Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
باب ٢٠ / ح ٢٤٠٩
كتاب الاستقراض
والحُنوِّ ونحو ذلك، والمقصود من إيراد هذا الحديثِ هنا قوله فيه: ((وإضاعة المال))، وقد
قال الجمهور: إنَّ المراد به السَّرَف في إنفاقه، وعن سعيد بن جُبَير: إنفاقه في الحرام، وسيأتي
بقية الكلام عليه في كتاب الأدَبِ (٥٩٧٥) إن شاء الله تعالى.
٦٩/٥
٢٠ - بابٌ العبد راع في مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه
٢٤٠٩ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالمُ بنُ عبدِ الله،
عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما: أنَّه سمعَ رسولَ اللهَوَلَّ يقول: «كلُّكُم راعٍ ومَسْؤُولٌ عن
رَعيَِّهِ: فالإمامُ راعٍ، وهو مَسْؤُولٌ عن رَعيَِّهِ، والرجلُ في أهلِه راعٍ، وهو مَسْؤُولٌ عن رَعيَّتِهِ،
والمرْأَةُ في بيت زَوْجِها راعيةٌ، وهيَ مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِها، والخادِمُ في مال سَيِّدِهِ، وهو مَسْؤولٌ
عن رَعيَّتِه)) قال: فسمعتُ هؤُلاءِ من رسولِ اللهِّهِ، وأحسبُ النبيَّ ◌َّه قال: ((والرجلُ في
مال أبيه راعٍ، وهو مَسْؤولٌ عن رَعيَّتِهِ، فكلُّكُمْ راعٍ، وكلُّكُم مَسْؤولٌ عن رَعيَّتِهِ)).
قوله: ((بابٌّ العبد راع في مال سَيِّدِه ولا يَعْمَلُ إلَّا بإذْنِهِ)) ذكر فيه حديث ابن عمر:
((كلّكُم راعٍ ومسؤول عن رَعيّتِه)) وفيه: ((والخادم في مال سيِّدِه، وهو مسؤول)) كذا في
رواية أبي ذرٍّ، ولِغيرهِ: ((في مال سيِّدِه راعٍ وهو مسؤول)).
ولفظ التَّرجمة يأتي في النِّكاح (٥١٨٨) من طريق أيوبَ عن نافعٍ عن ابن عمر، فذكر
الحديث، وفيه: ((والعبد راع على مال سيِّدِه، وهو مسؤول))، وكأنَّ المصنِّفَ استَنَبَطَ قوله:
ولا يعملُ إلَّ بإذنِهِ، من قوله: ((وهو مسؤول)) لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه يسألُ: هل جاوَزَ ما أمَرَه به،
أو وقَفَ عنده؟
قوله: ((فسمعت هؤلاءِ من النبيِ وَ ◌َّ، وأحسَبُ النبي ◌َّ قال: والرجلُ راع في مال أبيهِ))
هذا ظاهر في أنَّ القائلَ: وأحسَبُ، هو ابن عمر، وقد قدَّمت جَزم الکرماني في ((باب
الجمعة في القُرى)) (٨٩٣) بأنَّه يونسُ الراوي له عن الزُّهْري وتَعَقَّبتُه، وسيأتي الكلامُ على
شرح الحديثِ في أوَّل الأحكام (٧١٣٨) إن شاء الله تعالى.

٥٤٣
باب ١ / ح ٢٤١٠ - ٢٤١٣
كتاب الخصومات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في الخصومات
٧٠/٥
١- ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهود
٢٤١٠ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: عبدُ الملِكِ بنُ مَيسَرةَ أخبرني، قال: سمعتُ
النَّزّالَ بنِ سَبْرَةَ، سمعتُ عبد الله يقول: سمعتُ رجلاً قرأ آيةً سمعتُ مِن النبيِّ وََّ خِلافَها،
فأخذْتُ بيدِه، فأتيتُ به رسولَ الله ◌َّه، فقال: ((كِلاكُما تُحسِنٌ)) قال شُعْبةُ: أَظُنُّه قال: ((لا
تَخْتَلِفِوا، فإنَّ مَن كان قَبْلَهُمُ اختلفوا فھَلَکوا».
[طرفاه في: ٣٤٧٦، ٥٠٦٢]
٢٤١١ - حدَّثْنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن أبي سَلَمَةَ
وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: استَبَّ رجلان: رجلٌ مِن المسلمينَ، ورجلٌ مِن
اليهودِ، فقال المسلمُ: والذي اصْطَفَى محمَّداً على العالَمِينَ، فقال اليهوديُّ: والذي اصْطَفَى
موسى على العالَمِينَ، فَرَفَعَ المسلمُ يَدَه عندَ ذلك فلَطَمَ وَجْهَ اليهوديِّ، فَذَهَبَ اليهوديُّ إلى
النبيِّ ◌َّة، فأخبَرَه بما كان من أمرِه وأمر المسلمِ، فدعا النبيُّ وَِّ المسلمَ فسألَه عن ذلك فأخبره،
فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا تُخِّرُوني على موسى، فإنَّ النّاسَ يَصْعَقونَ يومَ القيامةِ، فَأَصعَقُ معهم،
فأكونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ، فإذا موسى باطئٌ جانِبَ العَرْشِ، فلا أدري أكان فيمَن صَعِقَ، فأفاقَ
قبلي، أو كان ممَّنِ استَئنَى اللهُ).
[أطرافه في: ٣٤٠٨، ٣٤١٤، ٤٨١٣، ٦٥١٧، ٧٤٧٢،٧٤٢٨،٦٥١٨]
٢٤١٢ - حَدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثْنا وُهَيبٌ، حدَّثْنا عَمْرو بنُ يحيى، عن أبيه، عن
أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴾، قال: بَيْنا رسولُ اللهِ وَِّ جالسٌ جاء يهوديٌّ، فقال: يا أبا القاسمِ،
ضَرَبَ وَجْهي رجلٌ من أصحابكَ، فقال: ((مَن؟)) قال: رجلٌ مِن الأنصار، قال: ((ادْعُوه))

٥٤٤
باب ١ / ح ٢٤١٠ - ٢٤١٣
فتح الباري بشرح البخاري
فقال: ((أضَرَبتَه؟)) قال: سمعتُه بالسّوقِ يَخْلِفُ: والذي اصْطَفَى موسى على البَشَرِ، قلتُ: أَيْ
خبيثُ، على محمَّدٍ وَّهِ؟! فأخذَتْنِي غَضْبَةٌ ضَرَبتُ وجهَه، فقال النبيُّ وَّةِ: ((لا تُخَيِّوا بين
الأنبياءِ، فإنَّ النّاسَ يَضْعَقونَ يومَ القيامةِ، فأكونُ أوَّلَ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرضُ، فإذا أنا بموسى
آخِذٌ بقائمةٍ من قوائمِ العَرْشِ، فلا أدري أكان فيمَن صَعِقَ أم حوسِبَ بصَعْقةِ الأُولَ)».
[أطرافه في: ٣٣٩٨، ٤٦٣٨، ٦٩١٦، ٦٩١٧، ٧٤٢٧]
٧١/٥ ٢٤١٣ - حدَّثْنا موسى، حدَّثنا هَمَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ يهوديّاً رَضَّ رَأْسَ جاريةٍ
بين حجرَينٍ، قيلَ: مَن فعَلَ هذا بكِ؟ أفلانٌ أفلانٌ؟ حتَّى سَمَّى اليهوديَّ، فأومأَتْ بَرَأْسِها،
فَأُخِذَ اليهوديُّ فاعتَرَفَ، فأمَرَ به النبيُّ ◌َّهِ فُرُضَّ رَأْسُه بين حجرَينٍ.
[أطرافه في: ٢٧٤٦، ٥٢٩٥، ٦٨٧٦، ٦٨٧٧، ٦٨٧٩، ٦٨٨٤، ٦٨٨٥]
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. ما يُذكَر في الإشخاصِ والخصومةِ بين المسلمِ واليهودِ))
كذا للأكثرِ، ولِبعضِهم: واليهوديِّ، بالإفراد، زاد أبو ذرٍّ أوَّله: في الخصومات، وزاد في
أثنائه: والملازَمة. والإشخاصُ، بكسر الهمزة: إحضار الغريمِ من موضعٍ إلى موضع،
يقال: شَخَصَ - بالفتحِ - من بلدٍ إلى بلدٍ، وأشخَصَ غيرَه. والملازَمةُ: مُفاعلة من اللُّزوم،
والمرادُ أن يَمنَعَ الغريمُ غريمَه من النَّصَرُّفِ حتَّى يُعطيَه حَقّه.
ثمَّ ذكر في هذا الباب أربعة أحاديثَ:
الأول: قوله: ((عبد الملك بن مَيسَرة أخبَرَني)» هو من تقديم الراوي على الصِّيغة، وهو
جائزٌ عندهم، وابن مَيسَرة المذكور هلالي كوفي تابعي، يقال له: الزَّرّاد، بزايٍ ثمَّ راء ثَقيلة،
وشيخه النَّزّال، بفتح النّون وتشديد الزّايٍ، ابن سبْرة بفتح المهمَلة وسكون الموحَّدة،
هلالي أيضاً من كبار التابعينَ، وذكره بعضهم في الصحابة لإدراكِهِ، وليس له في البخاري
سوى هذا الحديثِ عن عبد الله بن مسعود، وآخَرَ في الأشربة (٥٦١٥) عن عليّ، وقد أعاد
حديث الباب في أحاديثِ الأنبياءِ (٣٤٧٦)، وفي فضائل القرآن (٥٠٦٢)، ويأتي الكلامُ
عليه مُستَوفَّى هناك، والمقصود منه هنا قوله: فأخذتُ بيدِه فأتيت به رسولَ الله وَله، فإنَّه
المناسبُ للترجمة.

٥٤٥
باب ٢
كتاب الخصومات
قوله: ((سمعت رجلاً)) سيأتي أنَّه يحتملُ أن يُفَسَّرَ بعُمرَ حَلُه.
قوله: ((آية)) في ((المبهَمات)) للخطيبِ(١): أنَّها من سورة الأحقاف.
قوله: «قال شُعْبة» وهو بالإسناد المذكور.
وقوله: ((أظنُّه قال)) فاعِل القول رسولُ الله ◌َلآ، وهو بالإسناد المذكور.
الثاني والثالثُ: حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد في قِصَّة اليهودي الذي لَطَمَه
المسلمُ حيثُ قال: ((والذي اصطَفى موسى))، وسيأتي الكلامُ عليهما في أحاديثِ الأنبياءِ
(٣٣٩٨ و٣٤٠٨).
وقوله في حديث أبي سعيد: ((والذي اصطَفى موسى على البَشَرِ)) كذا للأكثر، وللكُشمِيهَني:
على النبيينَ.
الحديث الرابع: حديث أنس في قِصَّة اليهودي الذي رَضَّ رأسَ الجارية، وسيأتي الكلامُ
عليه في كتاب الدِّيَات (٦٨٧٦ و ٦٨٧٧) إن شاء الله تعالى.
٢- باب من ردّ أمر السفيه والضعيف العقل
وإن لم يكن حجر عليه الإمام
ويُذكَر عن جابرٍ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّهِرَدَّ على المتصَدِّقِ قبلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَّهَاهُ.
وقال مالكٌ: إذا كان لِرجلٍ على رَجُلٍ مالٌّ، وله عَبْدٌ ولا شيءَ له غيرُه، فأعتَقَه لم يَجُزْ عِثْقُه.
قوله: ((باب مَن رَدَّ أمرَ السَّفيه والضَّعيف العَقْلِ وإن لم يكن حجرَ عليه الإمام)) يعني:
وِفاقاً لابن القاسم، وقَصَرَه أصبَغُ على مَن ظَهَرَ سفَهُه، وقال غيره من المالكية: لا يُرَدُّ
مُطلَقاً إلَّا ما تَصَرَّفَ فيه بعدَ الْحَجرِ، وهو قولُ الشافعية وغيرهم، واحتَجَّ ابن القاسم
بِقِصَّة المديَّرِ حيثُ رَدَّ النبيِ ◌ّهِ بِيعَه قبلَ الحَجرِ عليه (٢)، واحتَجَّ غيره بقِصَّة الذي كان
(١) ((الأسماء المبهمة)) ص ٢٠٣.
(٢) سيذكر الحافظ الحدیث بعد قليل.

٥٤٦
باب ٢
فتح الباري بشرح البخاري
يُخْدَعُ في البيوعِ حيثُ لم يُحُجَر عليه ولم يُفسَخ ما تقدَّم من بيوعِه (١).
وأشار البخاري بما ذكر من أحاديث الباب إلى التَّفصيل بين مَن ظَهَرَت منه الإضاعةُ،
فيُرَدُّ تصرُّفُه فيما إذا كان في الشيءِ الكثير أو المستَغرِقِ، وعليه تُحمَلُ قِصَّة المدبّر، وبين ما إذا
كان في الشيء اليسير، أو جَعَلَ له شرطاً يأمَنُ به من إفساد ماله، فلا يُرَدُّ، وعليه تُحمَلُ
قِصَّة الذي كان يُخْدَع.
٧٢/٥
قوله: ((ويُذكَر عن جابر: أنَّ النبيِنَّهِ رَدَّ على المتصدِّقِ قبلَ النَّهي ثمَّ نَهاه)) قال عبد الحقّ:
مُرادُه قِصَّة الذي دَبَّرَ عبدَه فباعه النبيِ وَِّ، وكذا أشار إلى ذلك ابن بطَّال ومَن بعده، حتَّى
جعلَه مُغَلْطاي حُجَّة في الردِّ على ابن الصلاح، حيثُ قَرَّرَ أنَّ الذي يَذكُرُه البخاري بغير
صيغَة الْجَزم لا يكون حاكماً بصِخَّتِهِ، فقال مُغَلْطاي: قد ذكره بغير صيغة الجزم هنا، وهو
صحيحٌ عنده. وتَعَقَّبَه شيخُنا في ((النُّكَتِ على ابن الصلاح)) بأنَّ البخاري لم يُرِد بهذا
التَّعليق قِصَّةَ المدبّر، وإنَّما أراد قِصَّةَ الرجل الذي دَخَلَ والنبي ◌ِّهِ يَخْطُبُ، فأمَرَهم
فَتَصَدَّقوا عليه، فجاء في الثانية فَتَصَدَّقَ عليه بأحدٍ ثوبَيهِ، فَرَدَّ عليه النبي ◌َّ، قال: وهو
حديث ضعيفٌ، أخرجه الدّارَ قُطني(٢) وغيرُه.
قلت: لکن لیس هو من حديث جابر، وإنّما هو حديث أبي سعيد الخُدري، ولیس
بضعيفٍ، بل هو إمَّا صحيح وإمَّا حسن، أخرجه أصحابُ السُّنَن وصَخَّحَه التِّرمِذي
وابن خُزيمة وابن حِبَّان وغيرُهم(٣)، وقد بَسَطتُّ ذلك فيما كتبتُه على ابن الصلاح، والذي
(١) سلف برقم (٢١١٧)، وانظر الحديث التالي في الباب الذي بعده.
(٢) قال الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ٣٥٥/١: لم يرو الدار قطني قصة الداخل والنبي وَ ير يخطب،
فأمرهم فتصدقوا عليه من حديث جابر أصلاً، وسبب هذا الاشتباه أن القصّة شبيهة بحديث جابر
◌ُه في قصة سُليك الغَطَفاني التي أخرجها أصحاب الحديث الصحيح والدار قطني وغيرهم. لكن ليس
فيها قصة المتصدق وردِّ الصدقة علیه.
(٣) أخرجه أحمد (١١١٩٧)، وأبو داود (١٦٧٥)، وابن ماجه (١١١٣)، والترمذي (٥١١)، والنسائي
(١٤٠٨) (٢٥٣٦)، وابن خزيمة (١٧٩٩) وابن حبان (٢٥٠٣) و(٢٥٠٥١)، ورواية الترمذي
وابن ماجه وابن حبان الأولى مختصرة ليس فيها قصة الصدقة.

٥٤٧
باب ٣ / ح ٢٤١٤ -٢٤١٥
كتاب الخصومات
ظَهَرَ لي أوَّلاً أنَّه أراد حديثَ جابر في قِصَّة الرجل الذي جاء بَيضةٍ من ذَهَبٍ أصابَهَا في
مَعِدِنٍ، فقال: يا رسول الله خُذها منِّي صدقةً، فوالله ما لي مالٌ غيرُها، فأعرَضَ عنه، فأعاد
فحَذَّفَه بها، ثمَّ قال: ((يأتي أحدُكُم بماله لا يَملِكُ غَيْرَه فِيَتَصَدَّقُ به، ثمَّ يَقعُدُ بعدَ ذلك
يَتَكَفَّفُ الناسَ، إنَّما الصَّدَقَةُ عن ظَهرِ غِنَّى)) وهو عند أبي داود (١٦٧٣) وصحَّحَه ابن
خُزَيمة (٢٤٤١).
ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ البخاري إنَّما أراد قِصَّةَ المديَّرِ كما قال عبد الحقّ، وإنَّما لم يَجِزِم به لأنَّ القَدْرَ
الذي يحتاجُ إليه في هذه التَّرجمة ليس على شرطِهِ، وهو من طريق أبي الزُّبَير عن جابر أنَّه
قال: أعتَقَ رجلٌ من بني عُذْرة عبداً له عن دُبُر، فبَلَغَ ذلك رسولَ الله وَلِّ، فقال: ((أَلَكَ
مالٌ غيرُه؟)) فقال: لا، الحديثَ، وفيه: ثمَّ قال: ((ابدأ بنفسِك فتَصَدَّق عليها، فإن فضَلَ
شيءٌ فلأهلِك)) الحديثَ(١)، وهذه الزِّيادة تفرَّد بها أبو الزُّبَير عن جابر، وليس هو من شرط
البخاري، والبخاري لا يَجْزِمُ غالباً إِلَّا بما كان على شرطِه، والله أعلم.
قوله: ((وقال مالكٌ ... )) إلى آخره، هكذا أخرجه ابن وَهْبٍ في ((موطَّتِه)) عنه، وأخذَ مالك
ذلك من قِصَّة المدَِّّ کما تَری.
٣- باب من باع على الضعيف ونحوه فدفع ثمنه إليه وأمره بالإصلاح
والقيام بشأنه فإن أفسد بعدُ مَنَعَه
لأنّ النبيَّ ◌َّهُ نَهَى عن إضاعةِ المالِ.
وقال للّذي يخدع في البيع: ((إذا بعت فقل: لا خلابة)) ولم يأخذ النبيّ وَّ ماله.
٢٤١٤ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُسلِمٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دینارٍ،
قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، قال: كان رجلٌ يُخْدَعُ في البيع، فقال النبيُّ ◌َّ: ((إذا
بايعتَ فقُلْ: لا خِلَابةَ))، فكان يقولُه.
(١) أخرجه مسلم (٩٩٧)، وأبو داود (٣٩٥٧)، والنسائي (٤٦٥٢)، وأصله عند البخاري، انظر الحديث
(٢٤١٥) في الباب التالي.

٥٤٨
باب ٣-٤ / ح ٢٤١٥ -٢٤١٩
فتح الباري بشرح البخاري
٢٤١٥ - حدَّثنا عاصِمُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن محمَّدِ بنِ المنْکَلِرِ، عن جابرِ
أنَّ رجلاً أعتَقَ عَبْداً له ليسَ له مالٌ غيرُهُ، فَرَدَّه النبيُّ ◌َّهِ، فابْتَاعَه منه نُعيمُ بنُ النَّحَامِ.
قوله: ((ومَن باع على الضَّعيفِ ونحوه فدَفَعَ ثمنَه إليه وأمَرَه بالإصلاح ... )) إلى آخره،
هكذا للجميع، ولأبي ذرِّ هنا: ((باب مَن باع ... )) إلى آخره، والأوَّل أليَقُ، وقد تقدَّم توجيه
ما ذكره في هذا الموضع، وأنَّه لا يُمنَعُ من التَّصَرُّفِ إلَّا بعدَ ظهور الإفساد، وقد مضى
الكلامُ على حديث النَّهي عن إضاعة المال قبلَ بابين (٢٤٠٨).
وحديث الذي يُخْدَعُ في كتاب البيوع (٢١١٧).
ويأتي حديثُ المدبَّرِ في كتاب العتق (٢٥٣٤) إن شاء الله تعالى.
٧٣/٥
٤- باب کلام الخصوم بعضھم في بعضٍ
٢٤١٦، ٢٤١٧ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا أبو معاويةَ، عن الأعمَشِ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ الله
له، قال: قال رسولُ الله وَّهُ: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ وهو فيها فاجرٌ لِيَقْتَطِعَ بها مالَ امرِئٍ
مُسلِمٍ لَقِيَ الله وهو عليه غَضْبانُ)) قال: فقال الأشْعَثُ: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجلٍ
مِن اليهودِ أرضٌ، فجَحَدَني فقَدَّمْتُه إلى النبيِّ وَلَ، فقال لي رسولُ الله ◌َّ: ((أَلَكَ بَيِّنة؟)) قلتُ:
لا، قال: فقال اليهوديّ: ((احلِفْ)) قال: قلتُ: يا رسولَ الله إِذاً يَخْلِفَ وَيَذْهَبَ بمالي: فَأَنْزَلَ الله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ تَمَنَّقَلِيلًا﴾ إلى آخرِ الآية [آل عمران: ٧٧].
٢٤١٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عمرَ، حدَّثنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، عن
عبدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ مالكِ، عن كَعْبٍ ﴾: أنَّه تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيناً كان له عليه في
المسجدِ، فارْتَفَعَت أصواتُهما، حتَّى سمعَها رسولُ الله ◌َّهِ وهو في بيتِهِ، فخَرَجَ إليهما حتَّى كَشَفَ
◌ِجْفَ حُجْرَتِهِ، فنادَى: ((يا كَعْبُ)) قال: لَبَِّكَ يا رسولَ الله. قال: ((ضَعْ من دَينِكَ هذا)) وأَوْماً
إليه، أيٍ: الشَّطرَ، قال: لقد فعلتُ يا رسولَ الله، قال: ((قُمْ فَاقْضِهِ)).
٢٤١٩ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيِ،
عن عبد الرحمن بنِ عَبْدِ القاريِّ، أنَّه قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطّاب ﴾ يقول: سمعتُ هشامَ

٥٤٩
باب ٤ / ح ٢٤١٦ - ٢٤١٩
كتاب الخصومات
ابنَ حَكِيمٍ بنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سورةَ الفُرْقانِ على غيرِ ما أقرَؤُها، وكان رسولُ الله ◌َِّ أقرَأَنيها،
وكِدْتُ أعجَلُ عليه، ثمَّ أمهَلْتُهُ حتَّى انصَرَفَ، ثمَّ لَبَّبْتُه بِرِدائِهِ فَجِئْتُ به رسولَ اللهِِّ، فقلتُ:
إنّ سمعتُ هذا يَقْرَأُ على غيرِ ما أقرَ أْ تَنيها، فقال لي: ((أرسِلْه)) ثمّ قال له: ((اقرَأْ)) فقرأَ، قال:
((هكذا أُنزِلَتْ)) ثمَّ قال لي: ((اقرَأْ)) فقرأتُ، فقال: ((هكذا أُنزِلَت، إنَّ القرآنَ أُنزِلَ على سَبْعِةِ
أحرُفٍ، فاقرؤُوا منه ما تَيسَّرَ)).
[أطرافه في: ٤٩٩٢، ٥٠٤١، ٦٩٣٦، ٧٥٥٠]
قوله: ((باب كلامِ الخصومِ بعضِهم في بعض)) أي: فيما لا يُوجِبُ حَدّاً ولا تعزيراً، فلا
يكون ذلك من الغيبة المحَرَّمة.
ذكر فيه أربعة أحاديثَ:
الأول والثاني: حديث ابن مسعود والأشعَث في نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
بِعَهْدِ اللّهِ﴾ وقد تقدَّم قريباً في ((باب الخصومة في البِرِ)) (٢٣٥٦)، والغَرَض منه قوله: قلت:
يا رسول الله، إذاً يَحِلِفَ ويذهبَ بمالي، فإنَّه نَسَبَه إلى الخَلِفِ الكاذب ولم يُؤاخَذ بذلك، لأنَّه
أخبر بما يعلمُه منه في حال التَّظَلُّم منه.
الثالث: حديث كعب بن مالك: / أنَّه تَقاضَ ابنَ أبي حَدرَد دَیناً ... الحديث، وقد تقدَّم ٧٤/٥
الكلامُ عليه في ((باب النَّقاضي والملازَمة في المسجد)) (٤٥٧)، وليس الغَرَض منه هنا قوله:
فارتَفَعَت أصواتُهما، فإِنَّه غيرُ دالٌّ على ما تَرجَمَ به، لكن أشار إلى قوله في بعضٍ طرقه:
فتَلاحيا، وقد تقدَّم أنَّ ذلك كان سبباً لرفع ليلة القَدرِ (٢٠٢٣)، فدَلَّ على أنَّه كان بينهما
كلامٌ يقتضي ذلك، وهو الذي يُثبِتُ ما تَرجَمَ به.
الرابع: حديث عمرَ في قِصَّتِه مع هشام بن حكيم في قراءة سورة الفُرقان، وفيه مع
إنكاره عليه بالقول إنكارُه عليه بالفعلِ، وذلك على سبيل الاجتهاد منه، ولذلك لم يُؤاخَذ
به. وسيأتي الكلامُ عليه في فضائل القرآن (٤٩٩٢).

٥٥٠
باب ٥-٦ / ح ٢٤٢٠ -٢٤٢١
فتح الباري بشرح البخاري
٥- باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة
وقد أخرج عمرُ أختَ أبي بكرٍ حين ناحَتْ.
٢٤٢٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّار، حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي عَديٍّ، عن شُعْبةَ، عن سعدِ بنِ
إبراهيمَ، عن مُميد بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ
بالصَّلاةِ فتُقَامَ، ثمَّ أَخالفَ إلى مَنازِلِ قومٍ لا يَشْهَدونَ الصَّلاةَ، فأُحرِّقَ عليهم)).
قوله: ((باب إخراج أهلِ المعاصي والخصومٍ من البيوتِ بعدَ المعرِفَةِ)) أي: بأحوالهم، أو
بعدَ مَعرِفَتِهم بالحكم، ویکون ذلك على سبيل التَّادیبِ لهم.
قوله: ((وقد أخرج عُمر أُختَ أبي بكر حين ناحت)) وَصَلَه ابن سعد (٢٠٨/٣) في
(الطَّقات)) بإسنادٍ صحيح من طريق الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّبِ، قال: لمَّا تُوُقّي أبو
بكر أقامت عائشة عليه النَّوحِ، فَبَلَغَ عمرَ، فنَهاهُنَّ فأبين، فقال لهشام بن الوليد: أَخرِج إليَّ
بنت أبي قُحافة - يعني أُمَّ فَرْوَة - فَعَلَاها بالدِّرَّة ضَرَباتٍ، فَتَفَرَّقَ النَّوائح حينَ سمعنَ
بذلك، ووَصَلَه إسحاق بن راهويه في («مسندِه)) من وجهٍ آخرَ، عن الزُّهْري، وفيه: فجعلَ
يُجْرِجُهُنَّ امرأةً امرأةً وهو يَضِرِبُهُنَّ بالدِّرَّة.
ثمَّ ذكر المصنِّفُ حديث أبي هريرة في إرادة تحريق البيوت على الذينَ لا يَشهَدون
الصلاةَ، وقد مضى الكلام عليه في ((باب وُجوب صلاة الجماعة)) (٦٤٤)، وغَرَضه منه أنَّه
إذا أحرَقَها عليهم بادروا بالخروجِ منها، فثبتَ مشروعيةُ الاقتصار على إخراج أهل
المعصية من باب الأَولى، ومَحَلّ إخراج الخصوم إذا وقع منهم من المِراء واللَّدَد ما يقتضي
ذلك.
٦ - باب دعوى الوصيّ للمبت
٢٤٢١- حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ
رضي الله عنها: أنَّ عَبْدَ بنَ زَمْعَةً وسعدَ بنَ أبي وَقّاصِ اختَصَها إلى النبيِّ وََّ فيِ ابنِ أَمَةِ زَمْعَةَ،
فقال سعدٌ: يا رسولَ الله، أَوصافي أخي: إذا قَدِمتَ أنِ انظُرُ ابنَ أَمَةِ زَمْعةَ، فاقِضْه فإنَّه ابني،

٥٥١
باب ٧ / ح ٢٤٢٢
كتاب الخصومات
وقال عَبدُ بنُ زَمْعَةَ: أخي وابنُ أَمَةِ أَبي، وُلِدَ على فراش أبي. فرأى النبيُّ ◌َّهِ شَبَهاً بيِّناً بعُنْبةَ،
فقال: ((هو لكَ يا عَبْدُ بنَ زَمْعةَ، الولدُ للْفِراشِ، واحتَجِبِي منه یا سَوْدُ)).
قوله: ((باب دعوى الوصيِّ للميت)) أي: عن الميت في الاستلحاق وغيره من الحقوق، ذكر ٧٥/٥
فيه حديث عائشة في قصة سعد وابنٍ زَمْعة، قال ابن المنّر ما ملخَّصُه: دعوى الوصيّ عن
المُوصَى عليه لا نزاع فيه، وكأن المصنف أراد بيان مستنَد الإجماع، وستأتي مباحث الحديث
المذكور في كتاب الفرائض (٦٧٤٩)، ومضى بأتمَّ من هذا السياق في أوائل كتاب البيوع
(٢٢١٨).
٧- باب التّوثُّق ممن تُخشى مَعرَّته
وقَيَّدَ ابنُ عبَّاسٍ عِكْرمةَ على تعليم القُرآنِ والسُّنَنِ والفرائضِ.
٢٤٢٢ - حدَّثْنَا قُتَيبةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن سعيد بنِ أبي سعيدٍ، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ ﴾
يقول: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَّ خَيلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فجاءت برجلٍ من بني حنيفةَ يقال له: ثُمامةُ بنُ
أُثَالٍ سَيِّدُ أهلِ اليَمَامَةِ، فَرَبَطُوه بساريةٍ من سَوَاري المسجدِ، فخَرَجَ إليه رسولُ الله ◌ِوَِّ، فقال:
((ما عندَكَ يا ثُمَامة؟)) قال: عندي يا محمَّدٌ خيرٌ ... فَذَكَرَ الحديثَ، فقال: ((أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ)).
قوله: ((باب التَّوَثُّق مَمَّن تُخْشَى مَعَرَّته)) بفتح الميمِ والمهمَلة وتشديد الراء، أي: فسادُه وعَبَتُه.
قوله: ((وَقَيَّدَ ابنُ عبَّاس عِكْرِمة على تعليمِ القرآنِ والسُّنَنِ والفرائضِ) وَصَلَه ابن سعد في
((الطَّقات)) (٣٨٦/٢) وأبو نعيم في «الحِلية)) (٣٢٦/٣) من طريق حمَّد بن زيد، عن الزُّبَير
بن الخِّيت - بكسر المعجَمة والراء المشَدَّدة بعدَها تحتانية ساكنة ثمَّ مُثنَّة - عن عِكرمةَ،
قال: كان ابن عبّاس يجعلُ في رِجْلِي الكَبْلَ، فَذَكَره، والكَبْل بفتح الكاف وسكون الموحّدة
بعدَها لام: هو القَید.
ثم ذكر حديث أبي هريرة في قِصَّة تُمامة بن أُثَالٍ مختصراً، والشّاهد منه قوله: فرَبَطوه
بساريةٍ من سواري المسجدِ. وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوفّى في كتاب المغازي (٤٣٧٢) إن
شاء الله تعالى.

٥٥٢
باب ٨ / ح ٢٤٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
٨- باب الرَّبْط والحبس في الحرم
واشتَرى نافعُ بنُ عبدِ الحارثِ داراً للسَّجْنِ بمَكّةَ من صَفْوانَ بنِ أَمِيَّةَ على إن رضيَ عمرُ
فالبيعُ بيعُهُ، وإن لم يَرْضَ عمرُ فِلِصَفْوانَ أرَبَعُ مئةِ دينارٍ. وسَجَنَ ابنُ الزُّبَيرِ بِمَكّةَ.
٢٤٢٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، سمعَ
أبا هريرةَ ظُ، قال: بَعَثَ النبيُّ ◌َِّ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فجاءت برجلٍ من بني حنيفةً يقال له:
ثُمَامةُ بنُ أُثَالٍ، فَرَبَطوه بساريةٍ من سَواري المسجدِ.
قوله: ((باب الرَّبْط والحَبْس في الحَرَم)» كأنَّه أشار بذلك إلى رَدِّ ما ذُكِرَ عن طاووس،
فعند ابن أبي شَيْبة(١) من طريق قيس بن سعد عنه: أنَّه كان يكره السجْنَ بمكَّة، ويقول: لا
ينبغي لبيت عذابٍ أن يكون في بيت رحمة. فأراد البخاري مُعارَضة قول طاووس بأثرٍ عمرَ
وابن الزُّبَيرِ وصفوان ونافع، وهم من الصحابة، وقَوّى ذلك بقِصَّة ثُمامة وقد رُبِطَ في
مَسجِدِ المدينة، وهي أيضاً حَرَمٌ فلم يَمنَع ذلك من الرَّبطِ فیه.
٧٦/٥
قوله: ((واشترى نافع بن عبد الحارث داراً للسَّجْنِ بِمَكَّةَ ... )) إلى آخره، / وَصَلَه عبد الرَّزّاق
(٩٢١٣) وابن أبي شَيْبة (٧/ ٣٠٦) والبيهقي (٣٤/٦) من طرقٍ(٢) عن عَمْرو بن دينار عن
عبد الرحمن بن فُرُّوخ به. وليس لنافع بن عبد الحارث ولا لصفوان بن أُميّة في البخاري
سوى هذا الموضع.
واستُشكِلَ ما وقع فيه من التَّرديد في هذا البيعِ حيثُ قال: إن رضيَ عمر فالبيع بيعه،
وإن لم يَرْضَ فِلِصفوان أربعُ مئة. ووَجَّهَه ابن المنيِر بأنَّ العُهدةَ في ثمن المبيع على المشتري
وإن ذكر أنَّه يشتري لغيره، لأنَّه المباشرُ للعقدِ. انتهى، وكأنَّه وقَفَ مع ظاهرِ اللَّفظِ المعَلَّق
(١) في ((المصنف)) (١٦٠٨٣) طبعة اللحيدان والجمعة.
(٢) ذكر الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٣٢٧/٣ أن عبد الرزاق رواه عن معمر وابن عيينة وابن جريج
ثلاثتهم عن عمرو بن دينار، لكن وقع في النسخة التي بين أيدينا من ((المصنف)) في إسناد هذا الأثر
تشویش واضطراب.

٥٥٣
باب ٨ / ح ٢٤٢٣
كتاب الخصومات
ولم يَرَ سياقَه تامّاً، فظنَّ أنَّ الأربع مئة هي الثَّمَن الذي اشترى به نافع، وليس كذلك، وإِنَّا
كان الثَّمَن أربعة آلاف، وكان نافعٌ عاملاً لعُمر على مكَّةَ، فلذلك اشترَطَ الخيارَ لعُمر بعدَ
أن أوقَعَ العقدَ له، كما صَرَّحَ بذلك كلِّه مَن ذكرتُ أنَّهم وصَلوه، وأمَّا كَونُ نافع شَرَطَ
لصفوان أربعَ مئة إن لم يَرضَ عمر، فيُحتَمَلُ أن يكون جَعلها في مُقابلة انتفاعه بتلكَ الدّار
إلى أن يعود الجوابُ من عُمر.
وأخرج عمر بن شَبَّة في ((كتاب مكَّة)) عن محمد بن يحيى أبي غسّان الكناني عن هشام
ابن سليمان، عن ابن جُرَيج: أنَّ نافع بن عبد الحارث الخُراعي كان عاملاً لعُمر علی مگَّة،
فابتاع داراً للسَّجن من صفوان، فذكر نحوه، لكن قال بدل الأربع مئة: خمس مئة، وزاد في
آخره: وهو الذي يقال له: سِجن عارم، بمُهمَلتین.
قوله: ((وسَجَنَ ابن الزُّبَيرِ بِمَكَّةَ)) وَصَلَه خليفة بن خَيّاط في ((تاريخه))، وأبو الفَرَج
الأصبهاني في ((الأغاني)) (٩/ ٢٠ و١٤٦/١٥) وغيرهما من طرق، منها ما رواه الفاكهي
(٢١٦٧) من طريق عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، يعني: ابن الحنفية قال: أخذَني
ابن الزُّبَير فحَبَسَني في دار النَّدوَة في ◌ِجن عارمٍ، فانفَلَتُّ منه فلم أزل أتخَطّى الجِبالَ حتَّى
سقَطْتُ على أبي بمِنَّى. وفي ذلك يقول كُثِر عَزَّة يُخَاطِبُ ابن الزُّبَير:
تُخبِّرُ مَن لاقَيتَ أنَّكَ عائذٌ (١) بل العائِذُ المظلومُ في سجنٍ عارِمِ
وذكر الفاكِهِيُّ أنَّه قيل له: سِجن عارم، لأنَّ عارماً كان مَولّى لُصعَب بن عبد الرحمن بن
عَوْف، فغَضِبَ عليه فبَنَى له ذِراعاً في ذِراعٍ، ثمَّ سَدَّ عليه البناءَ حتَّى غَيَّبَه فيه فماتَ، فسُمّ
ذلك المكانُ سِجنَ عارم، قال الفاكِهي: وكان السِّجن في دُبُر دار النَّدوَة.
وذكر عمر بن شَبَّ أَنَّ سببَ غَضَب مُصعَبٍ على عارمِ أنَّ عارماً كان مُنقَطِعاً إلى عَمرو
ابن سعيد بن العاص، فلمَّا جَهَّزَ عَمرو البَعث بأمر يزيد بن معاوية إلى ابن الزُّبَير بمكَّة
(١) في (ع) و(س): عابد، بالباء الموحدة والدال المهملة، وأُهملتا في (أ)، وما أثبتناه من ((أخبار مكة)) للفاكهي،
وهو كذلك في ((الكامل)» للمبرد ١١٢٤/٣ و١١٩٣، وفي «الأغاني)) للأصفهاني ٢٢/٩.

٥٥٤
باب ٩- ١٠ / ح ٢٤٢٤ -٢٤٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
صَحِبَه عَمرو بن الزُّبَير - وكان يُعادي أخاه عبدَ الله - فخَرَجَ عارم في ذلك الجيشِ فظَفِرَ به
مُصعَبٌ ففَعَلَ به ما فعَلَ.
ثمَّ ذكر المصنِّفُ طَرَفاً من حديث أبي هريرة في قِصَّة تُمامة، وقد سبقَ في الباب الذي قبلَه.
٩ - باب في الملازمة
٢٤٢٤ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حذَّثنا اللَّيْثُ، عن جعفر بنِ رَبيعةَ - وقال غيرُه: حدَّثني
اللَّيْثُ، قال: حدَّثني جعفرُ بنُّ رَبيعةَ - عن عبد الرحمن بنِ هُرْمُزَ، عن عبدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ
مالكِ الأنصاريِّ، عن كَعْبٍ بنِ مالكِ ﴾: أنَّه كان له على عبدِ الله بنِ أبي حَدْرَدٍ الأسلَميِّ
دَيْنٌ، فَلَقيَه فَلَزِمَه، فتكلَّما حتَّى ارْتَفَعَت أصواتُهما، فمَرَّ بهما النبيُّ ◌ََِّ، فقال: ((يا كَعْب)) وأشارَ
بيدِه كأنَّه يقول: النِّصْفَ، فأخذَ نِصْفَ ما عليه وتَرَكَ نِصْفاً.
قوله: «باب في الملازَمِ)) ذکر فیه حدیث کعب بن مالك: أنَّه کان له علی عبد الله بن أبي
حَدَرَدٍدَينٌ، وقد تقدَّم الكلام عليه في باب التَّقاضي والملازَمة في المسجدِ (٤٥٧).
٧٧/٥
قوله فيه: ((حدَّثنا يحيى بن بُكَير، حدّثنا اللَّيث، عن جعفر - وقال غيره: حدَّثني اللَّث،
قال: حدَّثني جعفر بن ربيعة)) وصَلَه الإسماعيلي من طريق شعيب بن اللَّث عن أبيه. ووقع
في رواية الأَصِيلي وكَرِيمة قبلَ هذه التَّرجمة بسملة، وسَقَطَت للباقينَ.
١٠ - باب التقاضي
٢٤٢٥ - حذَّثنا إسحاقُ، حَدَّنا وهْبُ بنُ جَرِيرِ بنِ حازِمٍ، أخبَرَنا شُعْبَةُ، عن الأعمَشِ، عن
أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، عن نخَّابٍ، قال: كنتُ قَيْناً في الجاهليَّةِ، وكان لي على العاصِ بنِ
وائلٍ دراهمٌ، فأتيتُهُ أتقاضاه، فقال: لا أقضيكَ حتَّى تَكْفُرَ بمحمَّدٍ، فقلتُ: لا والله لا أكفُرُ
بمحمَّدٍ وَّةِ، حتَّى يُميَكَ الله، ثمَّ يَبْعَثَكَ، قال: فَدَعْني حتَّى أموتَ ثمَّ أَبْعَثَ، فأوتَى مالاً وولَداً،
ثُمَّ أقضيَكَ. فنزلتْ: ﴿أَفَرَءَ يْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيْرَ مَالَا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧].
قوله: ((باب التَّقاضي)) أي: المطالَبة، ذكر فيه حديث خبّاب بن الأرتِّ في مطالبة
العاصي بن وائل، وسيأتي شرحه في تفسير سورة مريم (٤٧٣٢ -٤٧٣٥) إن شاء الله تعالى.

٥٥٥
كتاب الخصومات
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الاستقراض وما معه من الحَجْرِ والتَّفليسِ وما اتَّصَلَ به من
الإشخاص والملازَمة على خمسينَ حديثاً، المعَلَّق منها ستّة، المكرّر منها فیه وفيما مضى ثمانية
وثلاثون حديثاً والبقية خالصة، وافقَه مسلم على جميعِها سوى حديث أبي هريرة: ((مَن
أخذَ أموال الناس يريدُ إتلافَها))، وحديث: ((ما أُحِبُّ أنَّ لي أُحُداً ذَهَباً))، وحديث: ((لَيُّ
الواجد»، وحديث ابن مسعود في الاختلاف في القراءة.
وفيه من الآثار عن الصحابة ومن بعدَهم اثنا عشرَ أثراً. والله أعلم بالصواب.

٥٥٧
باب ١ / ح ٢٤٢٦
كتاب اللقطة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب اللَّقَطَة
٧٨/٥
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب اللُّقَطَة)) كذا للمُستَملي والنَّسَفي، واقتَصَرَ الباقون
على البسملة وما بعدها. واللَّقَطَةُ: الشيء الذي يُلَقَط، وهو بضمِّ اللَّام وفتح القاف على
المشهورِ عند أهل اللُّغَة والمحَدِّثينَ، وقال عياض: لا يجوزُ غيرُه، وقال الَّتَخْشَري في
((الفائقِ)): اللَّقَطةُ، بفتح القاف، والعامَّةُ تُسَكِّنُها. كذا قال، وقد جَزَمَ الخليلُ بأنَّها
بالسُّكون، قال: وأمَّا بالفتح فهو اللَّاقطُ، وقال الأزهَري: هذا الذي قاله هو القياس،
ولكنَّ الذي سُمِعَ من العربِ وأجمَعَ عليه أهلُ اللُّغَة والحديثِ الفتحُ.
وقال ابن بَرّي: التحريكُ للمفعول نادر، فاقتَضى أنَّ الذي قاله الخليلُ هو القياس.
وفيها لُغَتَان أيضاً: لُقاطةٌ بضمِّ اللَّام، ولَقَطُّ(١) بفتحِها، وقد نَظَمَ الأربعةَ ابنُ مالك حيثُ
قال:
لُقَاطةٌ ولُقْطةٌ ولُقَطَهْ ولَقَطٌ ما لاقِطٌ قد لَقَطَهْ
ووَجَّهَ بعض المتأخِّرينَ فتح القاف في المأخوذِ أنَّه للمُبالَغَة، وذلك لمعنّى فيها اختَصَّت به،
وهو أنَّ كلَّ مَن يَراها يَميلُ لأخذِها، فسُمّيَت باسمِ الفاعل لذلك.
١ - بابٌ إذا أخبره ربُّ اللُّقَطة بالعلامة دَفَع إليه
٢٤٢٦- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنا شُعْبة. وحدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّار، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثْنَا شُعْبةُ،
عن سَلَمَةَ، سمعتُ سُوَيَدَ بنَ غَفَلَةَ قال: لَقِيتُ أَبيَّ بِنَ كَعْبٍ ﴾، فقال: أصبْتُ صُرّةً فيها متّةُ
دينارٍ، فأتيتُ النبيَّ ◌َّةِ، فقال: ((عَرِّفْها حَوْلاً) فعَرَّفتُها، فلم أجِدْ مَن يَعْرِفُها، ثمَّ أتيتُه، فقال:
(١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: لقطة، والتصويب من نظم ابن مالك الذي ذكره الحافظ، وكذلك في
((اللسان)) في مادة (لقط).

٥٥٨
باب ١ / ح ٢٤٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
((عَرِّفْها حَوْلاً)) فعَرَّفَتُها، فلم أجِد، ثمَّ أتيتُه ثلاثاً، فقال: ((احفَظ وِعاءَها وعَدَدَها ووِكاءَها،
فإن جاء صاحبُها، وإلا فاستَمْتِعِ بها)» فاستَمْتَعْتُ، فَلَقيتُهُ بعدُ بمَكّةَ، فقال: لا أدري: ثلاثةً
أحوالٍ أو حَوْلاً واحداً.
[طرفه في: ٢٤٣٧]
قوله: ((بابٌ إذا أخبَرَه رَبّ اللَّقَطَةِ بالعلامةِ دَفَعَ إليه)) أورَدَ فيه حديثَ أُبيّ بن كعب:
أَصَبتُ صُرَّة فيها مئة دينارٍ، كذا للمُستَملي، وللكُشمِيهَني: وجدتُ، وللباقينَ: أخذتُ. ولم
يقع في سياقه ما تَرجَمَ به صريحاً، وكأنَّه أشار إلى ما وقع في بعضِ طرقه كما سيأتي ذِكْره.
قوله: ((حدَّثنا آدم، حدَّثنا شُعْبة. وحدَّثني محمد بن بَشّار، حدَّثنا غُندَر، حدَّثنَا شُعْبة))
هكذا ساقه عالياً ونازِلاً، والسّياق للإسناد النازِل. وقد أخرجه البيهقي (١٨٦/٦) من
طريق آدم مُطوَّلاً.
قوله: ((فإن جاء صاحبها وإلّ فاستَمْتِع بها)) في رواية حَمَّاد بن سَلَمَةَ وسفيان الثَّوري
وزيد بن أبي أُنيسة عند مسلم (١٧٢٣/ ١٠) وأخرجه أحمد (٢١١٦٦) والتِّرمِذي (١٣٧٤)
والنَّسائي (ك٥٧٩٤) من طريق الثَّوري، وأحمد (٢١١٧٠) وأبو داود (١٧٠٣) من طريق
حمّاد، كلّهم عن سَلَمَةَ بن كُهَيلِ في هذا الحديثِ: ((فإن جاء أحد يُبِرُك بعَدَدِها ووِعائها
ووِكائها فأعطِها إياه)) لفظ مسلم. وأمَّا قولُ أبي داود: إنَّ هذه الزّيادةَ زادها حَمَّد بن سَلَمَةَ
وهي غيرُ محفوظَةٍ، فَتَمسَّكَ بها مَن حاوَلَ تَضعيفها فلم يُصِب، بل هي صحيحة، وقد
عَرَفتَ مَن وافقَ حَمَّاداً عليها وليست شاذَّة.
٧٩/٥
وقد أخذَ بظاهرها مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسِه صِدقُه،
جازَ أن يَدِفَعَ إليه، ولا يُحِبَرُ على ذلك إلَّ بيِّنة، لأنَّه قد يُصيبُ الصِّفةَ.
وقال الخطَّابي: إن صَخَّت هذه اللَّفظَةُ لم يَجُز مُخَالَفَتها، وهي فائدة قوله: ((اعرِف
عِفاصَها ... )) إلى آخره، وإلَّا فالاحتياط مع مَن لم يَرَ الردَّإِلَّا بالبيِّنَة، قال: ويُتأوَّلُ قوله: ((اعرِف
عِفاصها)) على أنَّه أمَرَه بذلك لئلا تَّخْتَلِطَ بماله، أو لتكون الدَّعوى فيها معلومة، والله أعلم.

٥٥٩
باب ١ / ح ٢٤٢٦
كتاب اللقطة
وذكر غيره من فوائد ذلك أيضاً أن يُعرَف صِدقُ المدَّعي من كذبِه، وأنَّ فيه تنبيهاً على
حفظ الوِعاءِ وغيره، لأنَّ العادةَ جَرَت بإلقائه إذا أُخِذَتِ النَّفَقة، وأنَّه إذا نَبَّهَ على حفظ
الوِعاءِ، كان فيه تنبيه على حفظ المال من باب الأَولى.
قلت: قد صَخَّت هذه الزِّیادة فتَعَّنَ المصیر إليها، وستأتي أيضاً في حدیثِ زید بن خالد
في آخر أبواب اللُّقَطة (٢٤٣٨).
وما اعتَلَّ به بعضُهم من أنَّه إذا وصَفَها فأصابَ فدَفَعَها إليه فجاء شخصٌ آخرُ
فَوَصَفَها فأصابَ لا يقتضي الطَّعْنَ في الزّيادة، فإنَّه يصيرُ الحكمُ حينئذٍ كما لو دَفَعَها إليه
بالبيِّنَة فجاء آخرُ فأقام بيِّنَةً أُخرى أنَّها له، وفي ذلك تفاصيل للمالكية وغيرهم.
وقال بعض مُتأخّري الشافعية: يُمكِنُ أن يُحِمَلَ وُجوب الدَّفع لمن أصابَ الوَصفَ على
ما إذا كان ذلك قبلَ الثَّمَلُّك، لأَنَّه حينئذٍ مالٌ ضائعٌ لم يَتَعَلَّق به حَقُّ ثانٍ، بخلاف ما بعدَ
الثَّمَلُّكِ، فإنَّه حينئذٍ يحتاجُ المَدَّعي إلى البيّنة لعُمومٍ قوله وََّ:((البيّنة على المدَّعي))(١)، ثمَّ قال:
أمَّا إذا صَحت الزِّيادة فتُخَصُّ صورة المُلتَقِط من عُموم: ((البيّنة على المدَّعي))، والله أعلم.
وقوله: ((احفَظْ وِعاءَها وعَدَدَها ووِكاءَها))، الوِعاء: بالمدِّ وبكسر الواو، وقد تُضَمّ، وقرأ
بها الحسن في قوله: ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦]، وقرأ سعيد بن جُبَير: ((إعاء)) بقلب
الواو المكسورة همزةً. والوِعاءُ: ما يُجعَلُ فيه الشيء، سواء كان من جِلدٍ أو خَزَفٍ أو خَشَبٍ
أو غير ذلك. والوِكاءُ، بكسر الواو والمدِّ: الخيط الذي تُشَدُّ به الصُّرَّة وغيرها. وزاد في
حديثٍ زيد بن خالد: ((العِفاص)) وسيأتي ذِكرُه وشرحه وحكم هذه العلامات في الباب
الذي بعده.
قوله: ((فَلَقيتُه بعدُ بمَكََّ)) القائل شُعبة، والذي قال: لا أدري: هو شيخُه سَلَمَ بن گُهَیل،
وقد بيَّنَه مسلم (٩/١٧٢٣) من رواية بَهْز بن أسدٍ عن شُعبة: أخبرني سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ،
واقتصَّ الحديثَ، قال شُعْبة: فسمعتُه بعدَ عشرٍ سِنينَ يقول: ((عَرِّفها عاماً واحداً). وقد بيَّنَه
(١) صحيح بطرقه وشواهده. انظر ((جامع العلوم والحكم)) ٢٢٦/٢ -٢٣٠، و«كشف الخفاء)) ٣٤٢/١-٣٤٣.

٥٦٠
باب ١ / ح ٢٤٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
أبو داود الطَّيالسي في «مسنده)) أيضاً (٥٥٤) فقال في آخرِ الحديثِ: قال شُعبة: فَلَقيتُ سَلَمةَ
بعدَ ذلك، فقال: لا أدري: ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً.
وأغرَبَ ابن بطَّالٍ، فقال: الذي شكَّ فيه هو أُبيّ بن كعب، والقائل هو سُوَيد بن غَفَلة.
انتَهى. ولم يُصِب في ذلك وإن تَعَه جماعةٌ منهم المنذريّ، بل الشكّ فیه من أحدٍ رواته، وهو
سَلَمَةَ لِمَا استَئِبَتَه فيه شُعبة، وقد رواه غير شُعبة عن سَلَمَةَ بن كُهَيلِ بغير شكِّ جماعةٌ، وفيه
هذه الزِّيادة، وأخرجها مسلم (١٧٢٣/ ١٠) من طريق الأعمَش والثّوري وزيد بن أبي
أنيسة وحَمَّاد بن سَلَمَةَ، كلّهم عن سَلَمَةَ، وقال: قالوا في حديثهم جميعاً: ((ثلاثة أحوال)) إلَّا
حَمَّاد بن سَلَمةَ فإنَّ في حديثه: ((عامين أو ثلاثة)).
وَمَعَ بعضُهم بين حديث أُيِّ هذا وحديث زيد بن خالد الآتي في الباب الذي يَليهِ،
فإِنَّه لم يُخْتَلَف عليه في الاقتصار على سنةٍ واحدةٍ، فقال: يُحِمَلُ حديث أُبيّ بن كعب على
مَزيد الوَرَعِ عن التَّصَرُّفِ في اللَّقَطة والمبالَغَة في التَّعَفُّفِ عنها، وحديث زيد على ما لا بُدَّ
منه، أو لاحتياج الأعرابيّ واستغناءِ أُبيّ.
قال المنذري: لم يقل أحد من أئِمَّة الفَتوى: إنَّ اللُّقَطةَ تُعرَّفُ ثلاثة أعوام، إلَّ شيء جاء
عن عمر. انتَهى. وقد حَكاه الماوَرْدي عن شَواذَّ من الفقهاء. وحكى ابن المنذر عن عمرَ
أربعة أقوال: يُعرِّفُها ثلاثةَ أحوال، عاماً واحداً، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام. ويُحُمَلُ ذلك على
عِظَمِ اللَّقَطة وحَقارَتها. وزاد ابن حَزمٍ عن عمر قولاً خامساً: وهو أربعةُ أشهُر.
وجَزَمَ ابن حَزْم وابن الجَوْزي بأنَّ هذه الزِّيادةَ غَلَط. قال(١): والذي يَظهَرُ أنَّ سَلَمَةَ
أخطأ فيها ثمَّ تَبَّتَ واستذكَرَ واستَمَرَّ على عامٍ واحدٍ، ولا يُؤخَذُ إلَّا بما لم يَشُكَّ فيه
٨٠/٥ راويه. / وقال ابن الجَوْزي: يُحْتَمَلُ أن يكون ◌َ لّهِ عَرَفَ أنَّ تعريفَها لم يقع على الوجه الذي
ينبغي، فأمَرَ أُبَيّاً بإعادة التَّعريفِ كما قال للمُسيءٍ صلاتَه: ((ارجِعْ فصَلِّ فإِنَّك لم تُصَلِّ))(٢)
انتَهى، ولا يخفى بُعْدُ هذا على مثل أُبيِّ مع كَونِه من فقهاء الصحابة وفُضلائهم.
(١) القائل هو ابن حزم، وكلامه هذا في ((المحلى)) ٢٦٢/٨ -٢٦٣.
(٢) سلف برقم (٧٥٧).