاس هذه، لا
في المَتَّفَقِ ولا في أفراد البخاري، لكن تَبيَّنَ من ((مُستَخرَج أبي نُعيم)) أنَّه من رواية ابن جُرَيج
عن طاووس، فإنَّه أخرجه من ((مسندِ)) أبي يَعلى قال: حدّثنا أبو الرَّبيع، حدَّثنا حَمَّاد بن زيد
عن ابن جُرَيج عن عطاءٍ عن جابر، قال: وحدَّثنا حَمَّاد عن ابن جُرَيج، عن طاووس، عن
ابن عبّاس، ولم أرَ لابن جُرَيج عن طاووس روايةً في غير هذا الموضع، وإنَّما يروي عنه في
((الصحيحينِ)) وغيرهما بواسطة، ولم أرَ هذا الحديثَ من رواية طاووس عن ابن عبَّاس في
((مسند)) أحمد مع كِبَرَه، والذي يَظهَرُ لي أنَّ ابن جُرَيج عن طاووس مُنقَطِعٍ، فقد قال
الأئمّة: إِنَّه لم يَسمَع من مجاهد ولا من ◌ِكْرمة، وإنَّما أرسَلَ عنهما وطاووس من أقرانهما.

٨٣
باب ١٦ / ح ٢٥٠٧
كتاب الشركة
وإنَّما سمِعَ من عطاءٍ لكَونِه تأخَّرَت عنهما وفاته نحو عشر سنين(١)، والله أعلم.
١٣٩/٥
١٦ - باب من عَدَلَ عشرةً من الغنم بجَزورٍ في القَسْمِ
٢٥٠٧ - حذَّثني محمَّدٌ، أخبرنا وكِيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عَبَايةَ بنِ رِفاعةً، عن جَدِّه
رافعٍ بِنِ خَدِيجٍ ◌ُ، قال: كنَّا مَعَ النبيِّ وَّ بذي الحُلَيفةِ من تِهامةَ فأصَبنا غنماً أو إبلاً، فعَجِلَ
القومُ فأغلَوْا بها القُدُورَ، فجاء رسولُ اللهَ وََّ فَأْمَرَ بها فَأُكْفِئَت، ثمَّ عَدَلَ عَشَرةً مِن الغنمِ
بِجَزُورٍ، ثُمَّ إِنَّ بعيراً نَّ وليسَ في القومِ إلا خَيْلٌ يَسِيرةٌ، فحَبَسَه بسَهْم، فقال رسولُ الله ◌ِّل.
((إِنَّ لهذه البَهائمِ أوابدَ كأوابدِ الوَحْشِ، فما غَلَبَكُمْ منها فاصْنَعُوا به هكذا)).
قال: قال جَدّي: يا رسولَ الله، إنّا نَرْجُو - أو نَخافُ - أن نَلْقَى العَدُوَّ غَداً، وليسَ مَعَنا
مُدَّى، أَفَذْبَح بالقَصَبِ؟ فقال: ((اعجَل، أو أَرْني، ما أنهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكُلُوا، ليسَ
السِّنَّ والظُّفُرَ، وسأُحَدِّثُكُم عن ذلك: أمَّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمَّا الظَّفُرُ فِمُدَى الحَبَشِةِ».
قوله: ((باب مَن عَدَلَ عَشَرَةً من الغنمِ بِجَزُور» بفتح الجيمِ وضَمِّ الزّايٍ، أي: بعير، ((في
القَسْمِ)) بفتح القاف.
ذكر فيه حديث رافع في ذلك، وقد تقدَّم قريباً (٢٤٨٨) وأنَّه يأتي الكلام عليه في
الذَّبائح (٥٥٤٣) إن شاء الله تعالى.
ومحمد شيخ البخاري في هذا الحدیث لم يُنسب في أکثرِ الرِّوايات، ووقع في رواية ابن
شَّويه: ((حدَّثنا محمد بن سلام))، والله أعلم.
خاتمة: اشتمل كتاب الشَّرِكة من الأحاديثِ المرفوعة على سبعة وعشرينَ حديثاً، المعَلَّق
منها واحد والبقية موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى ثلاثة عشر حديثاً، والخالص أربعة
عشر، وافقَه مسلم على تخريجِها سوى حديث النُّعمان: ((مَثَل القائمِ على حدودِ الله)) وحديثَي
(١) في (س): ((عشرين سنة)) وهو خطأ، وصوابه ما أثبتناه من الأصلين، ففي كتب التاريخ والتراجم أن وفاة كلٌّ
من مجاهد وعكرمة كانت في سنة أربع ومئة، وأما عطاء فقد توفي سنة أربع عشرة ومئة على المشهور.

٨٤
باب ١٦ / ح ٢٥٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الله بن هشام، وحديثَي عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزُّبَير في قِصَّتِه، وحديث ابن
عبَّاس الأخير.
وفيه من الآثار أثر واحد. والله أعلم.

٨٥
ح ٢٥٠٨
كتاب الرهن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الزهن في الحَضَر
١٤٠/٥
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَرُهُنٌ (١) مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
٢٥٠٨ - حدَّثْنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ ﴾ قال: وَلقد
رَهَنَ رسول الله وَّهْ دِرْعَه بشَعِيرٍ، ومَشَيتُ إلى النبيِّ وَهُ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وإهالةٍ سَنِخِةٍ، ولقد
سمعتُه يقول: ((ما أصبَحَ لآلِ محمَّدٍ نَّهَ إِلَّ صاعٌ ولا أمسَى وإِنَّهِم لَتِسْعَةُ أبياتٍ)).
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتابُ الرَّهْنِ في الحَضَرِ، وقول الله عزَّ وجلَّ: ((فرُهُنٌ
مقبوضةٌ)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((باب)) بدل ((كتاب))، ولابن شَبّويه: ((باب ما جاء))، وكلّهم
ذَكَروا الآيةَ من أوَّلها.
والرَّهْنُ - بفتح أوَّله وسكون الهاءِ - في اللّغة: الاحتباس، من قولهِم: رَهَنَ الشيءُ: إذا
دام وثبت، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وفي الشَّرع: جَعلُ مالٍ وثيقةً على
دَينٍ. ويُطلَقُ أيضاً على العين المرهونة، تسميةً للمَفعولِ باسم المصدر.
وأمَّا الزُّهُنُ - بضمَّتَين - فالجمع، ويُجمَعُ أيضاً على رِهانٍ بكسر الراءِ، ككُتُب وكتاب،
وقُرِئَ بهما.
وقوله: ((في الحَضَرِ)) إشارة إلى أنَّ التَّقييدَ بالسَّفَرِ في الآية خَرَج للغالبِ، فلا مفهومَ له
لدلالة الحديث على مشروعيته في احضرِ کما سأذكُرُه، وهو قولُ الجمهور، واحتجُّوا له من
حيثُ المعنى بأنَّ الرَّهنَ شُرِعَ تَوثقةً على الدَّين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًَا﴾
[البقرة: ٢٨٣]، فإنَّه يشيرُ إلى أنَّ المراد بالرَّهن الاستيثاق، وإنَّما قِيَّده بالسَّفَرِ؛ لأنَّه مَظِنَّة فَقْد
(١) كذا قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((فُرُهُنٌ)) برفع الراء والهاء، وقرأ الباقون ((فِرِهانٌ)). ((حجة القراءات)) لابن
زنجلة ص١٥٢.

٨٦
ح ٢٥٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
الكاتب، فأخرجه تَخَرَج الغالب، وخالَفَ في ذلك مجاهد والضَّحّاك فيما نَقَلَه الطَّبَري(١)
عنهما فقالا: لا يُشرَع إلَّا فِي السَّفَرِ حيث لا يُوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظَّاهر.
وقال ابن حَزْمٍ: إن شَرَطَ المرتَمِن الرَّهْنَ في الْحَضَرِ لم يكن له ذلك، وإن تَبرَّع به الرَّاهنُ
جاز، وحَل حديث الباب على ذلك. وقد أشار البخاري إلى ما وَرد في بعضٍ طرقه
كَعادتِه، وقد تقدَّم الحديث في ((باب شِراء النبي ◌َّ بِالنَّسيئَة)) (٢٠٦٩) في أوائل البيوعِ من
هذا الوجه بلفظ: ((ولقد رَهَنَ دِرعاً له بالمدينة عند يهودي)) وعُرِفَ بذلك الرَّدِّ على مَن
اعتَرض بأنَّه ليس في الآية والحديث تَعرُّض للرَّهن في الخَضَر.
قوله: ((حدَّثنا مسلم بن إبراهيم)) تقدَّم في أوائل البيوعِ (٢٠٦٩) مقروناً بإسنادٍ آخرَ،
وساقه هناك على لفظه، وهنا على لفظ مسلم بن إبراهيم.
قوله: ((ولقد رَهَنَ دِرْعَه)) هو معطوفٌ على شيءٍ محذوف، بَيَّنَه أحمد (١٣٢٠١ و١٣٨٦٠)
من طريق أبان العَطّار، عن قَتَادة، عن أنس: أنَّ يهوديّاً دَعَا رسول الله وَ لِّ فأجابه. والدِّرُ
- بكسر المهمَلة - يُذكَّر ویؤنَّث.
قوله: ((بشَعير)) وَقع في أوائل البيوع من هذا الوجه بلفظ: ((ولقد رَهَنَ النبي ◌ََّ دِرعاً
له بالمدينة عند يهودي، وأخذَ منه شَعيراً لأهلِه)) وهذا اليهودي هو أبو الشَّحم، بَيَّنَه
الشّافعي (١٤٢/٣) ثمَّ البيهقي (٦/ ٣٧) من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه: أنَّ النبي ◌ِه.
رَهَنَ دِرعاً له عند أبي الشَّحمِ اليهودي - رجل من بني ظَفَر - في شَعِير. انتهى، وأبو
الشَّحمِ، بفتح المعجَمة وسكون المهمَلة، اسمه كُنيته، وظَفَر: بفتح الظَّاءِ والغاءِ، بَطْن من
١٤١/٥ الأوس وكان حَليفاً لهم، وضَبَطَه بعضُ المتأخّرينَ بهمزةٍ ممدودة وموخَّدةٍ مكسورة،/ اسم
الفاعلِ من الإباء، وكأنَّه التَبسَ عليه بآبي اللَّحم الصحابي، وكان قَدْر الشَّعير المذكور
ثلاثينَ صاعاً كما سيأتي للمصنَّ من حديث عائشة في الجهاد (٢٩١٦) وأواخِر المغازي
(٤٤٦٧).
(١) في ((تفسيره)) ١٣٩/٣.

٨٧
ح ٢٥٠٨
كتاب الرهن
وكذلك رواه أحمد (٢١٠٩) وابن ماجَهْ (٢٤٣٩) والطبراني (١١٩٠١) وغيرهم من
طريق ◌ِكْرمةَ عن ابن عبّاس، وأخرجه التِّرمِذي (١٢١٤) والنَّسائي من هذا الوجه(١)
فقالا: ((بعشرينَ))، ولعلَّه كان دون الثلاثينَ فجَبَرَ الكسر تارةً وألغى أُخرى، ووقع لابن
حِبَّان (٥٩٣٧) من طريق شَيْبان، عن قَتَادة، عن أنس: أنَّ قيمة الطَّعام كانت ديناراً، وزاد
أحمد من طريق شَيْبان الآتية في آخِرِه: فما وَجَدَ ما يَفتَكّها به حتَّى مات(٢).
قوله: ((ومَّشَيت إلى النبي وَله بخُبْزِ شَعير وإهالة سَنِخَة)) والإهالة - بكسر الهمزة
وتخفيف الهاء -: ما أُذيبَ من الشَّحم والألية، وقيل: هو كلّ دَسَمِ جامدٍ، وقيل: ما يُؤَدم
به من الأدهان، وقوله: ((سَنِخَة)) بفتح المهمَلة وكسر النّون بعدَها مُعجَمة مفتوحة، أي:
المتغَيِّرة الرّيح، ويقال فيها بالزّاي أيضاً. ووقع لأحمد (١٣٤٩٧) من طريق شَيْبان، عن
قَتَادة، عن أنس: ((لقد دُعيَ نبيُّ الله وَِّ ذات يومٍ على خُبزِ شَعير وإهالة سِنِخَة))، فكأنَّ
اليهودي دَعَا النبي ◌ََّ على لسان أنس، فلهذا قال: ((مَشَيت إليه)) بخلاف ما يقتضيه
ظاهرُه أنَّه أَحضَرَ ذلك إليه.
قوله: ((ولقد سمعتُه)) فاعِل ((سمعتُ)) أنس، والضَّمير للنبي وَّهِ وهو فاعِل ((يقول))،
وجَزَمَ الكِرْماني بأنَّه أنس وفاعِل ((سمعتُ)) قَتَادة، وقد أشَرت إلى الرّدِّ عليه في أوائل
البيوع (٢٠٦٩)، وقد أخرجه أحمد وابن ماجه (٤١٤٧) من طريق شَيْيان المذكورة بلفظ:
((ولقد سمعت رسولَ الله ◌َلَّ يقول: والذي نفس محمدٍ بيدِه) فذكر الحديث، لفظَ ابن
ماجه، وساقه أحمد بتمامه.
قوله: ((ما أصبَحَ لآلٍ محمد إلّا صاع ولا أمسى)) كذا للجميع، وكذا ذكره الحميدي في
(١) بل هو عند النسائي في ((المجتبى)) (٤٦٥١) و((الكبرى)) (٦٢٠٢) من الوجه المذكور بلفظ: بثلاثين.
(٢) إنما أخرج أحمد (١١٩٩٣) هذه الزيادة عن محمد بن فضيل عن الأعمش عن أنس، ولم تقع عنده من
طريق شيبان الآتية، وهذه الزيادة وقعت عند كلٍّ من ابن حبان (٥٩٣٧)، والطبراني في ((الأوسط))
(٨٨٧٠)، وأبي يعلى (٣٠٥٩)، والبيهقي (٣٦/٦ -٣٧) من طريق شيبان كذلك.

٨٨
ح ٢٥٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
(الجمع)) (٢٠٤٢)، وأخرجه أبو نُعيم في ((المستخرَجِ)) من طريق الكَجّي عن مسلم بن
إبراهيم شيخ البخاري فيه بلفظ: ((ما أصبَحَ لآلِ محمد ولا أمسى إلَّا صاع))، وخُولِفَ
مسلم بن إبراهيم في ذلك، فأخرجه أحمد (١٢٣٦٠) عن أبي عامر والإسماعيلي من طريقه،
والتِّرمِذي (١٢١٥) من طريق ابن أبي عدي ومعاذ بن هشام، والنَّسائي (٤٦١٠) من طريق
هشام بلفظ: ((ما أمسى في آلِ محمد صاع من تمرٍ ولا صاع من حَبّ))(١) وتقدَّم من وجهٍ
آخرَ في أوائل البيوعِ (٢٠٦٩) بلفظ: ((بُرّ)) بدل: تمر.
قوله: ((وإنَّهم لَتِسْعة أبيات)) في رواية المذكورينَ: ((وإنَّ عنده يومئذٍ لَتِسِعُ نِسوَة) وسيأتي
سياق أسمائهنَّ في كتاب المناقب إن شاء الله تعالى.
ومناسبةُ ذكرٍ أنس لهذا القَدرِ مع ما قبلَه، الإشارة إلى سببٍ قوله وَ لَ هذا وأنَّه لم يقله
مُتَضَجِّراً ولا شاكياً - مَعاذَ الله من ذلك - وإنَّما قاله مُعتَذِراً عن إجابَتِهِ دَعوةَ اليهودي
ولِرَهنِهِ عنده دِرعه، ولعلَّ هذا هو الحاملُ الذي زَعم بأنَّ قائل ذلك هو أنس، فِراراً من أن
يُظنَّ أنَّ النبيَّ قال ذلك بمعنى التَّجُّرِ، والله أعلم.
وفي الحديث جواز مُعامَلة الكفَّار فيما لم يتحقَّق تحريم عَين المتعامَلِ فيه، وعَدَم الاعتبار
بفساد مُعتقَدِهم ومُعامَلاتهم فيما بينهم، واستُنِطَ منه جواز مُعامَلة مَن أكثرُ مالِه حرام.
وفيه جوازُ بيعِ السِّلاحِ ورَهنِهِ وإجارَتِهِ وغير ذلك من الكافرِ ما لم يكن حَرْبِيّاً، وفيه
ثُبُوتُ أملاكِ أهلِ الذِّمَّة في أيديهم، وجواز الشِّراءِ بالثَّمَن المؤْجَّلِ، واتّخاذ الدُّروع والعُدَد
وغيرها من آلات الحربِ وأنَّه غيرُ قادح في التَّوكُّل، وأنَّ قُنية آلة الحربِ لا تدلُّ على
تَجبيسِها، قاله ابن المنيِّر، وأنَّ أكثرَ قوت ذلك العصر الشَّعير، قاله الدَّاوُودي، وأنَّ القولَ
قول المرتَبِن في قيمة المرهون مع يمينه، حكاه ابن النِّين.
وفيه ما كان عليه النبي ◌ََّ من التَّواضُع والزُّهِدِ في الدنيا والتَّقُلُّلِ منها مع قُدرَتِه
عليها، والكَرَمِ الذي أفضى به إلى عَدَمِ الادِّخار حتَّى احتاجَ إلى رَهْن دِرعِه، والصَّيرِ على
(١) رواية النسائي مختصرة ليس فيها قوله: ((ما أمسى ... )) إلخ.

٨٩
باب ١ / ح ٢٥٠٩
كتاب الرهن
ضيقِ العَيشِ والقَناعة باليَسير، وفضيلة لأزواجه لصَبرهنَّ معه على ذلك، وفيه غيرُ ذلك
ممّا مضی ویأتي.
قال العلماء: الحِكمةُ في عُدولِهِ وَِّ عن مُعامَلة مَياسِير الصحابة إلى مُعاملة اليهود إمَّا
لبيان الجواز، أو لأنَّهم لم يكن عندهم إذ ذاكَ طعامٌ فاضلٌ / عن حاجة غيرهم، أو خشبيَ ١٤٢/٥
أنَهم لا يأخُذون منه ثمناً أو عِوَضاً فلم يُرِدِ التَّضييق عليهم، فإنَّه لا يَبعُدُ أن یکون فیھم إذ
ذاكَ مَن يَقدِرُ على ذلك وأكثر منه، فلعلَّه لم يُطلِعهم على ذلك، وإنَّما أطلَعَ عليه مَن لم يكن
مُوسِراً به ممَّن نَقَلَ ذلك، والله أعلم.
١- باب من رهنَ دِرْعَه
٢٥٠٩- حدّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: تَذاكَرْنا عندَ إبراهيمَ
الرَّهْنَ والقَبِيلَ فِي السَّلَفِ، فقال إبراهيمُ: حدَّثنا الأسوَدُ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَّ
اشترى من يهوديِّ طعاماً إلى أجَلِ ورَهَنَهَ دِرْعَه.
قوله: «باب من رهَن دِرْعَه)) ذکر فیه حدیث الأعمش «قال: تذاكرنا عند إبراهیم» هو
النَّخَعي ((الرَّهْن والقَبيل)) بفتح القاف وكسر الموخَّدة، أي: الكفيل، وزناً ومعنّى.
قوله: ((اشترى من يهودي)) تقدَّم التَّعريف به في الباب الذي قبله.
قوله: ((طعاماً إلى أجَلِ)) تقدَّم جِنسه في الباب الذي قبله، وأمَّا الأجَل ففي ((صحيح))
ابن حِبَّان (٥٩٣٨) من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش: أنَّه سَنة.
قوله: ((ورَهَنَهَ دِرْعَه)) تقدَّم في أوائل البيوع (٢٠٦٨) من طريق عبد الواحد عن
الأعمَش بلفظ: ((ورَهَنَه دِرعاً من حديدٍ))، واستُدِلَّ به على جواز بيع السِّلاح من الكافر،
وسَيُذكَر في الذي بعده. ووقع في أواخِر المغازي (٤٤٦٧) من طريق الثَّوري، عن الأعمَش
بلفظ: ((تؤُفّي رسولُ الله ◌ِوَِّ ودِرِعُه مَرهونةٌ))، وفي حديث أنس عند أحمد (١٣٤٩٧): ((فما
وَجَدَ ما یَفتَكُّها به)).
وفيه دليلٌ على أنَّ المرادَ بقوله ◌َّه في حديث أبي هريرة: («نفسُ المؤمن مُعلَّقَةٌ بدَينِهِ حتَّى

٩٠
باب ٢ / ح ٢٥١٠
فتح الباري بشرح البخاري
يُقضى عنه))(١) - وهو حديث صَحَّحَه ابن حِبَّان (٣٠٦١) وغيره(٢) - مَن لم يَترُك عند
صاحب الدَّين ما يَحَصُلُ له به الوفاءُ، وإليه جَنَحَ الماوَرْدي، وذكر ابن الطّلَّاع في ((الأقضية
النَّبوية)): أنَّ أبا بكر افتَكَّ الدِّرع بعد النبيِنََّ، لكن روى ابن سعد (٣١٧/٢) عن جابر:
أنَّ أبا بكر قضى عِدَات النبي ◌َِّ، وأنَّ عليّاً قضى دُيونَه، وروى إسحاق بن راهويه في
((مسنده)) عن الشَّعبي مُرسلاً: أنَّ أبا بكر افتَكَّ الدِّرعِ وسَلَّمَها لعليّ بن أبي طالب؛ وأمَّا مَن
أجاب بأنَّه وَّ افتَكَّها قبل موته فمُعارَض بحديثِ عائشة رضي الله عنها.
٢ - باب رَهْن السّلاح
٢٥١٠ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله
رضي الله عنهما يقول: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((مَن لَكَعْبٍ بنِ الأشْرَفِ؟ فإنَّه قد أَذَى الله ورسولَه)»،
فقال محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: أنا، فأتاه فقال: أرَدْنا أن تُسْلِفَنا وَسْقاً أو وَسْقَينٍ، فقال: ارْهَنُوني نِساءَكُم،
قالوا: كيفَ نَرْهَنُكَ نِساءَنا وأنتَ أْمَلُ العربِ؟! قال: فارْهَنُوني أبناءَكُم، قالوا: كيفَ نْهَنُكَ
أبناءَنا فيُسَبُّ أحدُهم فيقال: رُهِنَ بوَسْقٍ أو وَسْقَينٍ؟! هذا عارٌ علينا ولكنّا نَرْهَنُكَ اللَّأُمّةَ - قال
سفيانُ: يعني السِّلاحَ - فَوَعَدَه أن يأتيَه، فقَتَلُوه، ثمَّ أتوا النبيَّ ◌َِّ فأخبَروه.
[أطرافه في: ٣٠٣١، ٣٠٣٢، ٤٠٣٧]
١٤٣/٥
قوله: ((باب رَهْن السِّلاح)) قال ابن المنِّر: إنَّما تَرجَمَ لرَهْن السِّلاح بعد رَهْن الدِّرع؛ لأنَّ
الدِّرع ليست بسلاحِ حقيقةً، وإنَّما هي آلةٌ يُنَّقى بها السِّلاح، ولهذا قال بعضهم: لا تجوزُ
تَحليتُها، وإن قُلنا بجوازٍ تَحلية السِّلاحِ كالسَّيف.
قوله: ((اللَّأَمة)) بلام مُشَدَّدٍ وهمزة ساكنة، قد فَسَّرَها سفيان الراوي بالسِّلاح، وسيأتي
الكلام على هذا الحديث مُستَوفَّى في قِصَّة كعب بن الأشرف من المغازي (٤٠٣٧).
(١) وقع في (س) وحدها هنا زيادة مقحمة وهي: ((قيل: هذا محلّه في غير نفس الأنبياء، فإنها لا تكون معلّقةً
بدَينٍ فهي خصوصيّة))، وقد نقل ابن علّان في ((دليل الفالحين)) ٤٥٩/٤ - ٤٦٠ هذه الفقرة بتمامها عن
((الفتح)) دون هذه الزيادة، مما يدل على إقحامها في الأصل المعتمد في (س).
(٢) وأخرجه أحمد (٩٦٧٩)، وابن ماجه (٢٤١٣)، والترمذي (١٠٧٨) و(١٠٧٩).

٩١
باب ٣ / ح ٢٥١١ - ٢٥١٢
كتاب الرهن
قال ابن بطَّال: ليس في قولهم: (نَرهَنُك اللَّأْمة)) دلالةِ على جواز رَهْن السِّلاح، وإنَّما
كان ذلك من مَعاريض الكلام المباحة في الحرب وغيره.
وقال ابن التِّين: ليس فيه ما بَوَّبَ له؛ لأَنَّهم لم يَقصِدوا إلَّا الخديعة، وإنَّما يُؤخَذ جواز
رَهن السِّلاح من الحديث الذي قبله، قال: وإنَّما يجوز بيعُه ورَهنُه عند مَن تكون له ذِمَّةٌ أو
عهدٌ باتِّفاقٍ، وكان لكعبٍ عهد، ولكنَّه نَكثَ ما عاهَدَ عليه من أنَّه لا يُعينُ على النبي
فانتَقضَ عهده بذلك، وقد أعلَنَ وَّه بأنَّه آذى الله ورسوله، وأُجيبَ بأنَّه لو لم يكن مُعتاداً
عندهم رَهْنُ السِّلاحِ عند أهل العهد لما عَرَضوا عليه، إذ لو عَرَضوا عليه ما لم تَجِرِ به
عادتُهم لاستَرابَ بهم، وفاتَهم ما أرادوا من مَكيدَتِه، فلمَّا كانوا بصَدَدِ المخادعة له أو هَموه
بأنَّهم يفعلون ما يجوز لهم عندهم فعلُه، ووافقَهم على ذلك لمَا عَهِدَه من صِدقِهم، فتَمَّت
المكيدة بذلك، وأمَّا كَون عهده انتَقضَ فهو في نفس الأمر، لكِنَّه ما أعلَنَ ذلك ولا أعلَنوا
له به، وإنَّما وقعت المحاوَرة بينهم على ما يقتضيه ظاهرُ الحال، وهذا كافٍ في المطابقة.
وقال السُّهَيلي: في قوله: ((مَن لكعبٍ بن الأَشَرَف؟)) جواز قتل مَن سبَّ رسول الله وَل
ولو كان ذا عهد، خلافاً لأبي حنيفة، كذا قال، وليس متَّفقاً عليه عند الحنفية. والله أعلم.
٣- باب الرهن مر کوبٌ ومحلوبٌ
وقال مُغِيرةٌ، عن إبراهيمَ: تُرْكَبُ الضّالَةُ بِقَدْرِ عَلَفِها، وتُحلَبُ بقَدْرٍ عَلَفِها، والزّهْنُ مِثْلُه.
٢٥١١ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زكريّا، عن عامِرٍ، عن أبي هريرةَ عُ، عن النبيِّ وَلِّ: أنَّه
كان يقول: ((الرَّهْنُ يُرْكَبُ بنَفَقَتِهِ، ويُشْرَبُ لبنُ الدَّرِّ إذا كان مَرْهُوناً)).
[طرفه في: ٢٥١٢]
٢٥١٢- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا زكريّا، عن الشَّعْبيِّ، عن أبي
هريرةَ عُ، قال: قال رسولُ الله ◌َ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُوناً، ولبنُ الذَّرِّ يُشْرَبُ
بنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُوناً، وعلى الَّذي يَرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقُ)).

٩٢
باب ٣ / ح ٢٥١١ - ٢٥١٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب الرَّهْن مَرْكوب وتحلُوب)) هذه التَّرجمة لفظ حديثٍ أخرجه الحاكِم (٥٨/٢)
وصحَّحه من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً، قال الحاكِم: لم
يُحرِّجاه؛ لأَنَّ سفيان وغيره وقَفوه على الأعمَش. انتهى، وقد ذكر الدّارَ قُطني الاختلاف
على الأعمَش وغيره، ورَجَّحَ الموقوف، وبه جَزَمَ التِّرمِذي (١٢٥٤)، وهو مُسارٍ لحديثٍ
الباب من حيثُ المعنى، وفي حديث الباب زيادة.
قوله: ((وقال مُغيرة)) أي: ابن مِقسَم ((عن إبراهيم)) أي: النَّخَعي («تُركَبُ الضّالَّة بقَدْرٍ
عَلَفها وتُحَلَبُ بِقَدْرٍ عَلَفها)) وقع في رواية الكُشْمِيهني: ((بقَدرِ عملها)) والأوَّل أصوَب.
وهذا الأثر وَصَلَه سعيد بن منصور عن هُشَيم عن مغيرة به.
قوله: ((والرَّهْن مِثْلُهُ)) أي: في الحكم المذكور، وقد وَصَلَه سعید بن منصور بالإسناد
المذكور ولفظه: ((الدّابَّة إذا كانت مَرهُونة تُركَبُ بقَدرِ عَلَفِها، وإذا كان لها لبنٌ يُشرَبُ منه
١٤٤/٥ بقَدرِ عَلَفِها)»: / ورواه حمَّد بن سَلَمة في ((جامعه)) عن حمَّد بن أبي سليمان عن إبراهيم،
بأوضحَ من هذا ولفظه: إذا ارتَهَنَ شاة شَرِبَ المرتَبِن من لبنِها بقَدرِ ثمن عَلَفِها، فإن
استَفضَلَ من اللَّبَن بعد ثمن العَلَف فهو رباً.
قوله: «حدّثنا زکریّا)» هو ابن أبي زائدة.
قوله: ((عن عامر)) هو الشَّعبي، ولأحمد (١٠١١٠) عن يحيى القَطّان عن زكريّا: حدَّثني
عامر، وليس للشَّعبي عن أبي هريرة في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في تفسير الزُّمَر
(٤٨١٣) وعَلَّقَ له ثالثاً في النِّكاح (٥١٠٨).
قوله: ((الرَّهْن يُركَبُ بنَفَقَتِه)) كذا للجميعِ بضمٍّ أوَّل ((يُركَبُ)) على البناء للمجهول،
وكذلك («يُشرَب))، وهو خبرٌ بمعنى الأمر، لكن لم يَتَعيَّن فيه المأمور، والمراد بالرَّهن المرهون،
وقد أوضحَه في الطَّريق الثانية حيثُ قال: ((الظَّهِرُ يُركَبُ بنَفَقَتِهِ إذا كان مَرهوناً».
قوله: ((الذَّ)) بفتح المهمَلة وتشديد الراء مصدر بمعنى الدّارَّة، أي: ذات الضَّرْع.

٩٣
باب ٣ / ح ٢٥١١ -٢٥١٢
كتاب الرهن
وقوله: ((لبن الدَّرّ)) هو من إضافة الشيء إلى نفسه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾
[ق: ٩].
قوله في الرواية الثانية: ((وعلى الذي يَركَب ويَشَرَب النَّفَقة)) أي: كائناً من كان، هذا ظاهر
الحديث، وفيه حُجَّةٌ لمن قال: يجوزُ للمُرتَمِن الانتفاع بالرَّهن إذا قام بمَصلَحَتِه، ولو لم يأذَن
له المالك، وهو قول أحمد وإسحاق وطائفة، قالوا: يَنتَفع المرتَبِنُ من الرَّهن بالرُّكوب
والحَلب بقَدْرِ النَّفَقة، ولا يَنتَفع بغيرهما لمفهوم الحديث، وأمَّا دعوى الإجمال فيه فقد دَلَّ
بمنطوقِه على إباحة الانتفاع في مُقابلة الإنفاق، وهذا يختصُّ بالمرتَيِنِ؛ لأنَّ الحديث وإن
كان مُجُمَلاً، لكِنَّه يختصُّ بالمرتَهِنِ؛ لأَنَّ انتفاع الرَّاهن بالمرهون لكَونِهِ مالكَ رَقَبَتِهِ لا لكَونِه
مُنِفِقاً علیه بخِلاف المرتَبِن.
وذهب الجمهورُ إلى أنَّ المرتَهِن لا يَنتَفِعُ من المرهون بشيءٍ، وتأوَّلوا الحديث لگَونِهِ وَرَدَ
على خِلاف القياس من وجهَين: أحدهما: التَّجويز لغير المالك أن يَركَب ويَشَرَب بغیر
إذنِهِ، والثاني: تَضمينُه ذلك بالنَّفَقة لا بالقيمة.
قال ابن عبد البَرّ: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يردُّه أُصولٌ مُجُمَعٌ عليها وآثارٌ ثابتةٌ
لا يُخْتَلَف في صِحَّتِها، ويدلَّ على نَسخِه حديث ابن عمر الماضي في أبواب المظالم(١): ((لا
تُحلَب ماشیةُ امرئ بغير إذنه)) انتهى.
وقال الشّافعي: يُشبه أن يكون المراد مَن رَهَنَ ذاتَ دَرِّ وظَهْرٍ لم يُمنَعِ الرَّاهن من دَرّها
وظَهرها، فهي مَحَلوبةٌ ومَركوبٌ له كما كانت قبل الرَّهن.
واعتَرَضَه الطَّحَاوي (٩٩/٤) بما رواه هُشَيم عن زكريا في هذا الحديث، ولفظه: ((إذا
كانت الدّابَّة مرهونة فعلى المرتَهِن عَلَفُها)) الحديث، قال: فَتَعيَّنَ أنَّ المراد المرتَهِن لا الرَّاهن،
ثمَّ أجاب عن الحديث بأنَّه محمول على أنَّه كان قبل تحريمِ الرِّبا، فلما حُرِّمَ الرِّبا، حُرِّمَ
أشكاله من بيع اللَّبَن في الضَّرعِ، وقَرضِ كلّ منفعة تَّجُ رباً، قال: فارتفع بتحريمِ الرِّبا ما
أُبِيحَ في هذا للمُرتَِّن.
(١) بل في كتاب اللقطة، برقم (٢٤٣٥).

٩٤
باب ٤-٥ / ح ٢٥١٣ -٢٥١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وتُعقّب بأنَّ النَّسخ لا يَثْبُتُّ بالاحتمال، والتاريخ في هذا مُتعذّرٌ؛ والجمعُ بين الأحاديثِ
مُمكِنٌ، وطريق هُشَيم المذكور زَعَمَ ابن حَزْم أنَّ إسماعيل بن سالم الصَّائغ تفرَّد عن هُشَيم
بالزِّيادة، وأنَّها من تَخليطه، وتُعقِّبَ بأنَّ أحمد رواها في ((مسنده)) (٧١٢٥) عن هُشَيم،
وكذلك أخرجه الدّارَ قُطني (٢٩٢٩) من طريق زياد بن أيوب عن هُشَيم.
وقد ذهب الأوزاعي واللَّيث وأبو ثَور إلى حَمَلِه على ما إذا امتَنَعَ الرَّاهن من الإنفاق
على المرهون، فيُباحُ حينئذٍ للمُرتَمِن الإنفاق على الحيوان حِفظاً لحياته ولإبقاءِ الماليّة فيه،
وجُعِلَ له في مُقَابَلة نَفَقَتِهِ الانتفاع بالرُّكوب أو بشُربِ اللَّبَن، بشرطِ أن لا يزيدَ قَدْرُ ذلك
أو قيمته على قَدْر عَلَفِه، وهي من جُملة مسائل الظَّفَر.
وقيل: إنَّ الحِكمة في العُدول عن اللَّبَن إلى الدَّرّ الإشارة إلى أنَّ المرتَِن إذا حَلَب جاز
له؛ لأَنَّ الدَّرّ يَنِتِجُ من العين، بخلاف ما إذا كان اللَّبَن في إناءٍ مثلاً ورَهَنَه، فإنَّه لا يجوزُ
للمُرْتَهِن أن يأخُذَ منه شيئاً أصلاً، كذا قال، واحتَجَّ الموفَّق في ((المغني)) بأنَّ نَفَقة الحيوان
واجبة، وللمُرتَهِن فيه حقّ، وقد أمكنَ استيفاءُ حقِّه من نَماءِ الرَّهن والنّابةِ عن المالك فيما
وَجَبَ عليه واستيفاء ذلك من مَنافعِه، فجازَ ذلك كما يجوزُ للمَرأة أخذ مُؤْنَتها من مال
١٤٥/٥ زوجها عند امتناعه بغير إذنه،/ والنِّيابة عنه في الإنفاق عليها، والله أعلم.
٤- باب الرهن عند الیهود وغیرهم
٢٥١٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ
رضي الله عنها قالتِ: اشتَرَى رسولُ الله ◌َلِّ مِن يهوديِّ طعاماً ورَهَنَه دِرْعَه.
قوله: ((باب الرَّهْن عند اليهود وغيرهم)) ذكر فيه حديث عائشةَ المتقدِّم قريباً (٢٥٠٩)،
وغَرضُه جواز مُعاملة غير المسلمين، وقد تقدَّم البحث فيه قريباً.
٥ - باب إذا اختلف الراهنُ والمُرتَهِنُ ونحوه
فالبيّنة على المدّعي واليمينُ على المدَّعَى عليه
٢٥١٤ - حدَّثنا خَلَّادُ بنُ يحيى، حدَّثنا نافعُ بنُ عمرَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، قال: كَتَبتُ إلى

٩٥
باب ٥ / ح ٢٥١٤ -٢٥١٦
كتاب الرهن
ابنِ عبَّاسٍ فَكَتَبَ إليّ: إنَّ النبيَّ وَّ قَضَى أَنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليه.
[طرفاه في: ٤٥٥٢،٢٦٦٨]
٢٥١٥، ٢٥١٦- حدَّثْنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ قال:
قال عبدُ الله ◌ُ: مَن حَلَفَ على يمينٍ يَسْتَحِقُّ بها مالاً وهو فيها فاجِرٌ لَقِيَ الله وهو عليه
غَضْبانُ، ثمَّ أنزل الله تصديقَ ذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ تَمَكَلِيلًا ﴾ فَقَرَأ إلى:
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] ثمَّ إِنَّ الأشْعَثَ بنَ قيسٍ خَرَجَ إلينا، فقال: ما يُحدِّنُكُم
أبو عبدِ الرَّحمنِ؟ قال: فحدَّثْناه، قال: فقال: صَدَقَ، لَفِيَّ نَزَلت، كانت بيني وبين رجلٍ
خُصُومٌ في بئرٍ، فاختَصَمْنا إلى رسولِ اللهِ وَِّ، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((شاهدُكَ أو يمينُه)) قلتُ:
إِنَّه إذاً يَحِلِفُ ولا يُبالي، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ يَسْتَحِقُّ بها مالاً، وهُو فيها
فاجِرٌ لَقِيَ الله وهو عليه غَضْبانُ)) ثُمَّ أنزلَ الله تصديقَ ذلك، ثمَّ اقتَرَأْ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَّقَلِيلًا﴾ إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قوله: ((باب إذا اختلف الراهن والمرتِن ونحوه، فالبينة على المدَّعي، واليمينُ على المدَّعَى
عليه)) سيأتي ذكر تعريف المدَّعي والمدَّعى عليه في كتاب الشَّهادات(١) إن شاء الله تعالى،
وأُخّصُ ما قيل فيه: إنَّ المدَّعي مَن إذا تَرَكَ تُرِكَ، والمدَّعى عليه بخِلافه.
ثمَّ أورَدَ فیه ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث ابن عباس:
قوله: ((كتبتُ إلى ابن عبّاس)) حَذف المفعول وقد ذكره في تفسير آلِ عِمران (٤٥٥٢).
قوله: ((فَكَتَبَ إليَّ: أنَّ النبي ◌َّ) يجوز فتح همزة ((أنَّ)) وكسرها، وسيأتي الكلام على هذا
الحديث في كتاب الشَّهادات (٢٦٦٨). وأراد المصنّف منه الحمل على عُمومه، خلافاً لمن
قال: إنَّ القول في الرَّهن قول المرتَِّن ما لم يُجاوِز قَدْرَ الرَّهْن؛ لأَنَّ الَّهن كالشّاهِدِ
للمُرتَمِن، قال ابن التِّين: جَنَحَ البخاري إلى أنَّ الرَّهن لا يكون شاهداً.
(١) عند باب: اليمين على المدَّعى عليه في الأموال والحدود، في سياق شرحه للحديث (٢٦٦٨).

٩٦
باب ٥ / ح ٢٥١٤ - ٢٥١٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٤٦/٥
الثاني والثالث: حديثا عبد الله بن مسعود والأشعَث، وقد تقدَّما قريباً في كتاب الشُّرب
(٢٣٥٦ و٢٣٥٧)، وأراد من إيرادهما قوله وَلّ للأشعَث: ((شاهداك أو يمينُه)) فإنَّ فیه دليلاً
لمَا تَرجَمَ به من أنَّ البيّنة على المدَّعي، ولعلَّه أشار في التَّرجمة إلى ما وَرَدَ في بعض طرق
حديث ابن عبّاس بلفظ التَّرجمة، وهو عند البيهقي (٢٥٢/١٠) وغيره كما سيأتي بيانه، وكأنَّه
لمَّا لم يكن على شرطِه تَرجَمَ به، وأورَدَ ما يدلُّ عليه ممّا ثبت على شرطه، والله أعلم.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الرَّهن من الأحاديث المرفوعة على تسعة أحاديث موصولة، المكرَّر
منها فيه وفيما مضى ستَّةَ، والخالص ثلاثة، وافقَه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة.
وفيه من الآثار أثران عن إبراهيم النَّخَعي، والله أعلم.

٩٧
باب ١ / ح ٢٥١٧
كتاب العتق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب العِثْق
١ - باب في العتق وفضله
وقوله تعالى: ﴿فَقُّ رَقَبَةٍ ) أَوْ إِطْعَمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ ) يَتِيمَا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٣-
١٥].
٢٥١٧ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا عاصمُ بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثني واقِدُ بنُ محمَّدٍ، قال:
حذَّثني سعيدُ ابنُ مَرْجانةَ صاحبُ عليٍّ بنِ الحسين، قال: قال لي أبو هريرةَ ﴾: قال النبيُّ ◌َله
((أُّما رجلٍ أعتَقَ امَأَ مُسلِماً، اسْتَنْقَذَ اللهُ بكلِّ عُضْوٍ عُضْواً مِن النّار)).
قال سعيدُ ابنُ مَرْجانةَ: فانطَلَقْتُ إلى عليّ بنِ الحسين، فعَمَدَ عليّ بنُ الحسين رضي الله عنهما
إلى عَبْدٍ له قد أعطاه به عبدُ الله بنُ جعفرٍ عَشَرَةَ آلاف دِرْهَمٍ - أو ألفَ دينارٍ - فأعتَقَه.
[طرفه في: ٦٧١٥]
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. في العِتْق وفَضْله)) كذا للأكثر، زاد ابن شَبّويه بعد البسملة
(باب))، وزاد المُستَمْلي قبل البسملة ((كتاب العِثْقَ)) ولم يقل: باب، وأثبَتَهما النَّسَفي.
والعِثْق، بكسر المهمَلة: إزالة المِلك، يقال: عَتَقَ يَعْتِقُ عِتقاً بكسر أوَّله ويُفتَحُ، وعَتاقاً
وعَتاقةً، قال الأزهري: وهو مُشتَقٌّ من قولهم: عَتَقَ الفرسُ: إذا سبَقَ، وعَتَقَ الفَرحُ: إذا
طارَ؛ لأَنَّ الرَّقيقِ يَتخلَّصُ بالعِثْقِ ويذهبُ حيثُ شاءَ.
قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿فَكُّ رَقََّةٍ﴾)) ساق إلى قوله: ﴿مَقْرَبَةٍ﴾، ووقع في رواية أبي ذرٍّ:
((أو أَطعَمَ))، ولغيرِهِ: ﴿أَوْ إِطِعَمٌ﴾، وهما قراءَتان مشهورتان(١)، والمراد بفَكِّ الرَّقَبة تخليصُ
(١) قرأ بالأولى ابنُ كثير وأبو عمرو والكسائي، وقرأ الباقون بالثانية. انظر ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد
ص٦٨٦.

٩٨
باب ١ / ح ٢٥١٧
فتح الباري بشرح البخاري
الشَّخص من الرِّقّ من تسمية الشيء باسم بعضه، وإنَّما خُصَّت بالذِّكرِ إشارة إلى أنَّ حكمَ
السَّيِّد عليه كالغُلِّ في رقبتِهِ، فإذا أُعتقَ فُكَّ الغُلّ من عُنُقُه، وجاء في حديثٍ صحيحٍ: أنّ
فكَّ الرَّقَبَة مُخْتَصِّ بمَن أعان في عِتِقِها حتَّى تُعتَقَ، رواه أحمد (١٨٦٤٧) وابن حِبَّان (٣٧٤)
والحاكم (٢١٧/٢) من حديث البراء بن عازِب، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: («أعتِقِ النَّسَمةَ
وفُكَّ الرَّقَبَةَ)) قيل: يا رسول الله، أليستا واحدةً؟ قال: ((لا، إنَّ عِتَقَ النَّسَمة أن تَفرَّدَ بعِتِقِها،
١٤٧/٥ وفَكَّ الرَّقَبة أن تُعينَ في ◌ِتِقِها))،/ وهو في أثناء حديث طويل، أخرج التِّرمِذي بعضه
(١٩٥٧) وصَحَّحَه، وإذا ثبت الفضل في الإعانة على العِثْق، ثبت الفضل في التفرّد بالعِثْق
من باب الأولى.
قوله: ((حدَّثنا واقد بن محمد)) أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمر، أخو عاصم الذي روى
عنه، وبذلك صَرَّحَ الإسماعيلي من طريق معاذ العَنبَري عن عاصم بن محمد عن أخيه واقد.
قوله: ((حدَّثْني سعيد ابن مَرْجانة)) بفتح الميم وسكون الراء بعدها جيم، وهي أمُّه،
واسم أبيه عبد الله، ويُكنَی سعیدٌ أبا عثمان.
وقوله: ((صاحبُ عليّ بن الحسين)) أي: زَيْن العابدينَ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب،
وكان مُنقَطِعاً إليه فَعُرِفَ بصُحبَتِه، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه سعيد بن يسار أبو الحُبَاب، فإِنَّه
غيرُه عند الجمهور، وليس لسعيد ابنِ مَرْجانة في البخاري غير هذا الحديث، وقد ذكره
ابن حِبَّن في التابعين، وأثبَتَ روايته عن أبي هريرة، ثمَّ غَفَلَ فذكره في أتباع التابعين وقال: لم
یسمع من أبي هريرة. انتهى، وقد قال هنا: «قال لي أبو هريرة» ووقع التصريح بسماعه منه عند
مسلم (٢٤/١٥٠٩) والنَّسائي (ك٤٨٥٥) وغيرهما فانتفى ما زَعَمَه ابن حِبَّان.
قوله: ((أيُّما رجلٍ)) في رواية الإسماعيلي من طريق عاصم بن عليّ عن عاصم بن محمد:
(أيُّما مسلمٍ))، ووقع تقييده بذلك في رواية مسلم (٢١/١٥٠٩) والنَّسائي (ك ٤٨٥٦) من
طريق إسماعيل بن أبي حَكِيم، عن سعيد ابن مَرْجانة.
قوله: (عُضْواً من النّار)) في رواية مسلم: ((عُضواً منه من النار))، وله (٢٢/١٥٠٩) من

٩٩
كتاب العتق
رواية عليّ بن الحسين عن سعيد ابن مَرْجانة، وستأتي مختصرة للمصنِّفِ في كفَّارات الأيمان
(٦٧١٥): ((أعتَقَ الله بكلِّ عُضوِ منها عُضواً من أعضائه من النار حتَّى فَرْجَه بفَرجِه))،
وللنَّسائي (ك٤٨٦٣) من حديث كعب بن مُرَّة: ((وأيُّما امرِئ مسلم أعتَقَ امرأتين مسلمتين
كانتا فَكَاكَه من النار عَظمَينِ منهما بعَظْمِ، وأيُّما امرأةٍ مسلمةٍ أعتَقَت امرأةً مسلمةً كانت
فَكَاكَها من النار)) إسناده صحيح(١)، ومثله للُّرمِذي (١٥٤٧) من حديث أبي أُمامةَ،
وللطََّراني (٢٧٩) من حديث عبد الرحمن بن عوف، ورجاله ثقات.
قوله: «قال سعید ابن مرجانة» هو موصول بالإسناد المذکور.
قوله: ((فانطَلَقْت به)) أي: بالحديث، وفي رواية مسلم (٢٤/١٥٠٩): فانطلقتُ حين
سمعت الحديث من أبي هريرة فذكرته لعليّ، زاد أحمد (٩٤٤١) وأبو عَوَانة (٤٨٢٩) من
طريق إسماعيل بن أبي حَكِيم عن سعيد ابنِ مَرْجانة: فقال عليّ بن الحسين: أنتَ سمعتَ
هذا من أبي هريرة؟ فقال: نعم.
قوله: ((فعَمَدَ عليٌّ بن الحسين إلى عبدٍ له)) اسم هذا العبد مُطرِّف، وقع ذلك في رواية
إسماعيل بن أبي حَكِيم المذكورة عند أحمد وأبي عَوَانة وأبي نُعيم في ((مُستخرَجَيهما)) على مسلم.
وقوله: ((عبد الله بن جعفر)) أي: ابن أبي طالب، وهو ابن عمٍّ والد عليّ بن الحسين،
وكانت وفاته سنة ثمانينَ من الهجرة، ومات سعيد ابنُ مَرْجانة سنة سبع وتسعين، ومات
عليّ بن الحسين قبله بثلاث أو أربع، وروايته عنه من رواية الأقران.
وقوله: ((عشرة آلاف درهم أو ألف دينار)) شكٍّ من الراوي، وفيه إشارة إلى أنَّ الدِّينار إذ
ذاكَ كان بعشرة دراهم، وقد رواه الإسماعيلي من رواية عاصم بن عليّ، فقال: ((عشرة
آلاف درهم» بغیر شكِّ.
قوله: ((فأعتَقَه)) في رواية إسماعيل المذكورة: فقال: اذهب أنتَ حرُّ لوجه الله.
(١) بل إسناده ضعيف لانقطاعه واضطرابه، وانظر بيان ذلك في التعليق على ((مسند أحمد)) (١٨٠٥٩)
و(١٨٠٦١) و(١٨٢٦٤).

١٠٠
باب ٢ / ح ٢٥١٨
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث فضل العِثْق، وأنَّ عِتق الذَّكَر أفضل من عِتق الأُنثى، خلافاً لمن فضَّلَ
عِتق الأُنثى مُحْتَجّاً بأنَّ عِتقها يستدعي صيرورة ولدها حُرّاً، سواء تزوَّجها حُرّ أو عبد
بخلاف الذَّكَر، ومُقابِله في الفضل أنَّ عِتق الأُنثى غالباً يَستَلِمُ ضَياعها، ولأنَّ في عِتق
الذَّكَر من المعاني العامَّة ما ليس في الأُنثى كصلاحيته للقضاءِ وغيره ممّا يَصلُحُ الذُّکورِ
دون الإناث.
وفي قوله: ((أَعتَقَ الله بكلِّ عُضو منه عُضوا) إشارة إلى أنَّه لا ينبغي أن يكون في الرَّقَبة
نقصانٌ ليحصُلَ الاستيعاب، وأشار الخطَّبي إلى أنَّه يُغْتَفَرِ النَّقْص المجبور بمنفعةٍ، كالخَصِِّ
مثلاً إذا كان يُنْتَفَعُ به فيما لا يُنْتَفَعُ بالفَحْل، وما قاله في مقام المَنْعِ، وقد استنكره النَّوَوي
وغيره وقال: لا شكَّ أنَّ في عِتق الخَصِيِّ وكلّ ناقص فضيلةً، لكنَّ الكامل أولى.
١٤٨/٥
وقال ابن المنيِّر: فيه إشارة إلى أنَّه ينبغي في الرَّقَبة/ التي تكون للكفَّارة أن تكون مؤمنةً؛
لأَنَّ الكفَّارة مُنقِذة من النار، فينبغي أن لا تَقَعَ إلَّا بمُنقِذةٍ من النار.
واستَشكَلَ ابن العربي قوله: ((فَرْجَه بفَرجِه)) لأنَّ الفَرْجِ لا يَتعلَّقُ به ذَنْبٌ يُوجِب له
النار إلَّ الزنى، فإن حُلَ على ما يتعاطاه من الصَّغائر كالمفاخَذَة، لم يُشكِل عِتقُه من النار
بالعِثْق، وإلَّا فالزنى كبيرة لا تُكفَّرُ إلَّا بالثَّوبة، ثمَّ قال: فيُحتَمَلُ أن يكون المراد أنَّ العِثْق
يُرجِّحُ عند الموازنة بحيثُ يكون مُرجِّحاً لحسناتِ المعتق ترجيحاً يوازي سيِّئَة الزنى.
انتهى، ولا اختصاص لذلك بالفَرْج، بل يأتي في غيره من الأعضاء ممّا آثاره فيه كاليد في
الغَصْب مثلاً، والله أعلم.
٢ - بابٌ أيُّ الرِّقاب أفضل
٢٥١٨ - حدَّثنا عُبِيدُ الله بنُ موسى، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن أبي مُراوحٍ، عن أبي
ذَرِّ ◌ُه، قال: سألتُ النبيَّ وَّهِ: أَيُّ العملِ أفضلُ؟ قال: ((إيمانٌ بالله وجِهادٌ في سبيلِهِ)) قلتُ:
فأيُّ الرِّقاب أفضلُ؟ قال: ((أعلاها ثَمَناً وأنفَسُها عندَ أهلِها)) قلتُ: فإن لم أفعَلْ؟ قال: ((تُعِينُ
ضائعاً أو تَصْنَعُ لأخرَقَ)) قال: فإن لم أفعَلْ؟ قال: ((تَدَعُ النّاسَ مِن الشرِّ، فإنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَّدَّقُ