Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
باب ٣٤ / ح ٢٤٨١
كتاب المظالم
ودَلَّت الرِّواية الأُخرى على أنَّهَا انشَقَّت ثمَّ انفَصَلَت.
قوله: ((فضَمَّها)) في رواية ابن عُلِيَّة: فجَمَعَ النبي ◌ََّفِلَقِ الصَّحفة، ثمَّ جَعَلَ يجمعُ فيها
الطَّعام الذي كان في الصَّحفة ويقول: ((غارَت ◌ُمُّكُم))، ولأحمد (١٢٠٢٧): فأخذَ الكِسرتَين
فضَمَّ إحداهما إلى الأُخرى فجَعَلَ فيها الطَّعام، ولأبي داود (٣٥٦٧) والنَّسائي (٣٩٥٥)
من طريق خالد بن الحارث عن مُمیدٍ نحوه وزاد: ((کُلوا، فأكلوا)).
قوله: ((وحَبَسَ الرَّسولَ)) زاد ابن عُليَّة: حتَّى أُتي بصَحْفةٍ من عندِ التي هو في بيتها.
قوله: ((فدَفَعَ القَصْعة الصحيحة)) زاد ابن عُليَّة: إلى التي كُسِرَت صَحْفتُها، وأمسَكَ
المكسورةَ في بيت التي كَسَرَت، زاد الثَّوري: وقال: ((إناءٌ كإناءٍ، وطعامٌ كطعام)) (١).
قال ابن بطَّال: احتَجَّ به الشّافعي والكوفيون فيمَن استَهلَكَ عُروضاً أو حيواناً فعليه
مِثْلُ ما استَهلَكَ، قالوا: ولا يُقضى بالقيمة إلَّا عند/ عَدَم المثل. وذهب مالكٌ إلى القيمة ١٢٦/٥
مُطلَقاً، وعنه في رواية كالأوَّل، وعنه: ما صَنَعَه الآدمي فالمثل، وأمَّا الحيوانُ فالقيمة، وعنه:
ما كان مَكيلاً أو مَوزوناً فالقيمة وإلَّا فالمثل، وهو المشهور عندهم.
وما أطلقَه عن الشّافعي فيه نظر، وإنَّما يُحكم في الشيء بمثله إذا كان مُتَشابه الأجزاء،
وأمَّا القَصْعةُ فهي من المتقَوِّمات لاختلاف أجزائها. والجوابُ ما حَكاه البيهقي (١٥٩/٦)
بأنَّ القَصعَتَين كانتا للنبيِّهِ في بيتَيْ زوجتَه، فعاقَبَ الكاسرة بجَعْلِ القصعة المكسورة
في بيتها، وجَعْلِ الصحيحة في بيت صاحبتِها، ولم يكن هناك تضمين، ويُحْتَمَل على تقدير
أن تكون القَصعَتان لهما أنَّه رأى ذلك سداداً بينهما فرَضِيَتًا بذلك، ويُحْتَمِلُ أن يكون ذلك
في الزّمان الذي كانت العقوبة فيه بالمال كما تقدَّم قريباً، فعاقَبَ الكاسرة بإعطاء قَصْعتِها
للأُخرى.
قلت: ويَبعُدُ هذا التصريحُ بقوله: ((إناءٌ كإناءٍ))، وأمَّا التّوجيه الأوَّل فيُعگِّر عليه قوله في
(١) زيادة الثوري بهذا اللفظ عند أحمد (٢٥١٥٥) والنسائي (٣٩٥٧)، وهي بألفاظ أخر عند أبي داود (٣٥٦٨)
والترمذي (١٣٥٩) وغيرهما.

٦٢
باب ٣٤ / ح ٢٤٨١
فتح الباري بشرح البخاري
الرِّواية التي ذكرها ابن أبي حاتم: ((مَن كَسَرَ شيئاً فهو له وعليه مِثلُه))(١)، زاد في رواية
الدّارَقُطني: («فصارت قضيةً))، وذلك يقتضي أن يكون حُكماً عاماً لكُلِّ مَن وقع له مِثل ذلك،
ويَبقى دعوى مَن اعتَذَرَ عن القولِ به بأنَّهَا واقعةُ عَينٍ لا عُمومَ فيها، لكِنَّ مَحَلّ ذلك ما إذا أفسَدَ
المكسور، فأمَّا إذا كان الكسرُ خفيفاً يُمكِن إصلاحُه فعلى الجاني أَرْشُه، والله أعلم.
وأمَّا مسألة الطَّعام، فهي مُتِمِلةٌ لأن يكون ذلك من باب المعونة والإصلاح دون بَتّ
الحكم بوجوب المثل فيه؛ لأنَّه ليس له مِثل معلوم، وفي طرق الحديث ما يدلُّ على ذلك،
وأنَّ الطَّعامين كانا مُخْتَلِفَينٍ، والله أعلم.
واحتَجَّ به الحنفية لقولهِم: إذا تَغيّرت العينُ المغصوبةُ بفعل الغاصب حتَّى زالَ اسمُها
وعُظْمُ مَنافعها، زالَ مِلك المغصوب عنها ومَلَكَها الغاصب وضَمِنَها، وفي الاستدلال
لذلك بهذا الحدیث نظر لا يخفى.
قال الطِّبِي: وإنَّما وُصِفَت المرسِلة بأنَّهَا أُّ المؤمنينَ إيذاناً بسببِ الغَيْرة التي صَدَرَت
من عائشة، وإشارة إلى غَيْرة الأُخرى حيثُ أهدَت إلى بيت ضَرَّتِها، وقوله: ((غارَت أُمُّكُمْ))
اعتذار منه وَّ لئلّا يُحِمَلَ صَنيعها على ما يُذَمّ، بل يَجري على عادة الضَّرائر من الغَيْرة، فإنََّا
مُرَكَّبة في النَّفْسِ بحيثُ لا يُقدَرُ على دَفعِها، وسيأتي مَزيد لمَا يَتَعَلَّقُّ بالغَيْرة في كتاب
النِّكاح (٢)، حيثُ ذكره المصنِّفُ، إن شاء الله تعالى.
وفي الحديث حُسن خُلُقِهِ وَّهِ وإنصافه وحِلمُه، قال ابن العربي: وكأنَّه إنَّما لم يُؤَدِّب
الكاسرة ولو بالكلام لمَا وقع منها من التَّعَدّي، لمَا فُهمَ من أنَّ التي أهدَت أرادت بذلك
أذى التي هو في بيتها والمظاهرة عليها، فاقتَصَرَ على تَغريمِها للقَصعة، قال: وإنَّما لم يُغرِّمُها
الطَّعام؛ لأنَّه كان مُهدَى، فإتلافهم له قَبُولٌ أو في حُكم القَبُول، وغَفَلَ رحمه الله عمَّا وَرَدَ
في الطُّرقِ الأُخرى، والله المستعان.
(١) في ((العلل)) له ١ / ٤٦٦.
(٢) عند باب: غَيرة النساء ووَجْدهن، في سياق شرحه للحديثين (٥٢٢٨) و(٥٢٢٩).

٦٣
باب ٣٥ / ح ٢٤٨٢
كتاب المظالم
قوله: ((وقال ابن أبي مريمَ)) هو سعيد شيخ البخاري، وأراد بذلك بيان التصريح بتحديث
أنس لحُميد، وقد وقع تصريحُه بالسَّماعِ منه لهذا الحديث في رواية جَرِير بن حازم المذكورة
أوَّلاً من عندِ ابن حَزْم (١).
٣٥ - باب إذا هدم حائطاً فلْيَيْنِ مثلَه
٢٤٨٢- حدَّثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازم، عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي
هريرةَ ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((كان رجلٌ في بني إسرائيلَ يقال له: جُرَيجٌ، يُصلِّي،
فجاءتْه أُمُّه فَدَعَتْه فأبى أن يُحِبَها، فقال: أُجِيبُها أو أُصَلّى؟ ثمَّ أنتْه فقالت: اللهمَّ لا تُتْهِ حَتَّى
تُرِيَه وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وكان جُرَيجٌ في صَوْمَعَتِهِ، فقالت امرأةٌ: لأَفِنَنَّ جُرَيجاً، فَتَعَرَّضَت له
فَكَلَّمَتْه فأبى، فأنت راعياً فأمكَتَتْه من نفسِها/ فَوَلَدَت غلاماً فقالت: هو من جُرَيجٍ، فَأَتَوْه ١٢٧/٥
وكَسَرُوا صَوْمَعَتَه، وأنزَلوه وسَبُّوه، فَتَوضَّأ وصَلَّى، ثمَّ أتى الغلامَ، فقال: مَن أبوكَ يا غلامُ؟
قال: الرّاعي، قالوا: نَبني صَوْمَعَتَكَ من ذَهَبٍ؟ قال: لا، إلَّا من طِينٍ)).
قوله: ((باب إذا هَدَمَ حائطاً فلْيَينِ مثلَه)) أي: خِلافاً لمن قال: تَلزَمُه القيمةُ، من المالكية
وغيرهم.
وأورَدَ فيه المصنِّفُ حديث أبي هريرة في قِصَّة جُرَيج الرَّاهب مختصراً، وساقه في
أحاديثِ الأنبياءِ (٣٤٣٦) من هذا الوجه مُطوَّلاً، ويأتي الكلامُ عليه هناك مُستَوفَّى، إن شاء الله
تعالی.
وموضعُ الحاجة منه هنا قوله: ((فقالوا: نَبني صَومَعَتك من ذَهَب قال: لا إلَّا من طين))
وقال قبلَ ذلك: ((فكَسَروا صَومَعَته))، وتوجيه الاحتجاج به أنَّ شَرْع مَن قبلنا شَرٌ لنا،
وهو كذلك إذا لم يأتِ شَرعنا بخلافه كما تقدَّم غير مرَّة، لكِن في الاستدلال بقِصَّة جُرَيج
فیما تَرجَم به نظرٌ.
قال ابن المنيِر: الاستدلالُ بذلك غير ظاهرٍ فيما تَرجم له؛ لأنَّهم عَرَضوا عليه ما لا
(١) سلفت في أول هذا الباب، ص٥٩.

٦٤
باب ٣٥ / ح ٢٤٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
يَلْزَمُهم اتِّفاقاً وهو بناؤها من ذَهَب، وما أجابهم جُرَيج إلَّا بقوله: ((من طين))، وأشار
بذلك إلى الصِّفة التي كانت عليها، قال: ولا خِلافَ أنَّ الهادمَ لو التَّزَمَ الإعادة ورَضِيَ
صاحبُه في جواز ذلك. قال: ويُحتمَل على أصل مالكٍ أن لا يجوزَ، لأنَّه فسخٌ لمَا وَجَبَ
ناجزاً: وهو القيمةُ، إلى ما يَتأخّرُ: وهو البُنيان.
قال ابن مالك: في قوله: ((لا، إلَّا من طين)) شاهد على حذف المجزوم بلا، فإنَّ التَّقديرَ:
لا تَبنُوها إلَّا من طين.
خاتمة: اشتَمل كتاب المظالم من الأحاديثِ المرفوعة على ثمانية وأربعينَ حديثاً. المعَلَّقُ
منها ستَّة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى ثمانية وعشرون حديثاً، وافقَه مسلم على تخريجِها سوى
حديث أبي سعيد: ((إذا خَلَصَ المؤمنونَ))، وحديث أنس: ((انصُرْ أخاك))، وحديث أبي
هريرة: ((مَن كانت له مَظلِمة))، وحديث ابن عمر: ((مَن أخذَ شيئاً من الأرضِ))، وحديث
عبد الله بن يزيد في النَّهْي عن النُّهْبى والمُثْلة، وحديث أنس في القَصْعة المكسورة.
وفيه من الآثار سبعة آثار. والله سبحانه وتعالى أعلم.

٦٥
باب ١
كتاب الشركة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الشّركة
١٢٩/٥
١ - باب الشركة في الطعام والنَّهْد والعُروض، وكيف قسمةُ ما يُكَال ويُوزَن مجازفةً
أو قبضةً قبضةً، لِمَا لم يَرَ المسلمون في النَّهْد بأساً أن يأكل هذا بعضاً وهذا بعضاً،
وكذلك مجازفة الذهب والفضة، والقِران في التمر
قوله: ((كتاب الشَّرِكَةِ)) كذا للنَّسَفي وابن شَبّويه، وللأكثر: ((باب))، ولأبي ذرٍّ: ((في الشَّرِكة»
وقَدَّموا البسملة وأخّرَها.
والشَّرِكةُ: بفتح المعجَمة وكسر الراء، وبكسر أوَّله وسكون الراء، وقد تُحذَف الهاء، وقد
يُفْتَح أوَّله مع ذلك، فتلكَ أربع لُغات، وهي شَرعاً: ما يَحدُثُ بالاختيار بين اثنين فصاعداً من
الاختلاط لتحصيلِ الرِّبح، وقد تَحصُل بغير قصدٍ كالإرث.
قوله: ((الشَّرِكَة في الطَّعامِ والنَّهْدِ)) أمَّ الطَّعام فسيأتي القول فيه في بابٍ مُفْرَد (٢٥٠٢،٢٥٠١)،
وأمَّا النَّهْدُ، فهو بكسر النّون وبفتحِها: إخراج القومِ نَفَقاتهم على قَدرِ عَدَدِ الرُّفْقة، يقال:
تَنَاهَدوا وناهَدَ بعضهم بعضاً، قاله الأزهَري، وقال الجَوْهَري نحوَه لكن قال: على قَدرِ
نَفَقة صاحبِه، ونحوُه لابن فارس، وقال ابن سِيدَه: النَّهُدُ: العَوْن، وطَرَحَ نَهْدَه مع القوم:
أعانهم وخارَجَهم، وذلك يكون في الطَّعام والشَّراب. وقيل: فذكر قول الأزهَري. وقال
عِيَاض مِثْلَ قولِ الأَزهَري، إلَّا أنَّه قَّدَه بالسَّفَرِ والخَلط، ولم يُقَيِّده بالعَدَد.
وقال ابن التِّين: قال جماعة: هو النَّفَقة بالسَّوية في السَّفَرِ وغيره، والذي يَظهَر أنَّ أصلَه
في السَّفَر، وقد تَتَّفْقِ رُفقةٌ فَيَضَعونَه في الحَضَرِ كما سيأتي في آخِرِ الباب من فعلِ الأشعَرِيِّينَ،
وأنَّه لا يَتَقَيِّدُ بالتَّسوية إلَّ في القِسمة، وأمَّا في الأكلِ فلا تَسويةَ لاختلاف حال الآكلينَ،
وأحاديث الباب تَشهَد لكلِّ ذلك.

٦٦
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن الأثير: هو ما تُخرِجُه الرُّفْقة عند المناهَدة إلى العَدُوِّ(١)، وهو أن يَقتَسِموا
نَفَقَتَهم بينهم بالسَّوية حتَّى لا يكون لأحدِهم على الآخرِ فضل، فزاده قَيداً آخرَ وهو سفَرُ
الغَزو، والمعروف أنَّه خَلْطُ الزّاد في السَّفَرِ مُطلَقاً، وقد أشار إلى ذلك المصنّف في التَرجمة
حيثُ قال: ((يأكُلُ هذا بعضاً وهذا بعضاً)) وقال القابسيّ: هو طعام الصُّلح بين القَبائلِ،
وهذا غير معروف، فإن ثبت فلعلَّه أصلُه.
وذكر محمد بن عبد الملك التاريخي أنَّ أوَّلَ مَن أحدَثَ النَّهد حُضَين - بمُهمَلِةٍ ثمَّ
مُعجَمة مُصغَّر - الرَّقاشي. قلت: وهو بعيدٌ لُبُوتِه في زَمَن النبيَِّ، وحُضَين لا صُحبةَ
له، فإن ثبتت احتُمِلَت أوَّليَّتُه فيه في زَمنٍ مخصوصٍ، أو في فئةٍ مخصوصَةٍ.
قوله: ((والعُروض)) بضمّ أوَّله: جمع عَرْض بسكون الراءِ، مُقابل النَّقد، وأمَّا بفتحِها
فجميع أصناف المال، وما عَدا النَّقَدَ يَدخُل فيه الطَّعام، فهو من الخاصِّ بعدَ العامِّ، ويَدخُل
فيه الرِّبَويّات، ولكنَّ اغْتُفِرَ في النَّهدِ لُبُوتِ الدَّليلِ على جوازِهِ. واختلفَ العلماءُ في صِحّة
الشَّرِ کة کما سيأتي.
قوله: ((وكيف قِسْمة ما يُكالُ ويوزَن)) أي: هل يجوزُ قِسمَته مُجازَفَةً، أو لا بدَّ من الكَيلِ في
المكيلِ والوزن في الموزون، وأشار إلى ذلك بقوله: ((مُجازَفة، أو قَبضةً قَبضةً)) أي: متساوية.
قوله: ((لِمَا لم يَرَ المسلمونَ بالنَّهْدِ بأساً)) هو بكسر اللَّام وتخفيف الميم، وكأنَّه أشار إلى
أحاديث الباب، وقد وَرَدَ التَّرغيبُ في ذلك، وروى أبو عُبيدة في ((الغريب)) عن الحسن
قال: أخرِجوا تَهْدَكُم، فإنَّه أعظَم للبَرَكة وأحسن لأخلاقكُم.
قوله: ((وكذلك مُجازَفَة الذَّهَب والفِضَّة)) كأنَّه أَحَقَ النَّقد بالعَرضِ للجامعِ بينهما، وهو
الماليةُ، لكن إنَّما يَتِمُّ ذلك في قِسمة الذَّهَب مع الفِضَّة، أمَّا قِسمةُ أحدِهما خاصَّةً - حيث يقع
الاشتراكُ في الاستحقاق - فلا يجوز إجماعاً، قاله ابن بطَّال.
وقال ابن المنيِّر: شَرَطَ مالكٌ في مَنعِه أن يكون مصكوكاً والتَّعامل فيه بالعَدَد. فعلى هذا
(١) في (س): الغزو، وهو تحريف، وانظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) و((اللسان)) (نهد).

٦٧
باب ١ / ح ٢٤٨٣
كتاب الشركة
يجوزُ بيع ما عَداه جُزافاً، ومُقتَضى الأُصول مَنْعُه، وظاهر كلام البخاري جوازه، ويُمكِن
أن يُحتجَّ له بحديثٍ جابر في مال البحرَينِ(١)، والجواب عن ذلك أنَّ قِسمةَ العطاءِ ليس على
حقيقة القِسمة، لأنَّه غيرُ مملوكٍ للآخِذِينَ قبلَ الَّمييزِ، والله أعلم.
قوله: ((والقِران في التَّمْرِ)) يشيرُ إلى حديثٍ ابن عمر الماضي في المظالم (٢٤٥٥)، وسيأتي
أيضاً بعدَ بابين (٢٤٨٩).
١٣٠/٥
ثمَّ ذكر المصنّفُ في الباب أربعةً أحاديث:
٢٤٨٣- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن وَهْبٍ بنِ كَيْسانَ، عن جابرِ بنِ
عبدِ الله رضي الله عنهما أنَّه قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَّهِ بَعْئاً قِبَلَ الساحلِ، فأمَّرَ عليهم أبا عُبَيدة
ابنَ الجَرّاح وهم ثلاثُ مِئَةٍ وأنا فيهم، فخَرَجْنا حتَّى إذا كنَّا ببعضِ الطَّرِيقِ فنِيَ الزّادُ، فأمَرَ أبو
عُبَيدة بأزْوادِ ذلك الجيشِ فجُمِعَ ذلك كلُّه، فكان مِزْوَدَي تمٍ، فكان يقوتُناه كلَّ يوم قليلاً قليلاً
حَتَّى فِيَ، فلم يكن يُصِيبُنا إلا تمرةٌ تمرةٌ - فقلتُ: وما يُغني تمرةٌ؟ فقال: لقد وجَدْنا فَقْدَها حينَ
فَنِيَتْ - قال: ثمَّ انتَهَينا إلى البَحْرِ، فإذا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فأكَلَ منه ذلك الجيشُ ثمانيَ عَشْرَةَ
ليلةً، ثُمَّ أمُرَ أبو عُبَيدة بضِلَعَينِ من أضْلاعِه فنُصِبا، ثمَّ أمَرَ براحلةٍ فُرُحِلَت، ثمَّ مَرَّت تحتَهما
فلم تُصِبْهما.
[أطرافه في: ٢٩٨٣، ٤٣٦٠، ٤٣٦١، ٤٣٦٢، ٥٤٩٣، ٥٤٩٤]
أحدها: حديث جابر في بَعْث أبي عبيدة بن الجرّاح إلى جِهَة السَّاحل، وسيأتي الكلامُ
عليه مُستَوقَى في كتاب المغازي (٤٣٦٠ - ٤٣٦٢) وشاهد التَّرجمة منه قوله: فأمَرَ أبو عُبيدة
بأزواد ذلك الجيش فجُمِعَ ... الحديث.
وقال الدَّاوُودي: ليس في حديث أبي عُبيدة ولا الذي بعدَه ذكر المجازفة؛ لأنَّهم لم يريدوا
المبايعةَ ولا البدلَ، وإنَّما يَفضُلُ بعضهم بعضاً لو أخذَ الإمام من أحدِهم للآخر. وأجاب ابن
التِّين بأنَّه إِنَّما أراد أنَّ حقوقَهم تَساوَت فيه بعدَ جمعِه، لكِنَّهم تَناوَلوه مُجازَفَةً كما جَرَت العادة.
(١) سلف برقم (٢٢٩٦).

٦٨
باب ١ / ح ٢٤٨٤ - ٢٤٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢٤٨٤ - حدَّثْنا بِشْرُ بنُ مَرْحُومِ، حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبَيَدٍ، عن
سَلَمَةَ ﴾ قال: خَقَّت أزْواد القومِ وأملَقُوا، فأتَوُا النبيَّ ◌َّهِ فِي نَحْرِ إِلِهِم فأَذِنَ لهم، فَلَقِيَهم
عمرُ فأخبَرَوه، فقال: ما بَقاؤُكُم بعدَ إِلِكُمْ؟ فَدَخَلَ على النبيِّ وَِّ فقال: يا رسولَ الله، ما
بَقاؤُهم بعدَ إِلِهِمْ؟ فقال رسولُ اللهِهِ: ((نادٍ في النّاس يأتُون بفَضْلِ أزْوادِهمْ)) فُبُسِطَ لذلك
نِطَعٌ وَجَعَلُوه على النِّطَعِ، فقامَ رسولُ الله ◌ِّرَ فَدَعا وَبَرَّكَ عليه، ثمَّ دَعاهم بأوْعِّهم فاحتَثَى
النّاسُ حتَّى فَغُوا، ثمَّ قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وأنّ رسولُ الله)).
[طرفه في: ٢٩٨٢]
ثانيها: حديث سَلَمة بن الأكوع في إرادة نَحرِ إِلِهم في الغَزْو. والشّاهد منه جمع أزوادهم
ودُعاء النبي وَّ فيها بالبَرَكة، وهو ظاهرٌ فيما تَرجَم به من كَون أخذهم منها كان بغير قِسمةٍ
مُستَويةٍ، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوقَى في كتاب الجهاد (٢٩٨٠) إن شاء الله تعالى.
وقوله فيه: ((أزواد)) في رواية المُستَمْلي: أزودة.
وقوله: ((وأملَقوا)) أي: افتَقَروا.
قوله: ((وبَرَّكَ)) بتشديد الراءِ، أي: دَعَا بالبَرَكة.
وقوله: «فاحتَّى» بسكون المهمَلة بعدَها مُثّة مفتوحة ثمَّ مُثلَّثة، افتَعَلَ من الخفي: وهو
الأخذُ بالكَفَّين.
ثالثها: حديث رافع بن خَدِيج في تعجيل صلاة العصر.
٢٤٨٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا الأوْزاعيُّ، حدَّثنا أبو النَّجاشيِّ، قال: سمعتُ
رافعَ بِنَ خَدِيجٍ مَُّه، قال: كَّا نُصَلّي مِعَ النبيِّ وَِّ العَصْرَ، فَتَنْخَرُ جَزُوراً فَيُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمِ،
فتأكُلُ لَحْماً نَضِيجاً قبلَ أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
وهو من الأحاديثِ المذكورة في غير مَظِنَّتِها، وقد ذكر المصنّف في المواقيتِ من هذا
الوجه عن رافع تعجيلَ المغرِبِ (٥٥٩)، وفي هذا تعجيل العصرِ، والغَرَض منه هنا قوله:
(فتَنْحَرُ جَزُوراً فَيُقْسَمُ عشرَ قِسَم)).

٦٩
باب ٢ / ح ٢٤٨٦ - ٢٤٨٧
كتاب الشركة
قال ابن التِّين: في حديث رافع الشَّرِكةُ في الأصل، وجمع الحُظوظِ في القَسم، ونَحْرِ إِل
المغنَم، والحُجَّة على مَن زَعَم أنَّ أوَّلَ وقتِ العصرِ مصير ظِلِّ الشيء مِثْلَيه.
وقوله: ((نَضيجاً)) بالمعجَمة وبالجيمِ، أي: استَوى طَبخُه.
رابعها: حديث أبي موسى.
٢٤٨٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العَلاءِ، حدثنا حمادُ بنُ أُسامةً، عن بُریدِ، عن أبي بُرْدً، عن أبي موسی
قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إذا أرمَلُوا في الغَزْوِ، أو قَلَّ طعامُ عِيالهم بالمدينةِ، ◌َعُوا ما كان
عندَهم في ثوبٍ واحدٍ، ثُمَّ اقتَسَمُوه بينهم في إناءٍ واحدٍ بالسَّوِيَّةِ، فهم منّي وأنا منهم)).
قوله: ((عن بُرَيد)) هو بالموخَّدة والراء مُصغَّراً.
قوله: ((إذا أرمَلوا)) أي: فَنِيَ زادهم، وأصله من الرَّمْلِ، كأنَّهم لَصِقوا بالرَّملِ من القِلَّة
كما قيل في: ﴿ذَا مَتْرَةِ ﴾ [البلد:١٦].
قوله: ((فهم منِّي وأنا منهم)) أي: هم مُتَّصلون بي، وتُسمَّى ((مِن)) هذه الاتِّصالية، كقوله:
(لستُ من دَدٍ))(١)، وقيل: المراد: فعَلوا فعلي في هذه المواساة.
وقال النَّوَوي: معناه المبالَغَة في اتّحاد طريقهما واتِّفاقهما في طاعة الله تعالى.
وفي الحديث فضيلة عظيمة للأشعَرِيِّينَ قبيلة أبي موسى، وتحديث الرجلِ بِمَناقِهِ،
وجواز هِبَة المجهول، وفضيلة الإيثار والمواساة، واستحباب خَلْطِ الزّاد في السَّفَرِ وفي
الإقامة أيضاً، والله أعلم.
٢ - باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما
بالسَّوِيَّة في الصَّدَقة
٢٤٨٧ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ المثنَّى، قال: حدَّثني ثُمامةُ بنُ عبدِ الله بنِ أنسٍ، أنَّ
(١) هو بعض حديث مرفوع وتمامه: ((ولا دَدٌ منّي))، أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٨٥) وغيرُه من
حديث أنس، والطبراني في «الكبير)) ١٩/ (٧٦٤) من حديث معاوية، ومَرجُهما واحد، والحديث ضعيف.
والدَّدُ: اللهو واللعب، ومعناه: لست من باطل ولا هو مني، أو: لست من اللهو واللعب ولا هما مني.

٧٠
باب ٣ / ح ٢٤٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
أنساً حدَّثه: أنَّ أبا بكرٍ عَّ كَتَبَ له فِرِيضةَ الصَّدَقةِ التي فَرَضَ رسولُ الله ◌َِّ قال: وما كان من
خَلِيطَينِ فإنَّهِمَا يَتَراجَعان بينهما بالسَّوِيَّة.
قوله: ((باب ما كان من خَليطَينِ فإنََّما يَتَراجَعان بينهما بالسَّويةِ في الصَّدَقةِ)) أورَدَ فيه
حديثَ أنس عن أبي بكر في ذلك، وهو طَرَفٌ من حديثِهِ الطّويلِ في الزكاة وتقدَّم فيه
(١٤٥١)، وقَيَّدَه المصنِّف في التَّرجمة بالصَّدَقة لوُرودِهِ فيها؛ لأنَّ التَّراجعَ لا يَصِحُّ بين
الشَّرِيكَين في الرِّقاب.
وقال ابن بطَّال: فِقْه الباب أنَّ الشَّريكَين إذا خُلِطَ رأس مالهما فالرِّيح بينهما، فمَن أَنفَقَ
من مال الشَّرِكة أكثر ممّا أنفَقَ صاحبه تَراجَعا عند القِسمة بقَدْر ذلك، لأنَّه عليه الصلاة
والسلام أمَرَ الخَلِيطَين في الغنمِ بالتَّراجُع بينهما وهما شَريكان، فدَلَّ ذلك على أنَّ كلَّ
شریکین في معناهما.
وتَعَقَّبَه ابن المنيِّر بأنَّ التَرَاجُعَ الواقِعَ بين الخَلِيطَين في الغنمِ ليس من باب قِسمة الرِّبحِ،
١٣١/٥ وإنَّما أصلُه غُرْمٌ مُستَهلَك؛ لأَنَّا نُقدِّر أنَّ مَن لم/ يُعطِ استَهلَكَ مال مَن أعطى إذا أعطى عن
حقِّ وَجَبَ على غيره، وقد قيل: إنَّه يُقدَّرُ مُستَلِفاً من صاحبه.
واستُدِلَّ به على أنَّ مَن قام عن غيره بواجبٍ فَلَه الرُّجوعُ عليه، وإن لم يكن أذِنَ له في
القيام عنه، قاله ابن المنيِر أيضاً، وفيه نظرٌ؛ لأَنَّ صِحَّتَه تتوقّف على عَدَم الإذن، وهو هنا
مُحتَمَل، فلا يَتِمُّ الاستدلال مع قيام الاحتمال.
٣- باب قِسْمة الغنم
٢٤٨٨ - حدّثنا عليُّ بنُ الحَكَم الأنصاريُّ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن سعيد بنِ مَسْرُوقٍ، عن
عَبَايَةَ بنِ رِفاعةَ بنِ رافعٍ بنِ خَدِيجٍ، عن جَدِّه قال: كنَّا مَعَ النبيِّ ◌َرَ بِذِي الحُلَيَفةِ فأصابَ
النّاسَ جُوعٌ، فأصابُوا إِيلاً وغنماً، قال: وكان النبيُّ ◌َّه في أُخرَيات القوم فعَجَّلُوا وذَبَحُوا
ونَصَبُوا القُدُورَ، فَأَمَرَ النبيُّ ◌َّ بِالقُدُورِ فَأَكْفِئَت، ثمَّ قَسَمَ، فعَدَلَ عَشَرةً مِن الغنمِ ببعيٍ، فنَّ
منها بعيرٌ فطَلَبُوه فأعياهم، وكان في القومِ خَيْلٌ يَسِيرةٌ فأهْوَى رجلٌ منهم بسَهْم، فحَبَسَه الله

٧١
باب ٤ / ح ٢٤٨٩ - ٢٤٩٠
كتاب الشركة
ثمّ قال: ((إنَّ لهذه البَهائمِ أوابدَ كأوابدِ الوَحْشِ، فما غَلَبَكُم منها فاصْنَعُوا به هكذا)) فقال
جَدّي: إنّا نَرْجُو - أو نَخافُ - العَدُوَّ غَداً وليسَت معنا مُدَّى، أَفَنَذْبَحُ بالقَصَبِ؟ قال: ((ما أنهَرَ
الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكُلُوه، ليسَ السِّنَّ والظَّفُرَ، وسأُحَدِّئُكُم عن ذلك: أمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ،
وأمَّا الظَّفُرُ فمُدَى الحَبَشة)).
[أطرافه في: ٢٥٠٧، ٣٠٧٥، ٥٤٩٨، ٥٥٠٣، ٥٥٠٦، ٥٥٠٩، ٥٥٤٣، ٥٥٤٤]
قوله: ((باب قِسْمة الغنم)) أي: بالعَدَد، أورَدَ فيه حدیثَ رافع بن خَدِیج، وفيه: «ثمَّ
فَسَمَ فعَدَلَ عشرةَ من الغنمِ ببعير)) وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوقَى في الذّبائح (٥٥٤٣) إن
شاء الله تعالى.
٤ - باب القران في التمر بين الشُّر کاء حتى يستأذن أصحابَه
٢٤٨٩ - حدَّثنا خَلَّادُ بنُ يحيى، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا جَبَلةُ بنُ سُحَيم، قال: سمعتُ ابنَ
عمرَ رضي الله عنهما يقول: نهى النبيُّ نَّهِ أَن يَقْرُنَ الرجلُ بين التَّمْرَتَينِ جميعاً حتَّى يَسْتَأذِنَ
أصحابه.
٢٤٩٠ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن جَبَةَ قال: كنَّا بالمدينةِ فأصابَتْنا سَنَّةٌ، فكان
ابنُ الزُّبَيرِ يَرْزُقُنا الثَّمْرَ، وكان ابنُ عمَرَ يَمُرُّ بنا فيقول: لا تَقْرُنُوا، فإنَّ النبيَّ وَِّ نَهى عن
القِران، إلا أن يَسْتَأْذِنَ الرجلُ منكُم أخاه.
قوله: ((باب القِران في الثَّمْرِ بين الشَّرَكاءِ حتَّى يَستأذِنَ أصحابَه)) كذا في جميع النُّسَخ،
ولَعَلَّ ((حَتَّى)) كانت ((حين)) فتَحرَّفت، أو سقط من التَّرجمة شيءٌ إمَّا لفظ النَّهي من أوَّلها،
أو ((لا يجوز)) قبل (حتَّى)).
ذكر فيه حديث/ ابن عُمر في ذلك من وجهَين، وقد تقدَّم في المظالم (٢٤٥٥)، ویأتي ١٣٢/٥
الكلامُ عليه في الأطعمة (٥٤٤٦) إن شاء الله تعالى.
قال ابن بطَّال: النَّهيُ عن القِران من حُسن الأدبِ في الأكلِ عند الجمهورِ، لا على
التحريمِ كما قال أهل الظَّاهر؛ لأَنَّ الذي يُوضَع للأكلِ سبيله سبيل المكارَمة لا التَّشاحٌ،

٧٢
باب ٥-٦ / ح ٢٤٩١ - ٢٤٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
الاختلاف الناس في الأكلِ، لكن إذا استأثرَ بعضهم بأكثر من بعضٍ لم يَحِلّ له ذلك.
٥- باب تقويم الأشياء بين الشُّركاء بقيمة عَدْلٍ
٢٤٩١ - حدَّثنا عِمْرانُ بنُ مَيسَرةَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله وَلَّ: ((مَن أَعتَقَ شِقْصاً له من عَبْدٍ أو شِرْكاً - أو قال:
نَصِيباً - وكان له ما يَبلُغُ ثمنَه بقيمةِ العَدْلِ، فهو عَتِيقٌ، وإلا فَقَدْ عَتَقَ منه ما عَتَقَ)).
قال: لا أدري قولُه: ((عَتَقَ منه ما عَتَقَ)) قولٌ من نافع، أو في الحديث عن النبيِّ ◌ِّ.
[أطرافه في: ٢٥٠٣، ٢٥٢١، ٢٥٢٢، ٢٥٢٣، ٢٥٢٤، ٢٥٢٥]
٢٤٩٢ - حدَّثْنا بِشْرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ، عن فَتَادةَ، عن
النَّضْرِ بنِ أنسٍ، عن بَشِيرِ بنِ نَبِيكٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وََّ، قال: ((مَن أعتَقَ شَقِيصاً
من تَحْلُوكِهِ فعليه خَلاصُه في ماله، فإن لم يكن له مالٌ قُوِّمَ الممْلُوكُ قِيمةَ عَدْلٍ، ثمَّ استُسْعِيَ غيرَ
مَشْقُوقٍ علیه».
[أطرافه في: ٢٥٠٤، ٢٥٢٦، ٢٥٢٧]
قوله: ((باب تَقْويم الأشياءِ بين الشُّرَكاءِ بقيمةِ عَدْل)) قال ابن بطَّال: لا خِلافَ بين
العلماءِ أنَّ قِسمة العُروض وسائر الأمتِعة بعدَ النَّقويمِ جائز، وإنَّما اختلفوا في قِسمَتِها بغير
تَقويم: فأجازَه الأكثر إذا كان على سبيلِ التَّراضي، ومَنَعَه الشّافعي، وحُجّته حديث ابن
عمر فيمَن أَعتَقَ بعض عبدِه، فهو نصٍّ في الرَّقيِقِ وأُلحِقَ الباقي به.
وأورَدَ المصنِّف الحديث المذكور عن ابن عمر وعن أبي هريرة، وسيأتي الكلامُ عليهما
جميعاً في كتاب العِتق (٢٥٠٣ و٢٥٠٤) مُستَوفَّى، إن شاء الله تعالى.
٦ - باب هل يُقرَع في القسمة؟ والاستهام فيه
٢٤٩٣ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثْنا زكريّا، قال: سمعتُ عامِراً، يقول: سمعتُ التُّعْمانَ بنَ
بَشِيرٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ قال: «مَثَلُ القائمِ على حُدُودِ الله والواقِعِ فيها، كمَثَلِ قومٍ

٧٣
باب ٧ / ح ٢٤٩٤
كتاب الشركة
اسْتَهَمُوا على سَفِينةٍ، فأصابَ بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفَلَها، فكان الذينَ في أسفَلِها إذا
استَقَوْا مِن الماءِ مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقاً ولم نُؤْذِ مَن فوقَنا،
فإن يَتْرُكُوهم وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وإن أخذُوا على أيدِيهم نَجَوْا ونَجَوْا ◌َمِيعاً)).
[طرفه في: ٢٦٨٦]
قوله: ((باب هل يُقرَع في القِسْمة؟ والاستهام فيه)) الاستهام: الاقتراع، والمراد به هنا بيان ١٣٣/٥
الأنصِبة في القَسْم، والضَّمير يَعودُ على القَسمِ بدلالة القِسمة، فذكره لأنَّها بمعنَى.
أورَدَ فيه حديثَ النُّعمان بن بشير، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوفَّى في آخِر كتاب الشَّهادات
(٢٦٨٦) إن شاء الله تعالى.
٧- باب شركة اليتيم وأهل الميراث
٢٤٩٤ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله العامِرِيُّ الأَوَيسِيُّ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن
صالحٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، أخبرني عُرْوةُ: أَنَّه سألَ عائشةَ رضي الله عنها.
وقال اللَّيثُ: حدَّثني يُونُسُ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّه سألَ
عائشةَ رضي الله عنها عن قولِ الله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَى فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم
مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ [النساء: ٣] فقالت: يا ابنَ أُختي، هي اليَتِيمةُ تكونُ في حَجْرِ
وَلِيِّها تُشارِكُه في ماله، فيُعْجِبُهُ مالها وجَمالها فيُرِيدُ وَلِيُّها أن يَتَزَوَّجَها بغيرِ أن يُقْسِطَ في صَداقِها،
فيُعْطِيها مثلَ ما يُعْطِيها غيرُه، فنُهُوا أن يَنْكِحُوهنَّ إلا أن يُقْسِطُوا لهنَّ ويَبْلُغُوا بهنَّ أعلَى سُنَّتِهِنَّ
مِن الصَّداقِ، وَأُمِرُوا أن يَنكِحُوا ما طابَ لهم مِن النِّساءِ سواهنَّ.
قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ: ثُمَّ إِنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رسولَ الله ◌َلِّ بعدَ هذه الآيةِ، فأنزلَ الله:
﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ اَلْنِسَآءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] والَّذِي ذَكَرَ اللهُ
أَنَّه يُثْلَى عليكُم في الكتاب الآيةُ الأولَى التي قال فيها: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَى فَأَنْكِحُواْ
مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ قالت عائشةُ: وقولُ الله في الآيةِ الأخرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾

٧٤
باب ٨ / ح ٢٤٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
يعني: هي رَغْبةُ أحدِكُمْ لِيَتِيمَتِهِ التي تكونُ في حَجْرِه حينَ تكونُ قليلةَ المال والجَمال، فنُهُوا أن
يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا في مالها من يَتَامَى النِّساءِ، إلَّا بالقِسْطِ من أجْلِ رَغْبَتِهم عنهنَّ.
[أطرافه في: ٢٧٦٣، ٤٥٧٣، ٤٥٧٤، ٤٦٠٠، ٥٠٦٤، ٥٠٩٢، ٥٠٩٨، ٥١٢٨، ٥١٣١، ٥١٤٠، ٦٩٦٥]
قوله: ((باب شَرِكَة اليتيم وأهل الميراث)) الواو بمعنى مع.
قال ابن بطَّال: اَنَّفَقوا على أنَّه لا تجوزُ المشاركةُ في مال اليتيمِ إلَّا إن كان لليتيمِ في ذلك
مصلحة راجحة.
وأورَدَ المصنِّفُ في الباب حديثَ عائشةَ في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا نُقْسِطُواْ فِى
اٌلْيَ﴾ وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوفَّى في تفسير سورة النِّساءِ (٤٥٧٣ و٤٥٧٤) إن شاء الله تعالى.
والأُوَيسي المذكور في الإسناد: هو عبد العزيز، وإبراهيم: هو ابن سعد، وصالح: هو
ابن کیْسان؛ والإسناد کلّه مدنُّونَ.
وقوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس)) وَصَلَه الطَّبري في «تفسيره)) (٢٣٢/٤) من طريق
عبد الله بن صالح، عن اللَّيثِ مقروناً بطريق ابن وَهْب عن يونسَ.
وقوله فيه: ((رَغْبةُ أحدِكُم يتيمتَه)) وفي رواية الكُشْمِيهني: ((عن يتيمَتِه)) ولعلَّه أصوَب.
٨- باب الشّركة في الأَرَضِين وغيرها
٢٤٩٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزّهْريِّ، عن أبي
١٣٤/٥ سَلَمَةَ، عن جابرِ بنِ / عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: إنَّا جَعَلَ النبيُّ ◌ََّ الشُّفْعَةَ في كلِّ ما لم
يُقْسَم، فإذا وقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرِقُ فلا شُفْعَةَ.
قوله: ((باب الشَّرِكَةِ في الأرضينَ وغيرها)) أورَدَ فيه حديثَ جابر: ((الشُّفعة في كلِّ ما لم
يُقْسَم)) وقد مضى الكلامُ عليه في كتاب الشُّفعة (٢٢٥٧)، وأراد هنا الإشارةَ إلى جواز
قِسمة الأرضِ والدّار، وإلى جوازِه ذهب الجمهورُ، سواءٌ(١) صَغُرَت الدّارُ أو كَبُرَت،
(١) لفظ ((سواء)) سقط من (س).

٧٥
باب ٩- ١٠ / ح ٢٤٩٦ - ٢٤٩٨
كتاب الشركة
واستثنى بعضهم التي لا يُنْتَفع بها لو قُسِمَت فَتَمْتَنِعُ قِسمَتُها.
وهشام في هذه الرِّواية: هو ابن يوسف الصَّنعاني.
٩ - باب إذا اقتَسمَ الشَّركاءُ الدورَ وغيرها
فليسَ لهم رُجُوعٌ ولا شُفْعَةٌ
٢٤٩٦ - حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن
جابر بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: قَضَى النبيُّ نَّهِ بِالشُّفْعَةِ في كلِّ ما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ
الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّقُ فلا شُفْعَةً.
قوله: ((باب إذا قَسَمَ الشَّرَكاءُ الدّورَ وغيرها فليس لهم رُجوع ولا شُفْعة)) أورَدَ فيه
حديثَ جابر المذكور(١)، قال ابن المنيِّر: تَرجَمَ بلُزومِ القِسْمة، وليس في الحديث إلَّا نفي
الشُّفعة، لكن لكَونِه يَلزَمُ من نفيها نفي الرُّجوعِ - إذ لو كان للشَّرِيكِ أن يَرجِعَ لَعادت
مُشاعةً - فعادت الشُّفعة.
١٠ - باب الاشتراك في الذَّهب والفِضَّة وما يكون فيه الصَّْف
٢٤٩٧، ٢٤٩٨- حدَّثني عَمْرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا أبو عاصم، عن عثمانَ، يعني: ابنَ
الأسوَدِ، قال: أخبرني سليمانُ بنُ أبي مُسلِمٍ، قال: سألتُ أبا المِنْهالِ عن الصَّرْفِ يَداً بَيَدٍ؟ فقال:
اشتَرَيتُ أنا وشَرِيكٌ لي شيئاً يَداً بَيَدٍ ونَسِيئَةً، فجاءنا البَرَاءُ بنُ عازِبٍ فسألْناه، فقال: فعلتُ أنا
وشَرِيكي زيدُ بنُ أرقَمَ، وسألْنا النبيَّ وََّ عن ذلك، فقال: ((ما كان يَداً بَيَدٍ فخُذُوه، وما كان
نَسِیئةً فرُدُّوه)».
قوله: (باب الاشتراكِ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ وما يكون فيه الصَّرْف)) قال ابن بطَّل: أجْمَعوا
على أنَّ الشَّرِكَةَ الصحيحةَ أن يُخْرِجَ كلّ واحدٍ مِثْلَ ما أخرج صاحبه ثمَّ يَخْلُطا ذلك حتَّى لا
يَتَميَّزَ ثُمَّ يَتَصرَّفا جميعاً، إلَّا أن يُقيم كلّ واحد منهما الآخر مقام نفسه. وأجمعوا على أنَّ
الشَّرِكةَ بالدَّراهمِ والدَّنانير جائزة، لكن اختلفوا إذا كانت الدَّنانير من أحدِهما والدَّراهمُ
(١) يعني: في الباب الذي قبله.

٧٦
باب ١٠ / ح ٢٤٩٧ -٢٤٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
من الآخر، فمَنعَه الشّافعي ومالكٌ في المشهور عنه والكوفيون إلَّ الثَّوري. انتهى، وزاد
الشّافعي: أن لا تَخْتَلِفِ الصِّفة أيضاً كالصِّحاح والمكَسَّرة، وإطلاق البخاري التَّرجمة يُشعِرُ
بجُنوحِه إلى قولِ الشّوري.
وقوله: ((وما يكون فيه الصَّرفُ)) أي: كالدَّراهمِ المغشوشَة والتِّيرِ وغير ذلك، وقد
١٣٥/٥ اختلف العلماء في ذلك فقال الأكثر: يَصِحُّ في كلّ مِثْلِيٍّ،/ وهو الأصَحُّ عند الشّافعية،
وقيل: يختصُّ بالنَّقْدِ المضروب.
وأورَدَ المصنِّفُ في الباب حديث البَراء في الصَّرف، وقد تقدَّم في أوائل البيوعِ
(٢٠٦٠، ٢٠٦١)، وفي باب بيع الوَرِقِ بالذَّهَبِ نَسِيئَة (٢١٨١،٢٠٨٠)، وتقدَّم بعض الكلام
عليه هناك.
قوله: ((حذَّثنا أبو عاصم)) هو النبيلُ شيخ البخاري، وروى هنا وفي عِدَّة مواضعَ عنه
بواسطة.
قوله: ((اشتريت أنا وشَريك لي)) لم أقف على اسمِه.
قوله: «شيئاً يَداً بيد ونَسِيئَة)» تقدَّم في أوائل البيوع بلفظ: كنت أتَِّرُ في الصَّرفِ.
قوله: ((ما كان يداً بيدٍ فخُذوه، وما كان نَسيئَةً فُرُدّوه)) في رواية كَرِيمة: ((فَذَرُوه)) بتقدیمِ
الذّال المعجَمة وتخفيف الراء، أي: اتركوه، وفي رواية النَّسَفي: ((رُدّوه)) بدون الفاء،
وحذفها في مِثلِ هذا وإثباتها جائز.
واستُدِلَّ به على جوازٍ تَفريق الصَّفقة فيَصِحُّ الصحيحُ منها، ويَبطُل ما لا يَصِحّ، وفيه
نظرٌ لاحتمال أن يكون أشار إلى عَقدَین مُتَلِفَينِ، ويُؤِّدُ هذا الاحتمالَ ما سيأتي في ((باب
الهجرة إلى المدينة)) (٣٩٣٩) من وجهٍ آخرَ عن أبي المنهال قال: ((باع شَريك لي دَراهم في
السُّوقِ نَسيئَةً إلى الموسِمِ)) فذكر الحديث، وفيه: قَدِمَ النبي ◌َّهِ المدينَةَ ونَحنُ نَتَبَايَعُ هذا
البيع، فقال: ((ما كان يَداً بيدٍ فليس به بأس، وما كان نَسيتَةً فلا يَصلُح))، فعلى هذا فمعنى
قوله: ((ما كان يَداً بيدٍ فخُذوه)) أي: ما وقع لكم فيه التَّقابُض في المجلسِ فهو صحيحٌ

٧٧
باب ١١ -١٢ / ح ٢٤٩٩ - ٢٥٠٠
كتاب الشركة
فَأَمْضُوه، وما لم يقع لكم فيه التَّقَابُض فليس بصحيح فاترُكوه، ولا يَلزَمُ من ذلك أن يكونا
جميعاً في عَقدٍ واحدٍ، والله أعلم.
١١ - باب مشاركة الذِّمي والمشركين في المزارعة
٢٤٩٩ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حذَّثنا جُوَيرِيةُ بنُ أسماءَ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله
قال: أعطَى رسولُ اله ◌ََّ خيبرَ اليهودَ أن يَعْمَلُوها ويَزْرَ عُوها، ولهم شَطْرُ ما يَخْرُجُ منها.
قوله: ((باب مُشارَكَةِ الذِّمّي والمشرِكينَ في المزارَعةِ)) الواو في قوله: ((والمشركينَ)) عاطفة
وليست بمعنى: مع، والتَّقدير: مشاركة المسلمِ للذّمّي، ومشاركة المسلمِ للمشركينَ.
وقد ذكر فيه حديث ابن عمر في إعطاءِ اليهود خيبرَ على أن يعملوها مختصراً، وقد
تقدَّم في المزارَعة (٢٣٣١)، وهو ظاهرٌ في الدِّمّي وألحَقَ المشركَ به؛ لأنَّه إذا استأمَنَ صارَ في
معنى الدِّمي، وأشار المصنِّف إلى مُخالَفة مَن خالَفَ في الجوازِ كالثَّوري واللَّيثِ وأحمد
وإسحاق، وبه قال مالك، إلَّا أنَّه أجازَه إذا كان يَتصرَّفُ بحَضرة المسلم، وحُجَّتُهم خَشْية
أن يَدخُلَ في مال المسلمِ ما لا يَحِلَّ كالرِّبا وثمن الخمرِ والخِنزير، واحتَجَّ الجمهور بمُعاملة
النبي ◌َّ يهود خيبرَ، وإذا جازَ في المزارعة جازَ في غيرها، وبمشروعية أخذِ الجزية منهم مع
أنَّ في أموالهم ما فيها.
١٢ - باب قَسْم الغنم والعدل فيها
٢٥٠٠ - حدّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثْنا اللَّيْثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن
عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ عَُّ: أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ أعطاه غنماً يَقْسِمُها على صَحابَتِهِ ضَحَايا، فبَقِيَ عَتُودٌ،
فَذَكَرَه لرسولِ اللهِوَّ فقال: ((ضَحِّ به أنتَ).
قوله: ((باب قَسْم الغنم والعَدْل فيها)) ذكر فيه حديث عُقْبة بن عامر، وقد مضى توجيه
إيراده في الشّركة في أوائل الوكالة (٢٣٠٠)، ويأتي الكلام على بقية شرحه في الأضاحي
(٥٥٤٧و ٥٥٥٥) إن شاء الله تعالی.

٧٨
باب ١٣ / ح ٢٥٠١ - ٢٥٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
١٣٦/٥
١٣ - باب الشّركة في الطعام وغيره
ويُذكَر أنَّ رجلاً ساوَمَ شيئاً فَغَمَزَه آخَرُ، فَرَأى عمرُ أنَّ له شَرِكةً.
٢٥٠١، ٢٥٠٢ - حدّثنا أصبَغُ بنُ الفَرَج، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبرني
سعيدٌ، عن زُهْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ، عن جَدِّه عبدِ الله بنِ هشامٍ، وكان قد أدرَكَ النبيَّ يَّر وذهبت به
أُمُّه زينبُ بنتُ مُميدٍ إلى رسولِ اللهِوَّ فقالت: يا رسولَ الله بابِعْه، فقال: ((هو صَغِيرٌ)) فمَسَحَ
رَأْسَه ودعا له.
وعن زُهْرةَ بنِ مَعْبَدٍ: أنَّه كان يَخْرُجُ به جَدُّه عبدُ الله بنُ هشام إلى السُّوقِ فِيَشْتَري الطَّعامَ،
فيَلْقاه ابنُ عمَ وابنُ الزُّبَير رضي الله عنهم فيقولان له: أشْرِكْنا، فإنَّ النبيَّ ◌ََّ قد دَعا لكَ
بالبَرَكَةِ، فَيَشْرَكُهم، فرُبَّما أصابَ الرّاحلةَ كما هي فيَبَعَثُ بها إلى المنْزِل.
[ح ٢٥٠١ طرفه في: ٧٢١٠]
[ح ٢٥٠٢ طرفه في: ٦٣٥٣]
قوله: ((باب الشَّرِكَةِ في الطَّعام وغيره)) أي: من المِثْليات، والجمهور على صِحَّة الشَّرِكة
في كلِّ ما يُتَمَلَّك، والأصَحّ عند الشّافعية: اختصاصها بالمِثْلِي، وسبيل مَن أراد الشَّرِكةَ
بالعُروضِ عندهم أن يبيعَ بعضَ عَرْضِه المعلومِ ببعضٍ عَرْض الآخرِ المعلوم، ويأذن له في
التَّصَرُّف، وفي وجهٍ: لا يَصِحّ إلَّا في النَّقْدِ المضروب كما تقدَّم، وعن المالكية: تُكرَه الشَّرِكة
في الطَّعام، والرّاجح عندهما: الجواز.
قوله: ((ويُذكَر أنَّ رجلاً)) لم أقفْ على اسمِه.
قوله: ((فرأى عُمر)) كذا للأكثر، وفي رواية ابن شَبّويه: ((فرأى ابن عمر)) وعليها شَرَحَ
ابن بطَّالٍ، والأوَّل أصَحّ، فقد رواه سعيد بن منصور من طريق إياس بن معاوية ((أنَّ عمرَ
أبصَرَ رجلاً يُساوِم سلعة وعنده رجلٌ فَغَمَزَه حتَّى اشتراها، فرأى عمرُ أنَّهَا شَرِكٌ))، وهذا
يدلُّ على أنَّه كان لا يَشتَرط للشَّرِكة صيغَةً ويَكتَفي فيها بالإشارة إذا ظهرت القَرِينةُ، وهو
قول مالك، وقال مالك أيضاً في السِّلعة تُعرَض للبيع فيَقِفُ مَن يشتريها للتِّجارة، فإذا

٧٩
باب ١٣ / ح ٢٥٠١ - ٢٥٠٢
كتاب الشركة
اشتراها واحد منهم واستَشرَكَه الآخر لَزِمَه أن يُشرِكَه؛ لأنَّه انتَفع بتركِه الزِّیادة عليه.
ووقع في نُسخَة الصَّغَاني ما نصُّه: ((قال أبو عبد الله - يعني: المصنِّف -: إذا قال الرجل
للرَّجل: أشركني، فإذا سكَتَ يكون شريكه في النِّصفِ)). انتهى، وكأنَّه أخذَه من أثرٍ
عمرَ المذكور.
قوله: «أخبرني سعید» هو ابن أبي أيوب، وثبت في رواية ابن شَّويه.
قوله: ((عن زُهْرة)» هو بضمِ الزّايٍ، وعند أبي داود (٢٩٤٢) من رواية المقرئ عن
سعيد: ((حدَّثني أبو عَقيل زهرة بن مَعبَد))(١).
قوله: ((عن جَدِّه عبد الله بن هشام)) أي: ابن زُهرة التَّيْمي من بني عَمْرو بن كعب بن
سعد بن تَيْم بن مُرَّة رَهْط أبي بكر الصِّدّيق، وهو جَدُّ زُهرةَ لأبيه.
قوله: ((وكان قد أدرَكَ النبيِّ)) ذكر ابن مَندَهُ أنَّه أدرَكَ من حياة النبيِ نَّهستّ سِنِينَ،
وروى أحمد في «مسندِه)) (٢٢٥٠٤) أنَّه احتَلَمَ في زَمَن رسولِ الله وَلَّ، لكن في إسناده ابن
لَهِيعة، وحديث الباب يدلُّ على خطأِ روايته هذه، فإنَّ ذَهاب أُمِّه به كان في الفتح، ووُصِفَ
بالصِّغَرِ إذ ذاكَ، فإن كان ابن لهيعة ضَبَطَه فيُحتمل أنَّه بلغ في أوائل ◌ِنِّ الاحتلام.
قوله: ((وذهبت به أُمُّه زينبُ/ بنت مُميد)) أي: ابن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد ١٣٧/٥
العُزّى، وهي معدودةٌ في الصحابة، وأبوه هشام مات قبلَ الفتح كافراً، وقد شَهِدَ عبد الله
ابن هشام فتح مِصر واختَطَّ بها فيما ذكره ابن يونس وغيره، وعاش إلى خلافة معاوية.
قوله: ((ودَعَا له)) زاد المصنِّف في الأحكام(٢) من وجهٍ آخرَ عن زُهرة: بالبركة(٣)،
وأخرجه الحاكِمُ في ((المستدركِ)) (٢٢٩/٤) من حديث ابن وَهْب بتمامه فوَهمَ.
قوله: ((وعن زُهْرة بن مَعْبَد)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور.
قوله: ((فيَلْقاه ابن عُمر وابن الزُّبَير)) قال الإسماعيلي: رواه الخَلق فلم يذكر أحد هذه
(١) وهو كذلك عند البخاري فيما سيأتي في الأحكام (٧٢١٠).
(٢) بل في ((الدعوات)) برقم (٦٣٥٣).
(٣) قوله: ((بالبركة)) سقط من (س).

٨٠
باب ١٤ / ح ٢٥٠٣ - ٢٥٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
الزِّيادة إلى آخِرِها إلَّا ابن وَهْب. قلت: وقد أخرجه المصنِّفُ في الدَّعوات (٦٣٥٣) عن
عبد الله بن وَهْب بهذا الإسناد، وكذلك أخرجه أبو نُعيم من وجهَين عن ابن وَهْب، وقال
الإسماعيلي: تفرَّد به ابن وَهْبٍ.
قوله: ((فيقولان له: أشْرِكْنا» هو شاهد التَّرجمة، لكونهما طلبا منه الاشتراك في الطَّعام الذي
اشتراه، فأجابهما إلى ذلك وهم من الصحابة، ولم يُنقَل عن غيرهم ما يُخالفُ ذلك فيكون حُجَّة.
وفي الحديث مَسح رأس الصغير، وترك مُبَايَعة مَن لم يَبلُغ، والدُّخول في السّوقِ لطلبٍ
المعاش، وطلبِ البَرَكة حيثُ كانت، والرَّدّ على مَن زَعَمَ أنَّ السَّعةَ من الحلال مذمومة،
وتَوَقُّر دَواعي الصحابة على إحضار أولادهم عند النبي وَّ لالتِماس بَرَكَته، وعَلَمٌ من
أعلام نُبُوَّته وَلِّ لإجابة دعائه في عبد الله بن هشام.
تنبيهان:
أحدهما: وقع في رواية الإسماعيلي: ((وكان - يعني عبد الله بن هشام - يُضَحّ بالشّاة
الواحدة عن جميع أهلِه)) فعَزَا بعض المتأخِّرينَ هذه الزّيادة للبخاري فأخطأ.
ثانيهما: وقع في نُسخَة الصَّغَاني زيادة لم أرَها في شيءٍ من النُّسَخ غيرها، ولفظه: قال أبو
عبد الله: كان عُروَة البارقي يَدخُلُ السّوق وقد رَبِحَ أربعينَ ألفاً بَبَرَكة دَعْوة رسولِ الله وَيه
بالبَرَكة حيثُ أعطاه ديناراً يشتري به أُضحيةً، فاشترى شاتَين فباع إحداهما بدينارٍ وجاءه
بدينار وشاة، فَبَرَّك له رسولُ الله ◌َِّ.
١٤ - باب الشَّرِكة في الَّقيق
٢٥٠٣ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا جُوَيِرِيةُ بنُ أسماءَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما،
عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((مَن أعتَقَ شِرْكاً له في تَمْلُوكٍ وَجَبَ عليه أن يُعْتِقَ كلَّه إن كان له مالٌ قَدْرَ
ثمنِه يُقَامُ قِيمةَ عَدْلٍ، ويُعْطَى شُرَ كَاؤُه حِصَّتَهم، ويُحلَّى سبيلُ المُعتَقِ)).
٢٥٠٤- حدّثنا أبو الُّعْمان، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازم، عن فَتَادةَ، عن النَّضْرِ بنِ أنسٍ، عن